أخبار عاجلة
الرئيسية / الدراسات والأبحاث / عروض ونقد كتب / تغطية الإسلام لإدوارد سعيد

تغطية الإسلام لإدوارد سعيد

العنوان: تغطية الإسلام: كيف تتحكم أجهزة الإعلام ويتحكم الخبراء في رؤيتنا لسائر بلدان العالم.

المؤلف: إدوارد سعيد.

الترجمة: د. محمد عناني.

الطبعة: ط. 1.

مكان النشر: القاهرة.

تاريخ النشر: 2005.

الناشر: رؤية للنشر والتوزيع.

الوصف المادي: 352 صفحة.

الرقم الدولي الموحد: 0-00-6174-977.

امتداداً لكتابه الاستشراق وكتاباته النقدية، واستنادًا على التغطية الإعلامية في أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران، وعلى حال الدول العربية النفطية، ومن خلال اطلاع ادوارد سعيد للكتب والصحف والمقالات والإعلام وربطها بالصورة التي رسمتها أوروبا للإسلام منذ العهود الاستعمارية والتي تعمل على استمرارها من خلال المستشرقين والخبراء بالإسلام، ومن خلال مراقبته وتتبعه لآراء المتخصصين في الدراسات الإسلامية؛ يعمل المُفكر الفلسطيني البارز “إدوارد سعيد” على الإجابة على السؤال التالي وفق منهج علمي دقيق: كيف يتناول الغرب الإسلام ويتعامل معه؟

في هذا الكتاب يهدف المٌفكر العربي البارز “إدوارد سعيد” إلى كشف العوامل التي أدت إلى تكوّن الصورة المشوّهة للإسلام في الغرب، واستمرارها حتى وقتنا هذا. ومعظم هذه العوامل يعود لبدايات المشروع الاستعماري الغربي، ولكتابات المستشرقين، ومن يُطلقون على أنفسهم صفة الخبراء بالإسلام، وبعض الأجهزة الإعلامية الغربية العِملاقة.

وفي هذه الأطروحة يتناول الكاتب “تغطية الإسلام” في الغرب من خلال تقسيم مؤلفه إلى مٌقدمة وثلاثة فصول رئيسية.

المقدمة:

يوضح الكاتب أن الفكرة المحورية لهذا الكتاب تتبلور حول الدور الخطر الذي مارسه ويُمارسه الإعلام الغربي، والأمريكي تحديدًا، في بث بذور الكراهية تجاه الإسلام وحضارة المسلمين، حتى باتت الآراء في الغرب تتفق علي اعتبار الإسلام كبش فداء ينسبوا إليه كل ما نكرهه في الأنساق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فاليمين يري أن الإسلام يمثل الهمجية، واليسار يري أنه يمثل حكم الدين في القرون الوسطي، وما تتفق عليه هذه الدوائر جميعا فهو استحالة قبول جوانب كثيرة من هذا الدين.

وبحسب إدوارد سعيد فإن “ضآلة ما تعرفه المجتمعات الغربية عن عالمنا الإسلامي” هي الأطروحة الجوهرية في هذا الكتاب (تغطية الإسلام)، وتحمل في طياتها مدى الجهل الحقيقي لهذه المجتمعات بحقيقة الدين الإسلامي، والحضارة الإسلامية، فضلاً عن حجم التضليل والتعتيم الذي تُمارسه آلة الإعلام الغربية فيما يخص العالم الإسلامي، جنباً إلى جنب مع ما قدَمه الاستشراق من صور نمطية سادت في الذهنية الغربية لوقت من الزمن، حيث يصفه سعيد “أسلوبًا غربيًا للهيمنة على الشرق، وإعادة بنائه، والتسلط عليه”.

ويقول سعيد إننا ما لم نفحص الاستشراق باعتباره لونًا من ألوان الخطاب فلن نتمكن مُطلقًا من تفهم المبحث البالغ الانتظام الذي مكَن الثقافة الأوروبية من تدبير أمور الشرق – بل وابتداعه – في مجالات السياسة وعلم الاجتماع، وفي المجالات العسكرية، والأيديولوجية، والعلمية والخيالية في الفترة التالية لعصر التنوير، ولقد بلغ من توطيد مكانة الاستشراق أن أحدًا لم يكن يقدم على الكتابة أو التفكير أو اتخاذ أي إجراء بصدد الشرق دون أن يأخذ في حسبانه القيود التي يفرضها الاستشراق على الفكر والعمل.

في هذا الكتاب أيضًا يوثق سعيد بطريقة علمية دور وسائل الإعلام الغربية المعاصرة، في تشويه الإسلام بوصفه دِينًا، وتشويه قضايا العالم العربي تبعًا له.

مع أن سعيد حدد الثورة الإسلامية 1979 في إيران، وما تلاها من صدام مع الولايات المتحدة الامريكية، كنقطة انطلاق لحملة الغرب الحالية المعادية للإسلام، فهو يثبت أن الحملة لم تقتصر على إيران، ولكنها شملت كافة البلدان العربية والإسلامية، وقضايا شعوبها أيضًا. وهو لا يتجنى على “الإعلام الغربي” بل يثبت مسؤوليته المباشرة عن ترويج صور نمطية، وأحكام جاهزة تعسفية على الإسلام والمسلمين، كدين “شيطاني” مرتبط بالشر والعنف.

الفصل الأول: تصوير الإسلام في الأخبار:

يقول “إدوارد سعيد” في بداية هذا الفصل، عندما أرادت شركة أديسون المتحدة بنيويورك (شركة كون إيد) أن تُقْنع الأمريكيين بضرورة توفير مصادر بديلة للطاقة، أذاعت إعلاناً تلفزيونياً مثيراً في صيف 1980، يتضمن لقطات متحركة قديمة لبعض الشخصيات المعروفة في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) – مثل الدكتور أحمد زكي يماني، والعقيد معمر القذافي، وبعض الشخصيات العربية التي تلبس الزي العربي وإن تكن أقل شهرة – ويمزج بينها، بالتناوب، وبين بعض اللقطات الثابتة الأخرى، إلى جانب لقطات لشخصيات أخرى ارتبطت أسماؤها بالنفط والإسلام مثل الخوميني، وعرفات، وحافظ الأسد، ولم يشر الإعلان إلى أي من هذه الشخصيات بأسمائها، ولكن المذيع قال بصوت المنذر المحذّر إن (هؤلاء الرجال) يتحكمون في مصادر النفط الأمريكية، وكان صوت المذيع القادم من الخلفية ذا نبرات وقورة، ولم يفصح عن أسماء (هؤلاء الرجال) ولا عن البلدان التي ينتمون إليها، بل ترك المشاهدين يشعرون بأن هذه الكوكبة من الأشرار الذكور قد أوقعوا الأمريكيين في قبضة من يتلذذ بتعذيبهم دونما ضابط أو رابط. وكان يكفي أن يظهر (هؤلاء الرجال) على النحو الذي ظهروا به في الصحف والتلفزيون حتى يعتري الأمريكيين مزيجٌ من مشاعر الغضب والاستياء والخوف. وكانت هذه المشاعر هي التي عمدت شركة (كون إيد) إلى إثارتها واستغلالها فوراً لأسباب تجارية محلية، تماماً كما حدث قبل عام واحد، عندما ألح “سيتورات أيزنستات”، مستشار الرئيس كارتر للسياسات المحلية، على الرئيس أن (يتخذ خطوات قوية لحشد الأمة والالتفاف حول أزمة حقيقية وتحديد عدو واضح لنا “منظمة أوبك”).

ويتضمن إعلان شركة (كون إيد) عنصرين يشكلان معاً موضوع هذا الكتاب. الأول هو، بطبيعة الحال، الإسلام، أو بعبارة أخرى صورة الإسلام في الغرب بصفة عامة، وفي الولايات المتحدة بصفة خاصة. والثاني هو استخدام هذه الصورة في الغرب وخصوصاً في الولايات المتحدة. يرى “سعيد” أن العنصران يرتبطان ببعضهما البعض ارتباطاً يكشف لنا في النهاية عن الكثير في الغرب وفي الولايات المتحدة، مثلما يكشف لنا، بوسائل أقل وضوحاً وطرافة، عن بعض جوانب الإسلام.

يرى إدوارد سعيد أنه ومنذ القرن الثامن عشر، وحتى يومنا هذا، وردود الأفعال الغربية الحديثة إزاء الإسلام يسيطر عليها نمط تفكير تعرض للتبسيط بصورة جذرية، ما زلنا – على حد قوله – نستطيع أن نطلق عليه صفة “التفكير الاستشراقي”. والأساس العام للفكر الاستشراقي يقوم على هيكل جغرافي يتم عن خيال خصب وإن كان يتسم بالاستقطاب الجوهري، إذ يُقسم العالم إلى قسمين غير متساويين، أما القسم الأكبر “المُختلف” فاسمه الشرق، وأما القسم الاّخر، الذي يٌعرف باسم “عالمنا” فهو الغرب.

ودائمًا ما تنشأ أمثال هذه التقسيمات عندما ينزع أحد المجتمعات إو إحدى الثقافات إلى تأمل مجتمع اّخر مٌختلف أو ثقافة أخرى مُختلفة. لكن الطريف هنا هو أن الشرق، حتى مع اعتباره وباستمرار أدنى مرتبة من الغرب، دائمًا ما يتمتع بما أضفاه الغربيون عليه من تفوق على الغرب في الحجم وفي القوة الهائلة الكامنة فيه (والتي عادةً ما توصف بأنها هدامة). ولما كان الإسلام ينتمي في نظرهم دائمًا إلى الشرق، أصبح مصيره الخاص داخل هيكل الاستشراق العام هو أن ينظروا إليه في أول الأمر كما لو كان وحدة متجانسة جامدة. ثم ينظروا إليه بعد ذلك بمشاعر بالغة الخصوصية من العداء والخوف معًا. ولا شك أن لذلك أسبابه الدينية والنفسية والسياسية الكثيرة، ولكن كل هذه الأسباب ترجع إلى إحساس الغرب بأن الإسلام لا يقتصر على كونه منافسًا قويًا بل يُمثل كذلك تحديًا للمسيحية.

يوضح سعيد أن الغربيين كانوا يعتقدون في معظم فترات العصور الوسطى وفي إبان مطلع عصر النهضة في أوروبا أن الإسلام دين شيطاني غامض. ولم يكن يعنيهم أن المسلمين يعتبرون محمدًا صلى الله عليه وسلم نبياً لا إلهاً، وأما الذي كان يعني المسيحيين فهو أن يصفوا محمدًا بأنه نبيَ كاذب، رجل يبذر بذور الشقاق، ويحب الملذات الحسية، ومنافق وعميل للشيطان.

 ورغم هذه الصورة السلبية عن نبي الإسلام في الغرب إلا أن الإسلام كان قوة سياسية جبارة، فقد استمرت الجيوش والأساطيل البحرية الإسلامية العظمى على مدي قرون طويلة تٌهدد أوروبا، وتدمر مواقعها المتقدمة، وتستعمر أملاكها. وبدا لهم كأنما برزت في الشرق صورة أخرى للمسيحية، أكثر شبابًا ورجولة وطاقة، فتسلحت بعلوم اليونان القدماء، وتدعمت بعقيدة حربية بسيطة لا تعرف للخوف سبيلاً وتبغي هدم المسيحية. واستمر الخوف مما أطلق الغربيون عليه اسم “الديانة المحمدية” حتى بعد أن تعرض عالم الإسلام للتدهور، وبدأت أوروبا عصر الرقيَ والنهضة. وقد أدت مجاورة العالم الإسلامي لأوروبا إلى إثارة ذكريات غزواته لأوروبا وتذكيرها دائمًا بقدرته الكامنة على إزعاج الغرب.

أما حضارات الشرق الكبرى الأخرى – ومن بينها الهند والصين – فيمكن اعتبارها منهزمة ونائية ومن ثم فهي ليست مصدر قلق مستمر، وبدا لهم أن الإسلام وحده هو الذي لم يستسلم تمامًا في أي يوم للغرب، وعندما بدا أن العالم الإسلامي يوشك أن يُكرر انتصاراته القديمة من جديد في أعقاب الارتفاع الكبير في أسعار النفط في أوائل السبعينيات، سرى في جسد الغرب كله ما يُشبه رجفة الرعب.

ثم جاء عام 1978 لتحتل إيران قلب مسرح الأحداث وتتسبب في إحساس الأمريكيين بمشاعر متزايدة من القلق والتوتر. ولم يسبق لبلدان كثيرة تبعد هذه المسافة وتختلف ذلك الاختلاف عن الولايات المتحدة الأمريكية أن شغلت الأمريكيين بمثل هذا العمق، ولم يحدث من قبل أن أحس الأمريكيون بمثل هذا الشلل، إذ بدا أنهم لا يستطيعون أن يحولوا دون تتابع وقوع تلك الأحداث الدرامية المتتالية، ولم يتمكنوا في غِمار ذلك كله من نسيان أو تناسي إيران.

زاد من كره الغرب والأمريكيين للإسلام والمسلمين عندما قامت الثورة الإيرانية ضد حكم الشاه، وفر الشاه إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 22 أكتوبر 1979، بعدها قامت مجموعة من الطلاب الإيرانيين باحتلال سفارة الولايات المتحدة في طهران يوم 4 نوفمبر، واحتجاز عدد كبير من الرهائن الامريكيين.

وينتقد “سعيد” تناول الإعلام الغربي لأزمة الرهائن الأمريكيين في طهران، حيث يرى أن أغلب محرريهم وإعلامييهم تجاهلوا تماماً تدخل أمريكا السافر في إيران منذ عقود والإطاحة برئيس الوزراء الإيراني “محمد مصدق”، كما ساعد الأمريكيون الشاه وهو يقتل ويعذب ويسرق شعبه.

 ولكا كان الغرب –وفق إدوارد سعيد- يقوم بعملية تعميم شامل على جميع المسلمين والإسلام كله لأي تجربة أو حدث خاص.، فقد دفع هذا الأمر – وفقًا لسعيد – عددًا كبيرًا من الكتاب والصحفيين والروائيين الغربيين إلى شن كراهية شديدة للإسلام. ومن هؤلاء على سبيل المثال “ف. س. نايبول”([1]) الذي لعب دورًا كبيرًا في مجال المساعدة على توضيح هذا العداء العام للإسلام، أشار “نايبول” في عام 1980 في مقابلة صحفية نشرتها مجلة (نيوزويك انترناشونال) إلى كتاب يكتبه عن “الإسلام”، يقول فيه: “إن الأصولية الإسلامية تفتقر إلى أي جوهر فكري، من ثم لابد أن تنهار”. لكنه لم يحدد الأصولية الإسلامية التي يعنيها، ولا الجوهر الفكري الذي يشير إليه، وإن كان يقصد إيران دون شك. وفي كتابات عديدة أخري لـ “نايبول” يحوٍل صورة الإسلام إلى القُراء إلى عنوان يشمل كل ما يرفضه الإنسان من موقف العقلانية المتحضرة الغربية، فهو يلصق كل التهم بالإسلام.

ولا شك أن “نايبول” وغيره يُخطئ خطئًا فادحًا عندما يتخذ أحكام على بعض الأحداث أو الشخصيات الإسلامية وتعميمها على الإسلام ككل ومٌهاجمة الدين الإسلامي وصورة الإسلام في الأخبار الغربية.

كما أشار إدوارد سعيد إلى إشكالية أخرى يُعاني منها الغرب وهي أن الذهن الغربي يواجه صعوبة في تفهم القوة التي يُمارسها الإسلام، فلقد ظل الإسلام على امتداد قرون طويلة يُمثل قوة رئيسية في حياة الغرب، ويبدو أن هذه القوة في ازدياد. فالإسلام لا يفصل بين الدين والدولة، فهو نظام جامع لا يقتصر على العقيدة بل يشمل العمل كذلك، وبه قواعد ثابته تحكم الحياة اليومية، ودافع روحي يدفع المسلم إلى مواجهة الكافر أو هدايته للإسلام، وهذا ما يرفضه الغرب والمستشرقون.

ووفقًا لسعيد، عمد الغرب لمواجهة الإسلام على الاعتماد على جهاز كامل للإعلام ووضع السياسات في الولايات المتحدة الامريكية بحيث يعتمد على الأوهام وينشرها على نطاق واسع. إضافة للاعتماد على شرائح عريضة من المُثقفين المتحالفين مع رجال الاستراتيجيات الجغرافية السياسية والذين يشتركون في الإدلاء بآراء مُفصَلة مُسهبة عن الإسلام، وعن النفط، وعن مُستقبل الحضارة الغربية، وعن الكفاح في سبيل الديمقراطية ضد القلاقل والإرهاب الذي يُلصقونه بالإسلام.

يرى إدوارد سعيد أن من يقف وراء هذا الهجوم الصارخ على الإسلام والمسلمين مؤسسات ذات نفوذ جبار، مثل شركات النفط، والشركات العملاقة، والشركات المُتعددة الجنسيات، وأجهزة الدفاع والاستخبارات، وكيانات تنفيذية تابعة للحكومات الغربية.

كما كشف “إدوارد سعيد” في هذا الكتاب إلى الصورة التي يرسمها المستشرقون الغربيون للشرق حتى بدا أنها حقيقة على رغم من زيفها، وأن صورة الشرق تلك كانت تباع للغرب في ظل نظام اقتصادي يحكمه الربح المادي فما يريده السوق يقدمه الكُتّاب فالسوق يريد صور مكان غريب متخلف عن ركب الحضارة يسوده التفكير اللاعقلاني والمتع الحسية وخصوصا الاستغراق في الملذات الجنسية.

كما تناول “سعيد” أمثلة لآراء في الغرب تري أن الاستعمار كان مفيداً وأنه بعد انتهاء الاستعمار كانت الهمجية، وأن الاستعمار أتي بالهدوء والنعيم وكأنما أيام الاستعمار أفضل أيام عاشتها الشعوب، وأما انتهاك مشاعرهم وتشويه تاريخهم وتعاسة مصائرهم لا قيمة لها ما دمنا من وجهة نظره نواصل الظفر بما هو مفيد لنا وهي الموارد الثمينة.

ويقول “سعيد” أنه لما كانت أجهزة الإعلام شركات تسعى لتحقيق الربح، فإنها تهتم بترويج صور معينة للواقع وتقديمها على غيرها، وهي تفعل هذا في سياق سياسي يكتسب حيويته وتأثيره من أيديولوجيات قائمة على مستوى اللاوعي، وهي التي تنشرها أجهزة الإعلام دون تحفظات أو معارضة جادة.

حادثة الأميرة في سياقها:

كما يرى “إدوارد سعيد” أن وسائل الإعلام الغربية لا تقتصر فقط على نشر الأخبار الكاذبة فيما يتعلق بالإسلام والمسلمين، بل امتد الأمر أيضًا إلى الدراما الغربية؛ والتي يٌفترض من وجهة نظره أنها جادة، وذلك عندما أذاعت قناة BBC البريطانية فيلمًا وثائقيًا عام 1980 بعنوان “وفاة أميرة”، كان فيلمًا بريطانيًا في شكل درامي وثائقي لإعدام أميرة سعودية وعشيقها من عامة الشعب، واستغلت وكالات الأنباء الغربية هذا الحدث لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، كما أثار عرض هذا الفيلم الكثير من التوتر في ذلك الوقت الأمر الذي أدى لنشوب أزمة في العلاقات بين بريطانيا والسعودية سحبت بموجبها السعودية سفيرها في لندن، وطردت السفير البريطاني في الرياض وشنت حملة سعودية ضد بريطانيا. كما تدخلت شركات النفط مثل “موبيل” وأدانت الفيلم وصُناعه في إعلان ضخم في جريدة نيويورك تايمز، ومورست الضغوط من قبل الحكومات لمنع عرض الفيلم. كما منعت السلطات السعودية وقتها المشاركين في الفيلم من دخول أراضيها، وهددت بفرض مزيد من العقوبات.

وذلك لأن الفيلم في نظر السعوديين يُمثل إهانة للإسلام، ويقدم صورة خاطئة للمجتمع العربي بصفة عامة وللعدالة السعودية بصفة خاصة.

الفصل الثاني: قصة إيران

تطرق ادوارد سعيد في هذا الفصل لكيفية تناول الإعلام الأمريكي لمسألة احتلال السفارة الأمريكية في طهران نهاية عام 1979، بالتالي يعالج عبر هذا الحدث الموقف الأمريكي السياسي الرسمي والثقافي من الثورة الإسلامية في إيران، وصولا الى مسألة في غاية الحساسية ألا وهي آلية الإعلام الأمريكي في صناعة الصورة وصياغة الأحداث وسردها عموما، وطريقة التغطية الإعلامية لحادثة احتلال السفارة الأمريكية في طهران خصوصا.

بهذه المناسبة سلط سعيد الضوء على عمل وأداء الإعلام الأمريكي في أيام الأزمات. فقد وثق ودقق وقارن بين أداء العديد من أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والصحف الكبرى خلال فترة زمنية تجاوزت عدة أشهر من عمر الحدث.

حيث عمل أكثر من ثلاثمائة صحفي في طهران على تغطية حدث احتلال السفارة واحتجاز الرهائن.  توصل الكاتب لنتائج قيمة لم يصبها في قوالب مهنية إعلامية فحسب، بل توصل عبر أداء الإعلام الأمريكي إلى خلاصات مهمة متعلقة بالثقافة الأمريكية وبالسياسات التي تتبعها مراكز القرار، فضلا عن معرفة جانب من الذهنية الأمريكية وتصوراته للعالم الإسلامي.

بيًن إدوارد سعيد مستوى التسطيح والاختزال الذي قام به الإعلام الأمريكي لمعرفة الإسلام والمسلمين. فأكد على أن أمريكا لم تكن تعرف الإسلام على مستوى واسع، حتى صدمتها الثورة الإيرانية وداهمتها بأحداث احتلال السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، لذلك سارع الإعلام الأمريكي لسد الثغرة المعرفية باستعجال، وسعى لخلق صورة لإيران الشيعية ومن خلالها صورة مشوشة للعالم الإسلامي.

كما أفصح سعيد بشجاعة عن أن الإعلام الأمريكي ليس مستقل تماما، ولا حر بالقدر الكافي، فالمسألة نسبية. وثمة تنافس على صناعة الخبر وطريقة نشره، وهذا كله يهدف من وراءه خدمة الجهات الممولة بطريقة غير مباشرة.  وأكد على وجود قوى جاثمة وراء الستار لإدارة المؤسسات الإعلامية الكبرى في الغرب. فالإعلام الأمريكي يبدو وكأنه غطاء لمصالح المؤسسات المالية الكبرى، وهي تخدمها بذكاء وحرفية حينا وبطرق فجة حينا آخر. أما الخبر فهو بحد ذاته مستقل، لكن صناعة الخبر في أمريكا علم بحد ذاته، فشكل صياغة الخبر وطريقة سرده وتوقيت نشره له هدف ووظيفة محددة. فالإعلام الغربي عموما له خطة وهدف رئيس هو تشكيل وصياغة الرأي العام.

كما أشار إلى أن الفرصة لم تتح للمتلقي الأمريكي لمعرفة الإسلام، لكن تكثيف الصور الواردة في حدث احتلال السفارة والمرافق للثورة في إيران أظهرت فقط الجانب المظلم من الاسلام، الجانب المعادِ للديمقراطية الغربية.

كما أبدع ادوارد سعيد في توصيف، ورصد وتحليل طريقة تناول الإعلام الأمريكي للأحداث في العالم الإسلامي، وكذلك رسم وصياغة صورة الآخر: الآخر المسلم، إضافة الى صورة الإسلام عموما، والإسلام الشيعي على وجه الخصوص. فمن خلال تفاصيل تناول الإعلام الأمريكي لحادثة احتلال السفارة، وضع سعيد هذا الإعلام تحت مشرح النقد العلمي الرصين. حتى اتخذ من الحدث والتغطية اختبارا حقيقيا وصعبا لمهنية ودرجة حيادية الإعلام الأمريكي بمختلف اتجاهاته. لدرجة أن وصفها قائلاً: “كان تناول أجهزة الإعلام لأنباء (الإسلام) وإيران في عام 1979 يتسم بدرجة بالغة من الضعف والروح العدائية، حتى إننا لنظن أن ذلك قد أضاع عددا من الفرص السانحة لحل أزمة الرهائن، وربما كان ذلك هو السبب الذي حدا بالحكومة الإيرانية في عام 1980 إلى أن تقول إن تقليل عدد الصحفيين في إيران قد يؤدي إلى تهدئة التوتر ويؤدي إلى الحل السلمي.”

وهذا ما شكل محور كتابه: درجة فعالية الإعلام في التأثير على مسار أحداث عالمنا المعاصر.

الفصل الثالث: المعرفة والسلطة

يشير “إدوارد سعيد” في هذا الفصل إلى أن “وسائل الإعلام تستطيع أن تقول ما تشاء عن الإسلام لأنها تستطيع ذلك” لأن الاهتمام الأوربي بالثقافات الأخرى جاء نتيجة لظروف تجارية واستعمارية تميزت بالتوسع العسكري والغزو الإمبراطوري.

ومن هذا المنطلق فإن المعرفة في هذا المجال لا تحصل إلا في ظل القوة المسيطرة والغاشمة على الثقافة المستهدف معرفتها. وكنموذج على ذلك؛ العلاقة الوثيقة بين الأنثروبولوجيا والامبريالية وهذا ما انتبه إليه “كلود ليفي ستروس”([2]) عندما عبر عن قلقه من كون الإمبريالية هي إحدى العناصر المكونة للدراسات العرقية الميدانية. فالأمر يتعلق حسب سعيد بشبكة كبرى مكونة من خبراء وحكوميين ورجال أعمال وأساتذة جامعيين يلعبون دورًا كبيرا في توجيه البحث في مجال الثقافات الأخرى، وعلى الباحث الشاب أن يعتمد على هذه الشبكة للحصول على دعم أو منحة للقيام بأبحاثه.

كما أن الخبراء المختصون بالإسلام والذين يقومون بدراسات هائلة عن الثقافة العربية الإسلامية من جميع النواحي يتم تحييدهم حتى لا ينافسوا النماذج التي تنشرها وسائل الإعلام، والتي يتم التعامل معهم كرموز اجتماعية تضفي المزيد من الشرعية على السلطات القائمة، وبذلك تستمر عملية إخفاء الحقيقة حول تلك المجتمعات.

ويفترض سعيد أنه إذا كانت المعرفة هي القوة، فإن أولئك الذين يتحكمون في وسائل الإعلام الغربية الحديثة (المرئية والمسموعة) هم الأقوى، لأنهم قادرون على تحديد ما يُحبه الناس أو يكرهونه، وما يجب أن يعرفوه وما يجب ألا يعرفوه.

كما يرى سعيد أن الإنسان بطبيعته كائن عقلاني ميزه الله بالعقل القادر على التفكير والتأمل، ووفقًا للإسلام فإن التأمل والتعقل هو ما يُميز الإنسان عن غيره من الكائنات، ويقول “سعيد” إن وسائل الإعلام الغربية تريد أن يكون الشخص – غير عقلاني – بمعنى قبول فكرة أو الموافقة عليها دون التحقق منها أو التفكير فيها أو التشكيك في صحتها، فسعيد يرى أن اللاعقلانية تُعنى ترك شخص ما يفكر ويقرر مصير الاّخرين، أي السماح لشخص ما بالتحكم في الاّخرين.

كما أشار سعيد إلى قدرة وسائل الإعلام على التحكم في المعلومات، وإطلاق ما تريد أن يعرفه الناس وحجب ما لا تريدهم أن يعرفوه. ويدعي سعيد أن وسائل الإعلام حددت بشكل انتقائي للغاية ما يجب على الغربيين وما لا ينبغي عليهم معرفته عن الإسلام والعالم الإسلامي. حيث يصور الإسلام على أنه مستبد (بفرضه الحجاب على النساء)؛ وأنه عفا عليه الزمن (شنق وقطع الرؤوس ورجم المُخطئ حتى الموت)؛ مناهض للفكر (حرق الكتب)؛ تقييدي (حظر العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج وتحريم الكحول ولعب القمار)؛ متطرف؛ ورجعي؛ وأنه سبب من أسباب الصراع ويُمثل خطرًا على العالم.

يقول سعيد إن وسائل الإعلام الغربية الحديثة لا تريد أن يعرف الناس أن الرجال والنساء متساوون في الإسلام. وأن الإسلام دين معرفة بامتياز، كما أن الإسلام دين ذو مبادئ أخلاقية راسخة وقانون أخلاقي ثابت؛ وعلى المستوى الاجتماعي يؤيد الإسلام المساواة والأخوة. وسياسيًا يرمز الإسلام إلى الوحدة والحكم الإنساني. واقتصاديًا يرمز الإسلام إلى العدل والإنصاف. وأن الإسلام هو في نفس الوقت دين روحي عميق ودين عملي للغاية. يدعي سعيد أن الكذب والباطل بشأن الإسلام والعالم الإسلامي يتم الترويج له باستمرار في وسائل الإعلام، باسم الموضوعية والليبرالية والحرية والديمقراطية و “التقدم”.

خاتمة

وخلاصة القول فإن هذه التغطية التي تهدف إلى وضع الإسلام في تعارض جذري مع الغرب تخدم أغراضا لا علاقة لها بالمعرفة الحقة. لكن هذه التغطية لا تصمد كثيرا أمام بعض العقول الحرة التي اكتشفت أصل اللعبة واعتبرت معرفة الإسلام تخضع لاهتمامات سياسية فورية. ويؤكد “إدوارد سعيد” بأن الوقت قد حان لتفكيك هذه المنظومة التي تسعى إلى معرفة الإسلام وتاريخه في ارتباط وثيق مع الغزو والهيمنة وتحقيق المصالح الخاصة بالدول المتقدمة، فالعقل إما أن يوضع في خدمة السلطة أو في خدمة النقد والمجتمع والحس الأخلاقي.

عرض

أ. أحمد محمد علي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – ف. س. نايبول روائي بريطاني ولد في عام 1932، إلى أسرة هندوسية هاجرت من الهند. كان جده يعمل في قطع قصب السكر، وكان والده يزاول مهنة الصحافة والكتابة، في سن الثامنة عشرة غادر نايبول إلى إنكلترا حيث تحصل شهادة في الأدب عام 1953 من جامعة أوكسفورد، وهو يقيم منذ تلك الفترة في إنكلترا لكنه يخصص قسطا كبيرا من وقته لرحلات إلى آسيا وإفريقيا وأميركا، كرس حياته للكتابة الأدبية، وعمل في منتصف الخمسينات صحافيا لصالح هيئة الإذاعة البريطانية.

[2] – عالم اجتماع وأنثروبولوجي فرنسي

شاهد أيضاً

تحدي الرأسمالية: الإسلام والاقتصاد الأخلاقي

تأليف: تشارلز تريپ

عرض: أ. رحمة إبراهيم حسين

صدر كتاب "تحدي الرأسمالية: الإسلام والاقتصاد الأخلاقي" للمؤرخ البريطاني تشارلز تريپ, قبيل الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتوضيح الجانب الأخلاقي في الاقتصاد، ويهدف "تريپ" في كتابه توضيح ضوابط ترويض توحش الرأسمالية، وكيف تعاطى المسلمون ومن بعدهم الإسلاميين مع الرأسمالية

مدخل إلى القرآن الكريم. ج. 1

مدخل إلى القرآن الكريم. ج. 1؛ في التعريف بالقرآن

تأليف: محمد عابد الجابري

عرض: أ. أحمد محمد علي

يميز الكتاب بين الزمن الطبيعي والزمن الثقافي، ويفترض أن القضايا التي يعرض لها الكتاب وإن كانت قديمة من منظور الزمن الطبيعي، فإنها تبدو معاصرة وحية من حيث الزمن الثقافي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.