أخبار عاجلة
الرئيسية / مشروعات فكرية / عبدالوهاب المسيري: المفكر الإنسان

عبدالوهاب المسيري: المفكر الإنسان

عبد الوهاي المسيري

المفكر الإنسان*

أ. مهجة مشهور

 

عبد الوهاب المسيري، من هو؟:

سيرته الذاتية:

ولد عبد الوهاب المسيري في مدينة دمنهور عام 1938، تلقى تعليمه الأولي (الابتدائي والثانوي) في بلدته، وفي عام 1955 التحق بقسم اللغة الإنجليزية كلية الآداب جامعة الإسكندرية، وقد تخرج منها عام 1959 وعين معيدا بها، وسافر الى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1963 حيث حصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة كولومبيا بنيويورك عام 1964، وعلى الدكتوراه من جامعة رتجرز بنيوجرسي عام 1969.

عند عودته إلى مصر قام بالتدريس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية من أهمها جامعة الملك سعود، كما عمل كعضو بمجلس الخبراء في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (1970-1975)، وعمل أيضا كمستشار ثقافي للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة في نيويورك.

وقد استقال د. المسيري من جامعة عين شمس عام 1990 ليتفرغ لإنهاء موسوعته عن اليهود واليهودية.

تزوج المسيري من الدكتورة هدى حجازي، أستاذة التربية بكلية البنات جامعة عين شمس. ولديه منها نور المسيري وياسر المسيري.

توفي المسيري يوم 3 يوليو 2008 بعد صراع مع مرض السرطان.

المسيري المفكر والإنسان:

د. عبد الوهاب المسيري صاحب عقل مبدع وطاقة هائلة سمحت له بتقديم إنتاج نظري ثري يتسم بالعمق والديناميكية، وقد تبلور هذا الإنتاج الثري في مشروع فكري متكامل ذي طابع منهجي، وتمثل الدراسات المتنوعة التي قام بها، بدءا من موسوعته عن الصهيونية ودراساته في الاجتماع وفي نقد الحداثة وفي النقد الأدبي وقصصه للأطفال، حالات تطبيقية لاختبار وتطوير أدواته المنهجية.

فقليلون أولئك الذين يمكن أن نجد عندهم فكرة مركزية تنساب في جميع أعمالهم وتمثل عمودا فقريا يقيم أشتات إبداعاتهم وأفكارهم، أو خاصية “جينية” تجعل لأفكارهم هوية تميزها عن الآخرين. ويعتبر د. عبد الوهاب المسيري من هؤلاء القلة. فإن كل أعماله تجليات وتطبيقات لمفهوم “النموذج التفسيري”. فالمتأمل لفكر المسيري يرى بحثا دؤوبا عن النموذج كإطار تفسيري، فهو يسعى دائما وراء القاعدة المعرفية لا الحقيقة الأيديولوجية.

تأثر المسيري بفكر مدرسة فرانكفورت، كما تأثر بالفكر اليساري بشكل عام ليس على المستوى السياسي ولكن على مستوى خلق المعنى، كانت الماركسية التي انتمى لها المسيري في مرحلة أولى من حياته لا تعني البحث عن العلاقة بين الدين والمجتمع ولكن تعني النفور الأخلاقي مما أسماه ماركس “المجتمع البورجوازي” خاصة في مسألة تدهور المجتمع وانتشار المادية الاستهلاكية. وكان للمسيري عبارة شهيرة يقولها مازحا: “أنا ماركسي على سنة الله ورسوله”.

ولا يمكن فهم الجانب الفكري للمسيري الا إذا تطرقنا الى الجانب الإنساني لديه، فالجانبان مرتبطان بوضوح، بل إن الجانب الإنساني هو ترجمة للمرتكزات المعرفية لديه. إذ يتمتع المسيري بطاقة روحية هائلة مكنته من تجاوز اللحظة الراهنة والفكاك من أسر الواقع بما سمح له بالإفلات من قبضة اليأس وانعدام الأفق والأمل، وقد سمح له هذا التجاوز بفتح الطريق الى حلم إنساني نبيل. فالمزية الإنسانية في المسيري أنه لم يدع هاجس اهتمامه بالقضايا الكبرى يطغى على الإحساس الحي العميق بحضور الحياة في كل شيء، وكان في كل ما قدمه يستهدف تقديم نموذج إنساني للشخصية العربية كما يجب أن تكون في الممارسة اليومية. هكذا ينقلنا المسيري من هاجس موسوعته الى نبض موسوعية الحياة برمتها. فالمسيري قبل أن يكون “مفكرا إنسانيا” هو إنسان يفيض بإنسانية غامرة في كل مراحل حياته، إنسان مفعم بالحياة والنشاط والأمل والإشراق الدائم، إنسان يتمتع برغبة صادقة في نشر البهجة والسرور فيمن يحيطون به، منزله ملتقى للباحثين والمثقفين —بل وأسرهم—وهم جميعا أعضاء في أسرة المسيري الكبيرة، ويظن كل من يتعامل معه أنه هو الوحيد المقرب اليه وذو حظوة خاصة لديه.

وخلال السنوات العشر الأخيرة من عمره خاض المسيري صراعه مع مرض السرطان، وقد خاض المسيري هذا الصراع –بشهادة الأطباء المعالجين له- كمريض استثنائي، خاضه بصبر قوي وإيمان عميق مثيرين للتأمل في قدرة النفس البشرية على تجاوز الآلام والمحن بروح العطاء والحب والتفاؤل. وقد شهدت هذه السنوات العشر إنتاجا علميا وفيرا للمسيري في صورة إصدارات وأبحاث ومحاضرات، فلم تكن سنوات المرض سنوات توقف وألم بل سنوات عطاء وتوصيل للرسالة التي عاش من أجلها، وكان هذا النشاط الكبير السبب وراء قول الكثيرين يوم وفاته: “لقد نسينا أن د. المسيري مريض”، ولذلك كانت وفاته مفاجأة وصدمة ثقيلة على نفس كل محبيه وتلامذته.

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية[1]:

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية هي العمل المركزي في الإنتاج المعرفي للمسيري، وهو عمل لا يعالج موضوعه فقط بعمق وحرفية ولكنه يتضمن مكونات الرؤية الفلسفية للمسيري وقناعاته، كما يقوم بنقد المرتكزات الفلسفية والأخلاقية والقيمية للحضارة الغربية.

فالموسوعة ليست مجرد موسوعة تشخيصية استاتيكية جامدة تقدم حشدا من المعلومات في موضوعها الخاص المحدد، ولا هي مجرد موسوعة نقدية تفكيكية، ولكنها موسوعة ارتفعت الى مستوى العمل التأسيسي، فقد قامت ببناء نموذج تفسيري وتصنيفي جديد. ولذلك فإن قيمة هذه الموسوعة تتجاوز بكثير موضوعها —أي اليهود واليهودية والصهيونية— لكي تطال حقولا معرفية وفكرية أخرى من خلال تقديم إطارا نظريا مستقلا، يوضح كيفية قراءة هذه المعلومات والمعارف.

وتظهر البنية العامة للموسوعة في مستويات ثلاثة:

أولا:  المستوى التاريخي: ويتضمن المفكرين والفلاسفة وبعض علماء الاجتماع والنفس القدامى من أعضاء الجماعات اليهودية مع توضيح إسهاماتهم، والى أي مدى تظهر النزعة الحلولية الكمونية الواحدية في أعمالهم.

ثانيا:  المستوى التحليلي: يتضمن المذاهب الفلسفية الكبرى وفلاسفة القرن التاسع عشر والقرن العشرين سواء أكانوا فلاسفة من الجماعات اليهودية أم من غيرها، مثل داروين وهوبز وفرويد ونيتشه.

ثالثا:  المستوى النقدي: ويتضمن موقف المسيري من “ما بعد الحداثة”، فينتقل من “الحلولية الكمونية الواحدية” إلى العلمانية الشاملة، إلى ما بعد الحداثة، التي يؤكد المسيري على العلاقة الوثيقة بينها وبين النازية والصهيونية.

ويُحسب لعبد الوهاب المسيري بهذه الموسوعة أنه نقل الصراع مع إسرائيل —على المستوى الفكري— نقلة نوعية، عندما صوب أدواته الفكرية نحو مدخل جديد، فتح الأذهان لدراسة “بنية الفكر” الذي يستند اليه المشروع الصهيوني، فسعى الى التوصل الى المفاتيح الحقيقية “لتفكيك” بنية المشروع الصهيوني المعقدة.

ويتجاوز المسيري بهذا العمل كونه مجرد باحث موسوعي، أو أستاذ أكاديمي، ليغدو صاحب رؤية فلسفية تأملية إنسانية عميقة، منطلقا من خصوصيته الحضارية الإسلامية، محاولا بهذا الجهد الموسوعي إخراج الخطاب العربي عن اليهود من سيطرة مسلمات الفكر الغربي الحديث، ومن نماذجه الذهنية في التفسير. فقد تجاوز المسيري في موسوعته التناول المعلوماتي لليهودية والصهيونية، والتحليل النقدي لهما، وقام بتطوير نماذج ثلاثة عمل من خلالها الى تفسير الظواهر اليهودية والصهيونية في شمولية أبعادها الحضارية والمعرفية والسياسية والدينية، وهذه النماذج هي: الحلولية، العلمانية الشاملة، الجماعة الوظيفية.

وقبل تناول هذه النماذج التفسيرية في موسوعة المسيري وجب علينا التأكيد أننا لا نستطيع أن نقترب من موسوعة المسيري دون اقتراب من مفهوم “النموذج التفسيري”، فقد قامت الموسوعة على جهد نظري بهدف الوصول الى نموذج تفسيري يمكن أن يفسر تاريخ الجماعات اليهودية، وبالتالي يفسر الواقع الراهن للدولة الصهيونية الاستيطانية، وهو نفسه النموذج التفسيري الذي توسع وتمدد مع صفحات الموسوعة ليصبح نموذجا لتفسير التاريخ الحضاري الغربي، بل إنه تجاوز الموسوعة وتخطى حدودها ليصنع لنفسه كيانه المعرفي المستقل، ويصبح نموذجا معرفيا لتفسير الحضارة.

” حينما نفضت المادية عن فكري أصبح من الصعب على تقبل تصور العقل الإنساني صفحة بيضاء تسجل الواقع في سلبية وبشكل مباشر، وظهرت في حياتي ثلاثة أوجه لعملة واحدة (إن صح التعبير) تعبر عن تحولي من النموذج المادي الى النموذج الذي يفصل الإنسان عن الطبيعة. هذه الأوجه هي: الانتقال من الموضوعية الفوتوغرافية التوثيقية والمعلوماتية الى الموضوعية الاجتهادية، ورفض العقل السلبي وتبني رؤية توليدية للعقل، وأخيرا رفض الرصد المباشر وتبني النموذج منهجا في التحليل “.

يؤكد المسيري أن توظيف النماذج مسألة حتمية، لأنها تدخل في صميم عملية الإدراك. والنموذج هو تجريد للواقع، هو بنية تصورية أو خريطة معرفية يجردها عقل الإنسان من كم هائل من العلاقات والتفاصيل والحقائق فتصبح صورة متماسكة ذات قدرة تفسيرية تترسخ في الذهن والوعي بحيث لا يُرى الواقع الا من خلالها. فالنماذج الإدراكية كامنة في النصوص التي نقرأها، وفي الظواهر الاجتماعية والمعايير التي نعيش وفقا لها، ومهمة الباحث، في تصور المسيري، تنصب على محاولة اكتشاف ملامح ومحددات النموذج الناظم لفكر المفكر أو الحاكم لسلوك أفراد المجتمع. هذا هو النموذج الإدراكي.

ولكل نموذج باعتباره صورة عقلية مجردة ونمط تصوري للواقع، خلفيته المعرفية، إذ تكمن خلف كل نموذج معايير داخلية تتكون من معتقدات وفروض ومسلمات وإجابات عن أسئلة كلية ونهائية تشكل جذوره الكامنة وأساسه العميق، وتزوده ببعده الغائي. وتشكل المعايير الداخلية جوهر النموذج والقيمة الحاكمة التي تحدد ضوابط السلوك، وما هو مشروع وما هو محظور، وما هو مطلق وما هو نسبي. 

إن الفكرة الارتكازية التي يقوم عليها فكر المسيري هي إيمانه بأن الإنسان ظاهرة مركبة، لا يمكن أن تختزل الى ما دونها، أي الى الطبيعة / المادة، وهو ما يجعل دراسة الإنسان تستوجب الاعتماد على نماذج مركبة تعبر عن قدر من الثنائية، عكس نماذج دراسة الطبيعة، فهي نماذج مادية بسيطة، قوانينها ثابتة يمكن التنبؤ بها والتحكم فيها.

والآن ننتقل لدراسة النماذج التفسيرية الثلاثة التي لجأ إليها المسيري في تفسيره لليهودية والصهيونية:

أولا: الحلولية الكمونية الواحدية

الحلولية الكمونية هي رؤية للواقع ترى أن الإله قد حل في العالم حتى أصبح متوحدا معه غير متجاوز له، أي تم إنكار المسافة بين الخالق والمخلوق حتى صارا جوهرا واحدا، واختفت ثنائيات الخالق والمخلوق، الإنسان والطبيعة، والكل والجزء، والعام والخاص، لتظهر الواحدية الكمونية الواحدة.

ويرى المسيري أن التوحيد هو الإيمان بإله واحد منزه عن الطبيعة والتاريخ والإنسان، فيما تظهر الحلولية عند الإيمان بإله حال كامن في الطبيعة والإنسان والتاريخ.

وقد قام المسيري بتحرير المفهوم من معناه العقدي وأكسبه دلالة تحليلية في دراسة العلمانية والحداثة، ومحاولات التجاوز في تيارات ما بعد الحداثة. فحين يستعصي التجاوز (بتهميش الدين) تسود الحتميات وتصفى الثنائيات وتصبح الظواهر ذات بعد واحد. أي تسود الواحدية (الروحية والمادية).

يرى المسيري أن القيمة المركزية في الحضارة الغربية تمر بمراحل للحلول المتتالي، فيحل العقل الإنساني محل القيمة الدينية، ويتغير المطلق المعرفي من الدين (وهو مطلق) الى العقل الإنساني (وهو نسبي)، ومن هذه العملية، يتخذ العقل الإنساني صفة ليست فيه، فيصير مطلقا رغم أنه نسبي، فيحل المعنى الأعلى في مكون أدنى منه، ويتحول النسبي الى مطلق فتتم تنحية المطلق.

بهذا التحليل يبين المسيري كيف يمكن أن نميز العواقب الاجتماعية لأفكار لاهوتية كالتجاوز والحلول والكمون.

ثانيا: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة:

 وضع المسيري العلمانية بوصفها محددا رئيسيا للتحليل الاجتماعي والتاريخي للحداثة الغربية. ونبه الى أن حركة العلمنة ليست فعلا واعيا أو تعبيرا معلنا وواضحا بالضرورة، بقدر ما هي حركة بنيوية خفية، تفوق إرادة الأفراد ووعيهم في كثير من الحالات. فالعلمانية تعمل من خلال سلوكيات فردية واجتماعية يومية، وعبر مظاهر حضارية تبدو في ظاهرها أمرا بريئا ولا علاقة له بمسألة العلمانية أو الإيمان ولكنها مع ذلك تشكل مناخا عاما مولدا أو مسرعا لحركة العلمنة وللمنظور الإجرائي العلماني. عمل المسيري على تقديم نموذج تفسيري للعلمانية باعتبارها رؤية شاملة لإعادة صياغة الواقع في إطار المرجعية المادية الكامنة.

وقد ميز المسيري بين ما سماه علمنة “جزئية” وأخرى “شاملة”. العلمانية الجزئية —وفقا له— هي الفصل بين الكنيسة والدولة، وهي بهذا المعنى، نظرة الى العالم لا تزعم لنفسها أي شمولية، ويقتصر مجالها على أمور السياسة، وربما الاقتصاد أيضا، ولا تخوض في مسائل القيم المطلقة (أخلاقية أو دينية أو غير ذلك)، ولا تشغل نفسها بالقضايا الجوهرية (كمسألة الأصل البشري، والمصير الإنساني، والهدف من الحياة…).

ينبه المسيري الى أن ظاهرة العلمنة الجزئية المرتبطة بالمراحل التكوينية الأولى من التاريخ الغربي قد تراجعت مع تصاعد معدلات العلمنة واختراقها مختلف مجالات الوعي والسلوك، ومن ثم أصبحت ظاهرة اجتماعية كاسحة وتحولا بنيويا عميقا، لم يقتصر على مجال الاقتصاد والسياسة بل شمل مختلف مناحي الحياة الخاص والعام منها. وعلى هذا الأساس اعتبر المسيري القدرة التفسيرية لنموذج العلمانية الجزئية ضعيفة الى أبعد حد، لأنها لا تستطيع متابعة ظاهرة العلمنة في مختلف تعبيراتها وتشعباتها الخفية والظاهرة.

وهنا اقترح المسيري نموذجا أكثر قدرة تفسيرية وهو (العلمانية الشاملة)، هذا النموذج التفسيري ينظر الى حركة العلمنة باعتبارها متتالية نماذجية نتجت عن تطورات بنيوية كبيرة في المجتمع، وهي لا ترمي فقط الى إلى الفصل بين الدين والدولة وبعض وجوه الحياة العامة، بل تهدف الى فصل كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية عن الحياة العامة والخاصة أيضا. وفي ظل هذا الإطار المرجعي فإن المصدر الوحيد للمعايير والقيم يغدو هو عالم الطبيعة—المادة فقط. فقد أدى توغل الدولة القومية الى درجة عالية من التنميط والضبط لضمائر الناس وأجسادهم وأرواحهم، كما أدى توغل قطاع الإعلام —ومعه قطاع اللذة— الى الاستحواذ على ما تبقى من مساحات الوعي في وجدان الأفراد عن طريق تلك النزعة الجنينية في الإنسان التي تحمل رغبة الإنسان في التخلي عن أية مسئولية أخلاقية وقيمية خارجة عنه. فأصبح القانون الطبيعي/المادي يسيطر على كل مناحي الحياة، ونزعت القداسة تماما عن العالم فتحول الى مادة استعمالية لا قداسة لها. ونتيجة لذلك ظهر العلم المنفصل عن القيمة والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة والحياة الخاصة المنفصلة عن القيمة.

وهذا يعني أن فلسفات مثل الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة)، والهوبزية (الإنسان ذئب لأخيه الإنسان)، والداروينية (الصراع من أجل البقاء، والبقاء للأصلح، أي للأقدر على التكيف)، والنيتشوية (تأكيد إرادة القوى والصراع، ورفض المحبة باعتبارها من أخلاق العبيد الضعفاء)، وأخيرا البراجماتية (العملية النفعية) هذه جميعا مجرد تنويعات مختلفة على العلمانية الشاملة.

ويذهب المسيري الى أن العلمانية والإمبريالية صنوان، فرغم أن الإنسان الغربي قد بدأ مشروعه التحديثي بالنزعة الإنسانية الهيومانية، التي همشت الإله ووضعت الإنسان في مركز الكون، فإنها شأن أية فلسفة علمانية شاملة تدور في إطار المرجعية المادية، ترى الإنسان كائنا طبيعيا ماديا، لا يعرف حدودا أو قيودا، ولا يلتزم بأية قيم معرفية أو أخلاقية فهو “مرجعية ذاته”. ومن ثم يراه المسيري متمركزا حول مصلحته وبقائه المادي لا يحتكم إلا إلى القوة المادية. وينتهي المسيري الى أن العلمانية هي النظرية، وأن الإمبريالية هي الممارسة والتي أخذت أشكالا كثيرة كالاستعمار الاستيطاني والاستعمار التقليدي والاستعمار الجديد والنظام العالمي الجديد.

وترتبط العلمانية عند المسيري بطغيان النظرة الإجرائية للعالم، أي تلك النظرة التي تبتغي المردودية والنجاعة دون اهتمام يذكر بالغايات والأهداف الكبرى. وعلى هذا الأساس يعرف المسيري العلمانية بأنها رؤية معرفية ترمي إلى تحويل الوجود الإنساني إلى مجرد وسائل وإجراءات مادية قابلة للحساب والضبط الكمي. وهذا ما يفسر تراجع المطلق الإنساني لصالح المطلقات المادية مع تصاعد معدلات العلمنة، ولصالح عالم الوسائل—الأشياء.

فقد بدأت متتالية العلمنة بالنزعات الإنسانية التي راهنت على إحلال الإنسان في مركز العالم سيدا على الطبيعة ومالكا لها وبديلا عن عالم الإله. ولكن مع تقدم مشروع الحداثة وتصاعد حركة العلمنة تراجع المطلق الإنساني لصالح المطلقات المادية غير الإنسانية، مثل مبدأ السوق والاستهلاك. وهنا يلفت المسيري النظر الى أن حرية الفرد كإنسان اقتصادي وهم مخادع بحكم عمليات التنميط وقدرة السوق الرأسمالية على التحكم في البواعث النفسية ومخازن لا وعي المستهلكين.

وقد قام المسيري بنحت مجموعة من المصطلحات لتعينه على رسم ملامح العلمانية الشاملة منها: الاغتراب، التشيؤ، الحوسلة، التسلع، التوثن.

ثالثا: الجماعات الوظيفية

يعتبر هذا المفهوم واحد من أهم المفاهيم والنماذج التي طورها المسيري وأكثرها إثمارا. فمفهوم الجماعة الوظيفية يقوم على أساس التعاقد الوظيفي مع جماعة تنتمي الى نسق مغاير للنسق الحضاري الذي تعيش فيه، فهي تؤدي وظيفة ضرورية لا يستطيع أو يستنكف المجتمع أن يؤديها، ويرتبط وجود هذه الجماعة بمدى قيامها بهذه الوظيفة المكلفة بها، وبدون هذه الوظيفة تنتهي صفة الجماعة ومعها قد ينتهي وجودها أو ترحل أو ينفرط عقدها.

 بمهارته على فهم الحياة الاجتماعية وما لديه من رؤية النساج الماهر قام بالتقاط خيوط النسيج لدراسة هذه الجماعات الوظيفية في المجتمعات عبر التاريخ، سواء منها المرابين اليهود في القرون الوسطى والإنكشاريين في المجتمعات الإسلامية أو المماليك في مصر.

ويؤكد المسيري أن ظاهرة الجماعات الوظيفية تتجلى أشد ما تتجلى في ثلاث تجارب في العالم الحديث، اللحظة السنغافورية التي يظهر فيها الإنسان الاقتصادي بطاقته الإنتاجية وقدرته الشرائية، واللحظة التايلاندية التي يظهر فيها الإنسان الجسماني بطاقته الجنسية، واللحظة النازية والصهيونية التي يطفو فيها الإنسان الطبيعي المادي بإرادته على السيطرة والقوة.

حين انتهى المسيري من موسوعته الكبرى عام 1999، رأى أنه من المفيد التأمل في إنجازه وتطوير مقولاته بل وتبسيطها وتيسيرها للقارئ واستخلاص النتائج الفلسفية والمنهجية منها. وقد صدرت له العديد من الدراسات والإصدارات والأبحاث التي سارت على نفس الدرب فقدمت إسهاما معرفيا عميقا وسلسا تدور معظمها حول نقد الحداثة وما بعد الحداثة:  

نقد الحداثة وما بعد الحداثة:

” إننا ننشد حداثة جديدة تقوم أكثر ما تقوم على سلام العقل البشري مع نفسه، وليس على ثورة من الآمال في تحقيق تقدم لا يعرف حدا، ونبغي حداثة تجل وتعلي من قيمة الإنسان والطبيعة، ومن ثم تكون حداثة لا تنهض على الغزو أو القرصنة، بل توازن بين الإنتاجية وأفكار العدالة، وبين حقوق الإنسان الفرد وحقوق المجتمع “.

يوظف النموذج التحليلي للحداثة عند المسيري ثلاثة مفاهيم أساسية لها قوة تفسيرية ودلالية متقاربة ومتضافرة، وهي العلمنة والترشيد والتحديث.

“ينظر مجتمع السوق الى العالم (الإنسان والطبيعة) باعتباره مادة استعمالية يمكن توظيفها، ويرى من الضروري أن يتحول العالم كله الى فضاء كبير لا تحكمه سوى قوانين العرض والطلب وتحقيق أقصى الأرباح والمتعة الجنسية. ومن ثم فإن مجتمع السوق يحاول أن يرشد العالم أجمع كي يستطيع أن يحوله الى مصنع أو سوق أو ملهى ليلي أو شركة سياحة”.

ويرى المسيري أن “جوهر التحديث والحداثة هو تنميط الواقع (الطبيعة والإنسان)، وفرض الأحادية المادية عليه بهدف إدارته وتوظيفه على أحسن وجه باعتباره مادة استعمالية”.

إن الترشيد يعني تطبيق الأحادية المادية على الحياة الاجتماعية والإنسانية، واستبعاد أية ثنائية أو تركيب أو تعددية. وأهم جوانب الترشيد بنظر المسيري، هي إعادة صياغة المجتمع باعتباره سوقا ومصنعا، والإنسان باعتباره منتجا ومستهلكا، ومن ثم، فالهدف النهائي للمجتمع “الرشيد” هو تعظيم الإنتاج وتحقيق التراكم الرأسمالي (المنفعة)، وتعظيم الاستهلاك (اللذة).

إن المأزق الوجودي والأزمة الأخلاقية التي تعانيها الذات الإنسانية في زمن الحداثة لا يمثلان عند المسيري الا تجليا لمأزق معرفي أعمق. فالفلسفة التي تحكم الرؤية المعرفية الغربية تجعل العلم الحديث يشدد على الموضوعية، والتجرد من العواطف، والتزام الحياد، وعدم الاكتراث بالغائيات، كما تجعله يبالغ في تأكيد قيمة النسبية. وهو ما أدى بدوره إلى ضمور الحس الخلقي، وتزايد الاستعداد للحكم على ما هو إنساني بمقاييس غير إنسانية، والحكم على ما هو مطلق ومفارق بما هو نسبي وضعي، لتتراجع المرجعية المتعالية فتحل محلها المرجعية الوضعية. أما الأخلاق فيجري التأصيل لها على أساس اجتماعي، ليصبح المجتمع هو المصدر المباشر للقيم الأخلاقية، أو على أساس علمي يربط الأخلاق بحسابات وقوانين علمية مجردة، تراهن على تحقيق أكبر قدر ممكن من اللذة والمنفعة، ومراكمة أكبر قدر من الإنتاج ومن العائد المادي.

ويعتبر المسيري الفلسفة العدمية لنيتشه، والداروينية الاجتماعية، والمادية الماركسية، والفرويدية، ووضعية أوجست كونت، الأساس المعرفي للمأزق الحداثي الغربي.

في ظل الحداثة أصبح الإنسان أحاديا ماديا، لا يمارس أي إحساس بالولاء لأية مطلقات إنسانية ثابتة أو أخلاقية مطلقة. بل أكثر من ذلك ، فإن الإنسان أمسى شديد التكيف والواقعية والمرونة، ذا استعداد غريب لتغيير قيمه عند الطلب والتنازل عنها بلا أسف، أصبح الإنسان “موضوعيا”، قادرا على تحويل رؤيته في ضوء المعايير الموضوعية المادية، وعلى قمع عواطفه ومبادئه الأخلاقية بصرامة، إنسانا يبحث عن التقدم من أجل التقدم، دون أن يحدد الغاية النهائية لذلك أو يكترث بها، إنسانا نمطيا يمكن التنبؤ برغباته وأحلامه، ومن ثم يمكن التخطيط لترويضه وتدجينه.

تحليلات المسيري في نقد الحداثة الغربية تنطلق من التأكيد على وجود ترادف بين الطبيعة/المادة، والسوق/المصنع. وهو ما يفسر وجود تطابق بين الإنسان الطبيعي والإنسان الرشيد، الذي يصبح في نهاية التحليل الإنسان الاقتصادي “الإنسان الذي يتم تجريده في إطار مفهوم السوق/المصنع، فهو إنسان بسيط ذو بعد واحد، ينتج ويستهلك، يدخل في علاقات تعاقدية واضحة بسيطة مجردة، لا علاقات تراحمية مركبة، ويخضع لآليات السوق، ويؤسس حياته على أساس القيم الاقتصادية، مثلما يؤسس الإنسان “الرشيد” حياته على أساس القيم العلمية، ومثلما يؤسس الإنسان الطبيعي حياته على أساس القيم المادية”[2].

” المواطن يرد الى الدولة مثلما يرد الإنسان الطبيعي الى الطبيعة، والإنسان الاقتصادي الى السوق، والإنسان الجسدي الى الغريزة. أي أن الإنسان يرد الى ما هو غير إنساني. أي أنه يصبح دالا منفصلا عن مدلوله الإنساني “.

يذهب المسيري الى أن العالم يحكمه إيقاع ثلاثي: المصنع (حيث الإنتاج)، السوق (حيث الشراء والبيع)، وأماكن الترفيه (حيث ينفس الإنسان عما يعتمل داخله من طاقة وتوترات وعقد).

يرى المسيري أن مرحلة ما بعد الحداثة تمثل مرحلة العلمانية الشاملة، وفي هذه المرحلة يتغير دور الإنسان من دور العاقل المبدع في مرحلة النهضة الغربية الأولى، إلى الإنسان الاقتصادي الذي ينظر الى الحياة من خلال قيمة المادة بما يتضمنه ذلك من مفاهيم المنفعة المادية واللذة الحسية وبما يعني تنحية الدين عن الحياة وتنحية القيم الإنسانية، لتصير المادة هي المركز.

ويحذر المسيري من خطورة المنطق الكامن وراء التحول “للغيبية العلمية الجديدة”، التي تزعم لنفسها احتكار الحقيقة المطلقة، تلك الغيبية التي تنسب إلى نفسها القدرة على تحقيق الفردوس الأرضي من خلال التأكيد على محورية السعادة الدنيوية المباشرة. كما يحذر المسيري من عولمة الحداثة الغربية لتهديدها المجتمعات العربية والإسلامية.

ومن المفاهيم المتداولة في مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة مفهوم نهاية التاريخ، فنهاية التاريخ في الفكر المادي تفيد أن التاريخ سيصل الى نهايته في لحظة معينة، فيصبح سكونيا تماما، خاليا من التدافع والصراعات، فالإنسان سوف يسيطر على بيئته سيطرة كاملة وسيجد حلولا نهائية وحاسمة لجميع مشاكله وآلامه.

وقد وظف المسيري مصطلح “نهاية التاريخ” أول ما وظفه علم 1965 في سياق رسالته للدكتوراه. ثم عمل بعد ذلك على تطوير هذا المفهوم في كتابه عن نهاية التاريخ الصادر عام 1972، لوصف النماذج الحلولية الواحدية المادية الشاملة، وقد أوضح المسيري أن مثل هذه النماذج تستبطن دوما قابلية مفتوحة لإعلان نهاية التاريخ، باعتبار أن ما هو مجهول ليس بغيب، وإنما هو أمر غير معروف ظرفيا، إذ أن من المتوقع أن تنكمش رقعة المجهول تدريجيا خلال عشرات السنين من المحاولة والخطأ، فينحصر الجهل مع تزايد الاستنارة والترشيد، الى أن نصل في التحليل الأخير الى نهاية التاريخ[3].

وقد حرص المسيري على التمييز بين مدلول “نهاية التاريخ” في كل من المرجعيات الدينية والزمنية، مؤكدا “أن هناك اختلافا عميقا بين مفهوم نهاية التاريخ الحلولي الدنيوي ومفهوم يوم القيامة التوحيدي، فيوم القيامة هو نقطة تقع خارج الزمان في الآخرة، وهو ما يعني أن الزمان التاريخي لن يصبح في يوم من الأيام خاليا من الصراع والتدافع”[4].

إن إعلان فوكوياما نهاية التاريخ -في رأي المسيري- ما هو إلا إعلان لنهاية الإنسان، وانتصار الموضوع اللاإنساني على الذات الإنسانية.

نسق إسلامي متجاوز في مواجهة المنظومة العلمانية الحداثية:

من صميم العقيدة الإسلامية أن يواجه المفكر المسلم منظومة التحديث والحداثة، وأن يبين مواطن النقص والخطأ فيها كمذهب، وإخفاقها في بناء رؤية متكاملة للعالم، فالوعي الإسلامي يحجم عن الخضوع لأي نظام إدراكي أو أخلاقي ينتمي لتلك المنظومة، على الرغم من فتنة التقنية الحديثة وما توفره من يسر وراحة إلا أن المفكر المسلم ليس ابنا لمنظومة الحداثة.

وقد قام المسيري بنقد منظومة التحديث والحداثة بفطنة فكرية وفلسفية عالية، وكان مدخله التحليلي مدخلا معياريا، والإسلام الذي تتحدث عنه رؤية المسيري إسلام متجاوز مهمته تتمثل في إنقاذ الإنسان فكريا وأخلاقيا. ويتصف معجم المسيري بأنه معجم عالمي يخاطب المسلمين وغير المسلمين على السواء، يحاول به أن يصل الى حالة من الوعي القائم على التجاوز والسمو، حالة تغمر ملكات الإنسان الإدراكية. إنه وعي “متجاوز” في المعجم الميتافيزيقي، و”توحيدي” في المعجم الديني.

وربما نستطيع القول إن الإسلام يمثل مقدمة النسق الفلسفي للمسيري التي تمكنه من تحدي الخطابات الأوروبية ومنظومة التحديث والحداثة. وكان تركيز المسيري على محاكمة العلمانية متيحا للنموذج الثاني الرباني أن يتبوأ مكانه تلقائيا رغم عدم قيام المسيري بالمهمة البنائية لهذا النموذج البديل.

إن تفكيك المسيري للعلمانية بوصفها الميتافيزيقا اللاأخلاقية والعدمية لمذهب الحلول، وبحثه الذي لا يكل عن مواطن الضعف —سواء أكانت منطقية أم معرفية أم أخلاقية— في الحداثة، وتعريضه بالخواء الأخلاقي للحياة المعاصرة، كل هذا يعد شهادة على قوة الفكر الإسلامي وإنسانيته. إن إسهام المسيري هو إثراء كبير يفضي الى الرقي بالرؤية الإسلامية والخطاب الإسلامي المعاصر.

المرجعية الواحدية الروحية المتجاوزة مقابل المرجعية الحلولية الكامنة ذات الفلسفة العلمانية الشاملة:

المرجعية الروحية المتجاوزة تنطلق من نقطة خارج الطبيعة، وفي النظم التوحيدية هي الإله الواحد المنزه عن الطبيعة والتاريخ. والإنسان في هذه المرجعية يسعى الى السمو بإنسانيته الى أبعاد روحية متصاعدة.

أما المرجعية الحلولية الكامنة فهي تنطلق من الطبيعة والإنسان، حيث العالم يحوي داخله ما يكفي لتفسيره، وهذا الأمر ينسحب على الفلسفات المادية. والإنسان في هذه المرجعية هو كائن طبيعي لا تشوفات روحية لديه.

صور لنا المسيري الإنسان في علاقته بهاتين المرجعيتين، ففي المرجعية الحلولية تم التركيز على الجانب النفعي والإنتاجي في الإنسان، الذي تحول الى “آلة” يحكمها منطق الربح ورأس المال، على حساب القيم والأخلاق وكل ما هو “جواني”. يقول المسيري: “صاحب تزايد هيمنة الفلسفات المادية عدم الاكتراث بالأخلاق، باعتبارها قيما مثالية غيبية غير مادية وغير كمية، ففقدت أي إطلاق، وأصبحت حقائق اجتماعية نسبية ترد بأكملها الى جذورها الاجتماعية المادية، أي أن المجتمع أصبح هو مصدر القيمة الأخلاقية فأصبح يقرر ما هو خير وما هو شر، ما هو نافع وما هو ضار. ومن ثم تراجعت العقيدة الدينية وانحسر الإيمان بالمطلقات المعرفية والأخلاقية، وبدأت محاولات لتأسيس علم أخلاق يستند الى القوانين العلمية والحسابات الرياضية الدقيقة، بحيث أصبحت الأخلاق هي المنفعة واللذة وأصبح الهدف من الحياة هو البحث عنهما، وتعظيم الإنتاج والدخل. وهي أهداف تتسم بأنها كمية مادية يمكن قياسها ولا علاقة لها بغيب أو أسرار[5]

أما المرجعية الروحية المتجاوزة هو ما أطلق عليها المسيري “النزعة الربانية”، وهي تعني خروج الإنسان من نطاق المرجعية المادية الكامنة ودخوله في نطاق المرجعية المتجاوزة مما يعني ظهور ثنائية أساسية هي ثنائية الخالق والمخلوق الفضفاضة التي تولد ثنائية “الإنسان والطبيعة”، يرى المسيري أن هذه الثنائيات ليست صلبة ينفصل بها الإنسان عن الإله وعن الطبيعة، ولكنه يتفاعل معهما ومن خلال تفاعله يكتسب القدرة على التجاوز وتزداد حريته. والوجود الأمثل للإنسان ليس هو محو النزعة الجنينية والتعبير الخالص عن النزعة الربانية، ولا هو محو النزعة الربانية والتعبير الخالص عن النزعة الجنينية، وإنما التكامل والتفاعل بينهما.

التحيز في المناهج الغربية:

ربما يكون من الغريب، في ظل التفوق العلمي والبحثي في الغرب، أن يقف عقل عربي مستقل ليذهب الى أن المناهج الغربية مناهج متحيزة لرؤيتها للعالم ولإدارتها للواقع، وأن لها حدودا في فهم وتفسير الظاهرة الإنسانية والاجتماعية، بل والطبيعية. لكن المسيري فعل ذلك، وقد فعله بطريقة رصينة للغاية وأشرك معه مجموعة مفكرين من كافة التخصصات، ليقدم كل واحد رؤية عربية نقدية في مجاله، ويطور رؤى جديدة تتجاوز التفكيك الى التركيب ومحاولة تأسيس بديل لا عربي وحسب، بل إنساني علمي وفكري. وظهر هذا المجهود الإبداعي في كتاب بعنوان: “التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد” الذي شارك فيه المسيري كواحد من الباحثين، وحرره في جزئين كبيرين.  

يرى المسيري أن التحيز اختيار إنساني، إذ هو مرتبط ببنية عقل الإنسان. وإذا كان التحيز حتميا، إلا أنه ليس نهائيا، فالنهائي هو الإنسانية المشتركة والقيم الأخلاقية التي تسبق أي تنوع أو تحيز.

يذهب المسيري الى أن المناهج الغربية مناهج متحيزة لرؤيتها للعالم ولإدارتها للواقع، فهو ينتقد تحيز هذه المناهج للعام على حساب الخاص، فهذه المناهج ترى أنه كلما تم تجريد الظواهر من خصوصيتها (الإنسانية) فإنها تدعي اقترابها من مستوى تعميمي تسد فيه كل الثغرات وتصفى فيه كل الثنائيات، وهذا ما يؤدي الى إهمال المنحنى الخاص للظاهرة بخصوصيتها وتفردها.

وتعرض المسيري الى مشكلة التحيز في المصطلح، فالمصطلحات الشائعة والمتداولة في العلوم الغربية ليست مصطلحات وصفية محايدة، بل هي محملة بوجهة نظر الآخر ورؤيته وإطاره المرجعي. وعندما نقبل المصطلح، فإننا نقبل معه كل متضمناته، من افتراضات ضمنية وإطار مرجعي.

قصص الأطفال:

ما الذي يدفع عقلا مثل عقل المسيري الى كتابة قصص للأطفال؟ وهي قصص قد حصلت على جوائز في أدب الطفل.

الدافع هو رسالة العقل الموسوعي الذي يدرك أن الأمة التي تدافع عن فكر حضاري مستقل لابد أن تتزود بهذه المعرفة القوية على كافة المستويات، وأن رسالة العقل الموسوعي هي إبراز جوانب تميز حضارته والمساهمة في مواجهة تحديات واقعها. ومن هنا كتب المسيري قصصا للأطفال ضمنها رؤاه الفلسفية وأبرز فيها قدرة القصص على تغيير رؤى العالم من خلال أطفاله.

لقد كانت قصة المسيري مع الأيديولوجية الصهيونية هي مغامرة حياته ورهانه الأكبر في تغيير مساراته وتحوله من أستاذ أكاديمي الى مفكر، وقد عبر هو نفسه عن ذلك في إحدى حواراته الصحفية حينما قال: “المشكلة أننا ندرس في مصر “أفكارا” ولا ندرس “فكرا”. بمعنى أن من يقبل على العمل في ميدان معين يتخصص فيه الى أقصى درجة، فيصل الى نوع من البرود الأكاديمي القاتل الذي يفصل بين الفكر والواقع تماما”.

هذا هو عبد الوهاب المسيري الذي أدرك الفرق بين الأكاديمي والمفكر، فأصبح مثالا للمفكر الإنسان، وقدم لنا مشروعا فكريا متكاملا بتوقيع “الظاهرة المسيرية.”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للاطلاع على قائمة ببليوجرافية عن الدكتور عبد الوهاب المسيري اضغط هنا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* . تمت الاستعانة في هذه الدراسة بالمادة المعرفية لكتاب: أحمد عبد الحليم عطية “محرر” (2004). في عالم عبد الوهاب المسيري: حوار نقدي. القاهرة: دار الشروق. 2 مج.

[1] . وتتكون الموسوعة من ثمانية مجلدات:

يقدم المجلد الأول الإطار النظري، وهو بذلك يعد بمثابة المدخل المعرفي للموسوعة والأساس الذي بنيت عليه المجلدات التالية. فيتناول المسيري في هذا المدخل على مدى خمسة أجزاء خصائص هذا العمل التفكيكي التأسيسي، والنماذج الأساسية وهيكل الموسوعة، ويعرف المفردات التي يستخدمها. ثم يعرض في الجزء الثاني النماذج كأداة تحليلية مبينا سمات النماذج وطريقة صياغتها وأنواعها. ثم يتعرض بالتفصيل الى نموذج الحلولية الكمونية الواحدية، ثم ينتهي الى العلمانية الشاملة محاولا تقديم تعريف لها، وأخيرا يتعرض في آخر المجلد الأول الى الجماعات الوظيفية وسماتها الأساسية وعلاقتها بالحلولية والعلمانية الشاملة.

يدور المجلد الثاني حول الجماعات اليهودية ودور الجماعات الوظيفية اليهودية القتالية والاستيطانية والمالية وغيرها من الوظائف كالطب والترجمة والبغاء.

يتناول المجلد الثالث الجماعات اليهودية: التحديث والثقافة. ويعرض فيه المسيري إنجازات العلماء اليهود وموقفه منها.

ويدور المجلد الرابع حول تواريخ الجماعات اليهودية وذلك في أجزاء ثلاثة: الأول في العالم القديم، والثاني في العالم الإسلامي، والثالث في بلدان العالم الغربي في العصر الحديث.

أما المجلد الخامس فقد تناول بالدراسة المفاهيم والفرق والعقائد الأساسية في اليهودية.

أما المجلد السادس فيتناول الصهيونية وأهم شخصياتها ومنظماتها وتياراتها وإشكالياتها، والعقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية.

ويأتي المجلد السابع للحديث عن إسرائيل “المستوطن الصهيوني” وما يتعلق بهذا الموضوع من إشكالية التطبيع والدولة الوظيفية والدولة الاستيطانية الإحلالية والإرهاب والعنصرية الصهيونية، وأخيرا المسألة الفلسطينية.

أما المجلد الثامن والأخير فهو عبارة عن ملاحق وفهارس، وتعريف المفاهيم والمصطلحات الأساسية مرتبة موضوعيا.

[2] . عبد الوهاب المسيري (1998) فكر الاستنارة وتناقضاته. ص. 27.

[3]. عبدالوهاب المسيري (1997). المسيري، الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ. ط. 2. القاهرة:  دار الشروق.

[4]. عبد الوهاب المسيري (1997). مصدر سابق. ص. 259.

[5]. عبد الوهاب المسيري (1993). الرؤية المعرفية الإمبريالية. مجلة منبر الشرق. س. 3. ع. 7. ص57.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.