الرئيسية / الدراسات والأبحاث / أبحاث ودراسات / مقالات ثقافية / وسائل التواصل الاجتماعي في المجتمع الغربي

وسائل التواصل الاجتماعي في المجتمع الغربي

رضوى منتصر الفقي[*]

كشفت الصحافة ووكالات الأنباء العالمية مؤخراً عن وثائق ورسائل إلكترونية تؤكد اختراقات جديدة تقوم بها وسائل التواصل الاجتماعي ولكن بشكل متطور لانتهاك خصوصية المستخدمين وممارسة أعمال تجسس ليس فقط لأغراض تسويقية أو اقتصادية وإنما لأهداف سياسية، وهو ما أثار ضجة عالمية مؤخراً خاصة بعد أن اتضح أن تلك الاختراقات طالت أكثر نظم العالم ديمقراطية ودفاعاً عن الحقوق والحريات ــــــ كما يدَّعوا ـــــ الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى، ومن اللافت للانتباه والذي أثار الاهتمام العالمي أن هذه الاختراقات لم تكن موجهة من دول العالم الأول إلى دول العالم الثالث ـــــــ كما هو المعتاد ــــــ بهدف السيطرة على مجريات الأمور وممارسة التدخلات الخارجية، ولكنها اختراقات من الداخل الغربي للداخل الغربي وتمس مناصب غاية في الحساسية وقرارات مصيرية تؤثر على شعوب بأكملها.

وهو ما يجعلنا نتساءل هنا هل أصبحت المجتمعات الغربية تعيش في وهم ديمقراطي؟ فبعد أن كانت الدول الغربية ـــــ كما كنا نتخيل ــــ نماذج ملهمة وجاذبة للشعوب العربية والإسلامية تسعى للاقتداء بها والسير على خطاها، لم يعد هناك فارق بين نظام ديمقراطي وآخر سلطوي، أصبحنا نعيش جميعاً ـــــ مجتمعات متقدمة ومتخلفة ـــــ في عصر الوهم، نتوهم أننا نختار ما نشاء وما تفرضه علينا رغباتنا نتخذ قرارتنا السياسية والاقتصادية بمحض إرادتنا ولكننا في حقيقة الأمر يتم تسييسنا والتحكم فينا دون شعور في ظل الانفتاح التكنولوجي الذي نعيش فيه بعد أن أصبحنا أداة في يد وسائل التواصل الاجتماعي.

كل ذلك يدفعنا إلى إعادة طرح مفهوم “وهم الديمقراطية” الذي قدمه الدكتور عبد الوهاب المسيري من سنوات عديدة وأثار ضجة ما بين مؤيدين ومعارضين، البعض اتفق مع أفكار الدكتور المسيري تمام الاتفاق، والبعض الآخر رأى أن وصف ما تمر به النظم الديمقراطية من إخفاقات محدودة وعدم القدرة على تحقيق الكمال المرجو والمستحيل بـــــ “وهم الديمقراطية” فيه شيء من المبالغة والتسطيح، وهو ما يدفعنا إلى محاولة قراءة مفهوم وهم الديمقراطية للدكتور المسيري في ظل الأحداث الجارية.

ففي السنوات الخمس الأخيرة على الأقل لاحظنا جميعاً أن هناك ظاهرة جديدة وطارئة علينا في استخدامنا لمواقع التواصل الاجتماعي تتطور بشكل مستمر على مدار فترات ومراحل زمنية مختلفة:

  • ففي البداية كنا إذا قمنا بالبحث عن شئ ما ـــــ فلنفرض على سبيل المثال ـــــ أنك كمستخدم تبحث عن رحلة لمكان ما أو شراء شئ ما فبمجرد أن تنتهي من عملية البحث تجد العديد من العروض المتعلقة بالمكان الذي بحثت عنه مسبقاً وآلاف من الإعلانات عن الماركات المحلية والعالمية المختلفة من الشئ ذاته الذي كنت تبحث عنه منتشرة على صفحتك الشخصية، وكنا نعتقد مسبقاً أن هذا يمكن أن يكون بمحض الصدفة أو أن تكون هذه إحدى تقنيات المساعدة التي يعتمد عليها الفيس بوك ليسهل على المستخدم عمليات البحث عن أفضل العروض، أي أنها عملية تلقائية تكنولوجية.
  • ولكن بمرور الوقت لاحظنا أن الأمر تطور إلى شئ آخر، فأصبح هناك تتبع لرسائلك الشخصية، فبمجرد الدردشة مع صديق لك عن رغبتك في ترتيب رحلة لمكان ما دون الاستعانة في هذه المرة بصندوق البحث تجد أيضاً العديد من الإعلانات المنتشرة على صفحتك الشخصية عن عروض مختلفة لرحلات سياحية تقصد المكان الذي كنت تنوي الذهاب إليه.
  • ولم ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل أصبحنا إذا تحدثنا في إحدى الاجتماعات الأسرية على سبيل المثال ــــــ دون إستخدام للعالم الافتراضي ـــــــ عن رغبتنا في قضاء أجازة صيفية في مكان ما، فبمجرد أن نتصفح صفحاتنا الشخصية بعد الحديث مباشرة نجد أيضا العديد من الإعلانات التي تقصد المكان الذي تحدثنا عنه مسبقاً.

ونستخلص من ذلك أن الأمر لم يعد مجرد توحيد وتربيط نتائج البحث ولا التجسس على المحادثات والرسائل الشخصية أو مجرد معرفة وتحديد أماكن تواجدك من خلال خاصية GPS ليعرض عليك ويجذبك بالعديد من الإعلانات والرسائل عن المطاعم والمحلات في الأماكن المجاورة لك، بل وصل الأمر إلى أن هناك عملية تجسس كاملة تتم من خلال الميكرفون الداخلي بهاتفك المحمول وانتهاك كامل لخصوصية الإنسان الفرد لأغراض تسويقية واقتصادية لبيعها لكبرى الشركات الاقتصادية وكسب مليارات الدولارات.

وبالنظر إلى أطروحات الدكتور المسيري نجد أنه حذرنا ــــــ منذ حوالي عقدين من الزمان في إطار دراسته للفلسفة المادية الغربية ـــــــــ مما يحدث الآن من التعامل مع الإنسان على أنه مادة، فيتم التحكم فيه وجمع بيانات عنه وإخضاعه للملاحظة والتجربة المتكررة من أجل توجيهه وفقاً للرغبات الموضوعة والتوصل إلى تعميمات، فما يحدث الآن هو استمرار لمسلسل التحديث الغربي ولكن بشكل متطور، وهو ما يقوم به مؤسسو مواقع التواصل الاجتماعي حيث ينظرون للإنسان على أنه شئ مادي جامد يفقده إنسانيته وينتهك خصوصيته، فالرؤية الغربية المادية بشكل عام لا تفرق بين أحد، فالإنسان الغربي بالنسبة لها هو مادة استعمالية يتم استغلاله ومحاصرته بأجهزة إعلامية مدمرة للبيئة الاجتماعية، وبصناعات تدمر الطبيعة، وصناعات سلاح ينفق عليها ملايين وتدمر العالم، ومؤسسات عامة تضبط حياته وحياة أسرته فيتم التحكم فيه واستيعابه في آليات الحياة الحديثة، فالنظام الذي يكفل له حياة مادية هانئة اقتصادياً هو أيضاً النظام الذي يتحكم فيه وفي حياته. 

وفي ظل التطوير والتحديث المستمر الذي تقوم به شركة فيس بوك تكاثرت علامات الاستفهام على ما تقوم به مواقع التواصل الاجتماعي من عملية تتبع ورصد ممنهج للنشاط الإنساني في الغرب، فلم يعد الأمر تسويقي أو اقتصادي فقط وإنما أصبح سياسي يمس مستقبل شعوب ويتدخل في قرارات مصيرية، فقد تم الكشف بموجب وثائق رسمية عن أن هناك تمويل ودعم مالي يقدم لمؤسسي مواقع التواصل الاجتماعي من أجل جمع البيانات وتقديمها لجهات تقوم بالاستفادة منها، وأنه كان هناك تدخل واضح للفيس بوك للتأثير على عملية الاستفتاء التي قام بها الشعب البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي وحثهم على التصويت لصالح الخروج، بعد ما تم جمع بيانات عن المستخدمين وتتبع أنشطتهم وإجراء العديد من الأبحاث العلمية لمحاولة إقناعهم بشكل غير مباشر من خلال ما تم بثه من أخبار وتقارير كاذبة تتوافق مع ميولهم وأرائهم ليتمكنوا من حسم النتيجة والتصويت لصالح الخروج بفارق أقل من 4% من الأصوات.   

وحتى وإن خرجت بعض الوثائق الأخرى التي تثبت أن الفيس بوك لم يكن له تأثير كبير على ميول المواطنين إلا أن ذلك لا ينفي خطورة الأمر خاصة وأن قرار انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليس بالقرار الهين كما أن فارق الأصوات بين مؤيدي ومعارضي الوجود البريطاني في الاتحاد الأوروبي لم يكن حاسم بل كان الفارق ضئيل جدا وهامشي لم يتجاوز 4% من الأصوات وهو ما يعتبر إنذار لأن هذا الفارق كان من الممكن أن يكون لصالح بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي هذا وإن افترضنا كما صرح مسئولو الفيس بوك أن التأثير كان محدود وعن غير قصد.

ولم تمر سوى شهور ضئيلة حتى تم الكشف عن فضيحة جديدة مدوية من الفضائح التي يرتكبها مسئولو مواقع التواصل الاجتماعي، فبعد انتهاء الانتخابات الأمريكية والإعلان عن فوز ترامب وتوليه مهام منصبه في يناير 2017 تم الكشف عما قامت به شركة كامبريدج اناليتيكا للاستشارات السياسية  Cambridge Analytica بدعم وتمويل روسي بدفع مبالغ طائلة لشركة فيس بوك من أجل الحصول على بيانات ومعلومات تخص أكثر من 50 مليون أمريكي ـــــ أي حوالي ربع الناخبين الأمريكيين ــــــ  وذلك من أجل دعم ترامب في حملته الانتخابية 2016 بشكل غير مشروع، خاصة أنهم اعتمدوا على تجميع بيانات الناخبين الموجودين تحديداً في الولايات الحرجة التي حسمت نتيجة الانتخابات لصالح ترامب، وكانت تلك الحادثة ليست فقط كاشفة عن عملية تفريغ الديمقراطية من محتواها أو أننا نعيش في عصر الوهم الديمقراطي بل تكشف أيضاً عن انتهاك واضح للخصوصية تقوم به شركة فيس بوك لا يتوقف فقط علي ممارسة التجسس والتتبع لبيانات المستخدمين بل الأمر أصبح أكبر من ذلك بكثير:

  • كشفت التقارير والوثائق عن أن في عام 2014 قامت شركة فيس بوك بإطلاق العديد من التطبيقات ــــــ تحت عنوان “حياتك الرقمية” ـــــ التي تهدف إلى تجميع بيانات شخصية عن مستخدميها من خلال تصميم مجموعة من الاستبيانات التي تهدف إلى التعرف على طبيعة شخصية المستخدم، ويكون الاستبيان على هيئة مجموعة من الأسئلة المسلية والبسيطة التي تجذب المستخدمين وأصدقائهم، ولكن هذه الأسئلة كانت عبارة عن اختبار قياسي نفسي تم إعداده بدقة من قبل مجموعة من الخبراء والمتخصصين في علم النفس من أجل كشف السمات الشخصية للمستخدمين على شاكلة ما هو لونك المفضل؟، أي شخصيات ديزني تمثلك؟، هل أنت شخص هادئ أم كثير الكلام؟، ويقوم المشاركين بالإجابة على هذه الأسئلة كنوع من التسلية، ولكن يتم تنقيح المعلومات التي تم التوصل إليها من الاستبيان بجانب البيانات العامة المنشورة بشكل عام عن المستخدم على موقع التواصل الاجتماعي ونشاطاته العامة والأنشطة الترفيهية التي يقوم بها أو يبحث عنها والآراء الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية التي يتداولها، وإدخال كل هذا في برمجيات متخصصة تحاول الربط بين كل ما سبق والخروج باتجاهات ومخططات نفسية وسلوكية تساهم في مزيد من التعرف على مستخدمي الفيس بوك واختراق خصوصياتهم وتكوين قاعدة بيانات ضخمة وتصنيف المستخدمين نفسياً وتصميم رسائل تخاطب الطبيعة البشرية والنفسية وتقديمها لمن يدفع بغض النظر عن الغرض.
  • وبجانب كل ما سبق لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يصل حد التجسس إلي جمع بيانات المستخدم من التطبيقات الأخرى التي يستخدمها حتى إن لم يعتمد على حساب الفيس بوك في تسجيل الدخول إليها ليتم جمع معلومات شديدة الحساسية من تطبيقات الصحة واللياقة على سبيل المثال ومعرفة مواصفات الشخص (الطول والوزن وضغط الدم والأمراض المزمنة)، فمصممي ومطوري هذه التطبيقات يتسارعوا في إرسال تلك البيانات لشركة فيس بوك من أجل تحليلها وتطوير التطبيق الخاص بها مقابل ما تقدمه لهم فيس بوك من زيادة حجم الدعاية لهم واستهداف وجذب المزيد من المستخدمين، كل ذلك على حساب خصوصية الإنسان الفرد، وفي السياق ذاته لابد من الإشارة إلى أن هناك عملية تطوير حالية ـــــ من أجل جمع المزيد من المعلومات ــــــ تجرى من قبل مطوري تطبيق فيس بوك بهدف نقل معدل ضربات القلب الخاص بالمستخدم، ليتكون لديها قاعدة بيانات ضخمة تتعلق بكل ما يمكن وما لا يمكن تخيله وبأدق التفاصيل الحياتية واليومية يمكن استخدامها في عدة أمور.

فقبيل الانتخابات الأمريكية الأخيرة قامت شركة كامبريدج أناليتيكا بتقديم مبالغ طائلة من أجل الحصول على بيانات المستخدمين من شركة فيس بوك، والاستفادة من تلك البيانات من خلال إدخالها في برامج حاسوبية صممت خصيصاً من أجل التنبؤ والتأثير على خيارات الناخبين في مراكز الاقتراع واستهدافهم بالإعلانات السياسية الهادفة التي تخاطب ميولهم ورغباتهم ومتطلباتهم المعروفة مسبقاً، ودفع أموال لناشطين سياسيين على الفيس بوك من أجل إعلان دعم ترامب وتأييده وصياغة العديد من المنشورات التي تتناول طموحاته السياسية وأنشطته الحزبية والاجتماعية، بجانب فتح عدد من الحسابات لشخصيات أمريكية مزيفة على مواقع التواصل الإجتماعي (فيس بوك وانستجرام) لينشروا فضائح ومعلومات مغلوطة عن هيلاري كلينتون ليتمكنوا في النهاية من تحقيق الفوز لصالح ترامب بهامش ضئيل جداً من الأصوات حوالي 40 ألف صوت فقط ضد هيلاري كلينتون.

وبناء على ما تم الكشف عنه بالأدلة والبراهين المؤكدة من التلاعب الذي تم في الانتخابات الأمريكية بتدخل من شركة فيس بوك، تم استدعاء مارك زوكربيرج مؤسس الفيس بوك في أبريل 2018 للتحقيق معه أمام الكونجرس والاستماع لشهادته وبموجب التحقيقات التي تمت معه وبعد أن قدم مارك العديد من الاعتذارات عما حدث وأنه اعتبر ذلك انتهاك واختراق عن غير قصد وتعهده بتأمين بيانات المستخدمين وحماية خصوصيتهم، اتضح أو بمعنى أصح أشار مارك إلى أن مستخدمي الفيس بوك عند قيامهم بتحميل التطبيق وتسجيل الدخول يقوموا بالموافقة على حق اطلاع شركة الفيس بوك علي بياناتهم وأصدقائهم وموقعهم وكلمات البحث التي يستخدمونها، فبذلك يوافق المستخدم بشكل واضح وصريح على الاطلاع على المعلومات الخاصة به وذلك حتى تستمر خدمة الدخول المجاني للفيس بوك متاحة للجميع دون تحصيل أي رسوم في مقابل استغلال بيانات المستخدمين في الأغراض التسويقية.

ولا يعرف المستخدمين أن اتفاقيات الخصوصية يتم تعديلها بشكل مستمر، وهي تتضمن موافقة المستخدم على أن يقوم مزودوا الخدمة بالاستخدام المستمر للبيانات الشخصية للأغراض التجارية أو غيرها من الأهداف التي تخدم مصالحهم دون الحاجة للعودة مرة أخرى لطلب الإذن من المستخدم، فهو وافق على ذلك بداية من اشتراكه في الخدمة وإنشاء الحساب وهذا موجود في الفيس بوك وتويتر وانستجرام، كما أن شركة جوجل وضحت في سياسات الخصوصية بأنها تعمل على تحليل بيانات المستخدم بما في ذلك رسائله الإلكترونية بغرض تحديد المنتجات الخاصة به والإعلانات المناسبة له.

وبمحاولة قراءة وفهم ما يجري حالياً في ضوء الأفكار التي طرحها الدكتور المسيري عن أزمة الرؤية الفلسفية المادية الغربية والنظام الديمقراطي الغربي، نجد أن الدكتور عبد الوهاب المسيري قد اعتمد على مفهوم وهم الديمقراطية في وصف النظام الديمقراطي الغربي منذ عام 2006 في كتابه دراسات معرفية في الحداثة الغربية، إلا أن الانحراف عن المسار الديمقراطي أصبح أكبر بكثير مما كان عليه الوضع قبل أن تتفشى الوسائل التكنولوجية، وقبل أن تشاركنا مواقع التواصل الاجتماعي حياتنا لحظة بلحظة لتصبح أداة تجسسية تستخدم لأغراض سياسية واقتصادية.

فيعرِف الدكتور المسيري الديمقراطية على أنها نظام سياسي يوفر فرص المشاركة لكل أعضاء المجتمع من لهم حق التصويت في القرارات التي تؤثر على حياتهم الفردية والجماعية معاً في كافة المجالات الاجتماعية والسياسية، فالديمقراطية بموجب ذلك هي نسق سياسي قائم على ممارسة الحكم بناء على موافقة المحكومين وتستمد الحكومة شرعيتها بشكل مباشر أو غير مباشر من موافقة أعضاء المجتمع.

ولكن عندما حاول الدكتور المسيري تقديم نظرة تحليلية لمعرفة مدى تطبيق النموذج الديمقراطي الفعال على المجتمعات الغربية توصل إلى أن:

المعركة الانتخابية في الدول الغربية بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص تتكلف ملايين الدولارات لذا فإنه لا ينجح في الانتخابات إلا المرشح الثري ذو النفوذ الذي لديه قدرة على التحكم وشراء الوسائل الإعلامية، أما المرشح الذي لا يملك لا يمكنه اجتياز المعركة الانتخابية، ففي ظل عصر سيطرة الإعلام يتمكن أصحاب المصالح والرأسماليين وجماعات الضغط من التأثير في الانتخابات ليس بسبب رصيدهم السياسي ولا بسبب برامجهم الانتخابية ولا بسبب مؤهلاتهم وقدراتهم القيادية ولكن بسبب ثرواتهم وأسباب أخرى لا علاقة لها بمصلحة الشعوب أو الوطن خاصة في ظل دولة مترامية الأطراف مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فلا يمكن للمرشح أن يروج لنفسه ويجمع الأصوات المطلوبة إلا إذا امتلك النفوذ المالي الذي يمكنه من ذلك ويحقق له جماهيرية وشعبية مزيفة.

انتقائية الأخبار والموضوعات الموجهة للناخب حيث أشار الدكتور المسيري إلى تهميش وسائل الإعلام لبعض القضايا الحرجة محل الجدل واختيارها بانتقائية شديدة ما يقدم للناخب لتجعله مؤيدا لمن يقدم التمويل، وقد تطور هذا المبدأ في ظل وسائل التواصل الاجتماعي حيث أصبح هناك إمكانية تقديم تمويل لنشطاء سياسيين مؤثرين للقيام بحملات مهاجمة او مؤيدة لمرشح ما، خاصة أن شركة الفيس بوك تمتلك حوالي 2 مليار مستخدم في جميع أنحاء العالم ـــــ مما يعكس حجم وقوة تأثيره عالمياً ـــــ كما أنها ليست كوسائل الإعلام التقليدية تعرض الرأي فقط ولا حتى يتوقف دورها على مجرد توجيه الناخب للإدلاء برأي معين بل أنها تعتبر أكثر تأثيراً، فهي تعتمد على التجسس وتوجيه منظم قائم على قاعدة بيانات ضخمة.

انفصال الديمقراطية عن القيم الانسانية حيث تعاني المجتمعات العلمانية من مشكلة أساسية كامنة تتمثل في استنادهم إلى عقد اجتماعي نابع من الإيمان بحقوق الإنسان والمساواة بين كافة البشر، ولكن الإطار العام هو المرجعية المادية مما يعني نسبية أخلاقية يتساوى داخلها الخير بالشر، فهم يعانون من انفصال الإجراءات الديمقراطية عن القيمة، فالديمقراطية هي اتفاق على مجموعة من الإجراءات التي يمكن من خلالها التعرف على رأي الأغلبية وجوهر هذه الإجراءات كمي (أي حساب الأصوات المعارضة والمؤيدة) فالاتفاق هنا هو اتفاق بشأن الإجراءات وليس متصلاً بالمضمون، فهذه الأمور تحددها العملية الديمقراطية نفسها دون الالتزام بأية قيم أو مرجعيات مسبقة، أي أن الديمقراطية لا تتقيد بأية قيم أخلاقية مطلقة فانفصلت الأخلاق الديمقراطية عن القيم الإنسانية وأصبحت مرجعية ذاتها لا يمكن محاكمتها من خلال مرجعية متجاوزة.

ففي إطار المرجعية المادية الأغلبية هي التي تقرر، ومن المعروف أن الأغلبية ليست دائماً على حق فهناك العديد من العوامل التي تتحكم في اختياراتها ورغباتها، مما جعل الدكتور المسيري يتساءل هل من المنطقي أن نتقبل القرارات التي تتخذها الأغلبية على اعتبار أنها تعبير عن الإرادة الشعبية حتى لو كانت في المسار الخاطئ؟، وهو ما تعاني منه المجتمعات الغربية اليوم حيث تم اللجوء إلى الأغلبية من أجل اتخاذ القرارات، ولكن نجد أن الأغلبية لم تعد تختار بحرية وفقاً لمصالحها في عصر التتبع والتجسس الإلكتروني، ولكن في حقيقة الأمر يتم استغلالهم من جانب أصحاب النفوذ والمصالح، فيتم توجيه الجماهير نحو مصلحة من يمول.

المراجع:

[*] باحثة ماجستير بقسم العلوم السياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسة – جامعة القاهرة.

  1. أشرف جابر سيد وخالد بن عبد الله الشافي، حماية خصوصية مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في مواجهة انتهاك الخصوصية في موقع فيس بوك: دراسة مقارنة في ضوء النظام السعودي، مجلة الدراسات القاونية والاقتصادية، 2013
  2. سنان صلاح رشيد الصالحي، دور مواقع التواصل الاجتماعي في السياسة الدولية، المركز الديمقراطي العربي، مجلة اتجاهات سياسية، العدد الأول، ديسمبر 2017
  3. عبد الوهاب المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، (دمشق: دار الفكر)، الطبعة الأولى، أبريل 2002
  4. عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية)، الطبعة الأولى، يناير 2006
  5. Christine B. Williams and Girish J.Gulati, Social networks in Political Campaigns: Facebook and the congressional elections of 2006 and 2008, New Media and Society, Vol.15, No.1, 2012
  6. Juliet E. Carlisle and Robert C. Patton, Is Social Media Changing How We Understand Political Engagement? An analysis of Facebook and the 2008 Presidential election, Political Research Quarterly, Vol.66, No.4, 201

شاهد أيضاً

نقد الإلحاد: رؤى إيمانية معاصرة

 د. شيرين حامد فهمي الالحاد المعاصر…ذلك المرض غير التقليدي الذي اقتحم مجتمعاتنا المسلمة في الآونة …

العبادةُ في الإسلام مفهوماً وغايةً

العبادةُ في الإسلام مفهوماً وغايةً * أ. محمّد حلمي عبد الوهّاب ** يمتاز مفهوم العبادة في الإسلام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.