أسلوب الاستدراج العاطفي
دراسة في بلاغة الخطاب الإقناعي في القرآن الكريم*
عزيز محمد عدمان**
من المركوز في الطبع أنّ النّفس البشريّة السّليمة تنصاع للحوار الهادئ المُبصِر، وتنقاد للإقناع المؤثِّر؛ لأنها مجبولة على حب الإحسان إليها. وقد سلك الخطاب القرآنيّ مسلك الإقناع والإمتاع؛ تحقيقاً لأهداف تربوية وروحية وأخلاقية. فالحوار أداة فعّالة في الاستمالة، والـتأثير الوجدانيّ؛ بل هو فن من فنون العرض القرآنيّ الذي يعزّز فلسفة الإقناع في الشريعة الإسلامية سواء للمخالف أو الموالف في العقيدة.
وقد تعدّدت صور الحوار في القرآن الكريم، واختلفت طبيعة المخاطِب والمخاطَب؛ تبعاً لاختلاف الأهداف والمقاصد؛ ولعل ما يؤصّل لمشروعية الحوار في القرآن طبيعة النفس الإنسانية في كبريائها وعنادها، ودرجة استجابتها، ومرتبة جحودها، وإنكارها؛ ذلك أن النفوس البشرية ليست على وزن واحد قبولاً ورفضاً للحق وأهله.
1- إشكالية الموضوع: كيف وظّف النَّظم القرآنيّ الأسلوب الحجاجيّ لتحقيق الإقناع من منطلقات عاطفية ووجدانية، مع التطبيق على حوار إبراهيم مع أبيه في سورة مريم؟.
2- المنهج المتبع: تسلك هذه المقاربة العلمية مسلك دراسة الحالة، إذ يتولى هذا المنهج قراءة تحليلية تشريحية لآيات من سورة مريم؛ لاستكشاف منهج الاستدراج العاطفيّ الذي سلكه إبراهيم -عليه السلام- في محاججة أبيه آزر.
أولاً: الخطاب الحجاجيّ في التراث العربيّ الإسلاميّ بين الإقناع والإمتاع:
يرتبط مضمون هذه المقدمات بمنهج القرآن الكريم في المزاوجة بين الإقناع والإمتاع؛ يعني إشباع العاطفة وإقناع العقل؛ ذلك أن الإقناع من مرتكزات الحوار الإسلاميّ، كما أنه وسيلة من وسائل التأثير الجماليّ في المتلقي.
فمن المقرر في علوم القرآن أنّ من أبرز خصائص الأسلوب القرآنيّ أنه خطاب للعامة والخاصة؛ وهما مقصدان متوازيان لا يجتمعان إلا في الذِكر الحكيم؛ ولعل الطبيعة التكوينية للمتلقي تحتّم هذا المنهج في الجمع بين الإقناع والإمتاع؛ فالخطاب القرآنيّ مزيج من عقل ووجدان؛ وفي هذا المزج ما يؤكد حقيقة تباين المدارك العقلية، واختلاف البنى النفسية للمتلقين؛ ومن ثم راعى القرآن هذه الخصوصية. وفي المزاوجة بين الإقناع والإمتاع ما يزيد من قوة الخطاب الحجاجية، وتوسيع مجال التأثير في المتلقي؛ وهذا ما عبّر عنه الباحث طه عبد الرحمن قائلاً: “تزدوج أساليب الإقناع بأساليب الإمتاع فتكون إذ ذاك أقدر على التأثير في اعتقاد المخاطب، وتوجيه سلوكه لما يهبها هذا الإمتاع من قوّة في استحضار الأشياء، ونفوذ في إشهادها للمخاطب، كأنه يراه رأي العين”[1].
فالحجاج الحواريّ هو حجاج يجمع بين البرهان المنضبط على مقتضيات العقل (الجدال) والاحتيال (اللامعقول)؛ ومن ثم فهو يقوم على: “حوار دائر بينه وبين متلقّيه، أو هو بالأحرى حوارية معتبر فيها حضور الطرف المتلقي حضوراً فاعلاً، وليس هو عنفاً مسلّطاً على العقول في شكل استدلالات جامدة ولا هو باللامعقول الذي يخلب الألباب في شكل خزعبلات صائدة”[2].
يفهم من كلام الباحث عبد الله صولة – رحمه الله- أن مسلك المزاوجة بين الإقناع والإمتاع هو مسلك سَلس يقوده حوار هادئ بين متلقٍ فاعل في العملية الحوارية، ومخاطِب؛ ولا مجال للإكراه والتسلط والتحكّم؛ بيان ذلك أن الاستدلال هو الأداة التي تمنع من قمع المتلقي، وحينئذ: “عندما يطالب المحاور غيره مشاركته اعتقاداته، فإن مطالبته لا تكتسي صبغة الإكراه، ولا تدرج على منهج القمع، وإنما تتبع في تحصيل غرضها سُبلاً استدلالية متنوعة تجرّ الغير جراً إلى الاقتناع برأي المحاور”[3].
بعد تأمل عميق ونظر دقيق في أصول الحوار الإسلاميّ، اهتدى فلاسفةُ الإسلام وعلماؤُه إلى بيان الحِكَم الخفية الموجبة للحجاج؛ وبيّنوا أن النفس البشرية متفاوتة في قبول الحق؛ ومن ثم تعددت مسالك الإقناع؛ وهذا ما أشار إليه ابن رشد معلّلاً: “وذلك أن طباع الناس متفاضلة في التصديق: فمنهم من يصدّق بالبرهان، ومنهم من يصدّق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان بالبرهان؛ إذ ليس في طباعه أكثر من ذلك، ومنهم من يصدّق بالأقاويل الخطابية”[4]. وهي حقيقة نفسية تعكس تفاوت البشر، وتفاضلهم في التصديق؛ لأنهم ليسوا على درجة واحدة في الانصياع للحق والانقياد للعدل؛ بل إن ابن الجوزيّ – رحمه الله- يرى أن التدابير المفضية للحجاج أكثر من ضرورة لِحمل الناس على الانضباط، والاستقامة، والاستجابة. فيقول: “ولو مُكِّن كلُّ مانع من ممانعة ما يسمعه – متى شاء- لأدّى إلى الخبط؛ وعدم الضبط، وإنما المراسِمُ الجَدَليَّة تَفْصِلُ بين الحق والباطل”[5]؛ فتمكين المُمانع من قبول الحق أو رفضه متى شاء إفساد لمنطق الحجاج، وضياع لقيم العدالة، وإهدار لمبادئ الفضيلة، وطمس لمعالمها، وجريٌ وراء حظوظ النفس.
فالبعد الحجاجيّ سمة بارزة في أسلوب القرآن الكريم خاصة، وغيره من الأساليب الأدبية؛ وهو سياسة مُوَجِّهة للخطاب، ومضامينه، تحقيقاً للإقناع، وإنجازاً للإمتاع؛ ذلك أن التراث العربيّ الإسلاميّ استمد مشروعية البقاء من روح المناظرة الهادفة والواعية، والحجاج العاقل المنتِج للمعرفة.
ثانياً: في بيان مفهوم الاستدراج لغة واصطلاحاً:
يجد المتأمل في مفهوم الاستدراج أنه من المفاهيم التي امتزجت بحقول معرفية متنوعة: بلاغية، ولغوية، وكلامية، وتفسيرية؛ كما التحمت به مجموعة من المفاهيم: كالخداع، والإمهال، والإملاء، والكيد، والمكر، والفتنة، والاحتيال وغيرها[6]. ولعل المفهومَ الاصطلاحيّ الذي نرتضيه لهذه المقاربة العلمية نابع من خصوصية نبوّة إبراهيم – عليه السلام-، وهو مفهوم يتخطى هذه المعاني السلبية إلى حقيقة إيجابية.
- مفهوم الاستدراج لغةً:
لا ريب أن معاينة لغوية دقيقة لمادة (د ر ج) تبيّن أن الجذر اللغويّ يحمل مدلولات كثيرة تصب كلها في معنى الإدناء والتقريب على تدريج؛ وقد اختلف اللغويون في طبيعة التدرج في مراقي السلم صعوداً وهبوطاً؛ إذ جاء في لسان العرب: “ودرّجَهُ إلى كذا واستدرجه، بمعنى، أي أدْناهُ منه على التدّريج فتَدَرَّجَ هو”[7]، وإلى المعنى ذاته يشير الزَّبيدي “واستدرجه رقّاهُ، وأدْناهُ منه على التدريج، فتدرَّج هو (كدَرَّجه) إلى كذا تدريجاً: عَوَّدَه إيّاه كأنما رقّاه منزلةً بعد أخرى وهذا مجاز”[8]. ونلاحظ في تحليل الزبيديّ معنى التدرج المصاحب للترقي من درجة إلى أخرى دون تحديد مراقي السلم صعوداً أو نزولاً.
وقد فصّل الراغب الأصفهانيّ معنى الاستدراج؛ مبيّناً الفرق الجوهريّ بين المنزلة والدرجة؛ محدداً اتجاه التدرّج من الأدنى إلى الأعلى قائلاً: “درج الدَّرَجةُ نحو المنزلة لكن يُقال للمنزلة درجةً إذا اعتُبِرتْ بالصُّعود دون الامتداد على البسيطة كدرجة السطح والسّلم ويُعبَّر بها عن المنزلة الرفيعة […] ويُقالُ فلانٌ يتدرَّجُ في كذا أي يتصعَّدُ فيه درجةً درجةً”[9]. ويفهم من كلام الراغب الأصفهانيّ أن تقييد الدرجة بالمنزلة الرفيعة له ما يعزّزه اجتماعياً؛ لأنه قد يتدّرج المرء من الأعلى إلى الأدنى هبوطاً؛ فالمقصود بالاستدراج الصعود الإيجابيّ المحقق للمنزلة السامية؛ كما أن الرفعة والرقي والسمو لا تتحقق في الامتداد على البسيطة؛ لأنها تعبّر عن حالة الاستقرار.
والمنعم للنظر في المعجمات التراثية التي عالجت المادة اللغوية (د ر ج) يلفي أنها ركّزت على الصيغة الصرفية (استفعل) للفعل (استدرج) دون بيان أثر الصيغة الصرفية التي ولّدت الإيقاع الموسيقي المصاحب للدلالة الإيحائية للكلمة؛ وهي التفاتة جليلة أشار إليها الباحث أحمد ياسوف بقوله: “فإن لفظة “سَنسْتَدْرِجُهم” توحي بطول المدّة، مدةِ عدم انصياعهم، وخُصوصاً في صيغة “اسْتَفْعَلَ” ففيها تَصْييرٌ لهم، وحركةٌ جَعْلية مُتَمَهِّلة، وهذا ما يوحي به توالي المقاطع وتعدُّدُها مما يجسِّم طُول فَتْرَة الغَفْلَةِ التي يكون فيها الكافرون”[10]. إذن؛ الاستدراج بمفهومه اللغويّ هو الذي يعني الإدناء، والتقريب على تدريج وتؤدة وتمهّل؛ تحقيقاً لمقام مرموق، ومنزلة رفيعة.
- مفهوم الاستدراج اصطلاحاً:
لا ريب أن مفهوم الاستدراج العاطفيّ الذي نختاره لهذه الدراسة هو نمط من أنماط استمالة المتلقي عاطفياً. فالاستدراج أسلوب قائم على الإيصال إلى المقصود والغرض المنشود بألطف القول وأرقِّه وأفصحه، وأحسنه في رحاب خطة حجاجية قائمة على البُعد الأخلاقيّ والعاطفي؛ مع اختيار الوسائل الأسلوبية، والجمالية المناسبة لترتيب نسق المحاججة؛ وقد تجاذبته بيئات مختلفة من أبرزها:
- بيئة المفسرين:لا يعزب عن بالنا أن للمفسرين قصب السبق في إضاءة معنى الاستدراج الذي انتقل إلى المجال البلاغيّ والكلاميّ؛ وقد استوقف المفسرون لفظ الاستدراج الذي ورد في موضعين فقط في القرآن الكريم في قوله تعالى:( ﱡوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)ﱠ [الأعراف: 182]. وقوله تعالى:( ﱡفَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَﱠ) [القلم،٤٤].
واللافت للنظر أن التعبير القرآنيّ وظف صيغة (استفعل) في الآيتين المكيتين للدلالة على معنى الاستدراج المصاحب للعذاب بعد التكذيب؛ فالسياق هو الذي سوّغ للاستدراج. ويلاحِظ المتتبع لتفاسير القرآن التي تناولت الآيتين الكريمتين أن جلّ المفسرين انطلقوا من المعنى اللغوي لبلوغ المعنى الاصطلاحي؛ وقد كشف الفخر الرازي [ت 606هـ] عن المفهوم اللغويّ للاستدراج من المنظور التفسيريّ فقال: “الاستدراج الاستفعالُ من الدَّرَجَة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال […] ومنه دَرَجَ الصبيُّ إذا قاربَ بيْن خطاه، وأَدْرَج الكتابَ طَواهُ شيئاً بعد شيءٍ، ودَرَجَ القومُ، ماتَ بعضهمْ عقيِبَ بعضهم، ويُحتملُ أنْ يكون هذا اللفظُ مأخوذٌ منَ الدَّرْج وهوَ لف الشيء وطيه جزءاً فجزءاً”[11]، فدلالة التقريب حاضرة في البنية اللغوية، والمعجمية التي ساقها الرازي للاستدراج الذي هو طلب الصعود أو النزول؛ فضلا عن معنى التتابع والتدرج.
وقد بيّن محمد الطاهر ابن عاشور [ت1393هـ] معنى الاستدراج اصطلاحاً في رحاب قراءة معجمية قِوامها التركيز على الدلالة الصرفية التي كانت نقطة انطلاق أغلب القراءات اللغوية والاصطلاحية؛ وفي هذا الشأن يقول: “والاستدراج مشتق من الدَّرَجة – بفتحتين- وهي طبقة من البناء مرتفعة من الأرض بقدر ما ترتفع الرِجل للارتقاء منها إلى ما فوقها تيسيراً للصعود في مثل العلو أو الصومعة أو البرج، وهي أيضاً واحدة الأعواد المصفوفة في السلم يُرتقى منها إلى التي فوقها، وتسمى هذه الدرجة مرقاة، فالسين والتاء في فعل الاستدراج للطلب، أي طلب منه أن يتدرج، أي صاعداً أو نازلاً […] وهو تمثيل بديع يشتمل على تشبيهات كثيرة؛ فإنه مبنيّ على تشبيه حُسن الحال برفعة المكان وضده سفالة المكان، والقرينة تعيّن المقصود من انتقال إلى حال أو أسوأ”[12]، تفصيل لغويّ مشبع في سياق حديث ابن عاشور عن الآية 182من سورة الأعراف؛ وهي قراءة معجمية متجاوزة لما ورد في المعاجم التراثية التي أشرنا إليها سابقاً في مفهوم الاستدراج لغة.
ينطلق ابن عاشور من المفهوم الحسي لمادة (د ر ج) التي لها تعلق بمجال البناء؛ وقد أبان ابن عاشور عن سلم الارتقاء واتجاهه صعوداً ونزولاً، فقد يرتقي الإنسان ويتدرج في مراقي المعالي، وقد يتردى في مهاوي المصارع؛ وهو استدراج بمفهومين مختلفين: سمو، وانحطاط.
وينتقل ابن عاشور من الدائرة اللغوية إلى فضاء جمالي أوسع؛ ليقرر بأن الاستدراج من باب التمثيل والتشبيه؛ فحسن الحال سمو، ورفعة وسؤدد منزلة، وسوء الحال تردٍ، وسفالة في المكان، فما الذي يحدّد موقع المُسْتَدْرَجِ، ومكانته سموًا وانحداراً؟ إنّ القرينة هي الموجِّهة للمقصود من الانتقال والاستدراج؛ فالمكذّب بآيات الله مسْتَدْرَجٌ للعذاب وهو في شرود وغفلة؛ لأنه اغترّ بالإنعام والإحسان واطمأن إلى النعيم؛ ليلقى مصير الإقبال المؤقت على الدنيا خسارة وانحطاطاً.
وقد لامس بعض المفسرين حقيقة الغرض البلاغيّ من الاستدراج في بُعديْه التداوليّ والتواصليّ؛ إذ يقرر أبو حيان الأندلسيّ [ت 745هـ] تعليقاً على قوله تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًاۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُۚ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)ﱠ [هود: ٨٨].
“هذه مراجعة لطيفة، واستنزال حسن، واستدعاء رقيق، […]، وهذا النوع يسمى استدراج المخاطَب عند أرباب علم البيان، وهو نوع لطيف غريب المغزى، يتوصل به إلى بلوغ الغرض، وقد ورد منه في قصة إبراهيم – عليه السلام- مع أبيه، وفي قصة نوح وهود وصالح، وفي قصة مؤمن آل فرعون مع قومه”[13].
مخاطبة هود – عليه السلام- لقومه هو خطاب منطلقه الاستدراج العاطفيّ؛ قصد بلوغ الغاية من الاستمالة، وحملهم على التسليم بدعواه، والخضوع للحق، والانقياد لمنهج الاستقامة، فالمراجعة والاستنزال والاستدعاء كلها وسائل للاستدراج العاطفيّ كما ذكر أبو حيان الأندلسي؛ لأنها تحث على إعمال الفكر، وإجالة النظر في جرّ قوم هود -عليه السلام- إلى جادة الصواب عبر لغة رقيقة مؤثرة وموحية موافقة لمنهج البلاغة.
- بيئة البلاغيين: يتناول هذا المطلب قراءة اصطلاحية لمفهوم الاستدراج عند قطبين من أقطاب البلاغة العربية وهما: يحيى العلوي صاحب الطراز، وابن الأثير صاحب كتاب المثل السائر؛ إذ تُعدُّ جهود البلاغيين علامة فارقة في استكشاف جمال أسلوب الاستدراج وفنياته؛ وهي إشارات مشرقة مستوحاة من مقاربة المفسرين أمثال الزمخشريّ، وأبي حيان الأندلسي، والألوسي، ومحمد الطاهر ابن عاشور وغيرهم. ويعدُّ يحيى العلويّ صاحب كتاب “الطراز” من أكثر البلاغيين تفصيلاً لمبحث الاستدراج؛ إذ اتسمت مقاربته بالعمق، والإحاطة وحسن البيان.
أولاً- مفهوم الاستدراج عند يحيى العلويّ [ت 745هـ]:
أفرد العلويّ فصلاً كاملاً بعنوان: “في ذكر الاستدراجات”؛ مؤصّلاً ومحللاً تحليلاً أدبياً شواهد قرآنية وشعرية ونثرية، يقول: “وهذا اللقب إنما يُطلق على بعض أساليب الكلام، وهو ما يكون موضوعاً لتقريب المخاطَب والتلطف به والاحتيال عليه بالإذعان إلى المقصود منه، ومساعدته له بالقول الرقيق والعبارة الرشيقة، كما يحتال على خصمه عند الجدال والمناظرة بأنواع الإلزامات، والانتماء إليه بفنون الإفحامات، ليكون مُسرعاً إلى قبول المسألة والعمل عليها، وكمن يتلطف في اقتناص الصيد فإنه يعمل في الحُبّالة كل حيلة ليكون ذلك سبيلاً إلى ما يقصده من الاصطياد، فهكذا ما نحن فيه، إذا أراد تحصيل مقصد من المقاصد فإنه يحتال بإيراد ألطف القول وأحسنه، فما هذا حاله من الكلام يقال له الاستدراج”[14]. يؤسس هذا النص لمفهوم الاستدراج تأسيساً اصطلاحياً وفق المكونات الآتية:
– موضوع الاستدراج إدناء المتلقي، وتقريبه إلى فضاء الإقناع، ودائرة التأثير.
– وسيلة الإدناء الملاطفة والأناة في استدراج المتلقي، والمراوغة والاحتيال عليه؛ قصد الاستسلام.
– الأساليب السامية والأدوات البلاغية العالية وسيلة للاحتيال؛ ذلك أن انتقاء أعذب العبارات وأرّقها، مما يورث القبول والإذعان بخلاف العبارات الفظة الغليظة الوحشية التي تورث النفور والإعراض.
– مفهوم الاحتيال والإغواء من مفاهيم علم الجدل، والمناظرة التي تتطلب قدرًا عالياً من البيان المُفحِم والأسلوب المقنع.
– بلوغ المقاصد وتحصيل الغايات يتم بالاحتيال والاستمالة بانتقاء أجمل العبارات وأعذبها، ومن الأساليب أفصحها.
إنّ ملاطفة المتلقي بأسلوب الاستدراج تستمد مشروعيتها من طبيعة البلاغة العربية ذاتها، ومن أصول الجدل والمناظرة في التراث العربيّ الإسلاميّ. فمن المنظور البلاغيّ فإن طبيعة التلقي تستوجب الملاطفة والأناة في المخاطبة؛ وهذا ما عبّر عنه أبو هلال العسكري [ت 395هـ] قائلاً: “البلاغة ُقولٌ مُفقِهٌ في لطفٍ، فالمُفقِهُ المُفهِمُ، واللطيف من الكلام: ما تعطفُ به القلوبَ النافرةَ، ويُؤنِسُ القلوبَ المستوحشة، وتلينُ به العريكةُ الأبيّة المستصعبة، ويُبْلَغُ به الحاجة، وتُقامُ به الحُجّة؛ فتخلصُ نفسك من العيْب، ويلزمُ صاحبك الذنب، من غير أن تهيجه وتُقْلِقه، وتستدعي غضبه، وتستثير حفِيظَتَه”[15].
لا جرم أن بلوغ حاجة المتكلم من الإقناع، والاستمالة مردّه إلى الخطاب المؤنِس اللين الصادق الذي يلامس مشاعر المتلقي، ويدفع عنه الوحشة والغربة والانفعال والضجر؛ لبلوغ الغرض المقصود من الإقناع والإبلاغ والتواصل. فالخطاب الغامض والجاف مدعاة للنفور والإعراض والقلق؛ آية ذلك أن من مقتضيات الحجاج الاحتيال في استدراج الخصم؛ ولن يتحقق المطلوب من الإقناع إلا بالملاطفة والملاينة، ولهذا يشترط في علم الجدل أن يكون المسْتَدْرِجُ: “بصيراً بترتيب قوله، عالماً بمراتب المستمعين له في قبوله، فلا يأتيهم منه بما ينافر طبائعهم، ويكون سبباً إلى إعراضهم، ثم لا يزال يلطف لهم في ذلك ويرقيهم في حال إلى حال فيه، حتى يبلغ مقصده، فإن ذلك أصوب في الرأي، وأولى بالقبول”[16].
تدابير المجادِل، وترتيب قوله وفق خطة معلومة مع مراعاة نفوس المتلقين قبولاً للحق، وإعراضاً عنه من تمام حصافة الرأي، ورجاحة الفكر؛ لأن اللطف في الانتقال بالمسْتَدْرَجِ، والتدرّج بالمتلقي في مراقي السلّم الحجاجيّ يمهد السبيل لبلوغ المرام من الإقناع والقبول، والإقرار بعد الإنكار.
ثانياً- مفهوم الاستدراج عند ابن الأثير [ت 637هـ]:
يقول ابن الأثير في تعريف الاستدراج: “وهذا البابُ أنا استخرجته من كتاب الله تعالى، وهو مُخادَعات الأقوال التي تقوم مُقام مخادعات الأفعال، والكلام فيه وإنْ تضمَّن بلاغة، فليس الغرض ههنا ذِكر بلاغته فقط، بل الغرضُ ذكر ما تضمّنه من النُّكت الرقيقة في استدراج الخصْم إلى الإذعان والتّسليم، وإذا حُقّق النظرُ فيه عُلِمَ مدار البلاغة كلّها عليه لأنه انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة، ولا المعاني اللطيفة الدقيقة، دونَ أن تكون َ مُسْتَجْلِبةً لبلوغ غرضِ المخاطَب بها”[17].
يفتتح ابن الأثير النوع الرابع عشر في الاستدراج؛ ويعرّفه بأنه شكل من أشكال الخداع والمراوغة اللفظية القائمة على تخير الألفاظ الرقيقة الشفافة، والمؤثرة قياساً على الخداع الماديّ من الأفعال؛ وهو ألصق بالدرس البلاغيّ؛ إلا أن الغرض الذي من أجله سيق في هذا الباب هو اللطائف الدقيقة من استدراج الخصم؛ وكأنه يركّز على الجدل في بُعده الكلاميّ؛ فالحِيل وحبال الإغواء هي مقصده من الحديث عن الاستدراج. وبعد التحقيق يرى ابن الأثير أن استثمار الطاقة اللفظية في استدراج الخصم ليست المقصد الأسمى لبلوغ الغاية من الاستمالة، فهو يركّز على مفهوم الغرض بوصفه مفهوماً مركزياً في البنية الاصطلاحية للاستدراج؛ وهو مفهوم يتجاوز إطار الزخرف اللفظيّ إلى الوظيفة التداولية التواصلية.
فالإذعان والتسليم، والانقياد هو الغاية المثلى التي يروم المتكلم تحقيقها عبر تلبيس الحقائق، والتمويه والإغراء. فنظرة ابن الأثير للمتلقي لا تقوم على الألفة والأنس بقدر ما تسعى جاهدة للإيقاع به في حباله وشباكه.
فجَمال العبارات، وعذوبة الألفاظ، ودقة التراكيب، وبلاغة البيان ليس مقصوداً لذاته؛ وإنما يمثل أداة إجرائية ومنهجية لبلوغ غرض المخاطَب وإقناعه؛ فالبلاغة بهذا المفهوم عند ابن الأثير تتخطى عتبة التزيين اللفظي، والزخرف الجماليّ إلى تحقيق الوظيفة التواصلية؛ بمعنى بلوغ المقصد المرسوم سلفاً من المتكلم في الخداع والاحتيال والمغالطة.
كما تناول ابن الأثير مفهوم الاستدراج بمزيد من الإضاءة فقال: “الاستدراج: هو التوصل إلى وصول الغرض من المخاطِب والملاطفة له لبلوغ المعنى المقصود، من حيث لا يشعر به، وفي ذلك من الغرائب، والدقائق ما يُوَثِّقُ السامعَ ويُطرِبه؛ لأن مبنى صناعة التأليف عليه، ومنشأها منه”[18].
فالمعنى المقصود ليس المعنى بالمفهوم الجماليّ والفني كما تقدم تقريره؛ وإنما المعنى الذي يفضي إلى إقناع المتلقي واستقطابه لقبول الأمر، والإذعان لسلطانه؛ ولا بد من الملاطفة في انتقاء الألفاظ المحقِّقة للغرض المنشود من الاستمالة، فيطرب المتلقي، ويشعر بالأريحية والراحة النفسية عندما يتمكن المتكلم من إغوائه دون أن يستشعر حالة الاستمالة؛ لأنه استُقطِب لا شعورياً لدرجة الاقتناع فسلّم لسلطان الاستدراج، وقوته التأثيرية. إذن؛ الغرض من الإقناع هو العتبة الأولى في الاستدراج؛ ثم تليه الأدوات اللغوية الموصلة للغرض الذي يتوخاه المتكلم.
إن الوظيفة المركزية للغة هي التعبير عن المشاعر، والأحاسيس من جهة، والتواصل مع العالم الخارجيّ من جهة ثانية من منظور تداولي تواصليّ؛ ومن ثم فاللغة: “ليست أداة أو وسيلة للتخاطب والتفاهم والتواصل فحسب، وإنما اللغة وسيلتنا للتأثير في العالم وتغيير السلوك الإنسانيّ من خلال مواقف كلية”[19]؛ فاللغة أداة لإنجاز أفعال كلامية؛ وهو إنجاز يتخطى الوظيفة الأساس في التواصل إلى التأثير، والإقناع والاستمالة؛ وبهذا المفهوم أضحى الحجاج يهتم بتدابير الخطاب الرامية إلى أسْر المتلقي، وجذبه إلى دائرة الاستسلام.
- بيئة المتكلمين: نال المتكلمون شرف التأسيس لمفهوم الاستدراج بوصفه أقرب حقل معرفيّ عند المتكلمين؛ أمثال الإمام الجويني إمام الحرمين صاحب (الكافية في الجدل)، ونجم الدين الطوفي مؤلف كتاب (عَلم الجذل في علم الجدل)، وابن الجوزي في كتابه (الإيضاح لقوانين الاصطلاح في الجدل والمناظرة) وغيرهم؛ لأنه علم يقوم على إقناع الخصم، وجرّه للاستلام، والانقياد في ظل بلاغة التمويه. وقد زاد اهتمام علماء الكلام بهذا الضرب لقوته الإقناعية؛ كما أن الاستدراج سُنة إلهية، ومسلك دعوي في مناظرة الأنبياء لأقوامهم.
يقول التهانويّ: “الاستدراج أمر خارق للعادة يقع من مدّعي الرسالة، فإن كان موافقاً للدعوى والإرادة يسمى معجزة، وإن كان مخالفاً لدعواه وقصده فهو إهانة”[20]. واضح من هذا المفهوم الاصطلاحيّ أن الاستدراج له تعلق بالإعجاز؛ والحجة الناصعة والبرهان الساطع هما مسلكا الإقناع وأدواته؛ وعدم إصابة الغرض المقصود من المدعي إهانة وصغار. فمعجزة الأنبياء كلها صادقة؛ لأنها حقّقت مضامين الدعوة؛ وهي قائمة على صدق النبوة؛ بينما ادعاءات غيرهم من البشر قد تجانب الغرض المطلوب؛ فتقع في دائرة التلبيس والإغواء؛ لافتقارها عنصر الصدق، واعتمادها الاحتيال وسيلة للاستمالة والخداع.
ثالثاً: معمار المحاججة في سورة مريم ومكوّناتها:
يقول الله – عز وجل- في محكم التنزيل: (ﱡوَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا* إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا* يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا* يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا* يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا* قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا* قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّاﱠ [مريم، ٤١ – ٤٧].
يجد الناظر في هذه الآيات أنّ القرآن سلك مسلكاً منهجياً في نسج الخطوات المنطقية والمنظمة التي سار في رحابها إبراهيم الخليل في إقناع أبيه؛ بيان ذلك أن: “المعنى الحجاجي هو الذي يعتمد في تسلسل الخطاب وتناميه، وهو الذي يحكم توالي الأقوال وتتابعها، بصورة استنتاجية، داخل الخطاب”[21].
هناك عملية معقّدة لبلوغ مطلب استجابة المتلقي لأفكار المخاطِب أو رفضها؛ وهي عملية تخضع لتسلسل مكونات الخطاب وعناصره، وتلاحقها بشكل يوحي بأن علة منطقية داخلية تنتظم الخطاب، وتحكم مساره. فالآيات السبع من سورة مريم خضعت لمنطق استدلاليّ متنامٍ متلاحق في نسق تعبيريّ خاضع لقوانين استدلالية واستنتاجية، بمعنى دقيق أن الحجاج خطة مدروسة بإحكام وعناية تخضع لمسلك حجاجي متتابع؛ إذ: “ليس هناك حجاج جاهز أو معطى منذ البداية، بل هو عملية يتم بناؤها تدريجياً وتتطلب تكيفاً مستديماً لعناصره إلى نهاية وإتمام الحجاج”[22]؛ فالحوار الذي دار بين إبراهيم -عليه السلام- وأبيه آزر خضع لبرنامج حجاجيّ دقيق، واستوفى شروط الحجاج بوصفه فعالية تداولية جدلية وفق: “شروط النص الاستدلالي وشروط التداول اللغوي”[23]، ويفهم من هذه الشروط أن المحاورة القرآنية فعالية خطابيّة -على حد تعبير طه عبد الرحمن- تتم وَفق إطارين:
- الإطار الاجتماعيّ بما يحمله من مقتضيات مقام المخاطبة.
- الإطار الجدليّ القائم على الاستدلال؛ قصد استدراج المتلقي.
إن المحاورة التي تمت بين إبراهيم وأبيه خضعت لسياسة محكَمة استدلالاً، وتواصلاً، وبلاغةً. وقد أدرك المفسرون أهمية هذه الفعالية الخطابية، وأثرها في بناء الخطاب وتناميه؛ وفي هذا السياق يقول الزمخشري: “كيف رتّب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، مع استعمال المجاملة، واللطف، والرفق، واللين، والأدب الجميل، والخلق الحسن”[24].
وفي رحاب قراءة الكشاف للزمخشريّ نلفي أنه من ألمع المفسرين الذين كشفوا اللثام ورفعوا الأستار عن حقيقة هذه المحاورة؛ وليس غريباً أن يتألق الزمخشريّ من منطلق تخصصه البلاغيّ والكلاميّ؛ فهو شيخ من شيوخ المعتزلة؛ ولهذا الانتماء العقديّ أثر بارز في قراءته لهذه الآيات من منطلقات تداولية تواصلية وجمالية، فقوله: (كيف رتّب الكلام معه في أحسن اتساق) دليل على وعيه بسياسة الخطاب الحجاجيّ، ومنهج الخطاب القرآنيّ؛ ولعل كلمة (الاتساق) دالة على تنظيم محكم، وترتيب مفصّل روعي فيه التسلسل المطلوب في بناء الخطة الحجاجية. ثم إن كلمة (أرشق) حلية تزيينية لها تعلق بالجانب الفني والأسلوبي، وفي توظيف اسم التفضيل في (أحسن) و(أرشق) ما يؤكد أن مقدمة الآيات جاءت في منتهى الإحكام، والبناء الاستدلاليّ والفنيّ.
فمفهوم تنامي الخطاب وتتابعه وتسلسله لم يغب عن بعض المفسرين؛ إذ يذكر الإمام الألوسيّ [ت 1270هـ] عبارة توحي بوعيه بمفهوم المنهاج باعتباره إجراءً عملياً يفضي إلى بلوغ هدف استمالة المتلقي، وحمله على الانصياع، إذ يقول – رحمه الله-: “ولقد سلك عليه السلام في دعوته أحسن منهاج واحتج عليه أبدع احتجاج بحسن أدب وخلق ليس منهاج لئلا يركب متن المكابرة والعناد ولا ينكب بالكلية عن سبيل الرشاد”[25]؛ فالمنهاج هو المسلك الموصل إلى غاية الاحتجاج؛ مع ما تحمله الكلمة من دلالات البرنامج المسطّر لهذه المحاورة، وتحديد مسارها الحجاجيّ الذي لا يحيد عن فضاء النص الاستدلاليّ.
رابعاً: ترتيب أدلة إبراهيم -عليه السلام-، وعلاقتها بمفهوم السُلَّم الحجاجيّ:
لا يحصل الاستدراج العاطفيّ إلا بترتيب الحُجج وفق منطق استدلاليّ يقود المتكلم إلى التأثير في المتلقي، وحمله على الإذعان.
ويعرّف السلّم الحجاجيّ بأنّه: “علاقة ترتيبية للحُجج”[26]، وقد تجلّت هذه العلاقة في سورة مريم وفق المخطط الآتي، يقول الله تعالى: (ﱡإِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا* يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا* يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا* يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّاﱠ).
فالآيات الأولى مقدمات والآية الأخيرة (45) نتيجة؛ ولهذا السلم الحجاجيّ حضور عند المفسرين؛ فقد التفت الزمخشريّ لهذه العلاقة الترتيبية للحُجج؛ مستخدماً العبارات الآتية: “طلب منه أولاً العلة […] ثم ثنىّ […] ثم ثلّث […] ثم ربّع […]”[27].
مسار الحِجاج وعلاقاته الداخلية يخضع لبناء نسقيّ تُرتَّب أدلته وفق خطة حجاجية تُراعى فيها الطبيعة السُلَّمية للأدلة؛ وفي هذا السياق يقول أبو بكر العزاويّ: “الأدلة والحجج تكون متفاوتة في قوتها الحجاجية، والعلاقة الترتيبية بينها تكون باعتبار القوة الحجاجية التي لكل دليل”[28]، ولعل في انتقاء إبراهيم -عليه السلام- لمنطق السُلَّم الحجاجيّ ما يقوم دليلاً على طبيعة اختيار دقيق للحُجة المقنعة التي تتوافر على سلطان الإفحام، وقوة الإفهام.
تنطلق الآيات منطلقاً استفهامياً؛ وفي اختيار الاستفهام ما يؤكد حقيقة تنبيه آزر إلى الباعث على عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع؛ وهي محاكمة عقلية لإقناعه بعدم جدوى المعبود الذي ليس أهلاً للعبودية، فلما غاب التمييز، وتوارى العقل المسدَّد بالصواب لإدراك حقيقة العبادة وجوهرها؛ خاطب إبراهيم أباه من منطلق الموازنة العقلية الواعية والمبصرة بحقائق الأشياء، فالأوثان الفاقدة للقدرة على الإنعام والعطاء ليست أهلاً للعبادة كما هو مقرر عند ذوي العقول السليمة والفهوم السديدة. ويعلّل الزمخشري لهذه المحاكمة الحصيفة والراجحة قائلاً: “لأن المعبود لو كان حيّاً مميزاً سميعاً بصيراً مقتدراً على الثواب والعقاب نافعاً ضاراً، إلا أنه بعض الخلق، لاستخفّ عقل من أهّله للعبادة ووصفه بالربوبية، ولسجّل عليه بالغيّ المبين والظلم العظيم، وإنْ كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة كالملائكة والنبيين […] وذلك أنّ العبادة هي غاية التعظيم، فلا تحقّ إلاّ لمن له غاية الإنعام […] فما ظنك بمن وجَّه عبادته إلى جماد ليس به حسّ ولا شعور”[29].
إنّ الحجة المقدَّمة حجة تتجاوز البنية المجردة إلى الحجة الحية -على حد تعبير طه عبد الرحمن- التي لا تروم: “الوصول إلى الحقيقة الوصفية، وإنما الغرض منها الوصول إلى الحقيقة المعيارية: والمراد بالحقيقة الوصفية “الأسباب الظاهرة للأشياء”، وبالحقيقة المعيارية “المقاصد الخفية للأشياء”، أو قل، الحِكم (بكسر الحاء) التي تنطوي عليها”[30]، فالمقاصد الخفية للآية الثانية والأربعين في دعوة إبراهيم أبيه آزر إلى جادة التمييز، وفضاء العقل السديد المستنير هي الحقيقة المعيارية التي تؤسس لمفهوم العبادة الحقّة، وجوهر التوحيد السليم.
ثم يخاطب إبراهيم -عليه السلام- أباه بعد بيان حقيقة العبادة السليمة إلى اتباعه؛ رأفة به وإشفاقاً عليه؛ ولعل ما يوجب هذه الدعوة عدم إدراك أبيه لمقاصد العبادة ومقتضياتها. يقول الإمام الألوسي: “ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى الحق المبين لما أنّه لم يكن محظوظاً من العلم الإلهي مستقلاً بالنظر السوي مُصَدِّراً لدعوته بما مرّ من الاستعطاف […] ولم يسم أباه بالجهل المفرط، وإنْ كان في أقصاه، ولا نفسه بالعلم الفائق، وإنْ كان كذلك، بل أبرز نفسه في صورة رفيق له، يكون أعرف بأحوال ما سلكه من الطريق فاستماله برفق”[31].
فالاستدراج العاطفيّ بيّن جليّ في نمط هذه المحاورة التي تفيض أدباً ولطفاً وتواضعاً، وإذا تقرر مسلك الاستعطاف والرفق وجب الإقرار بوعي إبراهيم -عليه السلام- بآداب الجدل والحجاج الهادئ العاقل؛ وهو على يقين مِن تمكّن الكفر من أبيه؛ فأبى أن يفاتحه بما يغيظه، ويدفعه إلى قطع التواصل معه. يقول الإمام الجوينيّ: “وعليك ألا تفاتحَ بالمناظرة مَنْ تعلمه متعنتاً؛ لأن كلام المتعنّت، ومن لا يقصد مرضاة الله في تعرّف الحق والحقيقة بما تقوله، يورث المباهاة والضجر وحُزن القلب، وتعدِّى حدود الله سبحانه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”[32].
وتحقيقاً لحصول المنفعة بين إبراهيم وأبيه سلك منهج التريث والأناة في المخاطبة؛ حرصاً على هداية أبيه من جهة، والإبقاء على نظام المخاطبة؛ وأملاً في استمالته من جهة أخرى؛ ولهذا يقول طه عبد الرحمن: “تجد المتكلم في هذه المرتبة من التعامل حريصاً على أن يحفظ عُرى التواصل، حتى يجلب أقصى ما يمكن من عاجل المنفعة لنفسه ولمخاطَبه، فيجتهد في التوسل بما يجلب إقبال المخاطب على سماعه وفهم مراده وتلقيه له بالقبول، طمعاً في أن يبادله نفس الحرص على التواصل وعلى الوصول إلى المنفعة المشتركة”[33].
فقد نحا إبراهيم -عليه السلام- منحى المزيد من الاستعطاف والاستلطاف؛ حفاظاً على نظام التواصل، والرغبة في استدراج آزر إلى قبول الحق والانصياع له؛ ودليل هذا الحرص قوله تعالى: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا)؛ فقدّم إبراهيم نفسه بوصفه منقذاً لأبيه من الشرك والكفر، دون أن يدعي العلم المطلق؛ و(مِنَ) التبعيضية دالة على ذلك؛ ملتزماً بما يحفظ استمرارية التواصل دون انقطاعه؛ تحقيقاً للمنفعة المتبادلة بينهما؛ وفي عبارة (صِرَاطًا سَوِيًّا) ما يكفي للتدليل على همّته وصبره وثباته في الدعوة؛ بل إنّ المفسّر ابن عاشور يرى في إبراهيم -عليه السلام- مصدراً للاقتداء والاتباع؛ وإن لم يصرّح بذلك؛ تفادياً لقطع حبل الاستعطاف، يقول: “وتفريع أمره بأن يتبعه على الإخبار بما عنده من العلم دليل على أنّ أحقية العالِم بأن يُتبع مركوزة في غريزة العقول لم يزل البشر يتقصّون مظانّ المعرفة والعلم لجلب ما ينفع واتقاءَ ما يضرّ”[34].
واستمراراً لمنهج إبراهيم في الاستدراج العاطفيّ انتقل إلى بيان حقيقة مسلك أبيه من الضلال والانحراف؛ فقال تعالى: (ﱡيَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا* يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّاﱠ)، إيغالاً في الاستلطاف والترفق والأناة والتريث جنح إبراهيم -عليه السلام- في الخطاب إلى إقرار حقيقة الغواية التي مصدرها الشيطان: “إلا أن إبراهيم -عليه السلام- لإمعانه في الإخلاص ولارتقاء همته في الربانية لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص منهما بربّ العزة من عصيانه واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم وذريته، كأنّ النّظر في عظم ما ارتكب من ذلك غَمَرَ فكره وأطبق على ذهنه[35]“؛ ويستمرّ سياق الرحمة والإحسان والاستلطاف ليقرر إبراهيم -عليه السلام- عاقبة الشقاوة في اتباع الشيطان؛ مذكِّراً ومعللاً لخطورة هذا المسلك الوخيم في الوقت نفسه؛ ومبرزاً لحقيقة الشيطان في الانحراف والمروق دون تفصيل لهذا المنهج الوبيل، واكتفى بتنبيه أبيه لجناية الشيطان الكبرى واستعلائه.
ولما كان السياق سياق لطف وملاينة ترك إبراهيم التفصيل، وجنح إلى الإجمال في تجنب الحديث عن مسالك الشيطان في إغواء آدم ونسله من البشر؛ بل إنه أشار إلى حقيقة الرحمة الإلهية الموجبة للطاعة في قوله (الرحمن) وفي هذا الصدد يقول أبو حيان الأندلسيّ [ت 745هـ]: “وكان لفظ الرحمن هنا تنبيهاً على سعة الرحمة، وإنّ مَنْ هذا وصفه هو الذي ينبغي أن يُعبد ولا يُعصى، وإعلاماً بشقاوة الشيطان حيث عصى مَن هذه صفته وارتكب من ذلك ما طرده من هذه الرحمة”[36]؛ فالآية جامعة للتنبيه، والإعلام في سياق يقتضي دفع القول الخطابيّ إلى إثارة آزر، وتحريكه للاستجابة للفعل الحجاجيّ (الإيمان بالله تعالى).
فقد حاول إبراهيم -عليه السلام- عبر سلسلة من الأقوال المترابطة ترابطاً منطقياً إقناع أبيه بصدق النبوّة، والتأثير في موقفه؛ قصد إثارة دواعي التأمل، وتحريك دوافع التفكير السليم برفق، ومن تجليات هذا التحفيز على التفكير العاقل أسلوب المنطق الذي يروم قيادة الفكر إلى الاستقامة؛ فتذكير إبراهيم -عليه السلام- لأبيه آزر بمصدر الشقاوة والانحراف (الشَّيْطَانَ)؛ لبيان مآل هذا المسلك عبر عصيان الشيطان لله تعالى وهو المنعِم؛ فذكَّر أباه بخطيئة الشيطان، وهي أصل الجنايات التي تفضي إلى بقية الجرائم، ما يكفي لإقناع أبيه بأن منهج الغواية والمروق عن الدين مصيره المحتوم هو الضياع. يقول الألوسي: “وفي الاقتصار على ذكر عصيانه من بين سائر جناياته لأنه ملاكها أو لأنه نتيجة معاداته لآدم عليه السلام، فتذكيره داع ٍ لأبيه عن الاحتراز عن موالاته وطاعته، والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير”[37]؛ فالفعل الحِجاجيّ في الآية السابقة قائم على تقرير حقيقة العصيان التي تقوم دليلاً مقنعاً على معاينة غواية أبدية كانت منطلق كل الغوايات البشرية؛ وفي هذا التذكير ما يحث آزر على تعديل سلوكه، وتغيير وجهة نظره.
يصل الاستدراج العاطفيّ مداه، ويستثمر إبراهيم -عليه السلام- آليات الخطاب والطاقة الكامنة في التبليغ، في قوله تعالى: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا)ﱠ. ويبلغ الرفق واللطف مبلغاً ظاهراً ليفصح إبراهيم -عليه السلام- عن هواجسه النفسية؛ فيعبّر عما يختلج في صدره من الخوف على مصير أبيه إن أصرّ على عبادة الأوثان؛ وهي النتيجة المنطقية للمقدمات الثلاث الأولى؛ ويستمر إجلال مقام الأبوة، وإعظام قداستها، والتأدب في حضرتها من خلال التعبير عن شفقة البنوّة على عاقبة أبوّة شاردة من خلال عبارة (يَمَسَّكَ عَذَابٌ) ولم يقل (أن تُعذبّ) ليبقيَ على حبل المودة واحترام الأبوة.
يقول الزمخشريّ تعليقاً على الآية السابقة: “ثم ربّع بتخويفه سوء العاقبة وبما يجره فيه من التبعة والوبال، ولم يخل ذلك من حسن الأدب؛ حيث لم يصرح بأن العقاب لاحق له وأنّ العذاب لاصق به، ولكنه قال: (أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ)[38].
إنّ انتقاء العبارات المنتجِة للفعل الحجاجيّ، والمفضية إلى الإقناع مسلك النظم القرآنيّ في تلمس الألفاظ الرشيقة، والمعاني الرقيقة الصادقة التي تلامس مشاعر المتلقي؛ وهذا من جوهر آداب الجدل كما يرى الجوينيّ: “فالأدب في الجدل يزين صاحبه، وترك الأدب فيه يزري به ويشينه، ومعظم الأدب في كل صناعة استعمال ما يختص بها، والاشتغال بما يعود نفعه إلى تقويمها والإعراض عما لا يعود بنفع إليها”[39]؛ فقد أعرض إبراهيم -عليه السلام- في هذا الاستدراج العاطفيّ عن كل ما يسيء إلى مقام الأبوّة، وحرص على إنتاج تواصل مثمر يفضي إلى استمالة أبيه؛ كما أن عاطفة الأبوّة لم تدفعه لتجاوز إطار النبوّة.
ولا جدال في أنّ من مقتضيات البنوّة الصادقة الحرص على إعظام مقام الأبوّة كما هو مقرر في الشريعة الإسلامية؛ بيد أنّ تأجّج عاطفة إبراهيم – عليه السلام– وخوفه على مصير أبيه، وحرصه على عدم بقائه على الكفر لم يمنعه من أن يـتأدب أيضاً مع الله تعالى في التعبير عن مرغوبه في الاستمالة والاستدراج. فالخوف احتراز من طلبٍ هو في حكم الله عزّ وجل المعاقِب؛ وفي هذا المعنى يقول ابن عاشور: “والتعبير بالخوف الدال على الظن دون القطع تأدب مع الله تعالى بأن لا يُثبت أمراً فيما هو من تصرف الله، وإبقاء للرجاء في نفس أبيه، لينظر في التخلّص من ذلك العذاب بالإقلاع عن عبادة الأوثان”[40].
إنها بنوّة مثالية تراعي مقام النبوّة؛ وفي الوقت ذاته حريصة على استمالة الأبوّة المنحرفة الضالة.
لا مرية في أنّ رغبة المتكلم في استمالة المتلقي هي غاية سامية ومقصد شريف؛ واستسلامه لدعوى الداعي لا تقل أهمية عن سابقتها؛ ولهذا السبب يسميه طه عبد الرحمن بالتخلّق: “فمقتضاه أن يأتي المتكلم بفعل القول على الوجه الذي يُبْرِز به دلالته البعيدة، فضلاً عن اعتبار دلالته القريبة، ويقوي أسباب الانتفاع الآجل، فضلاً عن اعتبار الانتفاع العاجل به”[41].
فالانتفاع الآجل هو استسلام آزر لدعوة إبراهيم، والكف عن عبادة الأوثان، والانتفاع العاجل هو الاستمالة والاستدراج العاطفيّ؛ ولا يتم ذلك إلا بفعل القول، وصياغة الكلام؛ فالمسّ الوارد في الآية السابقة له دلالة قريبة لتحقيق التخلق، وحسن الأدب، والخلق القويم، والعدول عن العذاب إلى المسّ له دلالة بعيدة للحرص على إتاحة الفرصة لأبيه للتأمل في إمكانية الإعراض عن عبادة الأصنام.
ومن مقتضيات التواصل الرشيد حصول التفاعل بين المتكلم والمتلقي. يقول الله – سبحانه وتعالى-: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)ﱠ خروج آزر عن أصول فن الإصغاء والإنصات العاقل دليل على تمكّن الكفر من نفسه، والإصرار على الشرك؛ لأن الذي عليه أصل المحاورة الجادة أن يستجيب المتلقي؛ وإنْ رفَض التزم بضوابط عدم الاقتناع بمخاطِبه. ويمثل رد آزر على دعوة إبراهيم الخليل قمة الغلظة والجفاء في مقابل سمو الاستلطاف ورقي الاستدراج؛ ولعل تمادي إبراهيم الخليل في الحوار دليل على صبر وجَلد استثنائي لعلمه بمصير أبيه؛ ومن ثم استمر في دعوته أملاً وطمعاً في حرصه على استدراجه؛ وإن كان آزر منصتاً؛ إلا أن غياب الإدراك، والوعي بحقيقة التوحيد حالت دون استجابته.
فاستمع آزر لخطاب ابنه وأنصت؛ ولكنه إنصات المكابر المعاند؛ ولهذا لم يقطع المحاورة؛ لا مراعاة لآداب الجدل؛ وإنما رغبة في استمالة إبراهيم الخليل. فظاهر الإنصات العابر لم يولّد لديه قناعة بقبول الحق. إذن؛ استمرّ الحوار الذي أفضى إلى انحراف عقديّ وأخلاقيّ؛ وإن تفوّق إبراهيم على أبيه في نمط المحاورة خُلقاً وتواضعاً. يقول نجم الدين الطوفيّ [ت 716هـ]: “وليتناوبا الكلام مناوبةً لا مناهبةً، بحيث ينصت المعترض للمستدل حتى يفرغ من تقريره للدليل، ثم المستدل للمعترض حتى يُقَرِرَ اعتراضه، ولا يقطع أحد منهما على الآخر كلامه وإن فهم مقصوده من بعضه”[42].
تناوب الطرفان الحديث، ولم يتحقق المطلوب من التأثير المرغوب؛ وقد استنفد إبراهيم الخليل طاقته الإقناعية وقدرته الأسلوبية في الاستدراج.
ومن المعلوم في أصول الحوار وموجباته أن يستمر المحاور أو المحاجِج في مقارعة خصمه؛ مستثمراً أصول الاستدلال والمناظرة الممكنة؛ إلا أن الاستجابة قد لا تحصل لأسباب نفسية أو فكرية. يقول طه عبد الرحمن: “لا تكون الصفة البرهانية في القول شرطاً كافياً لتحصيل الاقتناع العملي الذي يهدف إليه الحجاج، فقد تُسْتوفى برهانية الدليل ولا يحصل معها اقتناع المخاطَب، إذ لا شيء يمنعه من أن يستمر على اعتقاده السابق ولو دُلَّ على سبيل برهانيّ مستقيم؛ فليس كل ما يحصّله النظر يتحول إلى عمل”[43].
والتحقيق أن المانع هو الجحود والعناد والتصلّب في الرأي؛ وقد استوفى إبراهيم شرائط النظر السليم الذي تجاوز حدود القيم الأخلاقية إلى حرص غير مسبوق على استمالة أبيه. يعلّل الزمخشري لعدم حصول الاقتناع العمليّ بقوله: “لما أطلعه عن سماجة صورة أمره، وهَدَمَ مذهبه بالحجج القاطعة، وناصحه المناصحة العجيبة مع تلك الملاطفات، أقبل عليه الشيخ بفظاظة الكفر وغلظة العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل (يا أبت) بـ(يا بنيّ)”[44]، إنّه عمى البصيرة في أوحش صوره، وأقبح تجلياته؛ لم يقصّر إبراهيم -عليه السلام- في الموعظة الحسنة التي تروم إدخال البِشر على قلب أبيه برفق ولطف؛ إلا أن الرفق والتؤدة والأناة في الدعوة لم تلامس شغاف قلب جاف نافر عن قبول الحق.
جفاء آزر وغلظة عناده أفضى إلى تمايز بنيتين خطابيتين؛ إحداهما تجلت في مراعاة حق الأبوة وكرامتها من غير زجر أو فظاظة؛ صوناً لمقام القربة، والثانية بادية في التمسك بمنهج الكفر عناداً وجحوداً واستكباراً. يقول يحيى العلوي في أسلوب يفيض تقديساً لمقام النبوّة وإعظامها: “فانظر ما بين الخطابين من التفاوت في الرقة والرحمة وحسن الاستدراج، فلله درّ الأنبياء! فما أسجَعَ خلائقهم، وأرق شمائلهم”[45].
فعدم حصول الاستجابة مصدره تصلب المتلقي وعناده، وليس تقصير المخاطِب الذي أدرك حقيقة الحجاج بوصفه أداة فعّالة في الخطاب، ولذا يرى علماء الحِجاج أن الذي يفقد الحجة قوتها الخطابية هو الاقتصار على البراهين المجردة؛ ومن ثم تغدو العلاقة التخاطبية: “علاقة عملية، بمعنى أنها لا تنبني على شرائط الفعل فحسب، بل تنبني على القواعد الأخلاقية، فتكون هذه القواعد الأخلاقية هي الأصل في شرائط الفعل الذي تنطوي عليه”[46]؛ فقوة الخطاب الإنجازية تستمد حيويتها من معين ضوابط السلوك الإنسانيّ وقواعده؛ وفي مكابرة آزر ما يفقد هذه العلاقة التخاطبية بُعدها القيميّ، ويضعف من فاعليتها؛ ومن ثم يفتر التفاعل الخطابيّ بين الطرفين.
ومن هنا نفهم أن نتائج الحدث الحجاجيّ ليست ملزمة، وموصلة إلى الاقتناع؛ بل إن مقدمات إبراهيم الخليل ومسلمات القول الحجاجيّ لا تبعد كثيراً عن الاحتمال؛ وهو ما أشار إليه علماء نظريات الحجاج من أن الأمر لا يشترط فيه الإلزام؛ لأنه مناف لجوهر الحجاج بوصفه: “وسيلة قوية يهدف إلى تقسيم وجهة النظر مع الغير، مستبعداً ممارسة العنف مستعيناً بالإغواء أو البرهنة العلمية”[47].
فقد أراد إبراهيم الخليل أن يقنع أباه بمسلك الاستقامة، ومشروعية منهج التوحيد والرشاد بكل طرق الاستدلال والحجاج، وقيم المودة والألفة؛ بيد أنّ أباه كابر، وتصلّب في موقفه.
يشير أصحاب نظريات الحجاج المعاصرة إلى أنّ أسلوب الأمر لا يمتلك القوة الإقناعية أو سلطة التأثير بقدر ما هو استدراج عاطفيّ، ورجاء، وتلطف واستعطاف؛ وفي هذا الصدد يقول الباحثان بْرِلْمان وتيتيكا: “ليس للأمر، على عكس ما قد يتبادر إلى الذهن، أي طاقة إقناعية، ويستمد سلطانه من النفوذ الذي يمارسه الآمر على المأمور، لكن ميزان القوى هذا لا يفضي إلى رأي إذعان مهما كان نوعه، أما حين لا يكون ثمة نفوذ حقيقي أو لا تكون ثمة نية لاستخدامه الأمر يتشكل في صورة رجاء والتماس”[48].
لا ريب أن نفسية آزر، وما رُكبت عليه من حبّ الجحود، والعناد والتصلّب حَرَمته لذة الانقياد للحق؛ بل إن ردّه بعد محاولة إبراهيم تغيير وضع قائم – وهو صدعه عن الشرك-؛ أدى إلى تجاوز حق الاعتراض، وحرية المعتقد إلى فعل (الرجم). يقول أبو حيان الأندلسي تعليقاً على الآية السادسة والأربعين: “ولما كان في قوله: (لأَرْجُمَنَّكَ) فظاظة وقساوة قلب، قابله بالدعاء له بالسلام والأمن ووعده بالاستغفار قضاءً لحق الأبوّة، وإن كان قد صدر منه إغلاظ”[49].
تقدير إبراهيم -عليه السلام- لحرمة الأبوة وجلالها وقدسيتها ألزمه بمسلك الاستدراج العاطفيّ؛ إيماناً منه بفاعلية عاطفة الأبوة مُنطلِقاً من القاعدة الآتية: “التأثير ذو الطابع العاطفيّ الوجدانيّ إنما هو السبيل الممهّدة إلى الاقتناع الذي هو ذو طابع عقليّ”[50]، ونستنتج من رد آزر على دعوة ابنه أنه أخلّ بمبدأ صميم من مبادئ الحجاج المنضبط على الفضيلة الخُلقية والمعاملة الإنسانية الراقية؛ فجنح إلى عدم الالتزام بمقتضيات التبليغ السليم الرشيد الذي يحقّق الغاية من التواصل؛ وهذا المبدأ هو مبدأ التأدب، واعتبار جانب التهذيب، وقِوامه أنْ: “يقضي هذا المبدأ بأن يلتزم المتكلم والمخاطَب، في تعاونهما على تحقيق الغاية التي من أجلها دخلا في الكلام، من ضوابط التهذيب ما لا يقل عما يلزمان به من ضوابط التبليغ”[51].
خامساً: القيم الأخلاقية، وأثرها في بناء الحدث الحجاجيّ
لا يخلو الحدث الحجاجيّ من ضوابط أخلاقية تتآزر في نسج نسقه وفق رؤية إنسانية تنسجم مع أصول الحوار المبنيّ على قيم مشتركة بين الطرفين.
فالتخاطب نظام تفاعليّ يمتزج فيه التواصل بالتعامل بدرجات متفاوتة؛ ويبلغ هذا التفاعل مداه عندما تشترك مجموعة من التدابير في بناء الحدث الحجاجيّ، ومن أبرزها:
أ- التدابير التهذيبية:
الباحث في المعجمات الحديثة المتخصّصة يلفي أن الكلمة ألصق بالبعد العسكري كما ورد في معجم تحليل الخطاب: “جاء لفظ استراتيجية من فن قيادة عمليات الجيش في ميدان القتال وهو يقابل إذ ذاك خطة tactique”[52]. يتجلى من هذا التعريف الاصطلاحيّ البعد التخطيطيّ، والبعد العمليّ الذي هو خلاصة تفكير ذهنيّ.
إن آيات سورة مريم السبع تفيض تقرباً، وتحنّناً، وتلطفاً؛ وهو تدبير منسجم مع مقام النبوّة التي تعكس قمّة السلوك الإنساني في التعامل مع البشر في دعوتهم إلى التوحيد، ونبذ عبادة الأوثان. ويعرف التهذيب في أدبيات نظريات الحجاج بأنه: “عبارة عن العمل الذي يُخلّص القول الطبيعي مما يعيب دلالته وينزع عنه أسباب الانتفاع به”[53].
لا جرم أن مفهوم التهذيب الذي يطرحه طه عبد الرحمن يتجاوز إطار التأدب إلى سلوك التخلق الصادق؛ لأن التأدب قد تحرّكه منفعة عاجلة يقتضيها سياق اجتماعيّ، أو نفسيّ، أو دبلوماسيّ، أو غيرها من المواقف، فلمْ يصدر إبراهيم -عليه السلام- من دعوة مرتابة تتغيا مقاصد دنيوية زائلة سائلة؛ وإنما تخلّق بأخلاق الأنبياء فخاطب والده مخاطبة من يبتغي نجاته بحصول منفعة روحية تنجيه من عذاب الله. يقول أبو حيان الأندلسيّ: “وصدّر كل نصيحة بقوله (يَا أَبَتِ) توسلاً واستعطافاً […] وهذه المناصحات تدل على شدة تعلق قلبه بمعالجة أبيه، والطماعية في هدايته قضاءً لحق الأبوة، وإرشاداً إلى الهدى”[54].
أتى إبراهيم بفعل القول على وجه متأدب، تجاوز حدود الرّقة إلى التحلي بقيم أخلاقية عالية؛ إذ ارتقى بنظام الخطاب إلى فضاء من التخلق الذي يجسد حرمة الأبوة وحقوقها؛ وهذا المبدأ من مبادئ التراث الإسلاميّ الذي يتجلى في مطابقة القول للفعل؛ وتصديق العمل للكلام –كما يرى طه عبد الرحمن- ومن ثم: “فإن مبدأ التصديق التراثي يرتقي بالجانب التهذيبي من المخاطبة ارتقاء، إذ بِفضله يخرجُ هذا التهذيب من مرتبة “التأدب الاجتماعي” المغرض والذي لا يتجاوز الكياسة والمجاملة والمداراة إلى مرتبة “التخلق” المخلص الذي ينشد الكمال في السلوك”[55]؛ فقد تجاوز سيدنا إبراهيم بهذه المناصحات إطار التصنع والتظاهر بالأخلاق، إلى تجسيد خطاب إنسانيّ راق، يعكس نقاء معدِن النبوة وصفائها.
ب- التدابير التضامنيّة:
لم يكتفِ إبراهيم -عليه السلام- في مخاطبة والده من منطلق تهذيبيّ؛ بل حاول التقرّب منه؛ قصد إرشاده إلى الحق ومنهج البصيرة الإيمانية؛ فقد سلك مسلك التقرّب والتحنّن والتلطف ليجادله بالحسنى؛ فصدّر بداية الخطاب بالنداء المتكرر أربع مرات، وهو ما يسمى بالاستراتيجية التضامنية، وهي: “التي يحاول المرسل أن يجسّد بها درجة علاقته بالمرسل إليه ونوعها، وأن يعبّر عن مدى احترامه لها ورغبته في المحافظة عليها، أو تطويرها بإزالة معالم الفروق بينهما”[56]؛ فقد التزم إبراهيم -عليه السلام- بمبدأ التضامن، وجسّد علاقة القرابة في أبدع صورها، وأرقى معانيها؛ بيان ذلك أن التضامن تفرضه أخلاق النبوّة، وعلاقة الأبوّة.
ولا جدال في أن حرص إبراهيم على استمالة أبيه، وإقناعه بمنهج الاستقامة كان الموجه لهذا التضامن؛ لإحساسه الروحيّ بخطورة مسلك الوثنية والشرك، وإصراره من منطلق البنوّة الصادقة والنبوّة المخلصة على إنقاذ أبيه من وحل الكفر وعبادة الأوثان. فلم يكن الهدف الخطابيّ هدفاً نفعياً يروم تحقيق منافع مادية عاجلة؛ بل كان مقصد الدعوة الصادقة هو محرّك هذا الفعل الخطابيّ؛ ومن ثم ذابت حظوظ النفس وأطماعها، ومآرب الذات ورغباتها، وتوارت لغرض إدخال الطمأنينة على والده آزر الذي تشبّث بالأوثان حد الثّمالة؛ ومن هنا يرى طه عبد الرحمن أن التضامن يتجاوز الإطار الماديّ إلى البعد الإنسانيّ: “ولما ثبت أن التخلّق يدعو المتكلم إلى الخروج عن الأغراض والغَناء (بفتح الغين) عن الأعواض، فقد لزم أن يكون الباعث عليه تحقيق مزيد الإنسانية للمتكلم، إذ لا إنسانية بدون أن يزيد اعتبار الغير على اعتبار الذات، بحيث لا تصح نسبتها إلى المتكلم حتى يزيد أنس المخاطب به، ولا يحصل للمخاطب هذا الأنس المطلوب حتى يشعر بأنّ المتكلم قد تخلص في أقواله وأفعاله مما يقصر نفعه على نفسه ولا يتعداه إلى غيره”[57]؛ فقد تخلّص إبراهيم من عوائق الدنيا وعلائقها؛ مُنْكرِاً ذاته لدرجة التوسل والاستعطاف ليستدرج والده إلى رحمة العبادة الموجبة للإنعام، والالتزام بأوامر المُنعِم.
ج- التدابير التوجيهية:
لم يخلُ الخطاب الحجاجيّ في سورة مريم من النصح والتوجيه والإرشاد؛ باعتبار أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً وهو في مقام يسمح له بالوعظ وإسداء النصيحة؛ وهذا التدبير التوجيهي يُعرَّف بأنه: “إقامة الدليل على الدعوى بالبناء على فعل التوجيه الذي يختص به المستدّل، علمًا بأن التوجيه هو هنا فعل إيصال المستدل لحججه إلى غيره؛ فقد ينشغل المستدل بأقواله من حيث إلقاؤه لها، ولا ينشغل بنفس المقدار بتلقي المخاطَب (بفتح الطاء) لها ورد فعله عليها، فتجده يولي أقصى عنايته إلى قصوده وأفعاله المصاحبة لأقواله الخاصة”[58].
يتجلى هذا التوجيه في قوله تعالى من سورة مريم: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّاﱠ): “ففعل التوجيه واضح من خلال التوكيد، وأفعال المستدِّل إبراهيم -عليه السلام- (إنيّ– قد- جاءني- فاتبعني- أهدك)؛ وبعضها أفعال مركزية في الحدث الخطابيّ الذي يركز على جهة المتكلم والمرسل دون العناية بالمرسل إليه؛ لأن المستدِّل -وهو إبراهيم- في مقام التنبيه دون أن يُشعِر والده بمهمة التبليغ والإرشاد والهداية، فتمّ التركيز على إقناع أبيه بسلوك طريق الهداية والرشاد.
وقد ذهب الباحث ظافر الشهري إلى أن السياق هو الذي اقتضى التوجيه دون التهذيب الذي أصبح هامشياً في الحدث الخطابيّ. وفي هذا الصدد يقول: “فهناك سياقات لا تناسبها الخطابات المرنة التي تمنح الأولوية لمبدأ التهذيب وعوامل التخلّق، ومرّد ذلك إلى أسباب كثيرة منها ما يتعلّق بأولوية التوجيه على التأدّب في خطابات النّصح والتحذير وغيرها؛ فالمرسل يولي غايته فيها لتبليغ قصده وتحقيق هدفه الخطابي، بإغفال جانب التأدبّ التعامليّ الجزئي في الخطاب”[59].
والتحقيق إن إبراهيم -عليه السلام- لم يغفل جانب التأدب التعاملي في مخاطبة والده؛ بل بقي محافظاً على حسن الخلق والأدب الرفيع؛ فامتزج في الآية الكريمة التهذيب بالتوجيه، والدليل مخاطبة إبراهيم والده بـ ﱡيَا أَبَتِﱠ المتكررة أربع مرات في صدر كل آية من آيات سورة مريم؛ فضلاً عن تمسكّه بسمة تواضع الأنبياء؛ فقال من الْعِلْمِﱠ، ولم يدعِ المعرفة المطلقة والعلم الغزير؛ لأن مقام التوجيه والنصح يتطلب سمتًا إيمانياً ليقتنع المرسَل إليه بجدوى مسلك الاقتداء والاتباع؛ ثم إن دلالة التوجيه المركزية في الآية تكمن في الفعل ﱡجَاءَنِيﱠ؛ وهي قرينة أخرى دالة على التأدب التعامليّ الكليّ الذي لم يغفله إبراهيم جزئياً -كما يرى ظافر الشهري في تعريفه للاستراتيجية التوجيهية-. وهنا نسوق كلام العلوي صاحب الطراز لتفنيد مقولة تنازل المرسل عن التخلق والتهذيب جزئياً والتركيز على التوجيه: “فلأنه دعاه إلى التماس الهداية من جهته على جهة التنبيه والرفق به وسلوك جانب التواضع، فلم يخاطب أباه بالجهل عما يدعو إليه، ولا وصف نفسه بالاطلاع على كنه الحقائق، والاختصاص بالعلم الفائق، ولكنه قال: معي لطائف من العلم وبعض منه، وذلك هو علم الدلالة على سلوك طريق الهداية […] وقال له، أهدك صراطاً سوياً، ولم يقل أنجيك من ورطة الكفر وأنقذك من عماء الحيرة، تأدباً منه، واعتصاءً عن مباداته بقبيح كفره، وتسامحاً عن ذكر ما يغيظه”[60]؛ فالتوجيه والإرشاد الوارد في الآية الكريمة جزء مركزيّ في البنية الخطابية؛ إذ يفضي إلى هدف الإقناع بالاتباع ضمن خطة حجاجية.
خاتمة:
وجملة الأمر أنه لن تظهر فعالية الحجاج إلا إذا قُيّدت بالجدل الذي يتّسم بالسمة الحوارية؛ والخاصية الخطابية التي تتجلى في طرائق تقديم الحُجج، وترتيبها لتحقيق غايات الإقناع والإمتاع. فالمسلك الذي سلكه إبراهيم -عليه السلام- هو مسلك الحجاج الذي يروم إرشاد المتلقي إلى القيام بعمل ما أو الكف عنه؛ ومن ثم فهو عمليّ وسلوكيّ؛ وظيفته لا تسعى إلى الإقناع المذهبيّ الذي يخضع لصرامة المنطق وقيوده. ولما كانت غاية الحجاج في سورة مريم وظيفية استثمر التعبير القرآنيّ إمكانات اللغة في جانبها الطبيعيّ والبلاغيّ.
وفي رحاب المقاربة العلمية المنجزة عن أسلوب الاستدراج العاطفيّ وأثره في الحجاج القرآنيّ نستخلص جملة من نتائج الدراسة المتعلقة بالحجاج وخصائصه، ودراسة الحالة ومستخلصاتها وفق الآتي:
- نمط الحجاج الذي وظّفه النّظم القرآنيّ هو حجاج حواريّ بمفهومه الواسع الذي ينأى بنفسه عن الخصومة، والمغالبة، والمكابرة، والقمع.
- تجلى أثر البعد البلاغيّ واللغويّ في سورة مريم في الوسائل والأدوات الموظَّفة لتقديم حجج مقنعة، وترتيبها وفق نسق تعبيريّ يحقق إقناع العقل، وإمتاع العاطفة.
- الاستدراج بالمفهوم الاصطلاحي – كما أبانت عنه هذه الدراسة- هو نمط من أنماط استمالة المتلقي عاطفياً؛ ولعل هذا النمط من الاستثارة العاطفية أنسب لمقام البنوّة في إقناع الأبوّة.
- تجسّد آيات سورة مريم نموذجاً إنسانياً راقياً سامياً في الحجاج الأخلاقيّ المنضبط على قيم الفضيلة، وآداب المناظرة عند الأنبياء.
- لا يشترط في الحجاج الحواريّ كما أظهرت هذه المعالجة تحقيق أي إذعان من المتلقي؛ ومن ثم التمس إبراهيم -عليه السلام- من أبيه آزر أن ينبذ الشرك وعبادة الأوثان، ويسترشد بالحقيقة الإلهية؛ وذلك لتمكّن الكفر من نفسية أبيه وتصلب موقفه.
- واجه إبراهيم -عليه السلام- في محاولة إقناع أبيه عوائق نفسية جعلته يتريث في الدعوة والإرشاد؛ فمقام النبوّة يفرض عليه الالتزام بطاعة الخالق؛ وعاطفة الأبوّة تحرك مشاعر الخوف من المصير المعلوم الذي انتهت إليه المحاورة من الترك والاعتزال.
- رام سيدنا إبراهيم -عليه السلام- تغيير المعايير التي يعتمدها والده آزر؛ محاولاً تغيير الواقع الاعتقادي؛ لكن تصلبه وغلظة سلوكه وتجبّره حرمه الإقبال على توجيه ابنه.
- تعكس آيات سورة مريم صراعاً بين البنوّة في مواجهة أبوّة جاحدة، وغلبة صدق النبوّة في نهاية المطاف.
*******
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* النص الكامل للمقال منشور في:
عزيز محمد عدمان. (2023). أسلوب الاستدراج العاطفي وأثره في الحجاج القرآني: دراسة في بلاغة الخطاب الإقناعي في سورة مريم -عليها السلام. مجلة المسلم المعاصر. (178- 179). ص ص. 35- 72.
** أستاذ، وباحث أكاديميّ بجامعة الجزائر 01 بن يوسف بن خدّة.
[1] طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ط1، الدار البيضاء، المغرب، المركز الثقافي العربي، 2000م، ص 38.
[2] عبد الله صولة، الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، الطبعة الثانية، دار الفارابي – بيروت – لبنان، 2007م، ص 610.
[3] طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ص 38.
[4] ابن رشد، فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تعليق أبو عمران الشيخ، جلول بدوي، ط2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1982م، ص 33.
[5] ابن الجوزي، كتاب الإيضاح لقوانين الاصطلاح في الجدل والمناظرة، تحقيق: محمود ابن محمد السيد الدُّغيم، طبعة أولى، مكتبة مدبولي، 1415هـ— 1995م، ص 99.
[6] للإحاطة الشاملة بمترادفات مادة ( د ر ج ).ينظر موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، التهانوي، تقديم وإشراف ومراجعة: رفيق العجم، على دحروج، نقل النص الفارسي إلى العربية عبد الله الخالدي، الترجمة الأجنبية جورج زيناني، ط1، مكتبة لبنان، بيروت، 1966م، الجزء الأول، ص 731، 732.
[7] ابن منظور، لسان العرب، تحقيق: عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله، هاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، [د.ت]، المجلد الثاني، الجزء السابع عشر، ص 1352.
[8] السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق مصطفى حجازي، مراجعة عبد الستار أحمد فرج، التراث العربي، وزارة الإرشاد والأنباء في الكويت، 1389هـ— 1969م، الجزء الخامس، ص 560.
[9] الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق وإعداد مركز الدراسات والبحوث بمكتبة نزار مصطفى الباز، [د.ت]، الجزء الأول، ص 222، 223.
[10] أحمد ياسوف، جماليات المفردة القرآنية، الطبعة الثانية، دار المكتبي، سورية – دمشق— 1419هـ— 1999م، ص 185.
[11] فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، ط3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1420هــ، الجزء الخامس عشر، ص 418.
[12] محمد الطاهر ابن عاشور، تفسير تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، الدار التونسية للنشر، تونس 1984م، الجزء التاسع، ص 191.
[13] أبو حيان الأندلسي، تفسير البحر المحيط، دراسة وتحقيق وتعليق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، شارك في تحقيقه زكريا عبد المجيد النوني وأحمد النجولي الجمل، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1413هـ 1993م، الجزء الخامس، ص 254.
[14] يحيى العلوي، الطراز، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، الطبعة الأولى، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت، 1423هـ — 2002م، الجزء الثاني، ص 148.
[15] أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين، تحقيق: علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى، مصر دار الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه،1371هـ — 1952م، ص 51.
[16] ابن وهب الكاتب، البرهان في وجوه البيان، تقديم وتحقيق حفني محمد شرف، مكتبة الشباب، مطبعة الرسالة، القاهرة، 1969م، ص 188.
[17] ابن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، قدّمه وعلّق عليه أحمد الحوفي وبدوي طبانة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر الفجالة— القاهرة [د.ت]، القسم الثاني، ص 250.. يبدو من خلال قراءة عميقة في نص ابن الأثير سقوط (لا) النافية (لا انتفاع) لكي يستقيم المعنى؛ ولم يلتفت المحققان أحمد الحوفي وبدوي طبانة إلى اضطراب التركيب اللغوي؛ ومن ثم تصويبه؛ ولعله من باب السهو في تحقيق المتن.
وقد اضطرب بعض الباحثين في تحديد مكانة ابن الأثير في معالجة الاستدراج، وبيان فضله في ضبط تعريفه وتوسيع شواهده قرآنا وحديثا وشعراً. يقول محمد بن عبد الرحمن الخراز: “والتعريف البلاغيّ الأسبق ظهوراً واكتمالاً لهذا الفن هو تعريف ابن الأثير، الذي ادعى أنه أول من استخرجه من القرآن الكريم، ولم يسبقه أحد إلى استخراجه منه، وهو ادعاء لم يعترض عليه أحد ممن بعده!”. محمد بن عبد الرحمن الخراز، مصطلح الاستدراج المفهوم والأثر، دراسة بلاغية، تأصيلاً وتطبيقاً، مجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق، العدد الخامس والثلاثون، 2015م، ص 840.
والتحقيق خلاف ذلك من وجهين: أولهما: من حيث الظهور؛ صحيح أن ابن الأثير أسبق من يحيى العلوي المتوفى [ت 745هــ]؛ ولكن من حيث التأصيل والتقعيد والتأسيس؛ فصاحب الطرار استوفى النظر في الاستدراج تأصيلاً وتطبيقاً دون أن يدعي قصب السبق، ورسوخ القدم؛ فقد أفرد الفصل الثالث بعنوان: ” في ذكر الاستدراجات ” ضمّنه قراءة تأصيلية حوت أربعة أمثلة، وشواهد من القرآن والحديث النبوي الشريف وكلام سيدنا علي t، وأبيات شعرية من كلام بعض البلغاء تنم عن تحليل أدبي وبلاغي في منتهى التحقيق والعمق والإحاطة. وثانيهما: القول إنّ ابن الأثير أول من استخرجه من القرآن الكريم فغير صحيح؛ بل إن آيات سورة مريم — محل هذه الدراسة— نقلها ابن الأثير من تفسير الكشاف للزمخشريّ [ت 538هــ] حرفيا دون أدنى إشارة، مع تصرف يسير، في مقدمة التحليل؛ ولعل مراجعة بسيطة للكتابين تؤكد صحة ما نذهب إليه. ينظر الزمخشري، تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق وتعليق ودراسة: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، الطبعة الأولى، مكتبة العبيكان، الرياض، 1418هـ— 1998م، الجزء الرابع، ص 23— 24— 25. وتوازن مناقشة الزمخشري للآيات الخمس من سورة مريم بمناقشة ابن الأثيرـ المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، قدّمه وعلّق عليه أحمد الحوفي وبدوي طبانة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر الفجالة— القاهرة [د.ت]، القسم الثاني، ص 252— 253— 254.
ومما يعزّز اضطراب الباحث في تتبع آراء البلاغيين في موضوع الاستدراج قوله: “وأشمل ما قيل من التسمية والاتساع في مفهوم (الاستدراج) ليشمل معظم فنون البلاغة بالنحو —المذكور— قول صاحب الطراز”.. ينظر محمد بن عبد الرحمن الخراز، مصطلح الاستدراج المفهوم والأثر، دراسة بلاغية، تأصيلاً وتطبيقاً، ص 835، ثم ساق الباحث تعريف يحيى العلوي للاستدراج.
وواضح عدم استقرار الباحث على رأي يطمئن إليه في التأصيل لمفهوم الاستدراج؛ ومما هو ثابت في الدرس البلاغيّ أن ابن الأثير هو السبّاق إلى تعريف الاستدراج؛ وإن لم يكن له الفضل في استخراجه من القرآن الكريم كما ادعى؛ وليحيى العلوي صاحب الطراز السبق في تعريفه وتدقيقه، وتحليل نماذجه وتوسيع مجال النظر في شواهده قرآناً وحديثاً وشعراً.
[18] ابن الأثير، الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور، تحقيق: مصطفى جواد، مطبعة المجمع العلمي، 1375هـ، ص 3.
[19] جون لانجشو أوستين، نظرية أفعال الكلام العامة كيف ننجز الأشياء بالكلام؟، ترجمة: عبد القادر قنيني، ط2، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2008م، ص 7.
[20] التهانوي، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، الجزء الأول، ص 149، 150.
[21] أبو بكر العزاوي، اللغة والحجاج، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 1426هـ/ 2006م، ص 133.
[22] عبد السلام عشير، عندما نتواصل نغيّر: مقاربة تداولية معرفية لآليات التواصل والحجاج، أفريقيا الشرق، المغرب، 2006م، ص 129.
[23] طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ص 35.
[24] الزمخشري، تفسير الكشاف، الجزء الرابع، ص 23.
[25] الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، إدارة الطباعة المنيرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، [د.ت]، الجزء السادس عشر، ص 97.
[26] أبو بكر العزاوي، اللغة والحجاج، ص 20.
[27] الزمخشري، تفسير الكشاف، الجزء الرابع، ص 23، 24.
[28] أبو بكر العزاوي، اللغة والحجاج، ص 103.
[29] الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، الجزء السادس عشر، ص 97.
[30] طه عبد الرحمن، التواصل والحجاج، الدروس الافتتاحية الدرس العاشر، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، المملكة المغربية، العام الجامعي: 1993— 1994م، ص 19.
[31] الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، الجزء السادس عشر، ص 97.
[32] الجويني إمام الحرمين، الكافية في الجدل، تقديم وتحقيق وتعليق: فوقية حسين محمود، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بالقاهرة، 1399هـ— 1979م، ص 532.
[33] طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 1998م، ص 223.
[34] محمد الطاهر ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الجزء السادس عشر، ص 115.
[35] الزمخشري، تفسير الكشاف، الجزء الرابع، ص 24.
[36] أبو حيان الأندلسي، تفسير البحر المحيط، الجزء السادس، ص 182
[37] الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، الجزء السادس عشر، ص 97.
[38] الزمخشري، تفسير الكشاف، الجزء الرابع، ص 24. للتوسع والاستزادة: ينظر كتاب الطراز، يحيى العلوي، الجزء الثاني، ص 150.
[39] الجويني إمام الحرمين، الكافية في الجدل، ص 538.
[40] محمد الطاهر ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الجزء السادس عشر، ص 118.
[41] طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ص 223.
[42] نجم الدين الطوفي، عَلم الجذَل في عِلم الجدل، تحقيق: قولفهارت هاينرشس، دار النشر، شتاينر بقيسبادن، 1408هـ — 1987م، ص 13.
[43] طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ص 65.
[44] الزمخشري، تفسير الكشاف، الجزء الرابع، ص 25.
[45] يحيى العلوي، الطراز، الجزء الثاني، ص 150. انقطع التواصل بين إبراهيم – عليه السلام— وأبيه؛ وسدتّ منافذ التفاهم بينهما؛ ومن ثم انتهى مسار الاستدراج باعتزال الولد المطيع لوالده؛ من منطلق لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. يقول تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) [سورة التوبة الآية، ١١٤].
[46] طه عبد الرحمن، التواصل والحجاج، ص 22.
[47] Breton, Philippe , argumentations dans la communication, 3 éd ,la découverte, 2003,P 6.
وقد ورد النص الأصليّ وفق الآتي:
” l’argumentation, moyen puissant, pour faire partager par autrui une opinion( qui peut avoir comme conséquence une action). S’écarte aussi bien de l’exercice de la violence persuasive que du recours à la séduction ou à la démonstration scientifique”.
[48] Chain Perelman et Lucie olbrechts tyteca, traité de l’argumentation— la nouvelle rhétorique préface de Michel meyer,5 édition de l’université de bruxelles,1992, P213.
للإحاطة الشاملة بهذا الموضوع ينظر المرجع نفسه؛ فقد أفرد الكاتبان مبحثا بعنوان:
“Argumentation et violence “. P, 72— ………78.
[49] أبو حيان الأندلسي، تفسير البحر المحيط، الجزء السادس، ص 184.
[50] عبد الله صولة، الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، ص 615.
[51] طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ص 240.
[52] باتريك شارودو – دومنيك مانغنو، معجم تحليل الخطاب، ترجمة: عبد القادر المهيري، حمادي صمود، دار سينا ترا، تونس، 2008م، ص 180. يستعمل كثير من الباحثين من ذوي الاختصاص في نظريات الحجاج عبارة (استراتيجية)؛ وهي عبارة بعيدة المأخذ من الناحية اللغوية لسببين: أولهما أنها منقولة من حقل معرفيّ عسكريّ، وثانيهما أنها مترجمة من لغات أجنبية ترجمة لا تفي بالغرض المقصود من الكلمة في حقل التداول العربي الإسلامي؛ وفي العربية ما يغني عن هذا التوظيف الاصطلاحيّ. ومن ثم نفضّل استخدام عبارة “تدبير” للدلالة على جملة من العمليات أو الطرق المفضية إلى تحقيق أهداف مسطّرة.
[53] طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ص 223.
[54] أبو حيان الأندلسي، تفسير البحر المحيط، الجزء السادس، ص 183.
[55] طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ص 253.
[56] عبد الهادي بن ظافر الشهري، استراتيجيات الخطاب – مقاربة لغوية تداولية-، الطبعة الأولى، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت – لبنان، 2004م، ص 257.
[57] طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ص 224.
[58] المرجع نفسه، ص 227.
[59] عبد الهادي بن ظافر الشهري، استراتيجيات الخطاب – مقاربة لغوية تداولية-، ص 322.
[60] يحيى العلوي، الطراز، الجزء الثاني، ص 150.لمزيد من التفصيل ينظر: تفسير الألوسي، روح المعاني، الجزء السادس عشر، ص 97.
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies