أم المؤمنين خديجة
رضي الله عنها
أ. يارا عبد الجواد*
في جاهلية مظلمة وشرك يعم الأرجاء، في زمن مقت الله عز وجل عربه وعجمه إلا قليلًا من بقايا أهل الكتاب، بُعث النبي محمد – صلى الله عليه وسلم- وجاء بالرسالة الخاتمة وبآخر وحي من السماء إلى الأرض. فكانت تلك الطاهرة خديجة بنت خويلد – رضي الله عنها- أول مَن آمن به – صلى الله عليه وسلم- على الإطلاق، وأول مَن شهد شهادة التوحيد في زمن شعاره الشرك. فكانت – رضي الله عنها- نِعم الأمَة العابدة الموحدة لربها، ونِعم الزوجة الداعمة المساندة لزوجها العارفة بعِظم المهمة والرسالة التي يحملها – صلى الله عليه وسلم- فتحملت صعابها ومشاقها معه وحملت همّ هذه الأمة منذ فجر الرسالة فكانت أمًا للمؤمنين.
لم تكن خديجة رضي الله عنها امرأة عادية، بل كانت نموذجًا وقدوة في إيمانها ودورها الأسري والمجتمعي، حيث تمتعت – رضي الله عنها- بشخصية متوازنة يعزّ نظيرها في التاريخ، فنالت بذلك لقب سيدة نساء العالمين.
ولعلنا في زماننا هذا الذي تشوهت فيه الفِطَر وانحرف فيه الفكر المستقيم وخفت وهج العزة عند المرأة المسلمة مع موجات التغريب المتتالية وخصوصًا دعوات النسوية نحتاج أن نقف طويلاُ عند نماذجنا النيرة المضيئة وعلى رأسها أمنا خديجة – رضي الله عنها-، لنتعلم من سيرتها ونقوِّم اعوجاج السير ونقتدى بما كانت عليه – رضي الله عنها- وعن أمهات المؤمنين جميعًا.
أولًا: السيدة خديجة رضي الله عنها قبل نزول الوحي
هي أم القاسم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية أم المؤمنين، وأول امرأة تزوجها النبي – صلى الله عليه وسلم-، وأول من آمن برسالة النبي – عليه السلام-
واشتهرت – رضي الله عنها- بأخلاقها الكريمة النبيلة. قال السُّهيلي: خديجة بنت خويلد تُسمّى “الطاهرة” في الجاهلية والإسلام. وفي سِيَر التيمي أنها كانت تسمّى “سيدة نساء قريش”، وقال الذهبي رحمه الله: وهي مِمَّن كَمُل من النساء، كانت عاقلة جليلة، ديّنة مصونة كريمة.[1]
قُدِّر للسيدة خديجة – رضي الله عنها- أن تتزوج مرتين قبل أن تتشرف بالزواج من النبي – صلى الله عليه وسلم-، وكان أول أزواجها عتيق بن عائذ المخزومي، مات عنها، ثم تزوجت أباهالة بن النباش بن زرارة التميمي، ومات عنها أيضًا، وأنجبت منه هند بن أبي هالة – رضي الله عنه-، ربيب النبي – عليه السلام- ، إذ نشأ وتربى في حِجره -عليه الصلاة والسلام-.
وبعد وفاة زوجها الثاني رفضت – رضي الله عنها- أن تتزوج أحدًا ممن تقدم لخطبتها، وقد تقدم لخطبتها كثير من رجال قريش وأشرافها، لكنها لم تقبل وانصرفت – رضي الله عنها- إلى تثمير مالها وتنميته في المهنة التي اشتهر بها قومها، وهي مهنة التجارة. ولكونها أنثى ما كانت – رضي الله عنها- تخرج بمالها مسافرة، بل كانت تدفعه مضاربة للرجال ليتاجروا لها فيه، أو تستأجرهم لهذا الغرض.
وقد سمعت السيدة خديجة – رضي الله عنها- بأخلاق النبي – عليه السلام- الكريمة، وما اشتهر به من الصدق والأمانة، وهي امرأة تاجرة تحتاج إلى الرجل الصادق الأمين لتأتمنه على مالها، فلما بلغها عن رسول الله ما بلغها من صدق حديثه وعِظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج لها في مالها تاجرًا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله رسول الله – صلى الله عليه وسلم- منها، وخرج معه غلامها ميسرة حتى نزل الشام. وحكى لها غلامها ميسرة عن أخلاقه وطباعه، فأعجبت به. ثم خطبها النبي – صلى الله عليه وسلم- لأبيها خويلد بن أسد فزوجه منها.[2]
وقد اتفقَتِ الرواياتُ كلُّها على أنَّ السيدةَ خديجةَ – رضي الله عنها- هي التي خطبَتِ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم- لتتشرفَ بالزواج منه، وأنها هي التي مهدت لإجراءات الخطبة. وقد تجاوزَت – رضي الله عنها- بهذا كل الأعراف والتقاليد التي تجعلُ الرجلَ هو الخاطب الذي يتقدم لخطبة المرأة، حيث أعلت بحكمتها ورجاحة عقلها كل خصال الخير وحُسن الخُلق التي رأتها في النبي – صلى الله عليه وسلم- على تلك الأعراف والتقاليد.
وفي نفس الوقت كانت على درجة عالية من الحكمة والاتزان في إدارتها للموقف؛ حيث جعلت صديقتها نفيسة بنت منية تقوم بدور الوسيط بينها وبين النبي – صلى الله عليه وسلم- لتتبين من خلالها موافقته من عدمها دون أن يكون لها حضور مباشر في الأمر.[3] وقد كانت تَكْبر النبي – صلى الله عليه وسلم- بخمسة عشر عامًا على أرجح الأقوال، إلا أن هذا الفارق أيضًا لم يعيق هذا الزواج المبارك الذي تجاوز مثل هذه الشكليات الاجتماعية التي لا تؤثر بذاتها في حضرة معايير أخرى أكثر رسوخًا وعمقًا وتأثيرًا كالدين وحسن الخلق ورجاحة العقل وفهم منظومة الزواج ومسؤولياته.
لقد قدمت أم المؤمنين خديجة – رضي الله عنها- للنبي – صلى الله عليه وسلم- نفسها كما قدمت له مالها، وتفانت في طاعته وخدمته، وتهيئة كل أسباب السعادة والراحة له – عليه السلام-، فكانت بحق الزوجة المثالية الكريمة الصالحة.
وقد عرف النبي – صلى الله عليه وسلم- صاحب الخلق العظيم للسيدة خديجة حقها ومنزلتها، وبادلها حبًا بحب، ووفاءً بوفاء، فلم يتزوج غيرها في حياتها، وصان قلبها من الغَيْرَة عليه – صلى الله عليه وسلم-، وعاش معها وحدها أكثر مما عاش مع غيرها، فقد عاش – عليه السلام- بعد أن تزوج السيدة خديجة ثمانية وثلاثين عامًا، انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين. وكان كل أولاد النبي – صلى الله عليه وسلم- منها (زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة)، ما عدا إبراهيم الذي ولدته السيدة مارية القبطية – رضي الله عنها-. وقد بقي – عليه السلام- على محبتها والوفاء لها – رضي الله تعالى عنها- إلى أن توفاه الله تعالى.[4]
ثانيًا: السيدة خديجة رضي الله عنها ودورها في حمل الرسالة وخدمة الدعوة:
لقد كان للسيدة خديجة دورًا كبيرًا في خدمة رسالة الإسلام منذ أن بدأت إرهاصاتها. فعندما اقترب النبي – صلى الله عليه وسلم- من الأربعين من عمره الشريف، بدأت تباشير النبوة وإرهاصاتها تلوح في أفق حياته. فقد روى ابن سعد عن هشام بن عروة عن أبيه، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- “قال: يا خديجة إني أرى ضوءًا وأسمع صوتًا لقد خشيت أن أكون كاهنًا. قالت: إن الله تعالى لا يفعل ذلك بك إنك تصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتصل الرحم”. وهكذا كانت تثبته – رضي الله عنها- بما آتاها ربها سبحانه من رجحان العقل وسداد التفكير، فهي على ثقة من حكمة الله تعالى، ومَن كان مثل رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بأخلاقه العالية الكريمة لا يختار له سبحانه إلا كل خير وكرامة.
ثم ابتدأ الوحي ينزل على النبي – صلى الله عليه وسلم- بالرؤيا الصادقة، كما جاء في الحديث الشريف الصحيح عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (أول ما بُدئ رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح). وقد استمرت مرحلة الرؤيا الصادقة ستة أشهر، وكانت رحمة من الله تعالى ولطفًا بنبيه، وتهيئة له. وقد حبب الله تعالى إليه في أثناء هذه المرحلة الخلوة بنفسه والعزلة عن الناس، فكان – عليه السلام- يخرج إلى غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد. وكانت تزوده السيدة خديجة – رضي الله عنها- بما يحتاج إليه من طعام وشراب. وقد احتملت – رضي الله عنها- بُعْد النبي عنها، وصبرت على مفارقته لها، فقد كانت تحب كل ما يحبه رسول الله – صلى الله عليه وسلم-. وقد خرجت معه في بعض المرات إلى غار حراء، وصحبته هناك في عزلته وخلوته، حيث جاء في بعض الروايات أنه – عليه السلام- خرج في بعض المرات إلى غار حراء ومعه أهله.
وفي ليلة من الليالي جاء أمين الوحي جبريل وتم اللقاء بين الأمينين، وضم جبريل – عليه السلام- النبي – صلى الله عليه وسلم- إليه ضمة شديدة، ثم ألقى إليه كلمة: “اقرأ”.
فعاد النبي – صلى الله وعليه وسلم- إلى خديجة – رضي الله عنها- فكانت أول مَن لجأ إليه في هذه اللحظة الفارقة والعظيمة. وفي هذا دلالة عظيمة على مكانتها عند النبي – صلى الله عليه وسلم- واطمئنانه إلى حسن تفكيرها وحكمتها مما هو معروف عنده من طول معاشرته لها، فعاد إليها وهو يقول: “زمِّلوني، زمِّلوني”، فزملته رضي الله عنها، ولم تبادر إلى سؤاله عما حدث، وهذا من حكمتها وصواب تفكيرها، بل انتظرت حتى هدأت نفسه الشريفة، عندئذ سألته.
فقصّ عليها النبي ما رأى وقال لها: “لقد خشيت على نفسي”، فقالت له – رضي الله عنها- بكل ما أوتيت من ثقة وحزم: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا. وفي رواية ثانية للبخاري: كلا، أبشر. فكانت كلماتها من أعظم المثبتات للنبي – صلى الله عليه وسلم-، لقد كانت – رضي الله عنها- لا تتعامل مع الموقف بعاطفة مجردة، بل بحكمة وفهم عن الله عز وجل وفطرة سوية. فبعد أن أقسمت – رضي الله تعالى عنها- بالله مؤكدة ثقتها، بدأت تُبيّن الدلائل على صحة ما أقسمت عليه: (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ) أي تساعد العاجز الضعيف، (وتكسب المعدوم) أي تعطي المحروم، وتؤثره على نفسك، (وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق). وبسواء تفكيرها استدلت أن مَن هذا شأنه لا يخزيه الله ولا يريد به سبحانه وتعالى إلا الخير.
وفي هذا السياق قال ابن حجر رحمه الله: “صدَّقته – رضي الله عنها- في أول وهلة، ومن ثباتها في الأمر ما يدل على قوة يقينها، ووفور عقلها، وصحة عزمها”. ولم تكتف – رضي الله عنها- بهذا، بل ذهبت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- إلى صاحب العلم ابن عمها ورقة بن نوفل الذي بشّر الرسول – صلى الله عليه وسلم- بالنبوة..
وقد كانت – رضي الله عنها- أول من صدّق برسالة النبي – صلى الله عليه وسلم-، لم يتقدمها رجلًا ولا امرأة، ولم يكن على وجه الأرض مؤمن غيرها.[5]
وبعد أن دخلت في دين الإسلام علمها النبي – صلى الله عليه وسلم- الوضوء والصلاة كما علمه جبريل عليه السلام. قال ابن هشام: جاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم- خديجة، فتوضأ ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله، ثم صلى بها رسول الله – عليه الصلاة والسلام- كما صلى به جبريل، فصلت بصلاته، وهكذا أصبحت خديجة بنت خويلد القرشية الزوجة الأولى للنبي – عليه السلام-، وحازت أول صلاة وأول وضوء – رضي الله عنها- وتبوأت مقام أم المؤمنين.
ومنذ بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم- بدأت تتوالى على السيدة خديجة مهام خدمة الدعوة الوليدة، حيث ضمت – رضي الله عنها- إلى دورها السابق الذي قامت به في تثبيت النبي وتبشيره، دورًا جديدًا في مؤازرته ومعاونته – عليه الصلاة والسلام- في تبليغ الدعوة، ومواجهة عناد المشركين وإعراضهم وعدوانهم.
فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: “كانت خديجة بنت خويلد أول من آمن بالله ورسوله وصدَّق محمدًا فيما جاء به عن ربه وآزره على أمره، فكان لا يسمع من المشركين شيئًا يكرهه من رد عليه وتكذيب له إلا فرج الله عنه بها، تثبته وتصدقه وتخفف عنه، وتهوِّن عليه ما يلقى من قومه”.
بالإضافة إلى هذا تحملت السيدة خديجة – رضي الله عنها- مع النبي – صلى الله عليه وسلم- أعباء الرسالة بمنتهى الصبر والرضا، ومن ذلك وقوفها – رضي الله عنها- بجانب النبي، وانضمامها إليه – وهي ذات المال والجاه – في شِعْب أبي طالب عندما فرضت عليهم قريش مقاطعة استمرت ثلاث سنوات، فتحمَّلت معه ما تحمَّل من الجهد والعناء والجوع، وبذلت – رضي الله عنها- في ذلك من مالها لتؤمن ما تستطيع من الطعام للمسلمين خلال سنوات المقاطعة.[6]
فقد آثرت – رضي الله عنها- أن تكون بجانب النبي – صلى الله عليه وسلم- وتتحمل معه آلام الجوع والحصار، على أن تعيش حياة رغيدة، فقد كانت تعي عظم الرسالة وكلفة تبليغها.
وقبل الهجرة النبوية بثلاث سنوات توفيت أمنا خديجة – رضي الله عنها- بعد وفاة أبي طالب عم الرسول بوقت قصير، وكان موتها في رمضان. ولما اجتمع حزن فراقها على رسول الله – عليه وسلم- وموت عمه في عام واحد سُمي هذا العام بعام الحزن.[7]
ثالثًا: السيدة خديجة رضي الله عنها: فضلها ومكانتها:
لقد تبوأت أمنا خديجة – رضي الله عنها- مكانة كبيرة في هذه الأمة، فقد جاء في فضلها زيادة على كونها أول أمهات المؤمنين، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران”، وفى رواية أخرى: “أربع نساء هن سيدات نساء العالمين”.
وهذه المكانة العلية التي نالتها في السيدة خديجة هي فرع عن مكانتها الكبيرة عند رب العالمين سبحانه وتعالى، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف الصحيح: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “أتى جبريل النبي فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قَصَب، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ”.
هذا الحديث يحتاج تأمل طويل، وتساؤل عن السبب الذي بلغت به السيدة هذه المكانة العالية مما جعلها أهلا لأن يُقرئها الرب تبارك وتعالى في عليائه السلام باسمها، ويرسل هذا السلام مع أشرف ملائكته. ومن المعلوم أن في الإسلام لا ينال أحد منزلة عالية بمجرد النسب، فلماذا نالت خديجة – رضي الله عنها- هذه المكانة؟.
لقد نالت – رضي الله عنها- هذه المكانة الخاصة بعمل خاص. وإذا أردنا نستقرئ من سيرتها التي وقفنا على قبسات منها الأسباب الخاصة التي نالت بها هذه المكانة فيمكن أن نقول:
أولًا: أنها – رضي الله عنها- أدركت ذاك الزمن الأول للرسالة الذي كان زمن ضعف وتكذيب وقلة مناصرين، وقد كانت خديجة من السابقين للإٍسلام، بل كانت أول من صدَّق بهذه الرسالة. ومن المعلوم أن للسابقين في الإٍسلام مكانة ليس لغيرهم، وهي قد كانت الدرجة العليا بين هؤلاء السابقين.
ثانيًا: مقدار المؤازرة التي قدمتها للنبي – صلى الله عليه وسلم- في وقت عَزّ فيه المناصر. ومن المعلوم أن النبي – صلى الله عليه وسلم- بلغ الكمال البشري في كل شئ في العقل والشجاعة ومكارم الأخلاق. وهذا النوع من الرجال الكمل من الصعب جدًا تقديم المؤازرة له مما يجعل مؤازرته تتطلب صفات استثنائية. وقد كان لخديجة – رضي الله عنها- من كمال العقل والخلق والفطنة ما جعلها تؤازر النبي – صلى الله عليه وسلم- مؤازرة مجدية،[8] وتقدم له ما يحتاجه بالضبط في كل ظرف من ظروفه الاستثنائية. ولا أدل على ذلك من مشهد نزول الوحي وحكمة خديجة – رضي الله عنها- في التعامل مع الأمر بما يتجاوز مجرد العاطفة إلى تمام العقل، والقوة، والثبات، والبصيرة.
فكان جزاءها – رضي الله عنها- بعد أن أقرأها رب العالمين وجبريل السلام وببيت في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا صخب من جنس عملها، حيث هيئت – رضي الله عنها- للنبي – صلى الله عليه وسلم- أسباب الراحة والسكن والثبات في الأمر، وكانت تزيل عنه أسباب النصب والحيرة والعناء والصخب بما وهبها الله – عز وجل- من خصال الخير.
وقد ظل النبي – صلى الله عليه وسلم- طوال حياته يذكرها بالطيب ويحسن إلى صاحباتها، فيذبح الشاة ويقطع أعضائها ويقول أرسلوا هذا إلى صاحبات خديجة.
وعن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها- قالت: “كان النبي إذا ذَكر خديجة، أثنى عليها فأحسن الثناء، فغِرت يومًا، فقلت: ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشدق قد أبدلك الله -عز وجل- بها خيرًا منها، قال: ما أبدلني الله خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء”.
وكان قلب النبي – صلى الله عليه وسلم- يرق شوقًا لها كلما تذكرها. فروى أحمد بن حنبل عن عباد عن عائشة قالت: “لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، فبعثت زينب بنت رسول الله في فداء أبي العاص بن ربيع بمال، وبعثت بقلادة لها كانت لخديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا، فقالوا: نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها الذي لها”.[9] أى ردوا على السيدة زينب – رضي الله عنها- القلادة التي أهدتها لها والدتها السيدة خديجة – رضي الله عنها-.
ومن أعظم وأجمل ما ذكر في فضل أمنا خديجة – رضي الله عنها- ومكانتها قول النبي – صلى الله عليه وسلم- فيها “إني قد رزقت حبها”.
رابعًا: السيدة خديجة رضي الله عنها قدوة للمرأة المسلمة المعاصرة:
من المعلوم أن المرأة المسلمة اليوم تتعرض لهجمة فكرية شرسة خصوصًا من دعاة الفكر النسوي، لنجدها اليوم تعيش حالة من الاضطراب وفقدان البوصلة وبُعد عن الفطرة التي فطرها الله عليها. ومن خلال ما سبق نجد في أمنا خديجة – رضي الله عنها – القدوة والأسوة الحسنة والنموذج الهادي لحيرة المرأة اليوم. فالسيدة خديجة – رضي الله عنها- قدمت نموذجًا بلغ الغاية في التوازن. فعلى الرغم من أنها كانت تعمل في التجارة في مجتمع يهيمن عليه الرجال إلا أننا لا نجد في حياتها ذاك الصخب والندية والرغبة في الصراع مع الرجل. بل الطاغي في حياة أمنا خديجة – رضي الله عنها- سمات الهدوء ورجاحة العقل والحكمة والرحمة، والحزم، والاحتواء، والصبر. هذه الخصال الطيبة التي تتألق الأنثى في وجودها.
لقد قدمت خديجة – رضي الله عنها- لنا نموذج المرأة الحانية في أسرتها، القوية في مواجهة الأزمات، لا تخضع للانفعال العاطفي، ولكن تواجه هذه الأزمات مهما كانت صعبة بالحكمة والثبات واليقين والدعم النفسي والمادي لمَن يعتمدون عليها، وهي لا تقتصر فقط على الصمود في هذه الأزمات، ولكنها تسعى للتخطيط من أجل تجاوزها.
ومن خلال القراءة في سيرة أمنا خديجة – رضي الله عنها- نجد توازنًا عجيبًا لعله سرّ هذا الاستواء في حياتها، فقد كان عملها في التجارة لا يطغى على كونها زوجة وأم، وفوق ذلك أمة لله – عز وجل-، تعرف حق ربها وتعليه فوق كل شئ. وكذلك كانت تقوم بدورها كزوجة لسيد الخلق – صلى الله عليه وسلم- على أكمل وجه. كما كانت أم لعدد من الأبناء؛ فلم يطغ جانب على جانب، بل كانت – رضي الله عنها- حسب ما نستدله من سيرتها شخصية؛ متوازنة تدير أدوارها بحكمة عالية حسب ما يرضي ربها سبحانه. وهذه الحقيقة لا تظهر في بعض الخطابات النسوية المشوهة التي تصور السيدة خديجة كسيدة أعمال نسوية،[10] تختلط بالرجال دون ضوابط ولا تكترث إلا بالأرباح والأسهم والإنتاج. فتستخدم هذه الخطابات المشوهة السيدة خديجة كنموذج للمرأة المسلمة التي تحقق ذاتها من خلال العمل، وهذا ما يخالف تمامًا واقع حياتها الذي تعاملت فيه – رضي الله عنها- مع ظروفها بحكمة وحنكة ومهارة، فعملت وسعها لتحافظ على مالها الذي رزقها الله، فكانت تستأجر الرجال ليتاجروا لها في مالها دون الحاجة أن تقوم هي بذلك.[11] وفي نفس الوقت تقوم بأدوارها الأخرى بإحسان دون أن تخسر شيئًا من أنوثتها أو تتخلى عن حاجاتها وطبيعتها في الطريق. فلم يمنعها كونها تاجرة ولها اسمها وقوة شخصيتها من أن تبحث عن شخص أمين قويّ يقوم بأعباء التجارة والانتقال. وهذا الشخص كان سيد الخلق محمد – صلى الله عليه وسلم-. وهنا يتبادر سؤال استشكالي: لماذا لم ترفع السيدة خديجة شعار (المرأة القوية المستقلة) كما يرفعه اليوم دعاة النسوية ولماذا لم تقم بتأسيس رابطة نسويّة للقيام بأعباء التجارة.
الجواب الوحيد أنها كانت صادقة مع نفسها ومع التكوين النفسي الذي جبل الله تعالى الأنثى عليه. فبعد زواجها من رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، وغياب رسول الله عنها الليالي ذوات العدد وهو يتعبد في غار حراء، لم تشكُ يومًا، بل كانت سندًا تأخذ الزاد وتقطع الطريق الوعر كي تعطيه لسيّد الخلق. فلا عجب أنّ كتفها كان الملاذ الآمن لسيد الخلق حين رأى الوحي لأوّل مرّة، إذ إنه لم يذهب إلى صديق ولم يطلب المساعدة من أي رجل، وإنّما لاذ إلى الركن الحاني، إلى زوجته خديجة – رضي الله عنها-.[12]
خاتمة
لقد من الله عز وجل على أمنا خديجة – رضي الله عنها- بدور رسالي عظيم يسري نوره في الأمة إلى اليوم. فقد جعلتها طبيعتها الطاهرة وفطرتها السوية أهلًا لحمل هذا الدور العظيم، حيث بوأها الله عز وجل مكانة أم المؤمنين وهي سيدة نساء العالمين، فكانت بذلك قدوة لكل مؤمن ومؤمنة. وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: “خديجة مثل طيّب للمرأة التي تُكمل حياة الرجل العظيم. إن أصحاب الرسالات يحملون قلوبًا شديدة الحساسية ويلقون غبنًا بالغًا من الواقع الذي يريدون تغييره، ويقاسون جهادًا كبيرًا في سبيل الخير الذي يريدون فرضه. وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعهد حياتهم الخاصة بالإيناس والترفيه، بله بالإدراك والمعونة، وكانت خديجة سبّاقة إلى هذه الخصال، وكان لها في حياة محمد أثر كريم”.[13] فرضي الله عن أمنا خديجة وجزاها عن أمة الإسلام خير الجزاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* باحثة في العلوم السياسية.
[1] عبد الحميد محمود طهماز، السيدة خديجة أم المؤمنين وسباقة الخلق إلى الإسلام، (دمشق:دار القلم)، 1996.
[2] إدريس أحمد، خديجة بنت خويلد أم المؤمنين سيدة نساء العالمين، إٍسلام أونلاين، متاح على الرابط التالي:
[3] عبد الحميد محمود طهماز، السيدة خديجة أم المؤمنين وسباقة الخلق إلى الإسلام، مرجع سابق.
[4] المرجع السابق.
[5] إدريس أحمد، خديجة بنت خويلد أم المؤمنين سيدة نساء العالمين، مرجع سابق.
[6] عبد الحميد محمود طهماز، السيدة خديجة أم المؤمنين وسباقة الخلق إلى الإسلام، مرجع سابق.
[7] إدريس أحمد، خديجة بنت خويلد أم المؤمنين سيدة نساء العالمين، إٍسلام أونلاين، مرجع سابق.
[8] أحمد يوسف السيد، قدوات نسائية:خديجة بنت خويلد، يوتيوب، متاح على الرابط التالي:
[9] نسمة، قبسات من حياة أم المؤمنين السيدة خديجة، تبيان، 24 نوفمبر 2024، متاح على الرابط التالي:
[10] Melody Moezzi, The original Feminist Jihadist, MS Magazine, 16 March 2010, available on:
[11] تسنيم راجح، هل كانت أم المؤمنين خديجة سيدة أعمال نسوية، السبيل، متاح على الرابط التالي:
[12]ماذا لو كان في كل امرأة خديجة، السبيل، متاح على الرابط التالي: عبير عروقي،
[13] سعد أفوغال، البعد الرسالي الإجتماعي من خلال شخصية أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، منار الإسلام، 21 إبريل 2025، متاح على الرابط التالي:
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies