العمل ووقت الفراغ
فن إدارة الوقت
أ. مهجة مشهور*
أوقات الفراغ هي الفترات الزمنية التي يملكها الفرد خارج نطاق العمل أو المسئوليات اليومية الإلزامية. في هذه الأوقات يتمتع الفرد بالحرية في اختيار الأنشطة التي يود القيام بها، فهي فرصة للاسترخاء والترفيه والتعلم والإبداع والتفاعل الاجتماعي. وتعتبر أوقات الفراغ جزءًا أساسيًا من رفاهية الإنسان إذا ما تم استثمارها بطريقة إيجابية، فهي تحقق للإنسان التوازن النفسي والعقلي وتجديد الذات والنمو الشخصي، وتعوض الإنسان عن جفاف العمل الروتيني المرهق. أما إذا ما تم إهدارها فقد تؤدي إلى شعور بالفراغ أو حتى الإحباط.
وهناك طرق عديدة لاستثمار أوقات الفراغ: فهناك الفراغ الاستجمامي، حيث يتم قضاء الوقت في النوم أو الاسترخاء أو مشهادة التلفاز أو التنزه أو التنقل بين وسائل التواصل الاجتماعي أو السفر. والهدف هنا هو الراحة البدنية والعقلية. كما أن هناك الفراغ الإبداعي: مثل ممارسة الهوايات الرياضية أو الفنية أو الأنشطة الإبداعية كالكتابة والرسم أو القراءة. وهناك الفراغ الاجتماعي ويشمل اللقاءات مع الأصدقاء أو العائلة أو المشاركة في الأنشطة الجماعية.
ومن المهم التمييز بين أوقات الفراغ والوقت الضائع. أوقات الفراغ هي مساحة من الوقت يمكن استثمارها في أنشطة تعزز من جودة الحياة، في حين أن الوقت الضائع هو الوقت الذي يُستهلك في أنشطة لا تحمل أي قيمة حقيقية. ويمكن إضافة أن الفرق بين أوقات الفراغ والوقت الضائع هو وعي الإنسان، فالاسترخاء أمام التلفاز بوعي حاضر أن الإنسان بحاجة إلى وقت مستقطع يريح فيه العقل والأعصاب، يعتبر وقت فراغ أحسِن استثماره. أما الجلوس أمام التلفاز لساعات طويلة متنقلًا بين القنوات بدون هدف يعتبر إهدار للوقت وإرهاق للأعصاب.
أوقات الفراغ وفن إدارة الوقت:
إدارة الوقت من أهم المهارات الحياتية التي تؤثر بشكل مباشر على نجاح الإنسان الشخصي والمهني. فحسن إدارة الوقت هي القدرة على استثمار الوقت بكفاءة في أداء المهام المختلفة من خلال تنظيمه وتخطيطه. فالناجحون لا يملكون وقتًا أكثر، بل يديرون وقتهم بذكاء ووعي أكبر.
ولقد أصبح الحديث عن إدارة الوقت في حياتنا المعاصرة أمرًا حيويًا لشعور الكثيرين أن الوقت يمر سريعًا بدون عائد حقيقي أو إنجاز ملموس يُشبع رغبة الإنسان في تحقيق حياة إيجابية مثمرة. فتحقيق التوازن الصحي بين العمل والحياة الشخصية، أو بين العمل والواجبات الحياتية من ناحية وبين أوقات الفراغ من ناحية أخرى، بحيث لا يطغى أحدهم على الآخر، يعمل على تقليل التشتت والشعور بالتوتر والضغط النفسي ويحقق التوازن في الحياة. إن استثمار وقت الفراغ ليس ترفًا، بل ضرورة، فوقت الفراغ ليس وقتًا للاشيء، ولكنه الوقت الذي يختار فيه الشخص نشاطه بحرية بعيدًا عن الالتزامات المادية والحياتية.
ويمكن النظر إلى فن إدارة الوقت على ثلاث مستويات: المساحة الخاصة بالعمل، المستوى الشخصي والذاتي، مستوى العلاقات الإنسانية، والمستوى الترفيهي.
أولًا- الوقت والعمل:
نلاحظ جميعًا أن مساحة وقت الفراغ في عصرنا الحاضر تقلصت إلى حد كبير، حيث يبتلع العمل لدى البعض الجزء الأكبر من حياة الإنسان. فصاحب العمل أو الرأسمالي يكون غايته الأولى من العمل تعظيم الإنتاجية لتحقيق أكبر ربح ممكن بأقل تكلفة. وهذا يعني أن العامل يُنظر اليه على أنه عنصر من عناصر الإنتاج، وبالتالي فهو مجرد وحدة إنتاج ورقم في الميزانية ومَورد قابل للاستبدال. فيتم الضغط على العامل ليكون دائمًا “منتجًا” حتى على حساب صحته أو حياته الخاصة. وهنا يتحول الإنسان إلى آلة مما يسبب له ما يُطلق عليه “احتراق نفسي”. ففي سعيه المحموم لتحقيق الذات وإثبات الجدارة من ناحية ولتحقيق أعلى دخل لمواجهة عصر الاستهلاك من جهة أخرى يلجأ الإنسان إلى إطالة ساعات العمل، خاصة بالنسبة للعاملين في مجال العمل الحر أو الأعمال ذات التنافسية العالية، حيث يخشى كل موظف على مكانه في العمل. كذلك يسعى الكثيرون إلى العمل في وظيفتين في وقت واحد لرفع المستوى المادي للأسرة ومواجهة تكاليف الحياة المتزايدة.
ومع عصر الرقمنة والعمل عن بُعد ذابت الحدود بين وقت العمل ووقت الحياة الشخصية، فأصبح العمل يلاحق الإنسان في كل مكان، وتحوّل المنزل من ملاذٍ للراحة إلى امتداد لمكان العمل. وهذا يفسر لماذا ازدهرت اليوم الأمراض النفسية المرتبطة بالعمل والضغوط الناجمة عنه. إذ أصبح الإنسان مطالَبًا بأن يكون مرنًا متحمسًا قادرًا على التطور حاضرًا في كل وقت، أي أن يكون عبدًا للعمل بلا سلاسل.
كذلك في ظل الحداثة تم تحويل الوقت إلى مال، والقول بأن الوقت يساوي مال Time is money يعني أن كل لحظة من وقت الإنسان لها قيمة مادية، وأن أي وقت لا تستغله في إنتاج المال هو وقت ضائع. إذن المال هنا هو العنصر الثابت الذي يتحرك الإنسان لتحقيق المزيد منه. ولا تقول عبارة Time is money أن الوقت “ثمين” بل إنها تختزل قيمته في المال فقط، وهذا جوهر المشكلة. إذ يتجنب الإنسان أو يستثقل تلك الأعمال التي لا تحقق له مكسب مادي مثل صلة الرحم أو السعي لإعانة شخص في محنة أو غيره، فتتحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات تعاقدية نفعية جامدة.
وفي ظل الحداثة لم يعُد العمل وسيلة للكسب فقط، بل أصبح أيضًا جزءًا من الهوية الشخصية، حيث تم الربط بين القيمة الذاتية للفرد والانشغال الدائم. فالإنسان المشغول دائمًا يُنظر اليه على أنه ناجح ومجتهد وطموح. فأصبح الناس يعرضون “انشغالهم” كنوع من العرض الاجتماعي للنجاح. فيربط الناس قيمهم الذاتية بمدى انشغالهم لا بمدى إدارة وقتهم بوعي. والملاحظ أن في مرحلة تاريخية معينة كانت الطبقات العليا تستعرض وجاهتها من خلال قلة العمل، وكان يُطلق على هؤلاء لقب “أصحاب الأعيان”. وكان العاملون هم من الطبقات المتوسطة والدنيا.. أما اليوم فالوجاهة مرتبطة بالمزيد من الانشغال ومزيد من العمل والاجتماعات والأسفار واللقاءات، فهؤلاء هم عِلية القوم في زمن الحداثة.
ولذلك فقد سعى الكثيرون إلى العمل ساعات أطول لتحقيق مزيد من النجاح، أو للانتقال إلى فئة رجال الأعمال أو إلى طبقة أعلى، وللبعض الآخر تحقيق حياة أكثر رفاهية لأسرته أوتسديد الأقساط المتراكمة لمشترياته أو تحقيق الحد الأدنى من الحياة الكريمة لأهله.
وفي ظل هذه البيئة التنافسية العالية واللهاث المستمر لتحقيق الذات والوفاء بمتطلبات الأسرة ذات الطموحات الاستهلاكية المرتفعة يعاني الفرد من آثار سلبية عميقة، منها الإرهاق الجسدي والنفسي فيما يعرف “بالاحتراق الوظيفي”. كما أن السعي لتحقيق نتائج سريعة قد يقتل الإبداع ويجعل القرارات محكومة بالخوف من الفشل بدلًا من التجربة والتعلم. وعندما يصبح العمل غاية في حد ذاته قد يفقد الفرد الإحساس بالمعنى الأعمق للحياة ويتحول السعي لتحقيق الذات إلى سباق بلا نهاية.
إذن فالعمل وتحقيق الذات لا ينبغي أن يكون على حساب الصحة والتوازن النفسي والعصبي ولا على حساب إنسانية الإنسان. ولذا يجب إعادة تعريف النجاح ليشمل بجانب النجاح في العمل والنجاح المادي مفهوم المعنى والرفاهية النفسية والعلاقات الإنسانية. وهذا لن يتأتي الا من خلال حُسن إدارة الفرد لأوقات فراغه.
ثانيًا- إدارة أوقات الفراغ:
- وقت الفراغ على المستوى الشخصي:
في عالم مليء بالضغوط وتسارع الأحداث هناك تحدي عميق يتعلق بالبحث عن الهدف والهوية والإشباع الداخلي للإنسان. وتعتبر أوقات الفراغ فرصة كبيرة للتأمل والتفكير العميق من أجل الوصول إلى تجديد الهدف وتصحيح المسار وتحقيق الإشباع الداخلي اللازم للوصول إلى التوازن الصحي للفرد.
فهناك نوع من الفراغ غير مرتبط بالوقت، ولكنه فراغ وجودي، فراغ داخلي يعاني فيه الإنسان من حالة نفسية وفكرية تفتقر الحياة فيها إلى المعنى أو الغاية، حتى لو كان مشغولًا طوال اليوم. فهناك شعور عميق باللامعنى لا يمكن حله بمجرد ملء الوقت. وهذا الشعور يرتبط بفقدان الإنسان المعاصر الاتصال بالأسئلة الكبرى: مَن أنا؟ وماهي رسالتي في الحياة؟… فهناك افتقاد للانتماء العقدي، وافتقاد للهدف من الحياة مما يوّلد حالة من القلق والملل من كل شيء.
وهنا يأتي السؤال الأهم: هل الهدف من استثمار وقت الفراغ هو فقط ملء الوقت؟ أم الهدف منه هو مساعدة الفرد على مواجهة الفراغ الأعمق الذي قد نحسه رغم الانشغال المستمر؟ فالمشكلة أن الإنسان الذي يعاني من الفراغ الروحي والنفسي يحاول أن يملأ هذا الفراغ بأنشطة سطحية بدلًا من مواجهة هذه المعضلة بشجاعة، فيعيش حالة من الإدمان على الملهيات لكي لا يواجه نفسه ويفرغ وقتًا للتأمل والبحث عن الذات. فالإنسان الحداثي لا يعيش الحقيقة، ولكن يعيش صورًا مزيفة من الحقيقة روّجها الإعلام الاستهلاكي، وهذا يقتل المعنى الحقيقي للحياة. فكل ما يملأ الحياة من علاقات ومنتجات وتجارب عند كثير من الناس زائف وسريع وسطحي ومؤقت، وبالتالي لا يُنتج هوية متماسكة ولا استقرارًا داخليًا. فهذا الانشغال الزائف يمنع الفرد من رؤية النقص الداخلي الذي يعاني منه، فهو يقدم فقط وهم الاكتمال.
هنا يجب على الفرد تخصيص وقت للجلوس مع النفس بعيدًا عن مشاغل الحياة اليومية، ومن خلال هذه العزلة الشعورية يمكنه ممارسة التأمل والذكر والتفكير العميق الذي يحقق تطوير للذات وإضافة معاني وأهداف جديدة للحياة. فتنمية الذات الواعية القادرة على إدارة الوقت يعزز الشعور بالمعنى، ويدفع إلى التسامح مع الذات والمرونة في التعامل مع الحياة بما يحقق للفرد السلام الداخلي.
إذن على الفرد التعامل بوعي مع أوقات الفراغ لتكون دافعًا ومحفزًا على التطور الإيجابي للشخص بعيدًا عن التكنولوجيا والثقافة الاستهلاكية التي تمثل فخًا يعزز من ثقافة الاستهلاك والفراغ الذهني.
- وقت الفراغ والأنشطة المفيدة:
أوقات الفراغ ليست مجرد أوقات للراحة الجسدية والأنشطة الترفيهية، بل يمكن تحويل هذه الأوقات إلى لحظات مفيدة ومساحات مميزة للتفاعل الاجتماعي والنشاط المعرفي، والرياضي، والفني، والثقافي. فهذه الأنشطة تعزز من معنويات الفرد وتشحن قدراته لاستئناف العمل بنشاط.
إن العمل المستوعِب لكل وقت الفرد يحوّله في النهاية إلى مجرد آلة لا روح فيها، واستخدام وقت الفراغ فيما يفيد الشخص معرفيًا وصحيًا ويفيد الأسرة في صورة صلة رحم ولقاءات إنسانية ويفيد المجتمع بتنميته يجعل من الفرد عنصرًا إيجابيًا متوازنًا.
إن استثمار أوقات الفراغ في بناء وتعميق العلاقات مع العائلة والأصدقاء يمكن أن يكون أحد أهم مصادر المعنى في حياة الإنسان. فالروابط الإنسانية تشكل جزءًا كبيرًا من معنى الحياة من خلال العلاقات الدافئة والعميقة. وكذلك فإن أوقات الفراغ يمكن أن تكون فرصة سانحة للمشاركة في أعمال تطوعية أو مساعدة الآخرين.
- وقت والفراغ والترويح عن النفس:
يمثل وقت الفراغ فرصة ذهبية للراحة والتأمل والتخلص من ضغوطات العمل وإرهاقه البدني والنفسي. أما إهدار الوقت في الكسل والتراخي فهي حالة نفسية أو جسدية يتجنب فيها الإنسان القيام براحة إيجابية بنّاءة مقابل إضاعة الوقت الطويل أمام التلفاز أو وسائل التواصل الاجتماعي، وتكون النتيجة مزيد من الإحباط والعناء النفسي وتأجيل العمل والفشل في الإنجاز مما يؤدي في نهاية الأمر إلى الشعور بالذنب والتوتر.
في الماضي كانت أوقات الفراغ تُستغل في أنشطة بنائية كالقراءة والرياضة واللقاءات الاجتماعية وممارسة الهوايات ومشاهدة التلفاز، ولكن ظهر حديثًا ما يُعرف “بصناعة الترفيه”، فصناعة الترفيه هو القطاع الذي يُنتج ويسوّق المحتوى الترفيهي الذي يظهر لنا في صورة الأفلام والمسلسلات والحفلات الغنائية والمنصات الرقمية (مثل النتفليكس، التيكتوك، واليوتيوب، والانستجرام، والألعاب الإلكترونية..).
فقد اعتبر الغرب وقت الفراغ عنصرًا استراتيجيًا في الاقتصاد الرأسمالي لأنه يفتح مجال جديد في الاقتصاد، وهو مجال الترفيه والاستهلاك السريع، ويساهم في تدوير رأس المال من خلال الحاجات والرغبات المصطنعة. ففي الليبرالية أصبح الفراغ امتدادًا للمنظومة الاقتصادية، فتم إعادة تشكيله كسوق. ودفع الناس للاستهلاك من خلال الترفيه والسفر في الأجازات جعلت العامل والموظف ليس فقط منتجًا، بل أيضًا مستهلكًا أساسيًا يساهم في الدورة الاقتصادية. ومن منظور إنساني أفقدت الفرد حاجته إلى الراحة والتأمل والسكون وجعلته يلهث خلف أماكن الترفيه والسلع غير الضرورية، فتحول وقت الفراغ إلى فرص للربح والاستثمار الذاتي بدلًا من الراحة.
لقد نجح الغرب في إعادة تشكيل برنامج الإنسان اليومي تبعًا لمنطق السوق، فخلق نموذجًا معياريًا للمتعة. ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي سيطرت ثقافة الترفيه السريع فأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي هي المجال الأول لتمضية وقت الفراغ لكل فئات المجتمع ولكل الأعمار، بل وأصبحت تستهلك وقتًا ضخمًا من حياة الناس ليس فقط أوقات فراغهم.
ويلاحظ أن الأسلوب الغربي لقضاء وقت الفراغ غالبًا ما يتمحور حول الترفيه الحسي المباشر: أفلام، موسيقى صاخبة، سفر، فهذا الأسلوب يميل إلى التحرر من القيود الأخلاقية أو الدينية، ويقدم المتعة كهدف في حد ذاته “استمتع لأنك تستحق ذلك”. وقد يشعر الفرد بمتعة أكبر في الأسلوب الغربي للترفيه لأنه مصمم ليمنح متعة آنية وسريعة، دون مجهود كبير. فقد نجح الغرب في فك شفرة الطبيعة الإنسانية فراهن على طُرق جذب من الصعب مقاومتها. فالألعاب والفيديوهات والأغاني تثير المشاعر فورًا (ضحك، حماس، إثارة). كما أن وسائل الإعلام الغربية تروّج لهذا النوع من الحياة كمصدر للسعادة الحقيقية. فهي تستثمر بكفاءة عالية الميول الفطرية للإنسان نحو السهولة والصخب والانطلاق. فالنفس البشرية بطبعها تميل إلى التحرر من القيود، وترى في الانضباط كلفة. إلا أن هذه السعادة اللحظية لا تمنع الفرد من معاناة الفراغ والقلق والاكتئاب على المدى الطويل.
إذن فقد نجح الغرب في إيجاد صناعة ترفيه جذابة وسهلة، لكنها قد لا تكون دومًا متوافقة مع خصوصية كل مجتمع. إذ يجب الالتفات إلى أن وسائل الترفيه ليست محايدة ثقافيًا، فهي في الغالب تحمل في طياتها ملامح ثقافة وقيم المجتمع الذي أنتجها. فهي تحمل رؤية للعالم وتعكس قيمًا واهتمامات وأنماط حياة وتصورات مجتمع معين عن الخير والشر، النجاح والفشل… قد تتعارض مع خصوصيات المجتمعات الأخرى. فيجب السعي لبناء وعي نقديّ أمام هذا الترفيه العالمي الجذاب المبهر سهل الاستهلاك. كما يجب العمل على صناعة ترفيه منافس ممتع، قد يستخدم نفس أدوات الترفيه من أفلام ومنصات رقمية، ولكن بمحتوى مختلف معبرعن ثقافة المجتمع، ومحقق لجاذبية عالية. فلا أحد يحتكر المعنى والقيم والمشاعر الإنسانية. ومن يملك قصة قوية ويعرف كيف يرويها يستطيع أن ينافس، فالمعركة ليست فقط أدوات، بل رؤية وصدق وإبداع. فلا يمكن مقاومة جاذبية الترفيه العالمي بالمنع أو الشكوى، بل بصناعة بديل مبهر، والتربية على الوعي والحس النقدي، وبناء الثقة بالهوية.
وقت الفراغ ووسائل التواصل الاجتماعي:
وإذا كان الهدف المعلن لكل هذا المحتوى الترفيهي هو إمتاع الناس، فإن الهدف الضمني هو إعادة تشكيل وقت الإنسان وتحويله إلى مورد اقتصادي من خلال جذب الانتباه وإطالة زمن الاستخدام وتحقيق الربح. فلم يعُد وقت الفراغ مساحة شخصية حرة، بل أصبح مادة تُستثمر تجاريًا. وهنا يعتقد المستخدم أنه يختار بحرية ما يشاهد أو يلعب أو يسمع، ولكن في حقيقة الأمر أن الخواريزمات تفرض عليه محتوى جاذب من خلال تحليل ميوله الخاصة. وبالتالي يضيع وقت المستخدم في الاستجابة لمحفزات خارجية بدلًا من أن يخطط لوقته بوعي. فالترفيه مصمم ليكون مسببًا للإدمان.
إن العلاقة المستحدثة في السنوات الأخيرة بين وقت الفراغ ووسائل التواصل الاجتماعي علاقة وثيقة ومركبة، فهي تتفاوت بين الإيجابية والسلبية بحسب طريقة الاستخدام. فوسائل التواصل الاجتماعي أداة، ووقت الفراغ فرصة، فإن استُخدمت الأداة بذكاء ووعي وهدف أصبحت فرصة للنمو، أما إذا سيطرت على الإنسان تحولت إلى فخ يسرق الأعمار ويدمر الوقت والطاقة النفسية دون أن يشعر الإنسان.
ويمكن وصف التعامل مع الوسائل الرقمية أنه استهلاك لا إرادي للمحتوى يؤدي إلى إدمان يجعل العقل أقل صبرًا وأقل ميلًا للعمل العميق. وأصبح الوقت الذي كان يمكن أن يُستخدم للإبداع أو التفكير العميق أو الرياضة البدنية يُستنزف في تصفح لانهائي للمحتوى. ورغم أن هذه الوسائل الرقمية ترفع لواء تعزيز الارتباط الاجتماعي إلا أن الكثيرين يشعرون بالعزلة والفراغ العاطفي، فالعلاقات سطحية والمقارنات دائمة والتنمر القاسي على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في تزايد مستمر، وأدى ذلك إلى تقلص التفاعل الإنساني الحقيقي، والى تراجع الحوار العميق.
فوسائل التواصل الاجتماعي إذا ما تم استثمارها بوعي ممكن أن تكون أداة للعلاقات الإنسانية البنّاءة، وأداة للتعلم أو الدعوة أو الترويح الإيجابي. أما استخدام هذه الأداة بصورة عشوائية ومفرطة فإنها بالضرورة ستتحول إلى أداة تَشتت وقلق وعزلة اجتماعية ومقارنة ونميمة وأخيرًا أداة إدمان.
العمل ووقت الفراغ: اقتراب إيماني
“لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه”[1]
هذا الحديث يؤكد على أن رأس مال الإنسان في هذه الحياة هو عمره، فكل لحظة تمر لا يمكن استرجاعها، فهي تفنى ولا تعود، وبالتالي فالقضية الكبرى لدى الإنسان هي كيفية استثمار العمر أو الوقت الذي يعيشه، هل سيقوم باغتنامه فيملؤه الفرد بالطاعة أم يغفل ويهدره في اللهو والغفلة والمعاصي.
ولفهم كيفية إدارة وتنظيم الفرد لوقته يجب الالتفات إلى مرجعيته الأولى التي يقيم عليها حياته، فإذا كانت هذه المرجعية مرجعية إيمانية فإن الأمر سيختلف تمامًا عما إذا كانت المرجعية ليبرالية مادية علمانية، وسيُلاحظ هذا الاختلاف على عدة مستويات:
أولًا- في مفهوم العمر أو الوقت، فهو في الرؤية الإيمانية أمانة سيُسأل عنها الإنسان يوم الدين.
أما في الرؤية المادية فهي ملك شخصي يتصرف فيه الفرد كيفما شاء.
ثانيًا- في الغاية من إدارة الوقت، فالغاية لدى المؤمن هي نيل رضا الله تعالى، وعمارة الأرض، أما ما عدا ذلك من أهداف كالسعي للنجاح الدنيوي وتحقيق الذات والوصول إلى استقرار مادي وغيرها فإنها كلها أهداف صغرى إذا تمت بالضوابط الإيمانية فهي تقرب الفرد من الغايات الكبرى.
أما الغاية لدى الليبرالي فهي تحقيق الذات والنجاح الدنيوي والمتعة والراحة بدون أي أهداف متجاوزة.
ثالثًا- في نظام تقسيم الوقت بين المؤمن والليبرالي، فالمؤمن سيسعى لتحقيق التوازن بين العبادات، والعمل، والأسرة، والعلم، والراحة الذهنية، والجسدية.
أما الليبرالي فسيقوم بالتركيز فقط على العمل والكسب المادي وتعظيم التمتع بباقي وقته.
رابعًا- وأخيرًا يقوم المؤمن بتقييم أدائه من خلال محاسبة النفس ومراجعة هذا الأداء على أساس مدى تحقيقه لغايته، وهي رضا الله وعمارة الأرض.
أما الليبرالي فهو يقيّم أداءه من خلال مدى ما حقق من ثروة، وشهرة، وترقي وظيفي، ومتعة.
مفهوم إدارة الوقت:
وحُسن إدارة الوقت في الرؤية الإسلامية لا يُعني مجرد توزيع الوقت بين العمل والفراغ، بل يعني الاستفادة المُثلى من الوقت في كل ما ينفع الإنسان في دينه ودنياه وفق أولويات واضحة وبتوازن حكيم. ويتم ذلك من خلال تقسيم الوقت بين مجموعة من المجالات الأساسية التي يتكوّن منها دور الإنسان كمستخلَف في الأرض، بدءًا من العبادة التي تغذي الروح وتزكي النفس، والعمل والكسب المشروع كدور أساسي في إعمار الأرض والقيام بالمسئولية المادية تجاه النفس والأسرة والمجتمع، ثم العلاقات الاجتماعية والأسرية من صلة الرحم وبر الوالدين وتربية الأبناء، وهذه كلها من صميم المسئولية الشرعية والإنسانية، ثم التعلم والتطوير الذاتي والقراءة سواء في المجال الشرعي أو الدنيوي أو المهارات الحياتية، ثم العمل التطوعي لتنمية المجتمع، وأخيرًا الراحة والترفيه المباح. وهذه الأخيرة ليست أوقات كسل، بل فرصة يمكن استثمارها في الراحة النفسية والبدنية من خلال ممارسة الهوايات، أو الترفيه، أو التأمل، أو السفر.
إذن على الإنسان أن يعيد تنظيم وقته بين هذه المجالات المختلفة، على أن يعيش كل لحظة بوعي وبنيّة وبهدف. فالحياة بوعي ونيّة وهدف تُعني أن لا يكون الإنسان مجرد رد فعل تلقائي للظروف، أو مجرد مقلد للآخرين في أسلوب حياتهم، ولكن أن يكون يقظًا ومشاركًا فعليًا في تشكيل واقعه اليومي. فالوعي والنيّة تحوِّلان الأعمال العادية إلى تجارب عميقة وهادفة. وبالتالي فإدارة الوقت بوعي ونية وهدف ليس رفاهية، ولكنه الطريق إلى حياة مليئة بالمعنى والسلام الداخلي.
الوقت والعمل:
في الرؤية الإسلامية العمل هو الوسيلة الأساسية والمشروعة لكسب الرزق. وقد جاء في الحديث الشريف: “ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده..”[2]. والعمل عبادة إذا ما اقترن بالنية الصالحة والتوكل على الله. وهذا الفهم العميق الذي يربط بين عمل الإنسان المادي والعبادة يُعطي العمل بُعدًا مركبًا، روحيًا ومعنويًا، ويُعيد الإنسان إلى مركز الفاعلية المادية. فالعمل في الإسلام تجسيد لمعنى الاستخلاف والعمران، وهذا تكليف من الله تعالى للإنسان.
ووَقت العمل يمثل جزءًا كبيرًا من العمر، وبالتالي هو من الأمانات التي سيسألنا الله تعالى عنها. والسؤال هنا لن يكون في الكم، ولكن في الكيف، فهل قام الإنسان بتأدية عمله بأمانة وإتقان وإخلاص؟ فالحديث الشريف: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”[3]، يرفع عمل الإنسان إلى مستوى محبة الله بشرط أن يتحقق فيه صفة الإتقان. فليس المهم مجرد “قضاء الوقت في العمل” بل أن يكون العمل ذو جودة وقيمة. إذن فإن الوقت الوظيفي إذا عاشه الفرد بنيّة وحضور وإتقان سيتحول من روتين إلى رسالة، ومن عبء إلى عبادة.
وبرغم محورية العمل في الرؤية الإسلامية فإن هذه الرؤية لا تشجع الإنسان على أن ينفق وقته بالكامل في العمل لدرجة أن ينسى أسرته أو صحته أو السؤال عن والديه. فحُسن إدارة وقت الإنسان المسلم تُعني تحقيق التوازن بين العمل والأسرة وصحة الإنسان وغيرها من الالتزامات، وذلك تبعًا لأولويات شرعية محددة.
ففي الإسلام ليس بالعمل وحده يجني الإنسان رزقه، بل للجانب الأخلاقي والديني تأثير مباشر على الحياة المادية للفرد. ففي الحديث الشريف: “مَن أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه”[4] ربط مباشر بين بسط الرزق وصلة الرحم. وهنا تظهر معاني غيبية لها حضور مادي متحقق وهو أن الرزق ليس فقط المال، بل أيضًا بالبركة فيه والتوفيق في كسبه.
إن الرؤية الإيمانية لا ترفض العمل والنجاح والرفاهية، لكنها تعيد ترتيب الأمور وفق ميزان أولويات استخلافي قيمي. أما الرؤية الحداثية فهي تطلق العنان للحرية الفردية دون قيد مرجعي ثابت، اللهم إلا الثروة والشهرة والنجاح الاجتماعي.
الوقت والفراغ:
في الرؤية الإسلامية الوقت له قداسة وقيمة عليا، فهو وعاء للعبادة والعمل الصالح والنفع للناس. والوقت المهدر ليس هو الوقت الذي لا ينتج مالًا، ولكن الوقت المهدر هو ما لا يستثمر في الخير وعمارة الأرض.
“نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.”[5]
هذا الحديث الشريف يعلمنا أن وقت الفراغ نعمة عظيمة أنعم الله بها على عباده، لكن كثيرًا من الناس لا يدركون قيمتها الحقيقية ولا يحسنون استغلالها. فهم مغبونون، خسروا صفقة كان من الممكن أن يربحوا فيها، ولكنهم فرطوا فيها إما بجهل، أو غفلة، أو سوء تقدير. ونعمة وقت الفراغ إذا تم إهدارها بلا هدف ولا وعي فقد تصبح بيئة خصبة للتشتت والسلبية والفراغ الروحي. فأوقات الفراغ ليست مجرد “فجوات زمنية” يملؤها الإنسان بأي شيء، بل هي فرصة للراحة من أجل الاستمرار، وللترفيه من أجل النمو.
والملفت في هذا الحديث أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قد وضع الفراغ وامتلاك الوقت نعمة تعدل نعمة الصحة التي لا يختلف عليها اثنان. فالوقت الخالي نعمة لا يلتفت اليها أحد، بل يُنظر اليها على أنها مساحة فراغ يمكن إساءة التعامل معها بإضاعتها فيما لا ينفع وقد يُسيء، فأكثر الناس يهدرون هذه النعمة في اللهو والترف والنميمة والتسوق فتكون النتيجة شعور بالخواء والفراغ الداخلي.
ويمكن القول إنه لا توجد أية إشارة في الرؤية الإسلامية إلى وجود وقت مستقطع من حياة المسلم يمكن وصفه بالوقت المهدر، وذلك لأن أي وقت، سواء أكان لعمل أو وقت فراغ، فهو يخضع في شريعتنا للمعنى الشمولي للعبادة الذي يغطي كل نشاطات الإنسان، فيصبح العمل والفكر، السكون والراحة، الجد والمرح، الأكل والشرب، النوم والعمل، كلها عبادة. فالمؤمن لا يعيش وقتًا بدون تكليف وبدون ذكر. فهو في كل حال من أحواله المعيشية يحمل تكليفًا ورسالة. فليس هناك وقت يتم رفع التكليف عنه وبالتالي هو حر فيه في التصرف كيف يشاء، فالوقت/العمر هما مسئولية أمام الله تعالى.
إذن فالأسلوب الديني الملتزم يربط وقت الفراغ بالنية والفائدة، أي أن الترفيه ينبغي ألا يكون غاية بحد ذاته، بل وسيلة للراحة أو التقرب إلى الله. كما يجب أن تُقيد الراحة بضوابط أخلاقية وروحية، مثل عدم الإسراف، وتجنب ما يُلهي عن الذكر والعبادة.
والوقت الخالي من الانشغال الضروري المُلزِم يمكن استغلاله في الطاعات أو العمل النافع كصلة الرحم، أو التعلم، أو تفريج قربة، أو عيادة مريض.. وقد يجد الإنسان في هذه الطاعات لذة كبيرة وراحة نفسية إذا كانت نيته لله. فقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- “إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعِدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرِض فلم تعِده، أما علمت أنك لو عدْته لوجدتني عنده؟”[6]
هذا حديث من الأحاديث الكثيرة التي ترغّب الإنسان وتجعله يسعى بقوة وشغف في استغلال الأوقات المتاحة لديه فيما يرضي الله ويوطد علاقات الناس في المجتمع الإسلامي، وذلك بالعناية بالضعفاء والمحتاجين، فهي من أعظم القربات إلى الله. ففي هذا الحديث – على سبيل المثال- يأتي مرض إنسان كفرصة للشخص للقاء الله تعالى عند هذا المريض. فأي شرف وأي تكريم للإنسان أن يقوم بهذه الطاعة!!
الترويح ووقت الفراغ:
ولفهم مدلول وقت الفراغ نجده يرتبط في الرؤية الإسلامية بمعنى الترويح، وهناك مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تضبط هذا المعنى:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم- “ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟” قلتُ: بلى يا رسول الله. قال: “فلا تفعل، صُم وأفطر، وقُم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا..”[7] إنها حقوق أي تكليفات يراعيها المرء في حق بدنه وفي حق أهله، فللجسد حق على الإنسان في حفظه من الإجهاد المبالغ فيه.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “إن القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة”[8]. وقال أيضًا – رضي الله عنه – “روّحوا عن أنفسكم ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت”[9]. فالإرهاق المستمر يصيب الإنسان بالعمى المعنوي أي تصبح قاسية تفتقر للسكينة وللفهم والقدرة على تحمل الصعاب. فالقلوب تتعب وتملّ من كثرة المشاكل، كما يملّ البدن ويتعب من كثرة العمل. ولذلك فالإنسان يحتاج إلى استعادة نشاطه القلبي والعقلي والبدني من خلال الترويح المباح والراحة الجسدية والنفسية لمواصلة العمل والعبادة والاستمرار في الطاعة والحياة بشكل صحي ومتوازن.
فالراحة والترويح عن النفس ليس ترفًا، بل حاجة بشرية تعين الإنسان على الاستمرار في الطاعة والعمل. فأوقات الفراغ إذا أُحسِن استثمارها تكون ضرورة لإعادة هدوء النفس وشحن الإنسان لطاقته الإنتاجية وقدرته على العطاء.
إلا أن كثيرين يربطون الالتزام الديني بالجدية والصرامة والبُعد عن أسباب الترويح عن النفس، خشية من أن يلهي هذا الترويح عن ذكر الله. وهذا غير دقيق. فالشريعة تراعي احتياجات النفس، وتحث على التوازن والراحة والفرح، مع ضرورة مراعاة أن النشاط الذي يمارسه الإنسان في وقت الترويح يجب أن يكون داخلًا في حيز الإباحة الشرعية، ويتمتع بصفة الاعتدال. فممكن للفرد أن يرفه عن نفسه بما هو مباح وجميل وممتع، ويستمتع بالأشياء التي لا تتعارض مع القيم الدينية. بل إن الدين نفسه يحث على الراحة النفسية والفرح والتوازن. قال النبي عليه السلام: “ساعة وساعة” أي اجعل لروحك نصيبًا من الترفيه.
الخاتمة:
إذن في ظل الرأسمالية تَحوّل الإنسان إلى مجرد وحدة إنتاج قابلة للاستبدال. وتَحوّل مفهوم الوقت من كونه أمانة وجزء من العمر ومجال للبركة والتوازن إلى مال يجب استغلاله بأقصى قدر في ظل معانٍ سلبية من الإرهاق والضغط والتنافسية.
إدارة الوقت إذن يجب أن يتم بناؤها على أساس من تحقيق الذات الواعية من أجل الوصول إلى رضا الله تعالى. فيجب إجادة ما يمكن تسميته بالهوية الزمنية، أي أن يكون كل فعل سواء أكان عمل أو التزام أو ترويح محققًا لهوية الإنسان وعقيدته. فيمر الزمن محققًا لغايات تم تحديدها بوعي وفقًا لهوية الإنسان وليس اندفاعًا وراء دعاية استهلاكية أو محاكاة للآخرين في أسلوب حياتهم، فيصل الإنسان إلى مستوى من التوازن الداخلي والراحة الذهنية والنفسية.
ومن هنا فإن الوعي بقيمة الوقت وتنظيمه والغاية منه هو الخطوة الأولى نحو تحقيق التوازن بين كافة التزامات الإنسان الحياتية وبين أوقات الفراغ، فتصبح هذه الالتزامات فعل إيجابي هادف يساهم في عمارة الأرض مهما كان هذا الفعل صغيرًا؛ لا مجرد أداء مهمة ثقيلة يسعى الإنسان إلى التخلص منها سريعًا لينتقل إلى الراحة. وتصبح أوقات الفراغ أداة للنمو لا مساحة للهروب أو الكسل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مدير مركز خُطوة للتوثيق والدراسات، وسكرتير تحرير مجلة المسلم المعاصر.
[1] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
[2] رواه البخاري
[3] رواه البيهقي.
[4] رواه البخاري ومسلم.
[5] رواه البخاري عن عبد الله بن عباس.
[6] رواه مسلم. حديث قدسي صحيح.
[7] رواه البخاري ومسلم.
[8] من كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس لابن عبد البر.
[9] قول مأثور يُنسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies