المرأة والحجاب في الخطاب التنويري
أ. تقى محمد يوسف*
المقدمة:
شكّلت قضية الحجاب أحد أبرز المداخل التي تجلّى من خلالها الجدل الفكري والاجتماعي حول وضع المرأة في العالم العربي والإسلامي، إذ لم يكن النقاش حوله مجرد خلاف فقهي، بل يعكس هذا النقاش رؤية المجتمع لنفسه وطبيعة التحول الذي عاشه العالم العربي في القرن العشرين. فالحجاب –بما يحمله من رمزية دينية واجتماعية– تحوّل إلى محورٍ لصراعٍ بين اتجاهات متباينة: بين من رأى فيه سياجًا يحفظ الأخلاق والنظام الاجتماعي، ومن اعتبره رمزًا للتقييد والتأخر يجب تجاوزه في سبيل التقدم.
وقد جاء هذا النقاش في سياقٍ ثقافي وفكري شديد الاضطراب؛ إذ كان العالم العربي يعيش مرحلة انتقالية بين قيم التقليد الموروثة وقيم التحديث الوافدة، وكان المثقفون والمفكرون يحاولون التوفيق بين متطلبات النهضة وبين الحفاظ على الهوية. فتعددت بذلك الرؤى حول المرأة ودورها ومظهرها ومكانها في المجال العام، كما ارتبطت هذه الرؤى بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي فرضها الاحتكاك بالحضارة الأوروبية منذ الحملة الفرنسية وما تلاها من إصلاحات.
وعلى المستوى الفكري، اختلفت المقاربات باختلاف منطلقات أصحابها: فهناك من انطلق من منظور ديني إصلاحي يسعى إلى إعادة المرأة إلى مكانتها الحقيقية في الإسلام، ومن رأى في تحريرها ضرورة اجتماعية لتقدم الأمة، ومن حذّر من الانبهار بالنموذج الغربي، في حين تناول آخرون القضية في إطار النهضة الوطنية وبناء الدولة الحديثة. وهكذا صار الحجاب رمزًا تتقاطع عنده قضايا الدين والتحديث والأخلاق والهوية، وميدانًا لقياس مدى قدرة الفكر العربي على التعامل مع الحداثة الوافدة.
في ضوء ذلك، سيبدأ المقال باستعراض السياق الفكري والثقافي في أواخر القرن التاسع عشر، حيث تداخلت عوامل النهضة الفكرية مع ضغوط الواقع السياسي المتمثل في الهيمنة الاستعمارية والتحديات الداخلية التي واجهت المجتمع المصري. يلي ذلك إطلالة على الخطاب الاستشراقي والاستعماري الذي كان يوجّه انتقادات حادة إلى الإسلام وثقافته، وبخاصة فيما يتعلق بمكانة المرأة، وهو ما أسهم في تشكيل مناخ جدلي دفع النخب الفكرية إلى إعادة النظر في قضايا الإصلاح الاجتماعي ووضع قضايا المرأة في مركزها.
بعد ذلك، ينتقل المقال إلى النظر في الخطاب النهضوي الذي تأثر في اتجاهاته المختلفة بما ركز عليه الخطاب الاستشراقي والاستعماري من ناحية القضايا والموضوعات والتي يصبح لزاما على الخطاب النهضوي العربي أن يتعامل معها سواء بالقبول أو النقد ولا يخرج عنها. ويتوقف المقال مطولا مع قاسم أمين باعتباره الاسم الأبرز في قضايا المرأة وتحريرها، وباعتبار أن مشروعه وكتبه تكشف عن مقدار التباين والتمازج بين مرجعيات الإصلاح الإسلامي وتأثيرات الفكر الغربي. كما يحاول المقال تقييم أثر هذه الأطروحات في مسار الخطاب النهضوي العربي، وما أثارته من نقاشات مستمرة حول العلاقة بين الدين والنهضة.
الواقع الثقافي والفكري منذ أواخر القرن التاسع عشر:
شهدت مصر في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حراكًا ثقافيًا واسعًا ارتبط بظهور الطباعة وازدهار الصحافة والمجلات الفكرية. فقد لعبت الصحف اليومية مثل الأهرام (1876) والمقطم (1889) والمؤيد (1889) دور المنابر الرئيسة للنقاشات الفكرية والسياسية، بينما أسهمت المجلات الثقافية مثل الهلال (1885) لجرجي زيدان والمقتطف (1876) ليعقوب صرّوف وفارس نمر في نشر المقالات العلمية والأدبية والفكرية، فكوّنت جمهورًا من القرّاء المهتمين بالعلوم الحديثة وقضايا التقدم. هذا المناخ أوجد ما يشبه “المنتدى العام” الذي ناقش فيه المثقفون قضايا الإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني، بما فيها قضية المرأة.
في قلب هذه النقاشات برز سؤال محوري، هو سؤال التقدم والنهضة، وقد شكّل هذا السؤال المدخل الرئيس لمشاريع النهضة الفكرية. فرفاعة الطهطاوي كان من أوائل من دعا إلى التوفيق بين قيم الإسلام وروح العصر، مؤكدًا أن الشريعة لا تعارض الأخذ بأسباب التمدن الحديث. ثم جاء محمد عبده ليواصل هذا المسار، فدعا إلى إصلاح الأزهر، وإدخال العلوم الحديثة، وتأكيد أن الإسلام دين عقل وعلم، وأن الجمود الفقهي والاجتماعي هو ما أعاق الأمة عن التقدم. هذه الرؤية الإصلاحية أعطت شرعية فكرية لربط النهضة بالعودة إلى روح الشريعة، لا بالخروج عليها.[1]
ولم يكن التأثير الغربي غائبًا عن هذا المشهد؛ فقد نقلت البعثات التعليمية إلى أوروبا منذ عهد محمد علي، ووجود الجاليات الأجنبية في القاهرة والإسكندرية، تصوّرات جديدة عن الحرية والتعليم وحقوق المرأة. كما لعب خطاب المستشرقين دورًا مهمًا، إذ قدّموا صورة نمطية عن “الإسلام” عموما و”المرأة الشرقية” خصوصا باعتبارها رمزًا لتخلّف المجتمع، وهو ما أثّر في الجدل النهضوي.
في الوقت نفسه، ظلّ الأزهر المؤسسة الدينية الأهم، لكنه واجه اتهامات بالجمود وضعف الاستجابة لمقتضيات العصر. وكان مشروع محمد عبده الإصلاحي –الذي دعا إلى تجديد مناهج الأزهر وإحياء الاجتهاد– محاولة لردم الهوة بين الدين والحداثة. هذا التيار الإصلاحي أتاح أرضية فكرية يمكن أن تنطلق منها دعوات إصلاح وضع المرأة، ليس كمسألة تغريبية، بل كجزء من تجديد الدين ذاته.
في ضوء هذا المشهد الفكري والثقافي المتشابك، تحوّلت قضية المرأة إلى ساحة مركزية للصراع بين التيارات المختلفة، ولم يكن ظهور قاسم أمين والجدل الذي تلاه حدثًا معزولًا، بل جاء تعبيرًا عن لحظة تاريخية تبلورت فيها أسئلة النهضة والإصلاح.
ومع تصاعد أسئلة النهضة في أواخر القرن التاسع عشر، برز تياران رئيسان في الحياة الفكرية العربية: الإصلاحيون والتغريبيون. فالإصلاحيون، وعلى رأسهم محمد عبده ومن تأثر به، رأوا أن النهضة لا تتحقق إلا بالعودة إلى جوهر الشريعة الإسلامية وإحياء الاجتهاد وربط النصوص بمقاصدها الكبرى في العدل والحرية والعلم. وهم يعتقدون أن الإسلام في أصله دين عقل وإصلاح، وأن التخلف ليس من الشريعة، بل من الجمود الذي أصاب فهمها. ومن هنا، سعوا إلى صياغة مشروع إصلاحي يزاوج بين الأصالة الدينية ومتطلبات العصر.
أما التغريبيون فقد رأوا أن الطريق الوحيد للنهوض هو الاقتداء بالنموذج الأوروبي في مؤسساته وقوانينه وأفكاره، حتى لو أدى ذلك إلى القطيعة مع المرجعية الإسلامية. وقد تأثر هذا التيار بالاحتكاك المباشر بأوروبا من خلال البعثات التعليمية والجاليات الأجنبية، وكان أبرز ممثليه لطفي السيد وبعض رواد الصحافة والأدب مثل فرح أنطون وجرجي زيدان، الذين جعلوا من “التمدن الغربي” المرجع الأسمى للإصلاح.
وبين هذين التيارين، وقف التيار المحافظ أو الوطني الذي رأى أن النهضة الحقيقية لا تبدأ بتقليد الغرب أو بإعادة تفسير الدين فحسب، بل بإصلاح الواقع السياسي والاقتصادي ومقاومة الاستعمار. فقد اعتبر رموزه –مثل مصطفى كامل وطلعت حرب– أن قضية الحجاب أو المرأة ليست أولوية في زمن الاحتلال، وأن الحديث عن الإصلاح لا يمكن فصله عن التحرر الوطني. لذلك تبنّى هذا التيار موقفًا حذرًا من الدعوات التنويرية والتغريبية، إذ رأى فيها في كثير من الأحيان انصرافًا عن معركة الاستقلال وترويجًا غير مباشر لأفكار المستعمر.
وقد وقف قاسم أمين في موقع إشكالي بين التيارات الثلاثة؛ وعبرت كتاباته عن اتجاهات متباينة، ولذلك، يمكن القول إن قاسم يمثل حالة كاشفة للتوتر بين المشاريع الثلاثة، ويجسّد السؤال عن إمكان قيام “تنوير عربي” لا يخاصم الشريعة.
الحجاب في الخطاب الاستشراقي:
تكتسب دراسة صورة المرأة والحجاب في الخطاب الاستشراقي أهمية خاصة عند تناول الخطاب التنويري؛ لأنه لم يأتِ في فراغ، بل تشكّل في سياق تفاعل جدلي مع خطابات متعددة: داخلية تتعلق بالواقع الاجتماعي المصري، وخارجية تمثّلها الرؤية الاستشراقية والاستعمارية التي صوّرت الإسلام دينًا يقمع المرأة ويقيد حريتها. وفي هذا السياق تحديدا جاء كتاب قاسم أمين الأول “المصريون” ردا على الدوق داركور المستشرق الفرنسي.[2] ومن هنا، يصبح فهم خلفية النظرة الاستشراقية للحجاب مدخلًا ضروريًا لفهم موقع أطروحات قاسم أمين بشكل خاص، والخطاب التنويري بشكل عام، سواء في تجاوبه مع تلك الرؤية أو في محاولته تقديم خطاب إصلاحي مختلف.
قبل القرن السابع عشر، استقى الغرب تصوراته عن الإسلام من روايات الرحّالة والصليبيين، ومن استنتاجات رجال الدين المستندة إلى قراءات مبتسرة للنصوص العربية. ومع القرنين السابع عشر والثامن عشر، أصبحت هذه القراءات أوضح قليلًا، لكنها ظلت أسيرة تصورات ذكورية وعدائية للإسلام. ومع صعود الأدب الموجّه للقارئ الغربي، جرى اختزال الشرق في صورة “استبدادي” و”جنسي”، واعتُبر أبناؤه غارقين في الملذات الحسية.
في هذا السياق، حضرت صورة المرأة الشرقية منذ وقت مبكر في المخيال الغربي، لكنها لم تصبح في قلب السردية إلا مع الحقبة الاستعمارية في القرن التاسع عشر. وقد مثّل الحجاب بوجه خاص علامة رمزية استُخدمت للدلالة على اضطهاد المرأة المسلمة وخضوعها للرجل. فمنذ زمن الحملات الصليبية، رُسمت صورة المرأة المحجبة باعتبارها أسيرة داخل مجتمع أبوي، ومع تصاعد الخطاب الاستعماري تمّ ترسيخ الحجاب كرمز للتأخر الحضاري. وهكذا صار الحجاب في الأدبيات الأوروبية علامة على “تعاسة” المرأة و”سجنها”، بل وحتى على “رقّها”، وهو ما غذّى خطابًا يبرر التدخل الأوروبي بدعوى إنقاذ المرأة الشرقية وتحريرها من الرجل المسلم.
وقد اتضح ذلك في كتابات مثل أعمال جاسباران، حيث جرى إبراز التباين بين المرأة الأوروبية “المتحررة” والمرأة المسلمة “المحجبة” على أساس تفوق أوروبا الحضاري.[3] لم يكن الهدف مجرد وصف واقع اجتماعي، بل كان توظيف صورة الحجاب لتثبيت سردية استعلائية تضع الغرب في موقع المخلِّص والشرق في موقع المتخلف. وبهذا أصبح الحجاب في المخيال الاستشراقي ليس مجرد قطعة لباس، بل أداة رمزية في معركة أوسع بين الشرق والغرب، بين خطاب “التحرير” الاستعماري ومحاولات المجتمعات الإسلامية الدفاع عن هويتها وتقديم مشروعها الخاص للتجديد.[4]
وبالفعل كان المجتمع الإسلامي يعاني من العديد من المشكلات التي تنبه لها بسبب تفاعله مع الاستعمار واحتكاكه بالعالم الآخر، غير أن تدخلات الاستشراق والاستعمار لم تقتصرا على تشخيص تلك المشكلات، بل تجاوزت ذلك إلى فرض حلول جاهزة، حصرت الخطاب الإصلاحي العربي داخل إطار ضيق لم يعد يرى بداخله سوى هذه المشكلات ولم يكد يتصور إمكان التفكير خارج الحلول التي صيغت له سلفًا.
وقد انطلق كثير من المستشرقين والاستعماريين من مقدمات اعتُمدت وكأنها نتائج ثابتة: منها أن وضع المرأة المسلمة متدنٍّ، وأن الشريعة الإسلامية مسؤولة عن هذا التدني، ومن ثمّ فإن “تحرير” المرأة لا بد أن يمر عبر خلع حجابها وخروجها من دائرة العزلة. وهذه الأطروحات لم تُقدَّم في سياق برهنة علمية أو شواهد تاريخية، بل صيغت كحقائق بديهية لا تحتاج إلى دليل، ثم جرى استيعابها لاحقًا في الخطاب التنويري العربي، فأُعيد إنتاجها بوصفها مسلّمات إصلاحية.
لكن القول بأن لباس المرأة يحبسها ويحول دون تعليمها وعملها، على سبيل المثال، هو ادعاء يحتاج إلى برهان تاريخي واجتماعي، ولا يكفي أن يُبنى على تصورات غربية عن الحرية والمجال العام. فالتجربة التاريخية للمجتمعات الإسلامية تكشف أن النساء شاركن قبل الحقبة الاستعمارية في مجالات متعددة، منها التعليم والإشراف على الأوقاف والأنشطة التجارية، ما يدل على أن الحجاب لم يكن عائقًا بشكل مطلق أمام المشاركة النسائية. إن اختزال الحجاب في كونه أداة قمع، إذن، يعكس إسقاطًا استشراقيًا أكثر مما يعكس حقيقة الواقع الاجتماعي الإسلامي.
وإذا كان المأزق الفعلي قد ارتبط بعدم قدرة النساء على الانخراط في مؤسسات الدولة الحديثة -كالنظام التعليمي الرسمي والوظائف البيروقراطية الحديثةـ فإن المساءلة كان ينبغي أن تتوجه إلى هذا النموذج نفسه: ما مدى صلاحيته وملاءمته للمجتمع الإسلامي وقيمه؟ بدلاً من الاندفاع نحو تعميق تبعيته عبر إدماج النساء فيه على حساب التضحية بلباس وهوية وثقافة وأخلاقيات راسخة تأسست في الأصل على أرضية الشريعة.
المرأة والحجاب في الخطاب الاستعماري:
في الخطاب الاستعماري، لم تكن المرأة مجرّد موضوع ثانوي، بل كانت أداة مركزية في صياغة خطاب “التمدين” وتبرير الهيمنة والاستعمار الغربي. وقد شكّل الحجاب على وجه الخصوص نقطة تركيز أساسية، إذ صُوِّر باعتباره العقبة الكبرى أمام “تحرر المرأة” و”نهضة المجتمع”، وبالتالي أصبح نزعه رمزًا لانتصار المشروع الاستعماري على “التقاليد الشرقية”.
وقد وظف الاستعمار قضية الحجاب بصورة مزدوجة: فمن ناحية، جعله دليلاً على قمع المرأة الشرقية وتخلّف المجتمعات الإسلامية؛ ومن ناحية أخرى، قدّمه كذريعة للتدخل في البنية الاجتماعية والسياسية لهذه المجتمعات.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك خطاب اللورد كرومر -المندوب السامي البريطاني- في مصر القرن التاسع عشر، حيث ركز على الحجاب كرمز لتخلّف المصريين. ومع ذلك، كان هو نفسه معارضًا شرسًا لحق المرأة البريطانية في التصويت! وهذا التناقض يوضح أنّ الخطاب لم يكن معنيًا بحقوق النساء بقدر ما كان يسعى لترسيخ صورة التفوق الغربي.[5]
ففي مذكراته، ذكر بدايةً الهدف والغاية التي جاء من أجلها الاحتلال الإنجليزي بقوله: “إن الرجل الإنجليزي جاء إلى مصر بفكرة ثابتة مفادها أن لديه مهمة تعيّن عليه تنفيذها، وأنه في ضوء وجهات نظره وآرائه عن تحقيق العدالة بين الأفراد والمساواة بين الناس أمام القانون وتحقيق السعادة لأكبر عدد من السكان … سيكون من الطبيعي أن يفهم مهمته في هذا الإطار، على أنها إفادة السكان كلهم..”.[6]
وقد تقمص الاستعمار دور المخلّص والمنقذ للمجتمعات المستعمرة، حتى إن كرومر تجرأ على القول: “إن أسباب فشل الإسلام كنظام اجتماعي متشعبة: أول وأهم هذه الأسباب أن الإسلام يضع المرأة في وضع متدنٍ. ثانيًا: إن الإسلام لم يتحدث كثيرًا عنها من خلال القرآن بقدر ما عرف من خلال التقاليد والتفسير والأحاديث التي تدور حول القرآن، يبلور كلا من الدين والقانون في كل سنني واحد غير قابل للفصل، الأمر الذي يؤدي إلى إفراغ المنظومة الاجتماعية من مرونتها”.[7] وهذا الكلام يبرز نقطتين أساسيتين في الخطاب الاستعماري، هما: تسييس قضية المرأة؛ من خلال جعل “وضع المرأة” المدخل الأول لفشل الإسلام برمّته، وكأنّ مجمل البنية الدينية والاجتماعية تُختزل في مسألة الحجاب أو مكانة المرأة، وهذا يعكس الاستراتيجية الاستعمارية في استخدام صورة “قهر المرأة” لتبرير تفوق الغرب وتدخّله.
النقطة الأخرى هي: الخلط بين الدين والتقاليد؛ فكرومر يتهم الإسلام بأن نصوصه الأساسية لم تتحدث بما يكفي عن المرأة، وأن بقية الأحكام جاءت من “تفاسير وتقاليد” جامدة. لكن اللافت أنّه لا يفرّق هنا بين النصوص المؤسسة وبين التجربة التاريخية، بل يُحمّل الإسلام ذاته مسؤولية ما قد يكون ناتجًا عن أعراف أو اجتهادات بشرية، وهذا التعميم مقصود ليرسّخ صورة “الجمود البنيوي” في الإسلام.
ويفتح كرومر باب المقارنة بين المرأة المسلمة ونظيرتها الغربية بقوله: “ولعلنا نتحول الآن إلى النتائج المترتبة على التقليل من شأن المرأة في البلاد الإسلامية… هناك فارق جوهري بين وضع النساء المسلمات والأخوات الأوروبيات، النقطة الأولى هي أن وجه المرأة المسلمة مقنّع (محجوب) عندما تظهر على الملأ. وهي تحيا حياة عزلة. ووجه المرأة الأوروبية مكشوف للملأ. والقيود الوحيدة المفروضة على تحركات المرأة الأوروبية هي تلك القيود التي يمليها عليها إحساسها بالاحتشام. النقطة الثانية هي أن الشرق يقر تعدد الزوجات، أما الغرب فيقر الاحتفاظ بزوجة واحدة..”.[8]
وهو نفسه ما يقوم به الاتجاه التغريبي في تصدير التقدم الغربي باعتباره الحل لجميع مشكلات المجتمع الإسلامي، ودفع قضايا المرأة بعيدا عن الشريعة والتعاطي معها باعتبارها قضايا مجتمعية ذات اعتبارات تاريخية.
ومن المهم ملاحظة مدى التشابه بين كلامه وبين ما ورد في الخطاب التنويري، ويظهر التشابه من جهتين: الأولى: الموضوعات التي يتم تناولها؛ مثل الحجاب والاختلاط وتعدد الزوجات، والثانية: آليات تناول قضية المرأة والتي يبرز منها هنا آلية المقارنة بين المرأة الشرقية/العربية/المسلمة ونظيرتها الغربية، وهو ما قام به قاسم أمين مثلا وتحديدا في كتابه “المرأة الجديدة”.
كما يمكن ملاحظة حجم التشابه -والاقتباس- بين الخطاب الاستعماري والخطاب التغريبي الذي أخذ يدفع قضايا المرأة بعيدا عن الشريعة والتعاطي معها باعتبارها قضايا مجتمعية ذات اعتبارات تاريخية.
وأما تقييم كرومر للحجاب -بمعنى عدم الاختلاط- فيظهر في قوله: “ليس هناك شك في أن عزل المرأة له تأثير مضر على المجتمع الشرقي…ولست بحاجة إلى التأكيد على استمرار هذه الممارسة وارتباطها بمدى ذيوع الإسلام وانتشاره”.[9]
وهكذا جعل الاستعمار من المرأة الشرقية “موضوعًا صامتًا”، فهو يتكلم باسمها ولا يسمح لها بالتعبير عن نفسها (اللهم إلا أن تردد نفس ما يقول). فالحجاب لم يُفهم بالنسبة للمستعمر كخيار ديني أو اجتماعي من منطلق الحرية، بل صُوِّر فقط كأداة قهر، بما يخدم مشروع السيطرة السياسية والثقافية.
إن المعضلة التي تسبب فيها الاستعمار وخطابه للمرأة المسلمة هو أنه ألحقها بفضائه كتابع، ومشكلة التابع Subaltern)) تكمن في استحالة وصول صوته إلى بنية الخطاب المهيمن دون أن يتم تشويهه. فحين تحاول المرأة الشرقية -باعتبارها تابعاً- أن تتكلم، يضعها العالم في خيارين كلاهما نفيٌ لذاتها: إما أن تصمت فيُقال عنها ‘مقهورة’، وإما أن تتبنى لغة المستعمر ومفاهيمه لتُسمع، وفي هذه الحالة هي لا تتكلم بصوتها الأصيل، بل بصوت ‘المركز’ الذي استوعبها
المرأة والحجاب في الخطاب النهضوي:
من المهم ابتداءً التنبيه إلى أن الخطاب النهضوي والتنويري في بداياته لم يدعُ إلى إزالة الحجاب، ولم يقرن التحرر بنزع غطاء الرأس، بل كان النقاش يدور حول نظام الحجاب الاجتماعي السائد آنذاك، أي العزلة التامة بين الرجال والنساء، وحبس المرأة داخل البيت ومنعها من التعليم والمشاركة العامة، وأيضا حول اللباس والمقصود به تحديدا النقاب أو البرقع. لقد كان الهدف هو تحويل المرأة من “كائن منزلي”، إلى مواطن فاعل. لذا، فإن نقد “الحجاب” في ذلك السياق كان نقداً لسياسة الإقصاء المكاني التي جعلت من البيت سجناً لا مسكناً.
ولقد دعا المفكرون التنويريون –ومنهم قاسم أمين في تحرير المرأة كما سيأتي– إلى العودة إلى “حدود الحجاب الشرعي” التي تبيح للمرأة الخروج للتعلم والعمل في حدود الأدب والدين، لا إلى السفور الكامل. فهو لم ينادِ بخلع غطاء الرأس، وإنما انتقد الحجاب الذي يمنع المرأة من أداء دورها التربوي والاجتماعي. [10]
وحتى التيار الإصلاحي الديني، ممثلًا في محمد عبده ورشيد رضا، أيّد هذه الدعوة من حيث المبدأ، معتبرًا أن التضييق على المرأة باسم الدين ليس من الدين نفسه. هذا التمييز الدقيق يفسر لماذا لم يجد الكثير من المصلحين غضاضة في الجمع بين الدعوة لتعليم المرأة وبين الحفاظ على وقارها وحجابها الديني.
وعليه فإن الجدل حول الحجاب في مطلع النهضة لم يكن صراعًا بين “محجبات وسافرات” كما يُقدَّم اليوم، بل كان بحثًا في حدود المشاركة الاجتماعية للمرأة، ومحاولة للموازنة بين “الالتزام الديني” ومتطلبات الإصلاح الاجتماعي. إذ كانت المعركة تدور حول جدران البيت التي تحولت إلى حدود جغرافية تمنع المرأة من المعرفة والمجال العام.
ويمكن القول إن اللبنة الأولى لإثارة قضية تحرير المرأة في الخطاب العربي تعود في الأساس إلى ما ألّفه رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز، حيث أبدى إعجابه الشديد بالمرأة الفرنسية وانبهاره بما بلغته من حرية، خاصة في مجالي العلم والعمل. وقد رأى الطهطاوي أن المشكلة الأخلاقية للمرأة لا تكمن في سفورها أو حجابها، بل في صلاح تربيتها أو فسادها، كما لم يجد مانعًا من الاختلاط بين الجنسين، معتبرًا أنه لا يؤدي بالضرورة إلى الفساد.
وقد تجلى هذا الاتجاه في مواقفه من قضايا تعليم الفتاة وتعدد الزوجات وتقييد الطلاق واختلاط الجنسين، إذ صرّح في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” بأن: “السفور والاختلاط بين الجنسين ليس داعيًا إلى الفساد”، وهو ما استخدمه لتسويغ دعوته إلى الاقتداء بالفرنسيين حتى في إنشاء المسارح والمراقص، مدعيًا – في المعنى – أن: “الرقص على الطريقة الأوروبية ليس من الفسق في شيء، بل هو أناقة وفتوة”، وأنه لا يخرج عن قوانين الحياء. كما دعا إلى تعليم المرأة حتى تتمكن من ممارسة الأعمال التي يتعاطاها الرجال.
وبذلك يُعدّ الطهطاوي أول من أثار قضية تحرير المرأة في مصر في القرن التاسع عشر، ومهّد الطريق أمام الدعوات اللاحقة التي تناولت قضايا تعليم المرأة وعملها واختلاطها بالرجل من منظور تحديثي. [11]
كما برزت شخصية أخرى أسهمت في دفع قضية المرأة إلى الأمام وتسريع إخراجها إلى العلن، وهي الأميرة نازلي فاضل، ابنة مصطفى فاضل باشا ابن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا. وقد تلقت تعليمها على أيدي أساتذة فرنسيين، وعاشت في الأستانة مع والدها (مصطفى فاضل-الأخ غير الشقيق للخديوي إسماعيل)، ثم عادت إلى مصر بعد وفاة الخديوي إسماعيل، حيث افتتحت صالونًا ثقافيًا جمعت فيه نخبة من المفكرين ورجال السياسة، من أبرزهم: الشيخ محمد عبده، وقاسم أمين، وسعد زغلول، ومن خلال صالونها ساندت قضايا المرأة.[12]
ويعد قاسم أمين رائدًا لحركة تحرير المرأة وأحد أبرز الأصوات التي تناولت مسألة المرأة والحجاب بجرأة وعمق. فقد مثّل في كتاباته محطة مفصلية؛ فمن جهة كان من أوائل من فتحوا باب النقاش العلني حول أوضاع المرأة، ومن جهة أخرى ظلّت آراؤه حول الحجاب والتعليم والزواج تُقرأ وتُناقَش حتى يومنا هذا. إن التوقف عند مشروعه الفكري يمنحنا نافذة لفهم كيف حاول الخطاب التنويري العربي معالجة قضية الحجاب: أحيانًا في انسجام مع الشريعة، وأحيانًا في محاولة استدعاء مرجعيات أخرى، ليظل سؤال العلاقة بين التنوير والدين حاضرًا بقوة في هذا الخطاب. ولذلك لابد من وقفة مطولة معه؛ ذلك أن كتبه الثلاث التي نُسبت إليه متباينين أشد التباين، بل يمكن القول إن كل كتاب منهم يعبر عن اتجاه مختلف عن الآخر.
المرأة والحجاب في خطاب قاسم أمين:
عندما أصدر قاسم أمين كتابه الأول المصريون سنة 1894م بالفرنسية، كان هدفه الأساس الدفاع عن صورة المصريين أمام الاتهامات التي وجهها الدوق داركور في كتابه “مصر والمصريون”، والتي صوّر فيها المجتمع المصري على أنه غارق في التخلف والانحطاط بسبب أوضاع المرأة ومكانتها.
وفي هذا السياق وقف أمين مدافعًا عن التقاليد والعادات السائدة، مثل تعدد الزوجات والحجاب، معتبرًا أنها جزء من خصوصية المجتمع المصري وثقافته الإسلامية، وليست بالضرورة عقبة أمام تقدمه، فقد اعتبر أن التقدم الحقيقي يكمن في الإصلاحات السياسية والاقتصادية لا الاجتماعية. ولذلك نجده يقول في كتابه: “على أن الخطأ المطلق أن يقال إن المرأة في مصر حبيسة الدار، فجميع النساء يخرجن في جميع ساعات الليل والنهار مثل الرجال، ويتنزهن وحيدات أو في رفقة صديقاتهن، يقمن بالزيارات ويستقبلن زيارات بانتظام، يدخلن المحال لشراء حاجاتهن ويتجولن في الأسواق، ويترددن على أماكن التنزه، ويسافرن أحيانا وحدهن… وموجز القول، أن كل ما نستطيع أن نفعله نحن الرجال تستطيع النساء فعله، بل ويفعلنه، وكل ما هو مباح لنا، مباح لهن”.[13]
إلا أنه وبعد خمس سنوات فقط، أصدر كتابه الشهير “تحرير المرأة” (1899م)، الذي مثّل تحولًا فكريًا واضحًا في موقفه من قضايا المرأة والمجتمع. ففي هذا الكتاب دعا إلى إعادة النظر في أوضاع المرأة المصرية، من خلال تعليمها وتمكينها، والموازنة بين ما هو ديني وما هو اجتماعي مكتسب. ورأى أن الإفراط في عزل النساء وتضييق حركتهن لا يستند إلى نصوص شرعية صحيحة، بل هو نتاج تقاليد موروثة تجاوزها الزمن. وبهذا الكتاب، انتقل قاسم أمين من موقع المدافع عن التقاليد إلى موقع الداعي إلى إصلاحها، مؤسسًا بذلك لخطاب جديد جمع بين المرجعية الإسلامية والروح التحديثية في آن واحد.
وقد ظهرت محاولات عديدة لتفسير هذا التحول الظاهر بين أفكاره في الكتابين، ومن أشهر هذه التفسيرات: ما يتعلق بدور الأميرة نازلي والتي وجّهت نقدًا مباشرًا لقاسم أمين بسبب كتابه المصريون؛ حيث رأت أن دفاعه عن الحجاب المطلق وتعدد الزوجات لا يخدم مشروع النهضة، بل يرسّخ ممارسات تُقيد المرأة وتعيق المجتمع بأسره، وهو ما جعل قاسم أمين يراجع نفسه لينتج كتاب “تحرير المرأة”. وذهب بعض الباحثين إلى القول بأن محمد عبده له دور كبير في كتاب “تحرير المرأة”، بين كونه صاحب فكرة الكتاب وساهم في كتابة بعض فصوله، وبين كونه اطلع فقط وناقش بعض أفكار الكتاب حين اجتمع به قاسم عام 1897م في جنيف وتلا عليه بعض فصول كتابه في حضور سعد زغلول وأحمد لطفي السيد.[14]
وقد ناقش قاسم في كتابه مسألة الحجاب بمعنييه، اللباس، والنظام الاجتماعي المتمثل في العزلة والبعد عن الاختلاط، وكان يرى أهمية رد الحجاب إلى حدوده الشرعية، فكان التأكيد على الحدود الشرعية والشريعة ظاهرا وواضحا، على عكس كتاب “المرأة الجديدة” الذي ظهر فيه الحجاب بشكل سلبي على طول الخط مرتبطا بالقيد وانفكاك الحرية.
فقد قال في كتاب “تحرير المرأة”: “ربما يتوهم ناظر أنني أرى الآن رفع الحجاب بالمرأة، لكن الحقيقة غير ذلك، فإنني ُّ من أصول الأدب التي يلزم التمسك بها، غير أني لا أزال أدافع عن الحجاب، وأعتبره أصلاً أطلب أن يكون منطبقًا على ما جاء في الشريعة الإسلاميَّة، وهو على ما في تلك الشريعة يخالف ما تعارفه الناس عندنا؛ لما عرض عليهم من حب المغالاة في الاحتياط والمبالغة ُّ بالأحكام حتى تجاوزوا حدود الشريعة، وأضروا بمنافع الأمة”. وقال أيضا: “لا أقصد رفع الحجاب الآن دفعة واحدة والنساء على ما هن عليه اليوم؛ فإن هذا الانقلاب َّ ربما ينشأ عنه مفاسد جمة لا يتأمل معها الوصول إلى الغرض المطلوب كما هو الشأن في كل انقلاب فجائي، وإنما الذي أميل إليه هو إعداد نفوس البنات في زمن الصبا إلى هذا التغيير. فيُعودن بالتدريج على الاستقلال ويَُودع فيهن الاعتقاد بأن العفة ملكة في النفس َّ لا ثوب يختفي دونه الجسم، ثم يُعودن على معاملة الرجال من أقارب وأجانب مع َّ المحافظة على الحدود الشرعية وأصول الأدب تحت ملاحظة أوليائهن”.[15]
وهو ما دعت إليه أيضا ملك حفني ناصف -إحدى رائدات الحركة النسائية في مصر- كما قالت في إحدى مقالاتها: “نساء مصر متعودات الحجاب، فلو أمرتهن مرة واحدة بخلعه وترك البرقع لرأيت ما يجلبنه على أنفسهن من الخزي وما يقعن فيه بحكم الطبيعة والتغير الفجائي من أسباب البلاء، وتكون النتيجة شرًّا على الوطن والدين، وإذا أردت هدم بناء أفلا تهدمه قليلًا قليلًا إلى أن يتم الهدم فتبنى على أنقاضه أحسن منه”.[16]
أثار كتاب قاسم أمين العديد من الانتقادات بالرغم من تحفظه وانطلاقه من الشريعة. فظهرت، بعد صدوره ببضعة أشهر، سلسلة من الكتب والنشرات، بعضها يهاجم آراءه حول المرأة وبعضها يؤيدها. وبعد عام واحد فقط، أي في ۱۹۰۰، رد قاسم أمين على نقاده بكتاب ثان موضوعه “المرأة الجديدة”، اعتبره الكثير من الباحثين استكمالا لآرائه في “تحرير المرأة” وتأكيدا لها، إلا أن لهجته في “المرأة الجديدة” تغيرت كثيراً، وقد لاحظ ألبرت حوراني ذلك قائلا: “فهو هنا -أي في كتاب “المرأة الجديدة”- أكثر جدلا، كما أن أساس البحث فيه قد حول تحولا تاما. فكأنما انهارت تحت صدمة الغضب واجهة البنيان الإسلامي، فظهر من ورائها بنيان فكري مختلف تمام الاختلاف عنها. لم يعد قاسم أمین هنا یستند إلى نصوص القرآن والشريعة مع تفسيرها بما يعتبره التفسير الصحيح، بل إنه أصبح يستند إلى العلوم والفكر الاجتماعي في الغرب الحديث… وهكذا أصبحت الآن مقاييس الحكم على الأشياء مبادئ القرن التاسع عشر الكبرى: الحرية والتقدم والمدنية…”.[17]
ففي هذا الكتاب يقول قاسم أمين: “أما الحجاب فضرره أنه يحرم المرأة من حريتها الفطرية، ويمنعها من استكمال تربيتها، ويعوقها عن كسب معاشها عند الضرورة، ويحرم الزوجين من لذة الحياة العقلية والأدبية، ولا يأتي معه وجود أمهات قادرات على تربية أولادهن، وبه تكون الأمة كإنسان أصيب بالشلل في أحد شقيه. ومزاياه تنحصر في أمر واحد هو أنه يقلل الزنا؛ حيث يحول بين الصنفين، ويمنع الاختلاط بينهما في الظاهر، وإن لم ينزع الميل إليه من النفوس…! وأما الحرية فمزاياها هي إزالة جميع المضار التي تنشأ عن الحجاب، وسبق ذكرها وضررها الوحيد أنها في مبدئها تؤدي إلى سوء الاستعمال، ولكن مع مرور الزمن تستعد المرأة إلى أن تعرف مسئوليتها، وتتحمل تبعة أعمالها وتتعود على الاعتماد على نفسها والمدافعة عن شرفها؛ حتى تتربى فيها فضيلة العفة الحقيقية، التي هي ترفع النفس المختارة الحرة عن القبيح، لا خوفا من عقاب ولا طمعا في مكافأة ولا وجود حائل ليس في الإمكان إزالته، بل لأنه قبيح في نفسه. وليس من الممكن أن تصل المرأة إلى هذه المنزلة الأدبية ما دامت في الحجاب، ولكن ً من السهل جدا أن تصل إليها بالحرية”.[18] فهنا تأتي الحرية في مقابل الحجاب، وكلاهما يحقق العفة، لكن الحجاب يحقق عفة “إجبارية”، في حين تحقق الحرية عفة “اختيارية”.
ويقول أيضا: “لو لم يكن في الحجاب عيب إلا أنه مناف للحرية الإنسانية، وأنه صادر بالمرأة إلى حيث يستحيل عليها أن تتمتع بالحقوق التي خولتها لها الشريعة الغراء والقوانين الوضعية في حكم القاصر … لكفى وحده في مقته، وفي أن ينفر منه كل طبع غرز فيه الميل إلى احترام الحقوق والشعور بلذة الحرية. ولكن الضرر الأعظم للحجاب فوق جميع ما سبق هو أنه يحول بين المرأة واستكمال تربيتها”.[19]
وهكذا انتقت قضايا المرأة والحجاب عند قاسم أمين من كونها مسألة اجتماعية ليس لها علاقة بالإصلاح والتقدم في كتابه “المصريون”، إلى كونها مسألة اجتماعية قابلة للإصلاح وفق أحكام وحدود الشريعة في “تحرير المرأة”، إلى “عقبة حضارية” تعيق تطور المرأة والمجتمع في “المرأة الجديدة”. وبذلك، يقترب أمين من التصورات الليبرالية الغربية التي ترى الفضيلة ثمرة حرية فردية لا ضابط خارجي. وفي هذا يقول: “متى تقرر أن المدنية الإسلامية القديمة هي غير ما هو راسخ في مخيلة الكتاب الذين وصفوها بما يحبون أن تكون عليه، لا بما كانت في الحقيقة عليه، وثبت أنها كانت ناقصة من وجوه كثيرة، فسيان عندنا بعد ذلك أن احتجاب المرأة كان من أصولها أو لم يكن، وسواء صح أن النساء في أزمان خلافة بغداد أو الأندلس كن يحضرن مجالس الرجال أو لم يصح، فقد صح أن الحجاب هو عادة لا يليق استعمالها في عصرنا.” ثم يقول “مما لا يسلمه العقل أن أهل أوربا وأمريكا يسيرون على هذه العادة (التبرج والاختلاط) من غير شعور منهم بأسبابها ونتائجها، ويصعب على العقل أن يظن أن علماءهم … غفلوا عن هذه العادة وأهملوها. والحقيقة أنهم درسوها درسا تاما، كغيرها من المسائل الأخرى وقارنوا بينها وبين عاداتنا الشرقية، ولا أعلم أن واحدا منهم قام ينادي قومه يوما ويحثهم على تغييرها، بل الكل متفقون على أن حجاب النساء هو سبب انحطاط الشرق. وأن عدم الحجاب هو السر في تقدم الغرب، وإنما الخلاف يوجد بينهم في تحديد حقوق المرأة السياسية كما بيناه”.[20]
إلا أن قاسم أمين قبل موته بعام ونصف فقط قال في حديث له إلى صحيفة “الظاهر” التي كان يصدرها “محمد أبو شادي”: “لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك، بل الإفرنج في تحرير نسائهم وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم.. ولكني أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات فرأيتُ من فساد أخلاق الرجال بكل أسف ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي واستنفر الناس إلى معارضتي.. رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تتطاولوا إليها بألسنة البذاء ثم ما وجدت زحاماً في طريق فمرت به امرأة إلا تناولتها الأيدي والألسنة جميعاً.. أنني أرى أن الوقت ليس مناسباً للدعوة إلى تحرير المرأة بالمعنى الذي قصدته من قبل”.[21]
المرأة والحجاب في الخطاب المعارض لقاسم أمين:
أثار كتابا قاسم أمين ضجة كبيرة بين مؤيدين لآرائه ومعارضين له، وقد شنت جريدة «اللواء» –التي كان يصدرها الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل– حملة قوية على قاسم أمين استمرت شهورًا طويلة، رافضةً أفكاره حول الحجاب وتحرير المرأة. وقد صرّح مصطفى كامل بأنه زار عددًا من البلدان الأوروبية واطّلع على أحوال النساء هناك، فوجد أن الحرية المطلقة أفسدت أخلاق المرأة الغربية وأضعفت قيمها، حتى أصبحت الشكوى من الانحلال الأخلاقي عامة في تلك المجتمعات. ومع ذلك، لم يرفض كامل فكرة إصلاح أوضاع النساء من حيث المبدأ، بل اتفق مع أمين في ضرورة الاهتمام بتربية المرأة وتعليمها، لكن في إطار القيم الإسلامية والأخلاق الوطنية.
أما جريدة «المؤيد»، فقد اتخذت موقفًا أكثر توازنًا؛ إذ فتحت صفحاتها للآراء المؤيدة والمعارضة معًا. فنشر فيها محمد فريد وجدي –كما نشر أيضًا في «اللواء»- سلسلة مقالات بدأها بسؤال نقدي: هل المرأة مساوية للرجل في جميع الجوانب؟ وإذا كانت كذلك، فلماذا خضعت طوال قرون لسلطان الرجل وهيمنته؟ ثم أجاب بأن التاريخ لم يسجل صراعًا بين الجنسين لأن المرأة لم تكن مساوية للرجل في القوة والنشاط، وأن المرأة الأوروبية نفسها لم تنل حريتها إلا بمساعدة الرجل وسعيه من أجلها. كما أشار إلى أن وظيفة المرأة الطبيعية –المتمثلة في الحمل والرضاعة وتربية الأطفال وتدبير شؤون البيت– تفرض عليها أن تقضي معظم وقتها في مجالات تتصل بغريزتها الأنثوية، بعيدًا عن مصادر التغذية الفكرية والعلمية.
ولم يكتفِ دعاة الحجاب في مصر بالرد على قاسم أمين من خلال المقالات الصحفية الحادة التي انتشرت عقب صدور كتابيه، بل ألّف عدد منهم كتبًا مستقلة لتفنيد أطروحاته وتأكيد مشروعية الحجاب. ومن أبرز هذه الكتب: حكم التربية والحجاب لمحمد إبراهيم القاياتي، والجليس الأنيس في التحذير عما في تحرير المرأة من التلبيس لمحمد الغلاييني، وقولي في المرأة لمصطفى صبري، وغيرها من المؤلفات التي مثّلت تيارًا فكريًا محافظًا واجه الطرح التنويري بالحجة والنص.
وقد رد محمد طلعت حرب أيضا على قاسم أمين في كتابين هما “تربية المرأة والحجاب” (1899)، و”فصل الخطاب في المرأة والحجاب” (1900). في كتابه الأول أشار إلى أن المستعمر الغربي لم يكن يسعى لتحرير المرأة بدافع إنساني كما يزعم، بل كان الهدف الحقيقي هو تفكيك بنية المجتمع الإسلامي من الداخل عبر التأثير في المرأة بوصفها محور الأسرة. ورأى أن دعوة قاسم أمين ما هي إلا امتداد غير مباشر لهذا المشروع، إذ يسعى المستعمر –كما يقول– إلى “فرنجة المرأة” لتهيئة البيئة الشرقية لقبول السيطرة الأوروبية، مبررًا ذلك بادعاء أن الإسلام ظلم النساء. وقد أكد أن الإصلاح الحقيقي لا يكون بخلع الحجاب، وإنما بتربية صالحة للرجال والنساء على السواء.
وفي المقابل، ظهر أيضًا عدد من المؤيدين لأفكار قاسم أمين، مثل عبد الفتاح عبادة في كتابه رسالة في نهضة المرأة المصرية والمرأة العربية، وجرجي نقولا في كتابه النسائيات.[22] وقد ساهمت هذه الردود المتقابلة في تحويل قضية الحجاب من شأن اجتماعي إلى ساحة سجال فكري مفتوح يعكس التباين العميق في الرؤى بين الاتجاهات المختلفة حول معنى الإصلاح، والتقدم، والنهضة، وحدودها.
خريطة الاتجاهات والتيارات
من الجدل السابق، يظهر لنا أنه حين طُرحت قضية المرأة في أواخر القرن التاسع عشر، لم يكن الجدل حولها مجرد نقاش عن الحجاب أو التعليم، بل كان انعكاسًا لاختلاف أعمق حول الطريق إلى الإصلاح والتقدم، وحول المجال الذي يجب أن يبدأ منه الإصلاح: أهو الإصلاح الديني أم الاجتماعي أم السياسي؟ ومن هنا تبلورت الاتجاهات الإصلاحية الكبرى.
الاتجاه الديني الإصلاحي:
انطلق هذا الاتجاه من داخل المرجعية الإسلامية، مؤكدًا أن مشكلة المرأة ليست في الدين، بل في الأعراف التي علقت به وأساءت فهم نصوصه. دعا هذا الاتجاه وعلى رأسهم محمد عبده إلى إصلاح المجتمع من خلال تجديد الفهم الديني وتعليم المرأة وتربيتها ضمن حدود الشرع، معتبرًا أن الإسلام منحها حقوقها قبل الغرب بزمن طويل.
الاتجاه الوطني المحافظ:
تناول هذا الاتجاه قضية المرأة من منظور وطني محافظ، فرأى أن نهضة الأمة تبدأ من نهضة المرأة، ولكن لا بمعنى تحررها من الضوابط، بل بتهيئتها لتربية جيل وطني واعٍ يخدم مشروع الاستقلال وبناء الدولة. دعا طلعت حرب إلى تعليم المرأة وتعليمها الحرف النافعة، مؤكدًا أن المرأة المتعلمة العفيفة هي عماد النهضة الوطنية. كان هذا الاتجاه عمليًا محافظًا، يربط التقدم بخدمة الوطن لا بتحقيق حرية فردية.
ورأى رموزه أن النهوض بالأمة لا يبدأ من تغيير زيّ المرأة أو عاداتها الاجتماعية، بل من إحياء الوعي الوطني والسياسي والاقتصادي، وأن الدعوات التي تركّز على الحجاب والاختلاط في زمن الاحتلال ليست سوى انحراف عن الأولويات الحقيقية. وقد مثّل هذا الاتجاه رموز بارزة مثل مصطفى كامل ومحمد فريد وطلعت حرب، الذين رأوا أن الحديث عن “تحرير المرأة” في ظل وجود المستعمر يخدم –بوعي أو بغير وعي – أهداف القوى الأجنبية.
الاتجاه التغريبي:
أما الاتجاه التغريبي فقد نظر إلى قضية المرأة بوصفها مدخلًا ضروريًا لتحقيق التقدم على النمط الأوروبي، وعدّ أن تخلف أوضاع المرأة في المجتمعات العربية دليل على تأخرها الحضاري. انطلق هذا الاتجاه من قناعة بأن النهضة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر تبنّي النموذج الغربي في الفكر والتشريع ونمط الحياة، حتى لو استدعى ذلك القطيعة مع المرجعية الدينية والتقاليد الاجتماعية. وقد تأثر أصحابه بالاحتكاك المباشر بالثقافة الأوروبية من خلال البعثات التعليمية والاحتلال والاستشراق، فتبنّوا خطابًا يعتبر أن “تحرير المرأة” شرط أساسي لتحديث المجتمع. وبرز من بين ممثلي هذا الاتجاه عدد من المفكرين والأدباء مثل فرح أنطون وجرجي زيدان ولطفي السيد، الذين دعوا إلى مساواة المرأة بالرجل في الحقوق المدنية والتعليم والعمل، ورأوا في الحجاب رمزًا لعصور الانحطاط والتقليد.
خاتمة:
لم يكشف هذا المقال سوى عن جزء بسيط من التعقدات المحيطة بالخطاب التنويري حول المرأة والسياق الذي نشأ فيه والعوامل التي أثرت عليه. ومن المهم أيضا استكمال الصورة بمعرفة حجم تأثير هذه الخطابات “الفكرية” في الواقع، ذلك أن بعض الباحثين يرى أن الأثر الحقيقي في مسألة الحجاب -بمعنى اللباس تحديدا- لم تصنعه كتابات قاسم أمين بقدر ما صنعته ثورة 1919 وما ارتبط بها من خطاب سياسي واجتماعي قاده سعد زغلول ودعا فيه إلى خلع الحجاب باعتباره جزءًا من مشروع التحرر الوطني. ومن ثمّ، فإن حضور قاسم أمين في الذاكرة التاريخية لم يكن نتيجة طبيعية لتأثير مباشر لكتبه، بل جاء إلى حدٍّ كبير نتيجة الاستراتيجية البريطانية في استغلال كتاباته؛ فقد عمد الاستعمار إلى إعادة نشر أفكاره وتعميمها في مختلف المستعمرات، من خلال آلية “ترميز الأشخاص” وتسليط الضوء عليهم وخلق هالة فكرية حولهم، بحيث تُقدَّم أطروحاتهم كرموز للتقدم والنهضة،[23] وهو ما يعكس وجود تأثيرات سياسية واجتماعية أخرى فيما يتعلق بقضايا الحجاب وتحرير المرأة.
ومن اللافت أن الجدل الذي دار في مطلع القرن العشرين حول المرأة والحجاب لم ينتهِ إلى اليوم، وإن كان الذي دعا إليه التنويريون من اختلاط وكشف للوجه قد تحقق فعليا منذ زمن، بل وزيد عليه أشكالا أخرى من رفع الحجاب. فالنقاش القديم بين الإصلاحيين والمحافظين والتغريبيين لم يُحسم، بل استمر في الوعي العربي بصيغ متعددة: دينية وثقافية وسياسية. وما زال الحجاب رمزًا مكثّفًا لصراع أعمق حول المرجعية الفكرية للأمة: هل نستمد معاييرنا من الدين، أم من القيم العالمية الحديثة؟ وإذا كان الدين هو المعيار؛ فبأي قراءة وتأويل؟
وفي السياق الراهن، تتجلى هذه الاستمرارية في أصوات مثل سعد الدين الهلالي وإبراهيم عيسى، اللذين يعيدان إنتاج أطروحات التنوير القديمة في ثوب جديد. فبعض هذه الأصوات تستند إلى خطاب “تعدد الآراء الفقهية” و”التأويل الحداثي” لتبرير قراءة مغايرة لآيات الحجاب والتأكيد على أن الحجاب -غطاء الرأس- ليس فرضا. بينما يتبنى آخرون مقاربة تاريخية واجتماعية لإثبات عدم فرضية الحجاب باعتبار عدم وجوده في فترات سابقة في الخمسينيات والستينات من القرن الماضي.
وبذلك يمكن القول إننا لم نتجاوز حقًا اختلافات الأمس، بل نقلناها إلى ساحات جديدة: من الصحافة والصالونات الأدبية إلى شاشات التلفاز ومنصات التواصل. والنتيجة واحدة: تكرار الجدال ذاته حول رمزية الحجاب، في غياب مشروع فكري متكامل يعيد تعريف العلاقة بين النهضة والدين والمجتمع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* باحثة في العلوم السياسية.
[1] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة (1798–1939)، ترجمة كريم عزقول، بيروت: دار النهار للنشر، 1986، صـ178
[2] رأى قاسم أمين أن الدوق هنري داركور —رغم إقامته في مصر— ظل ينظر للمصريين بعين “الأجنبي” الذي يفسر كل قصور اجتماعي بأنه نابع من الدين أو الطبيعة الموروثة، بينما أرجع قاسم أمين القصور إلى الظروف السياسية والجهل، لا إلى جوهر الإسلام.
[3] كان جاسباران يمثل تيار الاستشراق “المتطرف” الذي يربط بين التخلف الاجتماعي وبين جوهر العقيدة الإسلامية، وهو ما دفع قاسم أمين (في كتابه “المصريون”) لشن هجوم مضاد دفاعاً عن الإسلام والشرق.
[4] Bijdiguen, Loubna. Colonial and Orientalist Veils: Associations of Islamic Female Dress in the French and Moroccan Press and Politics. PhD diss., Goldsmiths College, University of London, n.d. pp. 40
[5] Christina Lindholm, “The Politics of Christian and Muslim Women’s Head Covers,” in Textile Society of America Symposium Proceedings (Lincoln, NE: University of Nebraska–Lincoln, 2012).pp. 3 https://digitalcommons.unl.edu/tsaconf/706.
[6] اللورد كرومر، مصر الحديثة، ترجمة صبري محمد حسن، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2006، المجلد الثاني، صـ167
[7] السابق، صـ172
[8] السابق، صـ196
[9] السابق.
[10] من المفارقات التاريخية أن ‘الخمار’ أو ‘البرقع’ كان في كثير من الأحيان علامة على الرفعة الطبقية والانتساب لبيوت الأعيان، بينما كانت نساء الريف والعاملات يمارسن حياتهن بحرية حركة أكبر وبغطاء رأس بسيط تفرضه طبيعة العمل. لذا، كان نقاش النهضويين موجهاً بالأساس لنمط حياة الطبقة الوسطى والعليا التي كانت تتبنى ‘عزلة المرأة’ كإشارة لوضع اجتماعي معين.
[11] خليصة سعودي وعيسى بن قبي، نشأة وتطور قضية تحرير المرأة في مصر(1805م -1952م)، المجلة التاريخية الجزائرية، العدد 2 (2021): 622، 623
[12] وفاء خالد خلف الله، الأميرة نازلي فاضل وصالونها الأدبي في مصر، مجلة دراسات في التاريخ والآثار، العدد 37 (سبتمبر 2019): 78، 79.
[13] محمد عمارة، قاسم أمين: الأعمال الكاملة، القاهرة: دار الشروق، 2009، صـ247
[14] ياسر حجازي، “تحرير المرأة.. معركة القرن العشرين”، إسلام أون لاين. تم الوصول إليه في سبتمبر 2025،
https://islamonline.net/archive/تحرير-المرأة-معركة-القرن-العشرين
[15] قاسم أمين، تحرير المرأة، الطبعة الأولى، وندسور: مؤسسة هنداوي، 2010، صـ59
[16] ملك حفني ناصف، النسائيات، الطبعة الأولى، وندسور: مؤسسة هنداوي، 2014، صـ18
[17] حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، صـ205
[18] قاسم أمين، المرأة الجديدة، وندسور: مؤسسة هنداوي، 2010، صـ39، 40
[19] السابق، صـ79
[20] السابق، صـ100
[21] أنور الجندي، “رجال اختلف فيهم الرأي”،
https://archive.org/details/rijal_201403/page/n11/mode/2up
[22] ياسر حجازي، “تحرير المرأة”، سبق ذكره.
[23] محمد جلال كشك، جهالات عصر التنوير: قراءة في فكر قاسم أمين وعلي عبد الرازق، القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي، 1990، صـ21
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies