الوعي الحضاري وفقه العمران*
د. مسفر بن علي القحطاني**
علم العمران البشري من العلوم الإنسانية التي أدت إلى نقلة نوعية في كتابة التاريخ، وكان شرف هذا الكشف وتأسيس هذا العلم منسوبًا لأبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون (ت ۸۰۸ هـ)، وذلك في مقدمة مؤلفه التاريخي المشهور.. يقول توينبي المؤرخ البريطاني الشهير عن ابن خلدون والدور العلمي لمقدمته: “قد أدرك وتصور وأنشأ فلسفة للتاريخ هي بلا شك أعظم عمل من نوعه خلقه أي عقل في أي زمان ومكان”[1].
لقد قال ابن خلدون حول علمه الجديد (العمران البشري) إنه: “ذو موضوع؛ هو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل؛ وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى، وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيًا كان أو عقليًا”[2].
ثم قال في بيان غايته: “وهو علم يحوّل غاية المؤرخ من سرد الأخبار وتصيد الغرائب إلى السعي إلى فهم الاجتماع الإنساني، الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال”[3].
وهذا المنهج من النظر في تحليل واقع المجتمعات ودراسة أسباب التغير والتبدل في أحوال الفرد والجماعة، يُعد من أعظم مصادر العمل الإصلاحي لأي مجتمع يراد تغيير ظروفه وعلاج أزماته.
والحقيقة أن الغرض من سَوق مقدمة تعريفية لعلم العمران الخلدوني؛ هي من أجل ذكر العلاقة بين ما اكتشفه ابن خلدون من أثر الطبائع والأحوال وفهم الاجتماع الإنساني، إلى تحويل هذه المؤثرات والمفاهيم إلى آليات عمل ومشاريع بناء وعمارة للأرض تسهم في صياغة فعل إنساني يتجاوز انحطاط الواقع وغموض المستقبل. لهذا كان الأليق بعلم العمران أن يُربط بعلم الفقه للتعريف بخطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين من حيث الواجب المراد فعله أو الندب إليه، أو المحرم المراد اجتنابه أو التنزه عنه؛ فالداعي الأساس من إيراد هذا الموضوع، هو إعادة الربط بين الفقه الحامل للعمل، وبين المفهوم المجتمعي المبين لطريق العمل الصحيح، من خلال إدراك طبيعة التغيير وفهم مجالات الإصلاح المنشود والعمران الحضاري المطلوب، وفق كل الأحوال والظروف التي يعيشها الفرد المسلم في العصر الحاضر.
و(فقه العمران) هو من أنواع الفقه الغائب لعقود من الزمن، اندثرت كل محاولات التنظير والترشيد لفقه يحمل المسلم إلى عمارة الأرض وبنائها، وتأسيس نهضة مدنية لمجتمعاتها.
وللأسف فإن الغفلة عن هذا الفقه ليس في بيانه والتعريف به فحسب، بل تجاوز إلى إلغائه وإنكاره أحيانًا من فقه شريعتنا الغراء، واعتباره من مشاغل الدنيا الفانية على حساب الآخرة الباقية. وهذا ما جعل الهوة كبيرة بين تاريخ مضى برزت فيه أنواع العلوم والمعارف المختلفة، وازدهرت فيه مناحي العمران والبناء، وتاريخ آخر تفنن في تحقير الدنيا نظريًا، واقتات على فتات الأمم الأخرى واقعًا عمليًا، ومن أجل إثارة الذهن المسلم في إعادة نصاب هذا الفقه من العمل والبيان في أفعال المكلفين.
الصناعة الفقهية والتأثير في الحضارة الإنسانية:
هناك ارتباط تبادلي بين مفهومي الصناعة والفقه، فدلالات اللفظين تجمع بين حقيقة الإتقان المهاري والتصميم المعرفي والإنجاز الواقعي في خدمة الإنسان؛ فصناعة الفقه من أهم أدوات العمل على عمارة الأرض والاستفادة من خيراتها واستغلال نواميسها وقوانينها في البحث عن الجديد من المخترعات والمكتشفات؛ فالفقه الذي لا يدل على طاعة أو ينهى عن معصية، أو ينظم سلوكًا ويعالج أزمة، أو يحفز على مصلحة مشتركة، فهو فقه خامد لا يحمل جذوة التغيير السنني الذي وضعه الله في الحياة.
ومن جميل ما قرأت في بيان العلاقة الوثيقة بين الصناعة والفقه ما ذكره جملة من الفقهاء الأصوليين، منهم الإمام الفتوحي في شرح الكوكب المنير[4] الذي عدّ الصناعة مصطلحًا مرادفًا للعلم. وكذا الإمام ابن رشد الحفيد في كتابه المختصر الضروري في علم الأصول، عندما تكلم عن صناعة الفقه والأصول، ورأى أنها تحصل من تعاطي القوانين والأحوال التي تسدّد الذهن نحو الصواب، كالعلم بالدلائل وأقسامها، وفي أي حال تكون الدلائل وفي أي حال تنتفي، وفي أي المواضع يُحمل الشاهد على الغائب وفي أيها لا يحمل، ثم قال: “وهذه فلنسمّها سبارًا وقانونًا، فإن نسبتها إلى الذهن كنسبة البركار والمسطرة إلى الحس في ما لا يؤمن أن يغلط فيه”[5].
والإمام ابن خلدون في مقدمته توسع في مفاهيم الصناعة وذكر مجالاتها، وأكد “إن الصناعة هي مَلَكة في أمر عملي فكري”[6]، فابن خلدون هنا يمرر قوانين الصناعة على الفكر، وبحسب المدخلات الجيدة والصحيحة يكون المخرج كذلك.
وما سبق ذكره من استعمال لمفهوم الصناعة وإدخاله في الفقه، يفتح لنا أبوابًا من المنتجات التي يدّخرها الفقه الإسلامي، وهذا يحتاج إلى فقهاء مهرة يحسنون الصناعة، ويحولون النصوص إلى منتجات ومبتكرات تعيد إلى الفقه دوره الحيوي في خدمة الإنسان والرقي بمجتمعه.
والدليل على دعوى هذا الدور الفقهي في نهضة المجتمع وتطوير الحياة الإنسانية، تلك الإسهامات المباركة التي حولت نصوص الوحي المحدودة في ألفاظها والواسعة في دلالاتها إلى تشريعات كثيرة ودقيقة تستوعب تفاصيل حياة الناس، وتنظم شؤونهم المالية والاجتماعية والسياسية، على قدرٍ من تحقيق المصالح وتكميلها، ومرونة واقعية تتأقلم مع المتغيرات الزمانية والمكانية. ويكفي أن نتناول مصنفًا فقهيًا، لنجد فيه آلاف الأحكام والتشريعات السديدة. أضف إلى هذا أن الصناعة الفقهية نجحت في رسم منهج أصولي يعتمد على الاستنباط العقلي، وفهم الدلالات اللغوية والتنزيل الواقعي للنصوص، وهذا المنهج يُعدّ ثورة تقدمية في الصناعة الفقهية حتى على مستوى الفكر الإسلامي بصورة عامة، لجمعه بين المناهج العقلانية والجدلية والإثبات التجريبي على الواقع المتغير!
كما إن هناك دورًا تفاعليًا قام به الفقه الإسلامي مع معطيات الطبيعة ومكنوناتها المكنوزة، ربما لم يظهر بوضوح في المصنفات الفقهية، ولكنه أنتج محاولات رائدة في علوم الجبر، والهندسة والطب، والفلك، والطيران، وغيرها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أذكر بعض الإسهامات العلمية التي حققها فقهاؤنا الأوائل من خلال تطوير الأحكام الفقهية إلى مشاريع كبرى[7]، أسهمت في كشف أعظم المخترعات العلمية. فالإمام البتّاني أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان (ت ۳۱۷هـ)، قد أنشأ مرصدًا فلكيًا عُرف باسمه، وقد كان لأعماله جانب نظري يتمثل في قراءة مؤلفات الفلكي اليوناني بطليموس وانتقائها بطريقة علمية، ووضع كتابًا في حركة النجوم وعدّدها. وقد ظل يُدرَّس في أوروبا حتى عصر النهضة العلمية فيها، وله أبحاث تجريبية عملية بلغت منتهى الدقة والارتقاء والتقدم العلمي من واقع مشاهداته الفلكية، وحدد أبعد نقطة بين الشمس والأرض، وحسَب مواعيد كسوف الشمس وخسوف القمر، واتبع في ذلك منهجًا شبيهًا بالمنهج العلمى الحديث؛ ما جعل الأوروبيين يعدونه من أعظم علماء الفلك في التاريخ.
وهذا أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى النقاش الزرقالي، الذي عاش في القرن الرابع الهجري، ونشأ في طليطلة بالأندلس، وأنشأ فيها مراصد فلكية عديدة، واخترع جهاز الإسطرلاب الفلكي لقياس اتجاهات الرياح وسرعتها وتحديد الليل والنهار؛ ما أدهش علماء أوروبا. وقد استفاد من مؤلفاته العالم الأوروبي الفلكي كوبرنيكس الذي حرص على الاستشهاد بآراء أبي إسحاق في جميع مؤلفاته. والفرغالي الذي ألف كتابًا ظل مرجعًا اعتمدت عليه أوروبا وغرب آسيا سبعمائة عام. أما في علوم الرياضيات فيُعدّ العلامة محمد بن موسى الخوارزمي (ت ۲۳۲ هـ) صاحب الفضل الأكبر في معرفة خانات الأحاد والعشرات والمئات، وفي معرفة الزوجي من الفردي في الأعداد، وفي معرفة عمليات الكسور العشرية، واستخدامها في تحديد النسبة بين محيط الدائرة وقطرها مما لم تعرفه أوروبا قبله. ولم يكن الخوارزمي وحده هو البارز في هذا المجال، بل كان هناك علماء كثيرون وضعوا مؤلفات في الحساب والجبر، مثل أبي كامل شجاع بن أسلم المصري، وسنان بن الفتح الحراني، والكندي، ومحمد بن الحسن الكرخي صاحب كتاب الكافي في الحساب، فأضافوا إليها الكثير، وابتكروا نظریات هندسية جديدة، فجددوا وأضافوا فى المساحات والأحجام، وتحليل المسائل الهندسية وتقسيم الزوايا، ومحيط الدائرة، وكيفية إيجاد نسبة محيط الدائرة إلى قطرها؛ ما سهل لهم أمورًا كثيرة في فنون العمارة والزخارف الإسلامية، وقد كان في مقدمة علماء المسلمين في الهندسة الحسن بن الهيثــم وأبو جعفر الخازن، وغيرهما كثير.
وهنا أتساءل: كيف حصل الانفصام بين علوم العبادة والعمارة؟ واتسعت الشقة حتى كونت أجيالًا من الفقهاء المتأخرين الذين يرفضون، بل يحاربون تلك العلوم الطبيعية؟، بينما كنا نقرأ في تراجم أكثر الفقهاء الأوائل كالغزالي والجويني والرازي والقرافي وابن رشد أنهم كانوا يتقنون الطب والفلك والهندسة ويزاوجون بينها وبين علوم التفسير والحديث والفقه توظيفًا لمقاصد الشرع في تعبيد الناس لله عز وجل. والحقيقة أن حالة الفقه المعاصرة هي حالة مرضية قد تقلصت دوائره المؤثرة حتى أصبح فقهًا لا يمت إلى واقعنا بصلة. ولولا ضرورة البحث في مشكلات الطب والاقتصاد التي فرضت نفسها على فقهائنا المعاصرين، وجعلت قيم الفقه على محك الصلاحية والمصداقية لما تحرك الفقهاء ولما وُلِدت المجامع الفقهية. وأعتقد أن تلك الحركة الفقهية المعالجة للنوازل الجديدة، جاء أكثرها كردود فعل للظروف والتساؤلات الملحة من الناس، وليس الفقه المعاصر هو الذي اقتحم أغوارها وأسس ميدانها؛ ولذلك تأتي أكثرها على هيئة بحوث فردية أو قرارات مجمعية سنوية في مقابل مئات الكليات الشرعية مئات الألوف من الفقهاء القابعين خارج الزمن الذى يُنتظر منهم دور يليق بشرف العلم الذى يدرسونه. والمطالبة هنا بدور أمثل للفقه ليس خروجاً عن متطلبات الفقه الذى أسسه السلف وطوّره الخلف حتى القرن التاسع الهجري، بل هو الواجب الحقيقي والتجديدي للتحضر الإسلامي المنشود، والعودة بالفقهاء إلى مراكز البحث والوقوف صفًا واحدًا في معامل التجريب مع قرنائهم في العلوم الطبيعية الأخرى؛ من أجل عودة تصحيحية لفقه العمران بعد خروجه من كنف العلوم الإسلامية.
مقاصد التحضّر في الشريعة الإسلامية
أولًا: مقصد عمارة الأرض في الشريعة الإسلامية:
إن الله – سبحانه وتعالى- خلق الإنسان في الحياة الدنيا لغايتين: عبادته سبحانه كما شرع، وعمارة أرضه كما أمر. والإمام الراغب الأصفهاني اعتبر عمارة الأرض أحد مقاصد ثلاثة أساسية خُلق لها الإنسان، وهي العبادة والخلافة والعمارة[8]. وكان الخطاب القرآني يرتكز على مفاهيم وأشكال العبادة أكثر من تركيزه على آليات العمارة، وذلك أن العبادة تلبستها صور عديدة من الشرك والانحراف أدت إلى فساد الحرث والنسل؛ ولأن في صحتها وقوامها المطلوب قوامًا للحياة ومعاشًا للناس. ثم إن عمارة الأرض تتوافق مع ما جبل الله تعالى الإنسان عليه من حب التملك والتنافس والتكاثر، فهو يحتاج إلى الاعتدال في طلبه والامتثال في عمله، ولا يصلح حاله إلا بشرع مسدّد ووحي ملزم يهذب طبعه من الانحراف والتجاوز. ولا يعني ذلك أن القرآن قد أهمل الطلب أو نفاه، بل قد جاء في أكثر من أية تعزيز القيام بالعمارة، كقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30).
وقد قال البيضاوي في تفسيرها: “والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه، والهاء فيه للمبالغة، والمراد به آدم (عليه السلام) لأنه كان خليفة الله في أرضه، وكذلك كل نبي استخلفه الله في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم”[9]. وقال ابن عاشور مؤكدًا معنى العمارة: «فالخليفة آدم وخَلَفِيَّتُه قيامه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض بالإلهام أو بالوحي، وتلقين ذريته مراد الله تعالى من هذا العالم الأرضي”[10].
وقال تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فيها) (هود: ٦١).
قال الطبري مؤكدًا معنى العمارة في الآية: (واستعمركم فيها)، يقول: “وجعلكم عُمَّارا فيها”[11]، وقال البيضاوي: “(واستعمركم فيها) عمركم فيها واستبقاكم من العمر، أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها”[12]، فالإنشاء من الأرض هو في خلق آدم من الأرض؛ لأنّ إنشاءه إنشاء لنسله، وإنما ذكر تعلّق خلقهم بالأرض لأنهم كانوا أهل غرس وزرع. كما قال تعالى: (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعِ وَنَخْلِ طَلْعُهَا هَضِيمٌ) (الشعراء: ١٤٦- ١٤٨)، ولأنهم كانوا ينحتون من جبال الأرض بيوتًا ويبنون في الأرض قصورًا، كما قال في الآية الأخرى: (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا) (الأعراف: 74)، فكانت لهم منافع من الأرض تناسب نعمة إنشائهم من الأرض، فلأجل منافعهم في الأرض قيدت نعمة الخلق بأنها من الأرض التي أنشئوا منها، ولذلك عطف عليه (واستعمركم فيها).
والاستعمار عند كثير من المفسرين هو الإعمار أي جعلكم عامرين لها، فالسين والتاء للمبالغة كالتي في استبقى واستفاق. ومعنى الإعمار أنهم جعلوا الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع؛ لأن ذلك يعد تعميرًا للأرض حتى سمي الحرث عمارة؛ لأن المقصود منه عمر الأرض[13].
فمقصود هذه الآيات وغيرها واضح الدلالة في بيان مقصود العمارة من خلق الإنسان، وأنه واجب على مجموع الخليقة في القيام به، وقد نص على حكم الوجوب الإمام الجصاص في قوله: “)واستعمركم فيها( يعني أمركم من عمارتها بما تحتاجون إليه، وفيه الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية”[14]. وذهب بعض المفسرين كالقرطبي إلى وجوبه، كما نقل عن بعض السلف في قوله: “قال زيد بن أسلم: أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها من بناء مساكن، وغرس أشجار. وقيل: المعنى ألهمكم عمارتها من الحرث والغرس وحفر الأنهار وغيرها.. قال ابن عربي: قال بعض علماء الشافعية: “الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب”[15]، وليس هذا التكليف خارجًا عن مفاهيم الطلب كما زعم بعضهم، بل دلالة العمل الإعماري واضحة المعنى ولا تخالف مفهوم العمارة الإيمانية لأنها ثابتة وواجبة في كل أفعال الخلق منذ التكليف، سواء عملوا في معاشهم أم معادهم، فصرف المعنى عن العمارة الدنيوية مخالف لسياق الآيات وتفسير الأئمة.
فعمارة الأرض بما يحقق حسن السير فيها والقيام بمعاشها واحتياج الخلق منها يعدّ من أعظم مقاصد التشريع الذي جاءت بالدلالة عليه جزئيات الشريعة وكلياتها. وقد حكى هذا المقصد العام من التشريع غير واحد من علماء الفقه والأصول، ومنهم الإمام ابن عاشور في قوله: «إن من أكبر مقاصد الشريعة الانتفاع بالثروة العامة بين أفراد الأمة على وجوه جامعة بين رعْي المنفعة العامة ورعْي الوجدان الخاص، وذلك بمراعاة العدل مع الذي كدّ لجمع المال وكسبه، ومراعاة الإحسان للذي بطّأ به جهده، وهذا المقصد من أشرف المقاصد التشريعية”[16].
ويقول الشيخ علال الفاسي: “المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها وصلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كُلفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع”[17].
فعمارة الأرض بالبناء والصناعة والزراعة والانتفاع بما في باطنها من معادن وخيرات مطلوب من الناس عامة، ومن المسلمين خاصةً، فهو من مقتضيات الاستخلاف العام للناس في الأرض. قال الإمام الغزالي: «فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم”[18].
ولذلك كان قصد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- من ضرب الخراج وعدم تقسيمه على الغزاة، أن تبقى الأرض عامرة بالزراعة، فأهلها أقدر من الغانمين على ذلك لتوفر الخبرة والقدرة على الزراعة؛ ولذلك قال في أهلها: يكونون عمّار الأرض فهم أعلم بها وأقوى عليها.
وقد سلك عمر – رضي الله عنه- في ذلك مسلك النبي – صلى الله عليه وسلم- حينما فُتحت خيبر وصارت الأرض والأموال المغنومة تحت يده، ولم يكن له من العمال ما يكفون عمارة الأرض وزراعتها، دفعها إلى أهلها على أن يزرعوها ولهم نصف ثمرتها، وبقيت على ذلك طيلة حياة النبي – صلى الله عليه وسلم- وحياة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه-.
فالعمران المدني في حياة الناس ليس هامشيًا أو بعيدًا عن مراد الشرع، بل جاء في أعظم مقاصد الدين. ولا ينبغي للمكلف أن يكون مقصوده مخالفًا لمقصد الشارع، وهذا يقتضي أن العمل والبناء والزراعة والصناعة وصنوف التعمير هي من مقاصد الشرع الحنيف المطلوبة من عموم المسلمين[19].
ثانيًا: مصالح الخلق في عمارة الأرض:
إن الخلافة التي جعلها الله للإنسان في الأرض من أجل أن يُصلح ولا يُفسد، بل ليحذر من سبيل المفسدين. فقد دلّ على ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القُرُونَ مِن قَبْلِكُم لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُم رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ. ثُمَّ جَعَلْنَاكُم خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لننْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (يونس:13).
فالآية نصت على أن سبيل الاستخلاف والبقاء وعدم الهلاك، هو في البُعد عن كل صور الظلم والإجرام كما جاء في وصف الهالكين في الآية، فتبين أن مصالح الخلق لا تجري وفق قوانين الاستبداد، وعمارة الأرض لا تكون إلا بتحقيق هذه المصالح وتنقية الأرض من كل صور الظلم والجريمة؛ لهذا كانت وصية الأنبياء لبعضهم: (اخْلُفني في قَوْمِي وَأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ) (الأعراف: 142). فالأرض التي تقوم على التخلف والجهل والضعف هي المناخ الملائم لنمو الإفساد والاستبداد، ولا يتصور دعوة الأنبياء إلا وقد انتشلت الناس نحو التطهير العقدي والظهور المدني، الذي به تُحفظ حياتهم وتتحقق مصالحهم الدنيوية.
كما يجب الإشارة إلى أن هناك طلبًا تشريعيًا يوجَه إلى الأمة كلها – من دون أمر الأفراد بأعيانهم- بالقيام بمصالح الخلق وهو ما يطلق عليه (فروض الكفايات)، وهو كما عرفه ابن عبد السلام: “إن المقصود لفرض الكفاية تحصيل المصالح ودرء المفاسد دون ابتلاء الأعيان بتكليفه”[20]. ولا شك في أن عمارة الأرض من أهم تلك المطالب العامة لضرورتها في حياة الخلق. وقد عدّ الإمام الشاطبي فروض الكفايات العامة من الضرورات اللازمة التي لا بد من القيام بها لصالح معاش الناس، وذلك بعد أن عدد بعض هذه الفروض، قال: “وغير ذلك من الأمور التي شرعت عامة لمصالح عامة إذا فرض عدمها أو ترك الناس لها انخرم النظام”[21]، وانخرام النظام من أعظم مفاسد الأمم والمجتمعات.
وقال الإمام القرافي: “أحوال الأمة والنظر في مصالح الملة فإنه من أهم فروض الكفاية”[22]، فالتعمير والبناء وإصلاح أحوال المجتمع هي فروض عامة لا تسقط إلا بالقيام الكافي بهذا المطلوب، وإلا أثِمَتْ الأمة بتركها هذا الواجب العام. والناظر في أحوال المسلمين اليوم يرى حجم النقص والتقصير الكبير في واجب عمارة الأرض وضياع حضارتهم، خصوصًا في المجالات المدنية كالصناعات والتقنيات الدقيقة ومجال الاتصالات وتقنية المعلومات ومجال المكتشفات الطبية والعلمية المختلفة. ولا أظن أحدًا يخالف في أهميتها للمسلمين، وقد نص أكثر من إمام على وجوب العمل لتغطية الاحتياج العام في هذه المجالات وغيرها، ومنهم الإمام الزركشي في قوله: “الحرف والصناعات وما به قوام المعاش كالبيع والشراء والحراثة، وما لا بد منه حتى الحجامة والكنس وعليه عمل الحديث “اختلاف أمتي رحمة للناس”، ومن لطف الله – عز وجل- جبلت النفوس على القيام بها، ولو فرض امتناع الخلق منها أثموا ولم يحك الرافعي والنووي فيه خلافًا”[23].
ففروض الكفايات التي توجه الطلب التكليفي فيها إلى العمل ذاته من دون طلب المكلف على وجه التحديد، تؤكد أن هذه الفروض تتطلب قيامًا مدنيًا بتحقيقها في أرض الواقع، ولو كان القائم بها فردًا واحدًا. ويترتب على الأمة كلها الحرج والمساءلة إذا لم تغط الاحتياج الكافي لهذه المهام المدنية، وبالتالي تقع تبعة التكليف في شؤون الإعمار على جميع الأمة إلا أن يتصدى بعضها للعمل فيسقط الحرج عن الجميع. ومن تأمل في مظاهر الفقر والجهل وضعف التنمية وقلة الصادرات في مقابل استيراد أكثر الاحتياجات، لعلِم مقدار الحرج التكليفي، الذي لا ينبه له الوعاظ ولا يبحثه الفقهاء بالرغم من نصوص التكليف الواضحة بالطلب.
ثالثًا: تسخير الكون لأجل الإنسان وعمارة أرضه
إن الأمة التي تُرك فيها القرآن الكريم كمعجزة خالدة ومنهج حياة مستمر، قادرة على أن تستلهم منه مصادر قوتها وعلاج مشكلاتها، ولن تعجز آيات الكتاب ودلالاته الباهرة في إرشاد البشر وتعريفهم بطريق النجاة والفلاح، مهما كان حجم التغيرات في الحياة الإنسانية، ومن دون الحاجة إلى إنزال الكتب أو إرسال الرسل، كما كان الحال قبل بعثة النبي محمد (عليه السلام).
هذا المقصد الكلي القرآني خاطب الإنسان بكل جوانب التأثير فيه؛ عقله وروحه ووجدانه وغرائزه، وبأسلوب نافذ يخترق أعماق النفس البشرية. لهذا أعجب من تكرار القرآن طلب التفكر في الآيات بعد الكثير من الأوامر أو النواهي، إلا من أجل استلهام معاني تلك الأوامر وفهم دلالاتها في الحياة.
أطرح في هذا الكتاب فكرة السؤال حول التسخير الذي ورد في عدة آيات من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) (إبراهيم: 32- 33). وقوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا في السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية: 13). وقوله تعالى: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (الحج: 37). وغيرها من الآيات الكثيرة والمتنوعة.
لماذا يُسخَّر للإنسان كل ما في الكون؟ هذا السؤال يتجاوز طبيعة البشر الأرضية وغفلتهم الدنيوية، وينقلهم نحو عالم آخر من التكريم والعلو الاستخلافي، إنه يبصِّرهم بمهمتهم الكبرى في تحويل هذه المسخّرات لتكون عونًا في عمارة الأرض وبنائها وحسن الإقامة فيها.
لا أعتقد أن هذا التسخير الذي تكاثر ذكره، إلا شاحذ رئيسي نحو اكتشاف نواميس هذا الكون وكيفية خدمة الإنسان بهذه المسخرات، ومخاطبة عقله بهذا الأمر الدقيق في تحديد مهامه الصالحة وعدم تضييع وقته في مجالات لا تفيد، فينبغي أن يتفتق ذهنه بالمخترعات والمكتشفات الحياتية التي تسهل عليه البناء، والحصول على الغذاء، وبلوغ السماء، وتوفير الرخاء، وتيسير المصاعب، وتقليل المخاوف، وغيرها مما يشغل بني الإنسان ويرهقه في حياته.
هذا الخطاب الذي حاول أسلاف الأمة أن يجيبوا عنه من خلال حركة الكشوف والمخترعات بعد القرن الهجري الثاني، أُحبِط بخطاب ساخر يقلل من شأنها ويستخف من جدواها، ويخرج الأوامر الربانية من معناها نحو انكسار كاذب يزهد في الدنيا من دون تمييز، ويحث على الخمول الفارغ من غير تأثير. واستمر هذا الانحراف التصوفي في إبعاد الأمة من مراتب الريادة والقيادة إلى التبعية والاستعمار بعد ذلك.
إن أي حركة تجديد أو إحياء ديني تهمل هذا السؤال التسخيري، وتحذر منه تحت ستار الذم للدنيا أو الإقبال على الآخرة، هو ارتكاس تبعي يُضيّع المسلم من دنياه وأخراه معًا، ويهمش وحدانية الله بألا يبقى الكون لله، ويُترك شأن الاستخلاف لغير عباد الله.
إننا ما لم نعد جوابًا عمليًا يخرج المسلم من وهن التخلف ورهبة الإقدام من التطوير، وإلا فالخسارة لا تقتصر على الدنيا فقط، بل حتى في الحصاد الأخروي كذلك، لِما جاء عن النبي (عليه السلام) أنه قال: “يُؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني”[24]. وهذا يعني أن السؤال يشمل ما سخره الله للإنسان ولم يستفد منه؛ فالتقصير في الانتفاع مما سخر الله تعالى صفة من يكذب بلقاء الله يوم القيامة ولا يهتدي إلى وحدانيته. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق: 37).
رابعًا: الشهود الحضاري على الأمم بعمارة الأرض وفق مراد الله تعالى
يقول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143). ويقول تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: 110). فهذه الأوصاف التي جعلت الأمة شاهدة على الناس وصاحبة الخيرية على جميع الأمم هي أوصاف تعليلية، وذلك كونهم وسطًا معتدلًا بين الغلاة والمقصرين، ولقيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعموم معناه وشمول مبناه[25]. وما قُدِم وصف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان إلا لدوره الكبير في الإصلاح المدني، وكونه أساس خيرية الأمة جمعاء كجنس عام، وتأخر وصف الإيمان – والله تعالى أعلم- لأنه أساس قوة الفرد وصلاحه كجزء من الأمة، أما المجتمع فإنه يحتاج إلى مقومات تبنيه وتحميه والأمر والنهي نظام قوة يمنع الفساد ويظهر الصلاح.
فأمة بهذه الأوصاف الجليلة لها دورًا متميزًا عن الآخرين وتفوقًا في مقامها الديني والدنيوي، كما إن الشهادة بمفهومها العام والخاص لا يتحملها أحد إلا مَن كان عالِمًا واعيًا قادرًا على أداء ما سيشهد به أو عليه؛ ولذلك كان على الأمة جمعاء واجب القيام بأسباب الخيرية وحسن الأداء وجودة العطاء، وبث الفضيلة والمعروف بين الناس وإزالة أسباب الفساد والمنكرات، ولا أظن أن عمارة الأرض وحسن إعداد مجتمعاتنا الإسلامية إلا من قبيل هذه المهمة العظيمة.
وتدعيمًا لهذا الوصف الشهودي للأمة الدافع لعمران الأرض والتقدم بها، كتب الأستاذ عمر عبيد حسنة: “إن عملية التحضير لردم فجوة التخلف وعودة الشهود الحضاري والتأهيل لمعاودة الإقلاع واستئناف دور الأمة في البناء الحضاري وبناء رؤية مستقبلية، سوف لا يتحقق لها النجاح ما لم تأخذ في اعتبارها استيعاب الماضي، بكل معطياته، كما تقتضي الإحاطة بالحاضر، بكل مكوناته، كمقدمة للمستقبل، ومن ثم إبصار المستقبل وتوفير واكتساب أدوات بنائه واستكمالها.
ولعلنا لا نأتي بجديد إذا أكدنا أن أي انطلاق من جديد، أو أي إقلاع حضاري، لا بد له من الإحاطة بمرحلة القدوة على وجه الخصوص، ذلك أن نهوض أي مجتمع أو معاودة توليده مرهون إلى حد كبير بإعادة استدعاء وتمثل ظروف وشروط ميلاده الأول، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها كما قال الإمام مالك رحمه الله.
ذلك أن استقراء الشهود الحضاري، أو استقراء النهوض الحضاري على مستوى الذات (والآخر) بشكل موضوعي ومنهجي، يؤكد أن فترات التألق والنهوض والإبداع وامتلاك القدرة على التجاوز والإقلاع، إنما تمت عند امتلاك القدرة على إعادة بناء المنطلقات وتوفير الظروف والشروط الملائمة لامتدادها وتجسيدها في واقع الحال. وفي تاريخنا الحضاري، على تقلباته المتعددة، وتضاريسه المختلفة نبصر هذه المعادلة بما لا يدع مجالًا للشك أن فترات التألق والإبداع والنهوض إنما بدأت بتصويب المنطلقات وإصلاح الخلل.
فالعطاء الحضاري أو الإنجاز الحضاري، على الأصعدة المتعددة، إنما هو التجلي الكلي والأساس لثقافة الأمة ورؤيتها للكون والحياة، أو بعبارة أخرى، إن عالم الأشياء مدين في وجوده وصموده وامتداده إلى التزود من عالم الأفكار، وإن نمو عالم الأفكار وسلامته وتقبله وانتشاره مشروط بقدرته على ترجمة القيم واستحضار المرجعيات وتجسيدها في واقع الناس، من خلال الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة، وامتلاك الخصوبة والقدرة على إبداع أوعية التعامل معها، وامتلاك القدرة على تجريدها من ظروف الزمان والمكان والأشخاص، والقدرة على توليدها في كل زمان ومكان وتجمع بشري، بحسب إمكاناته وظروفه”[26].
خامسًا: رعاية النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه للعمران الدنيوي
هناك شواهد نبوية ومن أفعال الصحابة ما يدل على عنايتهم بالبناء واهتمامهم بالعمل المدني. ولكن يقابل ذلك شواهد أخرى تدعو إلى الحذر من الركون إلى الدنيا، ووصف العمران بأنه من علامات الأمم الغابرة التي كفرت بأنعم الله واستحقت العذاب بسبب انشغالها بذلك، كقوم صالح وقوم هود وفرعون ذي الأوتاد. ونصوص الذم للدنيا والانشغال بها تفوق الحصر، بل قد صنف كثير من أهل العلم مصنفات كبرى في الزهد وطلب الآخرة[27].
- شبهات حول محاربة الإسلام للدنيا وأهمية الزهد بها
وهنا يطرأ سؤال مهم، هل العمران مذموم في سنة الرسول (عليه السلام) وهي المبيّنة للقرآن والكاشفة عن أحكامه ومقاصده؟ ويمكن الجواب عن هذا السؤال في النقاط الآتية:
- أ- إن مفهوم العمران ليس مفهومًا ماديًا بحتًا، وإنما هو أثر لقوة العلم والقيم وعمق الوعي بسنن التحضر والمدنية، وأكثر نصوص الوحي كانت لهذا البناء الإنساني أولًا، وإيجاد المستلزمات الضرورية لإصلاح معتقده ونفي صور الانحرافات الشركية والكفرية من عقله وسلوكه، وتنقيته من رواسب الجاهلية وأخلاقياتها المادية. وهذا ملاحظ في عمق الربط بالآخرة وتقوية الصلة بالله في الفترة الأولى المكية من دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم)؛ ولذلك كان العمل هو صياغة ولادة جديدة لمجتمع نقي الباطن، قادر على تحمل تكاليف النهضة الجديدة وانشغالاتها وتبعاتها العمرانية على الأنفس والسلوك.
- ب- إن واقع النبي (عليه السلام) وأصحابه لم يكن واقعًا منكفئ الصلة بوجوه المدنية القليلة حولهم، بل كانوا أصحاب عمل وحرف وصناعات مختلفة، ولم تصرفهم أعباء الدعوة وبناء الدولة عن ذلك. والشواهد من حياة عثمان وابن عمر وابن عباس والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف تؤكد حجم الاهتمام بالتجارة والعمل، ولكن لم يكن هناك نزوع نحو الإسراف والترف والمطاولة بالعمران، والمنافسة على تسخير المجتمع نحو مشاريع فردية كقصور وإيوانات ومقابر، كما هو حال فراعنة مصر أو أكاسرة الفرس أو قياصرة الروم. يقول الإمام ابن الجوزي مجيبًا على شبهة الانحراف عن عمارة الدنيا تحت ذريعة التزهد: “تأملت أحوال الصوفية والزهاد؛ فرأيت أكثرها منحرفًا عن الشريعة بين جهل بالشرع وابتداع بالرأي، ويستدلون بآيات لا يفهمون معناها وبأحاديث لها أسباب وجمهورها لا يثبت، فمن ذلك أنهم سمعوا في القرآن العزيز قوله: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: 20). ثم سمعوا في الحديث: “لَلدنيا أهون على الله من شاة ميتة على أهلها”، فبالغوا في هجرها من غير بحث عن حقيقتها. وذلك أنه ما لم يُعرف حقيقة الشيء فلا يجوز أن يُمدح ولا أن يُذم. فإذا بحثنا عن الدنيا رأينا هذه الأرض البسيطة التي جُعلت قرارًا للخلق تخرج منها أقواتهم، ويدفن فيها أمواتهم، ومثل هذا لا يذم لموضع المصلحة فيه. ورأينا ما عليها من ماء وزرع وحيوان كله لمصالح الآدمي، وفيه حفظ لسبب بقائه. ورأينا بقاء الآدمي سببًا لمعرفة ربه وطاعته إياه وخدمته، وما كان سببًا لبقاء العارف العابد يمدح ولا يذم، فبان لنا أن الذم إنما هو لأفعال الجاهل أو العاصي في الدنيا، فإنه إذا اقتنى المال المباح وأدى زكاته لم يُلم، فقد عُلم ما خلف الزبير وابن عوف وغيرهما، وبلغت صدقة علي (رضي الله عنه) أربعين ألفًا، وخلف ابن مسعود تسعين ألفًا، وكان الليث بن سعد يشتغل كل سنة عشرين ألفًا، وكان سفيان يتجر بمال، وكان ابن مهدي يشتغل كل سنة ألفي دينار”[28].
- ج- إن هناك شواهد أخرى بالغة المعنى تدل على حقيقة العمران لا من جانبه المادي الظاهري، بل من خلال تأسيس روح العمل وقيم المبادرة وسلوك الوحدة الجماعية، التي لا تنظر إلى فرديتها بقدر ما تحمل من هموم الجماعة ومصالحها، ومن ذلك حديث أنس (رضي الله عنه)، “عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها”[29]. يقول الإمام المناوي في شرح معنى الحديث: «والحاصل أنه مبالغة في الحث على غرس الأشجار وحفر الأنهار؛ لتبقى هذه الدار عامرة إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها، فكما غرس لك غيرك فانتفعت به، فاغرس لمن يجيء بعدك لينتفع، وإن لم يبق من الدنيا إلا صبابة، وذلك بهذا القصد لا ينافي الزهد والتقلل من الدنيا”[30].
ومن هنا نعلم أن العمارة الحقيقية إنما تبدأ من فكر الإنسان وتنمية وعيه بقيم الحقوق والواجبات العمرانية ولو فقدت هذه الأحكام والمبادئ لأصبحت مهمة العمران من مفاسد الأرض وجلب الظلم وانتهاك حقوق الأفراد، وهذا ما قصده ابن خلدون في قوله: “إن الحضارة مفسدة للعمران”[31] من حيث وصولها إلى مرحلة الترف المؤدي إلى فساد الأخلاق وتمزق المجتمع، وذهاب ثروته نحو طبقة متفردة تنتهي بها الدولة[32].
يظهر مما مضى أن فقه العمران فقه جديد يحتاج اليه المجتمع في حركة نموه واطراد حاجاته، مثل دواعي الفقه المصرفي والطبي والسياسي وغيرها. وأعتقد أن الحـاجة ماسة إلى فقه عمراني يؤصل بواعث العمل نحو التحضر المدني ويرسخ مفاهيمه الإسلامية، ويقرر تفرد الأمة بمنهج حضاري يقي العالم من إفرازات وسلبيات الحضارة المدنية الراهنة وعولمتها التي اجتاحت العالم بأسره. وهذه المحاولة لتأصيل (فقه العمران) لعلها تفتح الباب لأهل العلم والبحـث لمزيد تنظير وتأطير، وجمع للأحكام الفقهية المؤسسة لفعل رشيد يبني الدنيا وهو يعمر الآخرة.
منطلقات في بناء الوعي الحضاري
بعد بيان أهمية الوعي الحضاري ومنزلته في إحداث التغيير لمجتمعاتنا المتخلفة وتأصيل مشروعية فقه العمران، أرى من المهم العمل الجاد على تشجيع التوجه نحو صياغة الذهنية الإسلامية لتأطير الوعي في كل مناحي الحياة.
وكل مشروع يراد له النجاح في أرض الواقع حتى لو بلغ من التخطيط والإعداد منتهاه، ولكن لم تعهِ العقول المنفذة ولم تدركه أفهامهم، وأقحموا في التنفيذ من غير وعي، فسوف يكون الحال بخلاف ما عليه التخطيط للمشروع ؛ لذلك نحتاج في إعادة عمران مجتمعاتنا إلى “إعادة تشكيل الذهن وتعميق التصور وتنمية الفكر نحو الرسالة الحضارية للإسلام بكل شمولها للمجالات العبادية والعمرانية، وعمومها للزمان والمكان والأفراد”.
فالبدء بالوعي هو أشبه بخطاب لعقل المسلم يعيد فيه قراءة الشريعة الإسلامية، التي جاءت بالإشهاد على الناس من خلال سماحة الشرع وتقدمية أحكامه، ودوره في علاج مشكلات المجتمعات والنهوض بأفراده.
ومن المعلوم أن أي تحضر لأمة من الأمم لا بد من أن يُسبق بفكرة تنطبع في أذهان أصحابها إلى درجة الاعتقاد الجازم المفضي إلى البناء المشترك والعمران الحضاري. يقول مالك بن نبي: “إن حضارة ما هي نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر، الدفعة التي تدخل به التاريخ”، وهو ما أثبته توينبي من دور عظيم للفكرة – وبالذات الدينية – من أثر في تأسيس الحضارات؛ لذلك كان التركيز على إعادة إظهار هذه الفكرة بتوعية المسلمين بها وتعميقها في أذهانهم وأنفسهم، كما نطق بها القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143)، ويقول تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بالله) (آل عمران: 110)، وهو الدور الذي قام به (صلى الله عليه وسلم) في إحداث التحضر العظيم الذي أسسه في المدينة وانطلق إلى أصقاع الأرض. وهذا الوضوح في الفكرة نطق بها ربعي بن عامر إجابة على سؤال رستم له عن سبب هذه الحركة التغييرية التي تقومون بها، فقال له ربعي: «إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى سعة الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة»[33].
ثم إن الوعي هو الوقود الحقيقي لحركة العمران التي انطفأت في الأمة منذ قرون. ولا بد من إشعال الوعي الحضاري الذي يدركه كل مسلم وينطلق من خلاله إلى الإصلاح والتغيير؛ فالهدف من تأصيل فقه العمران هو من أجل الإسهام في تنوير الوعي بهذا الدور، وإصلاح الذهن لهذه الانطلاقة الحضارية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* منقول بتصرف من:
مسفر بن علي القحطاني (2013). الوعي الحضاري: مقاربات مقاصدية لفقه العمران الإسلامي. ط. 2. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر. ص ص. 69- 112.
** باحث ومفكر وأكاديمي سعودي، أستاذ بقسم الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. خبير في المجمع الفقهي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي.
[1] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ط ۷ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، (۲۰۰۱)، ص ۱۳۰.
[2] أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون (بيروت: دار القلم، ١٩٨٤)، ج 1، ص ٣٣.
[3] المصدر نفسه، ج ۱، ص ۳۲.
[4] انظر : الإمام الفتوحي ابن النجار)، شرح الكوكب المنير، ج ۳، ص ٤٤
[5] أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، الضروري في علم الأصول، ص 1.
[6] ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ج ۱، ص ٢٢٦.
[7] عز الدين فرج، فضل علماء المسلمين على الحضارة الأوروبية (د. م. دار الفكر العربي (۲۰۰۲)، ومايكل ،مرجان تاريخ ضائع التراث الخالد العلماء الإسلام ومفكريه) (القاهرة: نهضة مصر، (۲۰۰۸).
[8] انظر : الراغب الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، ص ٣١-٣٢.
[9] أبو سعيد عبد الله بن عمر البيضاوي، تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ج 1، ص 64.
[10] الطاهر بن عاشور التحرير والتنوير (الطبعة التونسية)، ج ۱، ص ۲۰۸، وابن القيم الجوزية، مفتاح دار السعادة [د. م.]: دار الفكر د. ت.])، ج ۱، ص 151 كلام مفيد وتفصيل رشيد حول خلافة الله في أرضه.
[11] محمد بن جرير الطبري، تفسير الطبري، تحقيق احمد شاكر (بیروت: مؤسسة الرسالة (۲۰۰۰)، ج ١٥ ، ص ٣٦٨.
[12] البيضاوي، تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ج ۳، ص ۱۰۳.
[13] بن عاشور التحرير والتنوير، ج ۷، ص ١٦٣. والمعنى اللغوي في العمارة أو الاستعمار يراد به عمارة الأرض بالزرع والحرث والبناء، وهو قول كثير من أئمة اللغة، ومنهم ابن فارس حيث يقول: «من الباب عمارة الأرض، يقال عمر الناسُ الأرض عمارة، وهم يَعْمُرُونها، وهي عامرة معمورة. وقولهم : عامرة محمول على عُمَرتِ الأرضُ، والمعمورة من عمرت. والاسم والمصدر العمران واستعمر الله تعالى الناس في الأرض ليعمروها. والباب كله يؤول إلى هذا. انظر: أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، س ١١٤. حقيق عبد السلام هارون (بيروت: دار الجيل ، ١٤١١هـ / ١٩٩٠م)، ج ٤، ص 114.
[14] أبو بكر أحمد الرازي الجصاص، أحكام القرآن (بيروت: دار كتب العلمية، ١٤١٥هـ / ١٩٩٤م)، ج ۳، ص ۳۷۸.
[15] أبو عبد الله القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، تحقيق هشام سمير البخاري [د. م. عالم الكتب، ١٤٢٣هـ / ٢٠٠٣م)، ج ۹، ص ٥٦.
[16] بن عاشور التحرير والتنوير، ج ۲، ص ٤٤٩.
[17] علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، ط ه (بيروت :دار الغرب الإسلامي، ١٩٩٣)، ص ٤١-٤٢.
[18] أبو حامد الغزالي المستصفى بولاق مصور من المطبعة الأميرية، ١٣٢٢ هـ / ١٩٠٤م)، ج 1، ص ٤٨٣.
[19] عبد المجيد النجار، خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، ط 3 (هيردن، فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، (۲۰۰۵)، ص ٦١-٨٣.
[20] العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (دمشق: دار الطباع، ۱۹۹۲)، ج ۱، ص ٦٩.
[21] أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات تحقيق عبد الله دراز (بيروت: دار المعرفة، [د. ت.])، ج ۲، ص ۱۸۰.
[22] شهاب الدين القرافي الفروق تصوير عالم الكتب، بيروت، ج ص ۹۲.
[23] محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، المنثور في القواعد، تحقيق تيسير فائق أحمد الكويت: وزارة الشؤون الإسلامية، [د. ت.])، ج ۳، ص ٣٥، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، الأشباه والنظائر (بیروت: دار الكتاب العربي ١٤٠٧هـ / ١٩٨٦م)، ج ۲، ص ٢٥١.
[24] رواه الترمذي وقال حديث صحيح ٦١٨/٤ رقمه (٢٤٢٨).
[25] أبو الحسن الماوردي، النكت والعيون، ج ١، ص ٢٥٢؛ أبو محمد الحسين البغوي معالم التنزيل تحقيق محمد النمر، عثمان ضميرة وسليمان الحرش، ط ٤ الرياض دار طيبة، ١٤١٧هـ / ١٩٩٦م)، ج ۲، ص ۸۹، وبن عاشور، التحرير والتنوير، ج ۳، ص ١٨٦.
[26] مقدمة عمر عبيد حسنة لكتاب: نعمان عبد الرزاق السامرائي، نحن والحضارة والشهود (الجزء الأول)، سلسلة كتاب الأمة؛ العدد ٨٠ (الدوحة: مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، [د. ت.]).
[27] انظر على سبيل المثال : الزهد لأحمد ابن حنبل، والزهد لهناد بن السري، والزهد لوكيع ابن الجراح، والزهد والرقائق لابن المبارك، والزهد لابن أبي عاصم وغيرهم كثير.
[28] ابن الجوزي صيد الخاطر، ج ۱، ص ۲۷
[29] رواه الإمام أحمد ۳/۱۸۳ ، ۱۸۴ ، ۱۹۱، وصححه ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج ۱، ص ۳۸.
[30] محمد عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير، ط ۲ د. م.] دار المعرفة، ۱۳۹۱هـ / ۱۹۷۱م)، ج ۳، ص ۳۰.
[31] أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون (بیروت: دار القلم (۱۹۸۴)، ج ۳، ص ٤٧٥
[32] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ط ۷ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، (۲۰۰۱)، ص ۲۳۳ وما بعدها.
[33] الحافظ بن كثير الدمشقي البداية والنهاية (القاهرة: دار الريان للتراث، ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٧م)، ج ۷، ص ٤٦.
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies