عصر ما بعد الحقيقة*
د. محمد بهضوض**
نعيش منذ أعوام، في “عصر ما بعد الحقيقة”. ومفاد ذلك أنه ما عاد هناك “حقيقة” أو “واقع”، وإنما “تأويلات” أو “آراء” أو “وقائع بديلة” فحسب، مما طرح أسئلة عديدة، في عصر أضحى أفراده يجدون صعوبة بالغة في فهم ما يجري في عالمهم، والتمييز بين الصدق والكذب والخطأ والصواب، والحقيقة والتضليل؛ مما يفرض، بالتالي، أهمية تحليل هذه الظاهرة ومناقشتها.
أولًا: الخطاب والتكوين
إن ظاهرة “ما بعد الحقيقة” هي، في المقام الأول “خطاب”، أي مجموعة مفاهيم وسرديات أو نصوص ظهرت في فترة تاريخية معينة، وأدت إلى تكوين ظاهرة “ما بعد الحقيقة”، على نحو ما أضحى منتشرًا اليوم على الصعيد العالمي.
وقد أشار الفيلسوف الإيطالي موريزو فيراريس في كتابه) Post-vérité et autres énigmes ما بعد الحقيقة ومشكلات أخرى) إلى “أن ما بعد الحقيقة موضوع اجتماعي واقعي تمامًا، وهذا من حيث اهتمامه بقضايا تهم الجمهور، والتي تظهر على الإنترنت”[1]. ويضيف “أنه مثلها مثل أي موضوع اجتماعي، تقوم ما بعد الحقيقة على معايير فوق تاريخية، ومنها الإنسانية”.
هذا يعني أن “ظاهرة ما بعد الحقيقة” ليست ظاهرة عابرة ومرتبطة، مثلًا، بشخص معيَّن (ترامب) أو بحدث معين (مثل الانتخابات الماضية في الولايات المتحدة أو في المملكة المتحدة). ولكنها ظاهرة اعتبر فيراريس أنها “موضوع اجتماعي” بلغ من الأهمية “ما يستحق أن نخصص له كتابًا”، على حد قوله. نعم، لا شك في أن أشكال التضليل والهراء ليست جديدة، وأن الكذب كان بصورة دائمة مرافقًا للسياسة وللحياة ككل، لكن “مفهوم ما بعد الحقيقة مهم، وأن ظهوره يترجم الخصائص الأساسية للرأي العام المعاصر”[2]. وتكمن أهميته في أنه “حدث واقعي” ذو آثار سياسية واجتماعية مؤكَّدة، و”حدث نظري” يرتبط بتيار فلسفي معيَّن (ما بعد الحداثة)، في تفاعل جدلى مع عصر أو زمن تاریخي واختراعات تكنولوجية هائلة )كالشبكات الاجتماعية( ساهمَت، وما فتئت تساهم، في بنائه وانتشاره؛ مما يؤكد ما قيل، من أنه ليس موضوعًا هامشيًا، بقدر ما هو دليل على العصر الذي نعيش فيه، عصر الرأسمالية النيوليبرالية الفائقة، بمنتجاتها واختراعاتها وتأثيراتها في مصير العالم.
وفي هذا الصدد، يقول الفيلسوف كامبيي: “إن النجاح الذي حققه المدافعون عن ما بعد الحقيقة هو مؤشر على ما يجري في المجتمع الما بعد-حداثي الذي نعيشه، والذي يتميز بأزمة السلطة وتطور النسبية. بما يفيد بأن زمن فرض الحقيقة من خلال التفريق بين الحقيقة والزيف أضحى غير ذي أهمية. لكن، هل أخذنا في الاعتبار حقيقة نتائج هذا التخلي عن قول الحق؟ إن هذا يضرب في العمق الثقة في تقدم المعارف، ويمس كذلك الحد الأدنى من المعايير التي تمكننا من تحديد اتجاهنا في الحياة كبشر ومواطنين”[3]
وبالتالي، هل هناك وعي حقًا بكل مخاطر التخلي عن الحقيقة، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ وهل ذهبت الجهود التي ما زال بعض الفاعلين الرسميين والمدنيين يبذلها لأجل تفاديها (عن طريق تقصّي الحقائق مثلًا) إلى عمق الأشياء فعلًا؟ لكن لا بد قبل ذلك، من الاعتراف بـ “تصدع الحقيقة” الذي يفيد بـ “تزايد حدة الاختلاف حول الحقائق وتفسيراتها، وعدم وضوح الخط الفاصل بين الحقيقة والرأي، وتفضيل الرأي الشخصي على الحقيقة، وانخفاض الثقة في مصادر المعلومات الواقعية التي كانت تحظى بالاحترام إلى حين (الدولة، وسائل الإعلام… إلخ)[4].
ولكن هذا لا يمنع من القول، “إن ما بعد الحقيقة موضوع مركَّب (قديم/ حديث، واقعي/ نظري، اجتماعي/ فلسفي، محلي/ كوني … إلخ). والأهم أنه يعكس، على اختلاف أشكاله ومظاهره، حقيقة ثابتة، وهي تطّلع الإنسانية نحو الحقيقة، “واستعدادها في ذات الوقت للتراجع عنها كلما تخلى العقل عن وظيفته الرقابية”[5].
وإذا كان الأمر بهذه الهشاشة، فإنه يتطلب تحليلًا عميقًا كل مرة، لمعرفة الأسباب والنتائج، والنظر في ما يمكن عمله للحد من الخسائر المادية والمعنوية الناتجة عن ذلك. هذا ما جعل سقراط، مثلًا، يتدخل للحد من مخاطر السفسطائية على المجتمع اليوناني بدفاعه عن العقل. وهذا ما جعل ديكارت بدوره يتحرك فى الاتجاه ذاته، ضد المشككين فى زمنه. وهذا ما واصلته فلسفة التنوير بثورتها على أشكال الوصاية على العقل، وقامت به مدرسة فرانكفورت بنقدها العقلانية الحداثية. وهذا ما أضحى، أيضًا، يفرض اليوم ردًّا مماثلًا، يعيد إحياء العقل في جوانبه الإيجابية ضد جميع مخاطر “تصدع الحقيقة” جراء بعض أفكار فلسفة ما بعد الحداثة، أو بالأحرى جراء بعض تأويلاتها المتطرفة التي تتنكر للواقع والحقيقة، مما يتطلب الاشتغال الفلسفي على العلاقة المركبة والمتوترة دومًا بين الصواب والخطأ، الصدق والكذب، الواقع والخيال… إلخ، أي في النهاية بين الحقيقة وما بعد الحقيقة.
تعريف خطاب ما بعد الحقيقة:
بحسب المعجم، الخطاب لغة مشتق من فعل “خطب”، ويعني الحديث أو الكلام (الخطابة). أما اصطلاحًا، فيعنى أنه “كلام أو حديث موجَّه من مرسِل إلى متلقٍ لغرض التأثير فيه”. ومن هنا أهمية المدخل اللساني والسيميائي لمقاربة مفهوم “ما بعد الحقيقة”، وهو مفهوم مركب يتميز بخاصيتين: الأولى أنه يلتقي مع عدد من المفاهيم السائدة (ما بعد الحداثة، ما بعد التاريخ، ما بعد السياسة، ما بعد الاستعمار، ما بعد الوطنية … إلخ)، التي تشير إلى أننا نعيش في عصر المابعديات[6]. والأخرى أنه يلتقي أيضًا مع مفاهيم أخرى من حقله الدلالي مثل: الأخبار الزائفة، نظريات المؤامرة، تقصي الحقائق، الكذب، التضليل الإعلامي.
لكن كثرة المفاهيم لا تعني الوضوح بالضرورة، حيث إن “المشكلة مع المفاهيم هي أنها توحي بأنها تقول كل شيء، كي تنتهي إلى قول لا شيء. فهي “الكلمات السحرية” التي تعطي أصحابها الانطباع بأنهم يقبضون على الحقيقة[7]. على أي حال، فإن هذه الكلمات “السحرية” غالبًا ما تخضع للتنظير، مثلما عبَّرت عنه كلمات “ما بعد الحداثة” و”ما بعد التاريخ” و”ما بعد الاستعمار”، وتعبر عنه اليوم كلمة “ما بعد الحقيقة”. كما أشار الفيلسوف الإيطالي أن مفهوم “ما بعد الحقيقة” قد تحوَّل إلى خطاب يتداخل فيه ما هو فكري بما هو عملي، ويدخل في إطار” المؤسسات المنتجة للمعنى” في الدولة والمجتمع؛ كما سمّاها فانسان ديكوسي، مما يعني أن ما بعد الحقيقة كخطاب ما عاد يقتصر على مستوى اللفظ، بل تجاوزه لإنشاء خطاب أو حقل دلالي، بل وواقع خاص به[8]. فهو خطاب/واقع انتظمت حوله نشاطات عدة للتحليل في جميع مجالات المعرفة، حيث ظهرت مثلًا فى المجال النفسي دراسات وأعمال تبحث في الجوانب النفسية-المعرفية للإدراك والفهـم والسلوك، ظهرت أيضًا دراسات في المجال الاجتماعي أو علم النفس الاجتماعي، تبحث في المتخيل وأشكال الاعتقاد، كما ظهرت في المجال الفلسفي دراسات تنظر (أو بالأحرى تعيد النظر) في مفاهيم الحقيقة والرأي والتضليل والحقيقة وما بعدها، في ضوء مستجدات العصر.
ومن الوقائع التي خلَّفها مفهوم ما بعد الحقيقة، تحرك الحكومات والدول ومنظمات المجتمع المدني للنظر في كيفية مواجهة نتائجه على أرض الواقع، فظهرت في سبيل ذلك سياسات وطنية ودولية في الموضوع، وجرى اتخاذ إجراءات عملية (سن قوانين وإنشاء لجان وبناء مؤسسات وإنجاز برامج تربوية وتعبئة ميزانيات… إلخ)، ما يفيد بأننا ما عدنا إزاء إشكالية لغوية ومنطقية أو إبستيمولوجية مجردة، بل أمام “عالم واقعي” تشكَّل على الأرض. ومن هنا أهميته، والتحديات التي أضحى يطرحها، وفي مقدمتها التحديات السياسية بالذات.
ففى رأى الفيلسوفة الفرنسية كلودين ترسلين أن “ما كشفته ما بعد الحداثة في وضح النهار هي ضخامة شبح الآليات الهادفة إلى تأسيس هذا الشكل أو ذاك من الهيمنة السياسية. ومن ذلك مستوى أعلى من التشكيك القبيح إزاء الوقائع التى لا نريد تصديقها، والتى تذهب إلى حد التنكر للوقائع التى لا تلائم الطريقة التي يرى بها كل فرد الأشياء، والاتجاه إلى إيجاد وقائع بديلة عند اللزوم، حيث إن ما جرى تجاهله هو فكرة أن هناك أشياء حقيقية، بغض النظر عمّا نشعر به إزاءها”[9].
هذا ما يحيلنا إلى التعريف المذكور لـمعجم أكسفورد، الذي عرَّف ما بعد الحقيقة بأنها “الظروف التي تجعل الوقائع الموضوعية أقل تأثيرًا في دعم النقاش السياسي أو الرأي العام من نداءات العواطف والاعتقاد”. وهو التعريف الذي أفادنا بخاصيتين لما بعد الحقيقة، هما: الأولى هي التعارض الجوهري بين الواقع/الحقيقة والرأي/الاعتقاد، بما يفيد بأن ما بعد الحقيقة لا تهتم بالواقع بقدر ما تهتم برأيها فيه. والأخرى هي الأصل العاطفي للرأي أو الاعتقاد، بما يفيد بأن ما بعد الحقيقة تعتمد في تحليلها أساسًا على المشاعر والعواطف.
ونتيجة ذلك أن ما بعد الحقيقة لا تعترف بالواقع، أكان ذلك بوعي أم بلا وعي، وأن الرأي الذي تدافع عنه مبنيّ على العواطف أو المشاعر (العاطفة قبل المفهوم)، أي قائم في النهاية على الاعتقاد الخاص. كما أن “الما بعد” هذه المرتبطة بالحقيقة لا تعني أننا تجاوزنا الحقيقة على المستوى الزمني، بقدر ما تعني أنه ما عاد للحقيقة أهمية أصلًا في عالمنا المعاصر، وفق هذا التصور.
هذا ما يشكل خطوة أولى لفهم ظاهرة ما بعد الحقيقة، ويبقى القول بأن التعريف المقدم لظاهرة ما بعد الحقيقة ليس كافيًا، مع ذلك، للإحاطة بها، ما يفرض التوقف أكثر عند تطورها، وعلاقتها بالأحداث الموضوعية.
تطور ما بعد الحقيقة
أ. نشأة ما بعد الحقيقة
إن “خطاب ما بعد الحقيقة ليس خطابًا مغلقًا، له معايير تاريخية محددة تمكّن من حصره بوضوح، ولكنه خطاب مفتوح، في طور التكوين”[10]، مما يفرض الوقوف عند مصادره الحديثة، أي عند سلسلة الخطابات أو الأقوال التي كانت وراء ظهوره وتطوره.
وفى هذا الصدد، أشارت مصادر عدة إلى أن أول من استعمل هذا المصطلح هو المخرج والمسرحى ستيف تيشيتش في عام 1992، في مقال له تحت عنوان “حكومة الأكاذيب”، حيث قال: “بطريقة جوهرية للغاية، نحن كأشخاص أحرار، قررنا بكل حرية أن نعيش في عالم ما بعد الحقيقة”[11]، وهو قول يمكن اعتباره التاريخ الأصلي الحديث لميلاد لفظ “ما بعد الحقيقة”. ذلك بالإضافة الى ردود فعل جزء من الرأي العام الأميركي وقتها حيال ثلاثة أحداث متتالية عرفتها الساحة السياسية الأميركية؛ الأولى قضية “إيران جيت” بين عامي 1985 و 1986، وهي التي عرفت خرق الحكومة الأميركية قرار منع التجارة وبيع الأسلحة لإيران، في مقابل تحرير بعض الرهائن؛ الثانية قضية “حرب الخليج” الأولى، التي كانت أول حرب تُنقل مباشرةً عبر وسائل الإعلام، من دون أن يُسمح للصحافيين بتغطيتها بصورة مباشرة، مما جعل عالم الاجتماع الفرنسي بودريار يقول مجازًا “إن حرب الخليج لم تقع!”؛ الثالثة قضية رفع الحظر عن سر الدولة الأميركية بشأن مجموعة من البرقيات الدبلوماسية المتعلقة بحوارات عدة جرت بين السفيرة الأمريكية في العراق وصدام حسين، والتي كانت من أسباب اندلاع حرب الخليج.
وما يجمع بين هذه الأحداث الثلاثة عمومًا هو اعتماد الحكومة الأمريكية الكذب والإشاعة ونشر أخبار زائفة أو مضللة (fake news) وإنكار الواقع، بل إيجاد وقائع بديلة مكانه. وهذا لأجل خداع الرأي العام وتغيير مواقفه إزاء الأحداث المذكورة من خلال وسائل الإعلام. لكن المشكلة تكمن في أن الجمهور أو الرأى العام الأمريكي تقبَّل الدفاع عن تبريرات الحكومة الواهية لما فعلت[12].
بهذا المعنى، وبالنظر إلى شروط الخطاب (مَن المتكلم، وما المناسبة، وبأى وسيلة، وبأى تأثير؟)، تُعتبر مقولة ستيف تيشيتش المذكورة حول “عالم ما بعد الحقيقة” بمنزلة نقد مركب للمجتمع الأمريكي من الناحية السياسية والأخلاقية (نقد انحدار القيم الديمقراطية لدى الجمهور أو الرأي العام الأمريكي)[13].
لكن السؤال هنا هو: ما الذي جعل مجموعة أفكار وآراء متفرقة حول المجتمع الأمريكي تتحول إلى خطاب حول “ما بعد الحقيقة”؟ هذا ما أجابت عنه بعض الاجتهادات الأمريكية (مثل تقرير “تصدع الحقيقة”). ويمكن الاكتفاء هنا بالقول إن هناك ثلاثة عناصر منظِّمة لهذا الخطاب: العنصر الأول يتعلق بالفاعل المعنيّ، فردًا كان أم مؤسسة، وهو الذي يشير إلى جميع المهتمين عمومًا بمسألة ما بعد الحقيقة (منهم الإعلاميون والأساتذة الجامعيون والطلبة الباحثون والمنظمات الدولية وجمعيات حقوق الإنسان… إلخ)؛ العنصر الثاني يتعلق بمجال الأشياء المنتَجة، مثل الأخبار والتقارير والأبحاث في شأن الموضوع. وهي التي تعكس مدى تصاعد وتيرة الحديث عن قضايا الكذب والتضليل والإشاعة ونظريات المؤامرة… إلخ، في وسائل الإعلام والمجتمع ككل؛ العنصر الثالث يتعلق بأنه إذا كان مفهوم ما بعد الحقيقة هو أثر للغة أو صنيعها في النهاية، فإنه كذلك- وربما أكثر من ذلك- واقع مركب، سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، مما يستوجب، تحليل اللغة (الخطاب) بالإضافة الى الواقع، بغرض تقديم مقاربة تحليلية للموضوع.
ب. الحقائق الموضوعية
أشارت الفيلسوفة الفرنسية ميريام ريفودالون في كتابها La faiblesse du vrai (ضعف الحقيقي) إلى أن “ما بعد” المستعملة في عدد من المفاهيم لا تُعنى الشيء نفسه؛ فهي مرة تُعني المرحلة الحالية التي تحلّ محلّ المرحلة الماضية، مثل قولنا “المرحلة ما بعد الصناعية”، وقد تعني في إطار آخر، عنصرًا للقطيعة أو الجدة، مقارنة بما سبق، مثل قولنا “مرحلة ما بعد الحداثة” (التي هناك من يعتبرها قطيعة مع الحداثة).
ويُسأل هنا: “هل هذه القطيعة هي قطيعة صادمة ونهائية، أم هي تحوّل أو تغيير من حال إلى حال؟ هل المرحلة الحالية تُلغي كل ما يتعلق بالماضية تمامًا، أم تكتفي بتغييرها أو تجاوزها باقتراح عناصر جديدة، من دون هدم القديمة منها؟ وما يمكن ملاحظته على أي حال، هو أنه عادة ما تصاحب التحول أو التغيير حالة أزمة (سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية)” .[14]
في ما يتعلق بما بعد الحقيقة تحديدًا، فإن التعريف الذي أعطاه معجم أكسفورد لها يربطها- كما ذُكر- بالاعتقاد والعواطف والمشاعر التي لها تأثير في الناس أكثر من تأثير “الوقائع الموضوعية”. في هذه الحالة، كيف تُترجم إلى “رسائل عاطفية”؟ ومن هم أصحابها؟ وماذا يهدفون إليه من خلال استعمالها؟ وما نوع أو نسبة التأثير التي تحدثها في الآخرين، أي الجمهور في النهاية؟ هذا كله يفرض تعريف ما نقصد بـ”الحقائق الموضوعية”.
“نحن لا يمكن أن نحكم على الحقائق الموضوعية إلا من جانب العلاقة التفاعلية مع الآخر الذي يجري من خلاله بناء الواقع. وبالتالي، لا تنتمي الأحداث الموضوعية إلى الواقع الخالص، لأن منظورنا إليها يكون ذاتيًا أو موضوعيًا من خلال طريقة وصف هذا الواقع”[15]، مما يفيد بأن المتكلم أو المتحدث هو الذي وجب الحكم عليه، وليس الواقع الذي يعبِّر عنه. وهنا، وجب التفريق بين المعرفة والاعتقاد؛ إذ في ما تبني المعرفة براهينها اعتمادًا على قوانين العلم (نظرية التطور، الأرض تدور حول الشمس… إلخ) التي تفرض ذاتها على الجميع بصفتها قوانين كونية، يبني الاعتقاد براهينه على ذات المتكلم وتجربته الخاصة فحسب (أظن كذا أو أرى كذا)، التي يمكن أن يتقاسمها معه آخرون، لكنها تظل رغم ذلك نسبية.
هذا ما يفرز، عمليًا، نوعين من الحقائق: “حقائق العلم” و”حقائق الواقع”. فالمسألة ترتبط في المقام الأول بالتأويل، أي بالطريقة التي ينظر بها البشر أو يتعاملون بها مع الأشياء من حولهم. بمعنى آخر، فإن مسألتي التفسير والفهم تنتميان في مجال التأويل إلى اللغة، التي ترتبط بذاتية المتكلم، وتنشئ المعنى من خلاله، و”أن مسألة ما بعد الحقيقة لا تتعلق، نتيجة لذلك، بتحويل الأحداث الموضوعية أو إنكارها بقدر ما تتعلق بما تعبّر عنه أفعال الكلام من أحداث، بحسب المعرفة التي تعتمد عليها، علمية كانت أم تجريبية، أي ما يشير إليه المتكلم من واقع أو ما يقصد به من حديثه عن الحقيقة”[16].
ففي هذه الحالة، كل شيء ممكن، بمعنى أن قول الحق وارد هنا مثل قول الباطل، والصدق مثل الكذب، والاعتراف مثل الإنكار، والصراحة مثل الخداع، بحسب الغاية من استعمال اللغة عند هذا الطرف أو ذاك. والحال “أن اللغة بالنسبة إلى البشر كالماء بالنسبة إلى السمك، فنحن نسبح في اللغة، ونحن نفكر بواسطة اللغة، ونقيم داخل اللغة”. وهذا هو السبب الذي دفع جورج أورويل إلى الحديث، في روايته ( 1984)، عن وزارة الحقيقة قائلًا: “إن الفوضى السياسية مرتبطة بتفسخ اللغة، وانفصال الكلمات عن المعنى وحدوث هوة غائرة بين الأهداف الحقيقية والمعلنة”[17].
وهذا ما سعت الدول كلها، وما زالت تسعى إلى إقامته، سواء بأدوات صلبة ومباشرة، كما عبَّرت عن ذلك نظم مثل النازية والفاشية والستالينية وما شابه، أو بأدوات سائلة وغير مباشرة، كما عبَّر عن ذلك عدد من الدول الديمقراطية الليبرالية. والهدف في الحالتين هو السيطرة على العقول أو التأثير فيها، دفاعًا عن مصالح معينة، سياسية أو اقتصادية، مع السعي إلى إنكار الواقع القائم (الحقيقة)، لتعويضها بواقع بديل أو متخيّل (ما بعد الحقيقة).
أما “النيوسزويك”، أي اللغة الجديدة (الخشبية)، في رواية أورويل المذكورة، فهي إحدى أهم أدوات هذه السيطرة أو التأثير، وما فتئت السلطات الصلبة أو السائلة تفرضها في كل مكان. ومن خصائصها البارزة إضافة إلى الكذب، “التجريد وتجنّب كل ما هو واضح ومحدد، والحشو والاستعارات الرديئة، وتقسيم العالم إلى معسكرين للخير والشر، وطبع الشعارات في أدمغة الناس عبر التكرار المتواصل، وقلب دلالات الكلمات (الحرب سلام، والحرية عبودية، والجهل قوة … إلخ)”[18].
ومن البديهي القول، نتيجة ذلك، أن استعمال مثل هذه اللغة يتعارض مع الحقائق الموضوعية.
ثانيا: مظاهر ما بعد الحقيقة
إن إلغاء الحديث عن الحقائق الموضوعية بواسطة اللغة يعني، من بين ما يعنيه، نفي الحقيقة أو إنكارها، وهذا من خلال مظاهر عدة، أبرزها الهراء والكذب، إضافة إلى التضليل والتعبير عن العواطف أو المعتقدات الساذجة بشأنها.
1- الهراء والكذب
من الأوصاف التي أطلقها كثير من المحللين على ظاهرة ما بعد الحقيقة الهراء والثرثرة، والكذب والخطأ، مع اختلافهم في هذين المفهومين.
أ. الهراء والثرثرة:
“العالم مغمور بالهراء، ونحن نغرق فيه؛ فالسياسيون غير مقيدين بالحقائق، والعلم منساق بالبيانات الصحافية، والشركات الناشئة في وادي السيليكون ترفع الهراء إلى مستوى الفن الراقي، وتكافئ الكليات والجامعات الهراء على حساب الفكر التحليلي، ولا يبدو غالبية النشاط الإداري أكثر من كونه مجرد ممارسة للهراء. إن الهراء يلوث عالمنا من خلال تضليل الناس بشأن قضايا محددة، ويقوض قدرتنا على الثقة بالمعلومات”[19].
لكن، ما الهراء؟ جاء في معجم المعاني: كلام هراء: كلام هذيان غير خاضع لمنطق. رجل هراء كثير الكلام بلا معنى. والهراء: كلام فاسد لا نظام له ولا رابط بين جمله وفقراته، كلمات أو عبارات دون معنى لها. وهو المعنى ذاته، تقريبًا، الذي تشير إليه مفاهيم مجاورة عدة (ثرثرة، تهريج، بلاهة، لغو، كلام فارغ، غباء، تفاهة… إلخ)، على نحو ما عبّرت عنه مقالات ودراسات علمية وكتب عدة تناولت هذا الموضوع[20]. وهي الدراسات والكتب التي ربطت في معظمها ما بعد الحقيقة بالهراء، حيث أشار الفيلسوف الأمريكي فرانكفورت، مثلًا، إلى أن الهراء يعني “عدم الاكتراث بالحقيقة”، وهذا ما يجب عدم فصله عن الكذب، بل هو أخطر منه، في رأيه، وذلك من منطلق أن الناس العاديين لا يهتمون، عمومًا، في أحاديثهم اليومية، بالتساؤل الفلسفي حول معنى الحقيقة أو غيرها. ولعل هذا ما سماه هايدغر “الثرثرة”، التي تعني لديه أن البشر عادة ما يغرقون في روتين الحياة اليومية (الانشغال، مثلًا، بالتسوق ومشاهدة التلفزيون وترديد الأخبار والحكايات والشائعات والكلام السائد… إلخ)، هروبًا من مواجهة أعباء الوجود وحقائقه الصعبة، ما يتسبب في استيلابهم، ويؤدي بهم إلى نسيان وجودهم الأصيل، أي وجودهم الذي يحقق ذواتهم الفعلية، في النهاية، على أرض الواقع[21].
وفى السياق ذاته، يعْزى إلى أمبرتو إيكو قول ساخر أدلى به في مقابلة له مع صحيفة لاستامبا الإيطالية في عام 2015: “إن أدوات مثل تويتر وفيسبوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى ممن كانوا يتكلمون فى الحانات فقط بعد تناول كأس نبيذ، دون أن يتسببوا في أي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فورًا. أما الآن فلهم الحق في الكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل، أي غزو البلهاء”. وهذا قول يذكرنا بمواقف تاريخية مماثلة، عبّرت عن خوفها من “العوام”، الشعب والحشد أو الجماهير. فهناك، على سبيل المثال، تحذير سقراط من غباء الجمهور إلى دعوة الغزالي (مع ابن رشد) الى “إلجام العوام”، إلى حديث جابرييل تارد وغوستاف لوبون عن الحشود وسيكولوجية الجماهير، وصولا اليوم إلى نقد “الشعبوية”. لكن السؤال هنا هو: هل الهراء في ذاته سلبي وما بعد حقيقي أم هو “ثرثرة” فحسب تدخل ضمن “الشرط البشري”؟ وبالتالي، من هو الشخص الذي يوصف بالهراء؟
يصعب أن يعتبر المرء نفسه كذلك، ما يجعل “الهراء أو البليد هو الآخر دائمًا”، لتظل مسألة التحديد بذلك غامضة. فهل البليد هو مجرد من “يثرثر” بلا معنى؟ إذا كان الأمر كذلك، ماذا يمكن القول إزاء عدد من رجال الدين والسياسيين والمثقفين الذين يفعلون ذلك؟ ألم يتحدث الفيلسوف ألان دونو عن “نظام التفاهة” الذي جعل الهراء أو البلادة تشمل، في رأيه، النظام السياسي والاجتماعي والثقافي كله، وأن مجالات الحياة، بما فيها التقنية-العلمية، لا تخلو من “قرارات عبثية”[22]؟
هذا ما أجاب عنه كتاب l’histoire universelle de la connerie (التاريخ الكوني للهراء)، الذي أشار إلى حقائق عدة وجب أخذها في الاعتبار عند حديثنا عن هذا الموضوع، منها أن الهراء واكب حياة البشر منذ القديم، حيث لا تخلو جماعة بشرية منه؛ وأنه لا يقتصر على الأميين أو الأغبياء، بل إنه مسّ أيضًا، وما زال يمسّ المتعلمين والأذكياء، وإن كثيرًا من الأحداث التي شهدها العالم خلال العصر الحديث مثل الاستعمار والحروب وصناعة القنبلة النووية واستخدامها وهدر الطاقة وتدمير البيئة والإنسان وغير ذلك، يمكن أن تدخل رغم عقلانيتها الظاهرة، في حقل الهراء أو البلادة[23].
هذا ما يوسع، عن حق، نطاق الهراء إلى مدى أكبر؛ ذلك أنه إذا اعتبرنا أن هذا الأخير هو بمنزلة فكر أو سلوك لا يبدي أي اكتراث بالواقع، فكم من الأفكار والممارسات في جميع المجالات يمكن إدخالها في خانة الهراء، وبالتالي في خانة ما بعد الحقيقة؟ المسألة فيها نظر، على اعتبار أن الهراء لا يتضمن الفصل بين الاعتقاد والواقع، كما لا يتضمن دائمًا معيار الكذب أو قصد التضليل أو غيره، وليس في ذاته ضارًا إلا عندما يجري توسيع مفهومه ليشمل الحالات المرَضية المذكورة. وبالتالي، فإن تعريف ما بعد الحقيقة يظل ناقصًا، ما لم يُضَف إليه خصائص أو مميزات أخرى، مثل الكذب أو الخطأ.
ب. الكذب والخطأ
في الفصل الأول من كتاب ما بعد الحقيقة، وهو تحت عنوان “ماذا تعني ما بعد الحقيقة؟”، أرجع مؤلّفه الفيلسوف الأميركي لي ماكنتاير ظاهرة ما بعد الحقيقة إلى ما سماه الخطأ أو الكذب (la fausseté, le mensonge)، قائلًا: “نظرًا لشمولية كلمة ما بعد الحقيقة، فإنها بدت تجسد روح الأزمنة الراهنة. لقد شهدنا تعتيمًا للحقائق، وتخلّي عن المعايير الواضحة للاستدلال، وكذلك كذبًا محضًا ساد تصويت عام 2015 على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وكذلك انتخابات الرئاسة الأمريكية سنة 2016، ولذا انتاب الكثيرين الذهول والفزع”. وأضاف: “لقد أضحت الحقيقة محجوبة وعديمة الأهمية. وهذا تحدٍ كبير لفلاسفة كثيرين، وليس الأمر مجرد خلاف أكاديمي. ففي عام 2005، نحت ستيفن كولبير كلمة الحدسية، وهي حالة من الاقتناع بأن شيئًا يبدو صحيحًا، حتى ولو لم يكن مدعومًا بالحقائق الضرورية، (وطبق ذلك على تجاوزات جورج دبليو بوش فى الاعتماد على حدسه وأحاسيسه فى اتخاذ القرارات). وهو ما تعامل معه الناس بوصفه مزحة كبيرة. لكن لم يعد الناس يمزحون بشأنها الآن”[24]، بمعنى أن الناس لم يعودوا يمزحون من هذا النوع من الكذب أو “الأخبار الزائفة”. لكن فى هذا الحالة، ما معنى الكذب؟ وما علاقته بما بعد الحقيقة؟
أما الكذب، فهو بداهة نقيض الصدق، أي أنه كل قول (خبر، تعبير، بيان تصريح… إلخ) تدلي به جهة ما (فرد، جماعة مؤسسة،… إلخ) مع معرفتها اليقينية أنه غير صحيح. وهو ما يمكن تسميته “الكذب الإرادي”، والذي وجب تفريقه لذلك عن “الكذب غير الإرادي”، الناتج من غير علم بالحقيقة.
وأما علاقته بما بعد الحقيقة فتتمثل حين يكون هناك حقيقة يروم فرد أو جماعة أو مؤسسة إخفاءها “لغاية في نفس يعقوب”، كما يقول المثل العربي، بما يفيد بـ “أن الكذب مناقض للحقيقة (أي قول الحق)، وبالتالي مناقض للصدق والصراحة”.
إضافة إلى هذا، وجب العمل على تحديد أوجه القرابة التي توجد بين الكذب ومفاهيم أخرى. فيجب التأكيد، كما فعل كانط على العلاقة العضوية التي تربط الكذب بالحنث، فالكذب في الحقيقة هو إخلال بالوعد الذي أعطاه الكذاب لآخرين بقول الحقيقة لهم.
كما يجب، في السياق ذاته، “وضع حدود صارمة بين الكذب والخطأ، ويجب من ثم الافتراض بأن نقيض الكذب ليس هو الحقيقة أو الواقع، بل الصدق. فالقديس أوغسطين يذهب إلى أنه بإمكاننا أن نقول قولًا خاطئًا دون أن نكون مذنبين”[25]. وإلى هذا ذهب فوكو في حديثه المذكور عن “القول الصريح”، والذي لا يعني سوى التعبير عن “شجاعة الحقيقة”، كما سماها، والتي تفيد بإعلان الصدق والحقيقة.
بيد أن هناك من الفلاسفة المحدثين مثل نيتشه من يرفض خطاب الثنائيات (الحقيقة الكذب، الخطأ الصواب… إلخ)، ما يجعل مفهوم الكذب أو الخطأ، بهذا المعنى، غامضًا أو ملتبسًا
2- التضليل والاعتقاد
ما علاقة الهراء والكذب بالتضليل والاعتقاد؟ سنحاول مناقشة هذا الأمر عبر الحديث عن التضليل والإنكار، والعاطفة والاعتقاد.
أ. التضليل والإنكار
لا يكفي الهراء والكذب لتحديد مفهوم ما بعد الحقيقة، بل لا بد من إضافة عنصر آخر إليه هو التضليل (la manipulation) . لكن ما التضليل؟
التضليل اصطلاحًا هو مجموعة عمليات وتقنيات التواصل التي تهدف الى التأثير على الرأي الخاص أو العام، من خلال القيام بنشر معلومات خاطئة أو باطلة (la désinformation) قصد الخداع، ما وجب التفريق بينه وبين الخطأ في الاتصال (la désinformation) الذي يعنى نشر هذه المعلومات عن غير قصد[26]، وهو ما عرِفته البشرية منذ القدم، وحفل به خلال القرنين الأخيرين عدد من وسائل الإعلام، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي اليوم.
يقول شارودو، في هذا الصدد: “التضليل موضوع موضة اليوم، ولعل وسائل الاتصال الحديثة، مع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والأخبار المضللة التي تنشرها، هي سبب ذلك. لكن هذه الموضة ليست جديدة، بل إن العلاقات بين الأفراد عَرِفت في جميع الأزمنة شيئًا من التضليل. إضافة إلى أن بالنظر إلى اقتصاد السوق، الذي يضع منتجات الاستهلاك قيد المنافسة، ظهرت تقنيات الإشهار و”الماركتينغ” التي امتدت إلى المجال السياسي. مع ذلك، ظل هذا المجال غامضًا بالنظر إلى معنى الإقناع، فإنْ نحن انطلقنا من أن التضليل حمْل الآخر على قول والتفكير في ما نريد أن يفعل أو يقول أو يفكر، فإننا لن نتطور كثيرًا، بسبب أن هذا بالذات هو أساس العلاقات بين الأفراد”[27].
وهو ما يطرح مسألة الحدود، على النحو الآتي: هل وجب فهم التضليل، بمعنى واسع؟ بما يفيد بأن الكل يمارس التضليل (الأم إزاء طفلها الصغير، والأستاذ إزاء التلميذ، والطبيب إزاء المريض… إلخ)، بل إن اللغة أو الخطابة ذاتها قد تُعتبر، بهذا المعنى، فنًا للتضليل الذي وجبت إدانته على رأى أفلاطون، مثلا؟ أم هل وجب فهم التضليل على نطاق ضيق فحسب، بحيث يتجاوز التنكر للحقيقة إلى إرادة الإساءة إلى الآخرين لتحقيق أهداف غير مشروعة؟
هذا ما يفرض في كل حالة تحديد معنى هذه الإساءة وحدودها، فى علاقتها بما بعد الحقيقة؛ ذلك أن ما بعد الحقيقة لا تتضمن دائمًا عنصر التضليل، بحيث يمكنها أن تكتفي بالهراء والكذب لا غير، بما يتطلب في كل حالة، تحديد هذا المفهوم، فى علاقته الجدلية بسائر المفاهيم التي ترتبط به (الحقيقة، الواقع، الرأى الإنكار، الكذب، الهراء، الدعاية… إلخ). ومرد ذلك إلى أن التضليل لا يظهر دائمًا بوضوح، سواء في اللغة أو في الواقع[28].
لعل عناصر التنكر للحقيقة، أي للعقل والواقع، هو من بين أهم خصائص ما بعد الحقيقة، حيث يقول ماكنتاير: هل تتعلق ما بعد الحقيقة فقط بالكذب؟ هل هي مجرد دعاية سياسية مضللة؟ ليس بالضبط. إن كلمة ما بعد الحقيقة، كما تظهر في النقاش الراهن، تتسم بأنها معيارية تمامًا. إنها تعبير عن القلق الذي يبديه مَن يهتمون بمفهوم الحقيقة ويستشعرون أنها تتعرض للهجوم”. لكن “ماذا عمن يشعرون أنهم يحاولون أن يعرفوا الجانب الآخر من القصة حول موضوعات خلافية؟ ماذا عن وجود حجة قوية لصالح الحقائق البديلة؟ إن الحديث عن حقيقة موضوعية واحدة وحيدة لم يخلُ قط من الجدل. هل الإقرار بذلك يعبّر عن نزعة محافظة أو ليبرالية؟[29].
يحمل هذا النص عددًا من الأفكار الخلافية، التي تحتاج إلى نقاش موسع. ويُكتفى هنا بالقول إن ماكنتاير يرى، أن كلمة ما بعد الحقيقة معيارية، تحتمل أوجها عدة، مثل: التصريح بقول خاطئ من دون معرفة أنه كذلك، والتصريح بشيء خاطئ مع العلم أنه قد يكون خاطئًا من دون بذل جهد لتقصي الحقيقة، والتصريح بقول خاطئ مع العلم اليقيني أنه كذلك
هذا ما يطرح في واقع الأمر، إشكاليتين: الأولى إشكالية التشكيك أو الإنكار، التى لا يكاد يخلو منها مجال (اللغة العلم الفلسفة، السياسة الاعلام الدين… إلخ)، أى التشكيك فى حقيقة شيء أو واقع والسعي لتعويضه بشيء آخر يعتقد صاحبه جازمًا أنه الأصدق والأفضل. والإشكالية الأخرى هي إشكالية القلق من نتائج التشكيك والإنكار، التي تصل إلى حد نفي الحقيقة والواقع، لمصلحة الرأي والاعتقاد الشخصيين، ما يعني أن ثمة وجوهًا متعددة للتضليل وإنكار الحقيقة، وحتى للواقع والعقل. يبقى كيف يمكن الوقوف عندها؟ هذا هو مجال البحث العلمي الذي يسعى لإثبات الحقيقة في جميع المجالات التي تقتضي أو تفترض ذلك.
ب. العاطفة والاعتقاد
عرَّف معجم أكسفورد ما بعد الحقيقة بأنه “إعطاء الأولوية للعواطف والآراء والمعتقدات على حساب الحقائق الموضوعية”، أي على حساب العقل والمنطق في التحليل والفهم والنقاش العمومي.
وفي هذا الصدد، يقول ماكنتاير: “ثمة” تصورات شهيرة للحقيقة، تعكس تنوع الرأي بين الفلاسفة حول النظرية الملائمة للحقيقة. ويبدو أنه لا يوجد خلاف كبير حول أهميتها بوصفها قيمة. لكن القضية المهمة هنا ليس امتلاكنا لنظرية ملائمة للحقيقة من عدمها، بل كيفية فهم الطرق المختلفة التي نهدم بها الحقيقة. فأحيانًا نرتكب أخطاء ونقول أشياء غير صحيحة من دون أن نتعمد ذلك. ثم يأتي الكذب، وذلك عندما نردد معلومة مغلوطة بقصد الخداع، وهذه علامة فارقة”[30].
والحدود ليست واضحة دائمًا، وثمة علاقات أخرى ممكنة، حيث يمكن المرء، مثلًا، أن يمارس الهراء أو الثرثرة من دون أن يكذب، كما قلنا، ويمكنه أيضًا أن يتهكم أو يسخر أو يتوهم شيئًا أو يسيء التقدير، وما إلى ذلك؛ فهذه ظواهر بشرية عادية، معروفة منذ قرون. لكن ما يبدو جديدًا في عصر ما بعد الحقيقة هو التشكيك ليس في فكرة الواقع، بل في الواقع نفسه؛ فعندما يكون الشخص مضللًا أو مخطئًا فمن المحتمل أن يدفع الثمن. لكن عندما تُنكر الأغلبية الحقائق الأساسية، فإن العواقب يمكن أن تكون كارثية وتدميرية للعالم”[31].
والأهم هنا ليس وجود حقائق واهية أو وهمية، وإنما الاعتقاد السائد لدى كل طرف بأن ما يقوله هو الصحيح، من دون التساؤل عما إذا كان هذا الاعتقاد مبنيًا على العقل والمنطق أو الرأي والعاطفة، وما درجة اليقين في ذلك كله، بما يمكن معه استنتاج أن ما بعد الحقيقة تفيد، عمومًا، ما يلي:
– الاعتقاد في القول أو الرأي، فكل فرد يعتقد أن ما يقوله أو يؤمن به هو الحقيقة.
– الأصل العاطفي للاعتقاد، بمعنى أن هذا الأخير لا يقوم بداهة على العقل والمنطق، وإنما على الحس والعاطفة في المقام الأول، وهو ما يعكس حقيقة أثبتتها عدد من العلوم (علم النفس، علم النفس الاجتماعي، علم السلوك أو التحيز المعرفي) وهي أن الناس يميلون أكثر إلى ما هو عاطفي، واعتادوه[32].
– التناقض أو التنافر بين الواقع والمعتقد، بمعنى أن الاعتقاد باعتباره إيمانًا أو تصديقًا، فهو لا يقبل – في العادة – مواجهته بالواقع كما هو، مما يدفعه في حالة التناقض أو الاصطدام العنيف معه إلى التنكر له ببساطة، حيث يغدو الاعتقاد، في هذه الحالة، هو الواقع ذاته.
هذه عناصر تبدو مهمة لتحديد معنى ما بعد الحقيقة من دون شك، لكنها ما زالت غير كافية، ذلك غير كافية، وهذا لسبب جوهري هو أن من غير الممكن حصر ما بعد الحقيقة فى الاعتقاد الخاطئ فحسب؛ لأن هذا الاعتقاد ليس يقينيًا بالضرورة حيث يمكن أن يتغير، بحسب الظروف. لذلك، لا يمكن وصف جميع المعتقدات، ولا سيما غير الدينية منها، بأنها تشكل ما بعد الحقيقة.
نتيجة ذلك، فإن مفهوم ما بعد الحقيقة مركب (complexe)، على نحو ما اتضح. ولا يكفي إرجاعه إلى عامل واحد أو تقليصه إلى العوامل المذكورة فحسب (الهراء الكذب، التضليل الإنكار، العاطفة، الاعتقاد … إلخ)، بل لا بد من إضافة عامل آخر يبدو حاسمًا في مسألة تعريف هذا المفهوم، وهو وجوب توافر “اليقين” في كون أن للمعتقد القيمة ذاتها التي هي للواقع.
وبهذا تصبح المعايير المقترحة لتعريف ما بعد الحقيقة هي: من جهة العناصر الثلاثة المذكورة (التناقض بين الواقع والاعتقاد، والمصدر العاطفي للاعتقاد والاعتقاد في القول أو التعبير)، ومن جهة أخرى: “اليقين التام في الاعتقاد”. وبهذا المعنى، يمكن تعريف ما بعد الحقيقة بأنه الطابع الاعتقادي للتعبير، المتولد عن مصدر عاطفي، مفارق للواقع، يرى صاحبه أنه اليقين التام بالنسبة إليه[33]. وهو تعريف تقريبي ومؤقت (بالنظر إلى كون مفهوم ما بعد الحقيقة هو في طور التكوين كخطاب، كما ذُكر)، لكن له مميزاته، منها أنه يمكننا، إلى حد ما، من ضبط نسبي لمفهوم ما بعد الحقيقة، وفهم علاقاته بعدد من الظواهر المرتبطة به (مثل الهراء والكذب والتضليل، والعاطفة، والاعتقاد… إلخ)، ولا سيما، اليقين الاعتقادي في الرأي أو الموقف، بغض النظر عن مدى صحته أو مدى تلاؤمه مع الحقيقة أو تعبيره عن الواقع.
ما بعد الحقيقة في شبكات التواصل الاجتماعي:
يفيد استبدال البراديم الرقمي أننا دخلنا عصرًا جديدًا، انتقلنا فيه من عصر الإعلام الكلاسيكي (الكتابي والسمعي والبصري) الى “عصر الرقمنة”. فالعالم أضحى إزاء نموذج جديد للمعرفة والحياة من خلال مجموعة من المفاهيم التي فرضت نفسها على الواقع المعاش مثل: عصر المعلومات، الثورة الرقمية، المجتمع الرقمي، الفجوة الرقمية، عصر الإنترنت، المجتمع الرقمي…
وفي مجال ما بعد الحقيقة يواجه عصر الرقمنة مجموعة من التحديات والإشكاليات على رأسها إغراق الشبكات الاجتماعية بالأخبار الزائفة. ويمكن رصد سببين أساسيين لهذه الظاهرة هما الآليات النفسية والاجتماعية والآليات الاقتصادية الرقمية.
فبالنسبة للآليات النفسية والاجتماعية نجد العديد من الأسباب:
– اعتبار بعض الجهات جهات مالكة للحقيقة، فيما يغرق الآخرون في الخطأ والضلال. فيميل الفرد الى تصديق ما يلائم عقيدته أو رأيه، ويرتاح الى ذلك دون غيره.
– الميل الى استعمال الجانب الفطري أو العاطفي من التفكير.
– التعرض للدعاية التي تركز على الفكرة الكاذبة مرات ومرات حتى تصبح حقيقة.
أما بالنسبة للآليات الاقتصادية والتكنولوجية فالمقصود بها “الخواريزمات” التي يستثمرها أصحاب الرأي والاتجاه الاقتصادي الرأسمالي الذي سُمي “اقتصاد الانتباه” و”الإعلان السلوكي”، والذي جعل غايته استعمال آخر تكنولوجيا العصر الحديث في سبيل جلب انتباه الجمهور الى وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية وتحقيق أقصى ما يمكن من الربح. وهنا ظهر تأثير الخواريزمات من خلال استجابتها لميول الجمهور ورغباته بتقديمها الأخبار والأحداث التي تهمه بصفة مكثفة. وهنا تظهر المفارقة المدهشة في موضوع الخواريزمات، فهي من جهة تضع رهن إشارة جمهور الإنترنت كل ما يميل اليه من معتقدات وأفكار وآراء، وما سُمي بـ “هندسة الاختيارات”، ومن جهة أخرى تتركه رهينة ما يميل اليه من اختيارات من دون حثه على الانفتاح على مساحات فكرية أخرى ودفعه للخروج من قوقعته الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، والدينية، والاقتصادية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* منقول بتصرف من:
محمد بهضوض (2025). ما بعد الحقيقة: العقل في مواجهة الجهل والتفاهة والتضليل. ط. 1. الظعاين: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ص ص.127- 149.
** كاتب وصحفي ومدون مغربي. حاصل على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة محمد الخامس بالرباط.
[1] Maurizio Ferraris, Postvérité et autres énigmes (Paris: Presses universitaires de France, 2019), p. 11.
[2] Ibid
[3] Alain Cambier, Philosophie de la post-vérité, Philosophie (Paris: Hermann, 2019), p. 7.
[4] جينيفر كافاناغ ومايكل دي رتش، تصدع الحقيقة بحث أولي حول تضاؤل الحقائق والتحليل في الحياة العامة الأمريكية (كاليفورنيا: مؤسسة rand، 2018)، ص. 3، في: www.rand.org
[5] المرجع نفسه، ص 8.
[6] إن المتأمل في هذه المصطلحات سيتوقف من دون شك متسائلا عن مدلول “ما بعد”. والسؤال المطروح بشأنها هو: هل “الما بعد هذه مؤشر تاريخي أم نظري ؟ هل يرجع ذلك إلى مسألة تاريخية أم إلى مسألة ثقافية؟ هل يشير إلى قطيعة ودعوة إلى التجاوز أم إلى استمرارية ودعوة للتأصيل؟ ثم هل هي قطيعة كلية أو جزئية؟ في كلتا الحالتين، لماذا التشبت إذا باللفظ القديم (الحقيقة)؟ وإذا كان التحديد هو الغرض، فلماذا لا يكون ابتداء بالمصطلح ذاته؟ وبناء عليه ألا يحق لنا التساؤل عن معنى لفظ الحقيقة ضمن “ما بعد الحقيقة” هذه؟ يُنظر: محمد جديدي، الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة ريتشارد رورتي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون الجزائر : منشورات اختلاف، 2008)، ص 149 .
[7] Patrick Charaudeau, La manipulation de la vérité: Du triomphe de la négation aux brouillages de la post-vérité (Limoges: Lambert-Lucas, 2020), p. 121.
[8] Vincent Descombes. Les institutions de sens (Paris: Ed. Minuit, 1996).
[9] Claudine Tierceline, La post-vérité ou le dégoût du vrai, Le point sur les idées (Paris: Éditions Intervalles, 2023), p. 22.
[10] Francesco Assante, “Archéologie de la post-vérité,” Judith Revel (sous la dir.), Mémoire de recherche en philosophie, Université Paris Nanterre, Année universitaire 2020, sur: https://tinyurl.com/yc48upsz
[11] Ibid. p. 9.
[12] ومثاله: تصديق كذبة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان بشأن فقده الذاكرة بالنسبة إلى قضية إيران جيت”، وقبول الرقابة الشاملة على الإعلام إبان حرب الخليج، وعدم إبداء أي ردة فعل إزاء التبريرات الكاذبة الأميركية للتدخل في العراق.
[13] من أهم ما يتعلق بذلك استعمال الصحافي والكاتب الأميركي من أصل صربي، ستيف تيشيتش، أول مرة مصطلح “ما بعد الحقيقة” عام 1992 ، والذي قصد به انتشار الأفكار القومية والأيديولوجيات المتطرفة والكذب والخداع في الممارسات السياسية ووسائل الإعلام والاتصال؛ كتاب عصر ما بعد الحقيقة: التضليل والخداع في الحياة المعاصرة للفيلسوف الأميركي رالف رويس (2004)، والذي تناول فيه هذه القضايا بشكل أكثر تفصيلا ودقة؛ حديث الصحافي، إيريك ألترمان في العام نفسه عن “البيئة السياسية لما بعد الحقيقة” و”رئاسة ما بعد الحقيقة”، مشيرًا من خلال ذلك إلى سلسلة الأكاذيب التي صدرت عن الرئيس الأميركي جورج بوش بشأن حوادث 11 أيلول/ سبتمبر 2001؛ الكتاب الذي أصدره الفيلسوف الأميركي هاري فرانكفورت عام 2005، تحت عنوان فن قول الهراء، وهو الكتاب الذي شهد إقبالا واسعا جعل الكاتب يردفه بكتاب آخر، في العام الموالي، تحت عنوان حول الحقيقة (On Truth). كما أن المدوّن ديفيد روبرتس استخدم في عام 2010 عبارة “ما بعد الحقيقة السياسية”، معرفًا إياها بأنها “الثقافة السياسية التي ينفصل فيها الرأي العام ووسائل الإعلام تقريبا عن السياسات، أي عن جوهر الشرعية”.
[14] Myriam Revault d’Allonnes, La faiblesse du vrai: Ce que la post-vérité fait à notre monde commun, La couleur des idées (Paris: Éd. du Seuil, 2018), p. 23
[15] Charaudeau.
[16] Ibid., p. 124.
[17] ميتشيكو كاكوتاني، موت الحقيقة: ملاحظات حول البهتان في عصر ترامب، ترجمة سيف سهيل (أوطاوا، كندا: منشورات مسعى للنشر والتوزيع، 2019، ص 87 ونضيف هنا أن “إذا كانت المنظورية تحيلنا بصورتها الفضائية على المواطن المتعددة التي يتمركز بها الأفراد في العالم، فإن التأويل بصورته المعرفية يحيلنا على المعاني المختلفة التي ينتجها أولئك الأفراد من منظورات مختلفة، طبقا لقراءتهم المتنوعة للعالم، بما يعنى أن تعددية التأويل تستجيب لتعددية المنظور”. يُنظر : عبد الرزاق بلعقروز، المعرفة والارتياب: المساءلة الارتيابية لقيمة المعرفة عند نيتشه وامتداداتها فى الفكر الفلسفى المعاصر (بيروت: منتدى المعارف، 2013)، ص 104.
[18] المرجع نفسه، ص 91.
[19] کارل بیر جستروم وجیفین دوست، كشف الهراء: فن الشك في عالم تحكمه البيانات وكيف تضع يدك على الحقيقة، ترجمة محمد منير مجاهد (القاهرة آفاق للنشر والتوزيع، 2024) ، ص 9.
[20] من أهم الكتب التي تناولت ظاهرة الهراء، إلى جانب هذا المرجع الأخير: هاري فرانكفورت، في الهراء والتهريج، ترجمة عفاف علي نعش (بيروت: دار المشرق، 2022)؛ توم فيليبس، الحقيقة: لمحة مختصرة عن تاريخ الهراء، ترجمة إسماعيل كاظم (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2020)
Sebastian Dieguez, Total Bullshit!: Au cœur de la post-vérité (Paris: Presses universitaires de France, 2018).
[21] مارتن هيدغر الكينونة والزمان ترجمة فتحى المسكينى مراجعة إسماعيل المصدق (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2021)، ص 258.
[22] يُنظر بشأنه آلان ،دونو نظام التفاهة، ترجمة وتعليق مشاعل عبد العزيز الهاجري (بيروت: دار سؤال للنشر، 2020)؛
Christian Morel, Les décisions absurdes I. II. Folio essais (Paris: Gallimard, 2014); Jean Szlamowicz, Les moutons de la pensée: Nouveaux conformismes idéologiques (Paris: Éditions du CERF, 2022).
[23] Jean-François Marmion (dir.), Histoire universelle de la connerie, Collection B (Auxerre: Sciences humaines, 2019).
[24] وأضاف، “بعد الانتخابات زاد الطين بلة، حيث ادعى ترامب مرة أخرى من دون حقائق ملموسة فوزه بالتصويت الشعبي لولا احتساب ملايين الأصوات غير الشرعية، وزعم أن الروس لم يخترقوا الانتخابات استقبل في وكالة الاستخبارات المركزية بالوقوف والتصفيق الحار، وأن معدل جرائم القتل هو الأعلى منذ الأمريكية، وأن الحشود كانت في يوم تنصيبه الأكبر فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وأن خطابه 47 عاما”، وإلى غيره من الأكاذيب. ينظر لى ماكنتاير ما بعد الحقيقة، ترجمة حجاج ابو جبر (الرياض): دار معنى للنشر والتوزيع، 2022) ، ص 17-22.
[25] جاك دريدا، تاريخ الكذب، ترجمة وتقديم رشيد بازي (الدار البيضاء بيروت: المركز الثقافي العربي، 2016)، ص 6.
[26]“مكافحة التضليل”، منظمة الأمم المتحدة، شوهد في 15/ 11/ 2023، في: www.un.org.
[27] Charaudeau, p. 11.
[28] Robert-Vincent Joule & Jean-Léon Beauvois, Petit traité de manipulation à l’usage des honnêtes gens, Vies sociales (Grenoble: Presses universitaires de Grenoble, 1987), p. 14.
[29] ماكنتاير، ص 32.
[30] المرجع نفسه، ص 24.
[31] من هذه المخاطر، مثلا ، عدم الثقة في الدولة والأمن والاقتصاد والتجارة والأمن والتعليم والصحة ووسائل الإعلام… إلخ، والتشكيك عمومًا في جميع البيانات والمعلومات التي تصدر عن مؤسسات الدولة، والضرورية لحد أدنى من الاستقرار بالنسبة إلى المواطنين في كل مجتمع ( ويكفي هنا تقديم سيناريو واحد، وهو قرار المواطنين سحب ثقتهم من العملة المحلية، فما المتوقع أن يحصل؟). في هذا الصدد، ينظر : كافاناغ ودي رتش.
[32] قال رجل الأعمال آرون بانكس، الذي موّل حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: “لا يتحدث مؤيدو البقاء في الاتحاد إلا عن الواقع أو الوقائع. وهذا لا جدوى منه. وجب أن تخاطبوا عواطف الجمهور، وهذا هو سبب نجاح ترامب”. ينظر :
Matthew d’Ancona, Post-vérité: Guide de survie à l’ère des fakes news, Lise Vermont (trad.) (Paris: Plein Jour, 2018), p. 26.
[33] Samuel Rheault, “Le rôle de la croyance dans la post-vérité,” Mémoire présenté comme exigence partielle de la maîtrise en philosophie, Université de Québec à Trois-Rivières, Août 2020, p. 27, sur: https://tinyurl.com/Seevyenm
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies