أخبار عاجلة

حول الاستشراق الجديد: مقدمات أولية

العنوان: حول الاستشراق الجديد: مقدمات أولية.

المؤلف: عبد الله بن عبد الرحمن الوهيبي.

الطبعة: ط. 1.

مكان النشر: الرياض.

الناشر: مجلة البيان.

تاريخ النشر: (2014).

الوصف المادي: 184 ص.؛ 21 سم.

الترقيم الدولي الموحد: 7-37-8101-603-978.

في ظل أوضاع تعيد الشرق الأوسط إلى بؤرة الاهتمام مرة أخرى وتَبرز فيها الصراعات الإقليمية والعالمية، لابد لنا من التنبه للمعركة الأوسع التي تدور حول تفسير هذا الشرق وتحديد موقعه ورسم مستقبله. وفي قلب هذه المعركة يبرز ما يُعرف بـ “الاستشراق الجديد”، بوصفه خطابًا معاصرًا يعيد تقديم الشرق لا باعتباره موضوعًا للدراسة فحسب، بل باعتباره مشكلة ينبغي تفسيرها، أو خطراً ينبغي احتواؤه، أو كياناً ينبغي إعادة تشكيله وفق تصورات تنبع من خارج سياقه الحضاري. في هذا الإطار يأتي كتاب “حول الاستشراق الجديد: مقدمات أولية” لمؤلفه عبد الله الوهيبي[1]؛ لنتعرف على التطور الذي حدث في حقل الاستشراق والمناهج والأطروحات الجديدة التي تُقدَّم لقراءة وتفسير والتحكم في مجريات الشرق الأوسط.

في هذا الكتاب، يتناول المؤلف ظاهرة “الاستشراق الجديد” بالتحليل والنقد من خلال مدخل وأربعة مباحث:

المبحث الأول: يستعرض فيه المؤلف أبرز المحطات في السياق التاريخي والفكري للاستشراق منذ نشأته.

المبحث الثاني: يتناول مفهوم الاستشراق الجديد وبنيته الفكرية.

المبحث الثالث: يتمحور حول نماذج من مناهج الاستشراق الجديد.

المبحث الرابع: يتضمن أبرز الأفكار في نقد الاستشراق الجديد.

نقطة التحول:

اعتبر المؤلف المؤتمر الذي عُقد في باريس عام 1973م – بمناسبة مرور مائة عام على بداية عقد المستشرقين لمؤتمراتهم العالمية- نقطة تحول في حقل الاستشراق، حيث تم التصويت حول مدى رغبة المشاركين في الإبقاء على مصطلح “مستشرق”، وكانت النتيجة لصالح إلغاء هذه التسمية مع تغيير اسم المؤتمر إلى “المؤتمر العالمي للدراسات الإنسانية حول آسيا وشمال إفريقيا”. وقد عُقد تحت نفس الاسم مؤتمران قبل أن يُستبدل الاسم إلى “المؤتمر العالمي للدراسات الآسيوية والشمال إفريقية” لينتهي بذلك استخدام مصطلح “مستشرق” في هذه الأوساط نهائياً.

هذا التحول مثّل تتويجاً لتفاعلات ثقافية وفكرية وسياسية متعددة شهدها الحقل الاستشراقي التقليدي، وإن كان هذا الإجراء -إلغاء المصطلح- لا يعني انتهاء الاستشراق القديم نهائياً، بل لايزال موجوداً على مستوى النظريات المستبطنة أو المضامين الأيديولوجية التي أعيد إنتاجها باستخدام مداخل ومناهج وفرتها العلوم الإنسانية الحديثة.

المبحث الأول

الاستشراق في المنظور التاريخي

يتناول المؤلف في هذا المبحث تاريخ الاستشراق منذ نشأته وحتى بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وقسم هذا التاريخ إلى أربع مراحل؛ ليبرز الانتقال من الاستشراق القديم أو الكلاسيكي إلى الاستشراق الجديد أو المتجدد.

ولا شك بأن تحديد تاريخ محدد لبداية الاستشراق مسألة خلافية بين المتخصصين في هذا المجال، فقد ذكر الباحثون آراء متنوعة ومختلفة بشأن بداية الاستشراق في الغرب، فمنهم من رأى أن الاستشراق ظهر مع ظهور الإسلام الذي أثار النصارى واليهود في الغرب وحفزهم إلى التعرّف على الإسلام ونقده كما صنع يوحنّا الدمشقي، ومنهم من رأى ظهور الاستشراق بعد ذلك.

المرحلة الأولى- نشأة الاستشراق القديم حتى نهاية القرن الثامن عشر:

يرى المؤلف أن الإسلام مثّل مشكلة لأوربا منذ ظهوره، حيث وصلت الفتوحات الإسلامية إلى قلب العالم النصراني. واستجابةً لهذا الخطر قامت أوروبا بتنظيم ما يُعرف بالحروب الصليبية، ومن هنا بدأ الاهتمام بفهم الإسلام بشكل أكثر دقة. فكانت الجهود الأولى التي بذلها باحثون كنسيون لفهم الإسلام مدفوعة بالرغبة في معرفة الأعداء وتفنيد الإسلام بوصفه ديناً مزيفاً وهرطقة.

وفي نفس الوقت، أراد بعض الباحثين الكنسيين الاستفادة من الثروة الفكرية الموجودة لدى العالم الإسلامي؛ لذلك بدأت طلائع المستشرقين – معظمهم رهبان- بالوفود إلى الأندلس منذ القرن العاشر الميلادي لحمل المعارف ونشرها في بلادهم؛ ونتيجة لذلك تم إنشاء مدارس عربية في روما، كما ظهرت العديد من الترجمات للكتب العربية في مختلف الفنون إلى اللاتينية.

ولما فشلت الحملات الصليبية، رأى بعض الباحثين – منهم روجر بيكون- أن الكنيسة تحتاج لبذل جهد كبير لتحويل المسلمين إلى النصرانية بشكل سلمي،ولتحقيق ذلك حثوا الكنيسة على تشجيع دراسة الإسلام واللغة العربية. واستجابةً لذلك قام الأب بطرس بإصدار أول ترجمة لاتينية للقرآن عام 1143 م، لذلك كان التنصير هو الدافع الحقيقي وراء اهتمام الكنيسة بالقرآن الكريم واللغة العربية. ف”الاستشراق في بداية أمره لم يكن سوى أداة من أدوات التنصير” كما يقول يوهان فوك. إلا أن أول دراسة منتظمة للإسلام وتاريخه في أوروبا بدأت منذ عام 1539 م حين تم إنشاء أول كرسي لدراسة اللغة العربية في الكوليج دي فرانس.

في القرن السادس عشر الميلادي، كان العالم الغربي يمر بتحولات ضخمة نتيجة انقسام الكنيسة مع ظهور البروتستانتية ودخول عصر الإصلاح الديني. على الجانب الآخر كان العثمانيون في أوج قوتهم في العالم الإسلامي وهو ما سبب الخوف لأوربا، وانعكس هذا الخوف في الأدب الشعبي الأوروبي الذي صور العثمانيين على أنهم قوم قساة يتسمون بالتعصب والعنف والشهوانية، وهي الصور التي ظلت سائدة طويلا عن الشرق بعد ذلك.

ثم في القرن السابع عشر، حدثت تغيرات جذرية في أوروبا بعد تقويض الاستبداد الكنسي ودخول عصر النهضة، وبدأت صياغة تصورات جديدة للنظام السياسي، فأصبح المجتمع قائماً على الحرية والقانون. من هنا أصبح يُنظر للدولة العثمانية باعتبارها نموذج أصيل لـ “الاستبداد الشرقي” لتركز السلطة في يد سلطان بشكل مطلق. ثم اكتمل مفهوم “الاستبداد الشرقي” على يد المفكر “مونتسكيو” الذي اعتبر أن النظم السياسية تتحدد تبعاً للجغرافيا والمناخ، فالناس في المناخ البارد نشيطون وشجعان ويحافظون على حريتهم بالطبيعة، بينما الناس في المناخ الحار متأنثون ومتذللون بطبيعتهم. وأصبح هذا المفهوم يُوظف من قبل المستشرقين لتفسير ضرورة هيمنة الغرب على العالم.

ثم في القرن الثامن عشر، وبعد شن حملة ضد الكنيسة وطغيانها الفكري والقيود التي فرضتها على الفكر الحر، ومع استقرار الحداثة ومفهوم التمركز حول الأنا؛ قام الأوروبيون بتثبيت المشروع الحداثي من خلال التأكيد على قيم مركزية خاصة للحضارة الغربية؛ أصولها ترجع الى الإغريق القدماء، وهي الحرية والعقلانية والعلم والتقدم وروح الاختراع.

وقد أدت الحملة التي شنها مفكرو التنوير على الطغيان الفكري للكنيسة الى فتح الطريق أمام توجه أكثر موضوعية في التعامل مع الإسلام، حيث قام هؤلاء المفكرون بمراجعة الكتابات الكنسية حول الإسلام والشرق فوجدوا بها السخرية ومخالفة المعقول والبعد عن الموضوعية، فرأوا ضرورة دراسة الدين الإسلامي بتجرد وموضوعية، حتى أن بعض الأطروحات قدمت في تلك الفترة خطاباً متعاطفاً مع الإسلام باعتباره ديناً عقلياً، بعيداً عن الوثوقية المسيحية.

في هذه الفترة كان العاملان الأساسيان لاهتمام الغرب بالإسلام هما: ظهور الفحص النقدي لأساس الديانات تاريخياً واجتماعياً، وظهور نزعة تذوُّق معلن للأدب العربي. وقد قام هذا العامل الأخير بتقوية فكرة غرائبية الشرق عند الأوربيين. فقد كانت الصور التي استدعاها الكتّاب والفنانون عن الشرق شهوانية ومثيرة. وترسخت هذه الصور بعد توفر أدب شعبي ضخم عن الشرق في أوروبا، ويأتي على رأس هذا كتاب “ألف ليلة وليلة” الذي تُرجم عام 1704م واستمرت إعادة ترجمته من وقتها.

وفي نهاية القرن الثامن عشر، تلاقت اهتمامات الاستشراق بالاستعمار؛ حيث كانت الحملة الفرنسية على مصر عام 1789م فارقة في مسيرة الاستشراق وداعمة للافتراضات النظرية التي وضعها المستشرقون لفهم الشرق والإسلام. تتلخص هذه الافتراضات في كون الإسلام حضارة متمايزة وأحادية الثقافة، وبالتالي فإن الأفكار والمؤسسات السائدة في المجتمعات الإسلامية ثابتة وتعبر عن جوهر ثقافي نقي للإسلام؛ يمكن فهمه باستعمال مناهج الدراسة الفلسفية للنصوص لفهم النصوص التي تضم المبادئ الأساسية للحضارة الإسلامية.

وهكذا، تغيرت الأهداف الغربية من التنصير إلى التوسعات الإمبريالية، وهو ما أحدث تحولاً في الحقل الاستشراقي من ناحية قدرته على دراسة الواقع الإسلامي بشكل مباشر، ومن ناحية إفادته المباشرة والرسمية لحكومات الاستعمار.

المرحلة الثانية: من القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين:

أخذ الاستشراق هيئة أكثر تحديداً ونظامية بفضل جهود سلفستر دي ساسي الذي وضع أطر الاستشراق المنظم؛ حيث وضع منهجاً متكاملاً لكل من يرغب في العمل الاستشراقي من خلال نصوص منتظمة ومذهب تعليمي عملي وتقاليد بحثية. و”يتمثل مفتاح الفهم البحثي للشرق بالنسبة لساسي، ولكثير ممن أتى بعده، في الفيلولوجيا والتحليل التاريخي واللغات المقارن، والتي تُمارس من خلال دراسة النصوص المكتوبة”[2]. كما أنه أول من تولى رئاسة الجمعية الآسيوية التي أقيمت في 1821 م لكي تجمع الباحثين من المهتمين بالشئون الآسيوية وتوالت بعد ذلك نشوء الجمعيات والمجلات الاستشراقية. وبفضل جهوده، أصبحت باريس الوجهة لكل من يريد التخصص في دراسة اللغات الشرقية.

ويعتبر ارنست رينان أهم الشخصيات الاستشراقية المركزية في ذلك القرن، وقد ذهب إلى أن دراسة النصوص في محتواها التاريخي يمكّن من الكشف عن الطبيعة الأساسية للشعب، كما تبنى نظرية قيام “العرق” بدور تفسيري مركزي في المجتمعات، وعلى هذا الأساس أكد على حتمية تخلف المسلمين مفسراً ذلك بأن “العرق” العربي غير قادر على التفكير العلمي والفلسفي.

واعماداً على هذه النظرية العنصرية وبتأثير من نظرية التطور تم تقديم تفسير للتفوق الغربي على أنه نتيجة الصفات العضوية/البيولوجية الفطرية المتفوقة للعنصر الأبيض. وهكذا تم تصنيف سكان إفريقيا وآسيا باعتبارهم منتمين لأعراق متخلفة عضوياً/ بيولوجيا، وبالتالي تم شرعنة الاحتلال الأوروبي الذي احتل مع نهاية الحرب العالمية الأولى 85% من أراضي العالم المأهولة مدعوماً بالمعرفة الاستشراقية.

ظل الاستشراق -حتى بدايات القرن العشرين- مستمراً على التوجه الفيلولوجي الذي سمح لأي باحث يجيد اللغات الشرقية والنصوص الإسلامية الكلاسيكية بإصدار أقوال بشأن كل شيء تقريباً يتعلق بالإسلام.

وداخل مؤسسات الاستشراق الأكاديمي، تم تقسيم الاستشراق إلى أقسام وبرامج علمية بين الشرق الأدنى، والشرق الآسيوي. وجميع هذه التخصصات كان يدرسها علماء لغة لا مؤرخون أو متخصصون.

لكن التطورات التي حدثت في الشرق بين الحربين العالميتين اضطرت الساسة وصناع القرار أن يطالبوا المستشرقين بتحمل مسئولية تخصصات أخرى كالسياسة والاقتصاد والمجتمع، وهو ما أظهر بوضوح قصور الاستشراق الكلاسيكي المعتمد على الفيلولوجيا والتاريخ، واستدعى التوجه نحو التخصص والاستعانة بمناهج أخرى.

 المرحلة الثالثة: من بعد منتصف القرن العشرين إلى بدايات الحادي والعشرين:

بدأ التغير في مفهوم الاستشراق والتحول نحو الاستشراق الجديد منذ أواسط القرن العشرين تقريباً، فبعد أن كان الحقل محتَكراً من قِبل فقهاء اللغة (الفيلولوجيين)، دخل باحثون من تخصصات معرفية أخرى كالعلوم الاجتماعية وعلم الاقتصاد والاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية وغيرها الى ميدان الاستشراق، فهؤلاء اهتموا بدراسة المجتمعات الإسلامية حيث لم تعد التنشئة اللغوية كافية لمعالجة الواقع الشرقي.

وقد جاء التحول نحو “الاستشراق الجديد” نتيجة العديد من العوامل التي أثرت على الجوانب الفكرية والمؤسسية لمسيرة الاستشراق، ومن ضمن هذه العوامل:

– أحداث عالمية ساهمت في تغيير العالم؛ منها: انهيار الإمبراطوريات الاستعمارية والذي كشف عن نقائص الهيمنة الغربية وقوة الخصوصيات الحضارية القومية. ومنها: الحربين العالميتين وما أحدثته من زعزعة لثقة الحضارة الأوروبية في ذاتها وإحساس الإنسان الغربي بنسبية قيمه. ومنها: نمو حركات التحرر الوطني في البلدان المحتلة مما أدى إلى اضطراب في موضوع ومنهج معرفة الغرب بالشرق. ومنها: صعود الولايات المتحدة كدولة عظمى للصدارة تزامناً مع التغيرات الاجتماعية والسياسية في الشرق الأوسط والذي دفع الساسة الأمريكيين لطلب المزيد من المعرفة عن الشرق من المستشرقين الجدد ونقل دفة ثقل الاستشراق من فرنسا وبريطانيا إلى الولايات المتحدة.

– تطورات داخل الأكاديميا الغربية؛ ومنها: تطور العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع وعلم النفس والديمغرافيا والذي ألغى هيمنة المناهج الاستشراقية التقليدية. ومنها: توافر العديد من الباحثين في دراسات الشرق الأوسط من خلفيات أو أصول شرق- أوسطية، وكان بعضهم متأثر بالنزعات القومية أو منتمي لأقليات دينية مما انعكس على بعض الأطروحات الاستشراقية.

كما تزايدت الانتقادات الموجهة للاستشراق التقليدي في كتابات متعددة؛ من ذلك بحث أنور عبد الملك “الاستشراق في أزمة”، وبحث عبد الله العروي “الأيديولوجية العربية المعاصرة”، وكتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد. كما انتقدت الباحثات النسويات تجاهل البحوث الاستشراقية للمرأة بوصفها مشاركة فاعلة في تشكيل العالم الاجتماعي؛ وهو ما أدى لازدهار البحوث النسوية حول حياة المرأة في الشرق الأوسط في فترة السبعينيات.

كل هذه العوامل ساهمت في التحول نحو الاستشراق الجديد، ومن مظاهر هذا التحول وخطواته:

–   طرح فكرة “دراسات المناطق”، وتقوم هذه الفكرة على التقسيم حسب المنطقة لا التخصص؛ بمعنى إدماج كل المهتمين بمنطقة معينة من العالم أياً كان تخصصهم في وحدة علمية واحدة. وتقوم فكرة تأسيس “دراسات المناطق” بنقل بؤرة البحث الى ديناميكيات التغير السياسي والاجتماعي والاقتصادي كي تفيد صناعة السياسة. وهذا التحول نحو “دراسات المناطق” يمثل الانتقال من الاستشراق الديني الأيديولوجي الى الاستشراق السياسي القومي.

 –  كما ظهر مصطلح “مستودع الأفكار” (Think Tanks) إشارةً الى مراكز البحوث والدراسات التي تهدف إلى تكثيف الجهود البحثية ودعم صناع القرار. وقد بدأت هذه المراكز بالتكاثر منذ سبعينيات القرن العشرين، حتى صارت أحد مواقع إنتاج الخطاب الاستشراقي الجديد؛ من خلال كتابة التقارير، وتقديم الاستشارات لصانعي القرار، وتكثيف الظهور في الإعلام للتعليق على الأحداث الشرقية. ويعتبر الخطاب الإعلامي في البرامج والأفلام والمسلسلات والمواد المكتوبة في الصحف أحد أهم مواقع إنتاج الخطاب الاستشراقي الجديد.

  – في الخمسينيات والستينيات، تصاعد دور المختصون بالعلوم الاجتماعية في دراسات الشرق الأوسط، وكان اعتمادهم الأساسي على “نظرية التحديث” التي نظرت إلى الشرق بنظرة أحادية معتبرة أن كل المجتمعات لابد أن تتحول نحو التحديث والحداثة وفق النموذج الغربي، وتلتقي هذه النظرية مع الاستشراق الكلاسيكي باعتبارهما ينطلقان من تناقض جوهري بين الشرق “المتخلف” والغرب “الحديث”.

ثم شهدت السبعينيات صعود ما يُعرف بـ “الصحوة الإسلامية” في الشرق والتي فشل أنصار نظرية التحديث وأنصار الاقتصاد السياسي كلاهما في التنبؤ بها. وبذلك أصبحت إشكالية صعود الحركة الإسلامية قضية مركزية في دراسات الشرق الأوسط. وقد طُرحت عدة تفسيرات لسبب انتشار الصحوة وصعود الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي؛ منها تفسيرات حداثية تصوّر الحركات الإسلامية على أنها حركات رجعية يقوم بها التقليديون وفقراء المدن الذين يعادون الديمقراطية والتحديث بالأسلوب الغربي، أو تفسيرات تعتبر النزعة الإسلامية رد فعل لما بعد الحداثة، حيث تسعى الحركات الإسلامية للتأكيد على حالة الاختلاف والاستقلال الثقافي وإقامة جماعة سياسية وأخلاق بديلة عن تلك المصاحبة للحداثة والعلمانية.

المرحلة الرابعة: مرحلة الاستشراق بعد أحداث 11سبتمبر 2001:

بعد أحداث سبتمبر 2001، زادت الكتابات السلبية عن الإسلام والعرب باللغات الأجنبية، وأصبح الموضوع الرئيسي والمفضل في الدراسات هو موضوع “الإرهاب”. وقد نما الطرح الاستشراقي التاريخي (التقليدي) بجوار الأنثربولوجي (الجديد).

وقد تباينت المواقف الاستشراقية حول موضوع الإرهاب، ويمكن الإشارة إلى اتجاهين متمايزين:

الأول: اتجاه يربط الإرهاب بالإسلام والعرب والمسلمين؛ يمثله بعض الباحثين مثل برنارد لويس الذي تتلخص رؤيته أن الأصولية الإسلامية المعادية للغرب هي جزء من حالة الغضب والخيبة والاستعصاء على تقبل قيم الحداثة والديمقراطية، ففي رأيه أن المسلمين يتنازعهم شعوران: الإعجاب بالغرب والحقد عليه.

ويعتمد الكثير من الباحثين الأمريكيين على أطروحته عند تناولهم لشئون العرب والمسلمين مثل مارتن كريمر ودانييل بايبس وبسام طيبي وفؤاد العجمي ورافائيل باتاي[3].

الثاني: يأتي الاتجاه التفسيري على النقيض من الاتجاه الأول؛ حيث يرى أن الإرهاب ليس من صميم الإسلام، بل إن هناك عوامل ولدت العنف مثل السياسات القمعيَّة التي تُمارَس على العالم الإسلامي، والفقر المنتشر، وانعدام فرص العمل والعيش الكريم، وكذلك سياسات دعم الكيان الصهيوني من العالم الغربي.

لكن الملحوظ أن الاتجاه الأول هو الأعلى صوتاً والمدعوم من قِبل أصحاب القرار الذين يرفعون شعار “الحرب على الإرهاب”؛ فقد تبنت إدارة بوش الأمريكية آراء برنارد لويس وأمثاله.

كما ازدهرت في هذه المرحلة ظاهرة “الاستشراق الإعلامي”، حيث ظهرت مجموعة من الخبراء من عامة المثقفين أو عسكريين متقاعدين، يتسم خطابهم بترديد عبارات رنانة وتبسيط مخل لقضايا معقدة. ويعتبر “الاستشراق الإعلامي” القائم على الإثارة والاختزال أخطر من الاستشراق الأكاديمي من حيث تشكيله لوعي الغربيين الذين لن يقرؤوا المواد الأكاديمية.

ومن المهم الإشارة إلى العلاقة بين الاستشراق الأكاديمي وصنع القرار؛ فقد تبنت الإدارة الأمريكية آراء برنارد لويس وأمثاله. إلا أن منذ 2002، بدأت تظهر سلسلة من الخطابات الرسمية في الإدارة الأمريكية لا تطالب بالهجوم على الإسلام، بل بدعم إسلام “طيب” في مواجهة إسلام “خبيث” في محاولة لتقديم الإمبريالية الأمريكية في حُلّة أكثر لطفاً. هذا الإسلام “الطيب” يتميز بأنه إسلام معتدل وليبرالي يتماشى مع القيم الغربية. وأصبح هدف الغرب في هذه المرحلة هو تشويه الإسلام المقاوم للهيمنة الغربية ووسمه بالإرهاب.

وقد رافق هذا التحول السياسي الرسمي عمل واسع في مراكز البحوث لتدعيم هذا التوجه وتعميقه واقتراح آليات لتنفيذه وتقديم العديد من الأفكار حول المعايير التي يتم من خلالها فرز المسلم المعتدل من المسلم المتطرف/الأصولي.[4]

المبحث الثاني

مقاربة في مفهوم الاستشراق الجديد

يبدأ المؤلف هذا المبحث بتعريف مختصر للاستشراق الجديد بأنه مجمل الإنتاج العلمي الغربي الذي يعتمد مناهج وطرائق العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة في دراسة شئون الإسلام والمسلمين. ثم يعرض أبعاد التغير الذي طرأ على الحقل الاستشراقي من خلال مستويين أساسيين:

أولا: مستوى المنهج العلمي:

في المرحلة الكلاسيكية للاستشراق، كان المستشرقون فقهاء لغة بالأساس، وكانت الممارسات العلمية تركز على المعرفة المعمقة باللغات الكلاسيكية للمنطقة كالعربية والتركية والفارسية، وعلى تحليل المصادر الأولية من خلال تصنيف المخطوطات وطبع النصوص وترجمتها والتعليق عليها.

ثم بدأت تُطرح مفاهيم جديدة للاستشراق وتخلى المستشرقون عن هذه التسمية لصالح ألقاب أخرى مثل مستعرب أو مختص بالإسلاميات، وذلك لكون مصطلح الاستشراق أصبح محمّلاً ببُعد أيديولوجي جعله مرتبطاً بالاحتلال وعدم الموضوعية والعدائية. وبدأ على المستوى المنهجي تحول الاستشراق إلى تخصصات علمية دقيقة في مجالات علم الاجتماع والاقتصاد السياسي والألسنيات والأنثربولوجيا والأعراق، حتى أصبح الحقل الاستشراقي الجديد فرعاً من العلوم الاجتماعية والإنسانية. وحتى عند تطبيق المناهج القديمة في الفيلولوجيا، يحرص الباحثون على تجاوز الاتجاهات التقليدية والموضوعات القديمة واتباع المناهج الجديدة مثل أبحاث الظاهراتية وسيمولوجيا الخطاب الديني وغيرها من مختلف تطبيقات المناهج البنيوية.

ثانياً: مستوى النظريات المُستبطنة أو المُعلنة أحياناً:

ومن التغيرات التي طرأت أيضاً على الاستشراق هي التوسع في مفهوم “الشرق” جغرافياً ودينياً، فأصبح يضم الهند والصين، والعديد من الثقافات غير اليهودية والمسيحية مثل البوذية والزرادشتية. ونتيجة لتراجع تأثير الكنيسة تحرر الاستشراق الجديد من الموضوعات محط اهتمام السياسة الكنسية.

 كما طرأت تغيرات على فكرة “الآخر” التي سيطرت على نظرة الاستشراق للمسلمين؛ فاستبدلت فكرة “الآخر” الشرقي بوصفه جوهراً ثابتاً؛ بفكرة ترى الشرق بوصفه كتلة مركبة من الظواهر الفكرية والثقافية المتنوعة.[5] وعل وجه العموم فقد تأسس الاستشراق الجديد على جملة من المراجعات التي ” تعكس رفض المثل القديمة للهيمنة الغربية، وادعاءتها الكونية، والاعتراف باستحقاقات التعدد والاختلاف”.

ثم استعرض المؤلف رؤيتين غربيتين للاستشراق الجديد: أولهما رؤية جون جيمس كلارك للتحولات الطارئة على الاستشراق الجديد والتي بلورها في ست نقاط: التحول نحو قبول التعددية بحذر، ومنهجية تأويلية أكثر تواضعاً وناقدة للذات تكشف دوافعه الخفية والشريرة أحياناً، والإقلال من الرؤية الموحدة الثابتة لصالح تصميم استشراقي نقدي، ورؤية واقعية للشرق بدلا من النظرات الأسطورية القديمة، وتفكيك خطاب الاستشراق الاستعماري، والاندماج مع “ما بعد الحداثة” بمدارسها المختلفة.

لكن رؤية كلارك الإيجابية حول الاستشراق الجديد لا تعبر بالضرورة عن مجمل الحركة الاستشراقية الجديدة؛     ذلك أن الاستشراق الجديد ليس تيارًا ذا منظومة مغلقة متمركزًا حول رؤية واحدة، بل هو ظاهرة واسعة النطاق تشير الى منظومة فكرية وأيديولوجية ديناميكية متفاعلة وتتباين في مدى ارتباطاتها السياسية، والعقائدية، وأهدافها المعلنة، والخفية.

ولذلك في مقابل تلك الرؤية الإيجابية والمثالية عن الاستشراق الجديد، تأتي رؤية أوليفييه مووس الذي يحصر مفهوم الاستشراق الجديد على التيار الاستشراقي الذي يعمل على إعادة إنتاج مضامين الاستشراق الكلاسيكي في قوالب سوسيولوجية وأنثروبولوجية معاصرة. وهذا التيار يتمحور حول أربعة افتراضات: (1) أن العالم العربي والإسلامي كلٌ متجانس لصدوره عن محددات ثقافية واحدة، وبالتالي يقلص فكرة التعددية. (2) أن الإسلام بوصفه نظاماً للقيم خاص به يعني أن أي تحرك للمسلمين نحو القيم الغربية كالديمقراطية لن يتم إلا بالقطيعة مع الإسلام أو التحول نحو التغريب، وأن تخلف المسلمين يعود إلى عوامل تتعلق بالهوية في تلك المجتمعات وإلى النقائص الثقافية للإسلام نفسه. (3) استمرار النظرة إلى العالم الإسلامي بوصفه كتلة مصمتة وساكنة يتشكل الفرد فيه عبر الثقافة والدين؛ بخلاف الغرب الديناميكي والذي يوفر مساحات تحرر وإنجاز للفرد. (4) أن العنف الإسلامي هو نتاج ثقافي ينبع من الإسلام نفسه؛ إذ يُستخدم مصطلح الإسلام – أو الإسلام السياسي– بوصفه مرادفًا لبنية أيديولوجية عنيفة، ويُربط بشكل مباشر بخطاب الإرهاب، بما يرسخ صورة ذهنية سلبية ويُعمّمها على ثقافة كاملة.

ويرى المؤلف أن الاستشراق الجديد في واقعه الحالي هو مزيج من هذين التصورين، فمع ظهور أطروحات أكثر اعتدالاً وحيادية في تناول الشرق والإسلام، مازالت التصورات المتطرفة موجودة في الفضاء الأكاديمي والإعلامي.

المبحث الثالث

نماذج من مناهج الاستشراق الجديد

انتقل المؤلف بعد ذلك للكشف عن منهجين يعتبرهما المؤلف أشهر المناهج المستخدمة في حقل الاستشراق الجديد، وهما المنهج الأنثروبولوجي، والمنهج اللغوي (الفيلولوجي) المطوّر.

المنهج الأنثروبولوجي:

 الأنثروبولوجيا هي علم دراسة الإنسان. وتنقسم الى الأنثروبولوجيا الطبيعيّة، والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية. وتهتم هذه الأخيرة بالجماعات الإنسانية والظواهر الاجتماعية التي تستحق تفسيراً من خلال العوامل الثقافية. ويقوم منهج البحث الأنثروبولوجي على الدراسة الميدانية واللقاءات الشخصية للوصول الى توصيف للمقولاات محل البحث.

أما علم أنثربولوجيا الشرق الأوسط فقد ازدهر منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومر بأربع مراحل -كما يقول ريتشار أنتون-: (1) مرحلة سيطرة المستشرقين التقليديين التي تركزت دراساتها على التأمل في الدراسات التاريخية والانطباعات الشخصية بعيداً عن المنهج المُنضبط. (2) ثم مرحلة الرحالة والإداريين السياسيين. (3) ثم مرحلة سيطرة الأنثروبولوجيين المحترفين من أصحاب التوجهات النظرية.(4) وأخيراً مرحلة الأنثروبولوجيين المحليين.

وتتركز أبحاث أنثربولوجيا الشرق الأوسط في ثلاثة موضوعات مركزية هي: القبيلة، والمرأة، والإسلام، تلك الموضوعات التي تعكس صدى التيمات الاستشراقية.

وقد تعددت المقولات النظرية التي طرحها علماء الأنثروبولوجيا في دراستهم للمجتمعات العربية والإسلامية، منها:

1- النظرية الانقسامية: والتي شرحها إيفانز بريتشارد، وطبَّقها على مجتمع النوير السوداني الوثني. وتتلخص الأطروحة في أن المجتمع القبلي يمتاز بالانقسام الدائم على نفسه، وتتجسد حياته الاجتماعية في التأكيد على القرابة ورفض الأغراب عنه في بنائه، إلا أن النظرية قابلت العديد من الانتقادات التي كشفت تهافتها.

2- أنثروبولوجيا الإسلام؛ هذا العنوان يشمل الأطروحات التي تتناول الأطر الأنثروبولوجية التي درست الإسلام باعتباره الإطار الأشمل للممارسات الثقافية في المجتمع العربي والمسلم. ومن ذلك أطروحة إرنست غلنر، وتتلخص في أن الإسلام دين نصي أخروي، وهذه الطهورية يخفف من حدتها التوازن بين الأعراف وسلطة العلماء، ويكون للعلماء دور في حراسة النص خصوصاً وقت الأزمات، وأن الأزمة الحالية للمجتمع الإسلامي واتجاهه نحو الأصولية النصية هو نتيجة عدم تقبله وتقبل علمائه للحداثة. وقد اتسع تأثير غلنر وكثر تلامذته ومتبنو فهمه للإسلام بخاصة بعد تفاقم ظاهرة الإسلام السياسي.

ومن الأطروحات الشهيرة التي تندرج في “انتروبولوجيا الإسلام” أطروحة كليفورد غيرتز والتي يختلف فيها مع غلنر؛ حيث يرى أن المجتمع الإسلامي ليس واحدا، وهو مجتمع شديد الحركة والتغير، أما البنى والثوابت البادية فهي رموز تبقى عناوينها وتتغير معانيها. إذن لا يمكن القول إن هناك مجتمع عالمي إسلامي، بل هناك مجتمعات وتقاليد إسلامية متعددة لا تجمعها الا رموز ومقدسات عليا.

3- النظرية النسوية؛ التي تقوم على رفض الفروق بين الذكر والأنثى وتفسر التباين بين الجنسين بأنه نتيجة بناء اجتماعي ثقافي وليس نتيجة اختلاف طبيعي أو بيولوجي، فهي تعتمد على فكرة الجندر باعتباره إطاراً تفسيرياً في الحقول الأنثروبولوجية.

وتهدف دراسات الجندر والأبحاث النسوية في الشرق الأوسط إلى أمرين: أولهما تفكيك الصورة النمطية للمرأة المسلمة باعتبارها كائن خانع وسلبي وعاجز، وثانيهما: تحدي فكرة أن الإسلام حالة استثنائية تشكل وحدة متجانسة تشكل ظروف النساء وأحوالهن بالطريقة نفسها في كل الأماكن.

ويتصل بالنظرية النسوية الأطروحة البطريركية التي تؤكد على أن السمة الغالبة على المجتمعات التقليدية هي الاهتمام بسلطة كبار السن، وخصوصاً الذكور، والتي يرى أصحابها أن المجتمعات العربية والإسلامية من أكثر المجتمعات تمسكاً بهذه التصورات.

المنهج اللغوي (الفيلولوجي) المطور:

قدم المستشرقون الجدد أطروحات تنتمي لحقل الفيلولوجيا والتي تدرس النص القرآني وتاريخ الحقبة التي نشأ فيها الإسلام وظروف تلك النشأة وتداعياتها. ويقوم هذا الاتجاه بنقد جذري للدراسات التاريخية والفيلولوجية في الاستشراق التقليدي، والتنديد باعتمادها على المصادر العربية، وكذلك توظيف بعض المعطيات الأركيولوجية[6] من أجل إعادة بناء تاريخ النص القرآني ووقائع الإسلام المبكر.

ويستعرض المؤلف هنا أبرز الدراسات التي تبنت هذا المنهج:

  1. دراسة بعنوان “Ur-Kuran” أي “القرآن الأصل” للألماني فونتر ليلنف، يحاول فيها الوصول فعلياً للنص القرآني الأصل، وتوصل – بعد تطبيق منهج انتقائي- إلى أن القرآن ما هو إلا تركيب عربي لمجموعة من النصوص اليهودية والمسيحية، وأن ما يزيد عن ثلث القرآن (قصار السور تحديداً) ما هي إلا مقاطع من أناشيد كنسية مسيحية كان يرددها الكهان في صلواتهم!
  2. كتاب “دراسات قرآنية” لجون وانسبورو الذي يدَّعي فيه أن القرآن لم يُدوَّن إلا بعد قرن ونصف القرن من وفاة النبي عليه السلام، وأنه خليط من المقاطع التي تواصل تأليفها وجمعها فترة تاريخية طويلة، وبالتالي فهو نص بشري ظهر بعد وفاة النبي عليه السلام، كما رجح أن القرآن لم يكتمل شكله النهائي سوى في القرن التاسع الميلادي، وأن الروايات التي تحدثت عن جمع عثماني للنص القرآني هي روايات مختلقة بشكل بعدي لإضفاء مشروعية رمزية للقرآن.
  3. كتاب “الهاجرية: تكوين العالَم الإسلامي” لمايكل كوك وباتريسيا كرون، واللذين تأثرا بمنهجية وانسبورو، وهو بحث في أسباب نشأة العقيدة الإسلامية كجزء من نقد التاريخ الإسلامي والنص القرآني. في هذا الكتاب، رفض الباحثان كل المصادر الإسلامية التي تؤرخ لنشأة الإسلام؛ لأنها في نظرهما منحولة “انطلاقاً من دافع بناء الدولة الإسلامية، ومن انتماء واضعي هذه النصوص إلى نخبة متواطئة مع سلطة سنية حاكمة، ومن حاجة العلماء إلى تقديم صورة مثالية عن الدين الذي رفع شأنهم”. وتوصلا من خلال مصادر أركيولوجية إلى نتائج شديدة الغرابة حيث رأيا أن العقيدة الإسلامية مقتبسة عن مذهب “الهاجرية” وهم فرقة من فِرَق اليهود لكن المسلمين تنكروا لأصلهم اليهودي لإثبات خصوصيتهم!
  4. كتاب “قراءة سريانية آرامية للقرآن: مساهمة في تفسير لغة القرآن الكريم” للألمانيّ كريستوفر لوكسنبرج؛ حيث يرى أنَّ القرآن كتاب تراتيل طقسية مسيحية، وأن لفظة “القرآن” مُشتَّقة من الأصل السريانيّ “قريانا”، والتي تعني كتاب الفصول، وأن النبي عليه السلام بترجمة هذا الكتاب إلى العربية لم يكن يهدف لإنشاء دين جديد، بل فقط للتبشير بالمسيحية. ويدَّعي أن المُسلمين قد أخطأوا في فهم وتفسير القرآن؛ ظنًّا منهم أنَّه عربيّ رغم سريانيته الواضحة.

ويشير الدكتور المبروك المنصوري إلى أن هذا الكتاب ظل مغموراً إلى أن أولته الصحافة الأمريكية اهتماماً بالغاً بعد أحداث سبتمبر.

  1. كتاب “نشأة الإسلام: بحث تاريخي في الأصول” لميشال أورسل؛ وقد فند الباحث فيه مزاعم هذا التيار من المستشرقين الجدد، وهي: نفي وجود النبي أصالةً، والتشكيك في الرواية السائدة حول جمع القرآن والادعاء أنه نص سرياني آرامي جُمع في العصر الأموي لأسباب سياسية وأيديولوجية، والتشكيك في وجود مدينة اسمها مكة واعتبارها أسطورة، والتشكيك في وجود كعبة في مكة تؤدى حولها شعائر الحج واعتبار المسجد الأقصى أسطورة أموية لاستبدال مكة بقبلة جديدة هي بيت المقدس. وهكذا تظهر محاولات هدم المقدسات في الإسلام ابتداءً من النبي إلى النص القرآني وحتى الأماكن المقدسة.

ويبين أورسال أن أبحاث هذا التيار تستند الى خلفيات منهجية ثلاث، هي: إعادة الخطاب المناؤي للإسلام منذ يوحنا الدمشقي في العصر الوسيط إلى الاستشراق الحديث مع تغيير المصطلحات فقط، ونفي مصداقية وموضوعية المصادر الإسلامية الأصيلة، وأخيراً إهمال استخدام الوثائق العلمية الموضوعية التي تهدم أطروحاتهم. ثم يعمل أورسال على بيان صدق الروايات الإسلامية في خطوطها العريضة سواء ما يتعلق بسيرة النبي عليه السلام أو جمع القرآن الكريم أو تاريخ مكة المكرمة والكعبة والمسجد الأقصى من خلال شهادات تاريخية وموضوعية.

المبحث الرابع

في نقد الاستشراق الجديد

يقدّم المؤلف في المبحث الأخير رؤية نقدية للاستشراق الجديد، على النحو التالي:

الجانب الأول: شدة الارتباط بالإرث السلبي في الاستشراق القديم:

فالاستشراق المعاصر- رغم بعض التغييرات الإيجابية التي دخلت عليه- لا يُمثل حالة قطيعة حقيقية مع الاستشراق القديم، وإنما هو محاولة استثمار الأدوات العلمية الحديثة لتجديد أطروحات الاستشراق الكلاسيكي بما يمكن أن يُطلق عليه “الاستشراق المُجدَّد”. ويظهر الارتباط بين الاستشراق الكلاسيكي والمجدد من خلال:

  1. العلاقة الوثيقة مع الدوائر السياسيَّة وقوى الهيمنة والاحتلال:

لم تنتهِ العلاقة بين الاستشراق وقوى الهيمنة العالمية، فالاستشراق القديم ارتبط بحركة الاحتلال العسكري التي استهدفت العالم الإسلامي حتى منتصف القرن العشرين. ورغم تراجع الاحتلال العسكري المباشر وظهور الاستشراق الجديد بعد منتصف القرن العشرين، إلا أنه ظلت العلاقات واضحة، حيث تستعين الوكالات الحكومية الأمريكية بالخريجين المتخصصين في دراسات الشرق الأوسط. كما أن كثير من المستشرقين يعملون مع الجهات السياسية. وكذلك يبرز التداخل الضخم بين مراكز الأبحاث أو ما يُسمى “مستودعات الأفكار” ودوائر السياسة.

  1. استمرارية تثبيت واستثمار الصور النمطية السلبية عن الشرق الإسلامي:

ظلت الصورة النمطية السلبية عن الشرق الإسلامي حاضرة وبقوة عند المستشرقين الجدد الذين أصبحوا يبحثون عن ماصدق هذه الصورة الذهنية في المجتمعات الإسلامية، واستمر بث هذه الصورة في وسائل الإعلام بشكل مكثف. فالعربي المسلم لم يستطع الانفكاك من وصفين ظل الاستشراق الجديد يرسخهما بأدواته الجديدة وهما الإرهاب، والشهوانية والذكورية.

  1. استمرارية المصادرات الاستشراقية المتعلقة بالإسلام:

تستمر المصادرات الاستشراقية حول الإسلام نفسه، والتي تظهر في الدراسات اللغوية والألسنية الحديثة التي تتناول القرآن والسنة والسيرة النبوية.

فالاستشراق التقليدي أكَّد على رفض الاعتراف بكون الإسلام ديناً سماوياً، ورفض الإقرار بالوحي، ونسب العقيدة الإسلامية إلى جذور مختلقة من اليهودية والنصرانية، كما نسب التشريعات الإسلامية إلى القوانين البابلية واليونانية والرومانية. هذه المصادرات أعادها الاستشراق الجديد، ولكن بأدوات لغوية وألسنية جديدة.

الجانب الثاني: الإشكاليات المنهجية في العلوم الإنسانية:

يرصد المؤلف الإشكاليات المنهجية والعلمية في العلوم الإنسانية التي تؤثر في درجة موضوعيتها، نظراً لأن هذه العلوم هي التي كُتبت بمناهجها وأدواتها أعمال الاستشراق الجديد. ولقد تناول المؤلف هذه الإشكاليات من جانب الموضوع البحث أو من جانب الباحث نفسه.

من ناحية موضوع البحث: يعتبر موضوع العلوم الإنسانية والاجتماعية الرئيسي هو الإنسان والمجتمع، والإشكالية هنا هي تفرُّد الحالة الإنسانية التي يتعذر معها الوصول لتعميمات ويصعب معها التنبؤ بالسلوك الذي يتصف بالعفوية والتعقيد. فالاطراد في الظاهرة الإنسانية أقل من الاطراد في الظواهر الطبيعية، وهو ما يؤدي إلى صعوبة إخضاعه للتجربة والقياس والتنبؤ.

كما أن الإنسان والمجتمع- موضوع الدراسة- يتبعان غايات معينة ويتحركان وفق منظومات قيمية وأخلاقية، فإذا كان من الممكن تجاوز التفسيرات الغائية في العلوم الطبيعية، فإن ذلك مستحيل في العلوم الإنسانية. وهذا الإطار الغائي للنشاط الإنساني – إضافةً إلى التقاليد والتراث والنظم والعلاقات التي تختلف من مجتمع لآخر- يجعل النتائج المستخلَصَة تنطبق من مجتمع ما يصعب تعميمها على مجتمعات أخرى.

أما من ناحية الباحث: فإنه يواجه بعض الإشكاليات التي تؤثر في منهجه وتضعف من أحكامه ونتائجه؛ وقد أشار المؤلف إلى ثلاث إشكاليات هي الذاتية، والقيمة، والأيديولوجية.

 –  فذاتية الباحث في مجال العلوم الإنسانية تجعله غير قادر على تحليل الظاهر إلا عبر خبرته الذاتية التي تشوبها النوايا والغايات الخاصة؛ والتي تؤثر على أحكامه ونتائج بحثه.

  – أما قيم الباحث فتظهر في الأسئلة والمشكلات البحثية التي يحاول الباحث الإجابة عنها والتي تعكس اهتماماته الخاصة، وهذه القيم قد تؤثر في النتائج وتحليل الشواهد والبيانات.

 –  تعبر الأيديولوجية عن ارتباط الفكر بالأصول الاجتماعية، وغاية هذا الارتباط إما أن يكون سعياً لترسيخ الحالة الراهنة للجماعة أو سعياً لتغييرها. والباحث أثناء تحليله للظواهر يندر ألا يكون له موقف اجتماعي خاص يسعى له.

بعدما أوضح المؤلف إشكاليات العلوم الإنسانية عموماً، أورد ثلاث إشكاليات خاصة بأطروحات الاستشراق الجديد بشكل أكثر تحديداً:

1- أزمة الإبستمولوجيا الإمبريالية:

إذا تجاوزنا دور الانحياز الأيديولوجي والعرقي عند الباحثين كسبب لتعثر البحث الاستشراقي المعاصر، فإنه من المهم الوقوف عند السياق التاريخي والسياسي والثقافي والاجتماعي لإنتاج المعرفة؛ وهو هنا سياق التوسع الإمبريالي. كما يجدر إدراك دور المعرفة باعتبارها أداة هيمنة وسيطرة داخل المجتمعات، وإدراك الارتباط البنيوي بين إنتاج المعرفة والتوسع الاستعماري. ولذلك يرى المؤلف أنه ينبغي لنا استعادة “الإمبريالية” كمقولة تحليلية توفر نموذجاً تفسيرياً يلقي الضوء على جوانب مهمة في الاقتراب النظري للعلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة. وهنا، يورد المؤلف بعض الأطروحات النقدية للمشروع الحداثي الغربي التي تؤكد على إفلاس التنوير كمشروع إنساني تحرري وتحوله لمشروع هيمنة عبر أدوات التحرير نفسها التي يدَّعيها، وهو ما تطلق عليه مدرسة فرانكفورت “جدلية التنوير” لإبراز التناقض الداخلي للحداثة.

2- التحيزات غير العلمية:

هناك تحيزات مرتبطة بفلسفة العلم وتاريخه؛ فنجد أن كثيرا من الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية الغربية -كالصراع مع الكنيسة وتراجع الدين في الفضاء العام وذيوع العلمنة والإلحاد- كان لها أثر عميق على الأطروحات والأفكار والنماذج التفسيرية التي أصبحت تشكل البنية الأساسية للعلوم الإنسانية. من هذه الأفكار والأسس المنهجية التي قامت عليها هذه العلوم: اعتبار الدين كيان غير علمي، وقصر المعرفة على الملاحظة والمشاهدة الواقعية للظواهر الاجتماعية، والانتصار للوضعية والتجريبية، وإرساء مقولة “الصراع”؛ سواء الصراع مع الآلهة أو مع الطبيعة أو مع الآخر…

هذه الأسس أدت إلى نتائج متحيزة وسلبية في حقل العلوم الإنسانية؛ مثل: اختزال المعرفة الاجتماعية في جوانبها المادية الواقعية وإقصاء الجوانب الأخرى، وتأكيد نسبية الحقيقة الأخلاقية باعتبار أن المجتمع هو مصدر القواعد الاجتماعية، وصياغة المفاهيم الإلحادية في قوالب سوسيولوجية.

أما النماذج التفسيرية والنظريات مثل نظريات التحديث والتنمية والحركات الاجتماعية التي حاول المستشرقون الجدد فهم المجتمعات الإسلامية من خلالها باءت بالفشل لأنها نماذج وأطروحات موجهة بالأساس لمجتمعات مختلفة اجتماعياً وسياسياً.

ومن التحيزات المتعلقة بحقل الاستشراق الجديد تحديداً أن المستشرقين الجدد الذين يقرأون الإسلام من خلال الظواهر السوسيولوجية أو الاقتصادية كثير منهم لا يعرفون اللغات التي تتحدث بها المجتمعات محل الدراسة، مما يضطرهم إلى اللجوء إلى: الإحصاء والتعداد في دراسة الظواهر مما يؤدي لتقديم صورة شمولية مختزلة، أو الاعتماد على كتب أصحاب الاستشراق التقليدي العارفين باللغة مما يؤدي لكون النتائج أشبه بتقرير مخابراتي.

ومن التحيزات أيضاً هي الطبيعة الأيديولوجية لهذه العلوم؛ وذلك لكون القضايا التي تبحثها هذه العلوم هي قضايا الحياة الاجتماعية والتي تخضع للمصالح وتجاذبات القوى وتأثير وظروف السياق السياسي والاجتماعي. ولذلك نجد موضوعات معينة تهتم بها تلك العلوم؛ مثل اهتمام الأبحاث الأنثروبولوجية – التي تتناول الشرق الأوسط- بموضوعات القبيلة والمرأة والإسلام.

وأخيراً فإن ظهور بعض المستشرقين الذين يمثلون النزعة الإنسانية التي تحترم التعددية وترسي دعائم النسبية الثقافية لا ينبغي أن يقودنا الى المبالغة في تقدير مظاهر التقدم في الحقل الاستشراقي الجديد، لأن هؤلاء الباحثين لم يستطيعوا بعد تجاوز المركزية الأوروبية.

3- المقاربة المغلوطة للدين والتدين:

يلقي المؤلف الضوء في هذه الفقرة على طبيعة موقف علم الاجتماع الديني من الدين والتدين. فقد رأى مؤسسوا علم الاجتماع أنه علم وضعي يقدم الأسس العلمية لأخلاق علمانية، تجردت من العناصر الخرافية المستمدة من الأديان. فالدين بالنسبة لمنظري علم الاجتماع يمثل واقعاً موهوماً ومضللاً رغم تأثيره الكبير في حياة المجتمعات. وأن العلمنة ستسود في المجتمعات حين يعتمد الناس على العلم والتقانة في تفسير العالم الاجتماعي. وهكذا أصبح يُنظر للظواهر الدينية من منطلق سلبي وتُحلّل التطورات الدينية المعاصرة في إطار التناقض بين الحداثة والدين؛ بمعنى أنه كلما تقدمت الحداثة تراجع الدين.

وأصبح علم الاجتماع الديني المنبثق من علوم الاجتماع والانتروبولوجيا هو المهتم بفهم وتفسير الظواهر والأنظمة الدينية، وقد أنتج هذا الحقل العديد من النظريات التي تحاول تفسير نشوء النظام الديني ويتم تطبيقها على الدين الإسلامي، ومنها: نظرية “فريزر” الذي رأى أصل الدين هو السحر. ونظرية “هيبر” الذي رأى أن نشأة الدين يعود للأسطورة. ونظرية “ماركس مولر” الذي رأى أن الدين محاولة أولى قام بها الذكاء الإنساني لتفسير الظواهر الطبيعية، وهو يجعل أصل الدين نوعاً من الوحي الذاتي والحدس بوجود اللانهائي.

وإلى جانب النظرة العلمانية السلبية، هناك نظرة كنسية مسيحية تأثر بها مستشرقون في نظرتهم إلى الإسلام، ويرجع هذا لأسباب منها: ظروف نشأة الباحث وملابسات واقعه الاجتماعي وتراثه الديني، إلى جانب الدور الذي لعبته الأوساط المسيحية في تطور علم الاجتماع نفسه.[7] ومن مظاهر التأثر بهذه النظرة المسيحية: ظهور مصطلحات ذات دلالات ثقافية في الأبحاث الاجتماعية التي تتناول الإسلام المعاصر مثل “المنهج الأرثوذكسي” لوصف المنهج السلفي، ومناهج تحاكي أنماط تأويل النصوص المقدسة، ومفاهيم محملة بحمولة ثقافية ودينية مغايرة مثل “الخلاص” و”الحروب المقدسة”، بل حتى المفاهيم الإسلامية -كالجهاد- يتم إعادة إنتاجها وتصورها وفق المنظور الغربي، وكل هذا يؤدي إلى فهم خاطئ وبعيد تماماً عن الواقع الإسلامي. ولم يتوقف التأثر بهذه النظرة عند المستشرقين الجدد من الغرب، بل نجدها تنتقل إلى باحثين محليين منتمين إلى بلدان الشرق الأوسط، إلا أنهم يعملون في حقول الاستشراق الجديد بفعل التبعية والاندماج، فيستخدمون النماذج التفسيرية المتحيزة لعجزهم عن إبداع نماذج أصيلة تراعي الخصوصية الثقافية.

إن النظرة المتحيزة للدين تجعل معظم المختصين غير قادرين على فهم النص الشرعي أو التاريخ الإسلامي أو المجتمعات الإسلامية المعاصرة عند تطبيق مناهج العلوم الإنسانية، ذلك أنهم لا يعترفون ابتداءً بإمكانية اعتبار الدين والأخلاق والإيمان محركاً للتاريخ، بل ينطلقون من أن التاريخ محكوم دائماً بدوافع غريزية مادية، وأن الخطاب الديني ما هو إلا بنية فوقية معلنة تخفي الدوافع التحتية الحقيقية. لذلك، فهم يعيدون تفسير تاريخ الحركة الإسلامية ومفاهيمها الجوهرية تفسيراً تستبعد فيه أية دوافع أخلاقية أو دينية ويردُّون كل وقائع التاريخ الإسلامي إلى أسباب سياسية واقتصادية ومصالحية. وهذا التفسير المادي لدوافع الحركات الإسلامية ينم عن جهل بالطبيعة الإنسانية ذاتها، فالمكون الديني والروحاني والأخلاقي من أقوى مكونات ودوافع الإنسان.

خلاصة:

لقد أصبح من الضروري اليوم دراسة ما ينتجه الغرب عن الشرق والإسلام، ولم يعد يكفي بأي حال من الأحوال الوقوف عند الشبهات والشكوك التي يثيرها المستشرقون حول النصوص فقط، فلم تعد النصوص بوابتهم الوحيدة لفهم الإسلام والمسلمين، بل طوروا المناهج والأطروحات لفهم أعمق وأكثر تركيباً وارتباطاً بواقع هذه المجتمعات الشرقية والإسلامية في محاولة لمراعاة الفروق بين المجتمعات دون تعميم مخلّ.

وتظهر خطورة هذا النمط من الدراسات، لا في كونه إنتاجًا معرفيًا فحسب، بل في كونه معرفةً فاعلة تتجاوز حدود البحث إلى مجال التأثير والسياسة، وتشارك في تشكيل صورة هذه المجتمعات في الوعي العالمي، بل وفي وعيها بذاتها. فحين تُقدَّم هذه المجتمعات ضمن أطرٍ تفسيريةٍ محددة، فإن ذلك لا يظل حبيس الكتب والتقارير، بل يمتد أثره إلى الإعلام، والمؤسسات الدولية، ومراكز صنع القرار. ولذلك تصبح دراسة الاستشراق الجديد ونتاجه ضرورة ملحة، ليس فقط لفهم ما يقال عن الشرق والإسلام، بل لفهم الكيفية التي يعاد بها تعريفهما وتحديد موقعهما والتأثير في مستقبلهما ضمن نظام عالمي تتداخل فيه المعرفة بالسلطة.

عرض:

أ. تقى محمد يوسف*

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  عبد الله الوهيبي كاتب وباحث سعودي حاصل على بكالوريوس في الشريعة، وماجستير في الثقافة الإسلامية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. له العديد من المؤلفات مثل “الاستشراق الجديد”، و”التبرج المسيس”، و”معنى الحياة في العالم الحديث”، و”موت الأسرار: الكشف عن الذات في العصر الرقمي”، وآخر مؤلفاته “صناعة السمعة في الشهرة الرقمية”.

[2] السابق: 34

[3] صاحب كتاب “العقل العربي” الذي يؤكد فيه الطبيعة الوحشية والجنسية للعرب والذي لاقى رواجا في الغرب وفي معسكرات أمريكا الحربية في العراق

[4] يأتي في هذا السياق تقرير “الإسلام الديمقراطي المدني” والذي صدر عن مؤسسة راند في فبراير 2005 في إطار الجهود الأمريكية لإعادة رسم الخريطة السياسية والاقتصادية للعالم الإسلامي بعد أحداث سبتمبر. وتعتبر مؤسسة راند أهم مراكز الدارسات الاستراتيجية الأمريكية، والذراع البحثي شبه الرسمي للإدارة الأمريكية. يشير التقرير إلى أهمية تحاشي ترك أي انطباع يشير إلى عداء الولايات المتحدة للإسلام، مع ضرورة إيجاد شركاء لترويج الإسلام الديمقراطي “الإسلام الطيب” الذي يتماشى مع القيم الغربية. وانتهى التقرير -بعدما رسم خارطة الاتجاهات في العالم الإسلامي وهي الأصوليون والتقليديون والعلمانيون والحداثيون- إلى ضرورة دعم الحداثيين أولا وتكريس رؤيتهم للإسلام لإزالة رؤية التقليديين، وذلك من خلال تزويدهم بمنبر للتعبير عن أفكارهم ونشرها وتقديمهم للجماهير كواجهة للإسلام المعاصر.

[5] كما يمكن إضافة مستوى آخر للتغير لم يشر إليه المؤلف بتوسع ويحسن إضافته في هذا السياق، وهو مستوى القضايا محل الاهتمام:

إذا كانت الموضوعات والقضايا محل اهتمام الاستشراق القديم منصبة ومركزة حول النصوص والتاريخ، فإن من الموضوعات التي يثيرها المستشرقون الجدد ويبحثون فيها:

  1. الدراسات المستقبلية: يعد التركيز على الدراسات المستقبلية من أبرز قضايا الاستشراق الجديد، حيث تهتم المؤسسات الاستشراقية بتحليل الاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العالم الإسلامي والتنبؤ بمستقبله؛ بهدف فهم مسارات التحول المحتملة، بما يساعد صُنّاع القرار على وضع استراتيجيات طويلة المدى تجاه العالم الإسلامي. وتعتمد هذه الدراسات على أدوات علمية مثل التنبؤ الشرطي والاستقراء، وتُنجز غالبًا من خلال مستودعات الأفكار.
  2. قضايا المرأة في العالم الإسلامي: تشكل قضايا المرأة محورًا مهمًا في الاستشراق الجديد، حيث يركز المستشرقون على دراسة أوضاع المرأة في المجتمعات الإسلامية، وتحليل موقعها الاجتماعي والثقافي والديني؛ بهدف فهم البنية الاجتماعية للعالم الإسلامي، إلا أنه يُوظف في كثير من الأحيان لتقديم تصورات نقدية حول الثقافة الإسلامية وربط قضايا المرأة بموضوعات مثل حقوق الإنسان والتحديث والتغيير الاجتماعي.
  3. دعم الكيان الإسرائيلي وتأييد الصهيونية: يبرز أيضا اهتمام الاستشراق الجديد بالصراع العربي-الإسرائيلي، حيث يسهم بعض المستشرقين في إنتاج دراسات وأبحاث تدعم الرؤية الإسرائيلية، وتحلل أوضاع العالم العربي من منظور يخدم المصالح الإسرائيلية. ويتجلى ذلك في تقديم تفسيرات سياسية وتاريخية للصراع، وإنتاج معرفة تُستخدم في توجيه السياسات الغربية تجاه المنطقة.
  4. دراسة الحركات الإسلامية المعاصرة: يولي الاستشراق الجديد اهتمامًا كبيرًا بالحركات الإسلامية المعاصرة، من حيث نشأتها وأفكارها وانتشارها وتأثيرها السياسي والاجتماعي؛ بهدف فهم طبيعة هذه الحركات، وتحديد مدى تأثيرها في المجتمعات الإسلامية وفي العلاقات الدولية. ويُستخدم هذا النوع من الدراسات في وضع سياسات التعامل مع هذه الحركات على المستوى الدولي.[5]

[6] الأركيولوجيا علم يسعى الى استثمار الآثار القديمة في إعادة بناء التاريخ.

[7] حيث وصلت نسبة الأبحاث الاجتماعية الكنسية في الولايات المتحدة إلى 41% بين عامي 1965-1966 كما يقول المؤلف

* باحثة في العلوم السياسية.

عن تقى محمد يوسف

شاهد أيضاً

د. وائل حلاق: حوار حول مشروعه الفكري وقضاياه الكبرى

أ. وليد القاضي

يُعَد د. وائل حلاق واحدًا من أشهر وأهم المفكرين المَعنيِّين بالدراسات الإسلامية في وقتنا هذا، إذ لديه مشروع فكري ومعرفي رصين

تساؤلات حول علاقة الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع

أ. د. شريف عبد الرحمن سيف النصر

للنظرية مكانتها الخاصة من العلم الحديث؛ فهي الإطار الفكري الذي يربط بين الوقائع، والمفاهيم، والفروض. والتنظير — بحكم اشتقاق الكلمة سواء من اليونانية أو العربية — يعنى التأمل والنظر في الواقع وما يحويه من ظواهر وتفاصيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.