العنوان: اقتصاد العملات المشفرة ومستقبل النقود.
المؤلفان: عثمان عثمانية وداد بن قيراط.
الطبعة: الأولى.
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسات الحالة.
مكان النشر: بيروت – لبنان.
تاريخ النشر: مارس 2022.
الوصف المادي: 320 صفحة – 24 سم.
الترقيم الدولي: 978-614-445-454-1.
أولًا: التعريف بالكاتبين:
- عثمان عثمانية: أستاذ محاضر بقسم الاقتصاد بجامعة العربي التبسي- تبسة في الجزائر، وهو باحث في موضوعات الاقتصاد، والسياسة، والمجتمع، ويشتغل على فلسلة الاقتصاد والسياسة، لا سيما فيما يتعلق بالرأسمالية، والديمقراطية، والحوكمة، ومن مؤلفاته “عالم ما بعد جائحة كوفيد – 19: مآلات الأيديولوجيا والاقتصاد” في عام 2020.
- وداد بن قيراط: أستاذة محاضرة بقسم علوم التيسير بجامعة العربي التبسي-تبسة في الجزائر، وهي متخصصة في مجالات إدارة الأعمال، والتسويق، واستخدامات تكنولوجيات الدفع، والمالية الحديثة في قطاع الخدمات، ومن اهتماماتها البحثية: تأثيرات أساليب التسويق الحديثة على جودة خدمات المصارف وأدائها.
مقدمة:
يُقدم الكتاب عبر فصوله الأحد عشر عرضًا موجزًا لتطور النقود واستعمالاتها منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، حتى ظهور العملات المشفرة في العصر الراهن، فيُعرف بماهية النقود، وأنواعها، ووظائفها، ومن ثمَّ ينتقل ليناقش مفهوم التكنولوجيا المالية، وأسسها، ومراحلها، ومن خلالها يُمهد الكتاب للتعريف بتقنية البلوكتشين والعملات المشفرة المختلفة المبنية على تلك التقنية، وما صاحب انتشار تلك العملات من وظائف مستحدثة، فتحت الباب أمام استغلال البلوكتشين في مجالات تجاوزت مجرد التبادل المالي.
كما يطرح الكتاب الإشكاليات المرتبطة بتبني الدول لتقنيات البلوكتشين والعملات المشفرة من الناحية القانونية، والتشريعية، والأيديولوجية، ليُقدم رؤية استشرافية حول مآلات استخدام تلك العملات في المستقبل.
وتسهيلًا لعرض الأفكار الواردة في الكتاب، سيتم تقسيمها على أربعة محاور رئيسة، يتناول أول هذه المحاور التأصيل التاريخي والنظري لمفهوم النقود والنقد، ومفهوم النقود في الشريعة الإسلامية، ويدور المحور الثاني حول مفهوم التكنولوجيا المالية الحديثة، ومفهوم البلوكتشين، والبيتكوين، أما المحور الثالث فيتناول العملات البديلة للبيتكوين، وتطبيقاتها، ووظائفها المختلفة، والمحور الرابع والأخير، فيُركز على تحليل الجانب التشريعي والقانوني لتبني العملات المشفرة والبلوكتشين من قبل الدول والمؤسسات المالية المركزية الرئيسة حول العالم، ويعرض لأطروحة الكتاب حول الحلول المقترحة لتوسيع استخدام تلك التقنية والتحديات المستقبلية التي قد تعوقها.
ولمَّا كانت المصطلحات الواردة في الكتاب قليلة الاستعمال لدى غير المتخصصين في الاقتصاد، فسيجري في صدر كل محور من تلك المحاور وضع مسرد للمفاهيم الأساسية غير المألوفة – إن وُجدت – مصحوبًا بشرح مبسط لها، بهدف تقريب الصورة أكثر للقارئ، وسيجري في نهاية العرض إيضاح وجهة النظر العامة بشأن أفكار الكتاب والتعقيب عليها.
المحور الأول: نظرة تأصيلية وتاريخية لمفهوم النقود والنقد:
مسرد المفاهيم الرئيسة:
- النقود السلعية: المقصود بها الثمار والسلع التي تفيض عن حاجة الإنسان فيقوم بمبادلتها بسلع أخرى يحتاجها الفرد مع أقرانه، وذلك خلال عملة المقايضة.
- النقود الرمزية: هي النقود المعدنية التي لا تحمل قيمة في حد ذاتها، ولكنها تُطلى بنوع من المعادن النفيسة كالذهب أو الفضة، وتتعهد السُلطة المنظمة بقيمتها، بما يضمن إمكانية تبادلها في السوق.
- نقود الدَّين: هي أوراق تُثبت وجود رهن أو دَين بين طرفين، وغالبًا ما تكون مرتبطةً بالحرب.
- إلكتروم: هي سبيكة معدنية يجري تشكيلها بمزج الذهب والفضة وصكها في شكل عملة.
- نظام قاعدة الذهب: هو النظام القائم على ربط العملة الوطنية بمقدار احتياطات الذهب التي تمتلكها كل دولة، وهو النظام الذي توطد في الولايات المتحدة وأوروبا بعد منتصف القرن التاسع عشر.
- نظام بريتون وودز: هو نظام مالي عالمي وُضع بعد الحرب العالمية الثانية، تعهدت فيه الولايات المتحدة بتوفير الذهب اللازم لاستبدال الدولار الأمريكي الذي تمتلكه الدول الأخرى، متى رغبت تلك الدول في ذلك، ليصير الدولار العملية الأساسية في التعاملات المالية والتجارية الدولية والوسيط بين الذهب وعملات الدول.
يتناول هذا المحور التطور التاريخي لظهور النقود كما نعرفها اليوم، بدءًا من النقود السلعية حتى النقود الرقمية، كما يعرض المحور للوظائف التي تؤديها النقود وسماتها الرئيسة والتي تجعلها شيئًا أساسيًا في التعاملات اليومية لحياة الإنسان، ومن ثمَّ يعرض المحور لمفهوم وخصائص النقود في الشريعة الإسلامية.
لقد استطاع الإنسان الأول مع الثورة الزراعية والانفجار السكاني المتمخض عنها أن يكوِّن فائضًا من السلع لتبادلها مع أقرانه والحصول على سلع أخرى يحتاجها، وهو ما عُِرف فيما بعد باسم “نظام المقايضة”، فقدمت تلك المجتمعات الزراعية الأساس العملي لظهور النقود في شكلها السلعي، والتي تطورت بعد ذلك لأشكالها المختلفة من النقود الورقية والمعدنية. فبالنسبة للإنسان البدائي “الصيَّاد”، لم تكن ثمة حاجة لاستعمال النقود، إذ اقتات هذا الإنسان على ما يصيده من حيوانات ويجمعه من ثمار بريَّة.
قدمَّت حضارة الأزتك في أمريكا اللاتينية مثالًا على استعمال السلع في عمليات المقايضة كنقود سلعية، فاعتمدت على بذور الكاكاو لإتمام عمليات التبادل، باعتبارها نوعًا من أنواع النقود، كما اعتمدت حضارة الإنكا على ذات النظام، واستعمل كل من السوماريين والمصريين القدماء التمور كنقد، ومن ثمَّ اتجهوا إلى استعمال الذهب والفضة، بسبب سهولة تجزئتها إلى قطع أصغر. وطرح نظام المقايضة ذاك عدة إشكاليات تمثلت في صعوبة نقل وتخزين السلع محل التبادل مع تزايد أعداد السكان وتباعد مناطقهم، إلى جانب إمكانية عدم وجود رغبة لدى الطرف الآخر في إتمام عملية التبادل، واختلاف قيم السلع التي يجري مقايضتها ببعضها البعض، ومن ثمَّ صعوبة تقدير الكمية أو الحجم المناسب للسلعة لقاء مبادلتها بسلعة أخرى، وهو ما أبرز الحاجة لنظام آخر لإتمام عمليات التبادل.
ومن منظور تاريخي، ثمة تزامن بين استخدام النقود السلعية، والمعدنية، والورقية مع تقدم الحضارات. فقد ظهر أول شكل من أشكال النقود المعدنية (التي تشبه النقود المتعارف عليها اليوم) في مدينة “إيفيسوس” الواقعة بالقرب من مدينة إزمير التركية في العصر الحديث، والتي كانت عبارة عن إلكترون/سبيكة من الذهب والفضة، وقد مهدت الطريق أمام ظهور الدراخما اليونانية فيما بعد. وقدمت روما القديمة نظامًا ماليًا مكونًا من ثلاثة معادن مختلفة: الذهب، والفضة، والنحاس، وكان الديناريوس الفضي هو العملة الرئيسية، وظهرت في الصين العملات الورقية، التي تفرض الدولة قبولها بواسطة سلطتها.
وفي العصر الحديث، ظهر في أوروبا نظام مالي شبيه بالنظام الروماني، فكان لكل دولة أوروبية ثلاث معادن رئيسة لصك عملاتها، تراوحت بين الذهب، والفضة، والنحاس، أو النيكل، ومن ثم ظهرت النقود الرمزية في القرن الخامس عشر. واعتمادًا على تصنيف الباحث “ديفيد جرايبر”،[1] قدم الكتاب تقسيمًا تاريخيًا لهذا التداخل بين الأشكال المختلفة من النقود بدءًا من عام 3800 قبل الميلاد، وذلك وفق خمسة عصور:
- العصور الزراعية القديمة (3800 قبل الميلاد – 3500 قبل الميلاد)، وسيطر على تلك المرحلة – بحسب أطروحة الكتاب – استخدام “الائتمان”.
- العصر المحوري (800 قبل الميلاد – 600 ميلادية)، والذي شهد تحولًا إلى استخدام السبائك المعدنية كعملة.
- العصور الوسطي (600 ميلادية – 1450 ميلادية)، تميزت بعودة نقود الدَّين/الائتمان مرة أخرى.
- عصر الإمبراطوريات الرأسمالية (1450 ميلادية – 1971 ميلادية)، عاد فيها استعمال السبائك المعدنية، والتوسع في تجارة الديون والاسترقاق.
- إمبراطورية الدَّين (في العصر الحديث)، والتي أتت عقب انهيار نظام بريتون وودز، وإعلان الرئيس الأمريكي “ريتشارد نيكسون” فصل الدولار الأمريكي عن الذهب عم 1971.
وفي منتصف القرن التاسع عشر، شكلت قاعدة “معيار الذهب” العتبة الأولى لتقدم النظام النقدي العالمي، والتي بدأت مع رفع إنجلترا الحظر عن تبادل السبائك الذهبية عبر حدودها، وهو النظام الذي توطد فيما بعد بانضمام كل من فرنسا، وألمانيا، والولايات المتحدة إليه. ومع ربط تلك الدول الغربية عملاتها الوطنية بمخزونات الذهب لديها، تأسس إطار دولي مضبوط للمدفوعات، ووضعت تلك القاعدة الأساس الأولي للتعاون بين البنوك المركزية للدول فيما يتعلق بالسياسات النقدية، بهدف الحفاظ على التوازنات الاقتصادية داخليًا ودوليًا.
وفي المقابل، تولّد عن تلك القاعدة عدد من السلبيات مثل: فرض قيود على البنوك المركزية لاستخدام السياسة النقدية لمكافحة البطالة من خلال توسيع العرض النقدي لها، واعتماد الاستقرار العام للأسعار على الاستقرار النسبي لأسعار الذهب وباقي السلع والخدمات، وعجز البنوك المركزية عن زيادة احتياطاتها المالية، من دون الوصول إلى موارد جديدة من الذهب، كما أن قاعدة الذهب أعطت مزية نسبية للدول التي لديها احتياطات مرتفعة من ذلك المعدن، من خلال قدرتها على منع بيعه في الأسواق العالمية. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، ألغت الحكومات تلك القاعدة لتمويل مجهودها الحربي عبر طبع مزيد من النقود، إلى جانب تضاؤل القوى العاملة بتلك الدول بسبب خسائر الحرب، وهو ما تسبب في ارتفاع الأسعار بشكل عام.
وفي مرحلة “ما بعد الحرب العالمية الثانية”، جرى تبني اتفاقية بريتون وودز على نحو واسع، فوضعت تلك الاتفاقية النظام النقدي والمالي العالمي في تلك الفترة، والتي صارت فيها الولايات المتحدة المهيمنة على ذلك النظام، إذ خرجت من الحرب العالمية الثانية كقوى كبرى تهيمن على 65% إلى 75% من احتياطات الذهب العالمية، فأرست الاتفاقية معدلات صرف نقدية ثابتة في مقابل الدولار الأمريكي وسعر ثابت لأونصة الذهب مقابل 35 دولارًا، واحتفظت الدول باحتياطاتها في شكل ذهب أو دولار، وكان بمقدورها بيع الدولار إلى الاحتياطي الفيدرالي مقابل الذهب بالسعر الرسمي، فصار هذا النظام معيارًا لتبادل الذهب أدى فيه الدولار الأمريكي دور الوسيط بين عملات البلدان والمعدن النفيس.[2]
ولكن سرعان ما بدأت الاتفاقية في الانهيار مع تحول الفائض التجاري الذي راكمته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية إلى عجز في فترة الخمسينيات، فتجاوز الطلب على الدولار عرضه الفعلي، إلى جانب العجز المالي والتضخم في الستينيات والسبعينيات، حتى أعلن الرئيس “ريتشارد نيكسون” أن بلاده لن تحول الذهب إلى دولار بعد الآن عام 1971، فيما عُرف بـ “صدمة نيكسون”. وفشلت محاولات عدة لإعادة إرساء قاعدة الذهب، واتجهت الدول إلى استخدام أسعار الصرف المعومة بشكل أوسع وأكثر انتشارًا.
عرَّف الكتاب النقود بأنها: “أي شيء مقبول عمومًا للدفع في مقابل السلع، والخدمات، والديون”، وهو ما يوسع نطاق النقود إلى ما بعد العملة (الورقية والمعدنية) ليشمل الصكوك، والحسابات الجارية، والشيكات، وغيرها. وقد ظهرت النقود بشكل أساسي لتجاوز أوجه القصور في نظام المقايضة، ولكي تؤدي النقود تلك الوظيفة، لا بد لها أن تستوفي عدة معايير منها: أن تكون قابلة للتنميط لتسهيل التأكد من قيمتها، وأن تكون مقبولة على نطاق واسع، وقابلة للتجزئة، وسهلة الحمل، وألَّا تتدهور بسرعة. وبشكل عام، فإن هناك ثلاثة وظائف رئيسة للنقود، وهي أنها:
- وسيط للتبادل: وذلك باختلاف أشكال النقود، فتستعمل للدفع في مقابل السلع والخدمات، وتسمح بتجاوز مشكلة عدم توافق الرغبات الذي يواجه نظام المقايضة.
- وحدة حساب: أي أنها تُستخدم من أجل قياس قيمة السلع والخدمات.
- مستودع للقيمة: أي أنها مستودع للقدرة الشرائية في فترة زمنية محددة، وتعتبر النقود هي الأصل الأكثر سيولة في مقابل الأصول المادية الأخرى التي قد تستخدم لهذا الغرض، فلسنا بحاجة إلى تحويل صورتها من أجل الاستفادة منها في عمليات الشراء، كما نحن بحاجة إلى بيع الذهب لتحويله إلى عملات للاستخدام في عملية التبادل على سبيل المثال.
- النقود في الإسلام:
استخدم العرب قبل الإسلام وبعد بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ثلاثة أنواع من النقود، استعاروها من الحضارات المجاورة لهم، وهي:
- الدينار الروماني الذهبي، والذي تم تقسيمه في بعض الأحيان إلى أجزاء أصغر، مثل نصف الدينار، والثلثين، والثلث، والربع، وذلك بحسب حاجة الدولة وهدفها، والذي كان غالبا تسهيل البيع والشراء.
- الدرهم الفارسي المصنوع من الفضة، إذ استعملت الأقاليم الشرقية من العالم الإسلامي الدرهم في المعاملات، واتبعت قاعدة الدرهم الفضي كعملة رئيسية.
- الفِلس، وهو مشتق من الكلمة اليونانية follis، غير أنه لم يكن له مقاييس ثابتة، وكان عبارة عن نقود نحاسية تهدف لتسهيل المعاملات التجارية.[3]
واستمر التعامل بتلك النقود حتى بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأقرها وأمر بعدم الغش في مقاييسها. ولم تسمح ظروف الدولة في عهد الخليفة أبي بكر بالنظر في أمور النقد آنذاك، في حين أتاحت الانتصارات المتتالية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وضع أسس منظمة للدولة الإسلامية، فصار لها كيان سياسي، واقتصادي، وعسكري، وقام بإصلاحات في نظام النقد، فيُنسب له أنه أول خليفة يصدر النقود برعاية الدولة الإسلامية. وكان عبد الله بن الزبير هو أول من صك الدراهم المستديرة بمكة، ونقش عليها عبارات إسلامية مثل “محمد رسول الله”، وضرب أخوه مصعب بن الزبير الدراهم بالعراق.
وضع الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أول دينار ودرهم إسلامي عام 76 للهجرة، فجعل وزن الدرهم 15 قيراطًا متساويًا، وجعل كل دانق (عملة فرعية) قيراطين ونصف قيراط. ومن بعدها عرفت الدولة الإسلامية العديد من الأشكال والأوزان للنقود، تبعًا لتطور الحضارة الإسلامية.
وللنقود في الإسلام عدة خصائص باعتبارها أي شيء يحظى بقبول عام ويؤدي وظائف النقود من تداول وحفظ للقيمة، سواءً أكان نادرًا أم لا. ويرتبط بالنقود الورقية كغيرها من النقود السلعية، عدة أحكام شرعية، هي كالتالي:
- جريان الربا بنوعيه فيها، كحال الذهب والفضة، وفي غيرها من الأثمان، فلا يجوز بيع بعضه ببعضه أو بغيره من الأجناس الأخرى نسيئةً، ولا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلًا، في حين يجوز بيع بعضه ببعضه من غير جنسه مطلقًا إذا كان يدًا بيد، كتبديل الريال السعودي الفضي بثلاثة ريالات ورقية على سبيل المثال.
- وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين، من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة.
- جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات.
هكذا، فلا يختلف تعريف النقود في الاقتصاد الوضعي عنه في التشريع الإسلامي، ما دامت النقود مستقرة، ومعلومة المصدر، ولا يجري فيها الربا. وتشترط الشريعة الإسلامية أن تتمتع النقود بالرواج والقبول العام، وثبات واستقرار قيمة النقود عبر الزمن، تجنبًا للغرر والمضاربة، ويجب إصدارها عن مؤسسة مركزية ذات سيادة، ولا يجري فيها الربا نسيئة أو فضلًا.[4]
المحور الثاني: التقانة المالية وبروز البلوكتشين والعملات المشفرة:
مسرد المفاهيم الرئيسة:
- التدمير التكنولوجي: يُقصد به تدمير أو إحلال الأشكال الأحدث من طرق التعامل والتفاعل محل الأشكال التقليدية، فتفنى تلك الأشكال التقليدية بشكل تدريجي.
- التكنولوجيا المالية (FinTech): هي مجموعة الحلول التي تقدمها شركات التكنولوجيا، لا سميا الناشئة منها، لأطراف النظام المالي، من مصارف، وشركات تأمين، وأسواق مالية (وحتى أفراد)، والتي تشمل: المدفوعات، وتقديم الخدمات، والأدوات المالية المبتكرة كالبرمجيات، والتي تدمر النموذج المالي التقليدي.
- التشفير: عملية “توليد الرموز” التي تسمح بإبقاء المعلومات سرية، وعلم التشفير هو “دراسة النظم الرياضية من أجل حل نوعين من مشكلات الأمن: الخصوصية والمصادقة، إذ يمنع نظام الخصوصية الأطراف غير المصرح لها من الحصول على المعلومات من الرسائل المرسلة عبر قنوات عامة، بينما يمنح نظام المصادقة الطرف المستلم إمكانية التأكد من موثوقية وشرعية المرسِل.
- مشكلة الإنفاق المزدوج: وهي التي ترتبط بصعوبة التأكد من إنفاق أي أصل رقمي أكثر من مرة واحدة، إذ إن النقود الرقمية، كأي أصل رقمي آخر، يُمكن نسخها أكثر من مرة، فلا يكون بمقدور أحد التيقن من أن نقدًا رقميًا تم إنفاقه بالفعل من دون وجود طرف ثالث وسيط، سواءً أكان مصرفًا أو منصة مالية.
- مشكلة الجنرال البيزنطي: تكمن بشكل أساسي في إشكالية عدم اليقين بشأن المعاملات التي تتم عبر شبكة مكونة من أطراف عدة، والتي خلالها قد يُقدم أحد الأطراف على بث رسائل مضللة أو خاطئة، فتبرز الحاجة هنا إلى آلية تمكن من الاتفاق بين الأطراف المختلفة، حتى في حال وجود تلك الرسائل الخاطئة.
- البلوكتشين: سجل من الصفقات الموزعة على عدة عُقد على الشبكة الرقمية، ومجمعة في سلاسل رقمية تسمى “الكتل”، تحمل كل كتلة منها معلومات عن الكتلة السابقة ومعلومات عن الصفقة الحالية”.
- تعدين البيتكوين: استخدام القدرة الحاسوبية للمعالجات المركزية في الأجهزة الرقمية من أجل التحقق من موثوقية وصحة المعاملات التي تتم عبر تقنيات البلوكتشين، ويتم ذلك من خلال حل لغز رقمي حاسوبي، يحصل المستخدم الأول الذي يحله على عدد معين من وحدات البيتكوين يجري تخزينها في محفظة رقمية.
- إثبات العمل “PoW”: هي آلية تتيح إثبات أن قدرًا معينًا من القدرات الحاسوبية جرى استعماله لإنشاء العملة المشفرة.
كانت النُظم المالية على الدوام سبَّاقة في تبني التقنيات الحديثة، على مختلف أبعاد ومستويات الخدمات التي تقدمها، وذلك في إطار ما عُرف بـ “الثورة الصناعية الرابعة” – وهو المصطلح الذي صاغه الاقتصادي الألماني “كلاوس شواب” – التي تدمج التقنيات الحديثة في أبعاد الحياة البشرية المختلفة، من التسلسل الجيني إلى تكنولوجيا النانو، وصولًا إلى المجالات المادية.
صارت بذلك التقنيات الحديثة عاملًا مساعدًا على “التدمير الخلَّاق”، وهي السمة التي تمتاز بها الرأسمالية النيو ليبرالية التي تقوم على حتمية المنافسة للبحث عن منتجات، وأساليب إنتاج، وأشكال تنظيمية جديدة، وهو ما بات اعتقادًا راسخًا ليس فقط في شركات الأعمال، بل داخل أجهزة الدولة ذاتها. وبشكل عام، تؤدي تلك المنافسة على التحديث إلى تدمير الأشكال والأنماط القديمة، فيما يُعرف بـ “التدمير التكنولوجي”، لتكون بذلك التكنولوجيات المالية تطورًا طبيعيًا للنظام الرأسمالي، وصارت التقنيات المالية “تكنولوجيا تدميرية”.
قدَّرت الدراسات الاقتصادية – بناءً على ذلك – منذ عام 2015 أن الممارسات المالية التقليدية معرضة لخطر التحول من المؤسسات المالية التقليدية إلى شركات التكنولوجيا المالية، بما يعني أن التكنولوجيا المالية تعمل على تدمير الصناعة المالية لإنتاج شكل جديد من تلك الصناعة، فقدمت التكنولوجيا المالية نماذج عمل بديلة، منها: المدفوعات بنظام الند للند، من خلال المحافظ الرقمية دون الحاجة إلى وسطاء كالبنوك، وتسهيل واجهات الدفع (من خلال التطبيقات الرقمية)، وتسهيل عمليات الدفع بين الأقران عبر الهاتف الذكي، فصارت المدفوعات تتجه لتصبح أكثر سرعة وكفاءة، وتعمل على وصل ملايين الأفراد معًا، خارج نطاق المعاملات المصرفية التقليدية.
وعلى هذا، فإن التكنولوجيا المالية تشمل ثلاثة جوانب أساسية: الشركات الناشئة، واستخدام التكنولوجيا المادية في المؤسسات التقليدية، وتعاون الشركات الناشئة مع تلك المؤسسات التقليدية. وتتسم تلك التكنولوجيا بأربع خصائص مميزة لها: أنها ذات مستوى عالٍ من الابتكار، وأنها ريادية، ومدمرة، ومركزة على العميل، كما أنها تعتمد على تقنيات حديثة مثل البلوكتشين والذكاء الاصطناعي.
وقد ارتبط تطور التكنولوجيا المالية بشكل مباشر بدرجة التطور الذي طرأ على تقنيات الاتصالات والمعلومات من جهة، وأساليب وقدرات التحليل والمعالجة من جهة أخرى. وبشكل عام، يُمكن تتبع أربع مراحل لتطور تلك التكنولوجيا، بدءًا من القرن التاسع عشر حتى الوقت الراهن:
- المرحلة الأولى (Fintech 1.0) من عام 1866 حتى 1967: اقتصرت استخدامات التكنولوجيا المالية على بعض العمليات الروتينية مثل تسجيل المعاملات المالية وعمليات المحاسبة، فيما اعتمدت أغلب الصناعات المالية على التقنيات التناظرية “Analog”.
- المرحلة الثانية (Fintech 2.0) من عام 1967 حتى 2008: والتي تزامنت مع تطور تقنيات الاتصالات الرقمية ومعالجة البيانات بشكل كبير، وتحول تلك التقنيات من التناظرية إلى الرقمية، فصارت الخدمات المالية في الدول المتقدمة بحلول 1987 مرقمنة وعالمية بشكل شبه كامل، وأصبح الاعتماد على تكنولوجيا الاتصال والإعلام أكبر في تقديم الخدمات المالية منذ ذلك الوقت.
- المرحلة الثالثة (Fintech 3.0) منذ عام 2008: وهي المرحلة التي شكلت التكنولوجيا الرقمية التي نعرفها اليوم، إذ بدأت فيها الشركات الناشئة بتقديم خدمات مالية مباشرة للشركات والأفراد، وفق نماذج عمل جديدة.
- المرحلة الرابعة (Fintech 3.5): والتي تعتمد على التسارع التكنولوجي في القطاع المالي، بفعل تسارع التطورات التكنولوجية بشكل عام، مع تحول الدول النامية إلى مصدر مهم لمثل تلك التكنولوجيا.
ولا تقتصر التكنولوجيا المالية على تقديم الخدمات المالية أو تحسين قنوات الاتصال مع العملاء فحسب، بل تمتد لتشمل كامل منظومة المعاملات المالية، كتحسين المدفوعات، والبحث عن أساليب جديدة للإقراض، ورقمنة عمليات التأمين المالي، وغيرها. وثمة أربعة أنواع مختلفة من التكنولوجيا المالية – وفقًا لذلك – أولها التمويل (الائتمان – الخصم – التمويل الفردي والجماعي)، ثانيها إدارة الأصول (الاستشارة الآلية – الاستثمار والصرافة – التداول الجماعي – إدارة المالية الشخصية)، وثالثها المدفوعات وهو القسم الأكبر في مجال التكنولوجيا المالية، إذ بلغت الاستثمارات فيه في عام 2017 حوالي 450 مليار دولار، ويشمل (تقنيات البلوكتشين – العملات المشفرة) وهي تحتل مكانة خاصةً في الأدبيات الأكاديمية نظرًا لامتداد تأثيرها إلى مجالات أخرى مثل التجارة الرقمية، والنوع الرابع يتوسع ليشمل تقنيات ومجالات غير مصرفية مثل مجالات التأمين، والتكنولوجيا والبنية التحتية. وقد دفعت عدة عوامل إلى تنامي التكنولوجيا المالية بشكل متسارع في العقد الماضي، ويمكن إبرازها على النحو التالي:
- تغير المشهد الاقتصادي والتشريعي: إذ ساهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008 في تضافر عدد من العوامل التي يسرت من نمو التكنولوجيا المالية وتشجيع المنافسة غير التقليدية في ذلك المجال، ولعل من أبرزها توفير التمويل للمبتكرين الجدد في المجال التقني بسبب انخفاض معدلات الفائدة والتوجه إلى الاستثمار المخاطر، إلى جانب رفع القيود عن الصناعات المالية.
- تسارع البيئة التكنولوجية: فبرغم اعتماد المؤسسات المالية على التكنولوجيا المالية في مراحل مبكرة، فقد أدى تقادم تلك المنظومات التقنية، بسبب تسارع وتيرة التطور في ذلك المجال وتكلفة استبدال التقنيات المستخدمة المرتفعة، إلى بروز الشركات الناشئة التي قدمت حلولًا تكنولوجية للقطاع المالي.
- تحوُّل توقعات العملاء: إذ مع حضور الشركات التكنولوجية بشكل متزايد في القطاع المالي، ارتفعت توقعات العملاء والمستهلكين بأن تكون الخدمات المالية آنية وغير مقيدة، فبات يُنظر إلى الخدمات المالية التقليدية على أنها “بالية” ولا تجاري الزمن.
تزامن مع هذا التطور في التكنولوجيا المالية تطور أشكال النقود وطرق وأدوات الدفع، غير أن المعاملات المالية ظلت حبيسة المؤسسات المالية والبنوك، باعتبارها طرفًا ثالثًا ضامنًا لإتمام تلك المعاملات بين البائع والمشتري. وبالتزامن مع ذلك أيضًا، برزت أيديولوجيا قوامها السعي إلى تخليص المجتمعات من النقود القانونية باعتبارها أداة للسلطة ضد المواطنين أو إتاحة المجال أمام عملات بديلة عن العملات القانونية التي تُصدِرها الحكومات.
برر مناصرو هذا التوجه – الرافض لتدخل الدولة – موقفهم بأن إلغاء العملات القانونية يتيح مرونة أكبر للحكومات في حالة حدوث انكماش اقتصادي أو أزمة مالية مفاجئة، إلى جانب التخلص من المعادلة الصفرية التي تحكم علاقة الناس بمدخراتهم في البنوك، والتي تقوم على أنه في حالة تقديم البنوك أسعار فائدة سالبة، فسيسعى الأفراد إلى تحويل مدخراتهم إلى نقود، كما أن تخليص المجتمع من النقود الورقية يسهم في تقليل التكاليف المرتبطة بعمليات تداول النقود، والقضاء على مسألة التهرب الضريبي، والرشا، والمعاملات المالية غير القانونية الأخرى.
وارتباطًا بما سبق، تداخل علم الاقتصاد مع مفهوم التشفير، ليظهر بذلك الاقتصاد المشفر، الذي يُركز على دراسة النشاط الاقتصادي الذي يتم عبر الشبكات المؤمنة، ويشمل العملات، والأصول، والعقود الذكية، غير أنه كان من الصعب – حتى وقت قريب – إنشاء عملة نقدية مشفرة، وذلك لبروز معضلتي الإنفاق المزدوج والجنرال البيزنطي. [5]
بالنسبة لمشكلة الانفاق المزدوج، فقد تم التوصل إلى حل لتلك المشكلة على يد “ديفيد تشوم”، الذي ابتكر آلية التوقيع الأعمى، والتي تسمح بالتوقيع على وثيقة ما من دون رؤيتها، وآلية المشاركة السرية التي تسمح بكشف الإنفاق المزدوج. أما بالنسبة لمشكلة الجنرال البيزنطي، فقد تم حلها من خلال آلية إثبات العمل “PoW”، والتي تُوجب أن يكون 51% من المعلومات في العُقَد “Nodes” داخل الشبكة صحيحة حتى يُمكن اعتبار النظام موثوقًا، كما يُنظر إلى مقدار الطاقة الكهربائية والحاسوبية المستخدمة لحل تلك الرسائل الخاطئة، فإذا كانت تلك القدرة أقل من المتوقع، يُمكن بشكل تلقائي اعتبار الرسالة خاطئة. وعبر حل تلك الإشكاليتين، أمكن ابتكار عملة مشفرة دون الرجوع إلى طرف ثالث.
والعملة الرقمية – بهذا المعنى – هي عملة إلكترونية غير ملموسة، يجري تداولها عبر الأجهزة الرقمية لإتمام المعاملات المالية، سواء بين الأشخاص وبعضهم البعض، أو مع الكيانات التجارية التي تقدم السلع والخدمات، وتنقسم العملة الرقمية إلى نوعين: عملة رقمية قانونية (النقود الإلكترونية)، وعملة رقمية غير قانونية والممثلة في النقود الافتراضية (المشفرة).
يكمن الفارق الأساسي هنا بين العملات الافتراضية، والتي هي عملات رقمية غير قانونية، والنقود الرقمية، في أنه لا يوجد جهة مخوَّلة قانونًا لإصدار العملات الافتراضية، وبرغم أنه يمكن استخدامها في المعاملات المالية وكمستودع للقيمة، فإنها لا تتمتع بأي دعم حكومي أو إلزام قانوني، ويكون قبولها منحصرًا بين جماعات محدودة، وقد تنطوي على قدر كبير من المخاطرة عند تداولها مقارنة بالنقود الإلكترونية.
يُمكن القول إن العملات المشفرة نوع من العملات الرقمية التي تتحدد قيمتها وفق آلية العرض والطلب، غير أنها لا قيمة جوهرية لها، عكس السلع، كما أنها ترتكز على تقنيات التشفير لتحقيق الإجماع عبر الإنترنت، وتستخدم مجموعة من سجلات الموزعة التي تحكم عمليات التبادل بين الأقران، وسط بيئة غياب الثقة عبر الإنترنت. وتتبع العملات المشفرة المبادئ التالية:
- الاعتماد على تقنية “البلوكتشين” واللامركزية، إذ يتم تخزين بيانات المعاملات عبر آلاف الخوادم بشكل مشفر، وبالتالي تحقيق درجة عالية من الأمن.
- الانفتاح والشفافية، عبر الاعتماد على الكود مفتوح المصدر، وصعوبة اختراق سجلات المعاملات المالية باستخدام العملات المشفرة بسبب عاملي الأمن والشفافية.
- إمكانية الوصول، من خلال استخدام جهاز قادر على الاتصال على الإنترنت فقط، والسرعة، وانخفاض التكلفة، من خلال التحرر من عمولة التحويل.
تعتمد العملات المشفرة على تقنية البلوكتشين، والتي ظهرت بدورها مع إنشاء عملة البيتكوين عام 2009. وشهدت تلك التقنية زخمًا كبيرًا منذ عام 2017، إذ صارت التكنولوجيا التي بدأت كقاعدة للعملات المشفرة منصة لتقديم العديد من الحلول لمختلف الشركات والمؤسسات المالية وغير المالية، فأشار تقرير “المنتدى الاقتصادي العالمي” لعام 2016 إلى أن غالبية المصارف العالمية تتجه للاستثمار في تلك التكنولوجيا، أو شاركت في نقاشات حولها، إلى جانب ارتفاع معدل البحوث المخصصة في تكنولوجيا البلوكتشين، وارتفع كذلك الاستثمار في البلوكتشين في عام 2017 إلى 4.8 مليار دولار، مقارنة بمليار دولار على طول المدة من 2013 إلى 2016، كما حدث استقرار في معدل الاستثمار في البلوكتشين في عام 2018 عند 4.5 مليار دولار، بحسب الكتاب، كما أن ثمة تقديرات بأن يصل الاستثمار في البلوكتشين في عام 2026 إلى 360 مليار دولار، ومنه إلى 3.1 تريليون دولار في عام 2030. وتتكون شبكة البلوكتشين من عدد من العناصر، وهي:
- شبكة الند للند: من خلال الاعتماد على شبكة من الحواسيب غير الخاضعة لسلطة مركزية.
- التشفير غير المتماثل: وهي وسيلة تعتمدها تلك الحواسيب في الشبكة إرسال رسائل مشفرة، يُمكن للجميع التأكد من موثوقية تلك الرسالة، ولكن يحصر قدرة قراءة محتوى الرسالة على المتلقي المقصود فقط، وتُستخدم تلك التقنية في العملات المشفرة من خلال إيجاد مجموعة من الاعتمادات للتأكد من أن صاحب تلك العملات هو الوحيد القادر على إجراء التحويل المالي.
- تجزئة التشفير: هي عبارة عن عملية تجزئة نص رقمي ذي حجم متغير إلى سلسلة من الرموز الرقمية تسمى خوارزميات التجزئة (Hashing Algorithms) ذات الأحجام الثابتة، ومن ثم إمكانية مقارنتها والتأكد من موثوقيتها، على سبيل المثال، تحويل جملة مكتوبة بالأحرف اللاتينية إلى مجموعة من الرموز، تُعد بمثابة البصمة الرقمية لتلك الجملة.
ويمكن التمييز بين نوعين من البلوكتشين: العام والخاص، الفارق الأساسي بينهما يتمثل في قدرة المستخدمين على الوصول إلى البيانات المخزنة على الكتل قراءةً، وكتابةً، وإنشاءً، فالعام يتيح ذلك لكافة المستخدمين، ومن قم فالمستخدمون هنا غير معروفين وغير موثوقين بالضرورة، وذلك على عكس الحال بالنسبة للبلوكتشين الخاص.
بدأ الاهتمام بالبيتكوين في عام 2011، عندما قرر مؤسس موقع ويكيليكس التعامل بها، بديلًا عن المعاملات البنكية التقليدية، بسبب رفض تلك البنوك دعم مشروعه، وذلك بسبب الموثوقية والخصوصية التي تتمتع بها البيتكوين واستقلالها عن المؤسسات الحكومية والوسيطة.
وقد نمت قيمة البيتكوين بشكل مضطرد منذ تلك الفترة، إذ تضاعفت قيمتها أربعة ملايين مرة في الفترة بين عامي 2010 و2018، وهو ما اقترن ببعض الديناميات التي أسهمت في ذلك، منها لجوء العديد من رجال الأعمال الروس والقبارصة إلى استخدام البيتكوين كملاذ آمن لقيمة مدخراتهم خلال الأزمة المالية القبرصية عام 2013، إلى جانب مقالات المجلات الاقتصادية التي ركزت على الجانب المشرق من تلك التقنية، وزيادة حماس المستخدمين للحصول على البيتكوين.
ويُمكن الحصول على عملة البيتكوين من خلال شرائها من المتاجر الرقمية المرخص لها ذلك، أو تبادل السلع والخدمات باستخدام البيتكوين، أو من خلال عملية التعدين، وحفظ العملات التي يجري معالجتها في محفظة رقمية.
يُمكن مقارنة خصائص البيتكوين بخصائص النقود التقليدية على النحو التالي:
- القابلية للتجزئة: تتفوق البيتكوين عن النقود التقليدية في هذه الخاصية، إذ يُمكن تجزئة البيتكوين إلى مستويات أصغر جدًا مقارنة بالنقود القانونية المستعملة اليوم.
- الاستدامة: إذ أن البيتكوين لا تتدهور أو تبلى كما النقود التقليدية.
- سهولة الحمل والتحويل: البيتكوين عملة رقمية، ولذا فإن حملها ونقلها وتحويلها أسهل بكثير من العملات التقليدية.
أشار الكتاب إلى أن اعتبار البيتكوين مستودعًا للقيمة محل خلاف، إذ برغم محدودية عدد وحدات البيتكوين، وارتفاع قيمتها المضطرد بسبب الطلب عليها، فإن التقلب الشديد في أسعارها قد يعوق هذه الوظيفة والسمة. وفي المقابل، فإن البيتكوين تعمل على تعزيز السيادة الفردية على النقود، بعيدًا عن السيطرة المركزية للحكومات، فبإمكان أي شخص تحويل أي قدر من البيتكوين إلى أي مكان في العالم بدون طلب الإذن من أي جهة، كما أن البيتكوين لا تعتمد على أي شيء مادي في العالم الواقعي، وهو ما يجعل من المستحيل على أي سلطة سياسية أو اقتصادية منعها أو تدميرها. وعلى ذلك، باتت البيتكوين آلية لتسوية الصفقات على الإنترنت والساحة الدولية، دون الاعتماد على وسيط ثالث، اعتمادًا على البنية التحتية المالية الموجودة والتطور الرقمي.
وبالمثل، باتت البيتكوين أشبه ما تكون بوحدة عالمية للحساب، تعمل على تسهيل التبادلات والمعاملات التجارية والمالية عبر الحدود، متجاوزةً القيود المفروضة بسبب اختلاف قيم العملات المحلية لكل دولة، إذ مع اختفاء قاعدة الذهب، بات من شبه المستحيل إتمام أي صفقة تجارية بشكل مباشر بين الدول من دون المرور على عملية تحويل العملة، وهو ما تغير بعد ظهور البيتكوين.
المحور الثالث: العملات البديلة للبيتكوين وتطبيقاتها:
ظهرت في الأعوام التي تلت ظهور البيتكوين عملات مشفرة أخرى تعتمد أيضا على تقنيات البلوكتشين والتشفير، والعمل ندًا لند، واعتبرت تلك “العملات البديلة” تحسينًا لبعض جوانب قصور البيتكوين أو إضافة للوظائف التي تقوم بها تلك العملة. ويمكن تناول أبرز تلك العملات إلى جانب البيتكوين على النحو التالي:
- إيثيريوم Ethereum – ETH: تعتمد تلك العملة على فكرة “العقود الذكية”، والتي تشير بشكل مبسط إلى عملية وضع بعض الشروط المُصاغة بلغة الحاسوب، تمثل شروط العقد بين الأفراد، والتي تُنفذ آليًا، وتؤدي في حال تحققها إلى نتيجة معينة، قد تكون تسوية بين طرفين، وذلك بمزاوجة بين علوم الحاسوب والقانون، ويجري إدارة تلك العقود الذكية عبر منصة “إيثيريوم”، التي أُنشئت عام 2012.
- الريبل XRP: منصة لتسوية المعاملات بين الشركات الكبرى، والتي تتعامل مع المعاملات الفورية والمدفوعات الآنية والائتمانية أُطلقت في عام 2012، وهي – على عكس العملات المشفرة الأخرى – مركزية، فبإمكانها إصدار وحدات من عملتها الرقمية “إكس آر بي XRP”، متى تطلب ذلك، من خلال مؤسسة ريبل.
- لايتكوين Litecoin: هي عملة فرعية مشتقة من البيتكوين، أُطلقت في عام 2011، وتتفوق على البيتكوين في كون المعاملات عليها تكون أسرع، إذ يُمكن توليد كتلة من خلالها كل دقيقتين ونصف، على عكس العشر دقائق على البيتكوين، كما أنه يُتوقع توليد84 مليون وحدة منها، أي أكثر بأربع مرات من البيتكوين.
- تيثر Tether – USDT: تمثل عملة مشفرة مدعومة بأصول، أي أنها تعمل على الحفاظ على قيمة العملة الرقمية من خلال بيعها بالعملة الورقية أو الذهب أو أي أصل مادي آخر.
ومع تجاوز استخدامات تقنية البلوكتشين للجوانب المالية وإبراء المعاهدات، وبخاصة مع بروز منصة إيثيريوم المبنية على العقود الذكية، ظهرت في الآونة الأخيرة فكرة التطبيقات اللامركزية، والتي يُمكن النظر إليها باعتبارها تطبيقات تقليدية، ولكنها تستند في عملها على فكرة اللامركزية التي تتمتع بها تقنية البلوكتشين، إذ تجري المعاملات داخل تلك التطبيقات بشكل لامركزي من خلال خلق شبكة من العُقد أو العقود الذكية، يتم ربطها بدون مركز.
وعلى نفس المنوال، تمثل المنظمات والمؤسسات المستقلة اللامركزية شكلًا أكثر تعقيدًا من التطبيقات اللامركزية، ويُمكن تصور تلك المنظمات والمؤسسات باعتبارها عقودًا ذكية مؤتمتة، قد تعمل من دون أي تدخل بشري، وقد تكون ربحية أو غير ربحية، ومن هذا المبدأ يُمكن أن تظهر الشركة المستقلة اللامركزية، والتي تكون مبنية أعمالها بشكل كامل على تقنية البلوكتشين والعقود الذكية متعددة العُقد، وعدد من المنظمات والتطبيقات اللامركزية التي تعمل باستقلالية.
ارتبط بالطفرة التي شهدتها العملات المشفرة بين عامي 2014 و2019 توسع في اللجوء إلى الاستكتاب العام للعملات، القائم على زيادة رأس مال الشركات من خلال الحصول على عملات مشفرة، بديلًا عن طرح أسهمها في السوق المالي التقليدي، فيجري الاعتماد على تقنية البلوكتشين بشكل تام، والابتعاد عن الوسطاء الماليين، ويحصل المساهمون في تلك العملية على عملات مساعدة أو مزايا تتيحها لهم تلك الشركات مثل الوصول المبكر لبعض الخدمات.
كما انتشر على نحو مماثل التمويل الجماعي، والذي يجري فيها إطلاق حملات رقمية لجمع التمويل اللازم لمشروع أو شركة ناشئة عبر الإنترنت، والذي يُمكن تقسيمه إلى نوعين رئيسيين: التمويل الجماعي لأغراض استثمارية (الإقراض وطرح الأسهم) والتمويل الجماعي لأغراض غير استثمارية (الحصول على مكافآت والأغراض الخيرية).
- بروز مفهوم العملة المشفرة المستقرة وظهور عملة ليبرا Libra:
تمثل العملة المشفرة المستقرة ذلك النوع من العملات الذي يكون مغطىً بشكل كامل بأصول مادية تحفظ قيمته، ومن ثم فإن العملة المستقرة تعتمد على ذات التقنيات التي تعتمد عليها باقي العملات المشفرة الأخرى: البلوكتشين، والتشفير، والخوارزمية، غير أن قيمتها تكون أكثر استقرارًا بفضل وجود أصول مادية تضمن القدرة على استرداد قيمة تلك العملة في أي وقت، كما أنه لا يجري إصدار وحدات من تلك العملات المستقرة دون وجود ما يكفي من الأصول المادية لتغطية الوحدات المضافة.
وبناءً على ذلك المفهوم، دخلت شركة فيسبوك في مجال العملات المشفرة المستقرة من خلال عملتها ليبرا، مستغلةً حجم قاعدة المستخدمين التي تمتلكها التطبيقات التابعة لها، ودرجة الترابط بين تلك التطبيقات. وتستهدف شركة فيسبوك بتلك الخطوة – بشكل أساسي – السيطرة على قطاع التحويلات المالية للمهاجرين، والتي بلغت عام 2018 أكثر من نصف تريليون دولار.
كما أسست فيسبوك جمعية ليبرا ومقرها جينيف، لضمان حوكمة وتنسيق العملة، وتطوير نظامها. من خلال تلك العملة تهدف فيسبوك لخلق شبكة اقتصادية تابعة لها، من خلال دمجها في تطبيقاتها المختلفة، ليصير بإمكان مستخدمي واتساب وفيسبوك على سبيل المثال إرسال واستقبال النقود، بذات مزايا العملات المشفرة، وتعمل فيسبوك كذلك على تطوير تقنية البلوكتشين التي تعتمد عليها عملتها، لتجعلها أكثر قابلية للتوسع وأن تشمل مليارات الحسابات، بما يتطلب إنتاجية عالية ونظام تخزين فاعلًا وعالي السعة، وضمان أمن الشبكة، ومرونة نظام ليبرا، لضمان إمكانية التطوير والابتكار المستقبلي فيها.
المحور الرابع: نظرة تشريعية واستشرافية لمستقبل العملات المشفرة:
- العملات المشفرة في ميزان الشريعة الإسلامية:
ارتباطًا بالنظرة الإسلامية لمفهوم النقود، سالفة الذكر، أورد الكتاب ثلاثة توجهات للفتيا بشأن التعامل بهذه العملات، وهي على النحو التالي:
أولًا: تحريم التعامل بالعملات المشفرة (البيتكوين) نظرًا لما يدور حول تلك العملات من شبهات ومخاطر، تنتج عن طبيعتها غير المركزية، وغياب السلطة المشرفة على إصدار تلك العملات أو تقويم أسعارها، وعدم وجود غطاء من النقود السلعة بالذهب أو الفضة، وهو ما ينذر بوقوع الغرر، وشبهة القِمار، أو عمليات المضاربة وضياع الأموال، وهو ما يُعرف شرعًا بتحريم الوسائل. ومن ذلك فتوى “المجلس الإسلامي السوري” وفتوى الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين “علي القرة داغي” عام 2020.
ثانيًا: تحريم التعامل بالعملات المشفرة (البيتكوين) لذاتها، بسبب عدم قبول تلك العملات وسيطًا للتبادل على نحو واسع، وعدم توافر المعايير الشرعية والقانونية التي تجعلها مساويةً لباقي العملات الرسمية القانونية. ومن ذلك فتوى دار الإفتاء المصرية والهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بالإمارات عام 2020.
ثالثًا: فتاوى ضرورة تعميق البحث والدراسة للعملات المشفرة والقضايا المرتبطة بها، والتي تؤثر في أحكام التعامل بها، نظرًا لعدم الاستقرار على تلك الأبعاد بشكل يقيني. ومن ذلك فتوى المجمع الفقهي الإسلامي الدولي لعام 2019.
أخذ الكتاب على تلك الفتاوى عدم إحاطتها بكافة جوانب العملات المشفرة، إلى جانب الاقتصار في الحكم على عملة واحدة وهي البيتكوين، مع إهمال باقي العملات وما تنطوي عليه من ابتكارات مثل منصة إيثيريوم أو ريبل. إلى جانب ذلك، فإن تطوير عدة مفاهيم مستحدثة في هذا المجال، مثل العملات المستقرة، والعملات المشفرة الصادرة عن البنوك قد يعالج بعض الثغرات في هذه الفتاوى.
ويرد الكتاب على تلك المبررات التي اعتمدت عليها تلك الفتاوى في أن كافة أشكال النقود احتاجت وقتًا للانتشار وجعلها عملة مقبولة على نطاق واسع، وهو ما لم يتوفر للعملات المشفرة بعد، كما أن بعض الشركات الخاصة والبنوك المركزية قد تنتج عملات مشفرة، وهو ما يعالج مشكلة غموض الجهة المصدرة للعمالة. ومن خلال العملات المغطاة (العملات المستقرة)، تُعالج مشكلة عدم التغطية، كما أن اعتبار العملات المشفرة مجهولة المصدر غير دقيق، إذ يمكن تتبع ومعرفة من ورائها باستخدام التقنيات الحديثة، على عكس النقود الورقية، التي يستحيل معها ذلك في حال استخدامها، وشبهة استخدام النقود المشفرة في الأعمال غير المشروعة يمكن ضبطها من خلال القوانين والتشريعات الملائمة.
ويطرح الكتاب نموذج العملة المشفرة الحلال، الذي وضعه الباحث محمد معصوم بالله، والذي ينبغي أن يتوافق مع ما يلي من الشروط الشرعية:
- أن تتفق أهداف النموذج وروح ومقاصد الشريعة الإسلامية، ومن ثمَّ يُحكم النموذج بالمعايير الشرعية، ويجري فحص أنشطته وتقنيات البلوكتشين المبني عليها من قِبل هيئة شرعية مؤهلة، للتأكد من درجة ذلك التوافق.
- أن تُصدر العملة المشفرة بواسطة سلطة مركزية ذات سيادة، فيكون ثمة مستودع مركزي خاضع للرقابة التنظيمية، لضمان الحفاظ على السيطرة المحلية والخارجية للدولة على تلك العملية.
- تسجيل المتعاملين وفق هذا النموذج كشركات لتجنب المخاطر غير المتوقعة والممارسات المخالفة، فيجري تحديد المستقبِل، مع ضمان الحفاظ على الخصوصية والشفافية.
- إمكانية اللجوء للعملة المشفرة الحلال كعملة مكملة، أو سلعة، أو منتج، وتقوم الأنشطة على منصة البلوكتشين الحلال على أساس عمليات البيع والشراء، وفرض ضرائب إجبارية من حلال الزكاة، وأن يخلو أي نشاط تجاري من الغرر، أو الاحتيال، أو الخداع. ويُضاف لذلك استعمال التوقيع الرقمي بواسطة القياسات الحيوية “البيومترية” للمستخدم وقت إجراء المعاملة، لتجنب مخاطر الاختراق.
- إشكالية تشريع العملات المشفرة:
بحسب الكتاب، ثمة حالة من الغموض التشريعي المحيط بتقنية البلوكتشين – الأساس الذي تقوم عليه العملات المشفرة – ما يعوق التوسع في استخدام تلك التقنية والعملات المبنية عليها، برغم وجود بعض المحاولات منذ عام 2018، والتي انتهت إلى الإخفاق في الوصول إلى إجماع بشأن عملية التشريع تلك، إذ اتسمت اللوائح المنبثقة عن الجهود الدولية للتشريع بأنها ضيقة النطاق ومعتمدة على نوع النظام الإقليمي، ما أوجد حالة من عدم اليقين بشأن البلوكتشين، واختلفت مواقف الدول بشأن استخدام تلك التقنية، من التحذير من استخدامها نظرًا لما يحيط بها من مخاطر، إلى حظرها بشكل كامل في دول مثل الصين.
وبالمثل، يغيب الإجماع الدولي حول استخدام العملات المشفرة المنبثقة من البلوكتشين، كما اختلفت النظرة إلى تلك العملات باعتبارها نقودًا، أم أصولًا، أم ملكية، فبينما كان الغرض الأصلي من البيتكوين هو أن تكون عملة بديلة، لتجنب الحاجة إلى طرف ثالث في المعاملات المالية، تنظر بعض الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة إلى تلك العملات باعتبارها ملكية غير ملموسة أو كسلعة، بينما لا يعتبرها الاتحاد الأوروبي نقودًا لأنها غير مستخدمة على نطاق واسع لإبراء المعاملات المالية. وبدءًا من عام 2017، طفقت الحكومات بالتدقيق في عمليات الاكتتاب العام للعملات، فحظرتها بعض الدول مثل الصين وكوريا الجنوبية، في حين اعتبرتها دول أخرى مجالًا لمشروعات التكنولوجيا الفائقة، من خلال توفير الأطر القانونية لها مثل سويسرا وسنغافورة.
ويشير الكتاب إلى أن عملية وضع التشريع لاستخدام العملات المشفرة ترتبط بعدة مسائل منها: مدى صلاحيتها كعملة، والوضع التنظيمي للمشاركين والمروجين لها، وإمكانية فرض الضريبة عليها، والسياسات المالية والنقدية، والدعاوى والمنازعات القضائية التي قد تنبثق منها، وقوانين وتشريعات الدول الأخرى في حال استعمال تلك العملات خارج الحدود الوطنية.
وبناءً على ذلك، صنف الكتاب مواقف الدول من العملات المشفرة إلى ست مواقف، وهي: الحظر الكلي (كما في الجزائر ومصر)، والحظر الضمني (البحرين والكويت)، وإخضاعها للقانون الجبائي (الأرجنتين وروسيا)، وإخضاعها لقانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (سنغافورة ولوكسمبورغ)، أو إخضاعها لكلا القانونين (أستراليا وكندا)، أو في حالة متقدمة من القبول التحضير لإصدار عملة مشفرة وطنية أو إقليمية (الصين وفنزويلا).
وأما بخصوص مصير البنوك المركزية القائمة على احتكار إصدار العملة وإدارة السياسة النقدية، فتبرز – وفق ما أورد الكتاب – مسألتان تجعلان الأفضلية للعملات الوطنية مقارنة بالعملات المشفرة، وهما: أنه كلما كانت العملات المشفرة أكثر تنوعًا وتشتتًا، قلت قاعدة المستخدمين لتلك العملات، ومن ثمَّ صعوبة التوسع في استخدامها وحصر كل عملة في فئة محدودة من المناصرين، والثانية تكمن في أن تعدد تلك العملات يؤدي إلى حالة من عدم اليقين يسهم في تأخير تطوير تلك العملات أو يمنع الناس من التعامل بها.
وعلى الجانب الآخر، برزت على الساحة أفكار ترتبط بإصدار بعض البنوك المركزية لعملاتها المشفرة، لمسايرة التطورات الراهنة في هذا المجال، فيتحكم البنك المركزي بالعملة، ويحافظ عليها من دون وجود مكافئ نقدي مادي، غير أن العملات المشفرة تؤدي وظائف رئيسة للنقد التقليدي مثل الحماية من مخاطر الانكماش الهيكلي، والقدرة على الاستجابة بمرونة للصدمات المؤقتة للطلب على النقود، والقدرة على الإقراض كملاذ أخير، وقد وُضِع اجتهادان نظريان في هذا المجال لحل تلك المعضلة، أولهما: أن يزود المواطنون بحسابات لدى البنك المركزي، ليقوم البنك المركزي بكل وظائف البنوك التجارية، وهو ما يضع عبئًا كبيرًا على تلك البنوك، فضلًا عن تدهور خدماتها المقدمة، وثانيهما: أن يتحكم البنك المركزي بكافة الاحتياطات النقدية للبنوك التجارية، وتبقى البنوك التجارية قائمة على وظائفها المرتبطة بالمعاملات المالية والمدفوعات.
- نظرة مستقبلية لمصير العملات المشفرة:
يرى الكتاب أن السيناريو الأرجح بالنسبة للعملات المشفرة وتقنية البلوكتشين، هو تعايش تلك التقنيات مع النظام المالي التقليدي، من خلال إنشاء البنوك المركزية لعملاتها الرقمية مع السماح ببعض المنافسة من عملات مشفرة أخرى. كما أشار الكتاب إلى أن مدى نجاح تلك العملات المشفرة يعتمد على عاملين أساسيين، هما: اتساع نطاق قبول تلك العملات، من خلال تزايد عدد الأفراد، والمؤسسات، والمتاجر، والقطاعات التي تقبل التعامل بها، ومن ثم اتساع رقعة استخدامه. والعامل الثاني يتمثل في الثقة الممنوحة لتلك العملات في المستقبل، فإذا اكتسبت العملات المشفرة ثقة الجماهير، يسهل بذلك أن تحل تلك العملات أو تتعايش مع العملات التقليدية.
ويضيف الكتاب أن ثمة عدة عوامل تسهم في زيادة الاهتمام بالعملات المشفرة مستقبلًا: أهمها اتساع تغطية الإنترنت وتزايد عدد الهواتف الذكية التي تمكن الأفراد من الوصول إلى الخدمات المالية بعيدًا عن البنوك والمؤسسات المالية المركزية، وهو ما قد يسهم بدوره في تزايد تبني تكنولوجيا البلوكتشين، كما حدث في كينيا من خلال مشروع “M-Pesa”. وثاني تلك العوامل هو الشمول المالي في الدول النامية التي تتسم تغطية البنوك فيها بالضعف البنيوي، ومن ثم ارتفاع تكلفة الوصول إلى الخدمات المالية عبر تلك البنوك، وهو ما يشكل سوقًا محتملةً للخدمات المالية الرقمية منخفضة التكلفة، بما فيها العملات المشفرة.
ويتمثل العامل الثالث – بحسب الكتاب – في امتداد التكنولوجيا المالية لقطاعات جديدة، إذ تتوغل التقنيات الحديثة شيئًا فشيئًا إلى مختلف مفاصل الحياة الإنسانية الحديثة، وهو ما يُمهد الطريق أمام التغيير في العديد من تلك القطاعات، ومن ثم إيجاد حافز للتغيير في القطاع المالي. والعامل الرابع يكمن في تحويلات المهاجرين إلى بلدانهم الأم، والتي تمثل سوقًا تنافسيةً للعملات المشفرة مع نظيرتها من النظم المالية التقليدية، وهو ما يفسر تطلع فيسبوك للسيطرة على ذلك المجال من خلال عملتها ليبرا.
في المقابل، فلا تزال هناك بعض الإشكاليات التي تواجه توسع استخدام تقنيات البلوكتشين والعملات المشفرة، ومن بينها انسداد الشبكة، من خلال تكاثر أعداد مستخدمي شبكة البلوكتشين، ما يصعب من عمليات التحقيق المستمر، ويطيل من مدتها إلى عدة أيام في بعض الأحيان، ومن ثم ارتفاع تكاليف الصفقة، كما أن ثمة “حربًا” بين عملات مشفرة عدة، فعلى سبيل المثال ظهرت ثلاث عملات للبيتكوين تدعي كلها أن ناكاموتو هو مبتكرها، وهي البيتكوين التقليدي، والبيتكوين كاش، والبيتكوين جولد.
كما تستمر إشكالية التشريع في وضع العراقيل أمام تبني البلوكتشين والعملات المشفرة بشكل موسع، فلا تزال التشريعات المرتبطة بذلك في مرحلة أولية وبدائية، ويُضاف إلى ذلك مشكلتا الاستهلاك المرتفع لعمليات التعدين للطاقة الكهربائية بسبب القدرات الحاسوبية العالية التي تحتاجها تلك العمليات، وتضاعف الهجمات الرقمية ضد منصات العملات المشفرة.
وختامًا، فإن الطبيعة غير اليقينية التي تتسم بها طريقة عمل العملات المشفرة، تجعل من الصعب التيقن من مستقبل تبني تلك العملات، فعلى الرغم من الأيديولوجيا التحررية التي تنهض عليها تلك التقنيات المستحدثة، والتي تبشر بمجالات أرحب من التبادل المالي والتجاري، إضافةً إلى غيرها من أوجه التعاملات الإنسانية، فإن تلك الحرية قد تنقلب إلى فوضى مدمرة لمنظومة الاجتماع البشري، بما فيها من نشاط اقتصادي، كما يمكن أن تخلق الطبيعة غير المركزية للعملات المشفرة والبلوكتشين نوعًا من القيود عبر المخاطر التي لا تزال متواجدة في سوق العملات المشفرة، فعلى سبيل المثال، فإن احتفاظ مؤسس البلوكتشين والبيتكوين لنفسه بمليون وحدة من تلك العملة، قد ينذر بإمكانية تدخله وتدمير قيمتها، من خلال طرح ما يملكه في سوق العرض.
إن تناول أبعاد التكنولوجيا المالية المستحدثة يتطلب – بلا شك – وضع الضوابط المشرعة والقانونية التي تحفظ ديمومة المنظومة المالية، وهو ما يضعنا أمام إشكالية التناقض مع الأيديولوجيا التي تتبناها في الأساس تلك التقنيات، ألا وهي الحرية شبه المطلقة، كما يضعنا أمام حقيقة لا مناص منها، وهي أننا لا زلنا على عتبة استكشاف آثار تلك التقنيات، وتداعياتها على حياتنا، وأن أي ادعاء بسبر تداعياتها المستقبلية في الوقت الراهن، ما هو إلا رجم بالغيب.
عرض:
أ. أحمد خميس أحمد السمبختي*
[1] بدلًا من القصة المعتادة التي تقول إن البشر بدأوا بـ “المقايضة” ثم اخترعوا “النقود” ثم “الائتمان”، أثبت جرايبر في كتابه (Debt: The First 5,000 Years) أن الائتمان (الدين) هو الذي ظهر أولًا، وأن تاريخ النقود هو صراع دائم ودورات متبادلة بين “النقود الافتراضية” (الدين) و”النقود المعدنية” (الذهب والفضة). (المراجع)
[2] من أشهر الانتقادات التي وجهت إلى نظام بريتون وودز ما يعرف بمعضلة تريفين: Triffin Dilemma، والتي صاغها عالم الاقتصاد البلجيكي الأمريكي روبرت تريفين، والتي تشير إلى التناقض الحتمي الذي يواجه الدولة صاحبة العملة الاحتياطية العالمية (مثل الولايات المتحدة)؛ فهي مجبرة على الاختيار بين أمرين متعاكسين إما الاستمرار في تسجيل عجز مالي وتجاري دائم لضخ السيولة النقدية الكافية في شرايين التجارة العالمية، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف قيمة العملة وفقدان الثقة الدولية فيها، أو الحفاظ على ميزانية متوازنة وقيمة قوية للعملة، مما يتسبب في نقص السيولة عالميًا ويدفع الاقتصاد الدولي نحو الركود. بعبارة أخرى لكي يستقر العالم اقتصاديًا، يجب على أمريكا أن تغرق في الديون. ولكن إذا غرقت أمريكا في الديون، سيفقد العالم الثقة في عملتها، مما يؤدي في النهاية إلى انهيار النظام النقدي بالكامل. وبالفعل بعد أن تورطت أمريكا في حرب فيتنام، وطبعت كميات كبيرة من الدولار لتمويل الحرب، أصبحت كمية الدولار الموجودة في العالم أكبر بكثير من كمية الذهب الموجودة في الخزائن الأمريكية. وعندما طالبت الدول (مثل فرنسا) بتحويل دولاراتها إلى ذهب، لم تستطع أمريكا الوفاء بذلك، فأعلن الرئيس نيكسون (1971) فك ارتباط الدولار بالذهب، لتبدأ مرحلة “النقود الورقية” (التي لا يدعمها سوى الثقة والمديونية). (المراجع)
[3] يظهر من هذا العرض أنه في إطار التصور الإسلامي ثمة تلازم بين النقد والأصول الحقيقية. فلا يمكن توليد نقد في الإسلام إلا إذا كان مرتبطًا بعملية إنتاجية أو تجارة حقيقية، مما يمنع تضخم “الديون الافتراضية” التي حذر منها جرايبر. (المراجع)
[4] ثمة فروق جوهرية بين معنى وفلسفة النقود في الإسلام ومنظومات الاقتصاد الوضعي تتمثل في أن التصور الإسلامي يُجرد النقد من صفة “السلعية” ويجعله وسيطًا للتبادل وأداةً لقياس القيمة فقط، مانعًا توليد المال للمال عبر تحريم الفائدة، بينما يتعامل الاقتصاد الوضعي مع النقود على أنها سلعةً بذاتها يمكن أن تُباع وتؤجر مقابل ثمن. من ناحية أخرى يقوم النظام الوضعي على التوسع في “الائتمان القائم على الدين” الذي ينفصل غالبًا عن الإنتاج الحقيقي، فيما يشترط الإسلام التلازم بين النقد والأصول العينية عبر قاعدة المشاركة في الربح والخسارة؛ وأخيرا فإنه إذا كان محرك الاقتصاد الوضعي يتمثل في الاستفادة من تقلبات “سعر الفائدة”، فإن نظام “الزكاة” في الإسلام يحفز على الاستثمار والإنتاج الحقيقي ويمنع من كنز الثروة أو تضخمها الافتراضي. (المراجع)
[5] تشير معضلة الجنرال البيزنطي (Byzantine Generals Problem) في أبسط تعريفاتها إلى صعوبة الوصول إلى قرار موحّد موثوق بين أطراف متعدّدة، في ظل احتمال أن يكون بعضهم خبيثًا أو معطَّلًا أو يرسل معلومات كاذبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ماجستير في العلوم السياسية، جامعة الإسكندرية.
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies