في محراب طه عبد الرحمن بمنظور فقه الحياة

في محراب طه عبد الرحمن

بمنظور فقه الحياة

أ. منال يحيى شيمي*

مقدمة

يعد مشروع طه عبد الرحمن أحد المشاريع النهضوية الواعدة المطروحة على الساحة الإسلامية. وهو مشروع يقوم بالأساس على إحياء “الأخلاق الإسلامية” وإحلالها محل “أخلاق الحداثة”، تلك التي أدت إلى موت الإنسان المعاصر في رأي عبد الرحمن. ويأتي مشروع عبد الرحمن فيما قارب الثلاثين كتابا بالعربية. وينهض هذا المشروع على مقولات أساسية أهمها: تجديد العقل، الرؤية الائتمانية للعالم، إحياء القيم الأخلاقية الإسلامية، دور الفقيه المُرَبِّي.

ونحاول في هذه الدراسة الاقتراب من مشروع عبد الرحمن من خلال منظومة “فقه الحياة”، التي تقدم أدوات منهجية مفيدة، تم استخلاص عناصرها من استقراء النص المطلق (الوحي) في تفاعله مع الواقع النسبي المتغير (ممثلا في السيرة النبوية المسددة)، وتشتمل هذه المنهاجية على خمسة عناصر أساسية هي: المقاصد الشرعية، القيم، الغيب، السنن، الأحكام الشرعية[1].

أما عن ملائمة هذه المنهجية للموضوع فتظهر من خلال التقارب اللافت بين مفهوم فقه الحياة ومفهوم الفقه الائتماني عند عبد الرحمن، حيث إن فقه الحياة هو ذلك الفقه الذي لا يقف فقط عند تحديد الحكم الشرعي (على أهمية ذلك)، وإنما يلتفت كذلك إلى المقصد الشرعي، والقيمة المتضمنة في الحكم، وإلى السنن الواجب مراعاتها عند تطبيق الحكم، كما يستحضر الغيب كإطار حاضن لذلك كله، أي أن فقه الحياة يمنح الحكم الشرعي حياة نابضة كما أرادت له الشريعة الإسلامية. بدوره فإن الفقه الائتماني عند عبد الرحمن هو ذلك الفقه الذي يهتم بالبحث في القيمة المتضمنة في الحكم الشرعي، ولا يقف عند ظاهر الحكم. ومن ثم فإن الموضوع والاقتراب المرشح لتناول الموضوع يستشعران الحاجة لمداخل مكملة في قراءة الشريعة مثل المقاصد والقيم الأخلاقية والسنن.

وقد ساعدنا هذا المنهج على اكتشاف نقاط لافتة في مشروع عبد الرحمن، أهمها أن القيم هي محور ومرتكز رؤيته بحيث تدور حولها كافة الأسس الاخرى. فحين نبحث في المقاصد عند عبد الرحمن نجده يردها إلى القيم، وحين نبحث في الأحكام نجده ينظّر للقيم، وحين يتحدث عن الغيب يتحدث عن القيم. من هنا فإن مشروع عبد الرحمن يدور حول القيم بالأساس، لكن ماذا يقصد بالقيم؟ وعن أي قيم يتحدث؟ وكيف يرد المقاصد الشرعية والأحكام الشرعية والإيمان بالغيب إلى القيم؟ كيف يؤسس مشروع النهضة الإسلامية بالكامل عليها؟ هذا ما نحاول استعراضه في هذه الورقة.

ولكن قبل أن نبدأ في قراءة مشروع عبد الرحمن بهذه المنهجية نوضح أحد الأفكار المركزية لديه، والتي لا يمكن فهم عبد الرحمن بدونها وهي: مراتب العقل.

في كتابه “العمل الديني وتجديد العقل”[2] يضع عبد الرحمن الأرضية المعرفية التي يؤسس عليها مشروعه العلمي، حيث يقسم العقل إلى مراتب ثلاث، متدرجة من الأدنى إلى الأعلى، هي العقل المجرد، والعقل المسدد، والعقل المؤيد.

العقل المجرد، وفق عبد الرحمن، هو أدنى مراتب العقل، ويشير به إلى العقلية المادية،[3] ويعرفه “بالفعل الذي يطلع به صاحبه على وجه من وجوه شيء ما، معتقدًا في صدق هذا الفعل ومستندًا إلى دليل معين.”[4] أما العقل المسدد، فيقصد به العقل المسدد بالوحي، وهو عبارة عن الفعل الذي يبتغي به صاحبه جلب منفعة أو دفع مضرة، متوسلاً في ذلك بإقامة الأعمال التي فرضها الشرع[5]. فالتسديد هنا المقصود به موافقة الشريعة. وهذا يربط العقل بمصدر أعلى يضبط شططه. أما العقل المؤيد عند عبد الرحمن، فهو أعلى مراتب العقل ويشمل المرتبتين السابقتين، ويعلوهما بدرجة وهي درجة التجربة الحية، وممارسة التجربة الحية تأتي في التاريخ الإسلامي —وفقا لعبد الرحمن—ممثلة في “التصوف”.

يحذر عبد الرحمن من آفات العقل المجرد، وعجزه عن تحقيق إنسانية الإنسان، وخطورته في العبث به في كل اتجاه. ولا يكاد يخلو عمل لعبد الرحمن من نقد النظر المجرد والتأكيد على أهمية العقل المؤيد. ويدخل عبد الرحمن في مناظرات عميقة —مع الداخل والخارج الإسلامي حول هذه الأسس، منها مناظرته مع الجابري— للدفاع عن نظريته في مراتب العقل. “ومن تكن عقلانيته خارجة عن العمل، وخارجة عن التجربة تكن عواقبها أضر وأنكى، اذ تجر عليه من جهة مساوئ الحرمان من فائدة التجربة ومن ثمرات العمل، ومن جهة ثانية مساوئ الوقوع في حدود النظر، إذ لا سبيل عنده لردها أو هدها”[6].

  • القيم عند طه عبد الرحمن (ما هي القيم ولماذا يؤسس عليها مشروعه؟)

في كتابه سؤال الأخلاق يصل عبد الرحمن إلى أن الأخلاق هي الميزة الإنسانية الأولى التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات، وأن قوة الأخلاق —وليس العقل— هي التي يكون بها الإنسان إنسانًا. يؤسس عبد الرحمن على ذلك نظرية أخلاقية يجمع فيها الشروط الأخلاقية والإنسانية، فيجعل الأخلاق أصلاً تتفرع عنه كل صفات الإنسانية الأخرى — بما فيها العقلانية والعالمية. ويرى عبد الرحمن أن القيم الأخلاقية التي تتحدد بها ماهية الإنسان موجودة أساسًا في الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

وللقيم الأخلاقية عند عبد الرحمن خصائص محددة يمكن أن نجملها في الآتي:

  • الأسماء الحسنى هي أصل القيم الأخلاقية: فالقيم ما هي آثار معرفة الأسماء الحسنى على الفطرة البشرية، وهذه الآثار تبدو في الأفعال، فهي ليست مجرد انفعالات معنوية. وهذه الأسماء غير محدودة ولا معدودة، وهي ترابط وتكامل فيما بينها.
  • القيم لا تنفك عن منشئها: ومنشؤها هو الله عز وجل، ويتوقف إدراك القيم الأخلاقية على إدراك راحمية الله عز وجل، لذا يتقدم طلب معرفته سبحانه وتعالى على طلب معرفتها.
  • القيم لا تنفك عن مثالها: القيم لا تدرك بغير مثال يحققها، وبقدر ما تتجلى في هذا المثال بقدر ما يقوى هذا الإدراك وتقوى أسباب نقلها إلى مجال التطبيق. وعليه لا ينتفع المأمور بالأوامر والأحكام الإلهية إلا بالقدر الذي يبقيها موصولة بمثالها وهو الآمر الإلهي، وعلامة على هذا الوصل أن تسبق إلى قلبه في هذه الأوامر راحمية الآمر عز وجل.
  • القيم لا تنفك عن العروج: فهي ترقى بروح الإنسان في مراتب معنوية حتى كأنه يصعد إلى حيث تقيم هذه المعاني الملكوتية. والقيم كوسيلة للترقي توجب في ذاتها دوام الاستعانة بالله تعالى — وهو منشؤها— لتحصيل هذا الترقي.
  • خلق “الحياء” هو أكثر القيم الأخلاقية تمييزا لماهية الإنسان، فيأتي على رأس كل القيم في الترتيب، وهو نابع من اسم الله “الحي”.

يرى عبد الرحمن أن تأسيس العمل الإنساني على الأخلاق والقيم الخلقية هو هدف الإسلام الأول، ويستدل بالحديث الشريف “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. فلابد من التوجيه الأخلاقي للسلوك والأحكام. فالعمل يستمد قيمته من محتواه الأخلاقي. وينبهنا القرآن إلى ذلك، فالقرآن فيما يقدم من سرديات تاريخية لا يهتم بالتاريخ بمعناه الضيق، وإنما بدلالات الأحداث الأخلاقية داخل سياقها الزماني والمكاني. فالأحداث التاريخية التي يسردها القرآن هي علامات أخلاقية لتوجيه الفعل الإنساني وتصحيح مساره.

ويجادل عبد الرحمن أن الدين والأخلاق شيء واحد، وينتقد المدارس الإسلامية التي جعلت الأخلاق مجرد فرع من الدين، أو أعلت المصالح المادية على الأخلاق، وينتقد كذلك الحداثة الغربية التي فصلت بين الأخلاق وبين كل المجالات (فصلت بين الأخلاق والعلم، والأخلاق والسياسة، والأخلاق والفن، والأخلاق والدين) ويرى أن كل تلك الانفصالات التي سار حولها جدل في الغرب ما هي إلا انفصالات تعسفية، تعبر عن تحيزات معرفية قامت بها الحداثة الغربية.

وينبهنا عبد الرحمن لنوع من التخلق (الاتصاف بالأخلاق) هو “التخلق الاضطراري” الذي يخضع له بنو آدم جميعهم بحكم كونهم مخلوقات لله، وذلك لحفظ النظام في مجتمعاتهم وتدبير شئونهم. وهذا التخلق الإجباري يستمد قيمه الموجهة وقواعده الضابطة أيضًا من الأسماء الحسنى. ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ “الإسراء 20”. يستوي في هذا الذين آمنوا بهذه الأسماء، ونسبوها إلى صاحبها الأعلى عز وجل، وأولئك الذين لا يردونها إليه تعالى، وإنما يردونها إلى عقولهم وأعمالهم، غير مدركين أن اشتراك بني آدم فيها وإجماعهم عليها دليل على كونهم فطروا عليها، كما فطروا على الحاجة للمأكل والمشرب[7].

يهتم عبد الرحمن بالجانب العملي في الأخلاق، ويؤكد على ممارسة الأخلاق، فالأخلاق ليست ترفًا وإنما هي ملزمة. ويربط بين ممارسة الأخلاق وإدراك الإنسان للشاهدية الإلهية. ويشير إلى الفراغ الأخلاقي في العالم الإسلامي الذي يعطل وظيفته الحضارية في العالم اليوم[8]. ولا ينهض بهذا الجانب العملي في الأخلاق إلا التخلق المؤيد، التخلق المستند إلى التجربة الحية[9]. حيث تتكون علاقة جدلية مستمرة بين القول والممارسة العملية، وحيث يؤدي الاشتغال بالعمل الديني إلى المزيد من المعرفة عن الله، وتؤدي المعرفة عن الله تعالى إلى المزيد من العمل. ويحافظ عبد الرحمن في معظم أعماله على هذا السمت العملي، فيتحدث دومًا عن الممارسة العملية، وما الذي يمكن أن تنتجه الأفكار على أرض الواقع من آثار.

وفي كتابه “روح الحداثة”[10] يوضح عبد الرحمن كيف تكون القيم الإسلامية أساسًا لبناء حداثة أخلاقية إسلامية، حيث يشرح كيفية استبدال القيم الأخلاقية المستمدة من الأصول الإسلامية بقيم الحداثة الغربية (العقلنة/الاستقلال/ الشمول) والتي أدت في مرحلة ما إلى تحقيق النهضة العلمية لأوروبا والغرب.

  • المقاصد عند طه عبد الرحمن (وكيف يردها إلى القيم؟)

كما ذكرنا في النقطة السابقة فإن الأخلاق عند عبد الرحمن تشمل كافة عناصر الدين الأخرى (المقاصد والأحكام)، فما هي رؤية عبد الرحمن للمقاصد الشرعية؟ وكيف يردها ويؤسسها على الأخلاق؟

المقاصد هي العلم الذي يهتم بمعرفة حكمة التشريع، فمقاصد الشرع من الخلق خمسة: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، فكل ما يتضمن حفظ هذه الاصول الخمسة هو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الاصول هو مفسدة[11]. ينتقد عبد الرحمن هذا التقسيم المعهود للمقاصد والذي يرى أنه فاته استثمار مضامين المصلحة القيمية، ويؤكد على الخاصية الاخلاقية للمصلحة والمفسدة لارتباطهما بمعنى الخير والشر. ويرى أن قانون المصلحة (جلب المصلحة ودرء المفسدة) هو بديهة من بديهات العقل العملي[12]. ويأتي نقد عبد الرحمن لهذا التقسيم من عدة جهات منها أن هذه الكليات الخمس إنما هي حاجات غريزية، والشريعة أسمى من أن تقوم مقاصدها العليا على مجرد متطلبات غريزية. فالكليات العليا لابد وأن تكون كليات فطرية قيمية لا غريزية. وبناء عليه يقوم عبد الرحمن بوضع تقسيم جديد للمصالح، فيستبدل تلك الكليات الخمس بثلاثية: التوحيد الإشهادي، المسؤولية الائتمانية، التزكية العالمية[13]، وهي كليات قيمية عليا ترتبط بمواثيق الربوبية الثلاثة: ميثاق الاشهاد وميثاق الاستئمان وميثاق الارسال.

ويتحدث عبد الرحمن طويلا في تأسيس علم المقاصد ومشروعيته، إذ هو بالأساس علم يقوم بالحُكم على حِكَم الشارع، وهذا من الجرأة بمكان وفقا لعبد الرحمن الذي يقدم رؤية مختلفة للمقاصد الشرعية. بل إنه يرفض لفظ المقاصد ويرى أن ادعاء معرفة مقصد المولى —عز وجل— من كلامه فيه جرأة على مقام الشارع. فما نقدمه هو فهمنا لهذا المقصد، لذا فالأصح أن نقول إن الذي يُحصّل هو المفهوم وليس عين المقصد. ويستبدل مصطلح “مفاهم (مفاهيم) الشريعة بـ “مقاصد الشريعة”[14]. ويرى أن المقاصد أو(المفاهم) الشرعية جميعها تتأسس على المعاني الأخلاقية، وأن فهم النص الشرعي لا ينحصر في تبين الأحكام والمصالح التي تحتها، بل هو بالأساس كشف القيم الأخلاقية الخالصة التي يتضمنها.

ويرى عبد الرحمن أنه لا يتم إدراك المقصد (المفهم) الشرعي إلا بدوام وجدان المتكلم فيه (أي في النص الشرعي)، إذ يوقن الإنسان المخاطَب بأن المتكلم — الله عز وجل— حاضر لا ينفك يكلمه، وأن ما فهمه من كلامه إنما هو من فضل إفهامه تعالى له. فالمخاطَب لا يدرك ما أدرك إلا في حال حضور قلبه مع المتكلم سبحانه وتعالى.

وإذا كان علم المقاصد يدور حول تحقيق “المصلحة” ودرء “المفسدة”، فإن عبد الرحمن يرى أن المصالح الشرعية تدرك بالفطرة، ولا يحتاج تبينها إلى التوسل بالاستقراء، كما هو منهج علماء المقاصد (مثل الشاطبي وابن عاشور)، ويلفت عبد الرحمن إلى الربط المستمر لدى المقاصديين بين الفطرة والعقل، فكلما ذكروا الفطرة أردفوها بالعقل، بل أحيانا جعلوا الفطرة هي العقل[15]. أعاد عبد الرحمن تفكيك مفهوم المصلحة، وربطه بالصلاح، والصلاح هو قيمة خلقية بالأساس، وهو ما اختص علم الأخلاق بالبحث فيه، وإن تحت أسماء أخرى مثل “الخير”. وبذلك يكون علم المقاصد علم أخلاقي يهتم بصلاح الإنسان.

وبعد سلسلة من النقاشات والاستدلالات يصل عبد الرحمن إلى أن علم المقاصد في جوهره ما هو إلا “علم القيم الأخلاقية”[16]. ذلك لأن المصلحة وعاء للقيمة، فالمصلحة تحقق القيمة الأخلاقية المعتبرة شرعًا. ويعيد عبد الرحمن تعريف المصلحة؛ “هي جلب المنفعة المعتبرة شرعًا، أو دفع المضرة الملغاة شرعًا”، هذا قانون المصلحة المسددة[17]. ويرى أن المصلحة ليست مقصدًا في ذاتها، وإنما هي قانون ينضبط به العمل أيًا كان، ويُكسب العمل صفته العقلانية الأخلاقية.

وإذا كانت كل المصالح —وفق المقاصديين— موجودة في الكليات الخمسة، إلا أننا نجد بعض العلماء، ومنهم ابن القيم يصف الشريعة بأوصاف أعم من هذه الكليات، فالشريعة “عدل كلها، رحمة كلها، مصالح كلها، حكمة كلها”[18].

ويخلص عبد الرحمن إلى أن مداخل الشريعة ينبغي ألا تقف عند هذه الكليات الخمس، فيتعين الاجتهاد في النظر إلى كل حكم من أكثر من جهة، كجهة القانون، والقيمة، والغاية، والخلق، والحق، وكل جهة من هذه الجهات الكثيرة جديرة بأن يتوسل بها في العمل بهذا الحكم توسلا يختلف باختلاف ظروف العاملين[19]. وبقدر ما تتعدد جهات النظر الى الاحكام تتسع آفاق الشريعة استيعابا لمصالح الناس ومقاصدهم.

  • الأحكام عند طه عبد الرحمن (كيف يرد الأحكام الشرعية للقيم لأخلاقية؟)

يرى عبد الرحمن أن الأحكام الدينية عمومًا هي أحكام أخلاقية صريحة، وأن الأديان لجأت إلى المواثيق في تقرير هذه الأحكام، والمواثيق هي اتفاقات قائمة على الثقة والاختيار بين طرفين، فهذه الأحكام الشرعية حاصلة عن اتفاقات واثقة بين الإله والانسان[20].

ويخبرنا القرآن في مواضع شتى بالمواثيق التي أخذها الله تعالى من الإنسان ففي سورة الاعراف ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾ “الأعراف 172”. وهذا ما يسميه عبد الرحمن ميثاق الاشهاد، وهناك ميثاق الاستئمان الذي تعبر عنه الآيات في سورة الاحزاب ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ “الأحزاب 72”. وهكذا، يعود عبد الرحمن لمفهوم “الميثاق” ليعيد تأسيس الأحكام والأوامر الإلهية على مفهومي الاختيار والأمانة بدلًا من الجبر والإلزام.

يرى عبد الرحمن أن الفقه يؤسس الأحكام الشرعية على مفهوم الآمرية الإلهية وحده. والآمرية هي النظر في أوامر الله. ويستنكر عبد الرحمن ذلك، ويرى أن هذا يورث المسلم تصورًا (عن علاقته بالله عز وجل) كعلاقة بين آمر ومأمور، وأن المسلم حين يتلبس هذا الشعور يصدّره في علاقته بالأشياء وبما حوله وبالآخرين، فيصبح هو أيضًا آمرا لا يعتد بآراء الآخرين.

يراعي عبد الرحمن الأحكام الشرعية ويعظم الآمرية الالهية، ولكنه ينتقد قصر النظر عليها وحدها مما يحول العلاقة بين العبد وربه إلى علاقة بين آمر وممتثل لهذا الآمر، ويطالب بأن تتعدى العلاقة ذلك لتنبني على الشاهدية الإلهية إلى جانب الآمرية. والشاهدية هي الصفة الإلهية التي تجمع بين الآمرية والراحمية.. بمعنى أن يطيع العبد ربه حبًا وحياءً واختيارًا، مدركًا أن الأمر الإلهي هو أمر ذو رحمة، ولذا فهو يأتي في صورة الأمانة، وهو يفيد التخيير بقدر ما يفيد الإلزام، فهو “إلزام مختار”. والشاهدية تفيد أن الحق سبحانه ينظر إلى خلقه نظرا يعمهم جميعًا، وهذا النظر هو نظر رحيم بهم. وبقدر ما يتعلق الإنسان بهذا النظر الإلهي بقدر ما ينال من هذه الرحمة. والتعلق بالنظر الإلهي يورث الحياء، ومتى وجد الحياء ارتفع الشعور بقهرية الأوامر وحل محله الشعور بالتقصير إجلالاً لله وأحقيته بالطاعة، فيبادر الإنسان إلى الأوامر الإلهية وهو مقبل عليها مختار لها[21].

ويؤكد عبد الرحمن على اشتمال الشاهدية على الآمرية، حيث لا توجد شاهدية بلا آمرية، فلا مجال لإغفال الأحكام والأوامر الإلهية، ويرى أن تأسيس الفقه على الشاهدية الإلهية يشمل الآمرية ويعلوها بدرجة.

من هذا المنطلق يتحدث عبد الرحمن عن تطوير الفقه وإعادة تأسيسه لينبني على الآمرية والشاهدية معًا، فيطرح مفهوم “الفقه الائتماني” بدلًا من الفقه التقليدي السائد (الائتماري) وهو ما نتناوله في السطور التالية.

  • الفقه الائتماري والفقه الائتماني

التمييز الذي ذكرناه سابقا بين الآمرية والشاهدية الإلهية ينبني عليه تقسيم رئيسي للفقه عند عبد الرحمن حيث يفرق بين نوعين أساسيين من الفقه؛ الفقه الائتماري والفقه الائتماني. الفقه الائتماري هو المختص باستخراج الأحكام الشرعية من النصوص المنزلة، أما الفقه الائتماني فهو المعني باستكشاف القيم الخلقية المتضمنة في هذه الأحكام. الفقه الائتماري يركز على جانب التكليف، بينما الفقه الائتماني يركز على جانب الأمانة. التكليف يتعلق بظاهر الأحكام، في حين تتعلق الأمانة بالقيم الأخلاقية ضمن هذه الأحكام. ولا توجد أمانة بلا تكليف، لكن قد يوجد تكليف ولا أمانة معه إذ قد يكتفي المكلف بظاهر الحكم[22].

والائتمان[23] هو رعاية القيم الأخلاقية المبثوثة في الأحكام الشرعية. وعليه فإن الفقه الائتماني وإن اتفق مع الفقه الائتماري في طلب معرفة الأوامر والأحكام، فإنه يتعداها إلى معرفة الراحمية (أي القيم المشتَملة في تلك الأحكام). وهكذا اعتبر النظر الائتماني “الشاهدية الالهية” هي الصفة الإلهية التي تجمع بين الآمرية والراحمية، واتخذ من معرفة هذه الشاهدية موضوعًا له، ويرى عبد الرحمن أن هذا ينعكس على العقل المسلم بالسعة وعلى سلوك المسلم باللين[24].

ويقسم عبد الرحمن الفقه لثلاثة مستويات: نظر، وعمل، واستعمال. يجمع أي فقيه بين المستويين الأولين؛ النظر والعمل، فلا فقه بغير عمل، بينما يتميز الفقيه الائتماني بالمستوى الثالث “الاستعمال” والمقصود به مراقبة الآخرين في العمل بالأحكام الشرعية والتخلق بالقيم الكامنة فيها[25]. والفقيه لا يقوم بذلك إلا بعد أن يكون قدوة للآخرين في التلبس بالحكم الشرعي حتى يمكنه مراقبة تخلق الآخرين به خاصة وأن هذه المراقبة تحتاج إلى بصيرة وليس بصر فحسب.

ويتميز الفقيه الائتماني كما يقول عبد الرحمن بأنه “يعلم باطن الأحكام الأخلاقي فضلا عن ظاهرها ويعمل به ويستعمل الآخرين فيه”، ولأنه يستقل بوظيفة الاستعمال تلك يسميه عبد الرحمن “المربي”.

ولا يقف الأمر عند مراقبة تخلق الاخرين بأخلاق الأحكام، بل تتعدى غاية الفقيه الائتماني ذلك لتصل إلى تكوين ملكة خلقية لديهم بحيث تصدر عنها أفعالهم كما تصدر أفكارهم عن ملكتهم العقلية، وتكون لهم القدرة على التكيف الخُلقي مع التغيرات والظروف الخارجية ويكونوا قادرين على أن يتخذوا منها موقفا يتفق وأخلاقهم.

وهكذا يساهم الفقيه “المربي” في نقل الانسان المعاصر من حالة “المعاصرة” التي هي حالة موات من وجهة نظر عبد الرحمن، إلى حالة “الائتمانية ” التي هي حالة الحياة، وذلك عبر إحياء الأخلاق الإسلامية مثل الحياء والتواضع والامتنان. ويقدم عبد الرحمن أمثلة لكيف يكون تناول الفقه الائتماني لبعض القضايا المعاصرة مثل: الحجاب، وأدوات التواصل الاجتماعي. وكيف يعالج هذا الفقه سمات الإنسان المعاصر، والتي يذكر منها، سمة الاستدلال، سمة الاستقلال، سمة الطغيان[26]. حيث “يجدد الفقه الائتماني في طرقه التربوية، بما يجعله قادرا على التصدي لخصوصية الإنسان المعاصر، وإخراجه إلى الحالة الائتمانية”[27].

هذا الفصل بين الآمرية والشاهدية قد نتحفظ تجاهه، فليس معنى تركيز الفقه التقليدي على الأوامر الإلهية إغفاله للشاهدية الإلهية، قد يكون هذا حدث في بعض السياقات، ولكننا لا نستطيع أن نصم الفقه كله بهذا الحكم. بعبارة أخرى يمكن القول إن عبد الرحمن يبني بعض مقولاته على مقدمات قد لا نتفق معه فيها، أبرزها أن الفقه والبناء الفقهي “الذي نعرفه” قد أغفل الشاهدية، بقدر ما ارتكز على الآمرية الإلهية وحدها. ومع ذلك فإنه يحسب لعبد الرحمن تأكيده على عدم إغفال الآمرية، وتمسـكه الشديد بها، وهو ما يُبقي إسـهاماته —على منحاها الصوفي— داخل نطاق التجديد المنهاجي المنضبط.

يتضح مما سبق كيف يعيد عبد الرحمن تأسيس الفقه على القيم الأخلاقية المستمدة من الأسماء الحسنى، وكيف يجعل الأخلاق في مركز اهتمام الفقيه إلى جانب ظاهر الحكم.

  • الغيب عند طه عبد الرحمن (كيف يرد الغيب إلى القيم؟)

الغيب هو لب فلسفة عبد الرحمن وحبلها الناظم، فهي فلسفة صوفية مبناها إعادة الاعتبار للغيب في العلم والعقل والوجدان المسلم. حيث تقوم رؤية عبد الرحمن الإصلاحية على إعادة الغيب لكل مساحات الحياة التي انتزع منها نتيجة غلبة الفلسفة المادية وطغيان الحداثة. فاذا كانت الحداثة الغربية قامت على إنكار الوحي والغيب (إعلان موت الإله!) واعتبار العقل والمادة فقط، فان مشروع عبد الرحمن النهضوي يرى أن مواجهة ما سببته الحداثة من بؤس معاصر لا يمكن إلا من خلال إعادة المركزية للإله والغيب في شتى مجالات الحياة. وهو ما تنبني عليه رؤية عبد الرحمن، فالخالق عز وجل هو مركز الكون وليس الإنسان، وعلاقته بالإنسان هي علاقة ائتمان بالأساس، فقد حمّل الإنسان أمانة الأرض واستخلفه فيها وفق القيم التي أودعها إياه. فالأمانة التي حملها الانسان تعلقت بتلك القيم بحيث يكون مأمورا بإقامتها (الرؤية الائتمانية).

ويتحدث عبد الرحمن عن الفرق بين المسلم العادي والمسلم الائتماني فيما يتعلق بإدراكهما للغيب فيقول: “إدراك الإنسان المسلم لمراقبة الله تعالى له تكون على دربين: أحدهما، أن يكون هذا الإدراك علما نظريا “تقديرا ذهنيا أو استدلال” إذ يتصور الإنسان بعقله المسدد أن الله تعالى يشهده، إلا أن هذا التصور يكون إدراكا بيانيا مُلكيا[28]، إذ يضيف هذا الإنسان هذا التصور إلى نفسه. والثاني، أن يكون هذا الإدراك تجربة حية “شعورا وجدانيا واستبصار”، حيث يتحقق الإنسان بروحه بأن الله تعالى يشهده، فيكون إدراكه إدراكا عيانيا ملكوتيا”[29].

ويربط عبد الرحمن إدراك الغيب بتعلم القيم الأسمائية التي تُوصل إلى معرفة الله عز وجل، هذه القدرة على التواصل مع عالم الملكوت تكون من خلال تعلم “أسماء الله الحسنى”، ومعرفتها، والتوسل بها، والنيل من فيض عطاءاتها.

  • تجربة طه عبد الرحمن الذاتية

تعد تجربة عبد الرحمن الذاتية نقطة مهمة لفهم مشروعه بالكامل، فكل ما يتحدث عنه عبد الرحمن قد عايشه فعليا، ولم يكن مجرد حديث نظري. في ختام كتابه الحياء (3)[30] يتحدث عبد الرحمن عن تجربته الروحية وكيف كانت فارقة في حياته، فهو الطالب المغربي المنفتح على الثقافة الغربية الدارس للفلسفة الفرنسية وخريج السوربون، فكيف وصل إلى المعرفة بالله؟ يحكي عبد الرحمن تجربته مع شيخه الشيخ “جمزة ابن العباس القادري”، ويذكر منها خلاصات وثمار مهمة فيقول: “وصلت لأن التفكر أعلى رتبة من التفكير، وأن وصل الأوامر الإلهية بالآمر عز وجل يجعل التعلق بالله عز وجل يسبق العمل بأوامره”[31]. يتحدث أيضا عما يورثه النظر الحي والذكر والتفكر ومعايشة الأسماء الحسنى، وغيرها من أعمال التزكية التي تلقاها وتعلمها على يد شيخه من حياة للقلب وتغير عميق في الفكر والنظر.

خرج عبد الرحمن من تجربته بعدة أصول تتعلق كلها بالأخلاق: فماهية الإنسان تتحدد بالأخلاق، والأخلاق تشمل النشاط الإنساني بسائر جوانبه، وأحكام الشريعة مبناها أصلا على الأخلاق تكريما للإنسان؛ “فمن عمل بحكم من أحكامها واقفا عند صورته مفوتا الخلق أو الأخلاق التي في ضمنه فقد أخل بالمقصد من هذا الحكم”[32].

ويخلص عبد الرحمن من تجربته إلى أن القيم الأخلاقية مأخوذة من الأسماء الحسنى أخذا مباشرا[33]. وهو يتفق في هذه الخلاصة مع “جيفري لانج” الذي وصل لنفس النتيجة بعد قراءة معمقة في القران الكريم، فقد توصل إلى أن الهدف الأول من خلق الانسان والأمانة التي حملها (أمانة الاستخلاف) هو التخلق بالأخلاق المستمدة من الأسماء الحسنى.

وصل عبد الرحمن من تجربته لأهمية أن تتأسس المعرفة على القيم الأخلاقية، إذ إن تقدم الأمم مرهون بتحصيلها للأخلاق، وليس بتحصيلها للمعرفة العلمية، إذ إن التحصيل العلمي التقني لا يستقيم إلا إذا تأسس على القيم الأخلاقية، وإلا يكون سببا في تأخر الأمم؛ إذ على الرغم من ازدهار ظاهر الحياة فيها، يبقى باطنها خرابا لتردي معاني الإنسانية فيها، فيختل نظام الحياة. (وهو ما نراه بالفعل حاصلا في دول العالم الأول المتقدم).

خاتمة

اتبعت هذه الدراسة منهجا استكشافيا قائما على إطار نظري مؤلف من عناصر خمس (المقاصد، القيم، الغيب، السنن، الأحكام الشرعية)، وقد ساعد هذا المنهج في الوصول إلى نقاط مفصلية ومحورية يمكن أن تلخص مشروع عبد الرحمن. فالمقصد عند عبد الرحمن هو بناء نهضة إسلامية أخلاقية، والمستهدف عنده هو الإنسان المسلم، فهو يهدف لإعادة بنائه معرفيا وروحيا. ومشروع عبد الرحمن قائم بالكامل على الأخلاق والتزكية كأسس لتحقيق النهضة الإسلامية، ووسائله في ذلك يأتي على رأسها الفقيه المربي (على مستوي القاعدة)، والرؤية الائتمانية (على مستوي الفلسفة والعلم). فأعمال التزكية المستمرة، والتربية القائمة علي الفقيه المربي والمستندة إلى الأسماء الحسنى، وإعادة الاعتبار للغيب هي مفاتيح عبد الرحمن لتحقيق نهضة إسلامية.

هذا ولا يتحدث عبد الرحمن عن ثورات اجتماعية أو سياسية، ولا يشغل باله بأشكال نظم الحكم القائمة، ولا يعول على دول أو أنظمة أو حتى ثورات علمية، وإنما يشد رحال فكره عبر رحلة صوفية يغوص خلالها في أعمال التزكية، ويعلمنا كيف يكون التخلق الحق (التخلق المؤيد)، وماهية الأخلاق الإسلامية، ويرتبها فيضع خلق الحياء على رأس هذه الأخلاق. وفي أثناء هذه الرحلة ينتقد عبد الرحمن بشدة الحداثة الغربية التي أدت إلى موت الانسان المعاصر عبر إماتة الأخلاق. ويأخذ كذلك على الفقه التقليدي تركيزه على الأحكام الشرعية ظاهريا و”إهماله” محتواها الأخلاقي، وجعله الأخلاق من المكملات أو التحسينات. ويطرح في المقابل مفهوم الفقه الائتماني الذي يهتم بالجانب الأخلاقي في الحكم الشرعي إلى جانب ظاهر الحكم. وتشمل الأخلاق عند عبد الرحمن المقاصد والأحكام وكافة عناصر الشريعة الأخرى، فالدين هو الأخلاق أو القيم الأخلاقية، ويستند عبد الرحمن إلى الحديث الشريف “إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق”[34]. ويحرص على التأكيد على أن الاهتمام بالأخلاق لا يعني إهمال الأحكام الشرعية، ولكنه يتعدى مرحلة الظاهرية إلى تحقق عين الحكم. وهو ضابط مهم حتى لا تؤدي بنا الأخلاق بتشعبها بعيدا عن أحكام الشريعة بانضباطها.

يعيد عبد الرحمن تشكيل العقل المسلم عبر نقد مفصل لأنواع العقل، المجرد والمسدد، ويعلي من شأن العقل المؤيد (الصوفي). لكنه لا يقدم لنا وصفة تضمن ألا تنزلق صوفيته في مزالق غير محمودة، خاصة وأنه يفتح المجال أمام “التجربة الحية” والتي هي تجربة ذاتية جدا وخاصة جدا بحيث لا يمكن البناء عليها أو وضع شروط موضوعية لها بما يسمح بتكرارها أو اعادة انتاجها في سياقات متعددة بشكل منضبط. كذلك تعتمد هذه التجربة على وجود الشيخ القدوة أو الفقيه المربي فماذا نفعل إن لم نجد هذا النموذج؟؟.

يستدل عبد الرحمن بالحديث القدسي الذي رواه البخاري “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما  يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فاذا أحببته  كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر المأمور، ده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه… “[35] فيقول استدلالا بهذا الحديث: “وهنا يغيب المتزكي بالمتقرب إليه تعالى عن رؤية نفسه، وبفضل شهوده الروحي للمتقرب إليه مع فنائه عن هذا الشهود يتحقق بوصف الآمر تحققه بوصف المأمور بل يتحقق بوصف المطاع تحققه بوصف المطيع إذ يصير إذا قال للشيء كن كان “[36].  وهذا ما يثير التحفظ والخوف من الدخول في غمار حالة من الحلولية.

مرة أخرى يجدر التساؤل: ما الذي يضمن ألا ينزلق العقل المؤيد إلى مناطق التواكل، وهو ما كان سائدا، وعانى منه العقل المسلم، عقودا قبل الحداثة؟ إن المنهجية العلمية والمنطقية والعقل الرشدي الذي ينتقده عبد الرحمن كانت ردة فعل لحقبة من “الخرافة” عانى منها المجتمع الإسلامي وأدت إلى تخلفه وتراجعه الحضاري، الأمر الذي يفرض علينا أن نجتهد في تحاشيه حتى لا نكرر أخطاء الماضي.

وأخيرا فإنه رغم صعوبة الأسلوب، التي تصل إلى حد الإعضال اللغوي أحيانا، ورغم الإغراق في التفاصيل والتفريعات، والذي يصل لحد التيه أحيانا أخرى، فإن القراءة في مشروع عبد الرحمن هي بمثابة عروج حقيقي للعقل والروح، عروجا يترك أثرا بلا شك في النظر، وأثرا في السلوك.

لقد نجح عبد الرحمن في إعادة وضع الأخلاق في المركز، وكان قادرا على التصدي بقوة لكل أشكال الجدل الفلسفي الغربي والمحلي، ومناطحتها بأدلة تحليلية ومنطقية نابعة من روح التراث الإسلامي، فهو يقف على أرض صلبة، ويستند لتراث معرفي أصيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* باحثة بمركز خُطوة للتوثيق والدراسات، وحاصلة على ماجستير في العلوم السياسية. جامعة القاهرة.

[1]  مجموعة مؤلفين (2011). نحو تأصيل لفقه الحياة: الطفولة نموذجا. القاهرة: دار نهضة مصر للنشر. 238 ص.

[2] طه عبد الرحمن (2014). العمل الديني وتجديد العقل. ط. 5. الدار البيضاء: المركز العربي للطباعة والنشر والتوزيع. 223 ص.

[3] العقل في تعريف أرسطو يشير إلى جوهر قائم في الإنسان يفارق به الحيوان ويستعد به لقبول المعرفة. أما في تعريف ديكارت فيشير إلى استخدام المنهج العقلي على الوجه الذي يتحدد به في سياق العلوم الحديثة وخاصة العلوم الرياضية. وهما يشكلا المرتبة المجردة من مراتب العقل التي ينقدها عبد الرحمن.  انظر:

طه عبد الرحمن (2006أ). سؤال الأخلاق. الدار البيضاء: المركز العربي للطباعة والنشر والتوزيع. ص ص. 63- 64.

[4] طه عبد الرحمن (2014). مصدر سابق. ص. 32.

[5] طه عبد الرحمن (2014). المرجع السابق. ص. 72.

[6]  طه عبد الرحمن (2014). المرجع السابق. ص. 184.

[7]  طه عبد الرحمن (2017). دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني. ج. 1؛ أصول النظر الائتماني. ط. 1. بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع. ص. 74.

[8] وهو يرجع ذلك الفراغ إلى الفقه التقليدي الذي أعلى ظاهر الاحكام على مضمونها الأخلاقي. والمدارس الإسلامية التي جعلت الأخلاق ضمن الحاجيات والتحسينيات. وهو ما سنفصله تحت عنوان الأحكام الشرعية.

[9] يفضل عبد الرحمن في شرح التخلق المؤيد واهم سماته هي ارتباط القول بالعمل، وانه يتم تلقيه عن متخلق “شيخ” ما يسميه عبد الرحمن الاقتداء الحي. فكما ان السنة نقلت الينا نفلا عن الصحابة. فان التخلق كذلك يجب ان يؤخذ عن متخلق حق تتحقق فيه أخلاق النبي (صلى الله عليه وسلم). وعلى الانسان أن يبحث عن هذا الشيخ الفقيه ويلزمه ويتلقى عنه التخلق فهو ليس علما نظريا وإنما ملكة خلقية يتم التدريب عليها.    انظر:

طه عبد الرحمن (2006أ). مصدر سابق. ص ص. 84- 85.

[10] طه عبد الرحمن (2006ب). روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. ط. 1. الدار البيضاء: المركز العربي للطباعة والنشر والتوزيع. 287 ص.

[11] طه عبد الرحمن (2012أ). التأسيس الائتماني لعلم المقاصد. ط. 1. بيروت: مركز نهوض للدراسات والنشر. ص. 351.

[12] طه عبد الرحمن (2012أ). المرجع السابق. ص ص. 353 – 354.

[13]  طه عبد الرحمن (2012أ). المرجع السابق. ص. 425.

[14] طه عبد الرحمن (2012أ). المرجع السابق. ص. 250.

[15] ومن هؤلاء ابن عاشور. انظر:

طه عبد الرحمن (2012أ). المصدر السابق. ص. 167.

[16] طه عبد الرحمن (2012أ). المصدر السابق. ص. 108، 250.

[17] طه عبد الرحمن (2012أ). المصدر السابق. ص. 355.

[18] طه عبد الرحمن (2012أ). المصدر السابق. ص. 368.

ويبرهن عبد الرحمن على أن تضمن الشريعة كل المصالح يورث التزكية صفة العالمية.

[19] طه عبد الرحمن (2012أ). المصدر السابق. ص ص. 368- 369.

[20] يتحدث عبد الرحمن في هذا السياق عن ثلاث مواثيق رئيسة يسميها (مواثيق الربوبية) وهي: ميثاق الإشهاد، ميثاق الاستئمان، ميثاق الإرسال. هذه المواثيق ثابتة في الفطرة الإنسانية، تؤكد أن الانسان مخير. للمزيد انظر:

طه عبد الرحمن (2021). المفاهيم الاخلاقية بين الائتمانية والعلمانية. ج. 1؛ المفاهيم الائتمانية. ط. 1. بيروت: مركز نهوض للدراسات والنشر. 351 ص.

[21] طه عبد الرحمن (2017). مصدر سابق. ج. 1. ص. 169.

[22]طه عبد الرحمن (2017). مصدر سابق. ج. 1. ص. 21.

[23] اللفظ مأخوذ من كلمة الأمانة، والائتمانية نظرية كاملة عند عبد الرحمن ورؤية للعالم قائمة على مفهوم الامانة المأخوذ من الآية الكريم ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ “الأحزاب 72”.

[24] طه عبد الرحمن (2017). مصدر سابق. ج. 1. ص. 96.

[25] طه عبد الرحمن (2017). مصدر سابق. ج. 1.  ص. 23.

[26]  يعدد عبد الرحمن سمات الانسان المعاصر فيذكر منها: سمة الاستدلال، سمة الاستقلال، سمة الطغيان، سمة التجاوز، سمة التملك. ثم يوضح كيف يقف الفقه الائتماري عاجزا أمام علاج هذه الصفات، بينما يستطيع الفقه الائتماني علاجها. ويقصد بالاستدلال: انه لا يقبل من الخطاب إلا ما يفهمه بعقله المجرد. ويقصد بالاستقلال رفض الانسان المعاصر لأي نوع من الوصاية حتى وصاية القيم أو سلطانها فحريته في خطئه أحب اليه من تبعيته لأي سلطة وإن كان فيها الصواب. ويقصد بالطغيان استكبار الإنسان بعقله الذي وصل لاستكباره على خالقه. ونسبة كل شيء الى نفسه الامر الذي وصل إلى إعلان موت ربه. وتأليه نفسه. للمزيد راجع:

طه عبد الرحمن (2017). مصدر سابق. ج. 1. ص. 245 – 269.

[27]  طه عبد الرحمن (2017). مصدر سابق. ج. 1.  ص. 276.

[28]  يفرق عبد الرحمن بين عالم الملك وعالم الملكوت، وهو يقصد بعالم الملك الحياة الدنيا او العالم المرئي الذي يتواجد فيه الانسان بجسده وروحه، اما عالم الملكوت فهو عالم الغيب. ويرى عبد الرحمن ان الانسان كائن متعد لا يقتصر وجوده على هذه الحياة الدنيا، بل هو قادر على الوجود والاتصال مع عالم الغيب بروحه. فعندما يقول عبد الرحمن ادراكا ملكيا فهو يقصد إدراك عقلي ينتمي الى هذا العالم المشهود ” عالم الشهادة” في مقابل إدراك ملكوتيا أي إدراك روحي ينتمي إلى عالم الغيب.

طه عبد الرحمن (2017). مصدر سابق. ج. 1. ص. 33.

[29] طه عبد الرحمن (2017). مصدر سابق. ج. 1. ص 182.

[30] طه عبد الرحمن (2017). دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني. ج. 3؛ روح الحجاب. ط. 1. بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع. ص. 157.

[31] طه عبد الرحمن (2017). مصدر سابق. ج. 3. ص. 158 – 159.

[32] طه عبد الرحمن (2017). المرجع السابق. ج. 3. ص ص. 163 – 164.

[33]  طه عبد الرحمن (2017). المرجع السابق. ج. 1، 3.

[34] صححه الألباني.

[35] رواه البخاري،

طه عبد الرحمن (2012ب). روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية. ط. 2. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع. ص. 395.

[36]  طه عبد الرحمن (2012ب). المرجع السباق. ص. 395.

قائمة المراجع:

  1. طه عبد الرحمن (2006أ). سؤال الأخلاق. الدار البيضاء: المركز العربي للطباعة والنشر والتوزيع.
  2. طه عبد الرحمن (2006ب). روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. ط. 1. الدار البيضاء: المركز العربي للطباعة والنشر والتوزيع.
  3. طه عبد الرحمن (2012أ). التأسيس الائتماني لعلم المقاصد. ط. 1. بيروت: مركز نهوض للدراسات والنشر.
  4. طه عبد الرحمن (2012ب). روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية. ط. 2. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع.
  5. طه عبد الرحمن (2014). العمل الديني وتجديد العقل. ط. 5. الدار البيضاء: المركز العربي للطباعة والنشر والتوزيع. 223 ص.
  6. طه عبد الرحمن (2017). دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني. ج. 1؛ أصول النظر الائتماني. ط. 1. بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع.
  7. طه عبد الرحمن (2017). دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني. ج. 3؛ روح الحجاب. ط. 1. بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع.
  8. طه عبد الرحمن (2021). المفاهيم الاخلاقية بين الائتمانية والعلمانية. ج. 1؛ المفاهيم الائتمانية. ط. 1. بيروت: مركز نهوض للدراسات والنشر. 351 ص.
  9. مجموعة مؤلفين (2011). نحو تأصيل لفقه الحياة: الطفولة نموذجا. القاهرة: دار نهضة مصر للنشر.

عن منال يحيى شيمي

شاهد أيضاً

ثغور المرابطة: مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية

تأليف: أ. د. طه عبد الرحمن

عرض: د. شيرين حامد فهمي

كتاب "ثغور المرابطة: مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية"، للمؤلف "طه عبد الرحمن" يشد انتباه القاريء العربي المسلم من أول وهلة. فهو لا يمس فقط قضايا مركزية وجوهرية في صميم الوعي العربي الإسلامي، إنما يمس أيضاً شغاف القلب والفؤاد.

نحو تأصيل لفقه الحياة: الطفولة نموذجًا

تأليف: د. شريف عبد الرحمن سيف النصر، أ. مدحت ماهر الليثي، أ. منال يحيى شيمي، أ. د. هبة مشهور، أ. مهجة مشهور

عرض: أ.تقى محمد يوسف

في ظل المشكلات التي تواجهها الأمة الإسلامية اليوم وعلى رأسها مشكلة مستوى الخطاب الديني الذي لا ينهض باحتياجات الأفراد أو المجتمعات ولا يقوم بتوجيههم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.