الاقتصاد الإسلامي علم أم وهم؟
الدين والاقتصاد*
منذر القحف**
1. مجال الدين ومجال علم الاقتصاد
الدين والاقتصاد ميدانان متقاربان للغاية، فمن الناحية التاريخية؛ نجد أن علماء الاقتصاد في الغرب كانوا يأتون من طبقات الرهبان وعلماء اللاهوت. وقد جاء بعلم الاقتصاد في العصور الوسطى في أوروبا رجال الكنيسة مثل توماس أكونياس، وأوغسطين وغيرهما، حيث كـانت مشاعرهم تجاه الأرض والناس تقوم على أساس الأفكار المسيحية. ومع حدوث الثورة الصناعية والإنتاج الواسع النطاق، بدأ بعـض علماء الاقتصاد يحاولون فصل أبحاثهم عن الدين. وقد كان ذلك مرتبطاً بتاريخ أوروبا الثقافي والسياسي خلال تلك الفترة، والذي كان متأثرًا بالثورة الجامحة ضد الكنيسة ونفوذها. وبمقتضى ذلك، بدأ الحديث عن علم الاقتصاد السياسي. إلا أن تلك الثورة ضد الدين هدأت مع مرور الوقت، وعاد الناس، ومعهم الاقتصاديون، إلى توازنهم الفكري.
وكعلماء اقتصاديين، أصبحنا ندرك اليوم أنه يوجد دائمًا لعلم الاقتصاد إطار يتسم بالصبغة الدينية والأخلاقية والإنسانية، يجب إعادة إدماجه في تلك المادة. وإن إنكار العلاقة بين علم الاقتصاد والقيم الدينية الأخلاقية كان فشلًا أو خطأ من ناحية الأجيال السابقة من العلماء الاقتصاديين الأوربيين. لقد أدركنا الآن – كما يؤكد (ميردال) وغيره- أنه من المستحيل فصل علم الاقتصاد عن الأحكام القيمية الخاصة بالبشر، ومن ثم فقد شهدنا أخيراً عودة واسعة إلى اتجاه أكثر إنسانية. ويعد العالم الاقتصادي التشيكي، إيوجين لوفل – الذي أنهى دراسته في هارفارد- ممثلاً لذلك الاتجاه في كتابه (الاقتصادي الإنساني) الذي عرَّفه أنه “اقتصاد بواسطة البشر ومن أجل البشر”.
لذلك فإن العلماء الاقتصاديين المسلمين عندما يعلنون أن الدين يشكل الخلفية الأساسية للفكر الاقتصادي لا ينبغي أن يواجَهوا بالدهشة، لأن مثل ذلك القول ينبع في الحقيقة من ارتباط علم الاقتصاد بالنفس الإنسانية.
وفي الواقع، فإن الدين يتناول معتقدات الناس وسلوكهم، وطالما أن معتقدات الناس تؤثر في السلوك، وأن السلوك يشمل الجوانب الاقتصادية إضافة إلى الجوانب الاجتماعية والعاطفية وغيرها، فإنه يجب أن يكون لكل دين من الأديان موقف اقتصادي واتجاهات اقتصادية خاصة به.
إن التعريف الأكثر قبولاً عند العلماء لعلم الاقتصاد هو أنه دراسة للسلوك الإنساني المتعلق بالإنتاج والتوزيع والاستهلاك للسلع والخدمات[1]. ومن الواضح أن السلوك الاقتصادي الإنساني هذا يشمل نشاط الناس أفرادًا وجماعات، أي أنه يشمل دراسة السلوك الفردي، وهو ما يسمى بالاقتصاد الجزئي، والسلوك الجماعي، وهو ما يسمى بالاقتصاد الكلي.
أما الدين، فإن تعريفه – كما يذكره الدكتور محمد عبد الله دراز – هو أنه المنهج أو الطريقة التي تتضمن طاعة واتباعًا. وهذا هو أيضًا تعريف كلمة Religion في اللغات الغربية[2].
وبذلك فإن السلوك الذي يدرسه علم الاقتصاد ليس إلا جزءاً أو جانبًا من السلوك الذي يدخل في نطاق الدين. ولعل ذلـك هـو السبب فيما ورد من إدانة في القرآن الكريم للمعايير الاقتصادية التي كانت سائدة في جاهلية العرب عند نزول الوحي في عصر النبوة. وفيما يلي نماذج لمجموعة من الآيات التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وسلم في إدانة أنماط من السلوك الاقتصادي عند عرب الجاهلية:
﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ* أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 1- 6].
وكذلك نجد أن شعيبًا – عليه السلام- كان دائمًا يؤكد في رسالته أن الالتزام بالدين وإطاعة الله تتطلبان نموذجًا معيناً من التعامل مع الأموال، مما أثار استغراب بعض الكفار من قومه ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء﴾ [هود: ۱۱].
وبذلك، فإننا نستطيع القول إن السلوك الاقتصادي للإنسان والمجتمع يُعد جزءًا من مجال عمل الدين وميدانه.
وفيما يلي سوف ننظر في العلاقة بين الإسلام على وجه الخصوص وعلم الاقتصاد.
2. الإسلام والاقتصاد
إن الدارس للإسلام يدرك أنه يتميز عن الديانات الأخرى في معالجته للمسألة الاقتصادية، وذلك من خلال مسألتين إجماليتين، لكل منهما فروعها وتفصيلاتها. وهاتان المسألتان هما:
أولًا- وجود كم كبير جدًا من المبادئ والتوجيهـات والتشريعات والأحكام التي تكوّن -لا محالة – نظامًا اقتصاديًا متميزًا يمثل إطارًا مكتملًا يحيط بالسلوك الاقتصادي ويوجهه في اتجاه معين مرغوب فيه.
ثانيًا– وجود مقولات عديدة تمثل في مجموعها معطيات موضوعية تعين على فهم السلوك الاقتصادي للأفراد والجماعات.
ففيما يتعلق بالمسألة الأولى، وهي أن للإسلام كدين نظامه الاقتصادي الخاص، فإننا نقول إن الدارس للقرآن والسنة – مهما كان انتماؤه الفكري والسلوكي- لا بد له أن يلاحظ أنهما يتضمنان منهجًا للسلوك الإنساني عامة مكتمل العناصر؛ وجزء غير قليـل مـن هذا المنهج يتعلق بالسلوك الاقتصادي. فهذان المصدران الأساسيان للدين الإسلامي يقدمان القيم الأخلاقية والمبادئ الأساسية التي تعيد صياغة الدوافع الذاتية في الإنسان. كما يضعان الإطار القانوني والمؤسسات الاجتماعية التي يدور ضمنها السلوك الاقتصادي.
ولعله من المفيد هنا أن نشير إلى نقطتين تؤكدان هذا المعنى وتضعانه في إطاره العام. فالقرآن الكريم يحدد بصورة قاطعة أن الإسلام منهج لجميع جوانب الحياة حيث يقول على لسان أبي الأنبياء ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢- ١٦٣]. كما يؤكد أن الدين قد اكتمل وتمت بذلك نعمة الله تعالى على خلقه الذين قد ارتضى لهم الإسلام لتتفاعل على حسب مقتضاه جميع الأنشطة الإنسانية في هذه الدنيا.
أما النقطة الثانية هي أن هذا الدين ينظِّم السلوك الإنساني بشكل محوري يجعله يتجه نحو تحقيق هدف عبادة الله من خلال العمل النشط على المعطيات المادية والاجتماعية التي تشكل بيئة ذلك العمل وأدواته بوقت واحد معاً. وبمعنى آخر فإن تحقيق الأهداف الأخروية لا يكون إلا بالإحسان في الدنيا بكل ما تقتضيه كلمة الإحسان من بناء، وإعمار، وإصلاح، وتحسين. فالنشاط الإنساني في العالم المادي ليس انحرافاً عن رضا الله تعالى، بل هو طاعة له، وهـو الطريق إلى الوصول لمرضاته أيضًا. وإن أشياء مثل بناء الحياة المادية وتحسينها والتمتع بها تُعد في حد ذاتها وسائل للحصول على المتع التي وهبها لنا الله، وإن الانعزال عن الحياة والانسحاب منها يعدان إثمًا أدانه الله في القرآن وأدانه رسوله في السنة. وطبقًا لذلك، نجـد أنـه بـالـرغـم مـن أن هدف الحياة هو النجاح في الآخرة، فإنه ليس من الممكن تحقيق مثل هذا النجاح إلا عن طريق الإعمار والعمران في هذه الدنيا. وبمقتضى ذلك، فإن المبادئ الأخلاقية الإسلامية ترى في الثروة وسيلة للإشباع الإنساني والزيادة من قدرات الإنسان التي تؤدي إلى تحقيق تقرب أفضل إلى الله سبحانه وتعالى. فالإسلام لا يكتفى بألا يدين أيضًا السعي للحصول على الثروة والتمتع بها، بل إنه لا يديـن أيضاً الحماس للحصول على دخل أكبر أو على أشياء مادية أكثر والتنعم بها. وهو في الحقيقة يذهب إلى أكثر من ذلك حيث يعتبر متـع الحياة المادية هبة ونعمة من الله تتحقق طاعته مـن خـلال الانتفاع بها.
ويرى في الامتناع عن فعل ذلك إثمًا وخروجًا عن حدود الطاعة، “… ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام وأتزوج النساء” كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم في رده على مـن حـاول الامتناع والتنسك والتزهد عن متع الحياة. ولعل مما يعتبر مماثلاً للإثم أن لا يستغل الإنسان ما وهبه الله له من موارد وإمكانات وطاقات. ولذلك، فإن الإسلام يعتبر أفعالًا مثل الإنتاج، والتوزيع، والاستهلاك في إطارهـا العام جزءًا من العبادة.
أما بالنسبة للمسألة الثانية، فإن القرآن والسنة يتضمنان عددًا كبيرًا من المقولات الوصفية التي تعين في التحليل الاقتصادي مما نسميه في الاقتصاد بالقوانين الاقتصادية. من ذلك مثلاً آيات:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ…﴾ [آل عمران: ١٤].
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩]
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]
﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٧٦].
﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ…﴾ [البقرة: ٢٧٦].
﴿… قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ…﴾ [يس: 36].
ومن الأحاديث:
“لو أن لابن آدم واد من ذهب لابتغى ثانيًا، ولو أن له واديان لابتغى ثالثًا” [رواه الترمذي، وبمعناه للبخاري ومسلم].
كل ذلك يقودنا إلى إن هنالك تعريفين للاقتصاد الإسلامي:
أ- دراسة النظام الاقتصادي الإسلامي، ويشمل هذا التعرف على معالمه ومؤسساته الرئيسية كما أشارت إليها المصادر الأساسية لهذا الدين من قرآن وسنة، وكما يوضح حدود إطاره القانوني منهج الشريعة في أصولهـا وأحكامها، ويوضـح حدود انفعاله السلوكي، ونموذج صياغته النفسية للأفراد المتعاملين بمنهج الأخلاق المتضمن في هذا الدين.
ب- دراسة السلوك الاقتصادي للإنسان من منطلق مصدرين للمعرفة هما الوحي. وملاحظة التجربة الإنسانية. وهذا ما نسميه بالتحليل الاقتصادي الإسلامي.
3. النظام الاقتصادي الإسلامي
أ- ما هو النظام الاقتصادي:
من أجل أن نقوم بدراسة النظام الاقتصادي الإسلامي، نجد من الضروري أن نقوم بتعريف (النظام الاقتصادي). فيجب التمييز في أي نظام اقتصادي بين ثلاثة أجزاء، هي: الفلسفة الاقتصادية، ومجموعة المبادئ، والأسلوب التحليلي للعمل الذي يحدد المتغيرات الاقتصادية.
وتزودنا الفلسفة الاقتصادية بالأساس الفكري للنظام، فهي تتناول آراء ذلك النظام بالنسبة للإنتاج والتوزيع، والاستهلاك، وتصوغ مبادئه وقواعد عمله في نظريات معينة. وهذه الفلسفة الاقتصادية تقوم بدورها على أساس موقف مذهبي تجاه الحياة، والإنسان والله.
فنجد الفلسفة الاقتصادية في الماركسية تتمثل في أفكار مثل صراع الطبقات وتناقض مصالحها، وينبع من ذلك التناقض والصراع جميع المبادئ والقواعد الخاصة بالثورة البروليتارية وديكتاتورية الطبقة العاملة.
وفي الرأسمالية، نجد أن الفلسفة الاقتصادية تتمثل في حرية العمل واليد الخفية. ويعني ذلك أنه لا ينبغي أن تكون هناك أية قيود تحِد من الإنسان لتحقيق مصلحته الذاتية؛ وأنه إذا تُركت الحرية للناس ليفعلوا ما يشاؤون، فسوف يكون ثمة انسجام بين مصالح الأفراد. وهكذا نلاحظ أن الفلسفة الاقتصادية للرأسمالية تقوم على أساس عدم الالتفات إلى وجود إله. فبالنسبة لهذه الفلسفة إن لم يوجد إله فالدنيا لم تحتج إلى خالق، وإن وجد فهو (منعزل) قد قام بالخلق والتنظيم، ثم توجه إلى عزلته وتقاعد وهو لا يقوم بأي توجيه لما خلق، ولا يتدخل في أعمال المخلوقات.
وأما العنصر الثاني لأي نظام اقتصادي فيتمثل في مجموعة المبادئ والتنظيمات والمؤسسات التي تكوّن الإطار الاجتماعي؛ والقانوني؛ والسلوكي للنظام. ويتضمن ذلك أمورًا مثل: تنظيم الملكية، وتملُك وسائل الإنتاج من الأفراد مباشرة، ومن العامة بمجموعهم، أو من الدولة بسلطتها، والتنظيمات الموضوعة لسلوك الفرد، والحدود المتاحة للسلع والخدمات التي يمكن الحصول عليها، وأشكال وحدود المعاملات الاقتصادية التي يمكن للناس القيام بها. وتتضمن تلك المجموعة من المبادئ أيضا معايير السلوك بالنسبة للأفراد الذين يتخذون القرارات الاقتصادية، أي المستهلك والمنتج.
ففي الرأسمالية، نجد أن (حرية العمل) تتطلب أقل قدر ممكن من التدخل الحكومي، وتتطلب وجود حق الملكية الخاصة والمطلقة، وحرية التصرف، وانفتاح جميع أنواع العلاقات والمعاملات الاقتصادية ويتم اشتقاق المعايير الخاصة بالأفراد من مذاهب الفردية والنفعية.
وفي الماركسية، نجد أن حق الملكية ينتمي بصفة رئيسية إلى طبقة البروليتاريا، التي يتم تمثيلها بواسطة قيادتها الديكتاتورية. ويتمثل ذلك النوع من الملكية في حيازة الدولة على الملكية الفعلية لوسائل الإنتاج، ويترتب على ذلك تقريرها ما سوف يتم إنتاجه، وكيف يُنتج، ولمن يُعطى أو يوزع. وتعد المصلحة والفائدة الجماعية بمثابة المعيار الرئيسي الذي يضعه ذلك النظام للأفراد، وتحدد بمقتضاه مجموعـة العلاقات والمعاملات الاقتصادية المتاحة لهم.
أما العنصر الثالث للنظام الاقتصادي فهو أسلوب عمله. ويتوقف أسلوب عمل أي نظام على بنيان ذلك النظام الذي يتشكل بدوره بواسطة المبادئ والقواعد الرئيسية الخاصة بالنظام. ويوجد لكل نظام مجموعة من القواعد يجب اتباعها من أجل ضمان سير عمله.
ويقوم كل نظام اقتصادي بالعمل على تحقيق نتيجة مرغوبة، ترتبط ارتباطًا كبيرًا بالفلسفة الأساسية للنظام وعلى الأولويات الاجتماعية المختارة، مثل زيادة الرفاه أم عدالة التوزيع، وحرية الفرد أم استقلال المجتمع، والتنمية الاقتصادية أم الحفاظ على المبادئ الأخلاقية، إلخ؟. ولذلك، فإنه يتم تقييم أي نظام اقتصادي على أساس مدى توافق فلسفته الاقتصادية ومبادئه وأساليب عمله مع الفطرة الإنسانية من جهة، ومدى كفاءته في تحقيق أولوياته التي يضعها نصب عينيه من جهة ثانية.
- الصفات العامة للنظام الاقتصادي الإسلامي:
قبـل عـرض عناصر النظام الاقتصادي الإسلامي، من الضروري ملاحظة أربع نقاط تشكل معاً خصوصية هامة بالنسبة للنظام الإسلامي:
أولًا: يجب أن يتم تطبيق جميع مبادئ النظام الاقتصادي وقواعــده بصفة تامة من أجل تحقيق النتائج التي يصبو النظام إلى الوصول إليها. والتطبيق الكامل لأي نظام اقتصادي يتطلب، انسجام جميع مجالات النشاط في المجتمع مع متطلبات النظام الاقتصادي، نظرًا لأن النظام الاقتصادي وفقًا لتعريفه يتصل بالأوجه الاجتماعية المتعددة للحياة. ولذلك، فإن تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي يتطلب وجود الانسجام بين سير عمل جميع الأجزاء الداخلة في البنيان الاجتماعي والسياسي من أجل تحقيق الأهداف نفسها.
ثانيًا: النظام الاقتصادي الإسلامي يزخر بالقيم، بمعنى أنه يُعد نظامًا هادفًا، وليس حياديًا تجاه الأخلاق، فهو يهدف إلى الرقي بالقيم الأخلاقية الإسلامية مثل الأخوة والصدق والعدالة والإحسان ومحبة الآخرين وإيثارهم، وغير ذلك مما نجده مؤكدًا عليه في الآيات والأحاديث.
ثالثًا: على الرغم من أن النظام الاقتصادي الإسلامي يتأثر بمستوى تمسك الناس بالأخلاق، وبحماسهم الديني، فإنه لا يعتمد في سير عمله على الأفعال الاختيارية؛ وذلك يُعني أنه على الرغم من حقيقة أن النظام الاقتصادي الإسلامي قد يكون ذا مستوى أعلـى للإنفاق الاختياري، أي الصدقة، فإن بنيانه وسير عمله لا يتوقفان على الصدقات، بل يتوقفان على المبادئ الأساسية والقواعد التي تظهر بوضوح في تنظيم النشاط الاقتصادي.
ولذلك، فإن السلوك الذي يستدعيه النظام الاقتصادي الإسلامي ليس سلوكًا دينيًا محضًا، بل إنه سلوك دنيوي مادي تنظمه المؤسسات القانونية والاجتماعية، وتقود إليه قواعد النظام ومنهجيته.
رابعًا: النظام الاقتصادي الإسلامي يتسم بالديناميكية. ويعني ذلك أنه ليس لديه قانون جامد يتناول جميع التفاصيل، فإنه يقرر فقط الخطوط العريضة والمبادئ الأساسية، ويترك جميـــع التفاصيل ليقررها المجتمع طبقًا للظروف المتغيرة وحاجات الناس ومستواهم الحضاري.
ج- النظام الاقتصادي الإسلامي:
أولاً– فلسفة النظام الاقتصادي الإسلامي:
تنقسم هذه الفلسفة الى ثلاث محاور:
- المحور الأول أن هذا الكون ملك الله تعالى: فجميع المملوكـات والثروة والموارد تُعد مِلكًا لله. ولذلك فإن جميع البشر ينبغي أن يتصرفوا في تلك الموارد، ويكون لديهم من السلطة عليها، فقط بقدر ما يطيعون فيه مشيئته وإرادته تعالى. ويعد النظام الاقتصادي الإسلامي فريدًا في هذا الصدد. فإن ذلك المفهوم للملكية يختلف عن نوعي الملكية في كل من الرأسمالية والماركسية، لأن الملاك الحقيقيين والنهائيين في الرأسمالية هم الأفراد وفي الماركسية هم طبقة البروليتاريا كمجموع تمثلـه قـيـادة واحدة. أما في الإسلام، فإن حـــق الإنسان بالنسبة للأشياء يعتبر غير مطلق. ويقوم مفهوم الملكية هذا في الإسلام على أساس الموقف المبدئي من الكون والإنسان القائل بأن الله هو الخالق والمالك الأوحد لكل شيء ولكــل حـيـاة وجدت في الكون.
- المحور الثاني للفلسفة الاقتصادية الإسلامية؛ فهو أن الله واحد وأن كل شيء آخر إنما هو خلق من خلقه. وطبقًا لذلك، فإن جميـع الناس ينحدرون من أصل واحد وجميعهم سواسية. وليس ثمة طبقات للناس بعضها فوق بعض، فجميع الناس أحرار متساوون وليس هناك من يسمو فوق غيره منهم في إنسانيته، أو حقوقه والتزاماته، فإن الجميع سواسية.
- أما المحور الثالث فهو الإيمان بيوم الحساب. إن الإيمان بيوم الحساب يؤثر تأثيرًا هامًا ومباشرًا على السلوك الاقتصادي؛ لأنـه يوسع الأفق الزمني لأي عمل أو أي قرار اقتصادي. وإن ذلك يعني، طبقـًـا للمصطلحات الاقتصادية، أن الشخص يقارن بين المنافع والتكاليف لأي اختيار يقوم به، وأنه يقوم باختيار القيمة الحالية التي تؤدي إلى تحقيق أحسن نتيجة في المستقبل، سواء في هذه الحياة أو ما يأتي في الآخرة أيضًا من آثار ذلك الاختيار. وهكذا، فإن الإيمان باليوم الآخر يضع إطارًا زمنيًا، لحساب نتائج كل قرار اقتصادي وأعبائه، يتجاوز فترة الحياة الدنيوية نفسها.
ثانياً- المبادئ العامة للنظام الاقتصادي الإسلامي:
1- أول هذه المبادئ العامة هي الملكية. فالملكية التي يتمتع بها الإنسان تُعد نوعًا من ملكية الانتفاع، وليست نوعًا مطلقـًا مـن التملك الكامل.
والمتضمن الثاني لمفهوم الملكية الإسلامية هو اقتصارها علـى حيـاة المالك فقط، فإن المالك ليس لديه الحق في تنظيم التصرف في ملكيته بعد موته؛ إذ يجب أن يتم توزيع الإرث طبقًا لما جاء في القرآن الكريم. بالإضافة إلى ذلك، فإنه لن يتم اعتبار أي وصية لا تتوافق مع القرآن والتوزيع الذي بسطه فيه الله تعالى. ويرجع ذلك إلى أن حق الملكية نفسه يتسم بالتقيد.
وأما المتضمن الثالث فهو أنه توجد أشياء لا يحق للفرد امتلاكها مثال ذلك الموارد الطبيعية، لأن الحق في الملكية الخاصة كما قلنا ليس بحق مطلق. فالموارد الطبيعية ليست مما يمكن أن يكون في إطار الملكية الخاصة إذ يجب أن تكرس جميعها لصالح المجتمع ككل.
2- والمبدأ الثاني هـو الحـريـة الاقتصادية. فالناس كلهم أحرار في نشاطهم الاقتصادي، يختارون بأنفسهم أنواع المهن والصناعات والأعمال التي يرغبون بها، ويتحملون بأنفسهم نتائج قراراتهم واختياراتهم الاقتصادية. يدخلون السوق بائعين أو مشترين لما يملكون من عناصر إنتاج أو سلع يرغبون في مبادلتها. ولا يفرض على الغني أن يتساوى في المال مع الفقير. ولكنه بالوقت نفسه لا يسمح له بممارسة أي قوة احتكارية، ولو من خلال حجز المعلومات. وهي حرية في الإنتاج، وفي التنمية، وفي الخير والإحسان، وليست في الفساد، أو الإفساد، أو استغلال القوة المادية، أو السياسية لتحقيق منافع هي من حقوق الآخرين[3].
3- ويتمثل المبدأ الثالث للنظام الاقتصادي الإسلامي في التوازن: ويظهر ذلك بشكل واضح وصريح في الكثير من أوجه سلوك المسلم، كما ترسمه المصادر الإسلامية من قرآن وسنة، مثل الاعتدال والتوسط، والبعد عن الإسراف وعن البخل الشديد. وإن المسرفين، حتى بالنسبة للصدقة، قد يُطلق عليهم في بعض الأحيان كلمة السفهاء. فالإنسان يجب أن يكون معتدلاً؛ وتتضمن فكرة الاعتدال عدم اعتبار الاستهلاك كغاية في حد ذاته؛ ولذلك فإنه يجب على الإنسان أن يستهلك فقط بالقدر الذي يكون في حاجة إليه وبالقدر الملائم والمناسب لبيئته المادية والاجتماعية.
ونجد أيضًا تجليات مبدأ التوازن هذا بالعمل على المعادلة والموازنة فيما بين أشياء مثل الحرية والتنظيم الاجتماعي، والحقوق والواجبات، والحرص على المنفعة الشخصية والغيرية والإيثار، والملكية الفردية والملكية الجماعية. وبالرغم من أن الموارد الطبيعية يملكها المجتمع ككل، والأشياء الأخرى بما فيها وسائل الإنتاج يترك تملكها للأفراد، فإننا مع ذلك نجد عددًا كبيرًا من المواقف التفصيلية للشريعة يتجه إلى إيجاد التوازن بين مصالح المجتمع ومصالح الأفراد. وفي أي وقت يحدث إخلال بذلك التوازن، فإنه يجب تصحيحه حتى عن طريق تقديم بعض الإجراءات الاصطناعية مثل تلك التي اقترحها عمر رضي الله عنه، عندما قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فرددتها على الفقراء)، فلعله قد شعر أن توازن النظام كان يسير في اتجاه الاختلال، ومن ثم أراد استعادة ذلك التوازن.
4- وأما المبدأ الرابع فهو العدالة. وقد نصاب بالدهشة إذا علمنا أن كلمة العدالة ومشتقاتها ومعانيها هي الكلمة الثالثة من حيث تكرارها في القرآن الكريم. إذ أن الكلمة الأولى هي اسم (الله) تبارك وتعالى، والثانية هي (المعرفة أو العلم)، أما الثالثة فهي (العدالة ومرادفاتها). فقد تم تكرارها أكثر من ثلاث مئة مرة. ويعد مفهوم العدالة عميقاً جداً في الإسلام وفي قلب الإنسان المسلم إلى المدى الذي جعل ابن تيمية يقول في كتابه (الحسبة)، إنه مثلما يُعد من الظلم أن يُمنع الناس من التصرف في ممتلكاتهم كمـا يشاؤون، فإنـه أيضًا يُعد من الظلم أن يُسمح لهم بتجاوز حدودهم وتوسيع دائرة حقوقهم حتى تطغى على حقوق الآخرين.
ويتدخل مبدأ العدالة في جميع مراحل النشاط الاقتصادي حسبما يقتضيه النظام الإسلامي. ففي الإنتاج، تتطلب العدالة التقييم الملائم لعوامل الإنتاج والتحديد الملائم للإيراد الذي يصل إلى كل عنصر منها. وقد تتطلب العدالة أيضًا تطبيق إجراءات معينة لإعادة توزيع الدخل من أجل تقديم نصيب عادل من الإيراد لهؤلاء الذين لم يستطيعوا الحصول عليه من خلال عمليات السوق. ويتم ذلك بواسطة التحويلات الاجتماعية الإجبارية التي تتمثل في الزكاة والالتزامات نحو أفراد الأسرة الموسعة وغير ذلك من الواجبات المالية، وبواسطة التحويلات الاختيارية أيضًا، مما يشمل التبرعات والوقف وسائر أعمال البر والإحسان. وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم: “والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من بات شبعان وجـاره جائع إلى جنبـه وهـو يعلم”.
ثالثاً- قواعد العمل:
تؤثر قواعد العمل على توجيه النشاط الاقتصادي، وتحدد العلاقات الاقتصادية بين الناس في المجتمع. إذ أن هذه القواعد هي التي تضع تلك المبادئ موضع التطبيق وتعمل على تحقيق التكامل بين الوحدات الاقتصادية المتعددة.
1- تتمثل أولى تلك القواعد في الزكاة، فالزكاة إنما هي واجب يُفرض على حق الملكية من أجل تحقيق أغراض اجتماعية واقتصادية معينة حددها القرآن الكريم. وتوزيع إيراد ذلك الواجب المالي يجب أن يوجه لواحدة أو أكثر من المصارف الثمانية التي ذكرها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].
وتلعب الزكاة دورًا بارزًا في إعادة توزيع الدخل والثروة. ونظرًا لأنها تُفرض على حق الملكية وليس على الدخل وحده، فإنهـا تكـون ذات نسبة إلى الدخل أعلى بكثير من معدلها الإسمي الذي يساوي 5.۲ ٪ المائة. وتبعًا لذلك، فإنها تعبئ جزءًا من الدخل القومي السنوي من أجل إعادة التوزيع إلى درجة يمكن معها التأكيد بأن التاريخ لم يعرف غير الزكاة، في أي أمة من الأمم، حقًا ثابتًا محددًا للفقراء في أموال الأغنياء، يتكرر كل عام ولا يترك لأي سلطة الحق في إنقاصه أو حرمان أصحاب الحقوق منه.
2- تتمثل القاعدة الثانية في تحريم الربا، والربـا هـو أي فائدة مادية تُشترط على القرض. والفائدة محرمة سواء أكان سعرها مرتفعًا أو منخفضًا، وسواء كانت على القروض الاستهلاكية أو القروض الاستثمارية، وسواء أكانت قصيرة الأجل أم طويلة الأجل. وتحريم الربا هو في جوهره رفض لأي نوع من المعاملات الاقتصادية التي تلقي تبعة المخاطر كلية على أحد الأطراف، في حين تضمن الكسب المؤكد للطرف الآخر. فهي إذن مبنية على مبدأ العدل في التوزيع الذي يقتضي أن يتم توزيع عوائد الإنتاج الفعلية على عناصره دون تفضيل عنصر منها بضمان عائد مؤكد ربحت عملية الإنتاج أم خسرت.
3- القاعدة الثالثة هي تلك التي تنظم التمويل الإسلامي، وتشكل أساس النشاط التمويلي؛ بما في ذلك النشاط المصرفي الإسلامي. وتتمثل هذه القاعدة في ربط التمويل دائماً بسوق السلع والخدمات؛ تداولاً وإنتاجـاً. بمعنى أن يقتصر التمويل على المساعدة في إنتاج السلع والخدمات أو تداولها في المجتمع. ويكون ذلك عن طريق المشاركات بأنواعها؛ من شركة ومضاربة ومزارعة ومساقاة والبيوع بأنواعها؛ من بيع الأجل وبيـع التقسيط وبيع السلم وبيع الاستصناع؛ والإجارات بأنواعهـا؛ من إجارة تشغيلية وإجارة منتهية بالتمليك ومنها الإجارة والاقتناء.
وتتميز قاعدة التمويل الإسلامي بأنها تتجنب أو تمنع كل تمويل لا يرتبط بإنتاج أو تداول السلع والخدمات فتمنع إعادة جدولة الديون بأية زيادات فيها، كما تمنع خصم الديون بإنقاص مقاديرها بتقصير الأجل، وتمنع أيضًا التمويل العام الذي يقصد منه دعم الميزانية بصورة عامة، دون إنتاج أو تداول سلع أو خدمات معينة. وكذلك فإن التمويل الإسلامي يمنع أي تمويل يقوم على العبث وينبني فقط على القدرة على الوفاء. ومن المعروف أن جميع هذه الممنوعـات هـي بأعيانها تلك التي تؤدي إلى تراكمات في السوق المالية تجعلها تتضخم كثيراً بحجمها عند المقارنة مع السوق الحقيقية لإنتاج السلع والخدمات وتداولها؛ الأمر الذي يقلل من احتمال وقوع الأزمات المالية ويخفف من حدتها إذا وقعت لأنه لا توجد ديون غير مدعومة بحركة حقيقية في السوق المادية للسلع والخدمات.
يضاف إلى ذلك أن التمويل الإسلامي يمر أيضًا مــن خـلال معيار أخلاقي يقوم على الامتناع عن تمويل جميع السلع والخدمات ذات الأضرار الاجتماعية والصحية والبيئية والدينية أيضًا. فلا يتقدم النظام الاقتصادي الإسلامي بالتمويل لمساعدة إنتاج أو تداول الخمور، ولا المخدرات، ولا السجائر، ولا أسلحة الدمار الشامل، ولا مشاريع تؤدي إلى الإضرار بالصحة العامة أو البيئة الطبيعية أو الاجتماعية.
4- وأما القاعدة الرابعة في النظام الاقتصادي الإسلامي فتتمثل في الضمان الاجتماعي بمعناه الشامل الموسع. ويتحقق ذلك بطريقتين: أولًا؛ إن الزكاة تضمن حدًا أدنى لمستوى المعيشة لجميع المقيمين في المجتمع الإسلامي، وذلك الحد الأدنى بالطبع يتقرر على ضوء درجة التطور الاقتصادي وأسلوب معيشة الناس. وثانيًا؛ إذا كانت إيرادات الزكاة غير كافية، فإن الدولة الإسلامية تستطيع أن تفرض أعباء مالية إضافية على الأغنياء.
والضمان الاجتماعي في النظام الاقتصادي الإسلامي يقوم على مبدأ احترام الإنسان وتكريمه، مهما كان لونه أو أصله العرقي أو دينه، لأن الله سبحانه وتعالى قد كرَّم بني آدم، كما أبلغنا في القرآن الكريم. كذلك فإنه يختلف عما توصلت إليه المجتمعات الغربية من تأمينات اجتماعية تقوم على المساهمة المسبقة من المؤمن عليه، كما تختلف عن ديكتاتورية البروليتاريا التي تقوم على سلب الغني، وعدم الاعتراف بحقه في التملك!.
وهو ضمان يمتد إلى الفقير والمسكين وعابر السبيل وغيرهم من ذوي الحاجة، حتى إنه ليمتد أيضًا إلى وفاء الديون عن المدينين وسداد غُرمة الغرماء، وتحقيق الحرية للناس أجمعين، وإمداد القلوب بنور الحق وتأليفها عليه ولا يقتصر على الشخص نفسه بل يمتد إلى الأجيال من بعده، كما عبرت عن ذلك كلمة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم – بصفته رئيسا للدولة – تقرر ذلك الضمان وتميزه عن سلب أموال الناس تحت الأسماء والشعارات أيًا كانت؛ كلمة تستحق وحدها أن تكون شعارًا لأمة في نهضتها على أساس العدل والرحمة والنشاط الدؤوب الذي تُضمن نتائجه لأصحابه، حيث قال في الحديث الصحيح: “من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دَينًا أو ضياعًا فإلي وعلي، وفي رواية فأنا وليه”. [حديث]
5- القاعدة الخامسة هي نظام الإرث الذي يؤدي إلى إعادة توزيع الثروة وتقسيمها – بطرقة بطيئة وهادئة- بين عدد من الأشخاص، حسب قرابتهم إلى المورث. ويجب أن نلاحظ أنه ليس من الممكن نقض هذا النظام بواسطة أي وصية شخصية أو قانون بشري.
6- أما القاعدة السادسة والأخيرة فهي تتمثل في دور الدولة في الاقتصاد. وطبقًا للنظام الاقتصادي الإسلامي، فإن الدولة تدخل في السوق باعتبارها منتجًا ومالكًا وموزعًا للموارد الطبيعية، وأيضًا باعتبارها منظم لنشاط السوق ضمن مبادئ الحرية والأخلاق من خلال الحسبة. فالحسبة مؤسسة حكومية أقامتها المجتمعات المسلمة منذ عهد النبي عليه السلام، وهي تعمل على ضمان عدم انتهاك القواعد الأخلاقية في السوق، وعدم تفشي الاحتكار، وعدم انتهاك حقوق المستهلك، ومراعاة القواعد الصحية، وإجراءات السلامة، وحماية البيئة، إلخ. وهي مؤسسة مستقلة عن كل من السلطة القضائية والسلطة التنفيذية المتمثلة في الحكومة.
المقومات الأخلاقية للنظام الاقتصادي الإسلامي
الحديث عن المقومات الأخلاقية للنظام الاقتصادي إنما يتأسس على الأخلاق الإنسانية بعمومها. فقد اعتادت بعض المجتمعات حصر الأخلاق في الآداب الاجتماعية فقط. إن أهم جانب في الأخلاق بالنسبة للحياة الاجتماعية على عمومها – وللنشاط الاقتصادي بخصوصيته – إنما هو الجوانب التي تحدد الدوافع والمنطلقات النفسية لسلوك الإنسان عند تعامله مع الأشياء والأشخاص من حوله، وذلك من خلال أنشطته في الاستهلاك والإنتاج والتوزيع. وسنعرض هنا أربعة مبادئ أخلاقية، نجدها مؤثرة في جميع جوانب النشاط الاقتصادي للإنسان المسلم كفرد يتخذ قراره الاقتصادي وحده، وفي سلوك الأفراد المجتمعي مع بعضهم البعض. وهذه المبادئ هي العدل، والتسخير، والغيرية/الأنانية، والإحسان.
العدل:
أما مبدأ العدل فهو مشتق من تساوي المخلوقات في عبوديتهم للخالق جل جلاله. ويكون العدل في التعامل مع الأفراد ومع الأشياء، بما فيها البيئة، والأرض، والموارد، والمنتجات. ومن العدل تـوازن المعاوضات والمبادلات، ومن العدل حرمة الربا وبطلانه، وحرمة (أكل أموال الناس بالباطل)، ومن العدل عدم الإسراف، ومن العدل إعطاء الجسم والنفس والعقل كل حقه وقسطه المناسب، ومن العدل تخصيص جزء من دخل زمن الشباب إلى زمن الشيخوخة. ومن العدل أيضًا تخصيص الدولة بملكية مصادر الطاقة، كالأنهار والهواء وسائر مصادر الطاقة يضاف إليها المعادن ظاهرة وباطنة لأنها ذات أحجام كبيرة، بل ضخمة[4]، مما يجعلها تؤثر على الأوضاع الاقتصادية لعدد كبير من الناس. ومن العدل أيضًا تساوي الفرص للجميع دون حرمان صاحب حق من حقه.
التسخير:
مبدأ التسخير مبنيّ على تكريم بني آدم، ورفعهـم فـوق سـائر المخلوقات وتحميلهم أمانة العقل، وجلال الرسالة الإلهية. وتكريم الإنسان ينشأ عنه احترام الحياة الإنسانية وتكريمها، واحترام استمرارها، فلكل إنسان الحق الكامل في الحياة الكريمة وحاجاتها الأساسية حتى ولو لم يتمكن هو من تأمين هذه الحاجات بنفسه وجهده، وهو حق ينبغي أن يُضمن لكل إنسان. وهذا من أهداف ومقاصد تسخير جميع المخلوقات له. ثم إن الناس تتفاوت قدراتهم وطاقاتهم وما مُنحوا من موارد مادية ليكون بعضهم لبعض سخرياً من خلال التعاون والمبادلات. ثم إن تسخير المخلوقات الأخرى لبني آدم بما في ذلك الأرض ومواردها ومخلوقاتها، إنما جُعل حتى تُستخرج منها منافعها، من برها، وبحرها وجبلها وواديها وأرضها وفضائها ومائها، ويبسها وظاهرها، وباطنها، وتستعمل خيراتها في خدمة الإنسان، وتتخذ زينتها في انسجام وتناسق، لا في صراع وتعارض أو تناقض.
الغيرية/الأنانية
وأما مبدأ الغيرية/الأنانية فهو مما تتفرد به الأخلاق النابعة من رسالة السماء. فمن جهة تؤكد على المنافع الفردية للإنسان، ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95]. وتحثه على السعي الدؤوب المستمر من أجل مصالحه الفردية ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: 34- 36]. ولكن طريق الفلاح للفرد نفسه إنما يمر عبر تقديم المنافع للآخرين. ومقدار الحسنات التي تملأ الميزان يوم القيامة يتكون جزء كبير منه من عون الآخرين وتقديم المنافع والخدمات لهم. لا يقف ذلك عند نفع الأشخاص الآخرين، بل يتعداهم إلى سائر المخلوقات[5]. فمن أشد الأنانية إذن أن لا يقدم الإنسان أقصى التضحيات للآخرين، ويؤثرهم بكل خير، ويسعى لهم بالمنافع بكل أنواعها، ممـا يجعـل الغيريـة هـي الطريق إلى تحقيق الفلاح الذاتي. وإنما صار ذلك ممكنًا نتيجة لعقيدة الإيمان باليوم الآخر مع اعتبار تقديم المساعدات للآخرين كأنهـا قـد أعطيت لله تعالى. فالصدقة يعطيها شخص لآخر هي قرض لله ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا…﴾ [البقرة: 245].
الإحسان:
أما مبدأ الإحسان، فهو يقوم على رد الجميل ﴿..وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ..﴾ [القصص: 77]. ﴿..وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا..﴾ [إبراهيم: 34]. وهو يقتضي القيام بما يزيد عن الواجب، والتحسين والتزيين، كما يقتضي الإتقان والإنجاز والكفاءة والرفاه والجمال وكل زيادة في الخير. ومن الإحسان الصدقات والتبرعات والأوقاف. فالصدقات والتبرعات هي إحسان للآخرين مبنيّ على الرحمة والعطف. والأوقاف إحسان للأجيال القادمة مبنيّ على الزيادة في الخير والرحمة والعطف. ومن الإحسان للأولاد تعليمهم وتوفير فرص العمل لهم وترك الثروات المتراكمة لهم. ومن الإحسان أيضًا الحرص على إتقان العمل، فالله يحب الإتقان في العمل والوفاء بالعهد والصدق والأمانة والدقة في المواعيد والوصول بالإنجاز إلى أعلى مستوى ممكن له واستخلاص كل ذرة من خير من الموارد المتاحة، أو ما يسمى بالعمل على الوصول إلى الكفاءة المثلى في استغلال الموارد.
والإحسان يتطلب رقابة ذاتية تتشكل داخل ضمير الإنسان؛ من خلال الإيمان بالله وتعظيمه من أن يعصى في سر أو علن. فهو رقابة داخلية تنبع من القلب الذي يستحي أن يعصي الله وهو مطلع عليه “.. فإن لم تكن تراه فهو يراك.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* منقول بتصرف من:
غسان محمود إبراهيم، منذر القحف (2002). الاقتصاد الإسلامي: علم أم وهم. دمشق: دار الفكر. ص ص. 85- 162.
** باحث في الاقتصاد الإسلامي، دكتوراة في الاقتصاد 1975 جامعة يوتا بأمريكا.
[1] وقد يقال هو دراسة سلوك الإنسان المتعلق بعمله على إشباع حاجاته الكثيرة التي تبلغ درجة اللامحدودية، باستعماله للموارد التي هي محدودة أو نادرة. وهـذا التعريف، وهـو تعريف روبنز، يشمل سلوك الإنسان في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. فمؤدى التعريفين واحد.
[2] انظر: قواميس اللغتين الفرنسية والإنكليزية ومنها قاموس ويبستر الجديد.
[3] قالها صلى الله عليه وآله وسلم يوم عرفة في أرض الله الحرام.
[4] ورد التعبير عن ذلك بالنسبة للملح، الذي جعله النبي، صلى الله عليه وسلم، للناس كلهم، بأنه مثل (الماء العد) أي الكثير المتدفق.
[5] جاء في ذلك حديثان، أحدهما عن النفع الإيجابي، والآخر عن رد الأذى؛ سقي الكلب العطش، وحبس الهرة حتى ماتت.
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies