الرئيسية / الدراسات والأبحاث / عروض ونقد كتب / خواء الذات والأدمغة المستعمرة

خواء الذات والأدمغة المستعمرة

العنوان:  خواء الذات والأدمغة المُستعمرة.

المؤلف:  مراد هوفمان.

ترجمة: عادل المعلم، نشأت جعفر.

الطبعة:  ط. 1.

مكان النشر:  القاهرة

الناشر:  مكتبة الشروق الدولية.

تاريخ النشر: 2002.

الوصف المادي: 116 ص.، 24 سم.

يقول الكاتب في افتتاحية الكتاب أن القرن التاسع عشر شهد صعود ثلاثة مشروعات، ذات أهمية عالمية في التاريخ وهم:

  1. ازدهار “مشروع الحداثة”، المميز بالتقدم العلمي والتكنولوجي، وأيديولوجيات العقل والمادية والليبرالية.
  2. صعود الشيوعية، والاشتراكية، والفوضوية اليسارية، المميزة بالمادية الجدلية والتاريخية، وتعبئة حشود البروليتاريا في صراع طبقي بهدف القضاء علي الملكية الخاصة في العالم، وصولاً في النهاية إلي عالم بلا دولة.
  3. استعمار معظم دول العالم الثالث بواسطة قوي أوروبا الاستعمارية (بريطانيا – فرنسا – ألمانيا – بلجيكا – هولندا –البرتغال) والولايات المتحدة.

ويقول مع بداية القرن العشرين شهد العالم انقلاب كل تلك الاتجاهات، إذ أخفقت الحداثة في تحقيق وعودها الإنسانية، وأصبحت “بعد الحداثة” والتي تتميز بالنسبية والشكوك العلمية وهي الأيديولوجية السائدة في الغرب.

كذلك بعد ما وصلت أنظمة شيوعية لحكم العديد من دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي، إلا أن الأيديولوجية التي قامت عليها تلك الأنظمة أخفقت بشكل مخزٍ في العديد من المجالات السياسية والاقتصادية، حتي إن الاشتراكية كنظرية ذات مصداقية، اختفت تقريباً من العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

كما أدي إنتهاء الاحتلال – علي الأقل من الوجهة الرسمية – إلي الاستقلال السياسي لكل الدول المٌحتلة في جميع أنحاء العالم.

ويتعجب الكاتب أنه وعلي الرغم من ذلك هناك العديد من سكان المستعمرات مفتونون بالحداثة والاشتراكية الغربية، علي الرغم من أن تلك الأيديولوجيات قد فقدت مصداقيتها في الغرب.

ويبرر الكاتب ذلك بوقوع كثير من العقول القائدة في اّسيا وأفريقيا في أسر الافتتان بتعاليم أسيادهم السابقين، حتي أصبحوا غربيين أكثر من العديد من مفكري الغرب.

ويقول أن هؤلاء المفكرين العلمانيين في العالم الثالث (بما في ذلك البلاد العربية) عملوا على استقلال بلادهم من داخل حدود الحضارة الغربية، وبهذا اكتملت الحلقة النهائية لاستعمار الأمة، بمجرد استقلالها. فعملية الاختراق تلك، المسماه بالعولمة، لا تتعلق باختراق حدود جغرافية، ولكن ب “السيطرة علي العقول”.

حتي أن القوي المستعمرة عندما رحلت عملت علي تحديث التعليم في المستعمرات السابقة وفقاً  لمسارات غربية لتربي قادة محليين يرعون مصالحهم. فنشأت طبقة محلية مثقفة غربياً.

ومن هنا كانت فكرة هذا الكتاب، ليشرح بالتفصيل، في جزئه الأول لماذا فشلت الشيوعية في العالم؟، وفي جزئه الثاني لماذا حلت ما بعد الحداثة محل الحداثة الغربية؟. وفي الجزء الثالث يرد علي تساؤل هام وهو لماذا يعتبر الإسلام هو الحل من المأزق الذي أدي إلي غرق، ليس الغرب وحده في مطلع القرن الواحد والعشرين، بل إلي حد ما العالم العربي والإسلامي؟.

ويؤكد الكاتب أنه – ومن خلال هذا الكتاب – لا يدعو لرفض الحضارة الغربية كلياً من الألف إلي الياء، بل يؤكد أن هناك الكثير الذي يمكن أن نتبناه منها، ويدعو لأن نأخذ من الحضارة الغربية أفضل ما فيها.

الجزء الأول عن زيف الشيوعية:

يتحدث الكاتب في هذا الجزء عن زيف الشيوعية وعدم صلاحيتها كرؤية مستقبلية أو نهائية للعالم، والدليل الثابت على ذلك أفول نجمها وعدم نصرتها للشعوب التي تبنت مبادئها سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، ملخصا رأيه في قوله “لم تكن الشيوعية فكرة طيبة أسيء تنفيذها، بل هي فكرة سيئة منذ البداية ولا يمكن تنفيذها”.

ويري أن الشيوعية كانت أول محاولة في العصور الحديثة لتغيير وتنظيم – بشكل كامل – ليس فقط الدولة والاقتصاد، والمجتمع، بل حياة كل أفراد البشرية.

ويقول أنه من الغريب أن يطلق الشيوعيين علي أيديولوجيتهم مُسمي “الاشتراكية العلمية” مما يوحي بأن الفلسفة الشيوعية يمكن تأكيدها، أو نفيها، بالتجربة العملية، فهو يري أن هذا مُنافِ للعقل بشدة، فلم يزعم أي فيلسوف معاصر أنه يعمل علي أساس علمي.

ويتسائل هل الشيوعية علم ؟! أم تكهنات فلسفية ؟! البداية من نقد الشيوعية المادية وجدليتها الهيجيلية([1]) التي تحولت إلى تفسير للكون الأزلي باعتباره نتاج للمادة، وكل شيء في هذا الكون هو نتاج للمادة، ولا يوجد إله للكون ولا وجود لعالم المثال، فلا يوجد سوي المادة والأفكار غير المستقلة عن المادة.

ثم ومع ظهور ماركس([2]) وأنجلز([3]) انتقل الصراع إلى الطبقات المتحاسدة المتقاتلة التي تحركها عوامل الإنتاج والاقتصاد لتصل في نهاية التاريخ الحتمي إلى الشيوعية (اليوتوبيا أو الفردوس الارضي= لا شرطة ولا دين ولا محاكم ولا طبقات الكل سيعيش في أمان! ) متغاضين عن العوامل الأخرى التي تصنع التاريخ وتحرك البشر (القيم والمبادئ، العائلة، القيود ،العوامل الطبيعية ).

و في الوقت نفسه توقع الماركسيون أن تبدأ الثورة في الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، حيث اكتسب العمال “وعياً ثورياً” كافٍ بسبب أحوالهم في المجتمع. أما البلاد الريفية مثل روسيا والصين، فهما من ضمن اّخر البلاد التي قد تطولها الثورة. ولكن خاب ظنهم فانفجرت الثورة في دول الفقر كالصين وروسيا بالعكس المتوقع تماما، وقاد الثورات الطلبة والعسكر وليس العمال! وإن صعود الاشتراكية في الصين لم يخفف الصراعات الطبقية .!!

ومن جهة الدول الرأسمالية فانها اتخذت إجراءات حتمية في ضبط استغلال العمال والحد من تغول الشركات بفرض الضرائب! وكذلك استقلت الكثير من الدول المُسَتعمَرة .

ويقول الكاتب لقد كانت الشيوعية خلال القرن العشرين باستثناء السنوات العشر الأخيرة أكبر تهديد لحقوق الإنسان ورفاهيته الاجتماعية. إذ سولت الشيوعية لنفسها ارتكاب أبشع الجرائم ضد الإنسانية، فقد تولى أمر الأنظمة الشيوعية حكام مستبدون لا تعرف الرحمة طريقاً لقلوبهم مثل لينين([4])، ستالين([5])، ماو تسي تونغ([6])، بول بوت([7])، فقد قتل علي أيدي هؤلاء ما يقرب من مائة مليون نفس بشرية فيما يمثل عملية تطهير عرقي طبقي دموي.

وقد أدي الافتتان بالشيوعية في ألمانيا في السبعينيات، إلي إقامة “الكوميونات”([8]) التي مثلت نماذج تجارب موسكو عام 1918. لقد فكروا جدياً في تدمير العائلة، وتربية الأطفال بطريقة جماعية. تحول المشهد اليساري فيما بعد 1968 إلي العنف. ظهرت منظمات إرهابية مثل “الجيش الأحمر – RAF” في ألمانيا، “الألوية الحمراء – Red Brigades” في إيطاليا، “العمل المباشر” في فرنسا” وبررت إرهابها بأنه عنف مضاد لعنف الدول المنهجي، ورفعوا الشعار الاعتذاري “دمر ما يدمرك”.

اختفت الشيوعية من أوروبا، عقب سقوط حائط برلين عام 1990م. ولم تنهر قوة عُظمي في التاريخ بسرعة وبصمت مثل انهيار الاتحاد السوفيتي، ومعه انهارت كل البنية الفوقية بالكامل للأيديولوجية الشيوعية.وهكذا أصبح الباحثون يخجلون من ذكر الشيوعية وانتهت الى الأبد بعدما حطمت الأخلاق وأنتجت المنظمات الإرهابية التي قتلت الملايين من أجل حلم مجنون !.

الجزء الثاني : زيف الحداثة:

في هذا الجزء من الكتاب واستكمالاً للنهج السابق في الجزء الأول ينعت الكاتب زيف الحداثة ويصفها بأنها الفكرة الأشد التباساً وغموضاً وأشد خطراً. إذ أن الحداثة أحدثت تحولات عميقة في بنية المجتمع البشري.

هوفمان في هذا الجزء يري أن عوامل ضعف المشروع الحداثي تكمن في ثنائية سبق للمشروع الشيوعي أن عاني منها، وهي ثنائية ” الإلحاد والمادية”.

لعب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت([9]) دوراً كبيراً في بلورة الفكر المادي، إذ أثبت في كتابه “نقد العقل الخالص” أن قدرات الإنسان الحسية محدودة، فلا يمكن لمجهوداتنا الحسية أن تزودنا بمعرفة يمكن الوثوق بها لحقيقة غير حسية، مثل معرفة الله، ولا حتي الإحاطة بالحقيقة الموضوعية للزمان والمكان.

ولم يزعم كانت أنه أثبت انتفاء الإله، ولا أنه حتي يعتقد بإمكان إثبات ذلك. بل بالعكس، ففي كتابه “نقد العقلي العملي” أشار إلي أن البشر وهبوا طبيعة تجعلهم لا يستقيمون إلا بافتراض وجود إله.  وبكل تأكيد لم يُمهد كانت ولم يرد أن يُمهد طريق للإلحاد..ولكن للأسف استنتج الناس من فلسفته بأنه “ربما لا يكون هناك إله”.

ثم يمضي هوفمان معرجاً على مساهمات المفكرين الغربيين في تعميق الفكر الحداثي القائم على الإلحاد، ومنهم فيورباخ([10])، الذي رفض الدين تماماً، ونيتشه([11])، الذي أعلن عام 1900 عن “وفاة الإله”، وفرويد([12]) مؤسس علم النفس التحليلي، وهو فرع إلحادي من علم النفس”، وإنجلز”عالم الحيوان الألماني”، وتشارلز داروين([13])” صاحب نظرية النشوء والارتقاء” وغيرهم، ليتوصل في النهاية إلى أن أهم عواقب هذا النهج تعميق الفردية، علاوة على الإعلاء من شأن مذهب الهدونيزم أو “عبادة اللذة”. وعلى الرغم من ذلك، فإن الإلحاد لم يتمكن من أوروبا والغرب بالمطلق، إذ ما زال ثمة تذبذب بين هذين النهجين، ولا سيما بعد عودة أنساق الأفلاطونية الحديثة عند بعض العلماء والمفكرين كالفيزيائيين الجدد، الذين آمن بعضهم بوحدة الوجود المثالي ذي الطابع الروحي، ولكن هوفمان لا يفتأ يمضي في تتبع الانهيار الغربي حضارياً وفكرياً وأخلاقياً، وعلى أكثر من مستوى كالتعليم والتقنية، والجنس والعمل والأسرة، والإدمان التقني والعدوان على الحياة والبيئة، ما أحدث خراباً وخروجاً عن أفق الإنسانية نتيجة هيمنة الفكر المادي الذي لم يتمكن من صون كرامة الإنسان، فضلاً عن فشله في خلق حدود واقعية لنسق عقلاني متوازن.

ثم قام هوفمان بعرض إسهامات العلوم في المجالات العلمية المختلفة، ففيما يتعلق بمجال العلوم الطبيعية، يقول هوفمان “وجدنا في القرن العشرين نفس خليط اللاأدرية([14]) والإلحاد، والتذبذب بينهما، ووجد ذلك أيضاً فيما بين علماء الاجتماع”.

وبمقارنة الأوضاع في القرن العشرين بأوضاع القرن السابق عليه، عندما توقع العلماء أن تجيب العلوم الطبيعية علي كل الأسئلة الكبري عن العالم واستمراره، وكيف تعمل الحياة، الوعي الإنساني، الجاذبية، مكونات الذرة، بداية العالم ومستقبله.

وعندما لم يحدث أيً من ذلك، بدأت الشكوك والتساؤلات عن الحداثة نفسها.

وبالتالي طالما لا يجيب العلم علي الأسئلة “الكبري” بخصوص أصل الكون والهدف منه، يظل الدين بمنأي عن إمكانية الاستغناء عنه.

هذا ما دفع ماكس بلانك([15]) الذي كان بالفعل مسيحي القلب، يحافظ علي رؤية عدم تضاد الدين مع العلم، بل وجدهما مكملين أحدهما للاّخر، وقال: “يظهر الله للمتدينيين في بداية تفكيرهم، أما عند علماء الطبيعة فيظهر في ختام تفكيرهم”.

بينما قال البرت اينشتين([16]) ذو القلب اليهودي “العلم بدون الدين كسيح، والدين بدون العلم أعمي”.

وإذا كانت الحياة كما اعتقد البعض محض صدفة، فأي صدفة كانت؟ أليس حدث واحد مثل ذلك جدير بأن يُطلق عليه تدخل إلهي؟ أي عملية الخلق.

وهذ يوضح أن فكرة الاحتمال أو الصدفة تفتح الباب لفكرة الخلق الإلهي، وفي الحقيقة فإن كثير من البيولوجيين المعاصرين يدركون أن العالم مبني بطريقة تفوق الفهم الإنساني، وهم علي وعي بأن نظرياتهم وافتراضاتهم الكثيرة تعكس محدودية الفكر الإنساني أكثر مما تعكس طبيعة الحقيقة.

أما فيما يتعلق بالعلم والأخلاق، فقد حاول العديد من الفلاسفة، وبخاصة كانت وهيجل وماركس، فصل الأحكام القيمية عن ملاحظة الطبيعة. وذلك مثل ما حدث مع كل الرواد الذين أقاموا قانون الدول علي الأحكام المشتقة من “الطبيعة” إلا أنه أصابهم الفشل الذريع. وكل ما تم تقديمه لم يزد عن استعادة خبرات الحضارة المسيحية. ولا يمكن ببساطة فصل الأخلاق بعيداً عن المعرفة، لأنها تستلزم مقدماً إرادة تشريعية وبالتالي فهي ذات جذور متجاوزة للواقع.

لذلك ليس غربياً توقع أن العلم لا يستطيع مساعدتنا علي معرفة كيف نحيا. إن وظيفته هي تفسير ما هو قائم، وليس ما يجب فعله. بهذا المفهوم، لا يستطيع العلم تزويد المجتمع بالأخلاقيات، لكن يستطيع بالتأكيد المساعدة في تدميرها. وذلك هو بالضبط، ما ظل العلم يفعله خلال القرنين الأخيرين بتقويض أسس الإيمان بالله، من خلال مادية “علمية”.

ولم يتظاهر العلم فقط بوجود برنامج بدون مبرمج، لكن الأسوأ أنه تصرف كما لو كان العلم وحده هو الذي يعول عليه: أما ما عداه، بما في ذلك الفن والدين، فهو مقبول فقط كمجرد زخرفة. وفي الحقيقة، ونتيجة لتأثير العلم الوضعي والمادي، أصبح الغرب “أول حضارة مُلحدة في تاريخ البشرية” علي حد قول فاتسلاف هافيل([17]). حيث لا يوجد مكان لكل شئ لا يخضع لعملية الظاهرة الطبيعية، ولا للروح، ولا للإرادة والرغبة، ولا للعواطف والفن، ولا للدين. هكذا، نعيش في حضارة “المنطق” التي تحتضن فقط العلاقات الكمية، وتعتبر أي قبول حدسي للحقيقة الأولية غير القابلة للانقسام مجرد أمر “غير منطقي”.

وفي العموم فإن “الميراث” من العلم، والعلم الزائف، من القرن ال 19 والقرن العشرين، بدأ يثمر مجتمعاً لا أدرياً، نفعياً، استهلاكياً موغلاً في الفردية، ليبرالياً، بما يعني حضارة تنشد المتعة حتي النخاع، ونحن نراها عن كثب في هذه الأيام.

وفي نهاية هذا الجزء تحدث هوفمان عن ما أسماه ( اللذة أو أولوية المتعة كأسلوب للحياة). إذ يري أن مذهب المتعة يقوم علي شكل فظ من المادية، ويمكن ملاحظة ذلك الأمر في كل خطوات الحياة الغربية التي تتضمن : (الدين – القيم – السلام – الاقتصاد – الإعلام – التعليم  – الحياة الأسرية – الجنس – الإجهاض – المخدرات).

ويوضح هوفمان أن هذه القيم ليست لصيقة فقط بالغرب، فعالم الإسلام هو أيضاً ليس بحالة طيبة، ويعاني من غالبية هذه المساوئ نفسها. فالدول الإسلامية علي سبيل المثال، يوجد بها -ودائماً ما وجد بها- نصيباً من الشواذ علي الرغم من تحريم الإسلام للشذوذ الجنسي.

وفيما يتعلق بالدين، فإن الرجل العصري في الغرب، قد تعلم جيداً درس اللا أدرية، ويري أن كل الأديان عبارة عن “روايات عظيمة”. وبالتالي غدا الدين مُهمشاً، وفي الدول العلمانية انزوي بعيداً عن الأنظار. ويؤمن معظم الناس في الغرب أن الدين يتجه نحو الاختفاء تدريجياً، ولذلك يُصابون بالذعر عندما يصل إلي علمهم ما يتعلق بالحيوية المتجددة للإسلام.

أما ما يتعلق بالقيم، فلا يستطيع العلم إنتاج القيم ولا حتي حمايتها، ذلك لأن القيم – بالتعريف الذي يقول به العلم – “لا عقلانية” بالكلية.

وطبقاً لتحليل عالم الاجتماع من هارفارد “دانييل بيل”([18]) في كتابه “التناقضات الثقافية للرأسمالية” 1976، فإن المشكلة مع المجتمع الغربي تكمن في أن نجاحه الاقتصادي يدفع إلي تدمير القيم الجوهرية التي قام عليها. وتظهر تنبؤاته جلية هذه الأيام، حيث لا تتعرض معظم القيم الرئيسية السابق ذكرها، فقط لعدم الاحترام، ولكن للسخرية أيضاً. لقد اختفت فكرة “الشرف” علي الخصوص من التعامل، إلا فيما بين عائلات المافيا.

إن أزمة القيم الغربية تحظي حالياً بالقلق داخل بقية العالم، لأن الثقافة في وقتنا الحالي ليست ثقافة مكان بعينه، بل هي ثقافة وقت بعينه.

أما ما يتعلق بالسلام، فإن هذا لم يتحقق. إذ حدثت العديد من الحروب والمذابح في ذلك القرن، أنظر للدموية المفرطة للثورة الفرنسية، فقد شكلت صدمة لكل الأعداد الهائلة من الناس الذين تنبأوا بسلام دائم في ظل عصر العقل. لكنه قدم ما هو أسوأ، واّخراً وليس أخيراً الاستعمار.

كانت الحرب الأهلية الأمريكية مذبحة، بما يتعدي مسألة العبودية، والحرب العالمية الأولي، والحرب الأهلية الإسبانية، والترويع الستاليني، والهولوكوست النازي، والحرب العالمية الثانية، بما تضمنته من استعمال الأسلحة الكيماوية والنووية ضد المدنيين، فقد جعلت القرن العشرين هو أكثر الفترات التي عاشتها البشرية دموية.

ويتساءل الكاتب، قائلاً: كيف يتأتي – نتيجة ما سبق ذكره – لأي عاقل أن يدعي أن أوروبا وأمريكا هما رواد حقوق الإنسان، وأكثر الحضارات تطوراً، وموضع العقل؟ كيف لا يري أي عاقل أن هذه الجرائم لا نهائية الوحشية كلها ارتكبت خارج العالم الإسلامي؟ وكيف يمكن لعقل الاستمرار في الاعتقاد أن الأخلاق بدون الدين تستطيع الوجود؟.

كما تناول الكاتب الدور السيء لوسائل الإعلام، موضحاً أن الإنسان المعاصر ملول “يميل إلي الملل”، إلا إذا عمل، وهناك صناعات متكاملة تحاول ملء ساعات فراغه، وذلك لحرمانه من أية فرصة للاسترخاء، أو التأمل، أو التفكير بعمق، أو الصلاة في هدوء. وفي الواقع، يجب علي الدوام إثارة غرائز الإنسان المعاصر. وحتي عطلاته، ينبغي تحويلها إلي مغامرات يشرف عليها محترفون في التسلية.

وفي الوقت ذاته، تجاوزت وسائل الإعلام المعاصر كل الحواجز الموضوعة لحماية الدول ذات الأيديولوجية والمجتمعات المنغلقة، مثل الصين وكوريا الشمالية والمملكة العربية السعودية، من تأثيرات الأنباء وأيضاً الثقافات. وينبغي علي الدول الإسلامية تغيير استراتيجياتها لحماية تراثها الإسلامي. فالفكرة تكمن في تحصين الناس، من خلال التعليم المناسب، ضد تأثيرات الأفكار الضارة، وليس من خلال محاولة عزلهم المادي عن التعرض لها.

وفيما يتعلق بالتعليم، يري هوفمان أن العلمانية تلعب دوراً كبيراً وحاسماً فيما يتعلق بالتعليم، إذ أن كل الموضوعات تُدرَس كما لو أن الله غير موجود، علي الرغم من أنه في دروس الفلسفة قد يتم الإقرار بأنه لا يمكن البرهان علي عدم وجوده. فالواقع أن التعليم ملحد ومادي، بغض النظر عما وصلت إليه الفيزياء الحديثة من أفلاطونية.

كما أن الحصص الاختيارية في الدين، قد تكون ساعة أسبوعياً، لا تفعل إلا اليسير ضد هذا التيار الذي يزرع الإلحاد، وعلي المستوي العاطفي يبدو من الصعوبة بمكان أن يجتذب التلاميذ ليصبحوا مؤمنين. ومهما كان عدد الحصص، فما فشلت العائلة في الوصول إليه لنشر الدين، لا يمكن للمدرسة أن تفعله.

ثم تحدث عن الثورة الجنسية في الغرب، إذ بدا الجنس علي حد قول هوفمان البديل الأول للدين، وكان له العديد من المدافعين عن الحرية الجنسية، والتحرر من كل القيود والقيم. وأصبحت كل الأمور المحرمة من الأشياء الشائعة في الغرب، بل أصبح الجنس تجارة ضخمة للغاية، وصار من شبه المستحيل بيع أي شئ أو منتج بدون رموز للجنس في الإعلان عنه. بل تطور الأمر الآن وتم السماح في بعض البلدان بتكوين نقابات باسم “عاملات الجنس”، علي إنها من المهن العادية دافعة ضرائب الدخل. وفي ألمانيا منذ عام 2001 فإن الأزواج من الشواذ يحصلون علي التسجيل المدني، ويتمتعون بمعظم امتيازات المتزوجين.

كل ذلك أثر علي القيم السائدة وأثر بشكل كبير علي الأطفال وتجارة النساء وقاد إلي انحطاط وتفكك الأسرة.

يمكننا القول إن مبدأ اللذة الغربي الحالي بما أدي اليه من التفكك الأسري، ومشكلة الجريمة، والتحلل الجنسي، والإدمان، الذي وقع معظم المواطنين في حبائله، هو نتيجة مباشرة لانفصال الفكر الغربي عن ماضيه الديني. “إذا مات الإله، فكل شئ مسموح”.

رغم كل ذلك، يري هوفمان أنه ما زال هناك بقية من رصيد أخلاقي موروث من الماضي المسيحي، لكنه يتواري بالتدريج، وأصبحت معظم القيم المجتمعية الجديدة مجرد تبرير عقلي للأهواء الشخصية. فهم لا يستطيعون تثبيت قاعدة أخلاقية تقوم عليها حضارة جديدة. ويمكن القول إجمالاً أن الغرب في ورطة عميقة.

الجزء الثالث: الإسلام- الإجابة والحل:

في هذا الجزء يقول هوفمان إن العالم الذي يراقبه الماركسيون والليبراليون والمسلمون هو عالم واحد. وكذلك أدوات الحس إنهم يبصرون بنفس العيون، ويفكرون بنفس العقول. ومع ذلك فإنهم يصلون – الكثير منهم بالأسلوب العقلي – إلي خلاصات متباينة للغاية حول حدود الإدراك الحسي، وطبيعة الكون، وهندسته، وحول طبيعة ومصير الإنسان. النظرة للعالم الخاصة بالمسلمين، هي ذات ترابط وعقلانية مثل كل الآخرين. لكن ما يعطيها التميز، هو تأسيسها علي كتاب، ألا وهو القراّن، وسنة محمد بن عبدالله.

ثم قام بشرح للعناصر التي تجعل من الإسلام بديلاً للنظرات الشيوعية ونظرات الحداثة للعالم، ومن هذه العناصر:

وجود الله وذاته – الفلسفة غير الميتافيزيقية – صفات الله:

داخل العالم الإسلامي، فإن وجود الله وذاته نادراً ما تتعرض للمناقشة. الإثنان يعتبران من القضايا المسلم بها. فالغياب النسبي للنقاش حول وجود الله بين المسلمين، يعود بالطبع إلي يقينهم بأن الله فوق التصور، شديد المحال، أبدي، لا يحده مكان ولا زمان، لذلك فهو يتجاوز الفهم الإنساني.  المسلمون يدركون أن إيمانهم بالله يتأسس علي التصديق وليس علي الدليل.

يهتم هذا الجزء أيضاً بالمشروع الإسلامي ومكوناته الفكرية، حيث يرى هوفمان فيه خلاصاً فكرياً وروحياً بهدف تجاوز الأزمة الأخلاقية والحضارية التي تسبب بها التصوران الوضعيان اللذان جاءا من الغرب. قام هوفمان بشرح بعض الأمور التي نهض عليها هذا المشروع، ومنها ما يتصل بمركزية الإيمان، مع إشارات إلى قيمة وجود فلسفة غير ميتافيزيقية، وجدت قديماً لدى الفيلسوف المسلم أبي الحسن الأشعري([19]) (935م) الذي سبق الفيلسوف الغربي إيمانويل كانت  في الإشارة لعجز العقل عن إدراك المعرفة الكاملة. فالأشعري أبطل ما جاء به المعتزلة، ولا سيما في ما يتعلق بمحاولة الفهم، والكيف والعلة، والتشبيه، وهو أيضا من خلّص الإسلام من التخمينات الفلسفية الهلنستية([20])، ليأتي في ما بعد أبو حامد الغزالي([21])، وغيره من الأشاعرة لتأكيد عجز العقل عن إثبات صحة الفروض الأساسية للعلم.

كما امتد انتقاد الغزالي للعقلانية، ليشمل الرياضيات، والمنطق، وفلسفة التشريع، وعلم الإلهيات أيضاً، ووضح كل تلك الانتقادات في كتابه “المنقذ من الضلال”. كما عبر عن أرائه في انتقاده ورفضه للفلسفة والتخمين الميتافيزيقي في كتابه “تهافت الفلاسفة”.

وبعد أن فند العقلانية بأدلة عقلية، أكد الغزالي علي وجود طريق واحد إلي المعرفة وهو: الحدث الصوفي. وهو ما أكد عليه أيضاً ابن سينا([22]).  فيقول الغزالي أن ” الإلهام هو حالة خاصة تكتشف فيها العين الداخلية…الأسرار التي يستحيل علي العقل الوصول إليها” ويتابع ” أنا مدين في حكمي، ليس إلي سلسلة الأدلة والبراهين، ولكن إلي النور الذي قذف به الله في قلبي”.

وهكذا وصل الغزالي إلي اليقين بوجود الله، وإلي صدق النبوة ” ليس من خلال البراهين المحددة، ولكن بواسطة تداعي الأسباب، والظروف، والبراهين، التي من المستحيل سردها”.

وعلي الرغم من ذلك انحرف بعض الفلاسفة المسلمون عن هذا الطريق الوسطي مثل إبن رشد([23]) في كتابه “تهافت التهافت”. لكن كان تاثير ذلك ضئيل داخل العالم الإسلامي.

 وبذلك يتوصل هوفمان إلى أن الفلاسفة المسلمين سبقوا فلاسفة الغرب كدافيد هيوم، وكارل بوبر([24]) في التوصل لحقيقة عجز العقل عن إثبات صحة الفروض الأساسية للعلم.

الإيمان بالرسالة:

يقول هوفمان بأن جواز حدوث النبوة هو من مقتضيات الإيمان بالله كخالق وحافظ للكون، والقادر علي هداية خلقه، وهذا لا يمكن تجاوزه منطقياً، مادام قد حصل اليقين بوجود الله.

ويُتابع هوفمان قائلاً ” إن الاحتياج إلي النبوة هو غاية في الوضوح. ومثلما رأينا، فقد وصل العلم الحديث إلي حدود لا يمكن تجاوزها إلا بمساعدة فروض نظرية لا يمكن التحقق من صحتها. ويتساءل متعجباً هل العمل بتصورات مثل الانفجار العظيم، أو فكرة الخلق الذاتي والتنظيم الذاتي للحياة، هو أكثر عقلانية من الإيمان بإمكانية وصول الرسالة المقدسة للجنس البشري؟!”.

وتبقى مدارات بحث هوفمان في مسارات عجز العقل، مع التأكيد على أهمية الحاجة المطلقة للقوى التي تتصل بوجود الخالق، كما الحاجة للنبوة، وأهمية الرسالة. ويقول بأن القرآن كتاب معني بشكل جوهري بتتبع وتأكيد وجود نسق يوفق بين العلم والإيمان في الفكر الإسلامي، مع قدرة كل منهما على رفد التصورات الكلية، نافياً ما يمكن أن يُتهم به الإسلام من موقف سلبي تجاه العلم؛ ولهذا يأتي هوفمان بأكثر من (750) آية تحضّ على دراسة الطبيعة، والتأمل في الكون، والدعوة لاستخدام العقل، فالإسلام هو الدين الوحيد الذي لا ينطوي على أي قيم تناقض العلم، بل إن التناقض متحقق في الثقافات الأخرى، ولاسيما الوضعية من حيث سعيها إلى تقديم المظاهر العلمية الزائفة للدين، أو تقديم المظاهر الدينية الزائفة للعلم.

أيضاً لم يكن هناك إحراق للكتب في الإسلام. وكذلك لم يتعرض الأكاديميون للمحاكم والإحراق مثل ما حدث مع جاليليو جاليلي([25])، وجيورد برونو([26]) في العالم الغربي. ولم تحاول السلطات الإسلامية فرض وجهات نظر فلسفية معينة مثلما كان يحدث من جانب الكنيسة في الغرب.

وينتقد هوفمان موقف المسلمين من العلوم الطبيعية في العصر الحالي، فهو يري أن المسلمين لا يلعبون إلا دوراً محدوداً للغاية في العلوم الطبيعية الحديثة، ولا يعود ذلك إلي عدم إعطاء الاعتبار إلي العلم الطبيعي، ولكن يعود يقيناً إلي إهمال التقنيات الحديثة في التعليم.

وإذا كان هوفمان قد أتى على كشف أنساق الاختلال في المشروعين: الشيوعي والغربي الحداثي في كافة مجالات الحياة ومسالكها، فإنه يمضي في ما بعد إلى نسق تقويمي بغية توضيح مدى توافق الإسلام مع القدرات البنائية الأخرى للفكر البشري على مستوى الممارسة، والإنشاء اللغوي، وهنا يسوق المثال تلو الأخر على بطلان النظريات التي تحيل كل شيء إلى اختزالات فيزيائية، فثمة دوما هامش من الخطأ في العلم، ولهذا لا بد أن يبقى العلم في أطار القيم الروحية والدينية بهدف تحقيق التوازن.

يعيد هوفمان قراءة كل ما يمكن أن يؤدي إلى فهم خاطئ للإسلام، نافياً في الوقت نفسه أي تعارض وتناقض بين الإسلام وبعض المقولات العلمية الكبرى عبر الإحالة إلى قضايا تتصل بالقرآن والعلوم الكونية، موضحاً أنه لا يوجد شئ في القراّن يتناقض مع نتائج الأبحاث العلمية المعاصرة. وأنه ينبغي ألا نفقد علي الإطلاق النظرة للقراّن علي أنه ليس معجماً علمياً، ولكنه رسالة إلهية تتعلق بأسلوب ممارسة الحياة في تبني الإيمان بالله، وتؤسس القواعد الأخلاقية.

ثم أشار للكثير من الاّيات القراّنية لتوضيح مفهوم الكونية، وأن العالم خُلق بإرادة الله، ولم يُخلق من العدم، إنما كان كل شئ بإرادة الله وحكمته، وقد أثبتت النظريات والاكتشافات العلمية ذلك. 

ثم تحدث عن رؤية الإسلام والمسلمين للذرة وقانون السببية والكيمياء العضوية والعلوم الاجتماعية والأخلاق والاقتصاد والأسرة، موضحاً أن الإنسان كائن أخلاقي، وأن وسط كل الأديان، فإن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يُمهد للإنسان طريقاً متكاملاً للعيش، يسمح له وللمجتمع أن يعيشا معاً في رخاء، وفي توازن فريد. الباقون كلهم إما يسحقون فردية الإنسان، أو يحدٌون من مسئولياته الاجتماعية.

وفيما يتعلق بالإقتصاد – وعلي خلاف النظرة الغربية للاقتصاد المُتمثلة في تعظيم الربح – يُشدد الاقتصاد الإسلامي علي أن الهدف الأول والأخير لإنتاج البضائع وتوزيعها يكمن في الرفاهية المادية والروحية للإنسان: ليس للدولة، وليس للمؤسسات المعتبرة “أشخاصاً قانونيين”.

أما ما يتعلق بالترابط الأسري، فإن الإسلام يشدد علي الأهمية الجذرية لقدسية الأسرة، باعتبارها اللبنة الأساسية التي يتكون منها المجتمع، وبكونها الملاذ الاّمن والحصين للرفاهية العقلية والعاطفية والمادية للزوج والزوجة والأولاد والأجداد والأقارب. شركاء الزواج هم الدروع الواقية لبعضهم البعض. “هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ”([27]) . وينبغي توافر المودة والرحمة بين الزوجين “وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”([28]). لذلك فإن المسلمين علي اقتناع بأن انهيار الأسرة – كما هي في طريقها إلي ذلك في الغرب – سوف يقود حتماً إلي انهيار المجتمع، ما لم يُمنع ذلك في الوقت المناسب.

وربما كان أعظم إسهام يقدمه الإسلام لخلاص حضارته الخاصة وكذلك الحضارة الغربية، هو التزام المسلم باليقظة. فالأديان الأخري تُحرم إدمان الكحول والتدخين المتفاقم، لكن لا يوجد بينها ما هو من الصرامة في تحريم تعاطي حتي أقل كمية من أية مادة، قد تؤدي عند الكمية الأكبر إلي التأثير علي الوظائف الطبيعية للعقل.

ولا يعني ذلك القول بأن عالم المسلمين يخلو من المخدرات، ولكن يوجد اختلاف مهم علي مستوي الواقع: تعاطي المخدرات في العالم الإسلامي ليس علنياً، ولا يُقدم علي مائدة العشاء بشكل روتيني، وعندما يتعاطي أو يشرب المسلم المخدرات أو الكحول فإنه إنما يفعل ذلك بضمير غير مرتاح، لأنه يعلم أنه لم يخلق نفسه، ولذلك فإنه لا يملك الحق في تدميرها.

وأخيراً يبقى هذا الكتاب محاولة من المفكر الألماني للتوصل إلى نسق من الفكر الإسلامي، ولكن بمفهومه المجدد والواقعي، بالتجاور مع تثمين العقل، وعدم إبطال دوره، مع الحرص على عدم الابتعاد عن مركزية القيم الروحية في الوجود. ومع أن ثمة بعض القضايا التي تحتاج إلى مراجعة من حيث آلية العمل والتوفيق في تشكل الخطاب والممارسة، وتحديدا في مواجهة الصوغ الكلي للعالم عبر المنظور الغربي الذي ما زال قادراً على تحديد خطى البشرية في مساراته، ولكن ثمة عدداً من الأسئلة التي تتصل بالوجهة التي ربما تقود إلى فناء الإنسان ودماره، والأهم من كل ذلك التبعية التي ما زالت كامنة في الأدمغة المستعمرة، التي تعاني من كسل مزمن، وعدم القدرة على تفعيل أي قيمة فكرية تتخذ من تصورات معمقة على مستوى الإيمان والعقل، خاصة في سياقات المجتمع، وظروفه الراهنة.

وفي الختام يوجه هوفمان نصيحته للمفكرين في العالمين العربي والإسلامي قائلاً: “سوف تتمتع الدول الإسلامية بالحرية الحقيقية، عندما يتمكن قادة الفكر لديها فقط من فك رقابهم من الانبهار غير القابل للنقد بكل شئ غربي، وأن يعودوا للاغتراف من المصادر الثرية للثقافة الإسلامية الخاصة بهم، فالوقت قد حان لفعل ذلك”.

 

عرض وتقديم:

أحمد محمد علي

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – أصبحت المادة عند الشيوعيين هي كل شيء وليس وراءها شيء وأنها تتطور صعودا وفق قانون ” الجدلية الديالكيتك ” والتاريخ نفسه يسير حسب هذا القانون حتما بزعمهم.

[2] – فيلسوف ألماني، واقتصادي، وعالم اجتماع، ومؤرخ، وصحفي واشتراكي ثوري. لعبت أفكاره دورًا هامًا في تأسيس علم الاجتماع وفي تطوير الحركات الاشتراكية. واعتبر ماركس أحد أعظم الاقتصاديين في التاريخ.

[3] – يلسوف ورجل صناعة ألماني يُلقّب بأبو النظرية الماركسية إلى جانب كارل ماركس. اشتغل بالصناعة وعلم الاجتماع وكان كاتبا ومنظرا سياسيا وفيلسوفا. يعتبر أب نظرية الماركسية بالإضافة إلى كارل ماركس نفسه.

[4] – ثوري روسي ماركسي وقائد الحزب البلشفي والثورة البلشفية، كما أسس المذهب اللينيني السياسي رافعاً شعاره الأرض والخبز والسلام.

[5] – القائد الثاني للاتحاد السوفييتي، فحكم من منتصف عشرينيات القرن العشرين حتى وفاته عام 1953 وهو من إثنية جورجية، وشغل منصب السكرتير العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي من 1922 حتى 1952، ومنصب رئيس مجلس الدولة من 1941 حتى 1953. ترأس في بادئ الأمر حكومة جماعية قائمة على نظام الحزب الواحد وأصبح بحلول ثلاثينيات القرن العشرين دكتاتوراً بحكم الأمر الواقع. يتبع ستالين أيديولوجياً للتفسير اللينيني. وأسهم ستالين في وضع أفكار الماركسية اللينينية ويُطلق على مجموع السياسات التي انتهجها “الستالينية”.

[6] – زعيم الحزب الشيوعي الصيني منذ 1935 حتى وفاته. كان سياسياً وقائداً عسكرياً صينيًا.

[7] – بول بوت والملقّب بعدة أسماء أولها بول بوت وبالأخ رقم 1. قاد بول بوت الحركة الشيوعية والتي كانت مشهورة بالخمير الحمر. تولى منصب رئيس وزراء كمبوديا لفترة ثلاث سنوات من 1976-1979 وكان الحاكم الفعلي لكمبوديا منذ منتصف العام 1975. واشتهر بسياسات مثيرة للجدل قمعية في أغلبها.

[8] – مجتمع متعمد به مجموعة من الأفراد يعيشون مع بعضهم البعض لهم اهتمامات مشتركة، يتشاركون في الملكية والممتلكات والموارد وفي بعض الكميونات العمل والدخل. بالإضافة للاقتصاد الجماعي، هناك إجماع في إتخاذ القرار، والبِنيات لَيست هَرَمِية والحَياة بِشَكل بِيئيء أصبح واحد من أهم المبادئ الأساسية.

[9] – فيلسوف ألماني من القرن الثامن عشر. عاش كل حياته في مدينة كونيغسبرغ في مملكة بروسيا. كان آخر الفلاسفة المؤثرين في الثقافة الأوروبية الحديثة. وأحد أهم الفلاسفة الذين كتبوا في نظرية المعرفة الكلاسيكية.

[10] – كان لودفيغ فويرباخ فيلسوفاً أنثروبولوجيّاً ألمانياً مشهوراً بكتابه “جوهر المسيحيّة”، والذي قام بنقد المسيحية، وكان مؤثّراً للغاية بأجيال من المفكرين اللاحقين، بما فيهم كارل ماركس، وفريدريك أنجلز، وريتشارد فاغنر، وفريدريك نيتشه. دعا فويرباخ إلى الليبرالية والإلحاد والمادية.

[11] – نيتشهفيلسوف ألماني، ناقد ثقافي، شاعر وملحن ولغوي وباحث في اللاتينية واليونانية. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. بدأ حياته المهنية في دراسة فقه اللغة الكلاسيكي، قبل أن يتحول إلى الفلسفة.

[12] – هو طبيب نمساوي من أصل يهودي، اختص بدراسة الطب العصبي ومفكر حر يعتبر مؤسس علم التحليل النفسي. وهو طبيب الأعصاب النمساوي الذي أسس مدرسة التحليل النفسي وعلم النفس الحديث.

[13] – عد داروين من أشهر علماء علم الأحياء. ألف عدة كتب في ما يخص هذا الميدان لكن نظريته الشهيرة واجهت انتقاد كبير وخصوصاً من طرف رجال الدين في جميع أنحاء العالم، دارون نفسه ظل حائراً في ما عرف بما سماه الحلقة المفقودة، التي تتوسط الانتقال من طبيعة القردة للإنسان الحديث. في عام 1859 م، قام داروين بنشر نظرية التطور مع أدلة دامغة في كتاب (أصل الأنواع) متغلباً على الرفض الذي تلقاه مسبقاً من المجتمع العلمي على نظرية تحول المخلوقات.

[14] – هي توجه فلسفي يُؤمن بأن القيم الحقيقية للقضايا الدينية أو الغيبية غير محددة ولا يمكن لأحد تحديدها، خاصة تلك المتعلقة بالقضايا الدينية وجود الله وعدَمِه وما وراء الطبيعة، والتي تُعتبر غامضة ولا يمكن معرفتها.

[15] – عالم فيزياء ألماني، يعتبر مؤسس نظرية الكم، وأحد أهم فيزيائيّ القرن العشرين، حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1918م. قدم بلانك العديد من المساهمات في مجال الفيزياء النظرية، ولكن يشتهر بأنه مؤسس نظرية الكم التي تعد ثورة في فهم الإنسان لطبيعة الذرّة وجسيماتها، وبالإضافة إلى نظرية النسبية لاينشتاين التي أحدثت ثورة أيضاً في فهم طبيعة المكان والزمان، تشكل هاتان النظريتان حجر الأساس لفيزياء القرن العشرين.

[16] – عالم فيزياء ألماني المولد، سويسري وأمريكي الجنسية، من أبوين يهوديين، وهو يشتهر بأب النسبية كونه واضع النسبية الخاصة والنسبية العامة الشهيرتين اللتين كانتا اللبنة الأولى للفيزياء النظرية الحديثة، ولقد حاز في عام 1921 على جائزة نوبل في الفيزياء

[17] – منشق ورئيس تشيكي سابق وكاتب مسرحي. كتب خلال حياته أكثر من عشرين مسرحية وعدد من الكتب التي ترجمت إلى لغات عالمية عدة. اختير ليحتل رابعًا وفق ترتيب مجلة Prospect magazine لأفضل مئة مفكر على مستوى العالم. حين وفاته، كان هافل يتولى رئاسة مجلس إدارة منظمة حقوق الإنسان

[18] – دانييل بيل هو عالم اجتماع، وكاتب، وأستاذ جامعي، وصحفي، وعالم حاسوب، من الولايات المتحدة، ولد في نيويورك، وكان عضوًا في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، والجمعية الأمريكية للفلسفة

[19] – أبو الحسن الأشعري أحد أعلام أهل السنة والجماعة، وإليه ينسب المذهب الأشعري، وكنيته أبو الحسن ويلقب بناصر الدين، وينتهي نسبه إلى الصحابي أبي موسى الأشعري. كان من كبار الأئمة المجتهدين والمجددين الذين حافظوا على عقيدة المسلمين واضحة نقيَّة، وتبعه جماهير العلماء على مرِّ العصور حتى يومنا الحاضر.

[20] – الفلسفة الهلنستية هي الفترة من الفلسفة الغربية التي تطورت في الحضارة الهلنستية بعد أرسطو، وقبل ظهور مذهب الأفلاطونية الحديثة

[21] – أبو حامد محمد الغزّالي الطوسي النيسابوري الصوفي الشافعي الأشعري، أحد أعلام عصره وأحد أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري.

[22] – ابن سينا هو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، عالم وطبيب بخاري، اشتهر بالطب والفلسفة واشتغل بهما. ولد في قرية أفشنة بالقرب من بخارى من أب من مدينة بلخ وأم قروية. ولد سنة 370 هـ وتوفي في همدان سنة 427 هـ. عُرف باسم الشيخ الرئيس وسماه الغربيون بأمير الأطباء وأبو الطب الحديث في العصور الوسطى.

[23] – أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد يسميه الأوروبيون Averroes واشتهر باسم ابن رشد الحفيد هو فيلسوف وطبيب وفقيه وقاضي وفلكي وفيزيائي عربي مسلم أندلسي. نشأ في أسرة من أكثر الأسر وجاهة في الأندلس والتي عرفت بالمذهب المالكي، حفظ موطأ الإمام مالك، وديوان المتنبي.

[24] – يلسوف نمساوي-إنكليزي متخصص في فلسفة العلوم. عمل مدرسا في كلية لندن للاقتصاد. يعتبر كارل پوپرأحد أهم واغزر المؤلفين في فلسفة العلم في القرن العشرين كما كتب بشكل موسع عن الفلسفة الاجتماعية والسياسية.

[25] – عالِم فلكي وفيلسوف وفيزيائي إيطالي، ولد في بيزا في إيطاليا.

[26] – دارس ديني وفيلسوف إيطالي حكم علية بالهرطقة من الكنيسة الكاثوليكية. وهو فيلسوف إيطالي شهير. كان راهبا أيضا في البداية ولكنه انتقل من الدراسات اللاهوتية إلى الفلسفة فيما بعد. وقد اعتنق نظرية كوبرنيكوس عن دوران الأرض على الرغم من انها كانت محرمة من قبل رجال الدين آنذاك وذهب إلى أبعد منها آن ذاك بوضعه فرضية أن النظام الشمسى هو واحد من مجموعة نظم تغطى الكون في صورة نجوم وألوهية ولانهائية الكون

[27] – البقرة 187.

[28] – الروم 21.

شاهد أيضاً

الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان

أ. رضوى منتصر أحمد

يسعى الكاتب من خلال دراسته الرصينة إلى فتح باب الاجتهاد في الفلسفة المادية لما تشكله من بنية فكرية تحتية للعديد من الفلسفات الحديثة وهيمنتها على بعض النخب الفكرية والثقافية بجانب دورها في تشكيل رؤيتنا للتاريخ والعلاقات الدولية.

مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي

أ. دينا رحومة فايد

اهتم مالك بن نبي منذ ريعان شبابه "بمشكلات الحضارة" الذي تناولها بمنهجية ناضجة درست مشاكل  العالم النامي برؤية فكرية متعمقة تتغلغل في جذور المشكلة وتبحث عن حلول فعالة لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.