أخبار عاجلة
الرئيسية / الدراسات والأبحاث / عروض ونقد كتب / نشأة الفقه الإسلامي وتطوره

نشأة الفقه الإسلامي وتطوره

العنوان: نشأة الفقه الإسلامي وتطوره.

المؤلف: وائل حلاق.

المترجم: رياض الميلادي.

مراجعة: فهد بن عبد الرحمن الحمودي.

الطبعة: ط. 1.

مكان النشر: بيروت.

الناشر: دار المدار الإسلامي.

تاريخ النشر: 2007.

الوصف المادي: 318ص. ، 24 سم.

الترقيم الدولي الموحد: 4-311-29-9959.

صدر كتاب وائل حلاق أولا باللغة الإنجليزية عام 2005 تحت عنوان The Origins and Evolution of Islamic Law، ثم صدرت الطبعة الأولى من الترجمة العربية للكتاب في 300 صفحة، من دار المدار الإسلامي عام 2007 بترجمة رياض الميلادي ومراجعة د. فهد بن عبد الرحمن الحمودي.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب هو الكتاب الثاني في سلسلة أعمال وائل حلاق، وبالتالي فهذا الكتاب يحمل بواكير اجتهادات حلاق في مشروعه الفكري، مما دفعه في أعماله التالية الى مراجعات فكرية كما جاء في كتابه “القرآن والشريعة” الصادر عام 2019، والذي جاء فيه هذا التصحيح: “… وهذا التأريخ الجديد لبداية الدور التشريعي للقرآن هو تصحيح لما ذكرته شخصيا في كتابي: “نشأة الفقه الإسلامي وتطوره”، المنشور عام 2005”[1].

 وقد قسم المؤلف الكتاب الى ثماني أبواب بالإضافة الى مقدمة عامة للكتاب ومقدمة خاصة بالترجمة العربية وأخيرا الخاتمة.

ويؤكد المؤلف في مقدمته أن لهذا الكتاب هدفين أساسيين:

أولا: تزويد القارئ بدراسة للحقبة التاريخية التي تشكل فيها الفقه الإسلامي وتكامل، ألا وهي الفترة التي لا تتعدى القرون الأربعة الأولى من الهجرة.

ثانيا: زعزعة الخطاب الاستشراقي وسلطته الخطابية العالمية ونقض الرواية الاستشراقية في هذا الموضوع. فالرواية الاستشراقية لتاريخ الفقه الإسلامي تترابط في جميع أجزائها ترابطا متماسكا زائفا.

وقد آثرت في عرضي لكتاب حلاق ألا ألتزم بتقسيم الأبواب على نحو ما اتبعه المؤلف، لما لاحظته من وجود بعض التكرار في تناول نفس الموضوعات خلال الأبواب المختلفة، نظرا لتداخل الأحداث في الحقب الزمنية المتتالية، وإيثارا لإبراز نقد المستشرقين للدراسة التاريخية لتطور الفقه الإسلامي، وبالتالي سأقوم بالعرض من خلال المحورين الرئيسيين اللذين استهدف حلاق دراستهم وهما: التطور التاريخي للفقه الإسلامي، والرد على المستشرقين فيما ادعوه في هذا الموضوع.

ونظرا لعدم التزامنا بالتقسيم الداخلي للكتاب في صورة أبواب كما أراده المؤلف، نبدأ بذكر عناوين الأبواب الثمانية للكتاب:

الباب الأول: الشرق الأدنى قبل الإسلام، الرسول والتشريع القرآني.

الباب الثاني: بروز السمة الشرعية الإسلامية.

الباب الثالث: القضاة الأوائل والفقهاء المختصون، وسعيهم نحو سلطة مرجعية دينية.

الباب الرابع: نضج القضاء.

الباب الخامس: السلطة النبوية وتعديل نمط التعليل الفقهي.

الباب السادس: عرض النظرية الفقهية.

الباب السابع: تكون المذاهب الفقهية.

الباب الثامن: الفقه والسياسة: الخلفاء والقضاة والفقهاء.      

التطور التاريخي للفقه الإسلامي

القرن الهجري الأول:

يمثل تحديد مفهوم المرحلة التأسيسية للفقه الإسلامي العمود الفقري لهذه الدراسة. ويعرف حلاق “المرحلة التأسيسية” بأنها الفترة التاريخية التي برزت فيها المنظومة الفقهية، ثم تطورت حتى اكتسبت ملامحها الجوهرية وهيئتها المخصوصة. ويحدد حلاق 4 صفات أساسية أكسبت الفقه الإسلامي هويته، وهي:

  1. تطور قضائي كامل.
  2. استكمال وضع الأطر الفقهية.
  3. بروز علم منهجية التشريع والتأويل.
  4. استكمال ظهور المذاهب الفقهية.

قام حلاق في الباب الثاني بتتبع تطور الثقافة الفقهية وانعكاسها على التحولات التي شهدها منصب القضاة الأوائل في الإسلام، إذ اعتبر حلاق النشاط المبكر للقاضي المسلم أفضل مقياس يضبط به تطور مبادئ التشريع الإسلامي.

ففي العقود الأولى للعام الهجري الأول لم يكن منصب القضاة مقتصرا على فض النزاعات بين المتخاصمين، وإنما شمل أيضا أنشطة أخرى تتعلق بالتحكيم في الشئون القبلية والإدارة المالية والشرطة، إلا أنه ابتداء من العقد التاسع من الهجرة اقتصر منصب القاضي شيئا فشيئا على فض النزاعات وتنظيم شئون المجتمع. وقد اتسم التفكير الفقهي لدى القضاة الأوائل بطبيعته البدائية لاعتبارات عملية مرتبطة بالظرف التاريخي.

ويرى حلاق أن “الشرع” و”الأخلاق” في الفقه الإسلامي لم يتداخلا فحسب بل كثيرا ما كانا يتبادلان المواقع. فقد كان من مصادر التشريع في هذه الحقبة المبكرة ما عرف “بالسنن”، وهي أعمال ونماذج تعتبر ملزمة أخلاقيا، باعتبارها مكون مركزي في تصور المسلمين للسيرة النموذجية والسلوك القويم، غير أنها لم تقتصر على أقوال أو سيرة الرسول الكريم فقط.

ويؤكد حلاق أن المسار الذي أدى الى بروز السنة النبوية (الأحاديث) على غيرها من السنن إنما كان مسارا طويلا، مرت فيه بمراحل عديدة قبل أن تبلغ أوجها لتمثل المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم. ويشير حلاق الى أنه في التراجم العديدة للقضاة الأوائل التي يذكرها المؤرخون المسلمون كانت سنة الرسول مصدرا ضمن مصادر أخرى اعتمد عليها القضاة، تمثلت في سنن أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان وعلى وغيرهم من الصحابة وكذلك سنة عمر بن عبد العزيز. فكانت الإحالة الى السنن غير النبوية أمرا شائعا حتى مراحل تاريخية متقدمة.

ويؤكد حلاق أن بداية الاهتمام برواية أحاديث الرسول e، والتي بدأت بعد حوالي نصف قرن من الزمان من تاريخ وفاته، إنما هي مسألة تستحق التفسير خاصة في ضوء الأهمية الأساسية لسلطة “الحديث” فيما سيظهر لاحقا من تشريع ونظريات فقهية. أما المرحلة الثانية من التحول الفقهي فقد بدأت في غضون السنوات الهجرية الستين، عندما شرع عدد من القضاة في نقل أقوال الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا تكمن أهمية نشاط نقل الحديث في كونه أعلن عن ميلاد اتجاه أولى اهتماما كبيرا بسنة الرسول فحسب، وإنما تكمن أهمية هذا النشاط أيضا في أن السنة النبوية كانت هي الوحيدة التي انفصلت عن غيرها من السنن واتخذت لنفسها شيئا فشيئا مكانة مستقلة. إن انفصال السنة النبوية عن غيرها من السنن جاء نتيجة إدراك المسلمين تدريجيا بأن هذه السنة النبوية تعتبر جزءا من تأويل القرآن.

ولقد قام الخليفة عمر بن عبد العزيز (ولد عام 61 هجرية) بأول محاولة لجمع الحديث النبوي، فقد كلف عددا من العلماء بالبحث عن أحاديث النبي وسنته، بل إنه شارك بنفسه مع العلماء في جمع الحديث. فلما تم ذلك أعدت نسخ من الأحاديث المجموعة، وأرسلت الى كل الأقاليم والمدن ليستفيد منها القضاة وأولو الأمر. ويدعي حلاق أنه لم تسلم أي من هذه الوثائق من النقص، وأنه ليس ثمة تتبع لأسانيدها، ولكن ظهر الحديث وتدوينه باعتباره نشاطا ذا دلالة مهمة سواء كان ذلك داخل دائرة الفقه أو خارجها.

ومن مصادر التشريع التي قام عليها الفقه الإسلامي في هذه المرحلة المبكرة بجانب القرآن الكريم والسنن، “الرأي” الذي كان خلال القرن الهجري الأول وجزء من الثاني مصدرا رئيسيا في التفكير الفقهي. ولقد اصطلح على اعتبار “الرأي” تطبيقا لمعايير وطرق في العمل تستند الى تجارب الماضي والسلوك النموذجي حينا أو دون ذلك حينا آخر.

وكما كان الرأي يعتمد على العلم، كذلك الأمر بالنسبة “للاجتهاد” وهو مفهوم يتماهى مع الرأي، فلقد كان الاجتهاد يعني القدرة الفكرية التي تضاف الى العلم، أي معرفة السنن العملية والقدرة على استنباط الحكم منها بواسطة الرأي. وبالتالي فإن مفاهيم “العلم” و”الرأي” و”الاجتهاد” كانت في هذه المرحلة متداخلة من الناحية التقنية.

وفي الباب الثالث والرابع انتقل حلاق الى مرحلة جديدة في تطور عمل القضاة، فقد عرض لموضوع تعيين القضاة والتركيبة التراتبية للقضاء، فقد شهدت الفترة الممتدة من العقد الثالث والعقد الثامن للقرن الأول من الهجرة نضج كل من منظومتي القضاء والفقه حيث اتخذت الملامح الأساسية لكل منهما شكلا نهائيا.

فخلال السنوات الأخيرة من القرن الهجري الأول انطلقت سياسة جديدة خاصة بالتعيينات القضائية، فقد قام الخليفة الأموي لأول مرة بتعيين القضاة من دمشق، فوضع بذلك اللبنة الأولى في عملية سحب سلطة تعيين القضاة من الولاة. هذا التغيير في النهج السياسي يعكس عدة أمور:

  • نضج النظام المركزي.
  • تجريد القضاة تدريجيا من المهام التي تتجاوز المجال القضائي والإداري.
  • تزايد الإدراك بوجود مجال متخصص في التشريع وهو مجال سيكتسب شيئا فشيئا وضعا مستقلا.

ويرى حلاق أن الإشراف المباشر للخليفة على القضاء كان أفضل بكثير من خضوعه لأهواء الولاة واعتباطية قرارتهم. وقد ظهر عام 170 هجرية منصب قاضي القضاة عندما قام هارون الرشيد بتعيين الفقيه والقاضي المتميز “أبو يوسف” في هذا المنصب. غير أن هذا المنصب لم يضف سلطات إضافية للقاضي تتجاوز تلك التي تمتع بها سائر قضاة الأقاليم. وقد أصبح للقضاة حق تعيين نواب أو قضاة النواحي، غير أن السلطات القضائية الممنوحة في هذا المستوى كثيرا ما كانت محدودة عمليا أو جغرافيا، فقد كلف بعض القضاة بالنظر في “مسائل الدم” في حين كلف آخرون بالمسائل المالية، وكان بعض النواب يتولى الناحية الشرقية من المدينة فيما يتولى الثاني الناحية الغربية منها.

ويؤكد حلاق أن تكليف القاضي يعني أيضا أنه كان يحاسب من لدن السلطة التي عينته، وهي مقابل ذلك مسئولة عن عمل القاضي ولها الكلمة الفصل في عزله. وإذا رغب الخليفة في عزل نائب من نواب القاضي فإن ذلك لا يتم الا من خلال القاضي الذي عينه.

لقد كان التكليف من خلال تعيين النواب يعني ضمنيا أن السلطة المعيٍنة لها حق في الحلول مكان المعيًن، وبذلك فإن صاحب القضية يمكن أن يتجه الى الخليفة متجنبا النائب أو حتى القاضي أو قاضي القضاة نفسه، وهذا ما يفسر سبب توجه بعض أصحاب النزاع لعرض قضاياهم على الخليفة نفسه متجاوزين كل مراتب التقاضي.

وبعد الربع الثالث من القرن الهجري الأول بدأ القضاة يعينون على مدن صغيرة بالبلاد التي تم فتحها، وقد أدى هذا الامتداد التشريعي الى قيام علاقة مباشرة بين الشعوب من ديانات مختلفة والمسلمين الفاتحين. وقد ظهرت خلافات تشريعية بالتأكيد وسط هذه الشعوب المختلطة حيث تم عرض الكثير من هذه النزاعات على القضاة المسلمين.

القرن الهجري الثاني:

مع نهاية القرن الثاني للهجرة اتخذ مجلس القضاء هيئته النهائية من حيث أعضائه ووظائفه، فكان المجلس يتكون من “كاتب القاضي” لتسجيل أقوال المتنازعين وشهادتهم وقد يتوفر للقاضي أكثر من كاتب حسب حجم المجلس، و”الجلواز” و”صاحب المجلس” لحفظ الأمن داخل المجلس، و”ترجمان” للمناطق التي يقطنها مجموعات عرقية ولغوية مختلفة، و”أصحاب المسائل” للتحقق من نزاهة الشهود وعدالتهم، و”شهود المجلس” الذين كانوا يمثلون بنهاية القرن الثاني للهجرة جهازا قائما بذاته عليه التوقيع على كافة الوثائق الصادرة من المجلس والشهادة على قرارات القضاة وختمها، و”الفقهاء والمفتون” الذين كانوا يستشارون بانتظام في القضايا الهامة والمسائل الفقهية العسيرة، و”أعوان القاضي” للبحث عن بعض الأشخاص وإيقافهم لأنهم متهمون بجرم معين أو الإتيان بأشخاص أقيمت عليهم الدعوى، أو البحث عن شهود عيان على جرم معين، و”المنادين” الذين يقومون بإبلاغ الناس بما ينظر فيه المجلس من مسائل ويتولون إعلام العموم بما يصدر عن القاضي من قرارات، و”أمناء الحكم” ومهمتهم المحافظة على المعلومات السرية والأموال والنقود، و”القسام” لتقسيم النقود والأموال على الورثة أو ما تنازع عليه المتنازعون، و”الموثق الخاص أو الشروطي” لتحرير وثائق شرعية تخص العقود. وأخيرا كان هناك ديوان القاضي الذي كان يعتبر العمود الفقري للمعاملات الشرعية والوسيلة التي يعتمد عليها القاضي في مراجعة قراراته، وكان الديوان يتضمن: المحاضر والسجلات، وهي قائمة تضم أسماء شهود المجلس، وسجل أمناء الوقف وشؤون اليتامى ونفقات المطلقات، وسجل الوصايا، والصكوك، ونسخ من كتب القضاة الى القضاة. وأخيرا وفي نفس الوقت تقريبا الذي أنشأ فيه العباسيون سلما قضائيا مركزيا ظهر نوع جديد من المحاكم على هامش المحاكم الشرعية وهي محاكم المظالم، التي كانت تنظر فيما اقترفه أعوان الدولة من مظالم.

ويؤكد حلاق أن القضاء الإسلامي في بداياته وعلى مدى عقود طويلة كان يتمتع بالاستقلال عن السلطة التي عينته، فأصبح استقلال القضاء كقاعدة عامة الطابع المميز للثقافة الفقهية الإسلامية.

ظهور المختصين في الفقه: لم يكن التشريع محل اختصاص القضاة بل نهض به بعض الأفراد الذين كان التدين دافعهم الأساسي للاهتمام بدراسة الفقه. ويبدو أن الخطوات الأولى للدراسات الفقهية قد انطلقت مع الجيل الذي عاش بين 80 و120 هجرية من خلال ما اصطلح على تسميته بـ”الحلقات”. وكانت هذه الحلقات تنعقد عادة في المسجد الذي مثل فضاء للنقاش وللتعليم في كافة العلوم الدينية من تفسير للقرآن والسيرة النبوية وغيرها، إلا أن بعض الحلقات عرفت بطابعها الفقهي الصرف. لقد وضع رجال العلم الدارسين في هذه الحلقات اللبنة الأولى التي على أساسها ظهرت المذاهب الفقهية. ويؤكد حلاق بأن الأنشطة الفقهية لهذا الجيل الأول من الفقهاء وضعت نهجا بدأت من خلاله تشريعات الخلفاء وسلطتهم الفقهية تفقد مكانتها لصالح ثقافة الفقهاء الناشئة.

علو شأن الحديث النبوي: بدا واضحا منذ حوالي سنة 120 هجرية أن السنة النبوية (ويقصد بها حلاق الحديث) قد تزايد شأنها ونمت نموا سريعا باعتبارها جنسا متميزا من السنن، الا أن هذه العناية المتزايدة بالسنة النبوية لم تبلغ درجة تجعل منها مصدرا حصريا للشريعة، لأن ما توفر من أحاديث نبوية حتى ذلك الوقت لم يكن كافيا لتأسيس مذاهب قوية في الفروع الفقهية القائمة. وبالتالي فإن عملية بناء سلطة السنة النبوية حرصت على الإبقاء على السنن غير النبوية داخل الحديث باعتبار أن الصحابة والخلفاء الراشدين كانوا أكثر معرفة بالرسول الكريم، وعاداته فكانت سننهم الى حد كبير مصدرا ثريا للتشريع. إن الكم المتواضع المتوافر من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام في القرن الهجري الأول كان مؤشرا على أن السنة النبوية لم تمثل بعد مصدرا مستقلا للشريعة.

وقد استمالت الأهمية المتزايدة لسلطة الحديث عناية الخلفاء الأمويين والعباسيين الأوائل لأنها مثلت وسيلة لإثبات مشروعية سلطتهم مقابل خصومهم، فقاموا بجمع المحدثين والفقهاء الذين يبدون استعدادا لجمع أي حديث ونشره لدعم سلطتهم سواء كان الحديث صحيحا أو موضوعا.

أهل الحديث في مقابل أهل الرأي: الرأي هو التفكير الفقهي الذي يعتمد على مصادر فقهية مغايرة للمصادر النصية الموثوقة، أما أهل الحديث فهم أولئك الذين اعتبروا أن الشرع يجب أن يقوم مباشرة على الحديث النبوي، مع العلم أن الاعتماد على القرآن الكريم أمر مسلم به عند كلا الطرفين.

يرى حلاق أن التعريف بـ”صاحب الرأي” يحمل في طياته معنى سلبيا، ولم يكن من المتاح لأهل الرأي أن يُعرفوا بهوية خاصة دون ظهور الحديث النبوي كسلطة تشريعية، فقد أنتج ذلك الوضع الثنائية المضادة: حديث — رأي. وكلما انتشر الحديث وازداد أهمية اشتد الخلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث.

ويجب أن نتذكر أنه قبل تزايد سلطة السنة النبوية كان ينظر الى الرأي نظرة إيجابية باعتباره الرأي السديد، لكن الدلالة الإيجابية للرأي تغيرت بمرور الوقت.

في الباب الخامس يبيَن حلاق تطور الفقه حتى نهاية القرن الثاني للهجرة من خلال تأسيس كل منطقة من المناطق مثل الشام والعراق والحجاز ممارساتها الفقهية الخاصة بها على أساس من ثنائية السنة النبوية والعمل بها. ففي الحجاز ذهب الفقهاء الى أن ذاكرتهم المتعلقة بأعمال الرسول e وهي تمثل جزءا من سنته ما زالت حية متواصلة بينهم، بل اعتبر هؤلاء العلماء أن السنة النبوية تتطابق مع أعمالهم والإحالة الى هذه إنما هي إحالة الى تلك في كل الأحوال تقريبا. على العكس، أضفى أهل العراق على السنة النبوية بعدا عقليا، وكانوا يعتبرون أنهم قد أقاموا صلة بين أعمالهم والماضي النبوي من خلال لجوئهم الى الصحابة الذين غادر الكثير منهم الحجاز ليستقروا في مدن جنوب العراق. أما أهل الشام فكان تصورهم لمفهوم السنة النبوية يعكسه مذهب الأوزاعي الذي كان يشير الى أعمال الرسول الكريم دون الاعتماد على أحاديث مرفوقة بسلاسل إسناد، وجماع هذه الأعمال إنما هي ممارسات ممتدة منذ عهد النبي عليه السلام الى حدود زمن الأوزاعي.

يرى حلاق أن مركزية الرسول صلى الله عليه وسلم قد ظهرت على الساحة مباشرة بعد وفاته، إلا أن تجليها الأوضح تم خلال النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة،[2] عندما ارتقت سلطة السنة المدونة الى أسمى درجاتها. وقد اقترنت بهذه السلطة عملية تكاثر الأحاديث التي جاءت لتنافس ما جرى به العمل من سنن، وهكذا قامت المنافسة بين تصور نظري للنموذج النبوي من ناحية وتلك الممارسات المحلية التي كانت لها رؤيتها الخاصة لطبيعة السنة النبوية من ناحية أخرى. ومع بروز طبقة من المحدثين ثم من أهل الحديث الذين كان شاغلهم الرئيسي هو جمع أحاديث الرسول وروايتها، سرعان ما اكتسب نقل الحديث منزلة أسمى على حساب السنة العملية.

إذن ومع نهاية القرن الثاني الهجري، أصبح من الواضح أن حركة المحدثين وأهل الحديث كانت في وضع يخول لها تحقيق نصر هام على حساب ما عليه العمل الفقهي. ويرى الشافعي (ولد 150 هجرية)، وهو أحد أهم الأعلام المدافعين عن الحديث في عصره، أنه لا يمكن تحديد السنة النبوية إلا من خلال الحديث النبوي، لذلك هاجم ما عليه العمل باعتباره مجموعة من الممارسات غير الثابتة. وأهم ما تتميز به نظرية الشافعي هو إيلاؤها أهمية بالغة للحديث وجعله مع القرآن الكريم مصدري التشريع، إلا أن هذه النظرية لم تجد قبولا سريعا وكان يجب انتظار أكثر من نصف قرن من الزمان بعد وفاة صاحب “الرسالة” ليصبح الحديث مع القرآن المصدرين النهائيين للشريعة، وهو ما أقصى نهائيا السنة العملية.

الإجماع: خلال القرنين الأول والثاني من الهجرة كان هناك اتفاق عام بين الفقهاء على مساندة الممارسة العملية أو السنة العملية، وكان هذا الاتفاق أو “الإجماع” يوظف غالبا لإبطال الأحاديث التي لم تنقل “من الكثير عن الكثير”، والتي يطلق عليها أحاديث الآحاد. وأدى الإجماع على ما عليه العمل باعتباره محددا لصحة الأحاديث أو عدم صحتها في هذه المرحلة المبكرة الى ارتقائه الى صدارة أصول التشريع بعد القرآن الكريم.

وبالتالي لم يكن مقبولا حينئذ أن يكون الإجماع محل خطأ أو تشكيك، لأن أي إقرار بخطأ ما عليه العمل يمكن أن يؤدي الى التشكيك في بنية المنظومة الفقهية برمتها. وهذا البعد المعرفي لليقين في الإجماع يجعله يتناقض تماما مع “الرأي” الذي يمثل رأي فقيه واحد.

من ناحية أخرى أعلن مالك أن إجماع أهل المدينة، باعتبارها مركز عمل النبي e، ملزم لكل الفقهاء داخل المدينة وخارجها. وأصبح نهج أهل المدينة الذي استلهموه من النموذج النبوي معيارا رسميا موحدا لا يجوز الخروج عليه.

الاجتهاد: تواتر استعمال هذه الكلمة خلال القرن الأول وأغلب القرن الثاني للهجرة مقترنة بالرأي، أي اجتهاد الرأي، الذي كان يعني بذل الجهد من أجل الوصول الى رأي سديد من خلال إعمال العقل، وقد مثَل “الرأي” مواقف أوائل القضاة وعلماء الفقه وكذلك موقف الخلفاء، وبقيت الكلمة لما يقارب قرنا من الزمان اللفظة المتداولة الدالة على الاستدلال الفقهي.

وقد ظهر خلال النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة جيل جديد من العلماء ترعرع في وسط انتشر فيه الحديث النبوي، وكلما تزايدت سلطة الحديث النبوي قلت حرية الفقهاء في استعمال الرأي، فالسلطة النبوية (سلطة الحديث) تكمن علة وجودها في قدرتها على جعل السلوك يتماثل مع النموذج النبوي. وهنا لم تترك السنة النبوية مجالا للاجتهاد البشري، لأن وجودها في حد ذاته يتطلب أن يتم الخيار بين سلطة بشرية “الرأي” وأخرى نبوية – إلهية. ولم تكن السلطة البشرية بطبيعة الحال ندا للسلطة النبوية – الإلهية.

وفي سياق التحول التدريجي الذي عرفه مصطلح “الرأي” بعد منتصف القرن الثاني للهجرة تفرع “الرأي” الى أصناف من الحجج، فبجانب اجتهاد الرأي ظهر كل من: 

القياس: وهو يعني التفكير المحكم في النظام الاستدلالي الخاضع لنسق والقائم على الأصلين، القرآن الكريم والحديث الشريف.

ولم يكن يعرف هذا المصطلح الفقهي قبل الشافعي، ولكن كان يجرى العمل به تحت غطاء عام لكلمة الرأي. وعندما أعاد الفقهاء اللاحقون ومن بينهم الشافعي النظر في معاني الرأي فإنهم وجدوا فيه أشكالا لا لبس فيها من القياس. وأصبح “القياس” مصطلحا متميزا منتشرا بين الفقهاء وشرع الشافعي في استعماله بمعناه الفني.

الاستحسان: والذي كثيرا ما كان يعبر عنه بـ”الاختيار الفقهي”. وما نعرفه عنه يتأتى أساسا إما من خلال جدل الشافعي المناهض للاستحسان أو من خلال إعادة بنائه لاحقا لدى الحنفية. ورغم ذلك يمكننا القول باطمئنان أنه في القرن الثاني للهجرة كان الاستحسان طريقة في التفكير تفضي الى نتائج معقولة.

ولقد استعمل فقهاء العراق الاستحسان على نطاق واسع في بداية القرن الثاني للهجرة، وخصص الشيباني الفقيه الكوفي بعد نصف قرن من الزمان بابا كاملا في كتابه “الأصل” يحمل عنوان “باب الاستحسان”. وقد استمر وجود الاستحسان من خلال المذهبين الحنفي والحنبلي باعتباره طريقة ثانوية في التفكير.

ويشير حلاق هنا الى أن الشافعي كان من أفضل من جسد من الفقهاء عملية الانتقال من مرحلة “ما قبل الحديث” الى مرحلة “الحديث”. ويرى أن أهمية الشافعي تكمن في دفاعه عن الحديث النبوي، وما تضمنه هذا الدفاع من تفكير فقهي. كما كان أثر الشافعي واضحا في استبعاد “الرأي” و”الاستحسان” من الفقه الإسلامي وذلك من خلال الحكم عليهما أنهما محض اعتباط.

وقد قدم الشافعي الحديث النبوي على أنه يعكس السلطة الإلهية مما لا يترك أي مجال للفكر البشري. فأصبح القياس، باعتباره طريقة للاستدلال تمليها مقتضيات النص، الطريقة الوحيدة في التفكير الفقهي المعتمد على القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع العلماء. إلا أن الإجماع لم يكن ليستعمل الا في غياب نص واضح الدلالة وهو ما يجعل اللجوء اليه قليلا.  ويذهب حلاق أن الشافعي كان أول فقيه عبر بوعي عن فكرة كون الوحي الإسلامي يوفر تقييما كاملا وشاملا لأفعال العباد، كما أن نظريته كانت تعتمد على مركزية أطروحة الحديث.

إذن يرى حلاق أنه على الرغم من عدم الإفصاح عن ترتيب واضح للأصول التشريعية خلال القرنين الهجريين الأولين، إلا أنه كانت هناك فرضيات عملية تسمح ببناء الخطوط العريضة لطريقتهم في ترتيب المصادر، فأولية القرآن الكريم كانت مسلمة يقينية، وكانت السنة الفعلية مع الإجماع مصدر التشريع الثاني خلال القرن الثاني للهجرة، فلم يقبل في هذه الفترة سوى الأحاديث التي لا تتعارض مع السنة الفعلية، فكانت بذلك أساسا صالحا لبناء الفقه. غير أنه لا يمكن الفصل بين قوة السنة الفعلية ومفهوم الإجماع، فالسنة الفعلية لم يكن بإمكانها أن تبلغ مرتبة سامية دون اتفاق كلي أو شبه كلي، وهذه هي بالضبط ظاهرة الإجماع. أما مصدر الفقه الثالث في القرن الثاني للهجرة فكان الرأي. غير أن الرأي والسنة الفعلية — في رأي  حلاق — عرفا نفس المصير من الاستبعاد في المراحل التالية من تاريخ الفقه.

القرن الهجري الثالث:

مع بداية القرن الثالث الهجري بلغ الفقه مرحلة من النضج حيث اكتسبت ملامحه الرئيسية شكلها النهائي، وأصبحت المنظومة الفقهية أكثر شمولا وتفصيلا. ويعتبر القرن الثالث الهجري تمهيدا لما سماه حلاق المشهد المركزي في قصة الفقه، هذا المشهد الذي سيتحقق في منتصف القرن الهجري الرابع. حيث ظهرت خاصيتان جوهريتان في الفقه، هما: النظرية الفقهية، والمذاهب الفقهية.

فإذا بدأنا بالنظرية الفقهية يرى المؤلف أن البحث في جذور النظرية الفقهية التي يطلق عليها “علم أصول الفقه” يعود عهده الى الصراع الهام بين أهل الرأي وأهل الحديث. ولم يعكس مشروع الشافعي بداية ظهور نظرية فقهية بقدر ما عكس رد فعل تأويلي لمواجهة التحدي الذي واجهه أهل الحديث. 

ولقد انتصر “الحديث” في حربه ضد الرأي مع منتصف القرن الثالث، حيث ظهرت قبل نهاية هذا القرن ستة مجاميع صحيحة للحديث مخصصة في شكلها ومضمونها لخدمة الشرع. وبنهاية هذا القرن حدث تغير لافت، إذ أصبح أغلب الفقهاء يجمعون بين الانتماءين، الحديث والرأي. وكانت محنة “خلق القرآن أم قدمه” هي الدافع للوصول الى هذا الموقف النموذجي من الجمع بين أهل الرأي وأهل الحديث عند نقطة وسط، وهنا ظهر علم أصول الفقه نتيجة لهذا الجمع.

ويرى حلاق أنه يمكن اعتبار التشريع الإسلامي، كما يعكسه علم أصول الفقه، نظاما تأويليا من الطراز الأول. فالفقيه يشرع في إيجاد حلول لم يظهر لها — إلى حدود ذلك الوقت— حل باستعمال أدوات تأويلية ضبطتها النظرية الفقهية، وهذا هو هدف علم أصول الفقه. وهنا يأتي هدف الفقيه في البحث عن الأدلة الفقهية في الأصول من أجل الحصول على حكم معياري ينضوي تحت صنف من هذه الأصناف الخمسة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام. وهكذا فكل أعمال الإنسان يجب أن تقع تحت صنف من هذه الأصناف.

وينتقل حلاق بعد ذلك في تحليل الخطوات التي يتبعها الفقيه لإيجاد حل للمسألة الفقهية التي لم تجد بعد حلا. فيبدأ الفقيه بتعيين المقاطع النصية التي يمكن أن تنطبق على المسألة المدروسة، وذلك من خلال تأويل اللغة، قصد تحديد معاني الألفاظ المستعملة في النصوص المعنية. فيتعرض المؤلف لمفهوم المجاز، والكلمات واضحة الدلالة أو المبهمة، وكذلك مفهوم العموم في الألفاظ.

ويشير حلاق هنا الى حقيقة أنه “لا قيمة لتأويل الفقيه للغة الشرعية دون وعي أن هذه اللغة قد نقلت بدرجة معينة من الأمانة،” ولذلك يجب أن تجتاز كل النصوص اختبارا حول طبيعتها اللغوية أولا، وطرق نقلها ثانيا قبل أن يتم اعتمادها مادة خاما في الممارسة الفقهية. ورغم أن القرآن الكريم قطعي الثبوت إلا أنه لا يمكن أن نتحقق من يقينية دلالته اللغوية. ثم يستفيض المؤلف في الكلام عن حجية الأحاديث والثقة في عدل الرواة، والموقف من الأحاديث إذا تعارضت ومفهوم النسخ.

ثم ينتقل المؤلف الى الإجماع، وقام باستعراض نظرية الشاشي الحنفي (توفي نحو 344هجرية) في هذا الموضوع والتي عكست مرحلة من النضج في تطور أصول الفقه شكلا ومضمونا. ثم انتقل الى القياس والجدل الواسع حول مفهوم العلة والاستحسان والمصلحة.

وفي ختام الفصل أكد حلاق أن أهم خاصية في علم أصول الفقه تكمن في وجوب نهوض التفكير البشري بدور هام في التشريع دون أن يتعالى بأي حال من الأحوال على ما أتى به الوحي. وكان ما أنجزته نظرية الشافعي صيغة أولية من التوازن بين مجال التفكير البشري المحدد بدقة والنصوص المنزلة. وما تجاهل نظرية الشافعي طوال قرن من الزمان بعد وفاته إلا دليل على أن مجموع الفقهاء لم ينجحوا في تحقيق هذا التوازن بعد.

القرن الهجري الرابع:

لم تكن للمذاهب الفقهية أن تكتمل نهائيا دون منهجية في التشريع (وهي ما يعرف بأصول الفقه)، ولم يكن لهذه المنهجية أن تتحقق إلا بالتأليف بين أهل الرأي من ناحية وأهل الحديث من ناحية أخرى، وهو تأليف رسم للإسلام السني ملامحه المحددة لهويته. وهكذا مثلت المذاهب الفقهية آخر مرحلة من مراحل التطور الهامة التي أضفت بدورها على الفقه الإسلامي شكله النهائي.

لم يكتمل تأسيس المذاهب الفقهية إلا مع النصف الأول من القرن الرابع للهجرة. وقد شهدت القرون الهجرية الأولى حتى ذلك التاريخ تطور المذاهب؛ من مذاهب شخصية قائمة على الآراء الفقهية لشيخ أو فقيه واحد الى مذاهب فقهية هي بمثابة كيان منهجي جماعي ذو سلطة والتزام تام من جانب تابعيه. فمن الملامح الجوهرية للمذهب الفقهي أنه يؤسس محور سلطة تنبني عليه منهجية كاملة في التشريع، وهذا المحور يتمثل في شخصية ما صار يعرف بالمؤسس، الشيخ الفقيه، الذي تنسب اليه المبادئ المتراكمة والجماعية للمذهب. ومن شيوخ المذاهب الشخصية لم يرتق الى مرتبة المؤسس للمذهب الفقهي سوى أربعة يمكن ترتيبهم زمانيا كما يلي: أبو حنيفة، مالك، الشافعي، وابن حنبل.

ويعتبر مؤسس المذهب الفقهي المسؤول الوحيد عن وضع مذهبه الخاص من خلال النصوص المنزلة مباشرة ومن خلال منهجيته ومبادئه. والجدير بالذكر هنا أنه كانت تتم عملية إسناد إنجازات المتأخرين الفقهية الى الأئمة المؤسسين. وبالتالي فالمذهب لم يكن يعني مذهب الإمام المؤسس فحسب وإنما كان يعني أيضا مباحث الفروع الفقهية المتراكمة التي وضعها أسلافه ومن جاء بعده كذلك. وما يجعل المذهب مذهبا إنما هو حجية الأفكار التي اعتبر المؤسس المجتهد المطلق منبعها النهائي، وليس المذهب مجرد تجمع للفقهاء تحت راية إمام شرفي، فلن يكون لهذا التجمع من معنى دون حضور مركزي لمذهب يحمل سلطة ويقوم على بعد مادي ومنهجي مبني باسم إمام مؤسس. وبذلك أضحت السلطة الفقهية قضية معرفية وليست سياسية أو اجتماعية أو حتى دينية.

ويشير المؤلف الى أن مسألة نسبة آراء لاحقة الى الأئمة المؤسسين سكتت عنها الأدبيات الفقهية عموما، ويطالعنا استثناء نادر في عمل أحد فقهاء الشافعية المتأخرين وهو أبو إسحاق الشيرازي. 

وقام المؤلف بعد ذلك بتحليل الأسباب التي أدت الى فشل معظم المذاهب الشخصية في بلوغ مستوى يمكنها من إقامة سلطة فكرية يمكن أن تنتج تراكما في الفكر والمنهج تقودها الى الارتقاء بنفسها الى مصاف المذهب الفقهي في حين نجحت في ذلك المذاهب الأربعة فقط، وقد توصل الى أربعة عوامل هي:

أولا: الافتقار الى السند السياسي.

ثانيا: العجز عن الارتقاء بأفكار المذهب الشخصي الى التوفيق بين أهل الرأي وأهل الحديث.

ثالثا: التحالف مع الحركات الكلامية غير الرسمية، في حين كان نجاح مذهب من المذاهب يعد نتيجة تحالف أتباعه مع الآراء الدينية للعامة مثل الأشعرية.

رابعا: غياب ملامح فقهية مميزة توفر للمذهب الشخصي هوية فقهية مستقلة.

الرد على مقولات المستشرقين:

المقولة الأولى: أن القرن الهجري الأول يمثل فراغا تاريخيا تاما على المستوى الفقهي، وأن المسلمين الأوائل قد اختلقوا الحديث النبوي من العدم بعد نهاية القرن الهجري الأول. ادعى المستشرقون أن اختلاق الحديث النبوي وتدليسه جاء لطمس السرقات الإسلامية للقوانين والشرائع غير العربية وغير الإسلامية. فهناك فرضية في الخطاب الاستشراقي ألا وهي أن الإسلام في بدايته استدان دينا كبيرا من الحضارات اليونانية والرومانية واليهودية.

وقد أشاع المستشرقون أن المنطقة العربية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت معدمة ثقافيا، وحين قام العرب ببناء امبراطوريتهم وأنظمتهم التشريعية لم يكن بوسعهم التعويل على مصادرهم الثقافية الباهتة. وانطلاقا من ذلك الأمر ارتابت الرواية الاستشراقية في السرعة الهائلة التي تكونت خلالها الشريعة الإسلامية دفعة واحدة، وافترضت أن السبب وراء ذلك أن الشريعة الإسلامية ليست سوى نسخة من الشرائع السابقة عليها، ولذلك لم يكن هناك حاجة الى بلورة وتطوير جهاز شرعي إسلامي أصيل. فبناء جهاز مثل ذلك كان بحاجة الى قرون، فالقانون الإنجليزي مثلا احتاج الى قرون عدة لكي يصل الى مرحلة من التطور وازت ما وصلت اليه الشريعة الإسلامية عند وفاة الشافعي. بذلك يصدر المستشرقون مقولة أن مصادر الشرائع الأخرى قد وفرت على المسلمين الأوائل المجهود الحضاري الذي بذلته الشعوب الأخرى في تطوير أجهزتها وأنظمتها الشرعية. وقد استقر الرأي لديهم أن العرب، في مواجهة هذا الضعف، اقتبسوا — دون حرج — عناصر ثقافات المجتمعات التي فتحوها خاصة الحضارتين الرومانية والفارسية، وأصبحت سوريا والعراق في رأيهم معبرا تنفذ منه المعارف التشريعية.

ويرى حلاق أن هذه النظرة الاستشراقية للعرب متوافقة مع الرؤية المنتشرة عن المسلمين اليوم باعتبارهم متخلفين وفي حاجة دائمة الى استيعاب الثقافة والقيم الغربيتين حتى يمكنهم مسايرة إيقاع الحداثة والتمدن. وقد أكد حلاق أن الدراسات الحديثة قد بينت أن أصحاب هذه الآراء عاجزون عن إقامة الدليل على صوابها، فمحاولة البرهنة على الصلات العضوية بين العرب ومصادر هذه الثقافات قد بينت عقمها.

ويقدم حلاق استعراضا لثقافة المنطقة العربية باعتبارها جزءا جوهريا من الثقافة العامة عند ظهور الإسلام، ولإثبات أن هذه المنطقة كان لها حضور ثقافي واضح، ولم تكن منطقة فراغ ثقافي وتشريعي على نحو ما يصور الاستشراق.

يؤكد حلاق في هذا الباب أن عرب شبه الجزيرة لم يكونوا في مجموعهم مجرد بدو رُحًل تقوم حياتهم على اقتصاد صحراوي بدائي، ولكنهم كانوا أصحاب اهتمام بالأنشطة الزراعية والتجارية بالإضافة للأنشطة الرعوية، كما يرى حلاق أنه لا توجد علاقة حتمية بين ترحال القبائل من ناحية وسيادة نمط عيش “بدائي” من ناحية أخرى، فالعرب كانوا جزءا من الخارطة الثقافية للمنطقة، وكان الحجاز يوفر موطن استقرار لهم، كما يقدم عناصر حيوية تسهم في الأنشطة التجارية والدينية بين الشمال والجنوب.

وكانت مكة همزة الوصل بين المسالك التجارية، بوصفها أهم مركز تجاري بغربي المنطقة العربية، إذ كانت تقع في منطقة استراتيجية يصنعها تقاطع خطين تجاريين. وقد نجحت قريش قبل ظهور الإسلام، باعتبارها العصبية القبلية بمكة، في بناء شبكة نشيطة للتجارة، وعقدت معاهدات مع تحالفات قبلية، وفرضت ضرائب على القوافل العابرة. كما عقدت المناظرات الأدبية ومواسم الشعر الرفيع. ووجود الكعبة كمكان عبادة أكسبها الهيبة والمكانة، فأصبحت مكة مركزا تجاريا ودينيا وأدبيا في الجزيرة العربية. وفضلا عما تقدم فإن المكيين لما كانوا يسافرون بعيدا للتجارة فإنهم كانوا يملكون ضياعا ومنازل بعيدة تصل الى حدود حمص بسوريا والى مدن اليمن.

كان المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام يملك ضربين من القوانين، الأول يفي بحاجات الاجتماع المدني والزراعي والتجاري، والضرب الثاني يتكفل بظروف حياة القبائل الرحل الذين كانوا يشاركون في المعاملات المالية والمعاهدات التي كانت تتداول في الشرق الأدنى.

ولما بدأ نزول الوحي على الرسول e، ظهرت الدعوة الإسلامية بمكة ثم بالمدينة المنورة بعد الهجرة مباشرة كدعوة دينية أخلاقية، ثم جاء الوحي القرآني عند نهاية السنة الخامسة من الهجرة ليعكس تطورا في الرسالة، فنزلت السورة الخامسة من القرآن لتؤذن بقائمة من الأوامر والنواهي الصريحة المرتبطة بعدد متنوع من المسائل، وتعلن بالتالي عن بداية ظهور الهيكل التشريعي الخاص بالأمة الإسلامية بما يؤكد استقلال الدين الجديد وتميزه عن غيره من الأديان السماوية. وتزايدت الآيات ذات الموضوع التشريعي شيئا فشيئا، وأشار حلاق أن عدد آيات التشريع وصلت الى نحو 500 آية، لا يوجد بها تكرار في أي من موضوعاتها كما هو مشاهد في آيات القرآن الكريم الأخرى.

المقولة الثانية: يقوم حلاق في الباب الخامس بالرد على مقولة المستشرقين ومنهم شاخت، أن تكاثر الأحاديث النبوية في بداية القرن الهجري الثاني جاء ليصحح وضع التشريع الإسلامي الذي اعتمد على منابع دنيوية في المرحلة الأولى، فلم يكن من المتاح أسلمة التشريع إلا بخلق صلة بين الممارسات الاجتماعية وأقوال الرسول عليه الصلاة والسلام.

يرفض حلاق هذا الرأي، نظرا لأن قبوله يعني أن السنن التي ظهرت قبل الحديث النبوي لم يكن المسلمون يعتبرونها ذات طابع ديني. فهذا الأمر لا يمكن التسليم به لأن السنن التي تحتوي احتواء واسعا على سيرة الرسول وسنته كانت ذات طابع ديني الى جانب كونها مستلهمة من فهم المسلمين الأوائل للإسلام، ناهيك عن أنها تحوي سنن الصحابة والخلفاء الأوائل التي يراها حلاق تجسيدا للتجربة الدينية للإسلام. من هنا يرى حلاق أن رفض هذه السنن على أساس أنها غير دينية أو غير إسلامية إنما هو سوء فهم للدلالة التاريخية لقرن الإسلام الأول.

كما ينتقد حلاق مقولة المستشرقين بأن التشريع الإسلامي لم يبرز إلا مع ظهور الحديث النبوي في القرن الثاني الهجري، ويرى أن هذا القول إنما يغض النظر عن قرن بأكمله من تاريخ هذا الدين، مهما كانت القيم الإسلامية جنينية خلال هذه الفترة. يقول حلاق: يجب أن نحذر من الوقوع في الخطأ (الطاغي على كثير من الدراسات الحديثة) الذي يذهب الى أن الشرع لم يأخذ طابعا إسلاميا إلا عندما ظهرت السلطة النبوية كما مثلها الحديث بصورة رسمية. إذ لم تكن نشأة هذه السلطة مؤشرا على نشأة القيم الإسلامية بل كانت استمرارا للتطور الذي عرفته التصورات الأولى للإسلام. فإن البحث عن جذور الشريعة الإسلامية في المسار الطويل لتطور الحديث –كما ذهب الى ذلك بعض الدارسين المحدثين البارزين— إنما هو مجانبة للصواب تماما، فالصيغ الإسلامية التي سبقت الحديث (بما فيها السنن والرأي) لا تقل صحة عن الصيغ التي نشأت لاحقا، وهذا التصور هو الذي جعل دراستنا تستبعد بالضرورة كل جدل مطول حول ضبط تاريخ ظهور الحديث النبوي باعتباره مقياسا يحدد تاريخ نشأة المعايير الفقهية الإسلامية.

إن نشأة الحديث تعتبر مؤشرا على تطور شكل معين للسلطة (التشريعية)، فليست نشأة الحديث ظهورا لمفاهيم إسلامية غير مسبوقة في الفقه. فقد كان الفقه الإسلامي قد تشكل من حيث الجوهر والعقيدة عندما ظهر الحديث النبوي على الساحة مصدرا للتشريع مستقلا.

المقولة الثالثة: أن الإمام الشافعي هو المؤسس الأوحد لعلمي الفقه والأصول وكأنه لم يكن قبله أو بعده من العلماء والفقهاء من أسهم في بناء التراث الفقهي الشامخ. فأصبح الشافعي العلم والحجة الذي لا يشق له غبار والذي لم يسبق أبدا في عبقريته الشرعية حتى وإن قارناه مع عباقرة الشريعة المتأخرين مثل الإمام الجويني والغزالي وابن رشد وابن تيمية وغيرهم من فحول العلماء. هذا التصور يكمل الأسطورة الاستشراقية القائلة بأن التاريخ الإسلامي عانى من تدهور متواصل بدأ ظهوره في الشريعة بعد وفاة الشافعي.

هنا يصبح الشافعي رمزا استشراقيا لما يظهر بأنه تحقيق وإنجاز، ولكنه في الحقيقة أريد بهذه المقولة جعل الشافعي محطة في مفترق الطرق بين مرحلة الاقتباس من الآخر ومرحلة الانحدار والتجمد.

وقد رد حلاق على هذه المقولة الاستشراقية بالقول أن الشافعي كان أفضل من جسد من الفقهاء مرحلة الانتقال من مرحلة “ما قبل الحديث” الى مرحلة “الحديث”، فقد دافع عن الحديث النبوي على أساس أنه يعكس السلطة النهائية مما لا يترك أي مجال للفكر البشري، وقد وجه الشافعي أول هجوم قوي على “الرأي” في إطار حملة قادت في النهاية الى استبعاده هو والاستحسان من مجال التفكير الفقهي، فأصبح القياس والاجتهاد، باعتبارهما طريقة للاستدلال تمليها مقتضيات النص، الطريقة الوحيدة في التفكير الفقهي المعتمد على القرآن والسنة وإجماع العلماء.

ويرى حلاق أن الشافعي كان أول فقيه عبَر بوعي عن فكرة كون الوحي الإسلامي يوفر تقييما كاملا وشاملا لأفعال العباد، فقبول القياس (الاجتهاد) داخل منظومته الفقهية كان يعود الى إقراره بأن النصوص المنزلة في حد ذاتها قد لا توفر إجابة مباشرة عن كل ما يستجد في الواقع، إلا أن القياس لا يولد بنفسه قواعد أو أحكاما فقهية وإنما هو يكتفي بكشفها واستخراجها من لغة النصوص.

ورغم ذلك فإن حلاق يرى أنه من الخطأ ما ذهب إليه يوسف شاخت وآخرون من اعتبار الشافعي قد نقل الفقه الإسلامي الى مرحلة النضج من خلال علم أصول الفقه. ذلك أن علم أصول الفقه كان الى حد كبير وليد مسار تاريخي طويل، فهو لا يدين بالفضل الى الشافعي بقدر ما يدين به الى المذهب الشافعي.

وهنا يؤكد المؤلف أن ما أنجزه ابن سريج وجيله والجيل اللاحق له قد وقع نسبته الى الشافعي باعتباره أول من ألف وجمع، أي على أساس أنه قد أرسى علم أصول الفقه، رغم أن حلاق يرى أن الشافعي لم يفعل تقريبا شيئا يذكر في تأسيس أصول الفقه، إلا أنه من المرجح أن تكون أطروحته المتواضعة هي التي سهلت على ابن سريج وتلامذته العمل مما دفعهم لنسبة تأسيس علم أصول الفقه اليه.

كانت مجموعة من فقهاء الشافعية ببغداد يترأسها الفقيه ابن سريج (توفى 306 هجرية) إحدى المجموعات الأولى التي شرعت في عرض نظرية أصول الفقه في شكلها المنظم والشامل. وقام تصور أصول الفقه عند هذه المجموعة باعتباره تأليفا بين المعقولية والأثر النصي، أي بين العقل والوحي. ويذهب حلاق إلى أنه من المهم الإقرار بفضل ابن سريج في تمهيد الطريق لتلامذته الذين خاضوا في مسألة التأليف وفصلوها تفصيلا أكبر، وهذا ما يفسر لِمَ كان أول من صنف كتبا في أصول الفقه هم تلامذة ابن سريج من الشافعية مثل أبي بكر الفارسي، وابن القاص، وأبي بكر الصيرفي.

وهكذا ظهرت مع منتصف القرن الرابع الهجري نظرية في الأصول مكتملة وشاملة جعلت من الشافعي ليس أكثر من منظر “غير متكامل”.  حيث يرى حلاق أنه عندما أعيد اكتشاف الشافعي لم تكن نظريته في خطوطها العريضة من قبيل المسلمات فحسب وإنما صار ينظر إليها على أنها نظرية تمثل مرحلة البدايات الخام والتأسيس الأولي.[3]

عرض:

أ. مهجة مشهور

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] وائل حلاق (2019). القرآن والشريعة: نحو دستورية إسلامية جديدة/ ترجمة أحمد محمود إبراهيم، محمد المراكبي؛ مرجعة وتقديم هبة رءوف عزت. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر. ص. 68.

[2] قد نختلف مع هذا الراي أو اللغة لحلاق، اذ يتحدث حلاق عن سلطة الرسول e في حين أنه يقصد سلطة الأحاديث القولية أو المكتوبة كما يتضح في مواضع اخرى من الكتاب. والا فقد كانت للنبي سلطة مركزية منذ لحظة تلقيه الوحي. ويؤخذ على حلاق انه يستخدم لغة استشراقية في احيان كثيرة فيقع فيما اراد ان ينتقد فيه المستشرقين.

[3] تجدر الإشارة إلى أن الأفكار المتضمنة في هذا الكتاب قد طرأت عليها مراجعات متعددة في كتابات وائل حلاق اللاحقة، ما يجعل منه مجرد حلقة من حلقات تطور فكره حول الشريعة والفقه الإسلامي. وقد صرح حلاق بنفسه بتراجعه عن بعض الأفكار الواردة في هذا النص، كما نوهنا في مقدمة هذا العرض. وسواء اتفقنا او اختلفنا مع ما جاء في هذا الكتاب من أراء فإنها تطرح قضايا جديرة بإلقاء الضوء عليها.

شاهد أيضاً

السلطة المذهبية: التقليد والتجديد في الفقه الإسلامي

تأليف د. وائل حلاق

عرض أ. طارق جلال

إن لكل كتاب سؤال دفع صاحبه لاقتطاع وقته ومجهوده لمحاولة التوصل للإجابة عليه. والدكتور وائل حلاق واحد من أولئك الذين حاولوا التصدي للإجابة على أسئلة طرحت في الغرب بالأساس. فقد قام حلاق بحفر تاريخي ساعده في تمييز الخطوط الفاصلة بين الثابت والمتغير في الشريعة الإسلامية.

المجددون في الإسلام

تأليف الشيخ أمين الخولي

عرض د. محمود خليفة الحفناوي الأزهري

تناول الخولي أمر التجديد قديمًا، وكيف كان ثم تحدث عن أسس التطور في الإسلام وفيم يكون، ثم تكلم عن وجود التطور في العقائد وفي العبادات وفي المعاملات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.