هويتنا التائهة
أ. مهجة مشهور*
لا خلاف على أن العقل المسلم هو نتاج حضارة تمتزج فيها الروح والمادة، ويتداخل فيها عمران الأرض مع تزكية النفس، حضارة قائمة على وحي إلهي يؤكد على أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض المكلف بإعمارها. هذه الحضارة ارتفع شأنها وانتشرت في الأرض وأنتجت من العلم والمعرفة ما أفادت به الإنسانية كلها. قبل أن يأفل نجمها لتحل محلها حضارة الغرب؛ الحداثية المادية.
وتُعدّ الحداثة — في أحد أوجهها — نتاج انفصال العقل عن الروح، فالمادة هي محور حضارة الغرب، وجوهر ليبراليته ورأسماليته، وكل العناصر الأخرى لهذه الحضارة إنما هي خادمة للمادة، بما في ذلك الأخلاق ذاتها. وقد انتشرت الحداثة انتشارًا واسعًا بسبب النجاح الباهر الذي حققه العلم المادي في مختلف المجالات، والذي يُعدّ انتصارًا للمنظور التجريبي على المنظور الديني المتقيد بآراء الكنيسة وتعاليمها.
في القرن التاسع عشر ظهرت معظم الرؤى الفلسفية التي ستعبر لاحقًا عن نظرة الحداثة إلى الإنسان والعالم. فقد قام نيتشه في هذا الوقت باستكمال مشروع تخليص الإنسان الغربي من الأوهام المتعلقة بالثبات والتجاوز، فقام بتطّوير رؤية معرفية علمانية إمبريالية ساعدت على استكمال الطفرة الفلسفية التي سيتحقق من خلالها النموذج العلماني المادي، فأطلق عبارته الشهيرة “لقد مات الإله”. ثم تضافر مع فلسفة نيتشه المذهب الدارويني الذي استبدل المطلق اللاهوتي بمطلق جديد هو الحياة والطبيعة. وهنا اكتملت الرؤية العلمانية حيث فقدت المعرفة جانبها المرتبط بالقداسة، وأصبحت تجليًا لإرادة القوة أو علامة دالة عليها.
وفي ظل هيمنة النموذج المادي في الحضارة الغربية، تم فصل مشاريع الحداثة عن أية قيم أو مقاصد متجاوزة، واختُزل الإنسان المركَّب إلى حفنة من الدوافع المادية والمقاصد الاستهلاكية. وقد أدى إفراغ المعرفة من المقاصد المتعالية إلى إفراز النسبية المطلقة وتحرير الفرد من الرؤى الكلية في محاولة لمنحه مزيد من الإبداع والعفوية. إلا أن هذا أوصل الإنسان إلى فقدان المركز والغاية ما أدى إلى وقوعه في العدمية.
وفي هذه الورقة نسعى لاستجلاء أحد جوانب العلاقة بين المشروع الحداثي الغربي والعقل المسلم. وهي العلاقة بين عقل مؤمن انسحب من الحياة الفاعلة إلا قليلًا، وعقل مادي اقتحم العالم وطوّر من أساليب الحياة وظروف المعيشة وأبهر العالم باكتشافاته العلمية والتكنولوجية، فأصبحت كلمته هي المسيطرة ورؤيته هي السائدة.
وقد مرّت هذه العلاقة الجدلية بين الحداثة والعقل المسلم بمرحلتين أساسيتين. المرحلة الأولى هي مرحلة الصدمة الحضارية التي رافقت أول احتكاك بين شرق في حالة ثبات وغرب في حالة نشاط وحيوية وإبداع، تدرجت إلى تبن تدريجي، قبل أن تبدأ مرحلة ثانية أصبح فيها الفرد المسلم يفكر بأدوات الحداثة ويعيش بأسلوب حداثي رغم تمسكه (على الأقل ظاهريًا) بانتمائه الديني.
المرحلة الأولى: بداية الاحتكاك بين العالم الإسلامي والغرب:
كانت الحملة الفرنسية على مصر لحظة فارقة في المنطقة الإسلامية، فقد كشفت للعرب والمسلمين الفجوة الكبيرة بين الشرق والغرب، فالتطور العلمي والعسكري والتقنيات الحديثة أذهلت العرب، مما أحدث ما يُسمى “بالصدمة الحضارية”. ففي تلك الفترة كانت أوروبا قد دخلت عصر الثورة الصناعية بينما كان العالم العربي والإسلامي يعيش حالة من الجمود النسبي في مجالات العلوم التطبيقية. هذا التفاوت جعل مظاهر الحداثة تبدو كقفزة هائلة.
ومنذ ذلك الحين أصبحت مسألة “التقدم” قطب الرحى الذي تدور حوله مساهمات المفكرين المسلمين الذين وعوا بظاهرة التأخر التي أحاطت بالعالم الإسلامي. فظهر عدد كبير من المقاربات التي تصدت لمعالجة هذه المسألة. إذ كان من الطبيعي لأوائل المتصلين بالحضارة الغربية لاسيما مَن اتصل منهم بعلماء الحملة الفرنسية كالشيخ حسن العطار أن ينحصر نظرهم في حدود التقدم العلمي والتقني الذي حازه الغرب، وأن يتصوروا أن مشكلة التأخر يمكن علاجها بحيازة العلوم والمعارف التي توصل اليها الغرب.
وبتأثير من هذه الرؤية شرع والي مصر محمد علي باشا بإرسال البعثات العلمية إلى أوروبا لتحصيل علومها، فعاد أفرادها في حالة انبهار من التقدم الذي عايشوه. ومن أبرز هؤلاء رفاعة الطهطاوي (1801 – 1873) الذي تم إرساله إمامًا لأول بعثة للطلبة إلى باريس في عام 1826. وقد عاد الطهطاوي إلى مصر بعد خمس سنوات وقد وعى بوضوح مسألة تراجع الحضارة الإسلامية. وكان من الطبيعي أن يؤرقه السؤال عن السبيل إلى التمدن والتقدم، فعرض رؤيته للتقدم في كتابَيه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” و”مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية”. وقد ساهمت كتاباته في نقل صورة مبهرة عن الغرب والحداثة التي أرجع تفوقها إلى أصلين: أصل معنوي وهو التمدن في الأخلاق والآداب، وأصل مادي وهو التقدم في الصناعة والاشتغال بالعلوم والفنون والصنائع النافعة.
كذلك قام محمد عبده (1849-1905) بتسجيل انبهاره بتقدم الغرب في رسائله بعد زيارته لفرنسا عام 1884 فقال: “رأيت هناك دينًا يمشي على الأرض (يقصد القيم والأخلاق) ولم أر مسلمين، ورأيت (في الشرق) مصلين وصائمين، ولكن لا أثر لتعاليم الدين في سلوكهم العام”.
كذلك قام علي مبارك (1823-1893) بتشخيص ما حدث للمسلمين من موانع عاقت تقدمهم في أمرين؛ أولهما: انحسار تعظيم العلم وأهله، وثانيهما: انحراف خلَف الأمة عن سيرة سلفها بنبذهم مصالح الأمة وجريهم وراء شهواتهم الخاصة.
لقد أكد كثير من مفكري الإصلاح والنهضة أن لأخلاق الغربيين يدًا في تطوير حضارتهم، فأشادوا بنشاطهم ومثابرتهم على العمل، وتعاونهم بروح من الألفة، وامتدحوا في الغربي اعتماده على النفس وشجاعته في مجابهة الصعاب وصدقه وصراحته ومحافظته على النظام. في حين رأوا أن من العوامل التي أدت إلى تخلف كثير من المسلمين الكسل والخمول والجهل والتواكل، أو الركون إلى أمجاد الماضي بدلًا من التحرك لمحو تخلف الحاضر. لقد رأوا أن ضعف التربية وفساد الأخلاق هما السببان الرئيسيان في الانحطاط الذي يعاني منه العرب والمسلمون في العصر الحديث.
وقد كان للظروف الزمانية والموضوعية والفكرية لدى مفكري النهضة دور كبير في تغيير زوايا نظرهم إلى المشكلة الأساسية المطروحة. فبعد أن كانوا يفسرون تراجع المسلمين بالنظر إلى تخلفهم في العلوم التطبيقية وتراجعهم في الأخلاق الحضارية، أصبح يفسر في مرحلة لاحقة بالنظر إلى عدم أخذهم بمنظومة الحداثة التي تشمل العلم والتعليم والقانون والحرية السياسية إلخ. حيث أصبح الكثير من مفكري النهضة يرون أن السر وراء قوة الغرب يكمن في “نموذجهم الحضاري المتكامل”. وقد أدى هذا الانبهار والرغبة في “اللحاق بالركْب” إلى السعي نحو تبني مظاهر الحداثة كلها دون نقدٍ كافٍ لها.
وقد ظهرت في هذه المرحلة مشاريع فكرية حاولت تقديم حلول لرتق الفجوة الحضارية بين الشرق والغرب، فظهر تيار التبني الكامل لهذه الحداثة، وتيار التوفيق بين التراث والحداثة، وتيار الرفض الكامل للحداثة.
تيار التبني الكامل للحداثة: طه حسين نموذجًا:
يمكن اعتبار طه حسين (1889-1973) واحدًا من أبرز مَن دعوا إلى التبني الكامل للحداثة الغربية، ويمكن الاستناد في هذا الأمر إلى مواقفه الفكرية ومعاركه الأدبية وأطروحاته التي صدم بها السائد في وقته. فالحداثة عند طه حسين هي مشروع للتغيير الشامل، يمسّ كافة مناحي الحياة. وقد عبَّر عن موقفه إزاء الحداثة بمجموعة من المؤلفات المتتالية.
فنجد في كتابه “في الشعر الجاهلي” (1926) تطبيقًا لمنهج الفلسفة الحداثية الغربية على التراث العربي، حيث أعلن في هذا الكتاب صراحةً تبنيه لمنهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت القائم على “الشك المنهجي”. فسعى إلى تجريد العقل العربي من الأحكام المُسبقة وعدم قبول أي نص أو موروث إلا بعد عرضه على الفحص العقلي الصارم. وقد ساهم طه حسين – بمنهجه هذا- في خلخلة المسلمات السائدة حول تاريخ الأدب واللغة، حيث ادّعى أن الكثير مما نُسِب إلى الجاهليين إنما كُتِب بعد الإسلام لأسباب سياسية ودينية وقبَلية.
أما في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” (1938) فقد صاغ طه حسين مقولته الأكثر فجاجة لتبني المشروع الحداثي الغربي: “علينا أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحَب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب، ومن زعم غير ذلك فهو مخادع أو مخدوع”. بهذه العبارة يؤكد طه حسين أن الحضارة جزء لا يتجزأ، ولا يمكن أخذ العلم من الغرب ورفض فكره وفلسفته ونظامه الاجتماعي أيًا ما كانت مساوئه.
وعندما تولى طه حسين منصب وزير المعارف في عام 1950 تعامل مع العلم كأداة لتحديث المجتمع، فتحْت شعار “التعليم كالماء والهواء” أراد خلق المواطن الحديث، فقام بإدخال اللغات اللاتينية واليونانية القديمة في الجامعات المصرية لإيمانه بأن فهم الحداثة الغربية يتطلب فهم جذورها الفلسفية الأولى.
وفي سبيل الدفاع عن أفكاره خاض طه حسين معارك شرسة، فدفع بأن تقديس الماضي لمجرد أنه “ماضي” هو نوع من الموت العقلي. كما سعى طه حسين إلى “تبيئة” الحداثة في التربة العربية. فذهب إلى أن امتلاك الشجاعة العقلية لنقد الذات وتبني مناهج العلوم الإنسانية الحديثة والاعتراف بكونية الحضارة الإنسانية هو السبيل الوحيد لنهضة الشرق ومشاركة الغرب في صناعة المستقبل بدلًا من البقاء في مقاعد المتفرجين.
التيار الرافض للمشروع الحداثي: مصطفى صادق الرافعي نموذجًا:
على الجانب المقابل تمامًا من مشروع طه حسين يقف مصطفى صادق الرافعي (1880-1937) كواحد من أبرز ممثلي التيار المحافظ وواحد من أهم مقاومي المشروع الحداثي. لم يكن الرافعي رافضًا للتحديث التقني والمادي، بل كان يرفض الحداثة على المستوى الفكري والفلسفي، وكان يرى فيها تهديدًا وجوديًا للهوية الإسلامية والعربية.
فعندما أصدر طه حسين كتابه “في الشعر الجاهلي” مستخدمًا فيه منهج الشك الديكارتي كان الرافعي من أقوى مَن تصدوا له، فأصدر مجموعة مقالات حول هذا الموضوع، جُمعت ضمن كتابه “تحت راية القرآن”، اعتبر فيها أن تطبيق مناهج النقد الغربية على التراث العربي والقرآن الكريم هو مؤامرة لتدمير الدين واللغة. كما رفض الرافعي فكرة الحداثة التي تدعو إلى “تجريد العقل من المسلمات” وأصرّ على أن هناك ثوابت إيمانية وتاريخية فوق النقد والشك المعرفي.
من ناحية أخرى كان الرافعي يرى في اللغة العربية لغة مقدسة مرتبطة بالقرآن الكريم ارتباطًا عضويًا، فكتب في ذلك مؤلفه الضخم “تاريخ آداب العرب” وكتاب “إعجاز القرآن والبلاغة النبوية”. ووقف مقاومًا لدعاة الحداثة الذين يرون ضرورة تيسير قواعد اللغة وتطوير البلاغة وصولًا إلى إدخال العامية في الأدب. فاعتبر الرافعي هذا تلاعبًا بالقواعد اللغوية الراسخة والبلاغة الموروثة، يُنذِر بهدم أصل من أصول الدين. فتحديث اللغة بالنسبة له كان يعني الركاكة وضياع الهوية.
وفي كتابه “وحي القلم” صاغ الرافعي فلسفة اجتماعية ترفض المادية الغربية التي هي عماد الحداثة. فكان يرى في أسلوب الحياة الحداثي الغربي تفكيكًا للروابط الأسرية وإعلاءً لقيم المادة على حساب الروح، وتحريرًا مفرطًا للمرأة يُخرجها من دورها الفطري. وفي المقابل قام بتقديم نموذج إسلامي روحي، كبديل كامل ضد مادية الحداثة التي اعتبرها شقاءً إنسانيًا مغلّفًا بالرفاهية.
غاية القول إنه إذا كانت الحداثة في جوهرها تقوم على التغير المستمر والنسبية فإن مشروع الرافعي كان يقوم على “المطلق والنموذج الأعلى المعصوم”. لقد حاج الرافعي بأن الحداثة ليست طريقًا حتميًا للنهضة، بل هي غزو ثقافي يجب مقاومته.
التيار التوفيقي: محمد عبده نموذجًا
إذا كان طه حسين يجسد اندفاعة الحداثة والرافعي صلابة المحافظة، فإن محمد عبده يمثل همزة الوصل الساعية للتوفيق بين العصر والوحي. كان عبده أزهريًا صميمًا يمتلك أدوات التراث، مما جعل خطابه مقبولًا أو على الأقل مسموعًا لدى المؤسسة التقليدية. بينما كان منفتحًا على الفلسفة الغربية مما أتاح له أن يخاطب الآخر بلغته.
ولقد كانت الثورة على الجمود والتقليد التي قادها محمد عبده من المحاولات النهضوية الهامة لمواجهة تراجع الشرق المسلم في مقابل الصعود الحضاري الغربي. فالجمود في نظر محمد عبده ليس من طبيعة الإسلام، ولكنه علّة عرضت على المسلمين. فالإسلام مرادف للتمدن والتقدم، وعملية تخطي التأخر والانحطاط والاتجاه نحو التقدم والترقي لا يمكن أن تتم إلا من خلال المعطيات الأساسية للإسلام نفسه.
انشغل عبده بفتح باب الاجتهاد، إذ كان يرى ضرورة التمسك بالنصوص مع ضرورة تغيير “طريقة التفكير” فيها لتستوعب متغيرات العصر. من هنا حاول محمد عبده إعادة قراءة الإسلام من خلال المنطق والعقل لإثبات أن الإسلام في جوهره دين عقلاني يتوافق مع العلم والمدنية الحديثة.
وقد انطلق محمد عبده من رغبة أكيدة في إيقاظ المسلمين من جمودهم ولم ينطلق من هزيمة نفسية أمام المشروع الحداثي، فوضع “الأساس النظري” للتيار التوفيقي، وسعى إلى العودة إلى الأصول الأولى للإسلام لتأكيد مرونتها وقدرتها الذاتية على استيعاب ومواكبة علوم العصر ومقتضياته. ومع تباين وجهات النظر حول مدى نجاح مشروعه، يظل محمد عبده الشخصية المحورية التي مأسست هذا التوجه، محوّلة إياه من مجرد اجتهادات فردية إلى تيار فكري عريض ذي امتداد ومريدين.
محاولة تفسير أسباب التراجع الحضاري الإسلامي بعد قرون من النجاح:
يشير شكيب أرسلان (1869-1946) في كتابه الشهير: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ إلى مجموعة من الأسباب الخُلُقية والنفسية والفكرية التي أدت إلى تأخر المسلمين المعاصرين[1]. فبالنسبة للأسباب الخلقية يذكر أرسلان منها الكسل والجبن والبخل، وفقدان الحَمّية لنشر الدين ومناصرة المسلمين، وفساد الأخلاق. أما بالنسبة للأسباب الفكرية فيشير أرسلان إلى الجهل والعلم الناقص، كما يشير إلى أن مَن أضاع الإسلام إما جاحد أو جامد؛ فالجامد مَن لا يريد التغيير أو التجديد، والجاحد يريد أن يلغي كل قديم.
أما علي عزت بيجوفيتش فيرى أن السبب وراء تراجع الحضارة الإسلامية يضرب جذوره في انطفاء جذوة الفعالية والحركة الإيمانية في الحياة، وتخلي الإنسان المسلم عن إدارة شئون الحياة إدارة إسلامية. يقول بيجوفيتش: “إن الإخلاص للكِتاب لم يتوقف، ولكنه فقد خصوصيته الفاعلة، لقد فقد القرآن سلطانه كقانون ومنهج حياة واكتسب قداسته كشيء”[2].
ويتبنى مالك بن نبي نفس وجهة النظر فيقول: “المسلم لم يتخلّ مطلقًا عن عقيدته، فلقد ظلّ مؤمنًا، وبعبارة أدق ظل مؤمنًا متدينًا، ولكن عقيدته تجردت من فاعليتها؛ لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي فأصبحت فردية، وصار الإيمان إيمان فرد متحلل من صِلاته بوسطه الاجتماعي”[3].
إذن يمكن القول إن مكْمن العجز وأصل المرض هو فقدان الحماس للمبادئ الإيمانية الإسلامية، والإهمال الكامل لها في الممارسة العملية رغم استمرار التمسك بالإيمان الإسلامي على مستوى تعاليمه وأركانه. يقول بن نبي: “إن آلية الحركة التاريخية إنما ترجع في حقيقتها إلى مجموعة من العوامل النفسية الناتجة عن القوى الروحية. وهذه القوى الروحية هي التي تجعل من النفس المحرك الجوهري للتاريخ الإنساني”[4]. فالطاقة الأخلاقية أو انتفاضة القلب التي يكون مصدرها الفهم العملي للقرآن الكريم وليس الفهم النظري له، هي أساس الحركة وجوهر إعادة الرابطة بين الإنسان وطاقته الإبداعية التي متى انسابت في نفس الإنسان استحال إلى إنسان جديد تستيقظ فيه عوامل الحضارة.[5]
وقد نتج عن هذا الإهمال مجموعة من الظواهر المرضية مثل الانفصال بين الفكر والعمل، شيوع الفساد والظلم والخراب الأخلاقي، التشدد في أداء التكاليف الدينية، والانسحاب من ميدان الاستخلاف في الأرض بعمرانها (والاستعاضة عن ذلك بالسعي نحو تحقيق الخلاص الفردي). كل هذا وغيره أعراض على مرض واحد هو أفول الروح في مسيرة الحضارة وافتقاد دافع الاجتهاد والإبداع مقارنة بالعصور الإسلامية الأولى. “فكل قوة في العالم تبدأ بثبات أخلاقي، وكل هزيمة تبدأ بانهيار أخلاقي، فكل ما يراد تحقيقه لا بد أن نبدأ بتحقيقه أولًا في أنفس الناس”[6].
ولكن هذا لا يعني أن حركة الفكر قد توقفت، ففي الفترات التي يُشار اليها “كتراجع” استمرت أشكال من الإبداع في مجالات مثل الفقه واللغة والعمارة وبعض العلوم الأخرى. فالمشكلة لم تكن في انعدام الإبداع، بل في تحوّل مركز الإبداع من العلوم التجريبية إلى العلوم الدينية واللغوية، كما في ضعف الترابط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وغياب المؤسسات الداعمة للابتكار. فالإبداع لم يختفِ، ولكنه لم يعُد ينتج “قوة حضارية شاملة” كما في السابق. كما فُقدت أيضًا القدرة على تحويل التفكير إلى تفوق مادي وتنظيمي في عالم يتغير بسرعة. فالمشكلة تكمن في غياب البنى التي تُحوِل الإبداع إلى قوة تاريخية: مؤسسات، اقتصاد، سياسة، وسياق.
وفي نفس الوقت كانت أوروبا تمر بعصر النهضة ثم الثورة الصناعية والعلمية، فتزايَد الفارق في مجالات التنظيم العسكري والعلمي، وهذا الفارق تُرجم لاحقًا إلى تفوق سياسي وعسكري، فدخل العالم في مرحلة التوسع الأوروبي والاستعمار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التفوق الغربي لم يكن تفوقًا علميًا ومعرفيًا محضًا، وإنما كان تفوقا مدعومًا بالقوة، مما أجهد العالم الإسلامي وساهم في انشغاله في الدفاع عن نفسه.
المرحلة الثانية:
تطورت العلاقة بين العقل المسلم والحداثة بطريقة متدرجة منذ الصدمة الحضارية الأولى حتى نهايات القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، حين وجد العقل المسلم نفسه فجأة أمام واقع جديد ومختلف تمامًا. فلم تعُدْ الحداثة مجرد أفكار غربية مستوردة أو منتجات تكنولوجية متقدمة مُستجلبة إلى بلادنا، بل تحولت الحداثة إلى بنية تحتية للحياة اليومية. فالمسلم المعاصر أصبح اليوم يرتاد الجامعات الحديثة والمدارس الدولية ويتعامل مع المنظومة البنكية المتطورة، ويعتمد كليًا على التكنولوجيا ووسائل الاتصالات الحديثة. واقع جديد أعاد تشكيل وعي الإنسان بالزمن والمكان والغاية من الحياة.
من ناحية أخرى أصبح العقل المسلم يعتمد في تدبير شئونه الشخصية وطموحاته المهنية والتعليمية على “العقلانية الأداتية”، أي على حسابات الربح والخسارة والفردانية وهي صلب التفكير الحداثي. هنا يجب التمييز بين “العلمنة الفلسفية” – أي إنكار الدين- والعلمنة الإجرائية. فالمسلم يمارس العلمنة كإجراء حياتي دون أن يتخلى عن إيمانه القلبي أو طقوسه التعبدية. ففي المجتمع الحداثي يتحول الدين تدريجيًا من منظومة شاملة تُشرف على كل تفاصيل الحياة إلى شأن قيمي وشخصي، فالمسلم المعاصر يمارس طقوسه الدينية كشأن شخصي بينما يدير بقية تفاصيل حياته (العمل، الترفيه، العلاقات الإنسانية) وفق النمط الحداثي.
إذن لم يعُد الأمر مجرد انبهار بالحداثة، ولكنه تحوّل إلى معايشة يومية مع معطياتها، حتى لم يعُد العقل المسلم قادرًا على إدراك الحدود الفاصلة بينها وبين الحياة النابعة من رؤيته الإيمانية. وهنا يجب التوقف والتساؤل حول الأسباب وراء هذا النجاح الكاسح للمشروع الحداثي ليس فقط في الدول الإسلامية، ولكن في كافة أنحاء العالم.
لقد تعاملت الحداثة – للغرابة الشديدة- مع المسلمين وفق السُنة القرآنية التي تنص على أن التغيير يبدأ من النفس الإنسانية، فنجحت في جرّ المسلم إلى مشروعها من خلال تقديم كل المبهرات التي تؤدي إلى الخروج من تركيبة العقل المسلم إلى تركيبة العقل الحداثي، بدون محاولة لمنعه من صلاته أو عباداته التي اعتاد عليها.
وقد نجحت الحداثة في نسج صورة مبهرة عنوانها التقدم العلمي والتكنولوجي، والحرية والديمقراطية، وحلم النجاح الفردي والرفاهية. واستثمرت النوازع البشرية الفطرية التي تجنح إلى الرفاهية والاستهلاك وتحقيق الأهداف المادية السريعة.
كما نجحت الحداثة من ناحية أخرى في إخفاء الوجه المظلم لمشروعها وتحديدًا كونها قائمة على الاحتلال والقوة والعنصرية والدماء، فلم يكن للغرب أن يحقق كل هذا التقدم العلمي والاقتصادي إلا من خلال الموارد الوفيرة التي حصل عليها من الدول المستعمَرة والأسواق التي فتحها في هذه الدول لتوزيع منتجاته وتحقيق الأرباح الكبيرة التي موّلت له مشروعه، وفي نفس الوقت أدت الحداثة إلى تغيير الذوق الاستهلاكي وربطه بالمنتجات الغربية.
كما نجحت الحداثة طويلًا في إخفاء نسبية قيمها (كما ظهر بوضوح في حرب غزة). فالحرية الحديثة هي حرية الرجل الأبيض، والديمقراطية لا وزن لها إذا وقفت عائقًا أمام تحقيق الأهداف المخطط لها، فخروج الملايين للاعتراض على قرار ظالم لن يؤدي إلى تراجع الأنظمة الديموقراطية عنه. الحاصل أن قيم الحداثة قد نجحت في التغلغل داخل المجتمعات الإسلامية، والنتيجة أنه صار عندنا نسخة إسلامية من الحداثة لها سماتها الخاصة. فالمسلم اليوم يعيش وفق آلية نفسية تجنبه التصادم والتنافر المعرفي، تقوم على الفصل بين العقل العلمي/العملي والذي يستخدمه في شركته أو مختبره أو مكتبه، وبين العقل الإيماني/ الروحي الذي يدخل به إلى مسجده ويمارس من خلاله عباداته. هذا الفصل يسمح للإنسان المسلم بالتعايش مع الحداثة دون تصادم معها. ورغم ذلك فإن هذا التعايش ليس ناعمًا دائمًا، بل يُفرز بين الحين والآخر ما يمكن أن نطلق عليه “قلق الحداثة”، وذلك حين يشعر الإنسان المسلم أن ما يعيشه سلوكيًا نابع من حداثة فيها ما يناقض جذريًا معتقداته الروحية.
الحداثة الرقمية والفصام الروحي
ومن أبرز ما يُشعر الإنسان بالفصام حاليًا وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة التي أعادت تشكيل التدين والممارسات الدينية لدى المسلمين. فوسائل التواصل الاجتماعي قامت بإدخال المفاهيم الحداثية كالنسبية والسيولة والميل للاستعراض إلى البنية الدينية للمسلم.
ومن مظاهر الاختراق التي أحدثتها هذه الوسائط أنه في السابق كانت المعرفة الدينية والفتوى محصورة في المؤسسات الدينية (كالأزهر أو دار الإفتاء) أو كبار العلماء، واليوم كسرت وسائل التواصل هذا الاحتكار، فظهر جيل جديد من الدعاة وصناع المحتوى الذين يملكون “التأثير الجماهيري” دون الاعتماد بالضرورة على علم ديني معتبَر وشهادات أكاديمية معتمدة. فتحوّل الخطاب الديني من خطاب رأسي له صرامته وهيبته إلى خطاب أفقي تفاوضي من خلال التعليقات والمشاركة بالرأي.
وتقوم الخوارزميات، من خلال تغذية مفصّلة خاصة بكل مستخدم تبعًا لاهتماماته ونظرته للعالم، بتزويد المسلم المعاصر بالمنظومة الدينية التي تتوافق مع نمط حياته الحداثي وطموحاته الشخصية على نحو يتجاوز المذاهب الفقهية المعتمدة، حتى أصبح الفرد مرجعية لنفسه في اختيار الآراء التي تريحه، الأمر الذي رسخ مفهوم “الفردانية الحداثية” داخل التجربة الدينية.
وفي الزمن الرقمي أصبحت بنية الإنسان الفكرية والسلوكية دائمة التحول والسيولة، لكونه أصبح عُرضة لتشكلات ثقافية متجددة، فباتت الشبكات والخوارزميات تحدد معالم الثقافة وما يترتب عليها من رؤى وتصورات وسلوكيات ومواقف وممارسات حياتية.
من ناحية أخرى أدت المنصات البصرية مثل الانستجرام والسناب شات إلى صهر الممارسات الدينية في إطار ثقافة الاستهلاك، حيث تتحول أناقة الحجاب وأجواء رمضان الديكورية وفيديوهات العمرة المصورة بزوايا سينمائية إلى محتوى رقمي جذاب. كما تحولت بعض العبادات التي كانت تُحاط بالخصوصية (كالدعاء والصدقة) إلى سلوكيات قابلة للمشاركة والحصول على “الإعجاب”، مما خلط الدافع التعبدي الروحي بالدافع الاجتماعي الحداثي.
كما أن استقبال المسلم المعاصر لتنبيهات الصلاة والأذكار (كما يستقبل تنبيهات العمل) جعل الدين مندمجًا في الزمن الحداثي السريع، على نحو يُفرغ العبادة في بعض الأحيان من حمولتها الروحية ويحولها إلى مهمة يومية يجب شطبها من قائمة الـ checklist.
إذن لم تلغ وسائل التواصل الاجتماعي التدين، وإنما أعادت صياغته. لقد حولت التدين الإسلامي ليصبح أكثر مرونة وتكيفًا مع بنية الحياة الحديثة، ولكنها في الوقت نفسه جعلته عُرضة للسيولة والسطحية.
كيف نواجه الهجوم الحداثي على رؤيتنا وقيمنا؟
إن مما يضاعف من أثر المعضلة التي فرضتها علينا الحداثة أننا نحاول مواجهتها ونحن متلبسون بها بالفعل، فليس لدينا مفكر، أو فقيه، أو عالم، أو فيلسوف إلا وقد طالته الحداثة بتأثيرها بدرجة أو أخرى.
وهنا نتساءل هل يمكن أن نستحضر النماذج الثلاثة السابقة، طه حسين، ومصطفى صادق الرافعي، ومحمد عبده للتعامل مع معضلة الحداثة، وهل هذا الاستدعاء مُجدي في المرحلة التاريخية التي نعيشها؟
على نحو أو آخر يُعدّ نموذج طه حسين هو النموذج الأقرب لطبيعة المرحلة الحضارية التي نعيشها، فنحن ننهل من الحداثة حلوها ومرها، ونتقلب بين إيجابياتها وسلبياتها. إلا أن الفرق بين اليوم والأمس أن طه حسين لم يكن يُدرك في زمنه المدى الذي ستبلغه سلبيات الحداثة والتي أطاحت بالإنسان المسلم قيميًا وأخرجته في ذات الوقت عن طريق الحضارة التي كان ينشدها. فرغم إنجازات الحداثة الهائلة – والتي لا يمكن إنكارها- ظهرت أزماتها الكبرى ومأزقها المعرفي النابع من التوتر بين وعودها المتعلقة بالعقلانية والتقدم والرفاهية، وواقعها الذي يتسم بنسبية مطلقة، وتفكك في المعنى واغتراب إنساني. فأصبح الفرد في زمن الحداثة كأنه يدفع من استقراره النفسي ثمنًا لتقدمها المذهل.
من ناحية أخرى لم يثمر تماهينا مع الحداثة الغربية عن انطلاق حضاري للمسلمين كما كان يأمل طه حسين. فما زلنا مستهلكين للحضارة غير مساهمين فيها (إلا بالحد الأدنى)، وما زلنا نعاني من داء متابعة واستهلاك المنجزات التكنولوجية والعلمية دون أن يكون لنا بصمتنا الحقيقية فيها.
وبذلك فإن التلبس بنموذج طه حسين يفرض على المسلم أن يدفع فاتورة الحداثة مرتين، مرة مع الغرب نفسه، فيعاني معه من النسبية، والسيولة، وإدمان الاستهلاك، ومرة من ذاتيته الخاصة، فيتورط في مادية، تنسيه هويته، وحضوره الحضاري المستقل.
أما نموذج مصطفى صادق الرافعي والذي كان يخشى على هوية المسلم وصلابة معتقداته من أن يجرفها تيار الحداثة، فقد صدقت رؤيته في جانب وقصرت في جانب. فاليقين القرآني والروحانية الإسلامية والبيان العربي هي بالفعل الحصون الحقيقية للمسلم المعاصر في مواجهة تحديات السيولة الأخلاقية والتفكك الأسري وتراجع مكانة اللغة العربية أمام الفرنكوفونية واللغات الهجينة في مواقع التواصل الاجتماعي.
ولكن في نفس الوقت فإن المسلم اليوم لا يملك رفاهية الانغلاق على الذات، أو إمكانية الاختيار بين بدائل حداثية منها ما يتلائم مع رؤيته ومنها ما يتصادم معها. ولذلك فإن طرْح الرافعي رغم صدقه في التشخيص لا يقدم للمسلم المعاصر الأدوات المناسبة لمواجهة واقع الحداثة.
وأخيرًا فإن النموذج التوفيقي الذي قدمه محمد عبده والذي حاول من خلاله أن يتجاوز نقد الحداثة إلى تطوير نماذج بديلة في كافة المجالات على نحو يعكس الرؤية الإسلامية لم يعُد كافيًا لمواجهة أسئلة الحداثة وما بعدها. فالأمر يحتاج لثورة اجتهادية تعيد بناء أصول الفقه وعلم الكلام لتستوعب تعقيدات العصر بدلًا من التوفيق الشكلي بين القديم والحديث.
إن مشكلة العقل المسلم اليوم تتمثل أساسًا في الانتقال من سؤال “ماذا نأخذ وماذا ندع؟” إلى سؤال “كيف نفكر؟ وما هي الأدوات المعرفية التي تلزمنا لإنتاج المعرفة الخاصة بنا؟” وهنا تجدر الإشارة إلى “مشروع إسلامية المعرفة” كمشروع فكري حاول تجاوز توفيقية محمد عبده من خلال إعادة بناء مناهج معرفية تدمج معارف الوحي مع معارف الكون (الطبيعية والإنسانية) في نسق واحد.
كما تجدر الإشارة إلى طرح المفكر الإسلامي طه عبد الرحمن والذي يمثل في الكثير من جوانبه ثورة على مفهوم طه حسين بشأن الحداثة، فقد قام عبد الرحمن بالتفريق بين روح الحداثة وواقعها. وفي الوقت الذي انبهر فيه طه حسين بواقع الحداثة الغربية ذهب طه عبد الرحمن إلى أن “روح الحداثة” (الإبداع، النقد) هي قيم إنسانية مشاعة يمكن استثمارها في مشروعنا الإسلامي مع تجنب واقع الحداثة. ويرى طه عبد الرحمن أن إنقاذ العقل المسلم يكون بإنتاج “حداثة إسلامية مستقلة” تدمج العقل بالأخلاق، والعقل بالنظر، لتكوّن حداثة أصلية لا تقليدية ولا تابعة.
كذلك يمكن تطعيم رؤية محمد عبده برؤية كل من شكيب أرسلان ومالك بن نبي اللذان قدما مجموعة من الشروط العملية التي تستكمل الرد على سؤال “كيفية مواجهة سلبيات الحداثة”. فهم يرون أن الفكرة الدينية والإرادة النفسية والفاعلية الاجتماعية والاقتصادية والجاهزية العلمية هي عناصر أربعة للنهضة الحضارية المنشودة.
فالعوامل الروحية والأخلاقية، تشكل البواعث وتحدد الغايات وترسم الطريق وتشحن الروح وتحيي الضمير الأخلاقي. والعوامل النفسية، تضبط كل ما يتعلق بالعقل والإرادة والوجدان والنزوع إلى الحركة والفعل (وهذا البُعد قد أكد عليه كثيرًا بن نبي وبيجوفيتش، لكونه يتضمن إعادة لبث الروح في الإنسان المسلم للقيام بمهمته على الأرض. فأينما توقف إشعاع الروح تخمد الحركة).
أما بالنسبة لعوامل الفاعلية الاجتماعية فتؤدي إلى انصهار قوى الأفراد ضمن شبكة علاقات اجتماعية تحدد إطار اشتغال الجماعة وتقسيم الأدوار بينها، وتقدم فيه الجماعة (المجتمع أو الأمة) الضمانات المادية والمعنوية اللازمة لأفرادها. وأخيرًا يأتي البُعد العلمي المتعلق بالعلم والتعليم والابتكار العلمي، فالنهضة الإسلامية يجب أن تولي اهتمامها بالشروط المادية مثل اهتمامها بالشروط المعنوية.
الهوية الإسلامية كطوق نجاة:
إن الهوية هي الإجابة عن سؤال: “مَن أنا؟”، وتقوم هوية الفرد والجماعة التي ينتمي لها على الاشتراك في الدين واللغة والقيم، والأعراف، والتاريخ، والجغرافيا. فالهوية هي بصمة الإنسان في هذا العالم، وهي الجوهر الذي يمنح الفرد الشعور بالتميز وبالانتماء لجماعة.
ويمكن القول إن عصر المعلومات الرقمية قد مثَّل زلزالًا، عصف بمفهوم الهوية. فالزمن الرقمي هو زمن “تحول الهويات”، وتحول كل مفردات وعناصر وبنى الحياة الإنسانية التي تأتي في مقدمتها البنية الثقافية – القيمية.
وهنا يأتي دور الحفاظ على الهوية كبوصلة تعيد للفرد توازنه في هذا العصر المتسارع الجارف لكل ثبات. فالهوية هي النواة المركزية التي تمنح الإنسان المناعة الحضارية والتي تجدر المراهنة عليها لاستيفاء شرط الدخول دورة حضارية جديدة نابعة من رؤيتنا الإسلامية الخاصة. وتسرب الهوية من بين أيدينا – مع قيامنا بكل العبادات- من أخطر ما يواجه المسلم المعاصر. فالهوية هي التمسك بقيمنا، برؤيتنا للعالم، بانتمائنا لأمة، بالحفاظ على إنسانيتنا من التلاشي أمام هجمة الحداثة. وليست الهوية مجرد تاريخ ومجد غابر أو هوية مظهرية وشكلية فقط.
وإذا كان هذا هو تعريف الهوية، فإن تفعيل الهوية هو أمر محوري. وتفعيل الهوية يتم من خلال تحويلها من مجرد انتماء موروث إلى منهج معاش. فالهوية ليست مجرد بطاقة تعريفية، بل هي إطار حركي للفرد ركيزته الأساسية الاستخلاف في الأرض. فعندما يدرك الفرد أنه لم يُخلق عبثًا وأن وجوده مرتبط بمهمة إعمار الأرض وإصلاحها على أساس من قيم الإسلام الحاكمة، هنا يتحول السؤال من “مَن أنا؟” إلى “ماذا يجب أن أقدم؟”. وهذا هو البُعد الحضاري لهوية المسلم.
إن مفهوم الهوية يتطلب توسيع مفهوم العبادة ليشمل كل تفاصيل الحياة. فعندما يربط الإنسان حركته في الحياة بهويته الإسلامية تصبح مهام مثل تربية الأبناء والسعي المهني والبحث العلمي والابتكار وحل مشكلات المجتمع عبادات لا تقل أهمية عن الشعائر التعبدية. هذا الربط يمنح الأعمال اليومية بُعدًا قيميًا ومعنى عميقًا يقضي على حالة التيه. فتفعيل الهوية يجعل الفرد يرى دوره كواجب رسالي وليس مجرد وظيفة لكسب العيش.
كذلك يمنح تفعيل الهوية الإنسان الاعتزاز المعرفي والثبات النفسي، ما يتيح له التعامل مع العلوم والمنتجات الحديثة بعقلية ناقدة مستفيدة، تأخذ ما ينفعها ويتوافق مع قيمها وترفض ما يصادمها.
إننا نعيش اليوم عصر” الهويات السائلة” الناتجة عن ضعف المناعة الحضارية للمسلمين في مواجهة منجزات الحداثة، هذه السيولة تجعل الفرد في حالة استقبال مستمر للقيم الاستهلاكية والفردانية التي تصطدم مع قيم هويته الأصلية التي تقوم على الرسالية والمسئولية المجتمعية والاعتدال. كما أن المقاييس الحداثية للنجاح تركز حصرًا على الماديات، كم تجني من المال؟ كم تملك من سلع الترف والمظاهر؟ هذا النموذج يضغط على الشباب ويدفعهم نحو الفردانية الشديدة، بينما الهوية الإسلامية تسعى إلى نجاح متوازن يربط النفع الخاص بالنفع المتعدي للمجتمع.
إن هيمنة ثقافة الحداثة يستوجب تجديد الطاقة الأخلاقية وتفعيل الاهتمام بمشروع “انتفاضة القلب” – بتعبير مالك بن نبي- من أجل التصدي لهذه الهيمنة من جهة، ومن أجل الارتكاز على الدافع الإيماني لتأسيس النهضة المعنوية الجديدة في مقابل النهضة المادية من جهة أخرى.
الخاتمة:
يمكن القول إن علة التخلف الحضاري التي يعيشها العرب والمسلمون هي نتيجة تبنيهم لنماذج حياتية لا تعكس صميم الرؤية الإسلامية للعالم، وذلك لعدم قدرتهم (أو قدرة الكثير منهم) على فهم واستيعاب خصوصية هذه الرؤية، وربما لعدم إدراكهم وجودها لديهم أصلًا، ما حال دون إدراكهم لدورهم القيمي والمادي والحضاري.
لقد أقبل المسلمون على النموذج القيمي للغرب وغاب عنهم استلهام نظامهم القيمي الخاص بهم.. وسيطر المنطق الحداثي على العقل المسلم فغدا تفكيرهم متمحورًا حول المادة، الكفاءة التقنية، الربح السريع إلخ. في الوقت الذي يحتاج فيه المشروع الإسلامي الخاص استرداد الهوية وإعادة هيكلة منطق التفكير، لا أخذ القالب الحداثي الرأسمالي بكل توحشه وماديته، مع وضع لافتة إسلامية عليه.
إن المرحلة التي نعيشها من الحداثة تطرح أسئلة جديدة حول الهوية والمعنى والوعي ومستقبل الإنسان نفسه. ولابد في مواجهتها من العودة إلى المعاني الصلبة والوقوف أمام الطغيان الرقمي وإحياء المرجعية الدينية، والمزاوجة بين العلم والقيمة، والقوة والمسئولية، والتقدم والمعنى.
إن خريطة النهوض الحضاري المنشود يجب أن تتوجه نحو سؤال القيم الكلية التي يؤسس بها الإنسان معنى حياته، وسؤال الأخلاق التي يرتفع بها من الانحصار في مطالب الجسد والسعادة الفردية إلى مطالب الخلافة وعمارة الكون، وعبادة الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مدير مركز خُطوة للتوثيق والدراسات، وسكرتير تحرير مجلة المسلم المعاصر.
[1] شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تأخر غيرهم؟ مكتبة الإسكندرية. دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني. 2012. ص.52.
[2] علي عزت بيجوفيتش، الإعلان الإسلامي، ترجمة محمد يوسف عدس، دار الشروق 1999. ص. 57.
[3] مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي. ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر 2006. ص. 45.
[4] مالك بن نبي، ميلاد مجتمع. ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، سوريا. 2006. ص.26.
[5] عبد الرزاق بلعقروز، حقول الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر. نماء للبحوث والدراسات. 2024. ص. 104.
[6] علي عزت بيجوفيتش، الإعلان الإسلامي. مرجع سابق. ص. 85.
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies