العز بن عبد السلام
سلطان العلماء
أ. مهجة مشهور*
متجردًا للحق وفيًا له قولًا وفعلًا، جمَع بين الفقه والإصلاح، وبين العلم والعمل به، يشهد له التاريخ بالثبات على الموقف، ويشهد له التراث بالموسوعية العلمية وسعة الأفق، إنه سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام. هذا العالم الجليل والفقيه الشافعي الذي كان له في مختلف العلوم سهمًا، والذي لم يمنعه انشغاله بالعلم من التحرك به مواجهة للباطل وإصلاحًا للفساد واتباعًا للحق، فكان عالمًا عاملًا بعلمه يمشي به في الناس.
وقد ندرت في زماننا هذا مِثل هذه النماذج، وقلّ فيه التجرد للحق والثبات عليه، وانتشرت فيه التفاهة بأنواعها، وأصبح كثير من شباب أمتنا يعيش تحت سطوة الثقافة الغربية الغالبة منفكًا عن جذوره. فكان حريًا بنا أن نغوص في عمق تاريخنا لنقف مع قدوات استقت من معين الوحي الصافي، ودارت مع الحق حيثما دار، وتمسكت بأصول إيمانها وثقافتها، فأشرق أثرها ونما وازدهر. ولنا هنا في هذه السطور وقفة مع هذا العالم الجليل نتعلم من سيرته ونقتبس من حياته أثرًا.
أولًا- أثر السياق الزمني والبيئة المحيطة في تكوين العز بن عبد السلام:
قبل الخوض في تفاصيل شخصية العز – رحمه الله – وما تميز به وما خلّفه من آثار، نقف قليلًا مع العصر الذي عاش فيه، كَونه من أكثر العوامل التي أثرت في شخصية العز وصاغت تميزها.
لقد عاش العز بن عبد السلام (577–660هـ) في واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا وتناقضًا في التاريخ الإسلامي، فقد جمع عصره بين الصلاح والفساد، والوحدة والتمزق، والتضحية والجبن، والعزة والذل، وتكالب على السلطة، وتناحر عليها، وقتال بين أصحابها. وفي نفس الوقت كانت هناك بطولات نادرة، وانتصارات خارقة، وقيادات حكيمة.
فمن الناحية السياسية شهدت الدولة الأيوبية ثم المملوكية صراعات سياسية داخلية وانقسامات بين الحكام، تزامنت مع أخطار خارجية جسيمة تمثلت في الحملات الصليبية من الغرب والغزو المغولي من الشرق. كما أدى تقسيم الدولة الأيوبية بين أبناء صلاح الدين والملك العادل إلى نشوء إمارات متفرقة، وقد تفاقمت الخلافات والصراعات بينهم، ووصل الأمر أحيانًا إلى التحالف مع الصليبيين ضد بعضهم بعضًا، مما أضعف الجبهة الإسلامية في مواجهة الأخطار الخارجية. وفي هذه الأثناء شهدت الأمة الإسلامية تحولات سياسية كبرى انتهت بقيام دولة المماليك عقب سقوط الدولة الأيوبية[1]. وفي نفس الوقت لم تكن الأندلس والمغرب بمنأى عن مظاهر الضعف والانقسام، إذ فقد المسلمون معظم مدن الأندلس بسبب تفرقهم، بينما ضعفت دولة الموحدين في المغرب.
ورغم هذا الاضطراب السياسي، شهد العصر أيضًا بروز قادة استثنائيين مثل نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، وقطز، وبيبرس، الذين نجحوا في توحيد المسلمين وتحقيق انتصارات حاسمة، أبرزها استرداد القدس بعد معركة حطين (583هـ)، والانتصار على المغول في عين جالوت (658هـ)، مما أوقف زحفهم وأنقذ العالم الإسلامي من خطرهم.
وفي هذه الأجواء التي يتصارع فيها الحق والباطل والخير والشر، وتجري فيها سنن الله – عزوجل- بتأييد المؤمنين ونصرهم، عاش العز بن عبد السلام. فكان لهذه الأحداث أثرًا كبيرًا في تكوينه. ففي خضم هذه الأحداث كان العز عالمًا مجاهدًا متأثرًا بمحيطه مؤثرًا فيه[2].
وقد صاحب هذه الأحوال السياسية المضطربة انتشار الفساد المجتمعي والانحلال الخلقي. وأدى ذلك بدوره إلى انقسام العلماء بين مَن اعتزل المجتمع وتفرغ للعلم والعبادة، ومَن تصدى للانحراف وسعى إلى إصلاح المجتمع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان من أبرزهم العز بن عبد السلام.
كما برز أيضًا في هذه الأثناء عدد كبير من العلماء الموسوعيين الذين جمعوا بين علوم الشريعة واللغة والفلسفة والطب والتاريخ، ومن أبرزهم الرازي، وابن قدامة، والنووي، وابن مالك، وابن النفيس، وغيرهم. كما ازدهرت الحركة العلمية في الشام ومصر والأندلس بفضل اهتمام الحكام والعلماء بإنشاء المدارس الكبرى، مثل المستنصرية والكاملة والصالحية والظاهرية والمنصورية، ولا سيما في العصر الأيوبي، مما أسهم في استمرار النشاط العلمي وإنتاج مؤلفات قيّمة، على الرغم من الأزمات السياسية والعسكرية التي شهدها ذلك العصر[3].
ثانيًا- العز بن عبد السلام؛ النشأة والمولد:
هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد بن مهذب السلمي أصله مغربي، لكنه ولد في دمشق عام 577هـ – 1181م، وعاش فيها وفي مصر حيث توفي – رحمه الله -. ولُقب بعدة ألقاب، ولكن اللقب الأشهر كان “سلطان العلماء” الذي أطلقه عليه تلميذه ابن دقيق العيد، كما لقب أيضًا بشيخ الإسلام.
كانت نشأة العز بسيطة للغاية، فقد كانت أسرته أسرة فقيرة مغمورة، ولم يكن لها مجد، أو سلطان، أو منصب، أو علم. وقد انشغلت أسرته بطلب الرزق عن طلب العلم. وحين شب العزّ، ساعد أباه في بعض الأعمال الشاقة؛ مثل إصلاح الطرق، والتنظيف أمام المحال التجارية. وعندما مات الأب، ولم يجد مَن يؤويه، توسط له الشيخ فخر الدين بن عساكر للعمل في الجامع الأموي، وكان ينام ليلا في زاوية بأحد دهاليز الجامع[4].
كان العز وهو طفلًا – وأثناء قيامه بأعماله الشاقة- يصل إلى سمعه كلام الشيوخ في حلقات العلم والدرس التي كانت تُعقد بالمسجد. وكان يرجو ويتمنى ويتلهف أن يكون أحد المستفيدين منها، بل كان يجلس فيها أحيانًا لكن الطرد كان دائمًا في انتظاره، ولم يكن يسمع سوى كلمات التوبيخ والتقريع إذا ما اقترب.
وذات مساء شاهده الشيخ فخر الدين بن عساكر – وكان صاحب حلقة علمية بالمسجد- وهو يبكي فسأله ما يبكيك؟ فروى له ما حدث، فوعده الشيخ بأن يبدأ رحلة طلب العلم من الغد[5].
ثالثًا- رحلته في طلب العلم:
قام الشيخ ابن عساكر بإلحاق العز بمكتب تابع للمسجد الأموي ليتعلم القراءة والكتابة والخط وحفظ القرآن، وتعهّد الشيخ بنفقته. فأقبل العز بكليته على تلك الفرصة العظيمة التي فتحها الله له، وأقبل على العلم بشغف عظيم، وحفظ القرآن، وأتقن القراءة والكتابة والخط الحسن، وعوّض ما فاته من سنوات الدرس.
وأعجب الشيخ ابن عساكر بما يبدو على العز من علامات النجابة والذكاء. ومرت أعوام، واطمأن الشيخ ابن عساكر إلى أن العز قد أتقن حفظ القرآن وجوّده، وإلى أنه قد أصبح يُحسن القراءة والكتابة بخط جميل، فبشّره الشيخ بأنه سيضمه إلى الطلاب الذين يحضرون حلقته في الفقه الشافعي، ودفع إليه بما يعينه على شراء ثوب صالح لحضور حلقات العلم[6].
وقصد العز العلماء، وجلس في حلقاتهم ينهل من علومهم، ويكب على الدراسة والحفظ، والفهم والاستيعاب. واجتاز العلوم بمدة يسيرة، وهو ما تحدث به عن نفسه، فقال: “ما احتجت في علم من العلوم إلى أن أكمله على الشيخ الذي أقرأ عليه، وما توسطته على شيخ من المشايخ الذين كنت أقرأ عليهم إلا وقال لي الشيخ: قد استغنيتَ عني فاشتغل مع نفسك. ولم أقنع بذلك، بل لا أبرحُ حتى أكمل الكتاب الذي أقرؤه في ذلك العلم”. وكان يقول: “مضت لي ثلاثون سنة لا أنام حتى أمرَّ أبواب الأحكام على خاطري.
ولم يقتصر الشيخ العز على تلقي العلم على فطاحل العلماء، بل تأثر أيضًا بأخلاقهم الفاضلة، وسلوكهم الرفيع في الحياة، وتلقف توجيههم، ورمق مواقفهم. وجمع العز في تحصيله بين العلوم الشرعية والعلوم العربية التي منطلقها ومحورها القرآن الكريم، فدرس التفسير وعلوم القرآن، والفقه وأصوله، والحديث وعلومه، واللغة والتصوف، والنحو والبلاغة، وعلم الخلاف.
ولم يكتف العز بدراسة هذه العلوم، ولكنه تعمق فيها، ووصل أغوارها، وفهم حقائقها ودقائقها، وتفوّق في معرفتها والتأليف فيها. ولذلك قال فيه ابن العماد الحنبلي: “وبرع في الفقه والأصول والعربية، وفاق الأقران والأضراب وجمع بين فنون العلم من التفسير والحديث والفقه واختلاف أقوال الناس ومآخذهم، وبلغ رتبة الاجتهاد”[7].
رابعًا- رحلته العلمية كمجتهد مبدع:
قام الإمام العز بالتأليف في العديد من العلوم الإسلامية، ومن أشهر العلوم التي ألَّف فيها:
التفسير: يُعدّ “تفسير بن عبد السلام” إضافة نوعية ومهمة الى مكتبة علوم القرآن والتفسير. لم يقم العز بإنشاء تفسير جديد بالكامل، بل صب جهده في تهذيب واختصار لتفسير ضخم سبقه وهو “النكت والعيون” للإمام الماوردي، فحذف منه الحشو والإطناب والأسانيد الطويلة والأقوال غير الراجحة، فقدّم تفسيرًا متوسط الحجم، سهل العبارة واضح الدلالة، فقام بذلك بتقريب التفسير وتسهيله للباحث والقارئ. وقد تميز تفسير العز بجمع أقوال المفسرين من السلف والخلف مع قدرة فائقة على ترجيح الأقوال الأقوى والأصح. من ناحية أخرى برع العز في تفسيره في بيان أصول الكلمات واشتقاقها وتوضيح الفروق الدقيقة بين الألفاظ المتقاربة والاستشهاد بالشعر العربي في موضعه لتوضيح المعاني القرآنية. كما حرص العز على التقليل من الإسرائيليات والقصص الواهية التي كانت موجودة في كتب التفسير السابقة.
وقد انعكست روحه التحليلية والفقهية على طريقة عرضه لمعاني الآيات بحيث يخرج القارئ بفوائد تشريعية وعقدية مركزة وعميقة. إذن فتفسير العز بن عبد السلام لم يكن مجرد نسخ لتفسير أسبق أو تلخيصه، بل كان اختصارًا ذكيًا بروح مجتهد. فقد أخذ مادة علمية غزيرة ورتبها وصاغها بأسلوب متميز ودقيق، ليقدم للأمة تفسيرًا يجمع بين صفاء المعنى وقوة اللغة ودقة الاستنباط، مما يجعله مرجعًا قيمًا يُحتفى به في دراسات علوم القرآن.
وفي مجال بلاغة القرآن وتفسيره ألّف العز كتاب “الإشارة الى الإيجاز في بعض أنواع المجاز”. ويُعدّ هذا الكتاب من أمهات كتب البلاغة القرآنية. وقد برهن فيه الإمام العز على وجود المجاز في القرآن الكريم بلغة علمية دقيقة ردّ بها على المخالفين. وقد اعتمد عليه العلماء من بعده، حيث لخصه الإمام ابن قيم الجوزية وزاد عليه، وتناوله الإمام السيوطي في دراساته البلاغية.
الفقه: ألف الإمام العز كتاب في الفقه الشافعي هو “الغاية في اختصار النهاية”، اختصر فيه الإمام العز كتاب “نهاية المطلب في دراية المذهب” لإمام الحرمين الجويني. وهو من أضخم وأصعب موسوعات الفقه الشافعي. فقدّم العز الكتاب بثوب جديد مسبوك مخّلصًا إياه من الأقوال غير الشافعية. وحاز الكتاب مكانة عظيمة، ونقل عنه كبار العلماء كالسبكي والزركشي.
كما ألف العز كتاب “الإمام في بيان أدلة الأحكام” جمع فيه العز الأدلة الحديثية للفقه وبحثها بطريقة اجتهادية تدل على سعة الاطلاع على السنة النبوية وعللها.
التصوف والأخلاق والسلوك: بعيدًا عن الشطحات الصوفية الفلسفية أو الانعزالية يمثل العز بن عبد السلام نموذج التصوف السني النقي القائم على الشريعة. ألف العز كتاب “شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال” الذي يعتبر من أبدع الكتب التي تربط بين أعمال الجوارح وأعمال القلوب والأخلاق مستندة الى مقاصد التوحيد والعبودية، فهو يؤسس في هذا الكتاب لمنظومة الأخلاق الإسلامية بروح أصولية مقاصدية.
“علم مقاصد الشريعة” و”علم القواعد الفقهية”: تتجلى المساهمة العلمية الكبرى للإمام العز بن عبد السلام في تأصيل علم مقاصد الشريعة وربطه بالقواعد الفقهية، فقام بنقل الفقه الإسلامي من صورته الجزئية الى إطار كلي معلل بالحكم والمصالح.
ويُعدّ كتابه الأهم في هذا المجال هو كتاب “قواعد الأحكام في مصالح الأنام”(المعروف بالقواعد الكبرى). ويُعدّ هذا الكتاب بحق أهم كتاب ألف في بابه، فهو لم يكن مجرد جمع للأحكام المتشابهة، بل أسس لعقلنة الفقه وربط كل حكم تشريعي بعلته ومقصوده وغايته الإنسانية والدينية، مما جعل القواعد الفقهية بفضله أداة حية لفهم مراد الله من عباده. قال الإمام تاج الدين السبكي مادحًا هذا الكتاب وكتابه الآخر في المجاز: “وهذان كتابان شاهدان بإمامته وعظيم منزلته في علوم الشريعة”. واعتمد كل مَن جاء بعده من العلماء – كابن قيم الجوزية والقرافي وغيرهم- على هذا الكتاب ونهلوا من معينه.
وتدور الفكرة الأساسية لكتابه، بل مجمل مشروعه العلمي حول قاعدة جليلة مفادها: “أن الشريعة الإسلامية بكل أحكامها مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد عن العباد”، فقام العز بن عبد السلام بربط الأحكام الشرعية بعللها وحِكمها الكلية. وقد منح هذا المجتهدين والفقهاء من بعده أداة جبارة لفهم النصوص والحكم على النوازل المستجدة بروح الشريعة ومقاصدها. وقد كان لهذا الإسهام الفضل في تصنيف العز كأحد مجددي الشريعة وأصولها[8].
وكان للعز كتاب آخر هو “الفوائد في اختصار المقاصد” لخص فيه قواعده الكبرى وأضاف اليها فوائد وملاحق دقيقة لم يذكرها في الكتاب الأول. ليكون مرجعًا إضافيًا مركزًا.
وفي هذا السياق سعى الإمام العز لإعادة بناء العقلية الإسلامية بالتأكيد على العقلية الأصولية التي لا ينبغي أن تغرق في الجزئيات وإنما تختصرها في كليات، وتضبطها في قواعد لمواجهة مستجدات الحياة مهما تعقدت وتشعبت.[9] ويُنسب للعز بن عبد السلام الفضل الأكبر في إبراز والتأكيد على قاعدة “جلب المصالح ودرء المفاسد” وجعلها القطب الذي تدور حوله أحكام الشريعة.
ونذكر هنا بعض النماذج من القواعد الأصولية والمقاصدية الكلية التي أبرزها العز في كتاباته:
أ- نموذج في القواعد الفقهية:
- في جلب المصالح ودرء المفاسد.
- تحصيل مصلحة الواجب أولى من دفع مفسدة المكروه.
- تصرف الولاة ونوابهم بما هو الأصلح للمولى عليه.
- لا يقدم في أي ولاية إلا أقوم الناس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها.
- حفظ البعض أولى من تضييع الكل.
- حفظ الموجود أولى من تحصيل المفقود.
- تحمل أخف المفسدتين دفعا لأعظمهما.
- دفع الضرر أولى من جلب النفع.
ب- نموذج في المقاصد والوسائل:
- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
- كل ما كان أقرب إلى تحصيل المقصود من العقود كان أولى بالجواز لقربه إلى تحصيل المقصود.
- لا تقدم التتمات والتكملات على مقاصد الصلاة.
- الوسائل تسقط بسقوط المقاصد.
- كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل.
- إذا كان المطلوب محرمًا فمسؤوله حرام.
- يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع.
ج- نموذج في القواعد الأصولية
في الأحكام التكليفية:
- لا تكليف بما لا يتعلق به قدرة ولا إرادة.
- لا يجوز تأخير حق يجب على الفور لأمر محتمل.
- إذا كان المطلوب محرمًا فمسؤوله حرام.
- لا يترك الحق لأجل الباطل.
في تعليل الأحكام:
- الأصل أن تزول الأحكام بزوال عللها.
- الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلبًا لمصلحتها.
في الدلالات:
- تقدير ما ظهر من القرآن أولى في بابه من كل تقدير.
- يقدم من المحذوفات أحسنها، وأفصحها وأشدها موافقة للغرض.
- الكلام الصريح لا يفتقر إلى نية، لأنه بصراحته منصرف إلى ما دل عليه.
في سد الذرائع:
- يحتاط لدرء مفاسد الكراهة والتحريم، كما يحتاط لجلب مصالح الندب والإيجاب، ولهذه القاعدة مستثنيات[10].
لقد ترك الإمام العز بن عبد السلام تراثًا ضخمًا في كافة العلوم الإسلامية حتى قال عنه الإمام النووي: “العز بن عبد السلام الشيخ الإمام المجمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته”[11].
لم يقتصر عطاء الشيخ العلمي على التأليف فقط وإنما عمل ايضًا لسنوات طويلة وفي مراحل مختلفة من حياته في التدريس، حيث عُيّن مدرسًا بدمشق، يُقرئ الطلاب القرآن، ويُعلمهم القراءة والكتابة. ثم نقل إلى مدرسة أعلى، يعلّم الطلاب الفقه وأصول الفقه على المذهب الشافعي، وهو المذهب السائد إذ ذاك في كل البلاد التي حكمها صلاح الدين.
ولم يكن التدريس فقط ميدانه المحبب، فقد أضاف إلى ذلك مجالًا أرحب بتوليه الخطابة في الجامع الأموي بدمشق سنة (٦٣٧ هـ). وكان العز خطيبًا بارعًا، يملك أفئدة السامعين بصوته المؤثر، وكلامه المتدفق، وإخلاصه العميق، وكان أسلوبه سلسًا يسيرًا يبتعد عن التكلف في الكلام، ويصيب بحديثه الطيب شغاف القلوب[12].
قضى العز معظم حياته في دمشق، وكان أكثر تحصيله وطلبه للعلم على علمائها، ولكن ذلك لم يُشبع نَهَمَ العز في زيادة العلم والتعلم، ولم يَخْفَ على العز أهمية الرحلة في طلب العلم التي أصبحت قاعدة مستقرة في الحضارة العربية والإسلامية، بل تعتبر منقبة ومَزّية لصاحبها، حيث شاع ذلك في الأوساط العلمية لما تحققه الرحلة في سبيل العلم من مكاسب جسيمة، ومعارف جديدة، وثقافة متنوعة.
فكان للعز ثلاث رحلات عن دمشق، اكتسب في كل منها لونًا من المعارف والخبرات، وازداد فيها علمًا وخبرة وثقافة، الأولى: رحلته إلى بغداد وكانت بهدف طلب العلم، والثانية: رحلته إلى مصر وكانت بمثابة هجرة في سبيل الله لنشر العلم، والثالثة: إلى ديار الحجاز لأداء الحج والعمرة[13].
خامسًا- العز بن عبد السلام وهجرته إلى مصر، بين نشر العلم وإحقاق الحق:
لقد هاجر العز بن عبد السلام إلى مصر بهدف مواصلة الدعوة ونشر العلم بعد أن ضاق بتحالف حكام دمشق مع الصليبيين، وعجْز العلماء عن الوقوف في وجه هذا الانحراف. وقد اشتد إنكاره على السلطان الصالح إسماعيل بسبب تسليمه بعض حصون المسلمين للفرنج والسماح لهم بشراء السلاح، فحرّم بيعهم السلاح، وامتنع عن الدعاء للسلطان على المنبر، مما أدى إلى اعتقاله وعزله.
وبعد خروجه من السجن تنقل بين القدس ونابلس، وحاول الصالح إسماعيل استمالته بإغرائه بإعادته إلى منصبه مقابل إظهار الولاء للسلطان. فقد أرسل إليه الصالح إسماعيل رسولًا عرض عليه الاعتذار للملك مقابل العودة الى مكانته السابقة، فذهب الرجل إلى العز وقال له: ليس بينك وبين أن تعود إلى منصبك وأعمالك وزيادة على ما كنت عليه، إلا أن تأتي وتُقبّل يد السلطان لا غير. فضحك العز وقال قولته المشهورة: “يا مسكين، والله ما أرضى أن يُقبّلَ الملك الصالح إسماعيل يدي فضلًا عن أن أُقبّلَ يده، يا قومُ أنا في واد، وأنتم في واد آخر، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به”. فما كان من الملك إلا أن أمر بحبسه حتى جاءت الجيوش المصرية المنتصرة فحررته.
وبعد انتصار القوات المصرية قدِم العز إلى مصر، حيث استقبله السلطان الصالح نجم الدين أيوب، وولاه الخطابة والقضاء والإشراف على عمارة المساجد، ثم التدريس في المدرسة الصالحية. ومع ذلك، لم يتردد في الاستقالة من مناصبه عندما رأى أن أداءها لا يحقق مقاصد الشرع، مما يعكس استقلاليته وحرصه على أن تكون الولاية وسيلة لإقامة الحق لا غاية في ذاتها.
وتُبرز هذه المرحلة شخصية العز بن عبد السلام بوصفه عالمًا مصلحًا قدّم المبادئ على المناصب، وجعل هجرته إلى مصر استمرارًا لرسالته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة العدل، لا فرارًا من المواجهة أو طلبًا للجاه[14].
لقد قدم العز بن عبد السلام نموذج “العالم المجاهد”، الذي ينطبق عليه قول الله تعالى: “الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله”، فقد اشتهر العز بمواقفه العظيمة في إحقاق الحق وإنكار المنكر، وفي هذا يسجل التاريخ مواقف رائعة لهذا العالم الجليل العظيم، نذكر بعض منها:
– دوره في معركة المنصورة: عندما جاء العز إلى مصر مستاءً من خيانة حاكم دمشق، راح يدعو إلى الجهاد ضد الصليبيين وضد التتار. وتعرضت مصر آنذاك إلى حملة صليبية جديدة سنة 647هـ، 1249م يقودها لويس التاسع ملك فرنسا، فاستولوا على دمياط ثم اتجهوا إلى القاهرة حتى وصلوا إلى المنصورة، حيث دارت معارك هُزم فيها الإفرنج وأُسِرَ لويس التاسع وكبار قواده، وحُبسوا في دار ابن لقمان. وقد شارك العز بنفسه في هذه المعركة.
– دوره في معركة عين جالوت: عندما سقطت بغداد عاصمة الدولة الإسلامية بأيدي التتار سنة 656هـ، نتيجة ضعف الخليفة وتآمر الوزير ابن العلقمي، وانبعثت جيوش هولاكو على ديار الإسلام، ولم يبق من ديار الإسلام إلا مصر، وكان من قدَر الله تواجد الشيخ في مصر في هذه الأثناء، فراح يُذْكي روح الإيمان والجهاد في شعب مصر، ويذكّر الولاة بواجبهم تجاه ربهم ودينهم، وتجاه حرمة الأرض المسلمة.
وفي أثناء ذلك وصل السيل التتري الجارف إلى عين جالوت قرب بيسان، وصار الأمر بحاجة إلى معركة فاصلة. وعندئذ تولى الحكم البطل القوي المتمرس بالحروب قطز، الذي سُمي بالملك المظفّر. وجمع قطز القضاة والفقهاء والأعيان لمشاورتهم فيما يلزم لمواجهة التتار، وأن بيت المال بحاجة إلى أموال ليتمكن من الجهاد، ووافقه جُلّ الحاضرين على جباية الضرائب لهذا الأمر، ولم يذْكروا ما عند الأمراء من أموال. وعندئذ تكلم العز فقال: “إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وبشرط أن يؤخذ كل ما لدى السلطان والأمراء من أموال وذهب وجواهر وحُليّ، ويقتصر الجند على سلاحهم ومركوبهم، ويتساووا والعامة”.
وكانت الكلمة كلمةَ العز، وراح يعبّئ النفوس، ويشحنها بالإيمان، ويحرّض المؤمنين على القتال. وخرج الجيش من مصر على أكمل استعداد، وبلغوا بيسان في الوسط الشرقي من فلسطين في رمضان 658 هـ، واستمرّ العز يُذكي روح العزيمة، ويذكّر بنصر الله، وعظيم فضل الجهاد والمجاهدين، ومكانة الشهيد عند الله. وكانت المعركة الهائلة التي حارب فيها جيش الإسلام تحت صيحات: “الله أكبر وواإسلاماه” فتحقق نصر الله لجيش المسلمين وهُزم جيش التتار في عين جالوت[15].
وقد كان سلطان العلماء العز بن عبد السلام يتمتع بالعديد من السمات الشخصية التي يرنو إليها كل إنسان صالح ومنها: الشجاعة، والزهد (فقد كان – رحمه الله- أغنى الناس رغم فقره، إذ لم يكن يتطلع إلى ما في أيديهم، بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، عطاء الواثق بربه. كان زاهدًا في متاع الدنيا رغم أن كان ملء سمعها وبصرها، يعمل فيها للآخرة رغم أنها جاءت تسعى راغمة). وحبه للصدقة (فقد كان يعطي رغم فقره ولا يرد سائلًا سأله رغم حاجته). وتواضعه (كان العز متواضع النفس مع ربه، ومع الناس، ومع نفسه، ولا يتكلف لشيء في حياته، ومعيشته، ولباسه وسلوكه).
سادسًا- العز بن عبد السلام والدور التجديدي:
ليس المراد بالدور التجديدي هنا تغيير حقائق الدين الثابتة القطعية لتلائم أوضاع الناس وأهواءهم، ولكنه تصحيح للمفاهيم المترسبة في أذهان الناس عن الدين، وتعديل لأوضاعهم وسلوكهم وفقًا لتعاليمه، وإرجاعه غضًا طريًا بعد أن تراكمت عليه البدع والانحرافات. وكل هذا ينطبق على الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فقد أمات البدع، وأحيا السنن، ومارس دور العالم المجاهد في قيادة الأمة، فالتف الناس حوله، واتخذوه إمامًا بدون منازع، وهو جدير بذلك، فقد كان يدافع عن مصالح الأمة بيده ولسانه، وبقلمه ويحفظ حقوقها، ويدرأ عنها كل المفاسد.
وفي هذا السياق كان العز يدعو العلماء والفقهاء إلى الاجتهاد والرجوع إلى القرآن والسنة ومصادر التشريع، وينعي عليهم التقليد الذي لا يُقبل إلا من العامي.
وقد أنكر على المقلدين في عصره، وأنهم وصلوا إلى التعصب المذهبي الأعمى، والتقليد الباطل في الأخذ برأي المذهب مع التأكد من ضعف دليله. ويبدأ كلامه بوضع قاعدة: “فيمن تجب طاعته، ومن تجوز طاعته، ومن لا تجوز طاعته”. ويبدأ الشرح فيقول: «لا طاعة لأحد المخلوقين إلا لمن أذن الله في طاعته، كالرسل، والعلماء، والأئمة، والقضاة، والولاة، والآباء، والأمهات، والسادات، والأزواج…، ولا طاعة لأحد في معصية الله عزّ وجلّ لما فيها من المفسدة الموبقة في الدارين أو في أحدهما”. ثم يقول: “وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي، … وليس بعض العباد بأن يكون مطاعًا بأولى من البعض…، وكذلك لا حكم إلا له، فأحكامه مستفادة من الكتاب، والسنة، والإجماع، والأقيسة الصحيحة، والاستدلالات المعتبرة، فليس لأحد أن يستحسن… ولا أن يقلد أحدًا لم يؤمر بتقليده.. ويستثنى من ذلك العامة، فإن وظيفتهم التقليد، لعجزهم عن التوصل إلى معرفة الأحكام بالاجتهاد، بخلاف المجتهد، فإنه قادر على النظر المؤدي إلى الحكم” وصرح بجواز تقليد كل واحد من الأئمة الأربعة، ولا يتعين تقليد واحد بعينه في كل المسائل، ويجوز تقليد أحدهم في مسألة، وآخر في غيره.[16]
سابعًا- وفاته:
بعد عمر مديد ناهز الثالثة والثمانين عامًا في الجهاد في سبيل الله ونصرة الإسلام ونشر دعوته، توفي العز بن عبد السلام في العاشر من جمادى الأولى 660 هجرية ودُفن في مصر، وصلى عليه الظاهر بيبرس وصُلي عليه صلاة الغائب في دمشق. وكانت جنازته مهيبة حضرها العامة والخاصة.[17]
الخاتمة:
لقد أثبت العز بن عبد السلام بمؤلفاته أنه عالمًا مجددًا بحق، لا في الميدان السياسي والعملي فحسب، بل وفي التأسيس النظري لعلوم الشريعة المختلفة. فيمكن القول إنه من “مجددي الدين” ومن أئمة الجمع بين العلم والعمل. فهو لم يكن مجرد عالم حبيس الكتب، ولا مجرد مصلح بلا تأصيل علمي، بل كان النموذج الكامل للعالِم الرباني الذي تتوافر فيه أدوات الاجتهاد ومواقف البطولة.
فلقبه “سلطان العلماء” لم يأتِ من فراغ، فهو يُصنَّف بأنه من الأئمة الذين بلغوا رتبة الاجتهاد المطلق ولم يبقوا أسرى للمذهب (وإن نشأ شافعيًا). فهو المرجع الأعلى في زمانه للفتوى والعمود الذي تدور عليه رحى الشريعة علمًا وفكرًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مدير مركز خُطوة للتوثيق والدراسات، وسكرتير تحرير مجلة المسلم المعاصر.
[1] محمد الزحيلي، العز بن عبد السلام سلطان العلماء وبائع الملوك، (دمشق: دار القلم)، 1992.
[2] المرجع السابق.
[3] المرجع السابق.
[4] على الصلابي، دور علماء الأمة أيام المِحن (الإمام العزُّ بن عبد السلام)، الصلابي، 18 نوفمبر 2023، متاح على الرابط التالي:
[5] العز بن عبد السلام سلطان العلماء، اسلام ويب، 13 نوفمبر 2024، متاح على الرابط التالي:
[6] المرجع السابق.
[7] محمد الزحيلي، العز بن عبد السلام سلطان العلماء وبائع الملوك، مرجع سابق.
[8] محمد الزحيلي، العز بن عبد السلام سلطان العلماء وبائع الملوك، مرجع سابق.
[9] علي محمد الصلابي، سلطان العلماء وبائع الأمراء الشيخ عزالدين بن عبد السلام، مرجع سابق.
[10] علي محمد الصلابي، سلطان العلماء وبائع الأمراء الشيخ عزالدين بن عبد السلام مرجع سابق.
[11] على الصلابي، دور علماء الأمة أيام المِحن (الإمام العزُّ بن عبد السلام)، مرجع سابق.
[12] أنوار الجرف، العز بن عبد السلام، ملتقى المذاهب الفقهية والدراسات العلمية، مرجع سابق.
[13] محمد الزحيلي، العز بن عبد السلام سلطان العلماء وبائع الملوك، مرجع سابق.
[14] المرجع السابق.
[15] محمد عادل فارس، العزّ بن عبد السّلام زاهدًا وفقيهًا ومفسرًا، إسلام أونلاين، متاح على الرابط التالي:
[16] محمد الزحيلي، العز بن عبد السلام سلطان العلماء وبائع الملوك، مرجع سابق.
[17] علي محمد الصلابي، سلطان العلماء وبائع الأمراء الشيخ عز الدين بن عبد السلام، مرجع سابق.
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies