أخبار عاجلة

النداء في القرآن الكريم: خطاب للأخر المختلف

النداء في القرآن الكريم

خطاب للأخر المختلف*

أ. د. هبة مشهور**

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي

القرآن الكريم، سورة الفجر 89 (27-30)

“لا وجود لخطاب أو لنداءٍ إلى الآخر من غير إمكانِ وعدٍ أو وعدٍ أوّليّ”.

دريدا، الإيمان والمعرفة

من خلال الحوار بين هذين النصَّين الاستهلاليَّين نسمع نداءًا إلهيًا يدعو كلَّ نفسٍ حاضرة، مخلوقة، ومتلقّية للرسالة. هذه النفس “المطمئنة” تعيش سلامًا وتوافقًا مع ذاتها ومع الخلق. متجاوزًا مجرّد اتخاذ موقفٍ تجاه الإيمان أو الاعتقاد، تجاه الانقياد أو التمرد، فإن الخطاب يعِد، ويدعو، ويستقبل. إنّه يقترح إمكاناتٍ للرجوع، وللوصول إلى الله. والحوار، بما هو وضعُ كلامٍ متبادَل بين جهتين، يؤسّس في النصّ القرآني وعدًا بالتلقّي والتبادل بين هاتين الجهتين، ويقيم عتبةً للاتفاق/الاختلاف، وأفقًا لعلاقاتٍ شتّى كما سنرى في هذه الدراسة.

إذا كانت هاتان الافتتاحيتان تفتحان إشكالية الحوار، فنحن نرى أنّ الوقت قد حان للحديث عن النصّ القرآني انطلاقًا من الآفاق الجديدة في القراءة، وللنظر إليه بوصفه نصًّا كاملًا قائمًا بذاته داخل حقل الأبحاث الأدبية المعاصرة. ولأجل معرفة هذا النص وفهمه على نحو أفضل، نقترح أن نقرأه في ضوءٍ جديد، لا عقدي فحسب، بل سيميولوجيّ أيضًا، لنشقَّ فيه مسالكَ للقراءة والفهم. في هذه الحال ينبغي أن نعتبر القرآن كتابًا يحمل نصًّا مستقلًّا، له فاعلُ متكلم وله قرّاءُ مقصودون ضمن سيرورةٍ من التلقي. إنّه كتاب- منزل، مُتناقل منذ خمسة عشر قرنًا، ونصّ ثابت لم يتغيّر، حاضرٌ حضورًا لا يمكن تجاوزُه طوال هذه المدّة، متميز بتفرده الذي يثير الجدل لدى بعض الأوساط الفكرية. إنّه نصٌّ مُحكَم البناء، حاملٌ لدلالة، ومُتيح لتراكم القراءات والاستراتيجيات التأويلية.

  • عن الحوار والنداء

القرآن، بحُكم تعريفه، خطابٌ واسع، غزيرٌ وممتدّ. الله – عز وجل- يخاطب آخر أنبيائه ليُنزِل عليه رسالةً يبلّغها إلى العالم. والنبيّ صلى الله عليه وسلم يرفع إليه شكوكه، وهواجسه، وتساؤلات أوّل المتلقّين، فيجيبه الله جل في علاه، وينزل رسالةً مركّبة، مُحكَمة، تستدعي قراءةً وفهمًا. من هنا يكون الحوار في هذا النص إحدى الصيغ الكبرى للخطاب.

في النصّ القرآنيّ، المتكلم – وهو الأحد الآمر بالكتابة بالقلم – “يتكلّم” مع النبيّ المبلِّغ، كما يتكلّم أيضًا مع أنبياء آخرين (خمسةٌ وعشرون نبيًّا مذكورون في النص)، بل مع جميع البشر، المؤمنين منهم وغير المؤمنين، ومع الضالّين، ومع السماوات والجبال… إلخ. إنّه يدرج الكونَ في رسالته ويجعل منه طرفًا أساسيًّا، ديناميًّكيا وفاعلًا، ضمن المخطَّط الاتصالي الذي يمثّله هذا النصّ. وداخل هذا النمط الخاصّ من الخطاب نستطيع أن نقرأ أشكالا متنوعة من الرواية والقصص، كما نقرأ كذلك حواراتٍ مباشرة، أو إخبار عن حوارات بأسلوبٍ حر غير مباشر، كما نصغي للنداء والأوامرَ والنواهي الربانية. نحن إذن أمام تنوّعٍ في الخطاب تتناوب فيه أشكالٌ من الذاتيّة والشفهيّة في أداء كلامٍ يتوزّع على مستويين: الشفويّ والمكتوب.

من حيث المبدأ، كلّ نص، بمشروعه التلفّظي، يستبطن ويستدعي ويُحتّم حوارًا مع متلقّيه. إن اتخاذ صفة فاعل التلفظ يستوجب، في اللحظة نفسها وبالحركة ذاتها، أن ينصِّب الآخرَ في موقع المتلقّي، المخاطَب، القارئ. إنّ فعل التلفّظ هو فعلُ استيلاءٍ على لغة، وتكييف هذه اللغة في سبيل إنتاج الكلام، وهو في تناولنا هذا، الكتابة. والكتابة، في آليتها وبطبيعتها، تُنشئ التزامًا بين طرفَي العلاقة: الكاتب-المتلفّظ/ القارئ-المخاطَب، أي بين أطراف عمليّة التلفّظ، كما تُنشئ التزامًا بالخطاب والحوار. ففي كلّ نداء موجَّهٍ إلى الآخر – أيًّا يكن هذا الآخر وبمجرّد اختياره ضمن فعل العطاء – توجد إمكانيةٌ كامنة للتبادل، سواء أكان هذا التبادل على صورة قبولٍ ووفاق أو رفضٍ ولا مبالاة. كلّ نص إذن يستدعي، ضمن فضائه وزمانه، هذا الآخر الذي يتلقّاه ويأخذه ويجعله موجودًا في سيرورة النقل والتداول.

وضعُ النصّ الديني، من هذا المنظور، يُشبه غيره من النصوص ويختلف عنها في آنٍ واحد؛ فهو من جهةٍ يستدعي ويخاطب، ومن جهةٍ أخرى يبدو كأنّه يطالب بالإيمان والقبول. وهنا تكمن كلّ إشكاليّة التأويل (الهِرمنيوطيقا) المتعلّقة بالنصّ الديني: قراءةٌ متخصّصة لنصٍّ له وضعٌ حواريّ فريد. وهذا ما يشير إليه ياوس  (Jauss)من خلال وجود “مطالبةٍ” في النصّ الديني؛ نصٌّ محاور، لكنّه في الوقت نفسه مُلزِمٌ، ويفرض بمقتضى عقد الإيمان ذاته، الانضواء إليه، والذي يُفترض عادةً أنّه ملازم له:

“إنّ اقتضاء أن تعبر الهيرمينوطيقا (التأويل الأدبي) عن “مطالبات النص” يبدو، للوهلة الأولى، مطلبًا مغالىً فيه. لقد أدى استعمال هذه الاستعارةُ – استعارة المطالبة – إلى الاتجاه إلى “تأويل” كلام الله” تأويلا إيمانيا خالصا، تُعتبر فيه مطالبةُ النصّ بالتصديق به وقبوله، هي طابعه الديني بوصفه نداءً أو مخاطبةً، يفترض تلقيه الإيمان به سلفًا لدى السامع.» (ياوس Jauss، ص 57)

إنّ التلقّي الإيجابي بمعنى الاعتناق، والذي يستبعد كلَّ رفضٍ أو تعدي– يبدو أحد المعطيات التي لا يمكن تجاوُزها في هذا العقد، وهو أصلُ التصوّر التقليدي للنصّ الديني، كما يشير ياوس في حديثه عن الكتاب المقدّس. وفقًا للقراءة التقليدية، فإنّ فعل النداء أو المخاطبة في هذا النصّ، لا يتوجه بالخطاب إلّا إلى أولئك الذين سيجيبون بـ “نعم”، أي الذين يأخذونه بلا تعليق، بلا حوارٍ في الواقع، ولا يعنيه أولئك الذين قد يتلقونه بالمعارضة أو النقض، مستبعدا بذلك كل متلقٍّ يوجد خارج فضاء الإيمان.

لكن لو أنّ نصًّا دينيًّا آخر، يعمل وفق منظور مختلف، وهو يضمِّن في عطائه وفي عملية التلفّظ خاصته احتمالَ تلقٍّ معارضٍ له، مخالفٍ له في عناصره، فماذا يقال عن “المطالبة” المتضمنة فيه عندئذٍ ؟ ماذا يطالب به مثلُ هذا النصّ، ما دام لا يفترض مسبقا وحصريا في مشروعه ومعطياته “إيمانَ السامع”؟

يبدو النصّ القرآني، في مشروع خطابه، كأنّه يمثّل قطيعةً مع التقليد أو العرف التلفّظيّ والتاريخيّ لنصوص الرسالات السماوية. إنّه يوسّع أفق التلقّي إلى ما وراء الدائرة القريبة من رسالته، نحو دوائر أكثر تنوّعًا، تقترب حتى من دائرة الاعتراض أو الرفض.

القرآن، وهو النصَّ المؤسِّس للإسلام، يقدّم دينًا له عقائده وشعائره وثوابته الخاصة، لكنّه أيضًا – وقبل كل شيء– نصٌّ يتضمّن الكونَ بأسره، ويجعله قابلًا للفهم، هذا الكون في تنوّعه المدهش وحركيّته الدائمة التي لا حد لها. وينقل النص هذا التنوع، بل ويمنحه تلك الحركة، ويُدرجهما في إنتاج فعله التلفّظي. وهكذا يتجاوز في خطابه وعطائه حدود أتباعه والمؤمنين به ليدعو ويحاور مخاطَبين مختلفين باختلاف الخلق في هذا الكون.

هنا يمكن أن نتحدّث عن حوارٍ حقيقي، لأنّ هناك اختلافًا وحركةً بين أطراف النصّ وممثّليه. لكن قبل ذلك كلّه، هناك كلامٌ يتحرّك بين أقطابٍ متباينة في انتمائها، وفي المسافة الفاصلة بينها داخل فضاء وزمن التبادل. إنّ الاختلاف والتباعد بين المتكلّم والمخاطَب هما الشرطان المسبقـان لأيّ تبادلٍ يندرج تحت مسمى الحوار. وفي النصّ القرآني يبدو جليا أنّ المتكلّم – الله عز وجل (فاعل التلفّظ) ينشئ علاقةً واتصالًا مع طيفٍ واسع من المخاطَبين، سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين كما سنرى لاحقًا. هؤلاء المخاطَبون /المتلقّون يستقبلون نصًّا يخاطبهم، يفهمهم، ويدعوهم إلى أن يجيبوا/ أو يستجيبوا. إنّه نصٌّ يعيد إنتاج أقوالهم بكلّ تنوّعها: قبول، رفض، أو مخالفة، ولكنّه في الوقت نفسه يُلزمهم بالرد: ليقولوا أو يتكلموا، ولو كان على شكل صمتٍ رافض. إنّهم مدعوّون ليأخذوا مكانهم في موضع المتلقّي، أن يكونوا فاعلين، أن يكون لهم وجود. ان كلُّ حوارٍ يتحرّك ضمن مسار خطابٍ ذي دلالة، ومن خلال هذه الدلالة المحدّدة والفريدة يكتسب وضعًا خاصًّا وواضحًا. لكنّ هذا الوضع، في جوهره، مفارق ومتناقض، لأنّه، مثل أيّ خطاب، تواصلٌ في إطار الاختلاف. وبما أنّه مكتوب، فإنّه تخييليّ، لا يخرج عن إطار تحكم (فاعل التلفّظ)، كما يوضّح لويس ماران Louis Marin

“يمسك زمام الخطاب” بين اثنين، هل يمكن ذلك بالفعل؟ (لفظ أمسك tenir هو المقصود من اللفظ الفرنسي)، حين يكون لفظ “أمسك” نفسه يثير التساؤلَ حول كلّ أشكال السيطرة والضبط والمراقبة والتملّك والضمان التي توحي بها؟ (…)» (ماران Marin، ص 12)

هذه “الاستحالة” التي يشير إليها ماران هي تحديدًا الرهان الذي يخوضه نصٌّ “يمسك بجوانب الخطاب”، يُشرك الآخر في هذا الخطاب ويمنحه إمكانية أن يكون أو لا يكون مخاطَبًا بهذه الرسالة، أي أن يختار موضع حضوره. وفي الوقت نفسه يبقى مانحُ الخطاب هو المتحكّم بالعطاء، جامعًا بين الحرّية والامتلاك، ناشرًا في آنٍ واحد الحضورَ الإلهيَّ المتجاوز والحضورَ البشريَّ الكامن، وهي حقائقُ ملازمةٌ للعطاء الإلهي.

من خلال هذه المعطيات المنسجمة والمتناقضة في آن، تصبح إشكاليّة الحوار في النصّ القرآني – كما أشرنا في بداية هذا الكلام– ذاتَ دلالةٍ خاصّة وفريدة. فهذا النصّ الذي يمثل مصدر دينٍ وحضارةٍ عالميَّين، يفرض نفسه مرجعًا فريدًا ومطلقًا. فهو يقدّم الدِّين الإسلامي، لكنّه يعرض في الوقت نفسه تسلسلَ الأديان اليهودية والمسيحية. ويقدّم سردَ قصص الأنبياء والرُّسل منذ آدم عليه السلام، حتى آخر حاملٍ للرسالة، محمد – صلى الله عليه وسلم-. إنّه كتابُ عبادة، وفيه حديث عن غيبيات اليوم الآخر، كما هو كتابُ تشريع، وكتابُ تلاوةٍ وقراءة، كتابٌ مقدّس، يعرض نصًّا مُحكَم البناء، يقود نحو مسارات للقراءة والمعاني المتعدّدة.

وكشأن كل النصوص، يقدم النص القرآني، من خلال مقاطع ومشاهد مختلفة، حواراتٍ وأحاديث بين طيفٍ واسع من الفاعلين: فالله عز وجل، يوجه الخطاب إلى المؤمنين وغير المؤمنين، إلى الملائكة وإبليس، إلى أنبيائه ورسله. وهذه الحوارات كثيرًا ما تكون خطاباتٍ ذاتَ اتجاهٍ واحد، لكنها في أحيانٍ أخرى حواراتٌ تُعرَض فيها ردودُ المخاطَبين، كما هو الحال مع عيسى وموسى عليهما السلام، وغيرهما من الرسل. إنّه يخاطبهم، يناديهم، يحذّرهم، يُعلِمهم… إلخ.

وعلى مستوىً خطابيّ آخر، نقرأ في النصّ نفسه قصصًا تتضمّن أحداثًا متعاقبةً، وحواراتٍ بين شخصيّاتٍ مختلفة، بين الأنبياء وأتباعهم أو خصومهم. نجد في القرآن أشكالًا شتّى من الحوار بين شخصيات الحكاية، أو بين الله عز وجل، ومخلوقاته من البشر أو غيرهم (الملائكة، النحل، النمل، الجبال، الرياح… إلخ)، (كما قد يكون الحوار بين شخصيات القصص مع غيرها من الكائنات). بعض هذه المقاطع قد نجده في نصوصٍ دينيّة أخرى، كالكتاب المقدّس أو الأناجيل، لكن حضورها في القرآن الكريم مختلف، لأنّها تخضع لنصّيّةٍ متجانسة، وتنتظم ضمن بنياتٍ وشبكاتٍ خاصّة بهذا النص، تسير في مسارٍ دلاليّ خاص ومميّز.

ولذلك، ينبغي أن تُقرأ قصص الأنبياء أو الأمم والحضارات المرويّة في القرآن ضمن سياقها وفي إطار أسلوب الكتابة الذي يُنشئ واقعَها النصّي ويتيح ترديدها وحفظها عبر القراءة. وكشأن كل تمثيلٍ لغوي، نصل إلى واقعٍ مُدرَك ومُنقول:

” في الحقيقة، كلّ حوارٍ مكتوب هو تصور لحوارٍ شفوي، حتى حين يكون هذا الحوار قد جرى “فعليًّا”، وتمّ تسجيلُه بين صوتٍ وأُذن (ثنائية) ، ثم نُقل من السماع إلى القراءة: تصور بالمعنى الأصلي للكلمة، تشكيـلٌ وصياغة، موضوعٌ لغويّ مثل القصيدة، ولكن تحكمه قواعد أخرى، فهو منغلقٌ على نفسه، يحبس في ثناياه زمنَ كتابته / قراءته من خلال العلامات التي يتكوّن منها؛ وبذلك تُعاود تلاوته ويكون قابلًا للتكرار إلى ما لا نهاية. موضوع لغوي مهيأ على الدوام لبعث خطابٍ كان يومًا ما بين صوت وأذن. إنّ كتابة المقابلة أو الحوار “تصوغ” هذا التصور؛ وتعمل نفس تأثير “الواقع” الزائل الذي كان في ذلك اليوم بين الصوتٍ والأُذن (ثنائي الحوار).» (لويس ماران Louis Marin، ص 14–15)

هذه الانغلاق الذي يحيط التصور “المُعاد صياغته” من قبل فاعلِ التلفّظ، يُستثمَر في النصّ القرآني بشكل خاص بهدف إنشاء اتصال مع المتلقّين، كلمات تدب فيها الحيوية بأساليب الاستدعاءعن طريق القراءة والتلاوة. وعندئذٍ تخضَعُ الدلالةُ الرمزيّة للعلامات لقوانين هذا النصّ الكامنة فيه ولمنطقه الخاص.

في الواقع، يخاطب الله عز وجل، نبيَّه باستمرار، كما يخاطب مختلف الشخصيات الحاضرة في النصّ. وهذا الخطاب لا يأتي بصيغةٍ واحدة؛ فهناك خطابات مباشرة للإخبار عن موضوعاتٍ عديدة، خلافية أو مألوفة. وهناك أوامرُ ونواهٍ وتوجيهاتٌ متعلّقة بالعبادات، وهناك كذلك تعليقاتٌ وتساؤلاتٌ يطرحها معاصرو النبيّ صلى الله عله وسلم، فتتنزل الأجوبة عنها. ولكنّ ما يهمنا من خلال قراءتنا هذه، هو شكل مخصوص من الخطاب القرآني: إنّه الخطابُ الذي يستدعي الآخر، ويفترض مسافة – ولو رمزية– بين المخاطِب والمخاطَب ليُقلِّصها. هذا الخطاب يُحدِث في النصّ أثرَ الإصغاء اللحظيّ بين الطرفين، فيُجسِّد الصوتَ وكلَّ إيحاءاته. إنّ هذه الآليّة في تجاوز التوتّر أو الخلاف بين الطرفين، من خلال خطابٍ مباشرٍ في “صوت” النصّ، تؤسّس خصوصيّةً مميَّزة للقرآن.

والعلامةُ اللغويّة المميزة لهذا الكلام الحيّ هي البدء بأداة النداء «يا أيها» (سواء لجمع أو لمفرد) في افتتاح الخطاب. نقرأ في بعض المواضع حذفَ أحدِ جزأَيْها فيكون النداء بـ (يا) فقط. هذه العلاماتُ اللغويّة الواقعة في بداية عددٍ معيّن من الآيات تعيد داخل النصّ لحظة الصوت التي بوصفه حدثُ استدعاءٍ واستحضار لشخصيات من قِبَل شخصيات أخرى. إنّ أداة النداء «يا» التي يحقّق بها المتكلِّمُ خطابًا مباشرًا تتيح ازدهار إحدى الوظائف الأساسية في النص وهي وظيفة جذب الانتباه أو تفعيل التواصل، أي إقامةُ قناة اتصال. إنّها فرجة في الصرح المغلق للكتابة، حيث تقوم وظيفة التواصل في كلّ نصّ بإبراز الكلام الحيّ الفعّال في إطار محدد. وفي آيات القرآن الكريم ترفع هذه الوظيفةُ البُعدَ الشفهيَّ إلى المرتبة الأولى، داخل هذا النص الذي يحمل هدفا مزدوجا: شفهيّة تحملها الكتابة.

.1- الخطاب في ذاته

كثيرًا ما نقرأ في القرآن الكريم نداءاتٍ ودعوات صادرة من المشافهة التي تخاطب القريب والبعيد، وتوجّه كلامًا يُعيِّن مخاطَبًا أو مخاطَبين تعيينًا خاصًّا، فيميّزهم من سائر الخلق، ويُنتج عبر الصوت رسالةً مخصوصةً واتصالًا مباشرًا، لحظيًّا وشخصيًّا. هذا البعدُ من تخصيص التلقّي عن طريق الكلام، الأقربُ إلى الشفهيّة منه إلى الكتابة، يعيد في النصّ تأكيدَ إحكام التلفّظ والسعيِ إلى الاتصال، لأنّ:

“أكثر من أيّ شكلٍ آخر من أشكال الاتّصال، تُظهِرُ الكلمةُ، عند الأفراد الذين تُواجِههم حقيقتَهم بوصفهم ذواتًا: “مكانهم” (…) الناتج في آنٍ واحد عن محدّدات النظام الذي تنتمي إليه، وعن التزامٍ حرّ.

كلّ تواصلٍ شفهي، وهو عملُ صوتي، كلامٌ صادر عمّن يمتلك أو يولي نفسه حقّ التكلم، هو فعلُ سلطةٍ: فعل فريد، لا يمكن أن يتكرّر بصورةٍ مطابقة. هذا الاتصال يسمي الأشياء، فهو يسمي الأحداث أو الأفعال وقت وقوعها وفي أثناء الكلام. ويرتبط ظهورُ المعنى بتأثير لعبة القوى ومردودها في استعدادات المخاطَب» (زومتور Zumthor، ص 31–32).

وهكذا فإن مناداةُ الآخر، وتخطّي المسافات المكانيّة والزمانيّة لاستدعائه وإدراجه في النصّ، وتحديدُ المكان الخاصّ بكلّ طرف، يمنح لهذا النصّ أبعادًا وإمكاناتٍ للانخراط والاستيعاب. هذه الفاعليّةُ اللغويّة تُنتج في النصّ ذاتيّة العناصر الإشارية بالنسبة لشخصياتٍ وكيانات معيّنة. ومن هنا يتيح “الانفتاح” على النداء أوّلًا إمكانَ التكرار وإعادةَ الصياغة، متجاوزةً الزمان والمكان، ومتخطّيةً الشروط الماديّة الأولى لأيّ كتاب (وفي حالتنا هذه، أوائلَ سنوات الهجرة، والصحراء، بالنسبة للقرآن).

كذلك يؤسِّس النداء ويُبرز علاقةَ التراتبيّة بين المتكلّم والمخاطب. ويستدعى النصّ، إلى ما لا نهاية، من خلال بقائه وقراءته، جميع الخلق، المؤمنين والكافرين، وكذلك النبيّ المبلِّغ. وهذه النداءات تطلب جوابًا من هؤلاء المخاطَبين الذين يستقبلون ويقرؤون ويرفضون ويقبلون ويناقشون ويفهمون عبر القراءة.

وأخيرًا، إنّ النداء يُوجِد هذا الآخر الذي يستدعيه؛ أوّلًا بجعله موجودًا داخل اللغة، من خلال مناداته باسمه:

“لا أستعمل “أنا” إلّا وأنا أتوجّه إلى شخصٍ ما، وهو الذي سيكون في خطابي هذا “أنت”. هذه الشرطيةُ الحواريّة هي التي تشكِّل الشخصية، لأنّها تفترض بالمقابل أنّي أصير “أنت” في خطاب من يُسمِّي نفسه بدوره “أنا”. (…) اللغة لا تكون ممكنة إلّا لأنّ كلَّ متكلّمٍ يضع نفسه بوصفه “فاعل” وهو يُحيل في كلامه إلى نفسه بضمير “أنا”. (…) هذه القطبيّة لا تعني مساواةً ولا تناظرًا: فالـ “أنا” يظلّ دائمًا في موضعِ أعلى بالنسبة إلى “أنت”» (بنفينيست Benveniste، ص 260)

هذا الآخر المُنادى بكل خصوصيّته، بحضوره الحيّ الفعّال في العالم، بإصغائه ورغباته، يبرز في النصّ تمييزًا له عن باقي المخاطَبين. إنّه يظهر مع كلّ قراءة من كتلة المخاطَبين، ويتحدّد من خلال التسمية في النداء ومن خلال رغبة المتكلّم في استدعائه. وهكذا يحوز لنفسه موضعًا للتلقّي والتميّز، فريدًا ومختلفًا داخل النصّ.

وفي النهاية، يمنح النداء للنصّ بُعدًا جدليًّا وفعّالًا؛ فـ “أنا” إذ يُوجِد “أنت” في مواجهته، يفتح أمام هؤلاء المخاطَبين المتعدّدين إمكانَ الدخول إلى الذاتيّة، إلى وجودٍ خاصّ، على الرغم من الفروق التي تميّز بعضهم عن بعض. إنّه يُدخِلهم في علاقة، وجدليّة، وتبادل:

“في واقعٍ جدليّ يضمّ الحدَّيْن ويعرِّفهما بواسطة علاقةٍ متبادلة، نكتشف الأساسَ اللغويَّ للذاتيّة» (المصدر نفسه)

إنّ الله عز وجل، بوصفه الذات المطلقة، يُوجِد – بوصفهم أشخاصا حقيقيّةً وممكنة – المؤمنون به، كما يوجد خصومه. إنّه، وهو يستدعيهم في كلامه، ومن خلال فعلِه التلفّظيّ الآمِر، يؤسِّس لهم وجودًا في الواقع: واقعِه النص، وواقعِ الكون كلّه في تنوّعه.

إذًا، من خلال الصيغة التلفّظية الآمرة الخاصّة، تنشأ علاقةُ لغةٍ وخطابٍ واحدة للجميع، للمؤمنين وغير المؤمنين على السواء؛ علاقةٌ ليست إقصائيّةً ولا تمييزيّة. علاقةٌ فريدة «من فريدٍ إلى فريد» (ليفيناس Lévinas، ص 257) تستدعي ذواتا حرّة، راغبة أو رافضة، قابلةٍ أو عاصية:

“يقصد بعبارة “ألفاظ المخاطبة” مجموعَ التعابير التي يمتلكها المتكلّم لتعيين مخاطَبه (أو مخاطَبيه). هذه التعابير تكون لها عادة، إلى جانب قيمتها الإشارية (الإحالة إلى “الشخص الثاني”، أي الإشارة إلى متلقّي الرسالة)، قيمةٌ علائقيّة (…).» (كيربرا-أوريشيوني Kerbrat-Orecchioni ، ص 15)

إنّ تحديد وإنشاء علاقةٍ يقتضيان أولًا تحديدَ الأطراف. والتأكيد على ذات المتكلم – المطلق– في هذا النصّ يعني إبراز منزلة المتكلم بوصفه الذات العليا سبحانه، المالك للسلطة ولإمكان الوجود والعطاء، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى حضور المتلقّين بوصفهم ذواتًا وأفرادًا مختلفين.

وعند قراءة النداءات في القرآن الكريم ينبغي أن نضع في الاعتبار أوّلًا أنّها “تفاعلاتٌ لفظية”، كما توضّح كيربرا-أوريشيوني؛ فهي جزءٌ من:

“نظام التعبير عن العلاقة بين الأشخاص، الذي ينتظم وفق ثلاثة أبعادٍ عامّة (يتفرّع عن كلٍّ منها أشكالٌ كثيرة)، هي:

  1. العلاقة “الأفقيّة”: محور المسافة؛
  2. العلاقة “العموديّة”: محور السيطرة أو نظام “المواقع”؛
  3. والعلاقة التي لن أسمّيها “عاطفية” (لأنّ الأمر يتعلّق هنا بوصف مواقف كلاميّة، لا حالاتٍ نفسيّة)، بل علاقة الصراع مقابل الوفاق (…).» (كيربرا-أوريشيوني Kerbrat-Orecchioni ، ص 35–36)

إذًا نحن بإزاء تأسيس علاقةِ قوّةٍ داخل النصّ، بل وتمثيلٌ لهذه العلاقة من خلال عملية تلفّظية خاصّة تعكس صورة من صور السيطرةً والتبعيّة، ويوضحها الأخذ بزمام الكلام على شكل نداءٍ واستدعاء، وفيها أيضا ثمة نسبيّة وإدراج في مخطَّطٍ علائقيٍّ خطابيّ وانفعاليّ.

كذلك فإنّ هذه الجمل ذات الوظيفة النَّدائيّة[1] ليست من الجمل التي “يمكن إخضاعها لامتحان الصدق والكذب”، كما يذكر ياكبسون Jakobson؛ إنّها تفرض خطابًا، وفي الوقت ذاته تفترض حضورَ وظيفة التلقّي في النصّ.

  • تنوّع صيغ النداء والخطاب

 إن النصّ القرآني يعرض تنوّع كبير في صيغ النداء والخطاب. أداة النداء: ” يا أيها” أو النداء بـ “يا” وردت في النصّ القرآني في153 موضعًا. بهذه النداءات يخاطب الله سبحانه وتعالى – بوصفه المتكلِّم في النص– نبيَّه أوّلًا، وهو أوّل متلقٍّ للرسالة الإلهية وناقلها: “يا أيها النبي”. كما يخاطب أيضًا الأنبياءَ والرسلَ الآخرين. فنقرأ نداءاتٍ وحواراتٍ مع أغلب الأنبياء الذين سبقوا محمدًا – عليه السلام-: عيسى وموسى ونوح وزكريا ويحي وإبراهيم داوود.
ويرد ذكر هؤلاء الأنبياء في قصصٍ مختلفة هي بمثابة برامج تذكيرٍ بالحقائق الإيمانية، وبالهدى لأقوامهم وجماعاتهم. وغالبًا ما يوجِّه إليهم المتكلِّم الله عز وجل، الخطابَ مباشرةً في مسألة محددةٍ بصفتهم أشخاصا مكلفون بتبليغ الرسالة ومشاركون في هداية البشر جميعا. فهم جزءٌ لا يتجزّأ من الرسالات الإلهية، ويشكّلون داخل النصّ الطرف الفاعل المساهم في تحقيق مراد الله في خلقه. ففي الآيات 51 و52 من السورة 23- المؤمنون، يتوجه الخطاب إلى الرسل كلهم، ليكلفهم بمهمة الإصلاح، موجهًا إليهم الخطاب في صيغة تجمعهم على اختلاف أقوامهم وتباعد أزمنة بعثتهم. ويفسر المفسرون هذا الخطاب متخطي الزمان، بالتزام كل الرسل بمسار مشترك للهداية لأقوامهم. فجميعهم لديه المسئولية ذاتها والهدف واحد بينهم: الاستفادة بنعم الله، وممارسة التقوى، وهي المسئولية الأخلاقية والفكرية إزاء خالقهم، وإزاء عطاياه، ورد الدين له عز وجل:

يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم ، وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ (52) (23- المؤمنون)

ويُدرج المؤمنون ضمن هذه الفئة من المُخاطَبين، ويُخاطَبون بعبارة “يا أيها المؤمنون”. هؤلاء هم أفرادٌ صالحون مؤمنون يلتزمون ببنود الرسالة الإلهية.

وفي قراءتنا لهذه النداءات، سنركز فقط على تلك التي يكون المتكلم فيها هو الله عز وجل، والتي تُوجَّه إلى المُعارضين، أو على الأقل، إلى غير المؤمنين. قد يختلف هؤلاء المخاطبون مع الرسالة القرآنية أو يتخذون موقفًا محايدًا تجاهها. سنستبعد جميع النداءات التي تُعد جزءًا من مشاهد داخل القصص السردي والتي تتضمن شخصياتٍ تتحاور ويخاطب بعضهم بعضًا. إن اختيارنا لهذه المجموعة من النصوص يمليه الاهتمام الخاص والمنصب على دراسة العلاقة النصية والحجاجية بين المتكلم (الله عز وجل) والمُخاطَبين المنشقين[2] والمُضمَّنين في نصه. تبدو هذه العلاقة جوهرية بالنسبة لنا فيما يتعلق بالنص القرآني، الذي يفترض، لأول وهلة، وكنص إلهي، حسبما أكد جاوس Jauss سابقًا، أنه لا يُخاطب إلا “المؤمنين”.

في إطار مجموعتنا المحددة أعلاه، يمكننا تمييز فئات مختلفة من المتحاورين. وتتمثل الفئة الوسيطة بين المؤمنين الثابت إيمانهم وبقية المخلوقات من الجمادات، والتي تعمل في النص القرآني كذوات حية، فاعلة ومشاركة في الفعل الذي أمر به الخالق. وهو ما يتناقض مع تعريفها ومظهرها الذي يوحي بالحياد والجمود.

وهكذا نقرأ في هذا الأمر خطاب مزدوج للأرض والسماء:

” وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ” (11- هود، 44)

وفي السورة 21، سورة الأنبياء نقرأ نداءا إلى النار بعد أن أُلقي فيها إبراهيم عليه السلام:

” قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَٰمًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ” (الأنبياء، 69)

وأخيرا يتوجه الله عز وجل للجبال بالأمر الإلهي:

” وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ” (سبأ،10)

هذه المخلوقات، المعنية في الخطاب، هي بحكم تعريفها طائعة لخالقها. فهي تُطيع أوامره طوعا، وتؤكد هذه المخاطبات المباشرة والآمرة على تسليمها لله وخضوعها له عز وجل.

وعلى النقيض، نقرأ، ضمن فئات أخرى، مخاطباتٍ موجهة إلى مخلوقاتٍ معاندة تُعارض الله وترفض الإيمان به، أو مخلوقاتٍ لا تُصنَّف ضمن الطاعة أو الخضوع، ويمكن وصفها بأنها عامة، كالبشرية جمعاء أو بني آدم. هذه النداءات، الموجهة لغير المؤمنين ومن لم يدخل الإيمان في قلوبهم، أو في حالة من الحياد وعدم القبول، يبلغ عددها 67 نداء، أي ما يُقارب نصف عدد آيات النداء الواردة في القرآن الكريم. وهي مُقسَّمة إلى ثلاث فئات رئيسية:

  1. الخطاب الكوني العام الموجَّه إلى جميع البشر (46 نداءً).
  2. الخطاب الموجَّه إلى أهل الكتاب (17 نداءً)
  3. الخطاب الموجَّه إلى المعاندين أو الرافضين (4 نداءات)
  • 1- الخطاب إلى الجميع: الكوني / العام

أوّل نداء في القرآن الكريم موجَّهٌ إلى جميع البشر:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21)

هذا النداء، الماثل في بدايات أول سورة، يتوجه إلى جميع البشر في دائرة الخطاب الإلهي. وفي هذه الفئة الأولى من النداءات، نستطيع أن نميِّز مجموعةً من النداءات موجَّهَة إلى الإنسان في المطلق، وإلى البشرية جمعاء. إنها دعوة موجهة للبشر كافة على تنوعهم واختلافهم، لكل المخلوقات، للثقلين الإنس والجنّ[3]، للإنسان بغض النطر عن اعتناقه للدين أو إيمانه. من الناحية الشكلية، تقدم هذه المجموعة تنوعًا كبيرًا وأكبر عدد من النداءات: 46 قولا. وهي عبارة عن نداءات موجهة إلى جميع البشر (20 نداء) وإلى آدم (4 نداءات) وإلى أبنائه (5 نداءات) وإلى أولئك الذين يمتلكون الذكاء والفهم (5 نداءات)، وأخيرًا 12 نداءً موجهًا إلى أشخاص مختلفة.

– ٢ – ١.١. جميع المخلوقات.

٢ – ١.٢. يا أيها الناس!

عند قراءة النداءات الموجهة إلى البشرية كافة [يا أيها الناس]، نجد إشارات لغوية ودلالية مثيرة للاهتمام. فمن بين النداءات العشرين الموجهة إلى ” الناس”، نقرأ أربع آيات منها تبدأ بـ “قل”. الخطاب هنا مصاغ في عبارة نُقلت مباشرةً بصوت النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها إشارة إلى دوره كرسول مبلغ للنص. وتتميز هذه الآيات بوجود ضمير المتكلم /أنا/ الذي يشير إلى المتكلم/المبلغ.

” قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ” (الأعراف، 158)

” قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ” (يونس، 104)

قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ” (يونس ، 108)

” قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ” (الحج، 49)

في هذه الآيات، التي تُشرك النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً في الكلام الصادر عن رب العزة، يتم التأكيد على انتماء هذا الرسول إلى البشرية كافة، وما يجري عليها من الحياة والموت، وارتباطها بخالقها، فضلًا عن تحديد دوره كرسول منذر وليس كفيل، مسؤول عن نفسه فقط.

فضلا عن ذلك، نجد في هذه المجموعة نداءات موجهة إلى البشرية من خلال ستة صيغ آمرة[4]. في الخطاب الأول الوارد في النص، نقرأ أمرًا بعبادة الرب الواحد:

” يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ” (البقرة ، 21)

أما النداء الثاني فيتعلق بالأمر بتناول المأكولات الطيبة من خير الأرض:

“يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ” (البقرة،168)

ثم يأتي النداء الثالث وهو الأطول والأشمل لكل الجنس البشري في مطلع السورة الرابعة، سورة النساء:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا، وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء: 1).

هذا المطلع يعرض نشأة الإنسان، ويُرجعها إلى نفسٍ واحدة، ثم خلق منها زوجها ومن ثم أجيال متعددة من البشر. ومن هذا الأصل المشترك تدعو الآيات فيما بعد إلى دعوةً أخلاقية مشتركة وسلوكًا إنسانيًّا مطلوبًا، تمتد لـ 11 آية تقريبا تفصيلا لسلسلة من الأوامر والنواهي. لنصل إلى الآية الثانية عشرة من هذه السلسلة لتختتم هذا المقطع بالتأكيد على أنّ هذه التوجيهات هي: حدود الله” ؛ أي قواعد اجتماعية وإنسانيّة وضعها الله للبشر جميعًا، ودعاهم إلى الطاعة. الطاعة هنا لا تتعلق بالاعتقاد أو بالدين، ولكن تتعلق بالأصل الإنساني الواحد، ومشاركتهم نفس الفضاء الكوني؛ ومن ثم يحتاجون إلى معايير ضابطة سارية على الجميع لضمان نجاح هذا التعايش في انسجام وسعادة:

تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ… (النساء: 13)

“وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ” (النساء، 14)

وبعد عدة سور، تُفتَتح سورة الحجّ أيضا بنداءٍ عام للبشر جميعًا فنقرأ بصيغة أمر أخرى الأية التالية:

” يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ” (الحج، 1)

تُكمل هذه البداية دورة الأحداث، مُجيبةً على البداية بنهاية يوم القيامة.

وفي سورة لقمان، نقرأ أمرًا جديدًا يحثّ الناس جميعا على خشية يوم الحساب. هذا الترقب يُلزمهم بتحمّل مسؤولياتهم والإقرار بوجود الله الواجد الماجد، الذي وهبهم هذه الحياة، ليستعد الإنسان لتقديم ما يفسر سلوكه تجاه هذه الهبة. إن الخشية، في السياق القرآني والإسلامي، تُشير إلى المسؤولية تجاه مراقبة الله الدائمة للعباد:

” يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْمًا لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ” (لقمان، 33)

وأخيرا يأتي آخر صيغ الأمر للبشر بأسلوب استفهامي إنكاري، لتذكير الناس جميعًا:

” يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ” (فاطر، 3)

وبخلاف ذلك، وباستخدام أساليب مختلفة، توجه النداءات الأخرى إلى المجتمع البشري لجذب انتباههم إلى الحقائق الإنسانية والكونية المشتركة بين البشرية جمعاء، وهي حقائق تُعرض في عبارات تقريرية تتضمن في كثير من الأحيان أسلوب أمر ضمني:

“يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ” (النساء، 170)

” يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ” (النساء، 174)

” يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ” (يونس، 57)

” يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ” (الحج، 5)

” يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ ” (الحج، 73)

” يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ” (فاطر، 5)

” يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ” (فاطر، 15)

يأتي النداء الختامي الموجه إلى البشرية كافة، بعد نداءين موجهين إلى المؤمنين، في سورة الحجرات ورقمها في ترتيب المصحف 49. نقرأ آيتين تبدآن بـ “يا أيها الذين آمنوا”، تقدمان نصائح حول تجنب السخرية والتجسس والغيبة واللمز والتنابز بالألقاب، خشية إيقاع الفسوق داخل المجتمع المسلم من خلال إساءة استعمال الكلمات واللغة. يلي تلك الآيات، آية تشبه الآيات التي تصف بداية وأصل الخلق، والوعد الذي ينتظرهم في الآخرة. الآية 13 من سورة الحجرات تكشف للبشرية وحدتهم من خلال أصلهم المخلوق المشترك وتمايزهم بالتقوى وفق تقدير الله العليم الخبير:

” يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ” (الحجرات، 13)

وكما نلاحظ، فإنّ الخطابات التي تبدأ بالنداء “يا أيها الناس” تكاد توجد حصرًا في بداية الآيات. لكننا نقرأ استثناءين لهذه القاعدة. خطابان هامشيان، استثنائيان في شكلهما النصي، مُضمّنان في الآيات. في الآية (٢٣) من سورة يونس، نقرأ:

“فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ” (يونس، 23)

وفي الآية (133) من سورة النساء، تم تضمين الخطاب في الآية وتجريده من أداة النداء “يا”:

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيرًا ” (النساء، 133)

هذا الاختلاف اللغوي يُؤدي إلى كسر حضور النداء في بداية الآية، ومن ثم يؤكد التحوّل الشكلي على تحوّل في البؤرة الدلالية: من النداء الموجه إلى الاحتمالية لهؤلاء المقصودين بالخطاب، وهم الذين بسلوكهم المارق وخيانتهم وانشقاقهم قد يُلحقون الضرر بأنفسهم وبمن حولهم، ولكن بفضل قدرة الله عليهم، فهم مهددون بالاستبعاد والاستبدال والعزل.

٢- ١.٢.١. لماذا الخطاب العام؟

إن هذه المجموعة الأولى من النداءات، جاءت في النص القرآني لمخاطبة البشر جميعا على تنوعهم وتعددهم، بغض النظر عن انتمائهم أو إيمانهم (أو عدمه) بالله تعالى. تُذكّرهم هذه الآيات بأصلهم وغايتهم في مسيرة حياتهم، وكذلك بحدودهم وواجباتهم تجاه أنفسهم، وتجاه خالقهم، وتجاه ذوي القربى. وهذه الرسالة موجهة للجميع، وعلى كل فرد حرية الاختيار بعد تلقيه الأدلة والأمثلة والحجج. فالنص القرآني يخاطب البشرية جمعاء، شأنه في ذلك شأن كل الأنبياء.

” وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ” (سبأ، 28)

وهذا الرسول الكريم، من خلال مخاطبته للجميع، يُنشئ حالة من التواصل معهم بهدف طلب المعرفة، ومهمته هي مناقشة من هم خارج دائرة الإيمان، وإعلامهم بالحقائق لتصديق الغيب:

” وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا ” (الإسراء، 85)

” يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا (42) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا (43) إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَٰهَآ (44)” (النازعات)

وكذلك فإن الرجوع عالمي وعام:

“يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ” (المطففين، 6)

” يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُم ” (الزلزلة، 6)

إنّ هذا الخطاب، الذي يدعو البشر كافة، يتناول كذلك قضايا عالمية تهمّ البشرية جمعاء. قضايا محورية، يوم الجمع، الأصل الواحد، والغاية المشتركة، كل هذه المسائل التي تشكل موضوع هذه الخطابات دون أي تمييز. وإذا كان النداء الأول في هذه السلسلة، وهو الآية (21) من سورة البقرة، دعوة للناس جميعا لعبادة ربّهم الخالق، فإنه يضعهم ضمن إطار زمني كوني – الماضي والحاضر – ويصنع منهم مجتمعًا متماسكًا فضيلته التقوى. أما النداء الأخير في سورة الحجرات الآية (13)، فيبين الهدف من الاختلاف والتنوع في الخلق، ألا وهو التعارف والتفاهم المتبادل، وأن كل هذه الاختلافات لا أثر لها في التمييز بين الناس، ولكنها التقوى هي التي تميز بينهم ضمن هذا التنوع في الطبقات الاجتماعية والمكانات والأعراق. وهكذا، فإنّ صياغة هذه السلسلة تخضع لقيم ضابطة، وتركيبات وأشكال لغوية محددة بدقة.

– ٢- ٢. النداء بالاسم

في المرحلة الثانية من النداء، والمخاطبة في النص القرآني، نقرأ مجموعة أخرى من النداءات الموجهة إلى شخصيات محددة بأسمائهم. وقد تم تعريف هؤلاء المخاطبين، وتصنيفهم في النص لغرض إيصال رسائل محددة تعلمهم فهمًا واضحًا عن العالم، وعن أنفسهم، عن الخلق، وعن خالقهم، وعن سائر البشر. وفي بداية هذا النوع من النداءات الموجهة تأتي بلا شك، تلك الموجهة إلى أبي البشر آدم عليه السلام (٤ نداءات)، وإلى بنيه (٥ نداءات)، والنداءات الموجهة إلى أولي الألباب (٥ نداءات). وأخيرًا، نقرأ ١٢ نداءً موجهًا إلى شخصيات مختلفة، وسنحاول تحليل وضعهم الخاص: أربعة نداءات موجهة إلى مجتمعي الإنس والجن، وخمسة نداءات موجهة للعباد، ونداءان موجهان إلى الإنسان ككائن متميز ومتفرد، وأخيرًا، نداء واحد موجه إلى النفس.

٢- ٢.١. آدم

النداء في النص القرآني يخاطب نوعيات من البشر، أو مخاطبين محددين. ومن هنا فإن أبو البشر، آدم عليه السلام، يحتل مكانة بارزة في هذه الخطابات الموجهة. يُستحضر آدم في بداية النص القرآني كفرد ذي مكانة فريدة، فهو أصل الجنس البشري. مكانة آدم في هذه الخطابات خاصة جدًا: فهو أول خلق بشري، ويقف في لحظة محورية بين الطاعة والعصيان، بين خضوع الإنسان بالكامل لخالقه، وسعيه للاستقلال بإرادته الحرة، ولكن على مسؤوليته الخاصة.

في بداية النص، في أول سورة طويلة وفي سياق قصة الخلق، يُخاطَب آدم. يُمنح نعمة الكلام، فيعلمه ربه اللغة وأسماء كل شيء، ويكرمه بهذا العلم فيعليه فوق جميع المخلوقات. اختاره خالقه ليكون خليفته على الأرض، فيُعلّمه الله ” الأسماء كلها”.

” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ” (البقرة، 30)

العلم والمعرفة هما إذًا الإرث الأساسي الذي منحه الله عز وجل للإنسان، مميزا إياه على سائر المخلوقات:

قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ” (البقرة، 33)

ثم صدر الأمر للملائكة بالسجود لآدم، فامتنع إبليس، بما يمثّله من تمرّد وعصيان، مع التشديد على خطورة التعدّي على الأمر الإلهي:

“وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ (116) فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ” (طه، 117)

وبعد ذلك جاءت خطوة السكن والأمان في الجنة تالية على خطوة اكتساب المعرفة:

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا، وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (البقرة 2: 35).

وفي موضع آخر نقرأ في سورة الأعراف النداء المباشر “ويا آدم”، ومن ثم نفس الأمر الصادر في النداء الأول:

“ويَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ” (الأعراف، 19)

في هذه الآيات يتم التأكيد على أن النعمة الممنوحة لآدم وزوجه هي السكن في الجنّة، على شرط الطاعة واجتناب الإغواء. تكرار هذا النداء والأمر لهما وظيفة أساسية ألا وهي تثمين هذه الهبة (الجنّة)، وتأكيد قيمتها ورمزيتها.

ولكن ورغم كل التحذيرات له، ورغم العلم والوضع المميز الذي حظي به آدم، فإنه ينخدع بغواية إبليس له، وينسى كل التوصيات:

“فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ (120) فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ” (طه، 120،121)

هذا المشهد الأخير من قصة آدم، يخالف سابقيه؛ ففي الآية ١٢٠من سورة طه، المنادي هو الشيطان، يوسوس لآدم سرًا. يتسلل في الحدث، ويتجاوز الأمر الإلهي، ويتحدث مباشرةً إلى آدم ليُضلّه. هذا التفاعل المباشر، الذي يتجاوز العلاقة المميزة بين الخالق وآدم، يُعدّ محاولة جريئة نالت نجاحا. وجود هذا المشهد في النصّ يبرز قطعيا تعدي الشيطان على الأمر الإلهي، في شكل استطراد خارج عن مسار قصة آدم مع خالقه. وكما هو الحال مع أيّ استطراد، هناك عودة إلى المسار الأصلي. حتى وإن كانت هذه العودة مصحوبة بعقاب، رغم التوبة: أُخرج آدم من الجنة، وهبط ليعيش على الأرض، والأدهى من ذلك انقطع النداءلآدم. صدر الأمر دون استئناف، دون أن يستدعيه ربّه مباشرةً.

“قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ” (طه، 123).

وهكذا يُسحب من الإنسان براءته الأولى، وحصانته، ليجد نفسه مجبرًا على تحمّل مسؤولياته وخياراته، وقبل كل شيء، واجبه نحو التذكّر. عليه الآن ألا ينسى تجربته وخطأه الأول، ولا أن يتجاهلهما:

” وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ(126) ” (طه)

وكانت مناداة إبليس لآدم ووسوسته له، إيذانًا بتوقف النداء الإلهي له (طه، 120).

٢-٢.٢ – بنو آدم

ثم يظهر في المشهد بنو آدم، وهم كل نسل آدم عله السلام، أي البشرية جمعاء – يتوجه الله عز وجل لهم بالنداء، بصفتهم ورثة متاع الدنيا، وحاملي واجب التذكر. فبينما يبدأ النداء الإلهي الأول والخطابات الموجهة لآدم في أول السور الطوال، يبدأ النداء لبنيه والخطابات الموجهة إليهم في السورة السابعة. وهكذا، نقرأ في هذه السورة، في بداية سلسلة من الآيات المخصصة لأبناء آدم، نداءً موجهًا إليهم في آيتين متتاليتين: ٢٦ و٢٧.

” يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ((26

” يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)” (الأعراف).

ثم يُستأنف الخطاب الموجه لهم، بعد ذلك بعدة آيات، في الآيات رقم 31 و35 من نفس السورة:

“يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ (31)

يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (35) ” (الأعراف)

هذه المجموعة من النداءات، تنطلق من نقطة التذكير بفعل آدم عليه السلام، لتذكيرهم وتحذيرهم، وآخر نداء يعلن عن مجيء الرسل، وما يستوجبه ذلك من بني آدم.

ثم تأني بعد ذلك آية تجمع ما سبق:

” أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ” (يس، 60)

يُسهم هذا النداء الختامي، المبرز في الآية، في البرهنة على عداوة الشيطان للبشر. وكأن هذه الآية رد على ما تقدم من تعدي الشيطان المروي في الآية 120 من سورة طه. فينادي الله عز وجل بني آدم لينبههم على خطورة عدوهم والعدو اللدود لأبيهم من قبلهم. هذه النداءات لها كذلك وظيفة إعطائهم الأوامر والتوصيات للحفاظ على استقامتهم وهدايتهم. وهذه النداءات مضمنة في مسار الذاكرة والبرهان.

وبالتالي، فإنّ عبارة “بني آدم” هي التي تشير في النص، إلى البشرية بأسرها، مُحدّدةً أصلهم. آدم، وبصفته أبًا لجميع النساء والرجال في العالم، أخذ عليه ميثاق الواجب: الطاعة/العصيان لخالقه، كما أُخذ بالتبعية من ذريته، الذين يحملون اسم ذاك الأب.

٢-٣. أولو الألباب

إن جزء من هذه النداءات المُوجّهة إلى البشرية، بغض النظر عن كلّ إيمانٍ أو اعتقاد، تتوجه بالخطاب إلى فئة مميزة جدًا من البشر، يعبر عنهم في الآيات بأولي الألباب: أفرادٌ مُنِحوا الذكاء والفطنة. بفضل الفهم والعقل ميّز الخالق سبحانه وتعالى آدم، وباسم هاتين الملكتين الثمينتين يخاطبهم ربهم. هذه النداءات (الخمس) كلها مضمنة في الآيات. وهي ليست للفت انتباه المخاطبين فقط، بل تُسهم أساسًا في الإيضاح بالبرهان. ووظيفتها تتجاوز مجرد النداء، ومن هنا اندماجها في حجج هذه الآيات. إنها تستحضر حقيقةً، لا يدركها جليةً إلا من وُهب حسن الفهم، ودوما ما يذكر معها التقوى، فحسن الفهم عن الله عز وجل يورث خشيته وتقواه. وهو ما ينشئ علاقة لا تنفصم بين أعمال القلوب والألباب: الفهم، وقبول التذكير، والتفكر في الشواهد الالة على وجود الله تعالى:

” وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة، 179)

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ  ” (البقرة،197)

قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ” (المائدة، 100)

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا “(الطلاق،10)

هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ ” (الحشر،2)

تتميز هذه المجموعة من الآيات ضمن شبكة النداء المباشر بأسلوبٍ خاص، يختلف عنه في الآيات الأخرى من الشبكة: إذ يأتي النداء بعد أو في أثناء عرض منطقي تستنبط منه عبرة بغرض الحث على التدبر، والفهم ومن ثم الحض على التقوى. والنداء الأخير في هذه السلسلة يخاطب أولى الأبصار، وهم أفرادٌ فطنون ذوو بصيرةٍ وإدراكٍ عميق، موهوبون فكريًا فوق كل شيء. هؤلاء الأفراد – أولي الأبصار وأولي الألباب – حاضرون في آياتٍ أخرى، ودائمًا ما يكونون مرتبطين بالذكر والذاكرة والقول الإلهي. وهكذا، فإنّ المخاطبين في هذه السلسلة يشكلون في المقام الأول جماعةً بشريةً مميزة بصفاتها الفكرية السائدة، متجاوزةً أي تصنيفٍ على أساس العرق أو الانتماء أو المعتقد.

٢-٢. ٤. الكلي في خصوصياته

يُدرج التسلسل الأخير في شبكة النداء نوعيات خاصةً من المخاطبين العالميين. فئات مميزة عن غيرها ومختلفة. أول هذه الفئات، هما مجتمعا الإنس والجن تحديدا من بين مخلوقات الله تعالى، وهما عالمان مختلفان في الجوهر (٤ نداءات). ثانيًا، العباد، مع تخصيصهم (٥ نداءات). ثالثًا، الإنسان، في وجوده الخاص والمحدد (نداءان) وأخيرا، النفس (نداء واحد).

أول هذه المجموعات يوجه إليهم النداء أربع مرات في سورتين: وهما مجتمعا الإنس والجن. يخاطبهم الله عز وجل ليؤكد أنهم تحت سلطانه، وليجمعهم في خطاب يُوحّدهم رغم اختلاف طبيعتهم، كمخلوقات يجب أن تخضع له حتى وإن كانوا أقوياء ولديهم القدرة على السيطرة على السماوات والأرض. أولى هذه النداءات موجهة إلى معشر الجن، مع التركيز عليهم وتسليط الضوء على عواقب أفعالهم في يوم القيامة:

” وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ ” (الأنعام، 128)

أما النداء الثاني، فهو في السورة نفسها، مخاطبا الإنس والجن بنداء واحد، وفي مسار واحد، بعد تلقي الآيات من نفس الرسل، وتذكير لهم بمن كان منهم في حياتهم الدنيا من ضمن مشاهد اليوم الآخر يوم الحساب:

” يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ” (الأنعام، 130)

وفي سورة الرحمن نجد نداءين آخرين مجتمعين، ولكن بتعبيرات جديدة عنهم:

” سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ” (الرحمن، 31)

” يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ” (الرحمن، 33)

في هاتين الآيتين، تتجلى قوة هذه المجتمعات، المختلفة في جوهرها ووجودها، مؤكدةً على وحدتها في حياة واحدة، ومصير واحد، ونداء واحد.

أما المجموعة الثالثة، فتشمل أفرادًا متمايزين، بغض النظر عن جوهرهم ووجودهم، قد يكونون جميع البشر، ولكن بصورة أكثر تحديدًا وتفردًا: “يا عبادي”. وكلمة “عبد” في اللغة العربية تعني تابعًا لسيده: “العبد: الإِنسان، حرًّا كان أَو رقيقًا، يُذْهَبُ بذلك إِلى أَنه مربوب لباريه، جل وعز” [انظر لسان العرب، جذر /عبد/]. وهذا الخضوع هو التسليم ورد الدين. ومن هذا الجذر الثلاثي نفسه تُشتق كلمة “عبادة”، أي عبادة الله والدعاء إليه.

نقرأ في النص القرآني خمس نداءات من المتكلم هو من قائل، إلى عباده. وهكذا، في سورتي العنكبوت والزمر، تُوجه آيتان إلى جميع المؤمنين في الأرض:

” يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ ” (العنكبوت، 56)

” قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ”  (الزمر، 10)

تؤكد هذه الآيات على انتشار المؤمنين في أرجاء الكون، فالأرض، التي تتجاوز كل الحدود، هي ملاذهم للعبادة.

في هذه السلسلة من النداءات، لم يعد القول موجهًا إلى المؤمنين فحسب، بل إلى جميع العباد، تدعوهم إلى الخوف [التقوى] من الله جل وعلا، كشعور وسلوك يجب مراعاته عند التفكير في قدرته:

“لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ” (الزمر، 16)

الالتفات والنداء في هذه الآية جاءا في تذييلها، ليبرز في صدر الآية مشهد من أهوال يوم الحساب، ومن ثم الأمر بالتقوى في نهاية السورة:

” في هذه الحالة، غالبًا ما يكون لها دور تواصلي، ولا تكون وظيفة الاستدعاء هي السائدة: بل يتعلق الأمر بإظهار الحفاظ على التواصل مع المخاطَب، أو إظهار الرغبة في الحفاظ على صلة المحادثة، أو تعزيز العلاقة الشخصية من خلال إظهارها. ” [C. Détrie, seg.62]

  نقرأ في النداء التالي من نفس السورة تحديدًا للعباد المخاطبين: هؤلاء هم الأشخاص الذين أفرطوا في خطاياهم وبالتالي يتوقعون عقابًا مفرطًا. ولكن، للمفارقة، فإن المتكلم عز من قائل، بدلًا من أن يخوفهم العقوبة، يناديهم من خلال رسوله صلى الله عليه وسلم، ألا ييأسوا، ويطمئنهم بأن رحمة الله تغفر الذنوب جميعا:

قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ” (الزمر، 53)

وأخيرا في سورة الزخرف الآية 68 نقرأ النداء الأخير، المباشر، بلا وسيط، دعوة شاملة لكل عباد الله الذين حققوا جوهر العبودية لله في حياتهم الدنيا، نداء خاص لهم يوم الفزع الأكبر:

“يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ” (الزخرف، 68)

  وبالتالي فإن هذا التسلسل ينطلق من الأكثر خصوصية، والأقرب لينتهي إلى الأكثر عمومية، والأكثر عالمية.

  إن هذه النداءات والأوامر الموجهة إلى مختلف المخاطبين، الذين ينتمون إلى فئات مختلفة من المجتمعات العالمية، تصبح في نهاية النص القرآني نداءات أكثر مباشرة واستهدافًا. وفي السور الأخيرة، نقرأ نداءين يجسدان، ويضفيان طابعًا فرديًا على المنادى: الإنسان. الأول ينادي الإنسان في حاله مع ربه:

” يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ” (الانفطار، 6)

يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ ” (الطارق، 6)

إن النداء هنا، في هذا الموضع قبل الأخير من النص، يوضح الغاية والقصد من وراء الدعوة الإلهية. والإنسان هو المخاطَب المباشر لسيده، والمتلقي الأخير للنداء. في هذين الخطابين، يوجه الله عز وجل، النداء إلى الخليفة الذي اختاره على الأرض، والذي تم تقديمه بالفعل في بداية النص. ويقدم له، بطريقة موجزة وجوهرية، مبدأين أساسيين ليتباناهما في أثناء حياته على الأرض: ألا يغتر بكرم سيده الذي خلقه وسواه في أحسن صورة، ولا يتمادى في غيه (الانفطار، 6). ثم يعلمه كذلك أن عليه العمل والاجتهاد في الدنيا ليلقى جزاء عمله في الآخرة (الانشقاق، 6). هذا التماثل بين الخطابين الأخيرين –سورتان متتاليتان تقريبًا وفي كل منهما الآية السادسة – يؤكد على أهمية المنادى والتركيز عليه ، ويكشف عن تكوين نصي مقصود وعلى أحسن تفصيل. ففي إطار هذا التكوين أيضًا، يأتي الإنسان في هذه الآيات بالتناسب مع الآيات التي تقدم آدم وبنيه، في بداية النص. ففي بداية النص كما في نهاية المطاف، المنادى هو الإنسان، هو المقصود بالخطاب، يدنيه ربه منه جل في عليائه، في البدء في خَلقه الأصلي (آدم)، وفي النهاية بصفة إنسانيته، في كل زمان ومكان، بدون أي تسمية. فهو حامل النفخة الأولى، والخلق الأول، والحياة الأولى على الأرض، وهو كذلك المدين بهم جميعا من أجل الرُجعى الآخرة.

  بعد استدعاء الإنسان في الخطاب الإلهي، يأتي أخيرا، وفي آخر نداء، توجيه النداء إلى النفس، على شموليتها وعالميتها، للعودة في النهاية إلى واهبها، ربها سبحانه وتعالى. النقاء الجوهري للنفس، وخروجها نحو بارئها، متحررة من هيكلها المادي، هذا النداء الأخير يتمم تكوين شبكة النداءات. هو دعوة للنفس، المتسامية، المطمئنة، منفكة عن كل شيء، المستدعاة بحد ذاتها في الآية 27 المخصصة لها بالكامل في سورة الفجر:

“يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ (27) ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَٱدْخُلِي جَنَّتِي (30)” (الفجر)

يبرز الموضع الأخير، لغويًا وشكليًا، تفرد النداء الختامي. فبطبيعة موقعه المميز ضمن شبكة الخطابات بأكملها النفس هي الأصل، تحتل المكانة العليا بين جميع المخاطبين، وهي جوهر هبة الحياة وأساس الوجود الكوني.

وهكذا، في السور الأخيرة من النص، نقرأ تتويجا لمسار الدلالات لسلسلة النداءات من الله تعالى إلى الكون في شموليته، وإلى المجتمع البشري خاصة. لخص هذا المسار في نهايته الغاية من سعي البشرية في النص. الدعوة موجهة لجميع البشر إلى تلقّي الرسالة، واستيعابها، والتوجه إلى مُرسِلها. من خلال هذه الشبكة من النداءات، تُخاطَب البشرية، وتُنبّه، وتُستدعى، متجاوزةً كل الروابط الاجتماعية، أو القبلية، أو الجماعية، أو الدينية. هذا العبد المخلوق، عليه تحقيق معنى مخلوقيته وعبوديته، بغض النظر عن علاقاته، أو معتقداته، هذا المعنى الموجود في / من أجل الوعد اللانهائي الكامن في هبة الخلق الأولى.

نقرأ كذلك توازنًا شكليا، وهيكليا ضمن هذه الشبكة. حيث تضمنت جميع المقاطع تقريبًا خمس نداءات، مما أضفى على نسق شبكة النداء توازيا ودقة في البناء النصي، الأمر الذي أعطى بدوره دلالة خاصة لهذه الشبكة. النداء الأول والذي كان محوره آدم عليه السلام، تكرر أربع مرات، والخامسة كان نداء له من عدوه اللدود إبليس. وسوس له الشيطان، ليحيده عن مساره الأصلي، ويقحم عليه التعدي والعصيان. هذا الاختلاف الشكلي يُكرَر داخل شبكة النداء للإنسان بوجه عام ليذكره اللحظة الأولى للسقوط، وقدرته الدائمة على الاختيار، وتحمل تبعاته، كما يذكره بالتهديد المستمر لمساره في هذه الحياة.

٢-٣. أهل الكتاب.

لم ينكر القرآن الكريم قط وجود النصوص التوحيدية الموحى بها التي سبقته. بل إنه يُقدّم نفسه كـ “مهيمن عليه”، النسخة النهائية “للكتاب” وهو محفوظ، وحاضر حتى من قبل الخلق. وتُذكّرنا آياتٌ عديدةٌ بهذه العلاقة الجوهرية بين النصّ القرآنيّ ورسالته والنصوص السابقة عليه، وتؤكّدها سورة الأعلى وآياتها الأخيرة مثالٌ هامٌّ على ذلك:

“إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ “(الأعلى، 19)

تفسر بواسليفو Boisliveau تصديق النص القرآني على النصوص القديمة، والرسالات السابقة، باعتباره عنصرًا هامًا في “استراتيجية الإقناع بالحجج ” [بويسليفو Boisliveau، ص 355] التي طورها الخطاب القرآني ذاتي المرجعية. هذه الحجة منطقية ومُبررة بلا شك، وتُتيح في الوقت نفسه الاعتراف باستراتيجية نصية وبنية منطقية للنص القرآني. كما نعتبر وجود شبكات الدلالات في النص عنصرًا هامًا في الفهم والتوصل الى حقيقة بناء بنيته، وبالتالي، سيرورة القول. وهذا الأمر حري أن يدع للمتلقين، والباحثين حرية استشعار القول، وإدراجه في سياقه المنطقي، سواء أكان إلهيًا أم بشريًا.

نقرأ في هذا الجزء من بحثنا، وضمن شبكة النداءات، سلسلة ثانية تُقدم خطابات تستدعي، ضمن النص القرآني، أولئك الذين يمتلكون نصًا -مُشابهًا ومُختلفًا في آنٍ واحد- والذين تشملهم نفس الرسالة التوحيدية. توجه هذه الخطابات النداء إلى حملة كتاب موسى، أول كتاب توحيدي لأول دين سماوي، ألا وهو اليهودية. فبعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، أصبحوا المعارضين “الرسميين” للقرآن؛ إذ كانوا يمتلكون رسالةً ويريدونها أن تظل المصدر الأوحد للحقيقة. يرفضون الانضمام إلى دين جديد (لا يختلف عما أنزل إليهم) يجمعهم مع غيرهم. ويصرّون على تعريف أنفسهم بأنهم متفردون، كما يصرون على العيش في مكان منعزل ومغلق على شعب واحد، وجماعة واحدة (يسمونها شعب الله المختار)، رافضين الانفتاح والانتشار، والاطلاع على ما جاء به الدين الجديد. وبتركيزهم على نصهم فقط، أصبحوا خارج دائرة النص التوحيدي الأخير. ومن ثم يتوجه إليهم هذا النص بالنداء، كمعارضين، وليس كمُستبعدين أو منفيين.

في هذا السياق، لدينا ثلاثة “أسماء خطاب” أو “تسميات” [كيربرات-أوريكيوني Kerbrat-Orecchioni ، ص. ٢١] والتي نقرأها بالترتيب الذي تظهر به في النص: “يا بني إسرائيل” (أربع مرات)، “يا أهل الكتاب” (اثنتي عشرة مرة)، وتقع معظمها في الجزء الأول من النص، أي السور الخمس الأولى. وأخيرًا، قرب نهاية النص، نجد الخطاب “يا أيها الذين هادوا” (مرة واحدة). وهكذا، نقرأ في النص سبعة عشر نداءً مباشرًا إلى أول من تلقى رسالة التوحيد.

النداء المباشر لبني إسرائيل، يتوجه لهذا الشعب الأول في التوحيد، والذين أنقذهم رسولهم بعد أن كانوا مطاردين، وتمتد قصتهم في أجزاء متعددة من القرآن الكريم. النداءات الثلاث الأول جاءت في السورة الثانية من القرآن الكريم، وأطول سوره على الإطلاق:

“يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ” (البقرة، 40)

“يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ” (البقرة، 47)

 تُكرر هذه الآية شبه حرفيًا في الآية ١٢٢ من السورة نفسها. هذا التأكيد من خلال التكرار يُعطي هذه الآيات الثلاث وظيفة تذكير هذه الجماعة تحديدًا بالنعمة الأولى التي أنعم الله بها عليهم: اختيارهم كأول من تلقى رسالته. وبذلك، يُعهد إليهم بواجب بالغ الأهمية وهو التذكر وحفظ العهد.

ثم في سورة طه الآية (٨٠)، تُفصل نعمة الله عليهم:

“يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ”(طه، 80)

يوجه الله، المتكلم، عز من قائل، إلى هذا الشعب المضطهد، نداءً للتذكير. يُرسي حقيقةً ويُذكّر بضرورة الاعتراف بفضل الله عليهم، أو العرفان. في الواقع، تُسجّل هذه الآيات الأربع وتُلخّص، من خلال النداء الصوتي، قصة خروج الشعب المختار، الذي نُجّي من الاضطهاد، وتذكرهم بفضل الله. ولكن، في الوقت نفسه، تُؤكّد هذه الآيات، قبل كل شيء، على الطابع الاستثنائي للميثاق والميقات، اللذين يجب تذكرهما واحترامهما – بمعنى الوفاء بالالتزامات. وهكذا، هناك تركيز على الفضل، وكذلك على العلاقة بين المتكلم والمخاطَبين، وتطور في هذه العلاقة من خلال وجود الضمائر “أني/ … كُم” في الخطابات الثلاثة الأولى، وهي علاقة ستتحول إلى ضمير المتكلم “نا / …كُم ” في الخطاب الأخير. (نا) الفاعلين للتعظيم، مقابل جحودهم، مما يُوسّع الفجوة والمسافة في العلاقة بين طرفي التلفظ، بينما كان المخاطب في الأصل، في وضع مميز ومفضل على العالمين. ماضٍ اهترأ من كثرة مخالفة العهود.

واللقب الثاني لهؤلاء أنفسهم هو “يا أهل الكتاب”. هذه العبارة الاسمية، تُشدد على الاتصال بالكتاب ومضمونه، والذي يجب صيانته، والتمسك به، نجدها لأول مرة في سورة آل عمران، في ست مواضع متكررة:

“قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ” (آل عمران، 64)

“يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ” (آل عمران، 65)

فيما يتعلق بالكتاب، تُدخل هذه الخطابات أهل الكتاب في مواجهة مع المسلمين، مُبرزةً وجود كلام موحد ينبغي أن يسمو فوق كل خلاف، يُوحِّد ولا يُفرِّق. ففي الواقع، يؤدي هذا التفرق حتمًا إلى الاختلاف والضلال، الذين نقرأهما في آيات متتالية وردت بعد عدة آيات في نفس السورة:

“يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ” (آل عمران، 70)

“يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ” (آل عمران،71)

“قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(99) ” (آل عمران).

وفي سورة النساء، توجه الدعوة لأهل الكتاب بعدم الغلو في الدين، وأن يتبعوا عيسى رسول الله إليهم وألا ينسبوا إليه ما ليس فيه:

“يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ” (النساء، 171)

نقرأ في سورة المائدة خمس نداءات لأهل الكتاب، في هذه المقاطع يوجه إليهم الخطاب فيما يخص علاقتهم بخاتم رسل الله صلى الله عليه وسلم، وما ينبغي عليهم تجاهه، وتجاه رسالته، والمؤمنين:

“يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ” (المائدة، 15)

“يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)

“قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)

“قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ (68)

“قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ (77)

 هذه النداءات تخاطب قوما قد تلقوا من قبل كتاب الله ويعرفهم الله بانتسابهم إليه. إذًا هم في الأصل موحدون، ولكن النداءات تضعهم ضمن فئة الآخر المختلف، بسبب اجتنابهم العمد والمقصود لحملة رسالة التوحيد الأخيرة. هذا الإدراج لهم في الآيتين (15 و19) من خلال التكرار، والتأكيد في صيغة السرد. أما في الآيات الثلاثة الأخرى (59، 68،77)، فيوجه الحديث للرسول صلى الله عليه وسلم، بلفظ (قل)، ليبلغهم النداء الإلهي، مُدمجين ومُستوعبين في سياق النص ورسالته.

ومن خلال قراءة هذه المقاطع، بمكننا تبين أن التركيز ينصب على الجماعة التي شكّلها جميع حاملي الكتاب. فهم في وضع مشترك. وإن وُجد أي فُرقة، فهي تكمن أساسًا في القطيعة التي أحدثها المتلقون الأوائل، الذين أوقفوا العمل بالكتب المقدسة التي كانت بحوزتهم، ورفضوا قبول استمرارية رسالة التوحيد، وظهور الرسول الخاتم. ولذا، فإن المحاور الدلالية لهذه المقاطع تتمحور أساسًا حول العلاقة بالكتاب الأخير، وقبول وجود مشاركين آخرين في وظيفة التلقي والفهم والنقل. باختصار، الاعتراف بما هو مُنزّل حقًا، وانتمائهم إلى جماعة أوسع.

ويتكرر النداء مرة أخرى، لهذا النوع من المخاطبين، قرب نهاية النص القرآني، ولكن بتسمية أخرى لهم. هنا، نرى بوضوح موقفهم المبتعد عن الكتاب والرسالة الإلهية، موقفا اختاروا فيه أن يتلقوا -ويستحوذوا- على الفضل، ثم ينصرفوا عن الكلام المنزل إليهم، وينكرونه، متقاعسين عن تحمّل مسؤوليته. إنّ المناداة بالحقوق دون أن يكونوا أهلا لها، وخيانة الأمانة، هو في الحقيقة مسار انحراف هذا الشعب، وسبب التيه الذي ضرب عليهم، رغم الاسم الذي أطلقوه على أنفسهم بالعودة – غير المحققة – إلى الله.

في الواقع، يُطلق على اليهود في اللغة العربية اسم “يهود”، وهو اسم مشتق من الفعل “هاد” أي رجع وتاب (في القرآن الكريم “إنا هدنا إليك”). تائهون، منفيون، ثم يُدعون للعودة، لكنهم يبقون في منأى عن الحق – منفيون بالضرورة – لأنهم نفوا أنفسهم عن الكتاب وعن الكلام المقدس الذي أُنزل إليهم:

“قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ (7)” (الجمعة)

يُطرح تحديًا عبر صوت النبي صلى الله عليه وسلم في (الآية 6) بالأمر بـ “قل”، وما الجواب إلا تأكيد إلهي في الآية التالية (الآية 7)، باستحالة تنفيذ ما طلب منهم لعلمهم المسبق بكذبهم. في هذا الجزء الأخير (مكانيا وزمانيا) من النص القرآني، تتضح آليات اللعبة أو العلاقة: الموازنات، الشقاق حول الكتاب، ورفض الرسالة الأخيرة. وقد تطورت الحجة على طول النص، واتبعت الدلالة مسارًا واضحًا. وتُشكل “التسمية” الثالثة لهؤلاء القوم- ذوو الوضع الخاص جدا- خاتمةً لهذه الحجة. إذ يقطع صلتهم بالكتاب، لأنهم أخلّوا بالموازنات. تكشف مسيرتهم عن نواياهم ورغبتهم في الانتماء إلى وضع أعلى. وبذلك، يرتكبون خيانةً جسيمةً للعبة. وهكذا، يُحدد موقعهم في الخطاب كمعارضين ومختلفين، ويريدون التميز والاختلاف، ورغم ذلك فهم مدرجون في مخطط التواصل والتبادل، وليسوا مبعدين. إنهم ينتمون إلى منظومة الرسالة الإلهية، وكانوا على اتصال بالكتاب: كانوا أول من تلقاه، وأول من حمله. إنّ تركيب الآيات وتسلسلها في سورة الجمعة يُفضي إلى التسمية الثالثة، التي تعبر عن هذا المعنى تماما. وهكذا، فإنّ الآية التي تسبق التسمية الأخيرة تعرض حالهم:

مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ” (الجمعة، 5)

كما يتبين لنا، فإن النداء لحاملي الكتب الأولى، ربما يساهم في استراتيجية محاجّاة داخل المرجعية الذاتية للخطاب القرآني، ولكنه يشارك قبل كل شيء في بناء شبكة من الدلالات تتكون من 17 قول في لإطار النداء، مرتبة لتوضيح مسار الدلالة فيما يتعلق بعلاقة النص بفاعليه، وخصومه، وأطرافه.

٢-٤. النداء للأبعد

بعد أن وجه النص القرآني النداء للبشرية جمعاء، ثم الى أقرب خصومه، أولئك الذين يدّعون أحقيتهم في الكتاب، يمضي إلى أبعد من ذلك. فيوجه النداء في النهاية للمعتدين، أولئك الذين يرفضون ويهاجمون وينكرون عن قصد: الكافرون. هؤلاء مخاطبون بصيغة النداء في مواضع قليلة. إنهم يقفون على الهامش من غالبية الناس، ويشكلون الفاعلين الرئيسيين في الطرف المعارض. جذر [كفر] يعني في اللغة العربية “التغطية، كالظلام الذي يغطي كل شيء” (لسان العرب). هؤلاء الكافرون، أو هؤلاء “المغطون” للحق والعقل، يُخاطبون مرتين في النص القرآني. المرة الأولى بلقب “يا أيها الذين كفروا”:

” يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ” (التحريم، 7)

في سورة التحريم، وردت هذه الآية بين نداءين للمؤمنين، يأمرانهم بالتوبة والابتعاد عن النار والرجوع إلى خالقهم. وتخاطب آية رابعة النبي صلى الله عليه وسلم، تأمره بجهاد الكافرين، والتعامل بكل قوة وغلظة. وتضرب الآيات الثلاث الأخيرة من السورة نفسها مثال امرأتين كافرتين (الآية 10)، زوجتي نبيين (نوح ولوط)، وامرأتين مؤمنتين (الآيتان 11 و12): زوجة فرعون ومريم. يتم هنا تسجيل رفض الإيمان وبيانه كفعل طوعي واختيار شخصي – وكأنه يقول لهم: “يا أيها الذين اخترتم عدم الإيمان”، وهو أحد الخيارات التي يتخذها الرجال والنساء، مشاركين ومشاركات في منطق التبادل وتطوره القائم بين الخالق وجميع المخلوقات. إنه قرار رفض، كل على مسئوليته، بعيد عن أي سياق شخصي أو جماعي، ومن ثم يجب تحمل عواقبه.

أما النداء الثاني لهؤلاء المعارضين فنقرأه في نهاية النص القرآني. حيث تُفتتح بها سورة الكافرون وتتخللها بالكامل. يخاطب المتكلم عز من قائل، آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم، بإعلام “الكافرين” مباشرةً والذين يتصرفون وفقًا لهذا الكفر، بالبعد التام والقطيعة المبرمة بين المؤمنين والكفار. في هذه السورة التي تحمل اسم المعارضين “سورة الكافرون”، والموجودة في بداية السور الست الأخيرة من النص القرآني، يأمر الله نبيه بمخاطبة أفراد محددين ليعلن موقف الإيمان الخالص:

“قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ (1) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ (3) وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)” (الكافرون)

في هذه السورة الموجزة والدقيقة، ينأى المتكلم بنفسه عن المخاطَبين، مفوضًا الكلام والخطاب المباشر إلى رسوله. فهي سورة البراءة من الكفر، وانقطاعًا للصلة بين النبي وكل من كفر به. لقد بُلغت الرسالة، ووجهت الخطابات، والتذكير لاينفك عن التكرار عبر مواضع النص القرآني. أما الكافرون، المخاطبون في هذه السورة، فهم طرف أصيل في مخطط التواصل. فالخطاب المباشر “قل يا” يدمجهم في شبكة من التفاعل والتواصل مع خالقهم. ففي هذه السورة، يأمر الله نبيه بمخاطبتهم، فيستدعيهم للمواجهة بشأن انتمائهم الديني، ويحدد مساحة كل طرف.

هذا النداء فريد من نوعه ضمن شبكة الخطابات، إذ يشغل سورة كاملة، يواجه فيها النبي معارضيه الذين يرفضونه وينكرونه ويهاجمونه. لكنّه، يتوجه إليهم، يخاطبهم، ويواجههم، ويوجّه إليهم كلمةً جوهريةً تُعرّف الإيمان والدين وجوهر وجودهم، رغم اختلافهم في إطار نداء الآخر. هذا النداء الموجّه بدقة إلى فئةٍ محدّدةٍ جدًا، يتجاوزها ليُشكّل شهادةً على حرية الإرادة في النصّ القرآنيّ.

أخيرًا، نقرأ الخطابات المباشرة التي وجّهها الله عز وجل، المتلكم، إلى أوّل المعتدين، المعارض الرئيسيّ للأمر الإلهي. فنقرأ نداءين محدّدين تمامًا من حيث صيغتهما اللغوية وموقعهما في النصّ. هذان النداءان موجّهان إلى إبليس، اسم العلم للشيطان في التراث الإسلاميّ. هذان الخطابان متطابقان، مُلحّان في تكرارهما النمطيّ اللغويّ، ويُظهران بوضوح الاستبعاد. ذُكر إبليس إحدى عشرة مرّةً في آيات القرآن. في سبع عبارات، ذُكر بتعبيرٍ ثابت: “إلّا إبليس”. هذا الاستثناء يُخرجه عن مجموع المخلوقات، والملائكة الذين أطاعوا الأمر بالسجود لآدم، مُقرّين بقدرة الخالق في خلقه وعلمه. وهكذا، سيكون إبليس الوحيد الذي يرفض، ويخالف الأمر الإلهي، ومن ثم يُحرم من النعمة الإلهية، ويُستبعد من الجنة، ويُجمّد في الكلمة المُنزلة، ويُنفى من كل حياة. ولكن على الرغم من ذلك، فإن الله المتكلم يناديه، ويستدعيه في كلمته، حتى وإن كان ذلك بصيغة خاصة جدًا، تحمل ختم الرفض.

نجد في القرآن نداءين صريحين لإبليس، بصيغةٍ ذات خصوصية لغويّة وموضعية في النصّ.
الآيتان تعرضان حوارًا بين الخالق وبين هذه الشخصية المتمرّدة، في سياق ذكر خلق آدم، وأمرِ الملائكة بالسجود له، ورفض إبليس:  

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) (الحجر: 32–33)

وفي موضع آخر:

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) (ص: 75–76).

في هذين النداءين يُستدعى إبليس داخل الخطاب الإلهي في علاقة مباشرة؛ ضمير المتكلّم (أنا) الإلهي في مواجهة ضمير المخاطَب (أنت)، سؤالٌ استجوابيّ: “يُستدعى» كما لو كان “مستجوَبًا بالمعنى القانوني”، يناديه صوت ربه، فيمثل أمامه، ويُطلَب منه أن يعلّل موقفه، فيظهر في هذا القالب الثابت، الذي يحاصره، وبتحكم فيه. فيُبدي احتقاره للمخلوق البشري، ويرفض قطعيا الأمر الإلهي، استكبارًا وعنادًا.

 الهدف من الاختلاف والتركيب النصي.

إن تنوّع جميع النداءات التي بلغ عددها سبعةٍ وستين موضعًا في النص يبرز حضور المغاير والمعارِض، أو المخالف، فالنص لا يحجبه، بل يصرّح به في داخله. وهكذا تتبنّى آيات النص بالكامل تعدّد الفاعلين وتنوّع الموجودات. ذلك أن الله عز وجل، المتكلم في الآيات، لا يقتصر على وحدة المِثْل، ولكن يرشدنا إلى الثراء في التعدّد والاختلاف. إنّه سبحانه وتعالى يخاطب هؤلاء وأولئك، المؤمنين، وسائر الاختلافات، بما أنّهم منه وبه، في مشروع لا ينقطع للفضل والوعد والرجوع. فالإله المتكلم ـ يُقيم الاختلاف في الخلق وفي نصه:

“وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ” (الروم، (22

إثباتٌ وعطاءٌ للاختلاف بما هو حيوي وجوهري. إذ كان يمكنه تمامًا أن يريد وأن يفعل غير ذلك:

” وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (هود، 181)

ولكن في النص القرآني، فإن الاختلاف ينشئ رابطة، لا يفرّق الناس ولا يفككهم، بل هو دعوة إلى معرفة الآخرين، أولئك المختلفين. فالاختلاف ليس عنصرًا للمواجهة، بل هو بحثٌ عن تميّز الآخر، وليس مجرّد بحث عن الاستيعاب من أجل التعرّف المتبادل، كما تؤكد ذلك الآية 13 من سورة الحجرات:

“يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ” (الحجرات، 13)

ليست بابل إذن مكانًا للتفرق، بل موضعًا للاختلاف والتمايّز من أجل البحث عن الذات ومن أجل المعرفة العليا.

إن النداءات في النص القرآني تبحث عن الآخر لتجتذبه. فالنداء المباشر يعمل في الخطاب النصّي كعنصر تقريب وتقليص للمسافة. وأداة النداء “يا” في اللغة العربية تؤدّي وظيفة النداء لمن ليس حاضرًا مباشرة، بغية “لفت انتباهه أولًا، ثم تمييز المنادى المقصود وتخصيصه” [انظر الرازي في تفسيره لقوله تعالى 55(31)]:

“وأما { أَيُّهَ } فنقول: الحكمة في نداء المبهم والإتيان بالوصف بعده هي أن المنادي يريد صون كلامه عن الضياع، فيقول أولًا: يا أي نداء لمبهم ليقبل عليه كل من يسمع ويتنبه لكلامه من يقصده، ثم عند إقبال السامعين يخصص المقصود.”

نقرأ أول نداء بأداة “يا” في سورة البقرة، الآية 21، لاستدعاء “الناس” جميعًا. ومن خلال البدء بالأبعد والأعمّ، يؤسّس النص فعلَ جمعٍ واجتذابٍ وبحثٍ عن كل من يمكن نداءُه. هذا السعي إلى الاختلاف منسجم مع هدف الرسالة التي تريد ألا تكون إقصائية، حتى مع مَن يناقضها أو لا يدخل في مشروع الإيمان بها. النداء هنا جامع، داخل رسالة مشتركة بين الجميع. وهو جواب لوعدٍ أصلي، لا يزال ساري المفعول، بوَجْهٍ من وجوه صلاحية هذا الخطاب المنسجم مع الأصل الواحد للجميع ومع مسار لا ينفكّ خاضعًا لإعادة التقييم. فخطاب التوحيد النهائي مع محمد صلى الله عليه وسلم لا يستهدف جماعة أو أمةً مختارةً، ومنفصلةً عن غيرها، أومتميزة بامتياز ما، بل يبحث بالأحرى عن أمّة “وسط”، أي أمّة الاعتدال، في تحوّل وتكوّن دائمين، متحمِّلة لمسؤوليتها وحاضرةً مع سائر الأمم:

} وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيم”ٌ (البقرة، 143)

وإذا كان الله هو خالق الناس جميعا، فإن رحمته كذلك وسعت الجميع، وتبقى حرية الاختيار جزءًا من العطاء الإلهي دون أي ظلم:

” إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” (يونس،44)

وهكذا يؤسّس النص ويتيح استمرارية الكلام بين الخالق والمخلوقات المتعدّدة. فالنص، عبر النداء، ينتج أثرًا آنيًا، ويفتح جريانًا متصلًا بالصوت، يحقّق في اللحظة ذاتها حضورًا قابلًا للتكرار للذات المنادى عليها. إن إشكالية التلفّظ تشدّد على حدثيّة الصوت المنادي، كما تؤكد ضرورة الاختلاف في هذا الآلية. فعندما يخاطب الله عز من قائل، المؤمنين والأنبياء والمنتسبين إلى الإيمان، فإنه يمنحهم مكانهم في هذا النص الذي يؤمنون به وينتمون إليه. أما حين يجتذب المعارضين للنص، والمبتعدين عنه، فإنه يُدخِلهم فيه. وهو سبحانه، يؤكد من خلال النص “غُربتهم” في هذا الفضاء الذي لا يعترفون به، ولا يستجيبون له، ومع ذلك يُفسَح لهم فيه مكان دائمًا. مما يجعل لهم وجود فيه، ولكن بوصفهم مختلفين، وفي الوقت نفسه يمنحون موضعَ مجاورة وفضاءً متاخمًا لاحتمالية التبادلٍ الممكن دائمًا والانتقالٍ الافتراضي. عدم إقصائية، ووعد بالحوار في علاقة شراكة. فالجميع خلفاء، كما آدم. من هنا تعمل النداءات في هذه الآلية بوصفها انفتاحًا يوصل معنى ويتيح تشغيلًا أنسب.

كما نبّهت كيربرَا-أوريشيوني Kerbrat-Orecchioni أعلاه، ” نظام التعبير عن العلاقة بين الأشخاص يتكون من ثلاثة أبعاد عامة” [ص 35]. تتقاطع هذه الأبعاد الثلاثة مع المحاور الثلاثة في مخطط الأدوار الفاعلة عند غريماس Greimas: المحور الأفقي للتواصل بين المرسِل والمرسَل إليه، والمحور العمودي للسعي والتراتبية وللهرمية بين الفاعل والموضوع، وأخيرًا محور السلطة في “العلاقة الصراعية مقابل التوافقية”، أي علاقة الفاعل بالمعارضين والمساعدين. منزل الكتاب سبحانه وتعالى، موضوعُه هو العبد أو الإنسان المخلوق. وكما رأينا في جميع الآيات التي تقدّم نداء مباشرًا موجهًا إلى “الناس أجمعين”، فإن هذه الآيات تعرض أحد مسلكين من مسارات الدلالة: إمّا برهنةٌ حجاجية تثبت قدرة ذات المرسِل (عرضُ دورات الخلق، وعطاءات الله وقدرته)، وإمّا أوامر-نصائح لإنجاز المسار الإنساني في الأرض على أحسن وجه. والرسول المكلف بالتبليغ له تبعًا لذلك، مهمّتان في نقل الرسالة: التبشير بنجاحٍ ومسار إيجابي بالتمسّك بالحق وتقوى الله [التقوى]، أو التحذير من مخاطر كل انحراف:

“وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ” (سبأ، 28)

وهذه السلسلة من النداءات المباشرة المستهدِفة لكل المخلوقات تُدرِج في الشبكة طرفًا ثالثًا وسيطًا على “المحور الصراعي” للسلطة. فإلى جانب المعارضين والمساعدين، تُمثِّل هذه الجهة في النص فضاءً وسطًا يشغله كل من لم يُصنَّف بعد ولم يحسم خياره أو من له وضع مختلف. إنها تكوّن، في تفاعل النداء والدعوة القرآنية، الانفتاحَ والدعوةَ الدائمة إلى الكلّي/الكوني. فالجميع في الحقيقة، خلقًا ومخلوقات، تشملهم الرحمة الإلهية:

“وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ” (الأعراف،156)

من جهة أخرى، فإن للصيغة اللغوية للنداء وظيفةٌ أساسية “يكون فيها فعلُ التواصل [هنا النص] غايتُه ضمان أو حفظ الاتصال بين المتكلم والمرسَل إليه” [معجم اللسانيات، ص 371]. وهذه الوظيفة يُبرِزها النص القرآني بعنصر آخر مهم ومتكرر جدًا، هو فعل الأمر “قُلْ”. هذا الأمر، كما رأينا أعلاه، يقدّم بعض النداءات المباشرة التي يتدخل فيها الرسول بين ذات المتكلم عز من قائل والمتلقّي. لكن في الواقع يتجاوز فعل الأمر “قُلْ” في النص حدود صيغ النداءات ليبلغ حضورًا قويًا جدًا (332 مرة). وهذه الكثرة تبرز حضور النبي-المتكلّم صلى الله عليه وسلم عند مفصل العملية التلفّظية. فهو مخاطِب ومبلِغ ضمن مخطط خاص بهذا النص:

ذاتُ التكلم/المرسِل —- محمد متلقٍّ —- محمد مرسِل/مبلغ —- الناس جميعًا متلقّين.

تتألف حلقات هذا المخطط من أربع جهات، ولكن لا غرو أن عملية التواصل تُدخل بُعدًا ثالثًا للنقل، يُركِّز في النهاية في الكتاب أو من خلاله. فعل الأمر “قُلْ” يدوّن في النص جهات الأداء. إنّه علامة الحضور الصريح للمبلغ الوسيط بين أصل النص وتمامه. وتبلغ ذروة هذا الأمر في موضع نصّي مكثّف في آخر الكتاب. ففي السور الثلاث الأخيرة (112 و113 و114)، المؤلّفة على التوالي من 4 ثم 5 ثم 6 آيات، نجد ثلاثية تتولّد في كل مرة من فعل الأمر “قل”. هذه السور الثلاث تكوّن وحدةً من حيث موقعها الختامي، ومن حيث بنائها (4/5/6 آيات)، وقبل ذلك من حيث مسار الدلالة الذي يمرّ من الله ـ الواحد الصمد ـ إلى الناس جميعًا، عبر النعمة والوعد:

قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَد (1) ٱللَّهُ ٱلصَّمَد (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)” (الإخلاص)
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ(3) وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ (4) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)” (الفلق)

“قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (1) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (2) إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ (3) مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ (4) ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ (5) مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ (6)” (النَّاس)

هذا المخطط التلفّظي الخاص بالنص القرآني نجد له نموذجًا لغويًا أقرب في التقليد الشفهي الشعبي، درسه زومتور Zumthor، وهو ” العرض” performance:

العرض، هو الفعل المركّب الذي يُنقَل به خطابٌ شعريّ ويُدرَك في آنٍ واحد، هنا والآن. المتكلّم والمتلقي/المتلَقّون والظروف (…) يتواجهون فعليًا، بلا نقاش. في العرض يتقاطع محورا التواصل الاجتماعي: المحور الواصل بين المتكلّم والمؤلّف، والمحور الذي تتّحد فيه الوضعية والتقليد. وعلى هذا المستوى تعمل تماما الوظيفةُ اللغوية التي يسمّيها مالينوفسكي Malinowski “” (phatique):الصلة الكلامية، لعبةُ اقترابٍ ونداءٍ واستثارةٍ للآخر وطلبٍ، لا يعنيها في ذاتها إنتاجُ المعنى.”

يُشكِّل العرض اللحظة الحاسمة في سلسلة من العمليات المتميّزة منطقيًا (وإن لم تكن كذلك دائمًا في الواقع). أعدّ منها خمسًا هي بمثابة مراحل لوجود القصيدة:

  1. الإنتاج 2 . النقل 3. التلقّي 4. الحفظ 5. التكرار.» [زومتور Zumthor ، ص 32].

إن هذا الآلية المتعلّقة بتلفّظ القصيدة الشفوية قريبة من العملية التلفّظية للنص القرآني وهو ينجز أداءه بين/عبر الشفوية والكتابة، العطاء والنقل، التكرار. فبفضل إنتاجٍ أصليّ، يتيح الله نقل النص بواسطة المَلَك جبريل إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يتلقّاه ثم ينقله بدوره ليُحفَظ عن طريق الحفظ والتكرار. ويقدّم مخطط زومتور Zumthor ، على مستوى أقرب إلى الفهم والممارسة الإنسانية، مخططَ هذا النص الفريد، الذي لا يمكن تجاوزه. وبفعل استمراره وكونيته، يتّخذ هذا النص من أمرٍ إنشائي، نداءٍ مباشر إلى النبي “اقرأ”، مصدرًا له. ومن هذا النداء المُنْشِئ يتشعّب النص عبر/في قول مُنْشِئه، مستدعيًا في مواضع معيّنة “قُلْ” المفصلي، موضعَ النبي المبلغ. هذه الأوامر الحاملة للكلام والنص، عبر لازمنيتها، تسمح بتأسيس زمنية نصّ يستخلص الزمن من مجرد التعاقب، أو التكرار المحض. كما يوضح بنفينيست Benveniste:

” إن فعل الأمر ليس إخباريًّا، ولا يهدف إلى نقل محتوى، بل يتميّز بوَصْفه فعلًا تداوليًا (براغماتيًا) يهدف إلى التأثير في السامع، بأن يفرض عليه سلوكًا ما. فالأمر ليس زمنًا من أزمنة الفعل؛ إذ لا يحمل علامة زمنية ولا مرجعًا شخصيًا. إنّه الجذر الدلالي “المجرّد” يُستعمل صيغةً إنشائية مع نَغْمة مخصوصة.» [بنفينيست Benveniste ، ص 274].

إن البعد التداولي لظهور النص القرآني يتبدّى في بُعد أعلى هو “الإنجازي” (performatif). ويقدّم البعد الجمالي للأسلوب في النص القرآني بذلك نمطين من الخطاب، متتابعين في مجرى النص ومتكاملين. فـ “اقرأ” في مطلع سورة 96 يقدّم الحدث في انبثاقه وزمنيته:

ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ (3) ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)” (العلق)

وهذا الحدث المؤسِّس للنص يُعاد تقديمه في السورة التالية (97) عبر حكاية عما حول /القراءة/، وعطائه وحقيقته. فإذا كان “اقرأ” يمثّل الحدث الأصلي لانبثاق الكتاب، فإن سورة 97 تدوّن هذه الحدثية في خطابٍ فوق-نصي (ميتا-خطاب):

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ(1) وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ(4) سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ (5)” (القدر)

هكذا يحضر في المكان/الزمان نفسه العطاء، والكتابة، والتلفّظ، والمعنى. وبالمثل، فعل “قُلْ” الذي يتصدّر هذا العدد الكبير من الآيات، بوصفه علامةً توصيلية، وحدثية، ضمن عبارات تصف وظيفة النبي كرسول ومبشّر ومبلغ وداعٍ ومذكِّر، كما في سورة الغاشية:

“فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22)”

النص وما-فوق المتن (الميتا-نص) متداخلان في مكان /زمان واحد، ما يخلق تجاوزًا للحرف ويؤسّس حضورًا نصيًّا استثنائيًا، هو النص الديني. فإذ يقول النص كلّ شيء عن الخلق، فإنه يقول في الوقت ذاته عن خباياه وعن منزِّله جل في عليائه، مُظهرًا إيّاهما، دالًّا على الاستمرارية الجوهرية التي لا تنضب ولا تُحَدّ بين الخالق والخلق، عبر العطاء والوعد.

الخاتمة

كما تبيّن لنا من خلال قرائتنا للنص القرآني، فإن دراسة شبكات الدلالة في النص القرآني تتيح مقاربةً جديدة ونظرةً مغايرة إلى هذا النص. هذه الشبكات تفترض أن النص مشروع متجانس ومنطقي، مُؤلَّف ويتمتع بمنطقٍ داخليٍّ متماسك. يقدّم كويبرس Cuypers، في قراءته لعدد من السور القرآنية، فرضية “مبدأ تنظيمي” [ص 15] يعمل في النص ويحكمه، ويقترح آلية للتحليل والقراءة مبنيّة على البلاغة السامية[5].

وانطلاقًا من قراءتنا لسورتي 12 يوسف و18 الكهف، وتحليلنا للنداءات المباشرة الموجّهة إلى غير المؤمنين في النص القرآني، لاحظنا وجود سلطة تأسيسية في ما قبل النص، كما تبين لنا تدفق الدلالات عبر النسق الشكلي. ويمكننا الآن، بعد إنجاز مرحلة متواضعة في هذا المسار الهادف إلى قراءةٍ تزامنية للنص القرآني، أن نقترح “إشارات إرشادية” أو مفاهيمَ تتيح منهجًا لفهم هذا النص، الذي كان وما يزال موضع جدل. نعتمد في منهج القراءة على شبكاتٍ مبثوثة في النص ومكوِّنة له. وشبكة الدلالة تتألّف من عدّة مقاطع تقدّم مسارًا دلاليًا محدَّدًا. هذه المقاطع مكوّنة من جمل أو من آيات، وتُسهم في تطوير مسار بعينه من الدلالة، يتمتع بتطوّرٍ ونهايةٍ معيّنين. لكن هذه الشبكات، وإنْ كانت تتشكّل أولًا من وحداتٍ دلالية، فهي أيضًا مكوّنة من وحدات بنيوية وأصلية (اشتقاقية/إيتيمولوجية) وإيقاعية، إلخ. هذه الوحدات متنوّعة في طبيعتها ويمكن أن تتكاثر كلّما تقدّمت البحوث والقراءات. ونقترح أن ندرج محاولاتنا في هذا المسار، مع الحرص على قدرٍ أكبر من المنهجية سعيًا إلى الموضوعية. نتقدّم مثل قصير النظر، ملتصقين قدر الإمكان بعلامات النص، متبنّين المبدأ الذي تقرّره المناهج النقدية الأدبية المعاصرة، ومفاده أنّ كل نص يفرض منهج تحليلِه الخاص.

وفرضيتنا الأساسية أنّ القرآن الكريم كلام الله المقدس، هذا النص الفريد الذي لا يمكن تجاوزه. فالنص ليس تجمّعًا لمقاطع أو نصوص ذات إلهاماتٍ متفرّقة ومتباينة. والقرآن، بالنظر إلى العدد الكبير من البحوث المنجزة قبلًا، ومن بينها أبحاثنا المعروضة هنا، له آلية تدوينٍ خاصة جدا، صادرة عن ذات واحدة في التلفّظ. والشبكات الجارية في النص والمكوِّنة له تُسهم في مستوى عميق من الفهم والتأليف وتثبيت النص. وأصلُ هذه الشبكات وعلّة وجودها الأساسية إنما هما في المستوى الدلالي، لتتوسّع بعد ذلك بأتصالها بسائر العلامات النصيّة التي أشرنا إليها: بنيوية، وإيقاعية، وبلاغية، وغيرها.

وإذا كان بوسعنا أن ندرج، في بعض معطياتها، هذه المقاربة البحثيّة ضمن خط المدرسة التقليدية والمجدَّدة، في “تفسير القرآن بالقرآن”، فإننا نأمل أن نفتح الطريق لمسارات أخرى في قراءة النص القرآني، تتيح فهمًا أوسع وأكثر تدرّجًا. ومساهمةُ اللسانيين والسيميائيين والبلاغيين والمتخصّصين في الشفوية والنقاد الشعريين، وسائر العلوم المتعلّقة بالدراسات النصية، لن تكون إلا إثراءً لهذا النوع من البحث.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ظهرت النسخة الأولى الموجزة لهذا البحث في منشور وقائع الندوة الدولية للحوار والجدل، القاهرة، إبريل/نيسان 2002.

** أستاذ اللغة الفرنسية. قسم اللغة الفرنسية. كلية الآداب، جامعة القاهرة.

[1] يوضح جاكوبسون Jakobson “إن توجيه الحديث للمخاطب، والوظيفة الندائية، يجدان تعبيرهما النحوي الأنقى في صيغة النداء وصيغة الأمر، والتي، من وجهة نظر نحوية وصرفية، وحتى صوتية في كثير من الأحيان، تختلف عن الصيغ الاسمية والفعلية الأخرى.” [ص 142]

[2] ابتكر أ. ج. غريماس Greimas النموذج الفاعلي عام ١٩٦٦ ضمن إطار تحليل السرد البنيوي، مستندًا إلى أعمال ف. بروب V. Propp. يتألف هذا النموذج من ستة عناصر: الفاعل (البطل)، والمرسل (المصدر)، والموضوع (المحايد)، والمتلقي (المستقبل)، بالإضافة إلى المؤيد (المساعد)، والمعارض (الخصم). ويشمل هذا النموذج ثلاثة محاور للعلاقة بين الفاعلين : السعي والتواصل والسلطة.

[3] الجن، بحسب أصل الكلمة، مخلوقات “لا تُدرك بالحواس”: فكلمة “جن” تعني إخفاء شيء عن الحواس، أو ستره. ومن هنا جاءت تسمية “مجنون” (أي الذي تمت تغطية عقله)، و”جنين” (أي الجنين) الذي يخفى في رحم أمه (انظر معجم المصطلحات القرآنية). والجن مخلوقات ورد ذكرها في النص القرآني، تختلف في جوهرها عن جوهر الإنسان، وهي جزء من الخلق.

 “خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15) ” (سورة الرحمن)

[4] صيغ الأمر: تتكون صيغة الأمر من الصيغ أو التراكيب الفعلية التي تُستخدم للتعبير عن أمر. فجملة الأمر هي صيغة أمر، وكذلك صيغة التمني في بعض الحالات (يجب أن يرحل!). وأخيرًا، يمكن اختصار صيغة الأمر إلى كلمة واحدة (اصمت!). (قاموس اللغويات).

[5] راجع أعمال كيبير، وتحديدًا كتاب “تكوين القرآن” الذي يشرح فيه ويطور تحليله للنص القرآني بالاعتماد على بيانات من البلاغة السامية.

عن هبة مشهور

شاهد أيضاً

المعنى القرآني: معالم الطريق إلى فقهه في سياق السورة

تأليف: أ. د. محمود توفيق محمد سعد

عرض: أ. يارا عبد الجواد

خلق الله عز وجل الإنسان ولم يتركه هملا، بل سخَّر له الكون وأمده بمقومات الحياة وأنزل له منهاجًا يدله عليه ويعرفه به سبحانه ويهديه في رحلته إلى ما فيه صلاحه في الدنيا ونجاته في الآخرة.

أسلوب الاستدراج العاطفي: دراسة في بلاغة الخطاب الإقناعي في القرآن الكريم

د. عزيز محمد عدمان

من المركوز في الطبع أنّ النّفس البشريّة السّليمة تنصاع للحوار الهادئ المُبصِر، وتنقاد للإقناع المؤثِّر؛ لأنها مجبولة على حب الإحسان إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.