أخبار عاجلة

بين الدعاء والاستجداء الرقمي

بين الدعاء والاستجداء الرقمي

أ. د. شريف عبد الرحمن سيف النصر*

إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتساءل حول معنى وجوده، بخلاف الكائنات الأخرى التي توجد فحسب، أو لا يمثل الوجود مشكلة بالنسبة لها.

مقدمة

إذا كان التساؤل عن الوجود خاصية مميزة للإنسان، فإنه أيضًا (أي التساؤل) هو مما يحدد طبيعة هذا الوجود ونمطه. فالتساؤل يتضمن معنى مهمًا، وهو النقص الواعي، فالإنسان المتسائل يعي أن جوهر وجوده هو النقص، فيتساءل ليسدّ هذا النقص لديه، فالسؤال في جوهره هو “تجاوز” للذات المحدودة إلى أفق أكثر اتساعًا، وهو اعتراف صريح بأن الحقيقة لا يمكن أن “تكتمل” داخل دائرة الوعي الفردي. ولكن الإنسان كلما تساءل أكثر، كلما تبين له نقصه بدرجة أوضح. ولهذا فإن العلاقة بين الوعي بالنقص وبين التساؤل علاقة دائرية، فالتساؤل يثير الوعي بالنقص، والوعي بالنقص يؤكد الحاجة إلى السؤال!

أولا – الدعاء: من حيرة التساؤل إلى طمأنينة المناجاة

إذا كان المبرر الوجودي للسؤال هو وعي الإنسان بنقصه، فإن المعنى الروحي الذي يبرر الدعاء ينبع من وعيه باحتياجه، لا إلى المخلوقين، ولكن هذه المرة إلى الخالق سبحانه.

ورغم أن الاحتياج هو أيضًا نوع من النقص، إلا أن طبيعة الدعاء تختلف عن طبيعة السؤال في عدد من الجوانب. فبينما ينطلق السؤال من نقص قابل للترميم بالبحث داخل الذات، أو فيما عند الآخرين، أو عبر نظر الإنسان في الموجودات من حوله. ينطلق الدعاء من وعي بنقص أعمق يصل بالإنسان إلى إدراك حقيقة فقره إلى خالقه [يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿فاطر:١٥﴾] والفقر هنا يتجاوز العوز المادي، ليشمل الفقر الوجودي الذي لا يقدر على معالجته إلا خالق الوجود، سبحانه.

وإذا كان السؤال ليس نهاية المطاف في ذاته، فقد يتساءل المرء، ولا يصل إلى الجواب الذي يبتغيه؛ فيظل على نقصه، فإن الدعاء يتضمن معنى الإجابة بداخله [ادْعُوا اللهَ وأنتمْ مُوقِنُونَ بالإجابةِ] (الترمذي)، فالدعاء مراد في ذاته، بوصفه “صلة” تتولد من الفعل المحض؛ فمجرد شعور العبد بفقره أمام خالقه يمنحه نوعاً من “الغنى النفسي” الذي لا توفره الإجابات المادية.

وأخيرًا فإنه إذا كان “جوهر” كل من السؤال والدعاء مشترك من حيث الشعور بالنقص والاحتياج، فإن “أعراضهما” تتباين، ففيم يستدعي السؤال معاني تتراوح بين الحيرة، والتعجب، والدهشة، والشك، والقلق، فإن أعراض الدعاء تستدعي معاني مختلفة يأتي في مقدمتها الاضطرار؛ [أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ‎﴿النمل:62 والاضطرار هو تلك الحالة القسرية التي تُشعر الإنسان بالعجز التام، وتقطع عنه كل سبيل إلا سبيل الله وحده. ومن رحِم الاضطرار يأتي التضرع [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿الأعراف:٥٥﴾] بوصف التضرع هو “الحال” المطلوبة عند ممارسة فعل الدعاء، فإذا كان الدعاء هو مجرد كلمات وألفاظ، فإن التضرع هو “الروح” التي تحركهما. كما تتشابك علاقة الدعاء بـالخوف والطمع [وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿الأعراف:٥٦﴾‏] فلولا الخوف والطمع، لظل الإنسان سجينًاً لمشاعره الداخلية، دون أن يترجمها إلى صلة مع الخالق. ومن مستلزمات الدعاء إخلاص الدين [فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿غافر:٦٥﴾] وإخلاص الدين يشير إلى “تجريد القصد”، بمعنى أن يتوجه الداعي بكليته نحو الخالق، متحرراً من الالتفات إلى الأسباب المادية أو الاعتماد على المخلوقين. فإذا تحققت الشروط السابقة تولدت “السكينة”، [وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴿التوبة:١٠٣﴾] وذلك حين ينقلب الضيق طمأنينةً، ويتحول الافتقار إلى غنى. كما يتلازم فعل الدعاء عادة مع “إلحاح” [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴿الأنعام:52] يعبر عن استمرارية الاحتياج وتواصله، و”توكل” [رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿الممتحنة:٤﴾‏] يعلن تصالح الإنسان مع حقيقة عجزه أمام قيومية خالقه.

  • بين عجز الذات وإطلاقية القدرة

الدعاء بهذا المعنى ليس مجرد وسيلة لتحقيق الأغراض، وليس سؤالا بالمعني الذي ينحصر مدلوله في السعي للحصول على إجابة، وإنما هو الطريقة التي يسعى من خلالها الإنسان لتدارك نقصه وضعفه وحاجته، عبر اعترافه بحدود قدرته أمام إطلاقية قدرات خالقه، فالعبد بين يدي ربه يشبه الطفل الذي لا تثقله أعباء الحياة مادام يستند إلى كنف أبيه؛ فكما يرى الطفل في أبيه بطلاً قادراً على تلبية كل آماله، تمتد ثقة المؤمن بربه لتتجاوز كل الحدود، موقناً بأنه الفتاح الذي يفتح مغاليق الرزق، والحفيظ الذي يقيه شرور الخلق، واللطيف الذي ييسر له شؤون حياته وتصاريفها.

  • الدعاء كتحرر من الأسباب المادية

ويترادف الدعاء بالمعنى السابق مع معنى العبادة بأكملها، من حيث هو اعتراف بأنه حتى مع الأخذ بالأسباب وسعي الإنسان المادي، فإن الله وحده هو مسبب الأسباب. فالعبد لا يخلق أفعاله ولا يملك القدرة الذاتية على إيجادها من العدم أو التحكم في الظروف المحيطة بها لإنجاحها. ولهذا يتوجه العبد إلى الإله القادر، يتوسل توفيقه لإنجاز أفعاله على الوجه الأتم (وإلا فإنه يمكن أن يأتي العبد أفعالا ظاهرها التحقق والإنجاز وهي في حقيقتها خالية من البركة، وبعيدة عن المقصد الذي وجدت لأجله).

ولهذا لا يمثل الدعاء مجرد “طقس تعبدي” يمارسه المؤمن، بل يصير هو لب العبادة؛ لأنه “إقرار عملي” يُفصح من خلاله الداعي عن يقينه بأن زمام أموره كلها إنما هي بيد الله سبحانه، وأن دوره هو السعي بالقلب والبدن، بينما الخلق والتمكين والتوفيق هي منح إلهية لا تتحقق بركتها إلا بالدعاء.

ثانيا – الاستجداء الرقمي: النزوح من السماء إلى الشاشات

في إطار السياق الرقمي السائد تحول الشعور بالافتقار النفسي (الذي كان يُترجم إلى ممارسة فعل الدعاء واللجوء للخالق) إلى طلب للاعتراف الاجتماعي (الذي أصبح يترجم بالتواجد المتواصل على شبكات التواصل)، وبدلاً من انتظار الإجابة من الله، أصبح كثيرون ينتظرون أو بالأحرى يستجدون “التفاعل” من الآخرين.[1]

وقد تولد عما سبق ظاهرة تطلق عليها هذه الورقة اسم “الاستجداء الرقمي”، والذي يمكن أن نعرفه بأنه ذلك السلوك التواصلي الذي يقوم فيه الفرد بتوجيه طلبٍ ضمني، أو صريح للاعتراف، أو الانتباه، أو الدعم العاطفي، أو التقدير، عبر الوسائط الرقمية، إلى جمهور بشري افتراضي، مع توقّع استجابة تمنحه نوعًا من الإشباع النفسي أو الرمزي.

وإذا كانت الفورية هي الروح الحاكمة للبيئة الرقمية، فإنها باتت تشكل سلوك العديد من المرتحلين إلى تلك البيئة. ففي مقابل فعل الدعاء الذي ينطوي على قابلية الإرجاء، وعلى احتمالية وجود فترة انتظار بين الطلب والاستجابة، يعمل “الاستجداء الرقمي” داخل اقتصاد زمني مختلف، تُقاس فيه الفاعلية بسرعة التفاعل. لذلك يتحوّل المستجدي الرقمي إلى ذات مترقبة، تراقب الإشعارات وتترقبها، بحيث يغدو التأخر في الاستجابة قرينة على الإخفاق أو انعدام الاعتراف.

وإذا كان الدعاء يفترض —على الأقل في صورته الأصلية— علاقة خفية بين الإنسان وربه، فإن الاستجداء الرقمي يعيد توجيه فعل الافتقار من مجال المناجاة إلى مجال الاستعراض. فما كان يُكابَد في الخفاء يصبح قابلاً للنشر في العلن، وما كان يُستبطن بوصفه محنة شخصية يتحول إلى مادة مرئية تُتداول داخل اقتصاد الانتباه الرقمي؛ حيث يُعاد تقديم الألم، والمرض، والقلق، بل وحتى الموت، باعتبارها وقائع قابلة لحشد التعاطف واستدعاء التفاعل، عبر طلبات متكررة للدعاء والمساندة.

وهنا، رغم بقاء “طلب الدعاء” حاضرًا في ظاهر الخطاب، فإن مطلب الاعتراف الاجتماعي كثيرًا ما يصبح مركز الثقل الفعلي. فالمقصود لا يقتصر على التماس الدعاء، بل يمتد إلى تحويل التجربة الشخصية إلى موضوع للمشاركة العامة والتفاعل الجماعي. وكأن الألم لا يكتمل وجوده إلا إذا حظي بالمشاهدة، ونال قدرًا من التعليق والتجاوب، بحيث يغدو الاعتراف الرقمي شرطًا ضمنيًا لمنح المعاناة معناها وقيمتها.

  • سيكولوجية التدين الرقمي

يذهب البعض إلى أن الاستجداء الرقمي قد تحول لما يشبه “الطقس الشعائري”. فالإنسان الذي يمسك هاتفه فور استيقاظه ليتابع التفاعل مع منشوراته وتدويناته يشبه في سيكولوجيته —مع الفارق— من يستفتح يومه بالدعاء. كلاهما يبحث عن “معنى” لوجوده في الحياة. لكن في الوقت الذي يبحث فيه الداعي عن معني لوجوده من خلال الاتصال بخالقه عبر فعل الدعاء، فإن المستجدي الرقمي يستمد قيمته أو يستشعر معنى وجوده من ذكر الآخرين له، وتعليقهم أو إعجابهم أو مشاركتهم لمنشوراته.

الغريب أن الاستجداء الرقمي قد يُغلَّف في كثير من الأحيان بغلاف من الفردانية ودعوى الاستغناء عن الآخرين. فالمستجدي الرقمي يمكن أن يصور نفسه كإنسان متحرر من الحاجة إلى الآخرين، وغير محتاج لسند غيبي أو بشري، وقد يدعم هذا بنشر صور أو آراء تبيّن كيف أنه “غير مبالٍ”، لكنه يفعل ذلك حين يفعله وهو يراقب عداد التفاعلات لحظة بلحظة. هنا يصبح التظاهر عن “الاستغناء عن الآخرين” نفسه هو “المحتوى” الذي يستجدى الفرد من خلاله اعتراف الآخرين. وكأنه يقول للناس “أنا لا أحتاجكم”، لكني أحب أن أسمع منكم العبارات المشجعة على ذلك!

  • تعاطف بلا كلفة: مفارقات الإسناد النفسي الرقمي

من مفارقات الاستجداء الرقمي أنه كثيرًا ما ينتج نمطًا من التعاطف منخفض التكلفة ومنخفض الالتزام؛ إذ يسمح للآخرين بأداء فعل المساندة في صورته الرمزية، من دون الاضطرار إلى تحمّل كلفة حقيقية من الوقت أو الجهد أو الموارد. وهكذا تُستبدل المساعدة الفعلية بمؤشرات رقمية على الاهتمام، فيغدو التعليق أو الإعجاب أو إعادة النشر بمثابة بديل رمزي للفعل. غير أن الإشكال الأعمق يتمثل في أن المستجدي الرقمي قد يراهن على هذا التفاعل بوصفه قوة قادرة على تغيير واقعه، بينما لا يتجاوز أثره — في كثير من الأحيان — حدود الإسناد النفسي المؤقت، أو إعادة تدوير أزمته داخل الفضاء الرقمي بدلا من معالجتها.

فالاستجداء الرقمي يراهن، في كثير من الأحيان، على ذوات متفاعلة داخل الفضاء الرقمي، لا تربطها — في الغالب — التزامات مباشرة تجاه ما تشاهده أو تتفاعل معه. بل إن فعل المشاهدة نفسه قد لا يزيد لدى كثير من هؤلاء عن كونه مجرد فعل ترفيهي أو لون من ألوان التسلية. ولهذا يغدو الحشد الرقمي، في حالات كثيرة، حشدًا هشًا وعابرًا؛ قد يلتف حول قضية ما بكثافة، ثم ينصرف عنها سريعًا حين يجد جديد أو يظهر “تريند” أكثر حضورًا.

ثالثًا – الموت كمحتوى: عندما يفشل “التريند” في حماية الذات

مثلت بعض حالات الانتحار الأخيرة — بما في ذلك ما جرى منها على مرأى من الجمهور عبر البث المباشر — مؤشرًا صادمًا على طبيعة التحولات في أنماط الاستغاثة الوجودية لدى بعض الأفراد. فبدلًا من الالتجاء إلى الدعم الإلهي أو دوائر الصلة القريبة، بدا أن الفضاء الرقمي أصبح، لدى البعض، ساحة أخيرة لطلب النجدة أو الاعتراف أو الشهادة على الألم. وفي هذا السياق، يبرز الاستجداء الرقمي لا بوصفه سببًا مباشرًا للأزمة، وإنما باعتباره عرضًا للتحول في جهة الالتجاء؛ من علاقة رأسية بالمطلق إلى رهان متزايد على استجابة الآخرين وتفاعلهم. غير أن هذا الاعتراف الرقمي، بسبب هشاشته وتقلبه، قد يعجز أحيانًا عن “إسناد الذات” في لحظات الانهيار القصوى.

وتكشف هذه الحالات — على نحو فج — حدود الإحساس بالامتلاء المستمد من “كثافة الانتباه” الرقمي؛ إذ يبدو هذا الامتلاء، في أحيان كثيرة، هشًا وقابلًا للتبدد أمام أول احتكاك قاسٍ بالواقع. فبينما كان الوعي بالاحتياج الروحي يوفر — لدى كثيرين — إطارًا للتماسك النفسي والاحتمال عبر الالتجاء إلى الخالق، يفضي التعويل المفرط على الاعتراف الرقمي إلى شكل من الإشباع المؤقت، الذي لا يصمد دائمًا أمام تراكم الإحباطات أو الشعور بالعزلة. ولهذا تتكرر، في رسائل المنتحرين أو الشهادات المحيطة بهم، إشارات مؤلمة إلى الإحساس بعدم الفهم أو الوحدة، رغم اتساع دوائر تفاعلهم الرقمي. وكأن وفرة الإعجابات والمتابعات لم تكن كافية لتوفير ذلك الإشباع العاطفي العميق، أو الإحساس الحقيقي بالاحتواء الذي كانوا يرجونه.

ولعل أحد أخطر أبعاد ظاهرة الانتحار على البث المباشر يتمثل في تحول “فعل الموت” نفسه إلى محتوى (Content)، يُعرَض على جمهور افتراضي لحظة وقوعه، ليدخل —ولو على نحو مأساوي— ضمن اقتصاد التفاعل القائم على المشاهدة والتعليق والمشاركة. ويثير هذا التحول سؤالًا مقلقًا حول طبيعة البيئة الرقمية ذاتها، وما إذا كانت قد تحولت إلى مساحة برية، تستبدل فيها معادلة “كل شيء يمكن أن يصير سلعة” المميزة للرأسمالية التقليدية، بمعادلة جديدة شعارها “كل شيء يمكن أن يصير محتوى.”

  • أنا مرئي إذن أنا موجود: تآكل الذاتية في مجتمع الفرجة

تُنذر حوادث الانتحار على البث المباشر بانتقالنا من عصر رأسمالية السلع، التي كان شعارها الضمني: “أنا أملك، إذن أنا موجود”، إلى عصر الرأسمالية الرقمية أو ما يسميه بعض الباحثين “رأسمالية جذب الانتباه”،[2] حيث يصبح الشعار الجديد: “أنا مرئي، إذن أنا موجود”. وفي هذا النمط من الرأسمالية تتآكل، بصورة متواصلة، قدرة الإنسان على التفكير العميق، بما في ذلك تأمله في معنى وجوده ذاته. ففيض الصور والمعلومات لا يورث المعرفة بالضرورة، بل كثيرًا ما ينتج سطحيةً في إدراك الإنسان للعالم، ولنفسه، ولحياته، وقيمتها.

فإذا كانت القدرة على التفكر هي الشرط الذي يمنح الإنسان ذاتيةً مستقلة لا تستمد وجودها من الاعتراف الخارجي المتواصل، فإن رأسمالية “جذب الانتباه”، عبر تسطيحها للوعي وتشجيعها المستمر على الانكشاف، تجعل الإنسان الرقمي أسيرًا لتقلبات الإعجاب وعدّادات المشاهدة. وبذلك يغدو الظهور شرطًا للبقاء الرمزي، فيندفع الفرد إلى إنتاج كل ما يضمن استمرار حضوره داخل مجال الرؤية العامة. غير أن هذا السعي الدائم إلى الظهور، ينتهي تدريجيًا إلى تآكل الذاتية نفسها، إذ يتحول الإنسان إلى مادة قابلة للاستهلاك، تتنافس، بما تبقى لها من إرادة، على اجتذاب الانتباه عبر أشكال من الأداء تتراوح بين التفاهة والإفراط الصادم.

من ناحية أخرى، يورث مجتمع الفرجة نوعًا من السطحية في تصور الإنسان لمصادر التقدير التي يعتقد أنه يستحقها. ففي السياقات الإنسانية التقليدية، كان الفرد يستمد الاعتراف من دوائره الصلبة، كالجماعة الدينية، والأسرة، وزملاء الحرفة أو المهنة. وكان وجوده الاجتماعي مكفولًا بانتمائه إلى هذه الدوائر، بصرف النظر عن نجاحه أو فشله، غناه أو فقره. غير أن تفكك كثير من البنى الأصلية، بالتوازي مع تنامي علاقات الاستجداء الرقمي، أدى إلى اختزال الاعتراف في أعداد المتابعين، ومؤشرات الإعجاب، وعدّادات المشاهدة. وهكذا لم يعد الوجود مرتبطًا بالقيمة أو الإنجاز بقدر ارتباطه بالظهور؛ فإذا لم يحصد الفعل انتباهًا، أي اعترافًا رقميًا، بدا وكأنه لم يقع أصلًا.

  • رأسمالية الانتباه: من تسليع الأشياء إلى تسليع الذوات

يظهر الكثير من مرتادي الفضاء الرقمي افتقارًا حادًا إلى الاعتراف. هذا الافتقار ليس نابعًا من الشعور الإنساني الواعي بالنقص، والذي كان يدفع الإنسان، في سياقات سابقة، إلى الالتجاء إلى الخالق العلي، وإنما هو افتقار مصنوع ومُدار داخل بنية الرأسمالية الرقمية ذاتها. فهذه الرأسمالية لم تعد تكتفي بتسليع الأشياء، وإنما انتقلت إلى تسليع الذوات. في الرأسمالية التقليدية كان الإنسان يبيع جهده أو منتجاته، أما في الرأسمالية الرقمية فإنه يبيع حضوره نفسه، ويتحول تدريجيًا من “بائع” إلى “محتوى قابل للبيع”. وتكمن الخطورة في أنه إذا كانت السلع التقليدية تدخل في دورة طبيعية من الإنتاج والاستهلاك، فإن اقتصاديات “المحتوى” تتضمن استنزافًا متواصلا للذات (السلعة). فلكي يحافظ الإنسان على حضوره داخل الفضاء الرقمي، يصبح مطالبًا بالاحتراق المستمر (إعادة إنتاج نفسه دائما) كي يظل مرئيًا (قابلا للاستهلاك) من الآخرين.

الخلاصة:

لم يكن الإنسان العادي يستجدي هذا النوع من الاعتراف قبل ولوجه العصر الرقمي، على الأقل بهذه الصورة المتطرفة. غير أن البيئة الرقمية، المصممة لتعمل كثقب أسود للوعي، لا تكتفي بابتلاع الذات وتعميق هشاشتها، بل تُخضع الفرد أيضًا لمنطق “الإشباع المتقطع”. فهي تمنحه جرعات محدودة من الاعتراف، لا تكفي لإشباع حاجته الوجدانية، وإنما تزيد من استثارة جوعه النفسي وإدامة شعوره بالافتقار. وهكذا تتحول الطاقة الداخلية التي كانت قد تدفع الإنسان نحو الاستغناء الروحي إلى تبعية قهرية تعيش على وهم التفاعل الرقمي.

إن ما نشهده اليوم من سلوكيات حدية، كالانتحار على البث المباشر، لا يمكن فهمها بمعزل عن منطق الاستجداء الرقمي. فالفعل هنا لا يؤدي وظيفة التعبير عن الألم فحسب، بل يتحول إلى طقس اعترافي، تُقدَّم فيه الذات قربانًا على مذبح الانتباه الجماعي، أملاً في انتزاع لحظة أخيرة من الرؤية، داخل اقتصاد لا يعترف إلا بما يُعرض ويُشاهَد.

لقد انحرفت البوصلة الوجودية من التوجه نحو الخالق إلى الارتهان لنظرة الآخر الرقمي، فتحولت المنصة من فضاء للتواصل إلى ما يشبه المعبد الافتراضي. ولم يعُد فعل الفرجة مجرد تسلية عابرة، بل غدا طقسًا تعبديًا، يتحول فيه المتابعون إلى سلطة تمنح القبول عبر الإعجاب والمشاركة، أو تُنزِل الحرمان عبر التجاهل والإقصاء. وهكذا يتكرس شكل جديد من الفقر الروحي، تُستبدل فيه طمأنينة الدعاء بقلق دائم مصدره الحاجة إلى الظهور عبر الاستجداء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ مساعد بقسم الحوسبة الاجتماعية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

[1] ثمة لجوء نفعي للبيئة الرقمية، تعبر عنه ممارسات عدة مثل المقايضة الرقمية، أو تسليع المحتوى، عبر طلب المشاركة والإعجاب، لزيادة الـوصول (Reach)، وقد لا يأخذ التفاعل في إطار هذا النوع شكل المقايضة الصريحة، وإنما يتم تصبيغ الطلب بالمشاركة بطريقة توحي باستمرار حضور الوازع المعنوي، ويتمثل ذلك في ظهور نمط من المنشورات التي تربط بين العمل الصالح أو الدعاء وبين التفاعل المادي، كأن يطلب صاحب المنشور من متابعيه التعليق بكتابة اسم من أسماء الله تعالى، أو يطلب ألا يخرج المتابع قبل أن يدون الصلاة على الرسول e كتابة. وهنا يكون المفهوم أن المشاركة على الرغم من القالب الديني الذي وضعت بداخله، مازال غرضها زيادة الوصول إلى المنشور، لأغراض نفعية في العادة.

[2]  يُعد مصطلح “رأسمالية الانتباه (Attention Capitalism) تطوراً حديثاً لمفهوم اقتصاد الانتباه الذي صاغه الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل هربرت سايمون عام 1971. يرى سايمون أن “وفرة المعلومات تخلق فقراً في الانتباه”، مما يولد حاجة ملحة لتوزيع هذا الانتباه بكفاءة بين المصادر الهائلة التي تستهلكه. في هذا السياق، يصبح الانتباه هو السلعة الأندر والأكثر قيمة.

عن شريف عبد الرحمن سيف النصر

شاهد أيضاً

الذكاء الاصطناعي “من مقتنيات مكتبة المركز”

مركز خُطوة للتوثيق والدراسات

تأثير استخدام شبكة الإنترنت على التماسك الأسري

الإنسان والمجتمع بين الذكاء الاصطناعي والميتافيرس

الحميمية الخوارزمية

الإنسان الرقمي والحضارة القادمة

تأليف: أ. د. دانيال كوهين

ترجمة: د. علي يوسف أسعد

عرض: أ. أحمد خميس أحمد السمبختي

على عكس المتوقع من عنوان الكتاب "الإنسان الرقمي والحضارة القادمة"، لا يُعنى هذا الكتاب فقط بالأثر المباشر للآلة الرقمية على الإنسان، بل يرسم من ثنايا الموضوعات التي يُغطيها صورة لمجتمع كامل يُشكل الإنسان، ويشكله الإنسان والآلة معًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.