أخبار عاجلة

القوامة الزوجية

القوامة الزوجية

دراسة في المفهوم والسياق الاجتماعي المتغير*

د. محمد أبجطيط**

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين؛ سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن مفهوم القوامة الزوجية الذي جاء الشرع الإسلامي الحنيف لتقريره داخل الأسرة المسلمة، وتولى المفسرون بيانه وتعليله بربطه بسياقاته المعاصرة لزمن النبوة، نجد اليوم هذا البيان والتعليل قد طرأ عليه تَغَيرات في مستويات عديدة، تتعلق بالسياق البيئي والاجتماعي والاقتصادي المتغير، والعوامل الموجبة لهذه القوامة -حسب أقوال المفسرين- التي كانت قائمة في عصر النبوة، ولم تعد كذلك في عصرنا الحاضر.

وكل هذه العوامل والتغيرات الحاصلة في مفهوم القوامة، وما أحدثته من إثارة للشبهات حول الإسلام، من طرف خصوم الإسلام على اختلاف مشاربهم وأنواعهم تدفع الباحث لخوض غمار البحث في هذا الموضوع، وضبط ما هو قابل فيه للتغير، وما هو من قبيل الثوابت التي لا تقبل التبديل أو التغير في الشرع الإسلامي الحنيف.

وانطلاقًا من هذه الأرضية البحثية، وأهدافها المتوخاه يمكن تحديد السؤال الإشكالي الذي سنحاول معالجته من خلال هذه الورقة البحثية: إلى أي مدى يمكن أن تكون القوامة الزوجية بمفهومها الذي تناوله المفسرون لكتاب الله تعالى ثابتة ومناسبة لعصرنا الحاضر؟

ويتفرع عن هذا السؤال تساؤلات منها:

  • ما المقصود بمفهوم القوامة الوارد في قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوامُونَ عَلَى النِّسَاء) (النساء: 34)؟
  • وما هي موجبات القوامة الزوجية عند العلماء المفسرين لكتاب الله؟
  • إلى أي مدى يمكن أن تكون هذه الموجبات والعلل التي فسر بها العلماء القوامة الزوجية قائمة في وقتنا المعاصر؟
  • هل من مقاربة مناسبة لمفهوم القوامة الزوجية التي تساير العصر ولا تخالف الأصل؟

وانطلاقًا من هذا التساؤلات التي اقتضت المنهج الاستقرائي لآراء العلماء في الموضوع والمنهج الوصفي التحليلي لدراستها وتحليلها، قسمت هذا البحث إلى المباحث الآتية:

  المبحث الأول: مفهوم القوامة الزوجية: لغة وشرعًا، وموجباتها عند المفسرين.

  المبحث الثاني: وقفات مع تأويل المفسرين لآيات القوامة، للتمييز بين ما هو قائم في عصرنا الحاضر، وما هو متغير وفق السياق الاجتماعي المتغير.

  المبحث ثالث: مجموعة من المبادئ والمقومات التي يمكن أن تُفَسَّر فيها القوامة الزوجية، وهي مقومات تضبط المفهوم وفق المبادئ الكبرى التي تؤطر الحياة الزوجية والتي لا تخالف الأصول الشرعية، ولا السياق الاجتماعي المتغير، بل تستوعبهما معًا.

المبحث الأول

القوامة الزوجية

مفهومها وموجباتها عند المفسرين

المطلب الأول: القوامة في اللغة

قال ابن الأثير: “القوم في الأصل مصدر قام ثم غلب على الرجال دون النساء وسموا بذلك لأنهم قوامون على النساء بالأمور التي ليس للنساء أن يقمن بها… ومن المجاز قام الرجل المرأة وقام عليها: قام بشأنها متكفلًا بأمرها فهو قوَّام عليها مائن لها”[1].

ومن المعاني التي يضيفها الفيومي في المصباح المنير يقول: “والقِوام بالكسر ما يقي الإنسان من القوت، والقَوام بالفتح العدل والاعتدال. قال تعالى: (وَكَان بَينَ ذَلكَ قَوامًا) (الفرقان: 67) أي عدلا، وهو حسن القوام، أي الاعتدال[2].

أما ابن منظور فيورد في لسانه “القيام بمعان متعددة، فيورده بمعنى العزم، وذلك كقوله تعالى: (وإنَّه لمَا قَامَ عَبدُ الله يَدعُوه) (الجن: 19). ويورده بمعنى المحافظة والإصلاح كقوله تعالى: (إلاَّ مَا دُمتَ عَليه قَائمًا) (آل عمران: 75). أي: ملازمًا محافظًا. أما معناه في موضوعنا فيقول: ” قَيِّمُ المرأَةِ: زَوْجُهَا لأَنه يَقُوم بأَمرها وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَقَامَ بأَمر كَذَا. وَقَامَ الرجلُ عَلَى المرأَة: مانَها. وَإِنَّهُ لَقَوّام عَلَيْهَا: مائنٌ لَهَا. وَفِي التنزيل العزيزِ: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساء) وَليسَ يُرَادُ هَاهُنَا، وَاللَّه أَعلم، القِيام الذِي هُوَ المُثُولُ والتَّنَصُّب وَضِد القُعود، إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ قُمْتُ بأَمرك، فَكَأَنَّهُ، وَاللَّهُ أَعلم، الرِّجَالُ مُتكفِّلون بأُمور النساء مَعْنِيُّون بشؤونهن[3].

ومن خلال الوقوف عند الدلالة اللغوية لكلمة: “القِوامة” في المعاجم المذكورة أعلاه يتضح أنها تعني: القيام على الشيء، والتكفل به والمحافظة عليه، ومراعاة مصالحه وشؤونه قائمًا وراعيًا في كل الأحوال، وهذه القوامة التي تعني القيام، إما أن تكون على النفس أو المال كما سيأتي.

المطلب الثاني: القوامة في الاصطلاح الفقهي

تعني القِوَامَة في الاصطلاح الفقهي: – بكسر القاف وفتح الواو والميم-: القيام على الأمر أو المال ورعاية المصالح[4].

بهذا فإن الاستعمال الفقهي للكلمة لا يخرج عن معناها اللغوي، والفقهاء يستعملون لفظ “القيّم بمعنى المتولي والناظر، فيقولون: القيّم على الصغير والمجنون والسفيه، والقيّم على مال الوقف. ويريدون به الأمين الذي يتولى أمره ويقوم بمصالحه قيام الحفظ والصيانة. والصلة بينهما أن القوامة أخص من الولاية[5].

فيبقي الاستعمال الفقهي لكلمة القوامة غير خارج عن معناه اللغوي، لكنه ينقسم إلى قسمين رئيسين:

  1. قوامة على النفس: وهي رعاية ذات القاصر كتعليمه وتهذيبه وإطعامه ونحو ذلك؛ وهذه تكون للولي ولغيره كالحضانة.
  2. قوامة على المال: وهي رعاية مال القاصر كالاتجار بماله، وأداء ما عليه من حقوق مالية ونحو ذلك، وهذه لا تكون إلا للولي والحارس القضائي[6].

وغرضنا في هذا البحث هي القوامة على النفس التي تشمل الزوجة، وجميع أفراد الأسرة الذين هم تحت رعاية الرجل من أهل بيته وعشيرته.

المطلب الثالث: مشروعية القوامة

قرر الله تعالى القوامة في كتابه العزيز بقوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوامُونَ عَلى النِّسَاء بمَا فَضَّل الله بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ وَبمَا أنفَقُوا مِنَ أمْوَالهِم) (النساء: 34)، وقوله تعالى: (وَللرجَال عَليَهن درَجَة)(البقرة: 228)، بعد قوله تعالى: (وَلهُن مِثلُ الذِي عَليهِن بِالمعرُوف وَللرجَالِ عَلَيهِن درَجَة) (البقرة: 228)، فبيَّن في هذه الآية الأخيرة المساواة بين الذكر والأنثى: (وَلهُن مِثْلَ الذِي عَليهِن بِالمَعرُوفِ) إلا في أمر واحد وهو قوله تعالى: (وَللرجَال عَليَهن درَجَة)، وهي درجة القوامة.

ومن الأحاديث النبوية التي تضمنت الرعاية ومستلزمات القوامة؛ ما رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”،.. وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”[7]. ولم يخالف أحد من العلماء في مشروعية القوامة، فهي ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع، إلا أن للعلماء – بطبيعة الحال- في مفهوم القوامة ومستلزماتها شرح وتوضيح.

المطلب الرابع: القوامة الزوجية وموجباتها عند المفسرين

لعل أول مَن عُني بهذا الموضوع، وتولى تبيان مفهوم القوامة في الشريعة الإسلامية، هم علماء التفسير، الذين انبَروا لمهمة تبيان مراد الله تعالى من كلامه؛ ومن هنا، فقد كانت معظم اجتهاداتهم في هذا المجال نابعة من روح الشريعة، ومستندة إلى نصوص الوحيَيْن.

فإذا ما رجعنا إلى تفسير ابن جرير الطبري، سنجدُه قد فسَّرَ الآية الكريمة: (الرجَالُ قَوامُونَ عَلَى النسَاء) (النساء: 34)، بقوله: “الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن، والأخذ على أيديهن، فيما يَجبُ عليهن لله ولأنفسهم”[8].

أما القرطبي فيقول: “أي يقومون بالنفقة عليهن والذب عنهن؛ وأيضًا فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو، وليس ذلك في النساء”[9].

وسبب نزول الآية – كما أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القصاص، فأنزل الله:(الرِّجَالُ قَوامُونَ عَلى النِّسَاء) فرجعت بغير القصاص. وأخرج ابن جرير من طرق، أن رجلًا من الأنصار لطم امرأته فجاءت تلتمس القصاص فنزلت: (وَلاَ تَعجَل بِالقُرآنِ مِن قَبلِ أنْ يُقضَي إلَيكَ وَحيُهُ) (طه: 114)، ونزلت: (الرِّجَالُ قَوامُونَ عَلى النِّسَاء)[10].

ويتحدث القرطبي معللًا قوامة الرجل على المرأة فيقول: “ويقال: إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير فجعل لهم حق القيام عليهن لذلك. وقيل: للرجال زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء، لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين والضعف؛ فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك؛ وبقوله تعالى: (وَبمَا أنفَقُوا مِنَ أمْوَالهِم)[11] (النساء: 34).

ويقول ابن كثير عند قوله تعالى: (وَللرجَالِ عَلَيْهن دَرَجَة) (البقرة: 12)، أي: في الفضيلة وفي الخلق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوامُونَ عَلى النِّسَاء بمَا فَضَّل الله بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ وَبمَا أنفَقُوا مِنَ أمْوَالِهِم) (النساء: 34).

ونجد من المفسرين المتأخرين من ذكر موجبات القوامة وتعليلها في قسمين؛ فقال في تفسير قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوامُونَ عَلى النِّسَاء) أي: قائمون عليهن قيام الولاة على الرعية، في التأديب والإنفاق والتعليم، ذلك لأمرين: أحدهما وهبي، والآخر كسبي، فالوهبي: هو تفضيل الله لهم على النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوة في الأعمال والطاعات، ولذلك خُصوا بالنبوة، والإمامة، والولاية، وإقامة الشعائر، والشهادة في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد والجمعة ونحوهما، والتعصيب، وزيادة السهم في الميراث، والاستبداد بالطلاق. والكسبي هو: (بمَا أنفَقُوا مِنَ أمْوَالِهِم) في مهورهن، ونفقتهن، وكسوتهن[12].

المطلب الخامس:

المراد بالدرجة الواردة في قوله تعالى: {وَلِلرجَال عَليهِن دَرجَة}:

يذكر العلماء الدرجة الواردة في الآية 228 من سورة البقرة، مقرونة بقوامة الرجل، مما يتعين تحديد معناها عند المفسرين لكلام الله تعالى. فقد أورد الطبري في تفسيرها عدة روايات في تأويل هذه الآية الكريمة. قال: قال بعضهم: معنى الدرجة الفضل الذي فضلهم الله عليهن في الميراث والجهاد وما أشبه ذلك[13].

وقال ابن العربي: “وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الدرجة إلى أقوال كثيرة! فقيل: هو الميراث، وقيل: هو الجهاد، وقيل: معمر اللحية: فطوبي لعبد أمسك عما لا يعلم، وخصوصًا في كتاب الله العظيم.

ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء، ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها. لكن الآية لم تأت لبيان درجة مطلقة حتى يتصرف فيها بتعديد فضائل الرجال على النساء؛ فتعين أن يطلب ذلك بالحق في تقدمهن في النكاح؛ فوجدناها على سبعة أوجه:

الأول: وجوب الطاعة، وهو حق عام.

الثاني: حق الخدمة، وهو حق خاص، وله تفصيل، بيانه في مسائل الفروع.

الثالث: حجر التصرف إلا بإذنه.

الرابع: أن تقدم طاعته على طاعة الله تعالى في النوافل، فلا تصوم إلا بإذنه، ولا تحج إلا معه.

الخامس: بذل الصداق.

السادس: إدرار الإنفاق.

السابع: جواز الأدب له فيها. وهذا مبين في قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) (النساء: 34) إن شاء الله تعالى”[14].

وهذه النقول تحتاج منا إلى وقفات ونظرات لضبط ما هو قابل فيها للاستشهاد والتفسير لآيات القوامة والدرجة، وما هو من قبيل الثوابت التي لا تقبل ذلك.

المبحث الثاني

نظرات في تأويل المفسرين لآيات القوامة الزوجية

والسياق الاجتماعي المتغير

لقد ورد الكثير من التفسيرات والتعليلات لموجبات القوامة في النصوص السابقة، وهي تعليلات تجعلنا ندقق النظر في ما هو قائم اليوم منها، وما لم يعد موجودًا، وما يصلح لكل زمان ومكان، وما لا يصلح لذلك، لأن الكثير من هذه التفسيرات التي ذكرها المفسرون قديمًا لم تعد صالحة اليوم، ولم تعد قائمة بالشكل الذي كانت عليه قبل، وهي التي اتخذها المشككون مطية لتحقيق مآربهم.

ففي النص الأول من النصوص التي أوردناها تفسيرًا لآيات القوامة للإمام القرطبي نجده يعلل فيها القوامة بـ “النفقة على المرأة، والذب عنها (الحماية) والحكم الذي يختص به الرجال غير النساء، والغزو. وفي نص آخر يعللها بالزيادة في العقل والتدبير، وقوة في النفس والطبع للرجال.

كما يفسر ابن كثير الدرجة الواردة في الآية (128) من سورة البقرة بالفضيلة في الخلق، والمنزلة، وطاعة الأمر، والإنفاق والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة.

ففي هذه التفسيرات العديد من الأمثلة التي يمكن التوقف فيها، وإعادة النظر في الجزم بكونها علل مناسبة لقوامة الرجل على المرأة في زماننا هذا، مثل: الحماية، التي كانت مطلوبة في زمن معين، حيث المجتمع البدائي أو القبلي الذي تتولى فيه الجماعة والقبيلة الواحدة – أو المتحالفة مع غيرها- التدبير الذاتي لظواهر العنف، والذب عن أهلها وأفرادها.

فهذه الجماعات لم تعُد هي السائدة في عصرنا الحاضر، فالسائد في وقتنا المعاصر هي المجتمعات المدنية التي تحكمها المؤسسات الدستورية، والتي تتولى انتزاع الحقوق والواجبات من الأفراد. كما أن الغزو والأسْر الذي كانت تفرضه الحروب في الزمن الماضي لم يعُد قائمًا بذلك النمط الذي يستهدف النساء لأجل الأسر، إذ أصبحت المرأة اليوم يكفي أن تحمي نفسها بنفسها من خلال التزامها بالحشمة والوقار والتزام خلق العفة والطهارة، وتحمي نفسها بقوة قانون وطنها الذي يطبق على الرجال والنساء معًا. وإن بقي هامش من الحماية للمرأة فليس بالحدة نفسها الذي كان مطلوبًا في الأزمنة الغابرة.

وكما يعلل القرطبي موجبات القوامة بالحماية، يعللها كذلك بـ: “العقل والتدبير” ولو ذكر الحزم والشدة مكان “العقل والتدبير” لكان أقرب إلى ما هو ثابت من طبيعة المرأة لا يتغير، لأن ما نعيشه اللحظة، أصبح شاهدًا على تفوق المرأة علميًا في الكثير من الحقول المعرفية، فالمرأة اليوم ولجت مناصب عليا، وحازت مراتب متفوقة في المدارس والكليات والجامعات. كما أصبحت تدير الكثير من القطاعات الحكومية والشركات والإدارات، وربما استطاعت أن تحقق من النظام والإنجاز ما لم يستطع أن يحققه الكثير من الرجال.

فلا يستقيم أن نستدعي هذا المعنى النبوي؛ كلما أردنا أن نقدم للناس تفسيرًا لآيات القوامة، وإنما هناك من النصوص الكثيرة التي تفي بالغرض المطلوب الذي هو الإيضاح والإفهام لمراد الله تعالى في قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوامُونَ عَلى النِّسَاء) (النساء: 34) كما سيأتي ذلك.

ولعل النقص الوارد في الحديث “مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ” الذي يُرَكَز عليه في تفسير موجبات القوامة على المرأة، وارد كذلك حتى في الرجل نفسه، بحيث لا يصمد أمام إغراء المرأة له وذهابها بلبه وعقله – كما جاء في الحديث-، فهما معًا خلقهما الله تعالى، وأودع فيهما من الشهوة والانجذاب إلى بعضهما البعض؛ مهما بلغ كمالهما في الدين والعقل.

ولعل من الموجبات التي يمكن التوقف فيها أكثر ما ذكره ابن كثير من الفضيلة في الخلق والمنزلة، فليس هناك ما يدل على أن النساء أقل خلقًا أو أكثر من الرجال، فالقيم الأخلاقية منظومة واسعة لا يمكن أن نجزم فيها بتفاوت الرجال على النساء. فقد تكون مسألة التفوق بين الجنسين في خصلة أو قيمة حميدة واردة، لكن لا بد من التحديد والتفسير، حتى يكون لهذه الأحكام القيمية قيمتها في الدقة والتحليل.

وكذلك المنزلة فالمرأة والرجل من آدم، وآدم من تراب، والله تعالى جمعهم في آية واحدة تكريمًا لهم فقال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء: 70)، كما ساوى بينهم في الكثير من الحقوق والواجبات التي سنذكرها في ما بعد.

بل حتى النفقة التي اتفق عليها المفسرون على أنها من موجبات القوامة، نجد الرجل اليوم لم يعد وحده الذي ينفق، وإنما المرأة اليوم أصبحت تنفق أحيانًا عن طواعية في بيت زوجها، وتنفق أحيانًا أخرى وجوبًا عن أسرتها من أبيها، وأمها، وإخوتها الفقراء.

لذلك فالقضية قضية تدقيق وتمحيص، وإعادة النظر في الكثير من التفسيرات التي كانت مناسبة في عصر لم تعد اليوم كذلك.

فالفضيلة ليست ملازمة للرجال لا تتعدى إلى غيرهم، كما أنها ليست حكرًا على النساء؛ بل حسب ما قدمه كل واحد في زمانه وعصره، وهذا هو المعنى الذي وضحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ”[15]، وفيهن وفي مثيلاتهن يصدق قول الشاعر:

وَلَو كانَ النِساءُ كَمَن فَقَدن

 

لَفُضِّلَتِ النِساءُ عَلى الرِجالِ

وَما التَأنيثُ لاِسمِ الشَمسِ عَيبٌ

 

وَلا التَذكيرُ فَخرٌ لِلهِلالِ[16]

لذلك فليس بمجرد التأنيث أو التذكير ينال الإنسان الفضل والدرجة، بل بما حصله كل منهما على حده، وحينها تتفاضل الناس بأحسن الأعمال، ومعالي الأخلاق كما قال تعالى: (إنَّا جَعَلنَا مَا عَلَى الأرضِ زينةً لهَا لنَبْلوهُم أيُّهُم أحْسَنُ عَمَلًا)[17] (الكهف: 7).

ولقد تلطف التشريع الحكيم بالنساء فلم يطلب منهن من الأعمال إلا ما هو في مقدورهن، كما لم يطلب من الرجال التسلط عليهن من خلال قوامتهم على النساء. والدليل على ذلك أن الألفاظ التي تدل على السيطرة أو القهر والغلبة كثيرة في القرآن الكريم، ودلالات هذه الألفاظ ومعناها غير معنى القوامة التي ذكرها القرآن الكريم في سورة النساء (الآية: 34) أو في آيات أخرى مثل قوله تعالى: (وأنْ تَقُومُوا لِليتَامَی بِالقِسْطِ) (النساء: 127)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)، وقوله أيضًا: (يَٰا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوا قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِٱلْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 9)، فلا يخرج معنی (قَوامُونَ) في قوله تعالى: (الرِّجَال قَوامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) عن معنى الاجتهاد في إقامة العدل كما في آيتي المائدة والنساء أو النظر إليهن لاستيفاء حقوقهن. والمعنى واحد في الآيات الثلاثة ومساوٍ للمعنى في آية النساء في قوله تعالى: (الرِّجَال قَوامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)[18].

المبحث الثالث

المقاربة المقترحة

لفهم القوامة الزوجية فهمًا سليمًا

إن ما ذكره المفسرون من التعليلات في تفسير مفهوم القوامة الزوجية الواردة في القرآن الكريم ما هو إلا اجتهاد لتقرير مراد الله تعالى، من خلال ما امتلكوه من القدرة على فهم النصوص وفق سياقها الزماني والمكاني. ومن هذه الاجتهادات ما هو صالح الآن للتعليل ومنها ما لم يعد كذلك. لكن مع هذه التعليلات المتغيرة هنالك من المبادئ الثابتة التي جعلها الحق تعالى أُسسًا وثوابت تقوم عليها الأسرة المسلمة، ومن خلالها تُفهم القوامة الزوجية فهمًا سليمًا. ومن هذه الثوابت ما يأتي:

أولًا- أن القوامة الزوجية خادمة لمبدأ تحقيق السَكَن والمودة والرحمة بين الزوجين:

وهو مبدأ أساسي في تشريع الزواج. فلا يمكن للقوامة الزوجية أن تخالفها، ومتى خالفت هذه الأسس، كانت خارجة عن مراد الله تعالى وما أوصى به القرآن الكريم من العمل على احترام المرأة وبذل الجهد لتوفير العناية والرحمة والإحسان إليها. والإسلام ينظر للزوجة على أنها ركيزة من ركائز إسعاد المجتمع، وأنها منبع من منابع الهدوء والاستقرار والأمن وراحة البال. قال تعالى:(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21).

ثانيًا- أن القوامة الزوجية لا تعني استبداد الرجل بالمرأة ولا بإدارة الأسرة:

فالقوامة ليست سيفًا مسلطًا على المرأة، وإنما القوامة التي شرعها الله تعالى داخل الأسرة هي القائمة على الشورى والتعاون والتفاهم المستمر بين الزوج وزوجته؛ فالشورى واحدة من الصفات المميزة للمؤمنين والمؤمنات، في كل ميادين التدبير وصناعة القرار، والأسرة هي الميدان الأول من هذه الميادين، فالقيّم على شؤون العائلة عليه أن يشاور شريكته، وذلك من حسن العشرة الذي أمر الله تعالی به.

 أما ما اشتهر على السِنَة العامة “شاوروهن وخالفوهن”[19]) فليس بحديث والثابت خلافه. فقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه في بعض الشئون من الأهمية بمكان[20]. ومن ذلك استشارته عليه السلام لأم سلمة في الحديبية حين قال لأصحابه بعد كتابة الصلح: “قُوموا فانحروا ثم احلقوا” فلما لم يقم أحد منهم دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يانبي الله أتحب ذلك، أخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فلما رأوا ذلك قاموا ففعلوا مثل ما فعل عليه السلام. كما أنه منافٍ لقوله تعالى في شأن الوالدين مع رضيعهما: (إِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 231).

 كما نجد في أحاديث عديدة دلالة واضحة على تمتع المرأة المسلمة بحرية الرأي والدفاع عن حقوقها الأساسية والمجادلة فيها، حتى لو كان المخاصم فيها أو المجادل في هذه الحقوق ولي أمرها. وهناك وقائع ثابتة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة الكرام تدل دلالة قاطعة على حق المرأة في حرية الرأي، والدفاع عن حقوقها الأساسية والمجادلة فيها. وحتى يُزال الشك باليقين، وتُصحح الفهوم الخاطئة المنتشرة في الكثير من الأذهان، نذكر هاهنا بعض نماذج – على وجه التمثيل –.

النموذج الأول: ما ورد في قصة خولة بنت ثعلبة

وقد نزل في هذه القصة قوله تعالى في سورة المجادلة: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة: 1).

فقد روى البيهقي وغيره عن عائشة قالت: “تبارك الله الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليَّ بعضه وهي تشتكي إلى رسول الله زوجها وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابی ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك. قالت عائشة: فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)[21]. جاء في تفسير الألوسي: “قوله تعالى: (تُجادِلُكَ فِي زَوجِهَا)، أي تراجع الكلام في شأنه وفيما صدر عنه في حقها من الظهار… ثم قال الآلوسي – رحمه الله – وهو يعرض قصة خولة بنت ثعلبة: وجادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارًا ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شدة وحدتي وما يشق عليَّ من فراقه. وفي رواية قالت: أشكو إلى الله تعالی فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارة إن ضمهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك اللهم، فأنزل على لسان نبيك، وما برحت حتى نزل القرآن فيها. فقال صلى الله عليه وسلم: يا خولة أبشري قالت: خيرًا؟ فقرأ عليه السلام عليها: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) الآيات[22].

وواضح من قصة خولة بنت ثعلبة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم بشأن ما قال لها زوجها من ألفاظ الظهار، وأنها راجعت النبي عليه السلام في حكم ذلك، وكررت حوارها مع النبي عليه السلام حتى نزلت الآيات الكريمات مبيّنة حكم هذه الواقعة، وبينت أيضًا أن الله تعالى قد سمع جدالها وحوارها مع رسول الله. فكان ذلك دليلًا قاطعًا في تقرير حق المرأة المسلمة في التعبير عن رأيها، وفي بيان وجهة نظرها، والدفاع عما تراه بشأن أمر يتعلق بها حتى يظهر الحكم الشرعي في المسألة وعند ذلك ينقطع الجدال، ولا يبقى إلا السمع والتنفيذ لحكم الله[23].

النموذج الثاني: قصة بَرِيرَةَ مع زوجها مغيث في قصة بَرِيرَةَ نموذج ثان من إبداء الرأي أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخلاصة هذه القصة أن عائشة اشترت بَرِيرَةَ وكانت أمَة، وأعتقتها وكان لها زوجًا عبدًا يقال له مغيث، والأمَة إذا أُعتقت وزوجها عبد كان لها الخيار في نفسها، فإن شاءت بقيت زوجة لزوجها بالرغم من كونه عبدًا رقيقًا وهي حرة، وإن شاءت اختارت فراقه فتقع الفرقة بينهما. وقد اختارت بُرَيرَة فراقه فوقعت الفرقة بينهما فحزن عليها مغيث حزنًا شديدًا.

ففي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس: “يَا عَبَّاسُ أَلاَ تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا! فقال النبي عليه السلام لبريرة “لوْ رَاجَعْتِهِ! قالت يا رسول الله تأمرني؟ قال: “إنمَّا أنَا أشْفَعُ. قالت: لا حاجة لي فيه[24].

وواضح من هذا الحديث الشريف أن بريرة أبدت رأيها ورغبتها في فراق زوجها مغيث، ولم ينكر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأمرها ببقاء نكاحها من مغيث خلافا لرغبتها في فراقه[25].

النموذج الثالث: امرأة تبدي اعتراضها على رأي عمر في تقييد الصداق

وهذا نموذج أخير أسوقه في هذا المقام يتعلق بقصة وقعت لامرأة مع خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه – فاروق الأمة- فقد أصدر رأيه عندما رأى أنه تغالى الناس في مهور النساء، فنهاهم أن يزيدوا فيها على أربعمائة درهم. فاعترضت له امرأة في المسجد قائلة له: أما سمعت قوله تعالى: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) (النساء: 20)، فقال: “اللَّهُم غُفرًا، كُل الناس أفقه من عمر. وفي رواية أنه قال: أصابت امرأة وأخطأ عمر، وصعد المنبر وأعلن رجوعه عن قوله[26].

وهذه نماذج فقط، وإلا فلا مكان هنا لذكر أكثر مما تعرضنا له من الوقائع التي كانت صورًا لحرية إبداء الرأي والمشاركة في توجيه أمور الحياة التي شاركت فيها المرأة. وكان ذلك أقصى ما يمكن أن تتمتع به المرأة المسلمة أو الرجل المسلم من حرية الرأي، وكل ذلك قررته الشريعة ونفذه الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين.

ثالثًا- القوامة الزوجية تكليف وليست بتشريف:

فالقوامة مسؤولية كبيرة تُلقى على عاتق الرجل، فيها يكون الرجل مسؤولًا عن الإنفاق والرعاية والتوجيه والتربية السليمة للأبناء. فإذا ما رجعنا إلى معنى كلمة القوامة وبلفظها الذي وردت به في قوله تعالی:(قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) (النساء: 34) ندرك أن الحق سبحانه وتعالى جاء بصيغة المبالغة التي تعني المبالغة في القيام الذي فيه تعب وحركة؛ لذا يقول فخر الدين الرازي: “القوّام اسم لمن يكون مبالغًا في القيام بالأمر، يقال هذا قيم المرأة وقوامها الذي يقوم بأمرها بحفظها. وكانت درجة القوامة للرجل – كما يقول الشيخ الشعراوي-: أن الرجل له الكدح وله الضرب في الأرض والسعي على المعاش، وذلك حتى يكفل للمرأة سبل الحياة اللائقة عندما يقوم برعايتها… والله تعالى يقول: (وَبمَا أنفَقُوا مِنَ أمْوالِهِمْ) (النساء: 34)، والمال يأتي نتيجة الحركة ونتيجة التعب، فالذي يتعب نقول له: أنت قوّام، والمرأة يجب أن تفرح بذلك؛ لأنه سبحانه أعطى المشقة وأعطى التعب للجنس المؤهل لذلك[27].

رابعًا- القوامة الزوجية تكامل للأدوار بين الرجل والمرأة:

فالشارع الحكيم راعي المهام والأدوار للرجل والمرأة، فمهمة الأمومة مهمة عظيمة فيها من الرقة والحنان والعطف والوداعة ما يناسب وظيفتها داخل الأسرة. ولم يكن من عادة الرجل هذه الصفات، لأن الكسب لا يريد هذه الأمور، بل يحتاج إلى القوة والعزم والشدة. والرجل في وضعه الصحيح حين يؤدي دوره الصحيح، والعكس كذلك بالنسبة للنساء.

فالرجل تكون له الأفضلية من حيث إنه هو المؤهل للأعمال التي فيها جهد وتعب، كما أنه ليس هو الأفضل في الجانب المتعلق بالرقة والحنان والعطف والوداعة، فكلٌ له مجال يناسبه ويكون هو الأفضل فيه. فالمرأة والرجل جنسان منفصلان خَلقيًا لأجل إنجاز أهداف منفصلة[28]، تكمل بعضها بعضًا، فمتى اختل هذا النظام اختل نظام التوازن بينهما ووقع الحيف والنقص لطرف على حساب الآخر.

ولا يفهم من هذا الكلام منع المرأة من العمل خارج نظام الرعاية والإعداد الأسري، لأن الإسلام ألقى مسؤولية النفقة والكد في طلبها على الرجل، دون أن يمنع المرأة من العمل الشريف إن هي اختارت ذلك. فهناك بعض الأعمال التي توافق طبيعة النساء لمزاولتها؛ وهي كثيرة مثل: التعليم والتطبيب وتمريض النساء، وفي مجالات كثيرة من الخدمة الاجتماعية، إذا توفرت الشروط الشرعية المناسبة، وانتفت الموانع.

يقول الشيخ الشعراوي: “إن عمل المرأة في الإسلام بيَّنه لنا القرآن الكريم في قصة شعيب وموسى عليهما السلام..”[29] ومن الأمور التي استخلصها بعد عرضه لمشاهد القصة – كما في الآية- أن قال: “ولكن أنظر إلى الضمانات التي يجب أن تتوافر، عندما تضطر المرأة للخروج لعمل ضروري.

أولا: خرجت الفتاتان معًا ولم تخرج واحدة منهما بمفردها فقط. وثانيًا: أنهما عندما اضطرتا إلى الخروج لعمل لم تزاحما الرجال؛ بل وقفتا بعيدًا تمنعان ماشيتهما حتى ينصرف الرعاة؛ إذ أن ضرورة العمل لا يجب أن تجعل المرأة تزاحم وتختلط[30]. وفي ضوء هذه الشروط أفتى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في مشروعية اللقاء بين الجنسين، فنص على الضوابط الآتية:

  • منع الخلوة (وهي وجود رجل وامرأة أجنبية عنه في موضع لا يراهما فيه أحد) امتثالًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم”[31].
  • توقي الالتماس (وهو التلاصق والتراص بالأبدان بين الرجل والمرأة الأجنبية عنه) حذر الإثارة والفتنة.
  • تجنب التبرج؛ وهو الكشف عما أمر الله ورسوله بستره من البدن.
  • إلزام المرأة الحشمة في حديثها وحركاتها، فلا تتصنع من الكلام والحركات ما يؤدي إلى إثارة الغرائز، قال تعالى: (فَلاَ تَخْضَعنَ بِالقَولِ فَيطمَعَ الذِي فِي قَلبِهِ مرَضٌ وَقُلنَ قَولًا مَعْرُوفًا)[32] (الأحزاب: 32).

فهذه ضوابط إذن، واجب مراعاتها عند اللقاء بين الجنسين مهما كان نوع اللقاء ومهما كانت ظروفه، وقد تقتضيها مهنة المرأة وهي تمارس عملها ومهنتها مستقلة بعملها. ومتى كان الخروج عن هذه الشروط والضوابط الشرعية، فقدت الثقة بين الزوجين، وتسرب الخلل إلى حياتهما الزوجية، وكثر الخلاف والشقاق.

خامسًا- القوامة الزوجية لا تمتد إلى حقوق المرأة المصونة شرعًا:

فالقوامة الزوجية لا تمتد إلى المسّ بحقوق المرأة الإنسانية، ولا بكرامتها الآدمية ولا بالمساواة المقررة بينها وبين الرجل في الحقوق التي أراد الله فيها المساواة بينهما، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: أن “النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَال”[33] وذلك في جميع الأحكام التي لم يرد فيها تخصيص أو استثناء للشرع، وليس لها طاعته في ارتكاب معصية الله تعالى، وكما جاء في الحديث النبوي الشريف: “لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ”[34].

كما أن القوامة الزوجية لا تمتد إلى المسّ بحرية المرأة في أموالها الخاصة بها، فقد منحتها الشريعة الإسلامية تدبير شؤونها بنفسها من مال وأملاك وتجارة. وفي هذا النطاق خوّل لها أن تعقد عامة العقود المدنية من بيع وإيجار واستئجار وشركة ورهن وهبة ووصية وغيرها من العقود الشخصية التي يمكن أن تعقدها المرأة شأنها شأن الرجل.

وهذا هو المقرر في التاريخ الإسلامي، خلاف مَن يدّعي بأن المرأة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عالة على الرجل ولم تكن تشارك في الحياة الاقتصادية للمجتمع المسلم.!

لذلك يرد الدكتور مصطفى بن حمزة عن هذه الدعوة فيقول: “إن القول بانسحاب المرأة من الحياة الاقتصادية يحتاج إلى أن يُمحص على ضوء الواقع الاجتماعي الذي عاشته المرأة في المجتمعات الإسلامية، وهو واقع يُثبت أن المرأة كثيرًا ما كانت في صلب النشاط الاقتصادي، وأنها قد امتلكت المال بسبب استفادتها من الإرث أولا، ومن الوقف ومن سائر التبرعات، ومن أكرية العقارات، وغلال الحقول التي تملكها، ومن عائد أنشطتها الاقتصادية كتربية المواشي، واشتغالها في مصالح الغير، وقيامها بأعمال النسج والتطريز للأقمشة الفاخرة وللألبسة العادية، ونسجها للزرابي الثمينة واستحقاقها أجرة الحضانة والإرضاع وغيرها من الموارد. … وقد ظلت المرأة تحرص على الحفاظ على ثروتها عن طريق شراء الذهب وتجميعه واتخاذه أساور، أو عقودًا، أو قلائد، أو أحزمة ذهبية. وكثيرًا ما كانت ترغب في إظهار هذه الثروة المتنقلة في المناسبات الاجتماعية، لتُثبت اسمها ضمن لائحة النساء الثريات الموسرات.

وبسبب امتلاك المرأة للمال وللثراء في بعض الأحيان، فإنها قد تمكنت من بناء كثير من المساجد ابتداءً من مسجد القرويين الذي بنته فاطمة الفهرية، كما بنت أختها مريم مسجد عدوة الأندلس. وفي المغرب مساجد ومبرات وأوقاف كثيرة تبرعت بها النساء، ولا زال بعضها يحمل أسماء النساء المتبرعات، وهذا يدل على أن المرأة كانت مالكة للمال”[35].

فبمعرفة هذه الحقوق العظيمة، التي سبقت الإشارة إليها، وباستحضار مبادئها تفهم القوامة الزوجية فهمًا سليمًا.

خاتمة:

بعد هذه الجولة البحثية التي استحضر فيها الباحث المفهوم المركزي لهذا البحث (القوامة) وتناول المفسرون له بتفسيرات وتعليلات مختلفة، وما طرأ على هذه التفسيرات من التغيرات المتعلقة بالسياق البيئي والاجتماعي والاقتصادي المتغير… نخلص أخيرًا إلى بعض الاستنتاجات التي سأجملها في الآتي:

  • أن ما قدمه علماء اللغة من شروحات لمفهوم القوامة، لم يطرأ عليها تغيير، كما طرأ على شروحات وتعليلات المفسرين لها، المرتبطة بالبيئة والسياق الاجتماعي المتغير.
  • أن مفهوم القوامة يُقرأ في سياق النصوص الشرعية التي تؤطر الحياة الزوجية بأكملها، وفي ضوء المبادئ الكلية التي من أجلها شرع الله تعالى الزواج، ومن خلال هذه القراءة يتبين أن الله تعالى أعطى القوامة للرجل لحِكم ربانية، وكانت تكليفًا للرجل وليست بتشريف له، ليقيم بالعدل الكامل، ويؤدي الحقوق والواجبات تجاه الزوجة والأسرة.
  • أن القوامة لا تعني الاستبداد ولا الظلم أو القهر، وإنما مبنية على التشاور والمشاركة في صناعة القرار.
  • أن الفقهاء اجتهدوا في عد المميزات أو الفضائل التي أهّلت الرجل بأن يكون أولى بالقوامة، وهذه الاجتهادات، منها ما يُستند إلى النص ومنها ما يستند إلى الرأي والاجتهاد.

* * * * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  النص الكامل للمقال منشور في:
محمد أبجطيط (2021). القوامة الزوجية: دراسة في المفهوم والسياق الاجتماعي المتغير. مجلة المسلم المعاصر. (170- 171). ص ص. 221 – 243.

** حاصل على الدكتوراه في الفقه والأصول – كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة- المغرب.

[1] تاج العروس، مرتضى الزبيدي، جـ 13، ص 306 وما بعدها.

[2] المصباح المنير، الفيومي، جـ2، ص: 520.

[3] لسان العرب، ابن منظور، جـ12، ص: 196.

[4] معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي، جـ1، ص: 372.

[5] الموسوعة الفقهية الكبرى، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت، جـ45، ص: 139.

[6] معجم لغة الفقهاء، جـ1، ص: 272.

[7] صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، رقم الحديث: 893.

[8] جامع البيان، ابن جرير الطبري، جـ8، ص: 290.

[9] الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، جـ5، ص: 168.

[10] لباب النقول في أسباب النزول، جلال الدين السيوطي، ص: 56.

[11] الجامع للأحكام القرآن، القرطبي، جـ5، ص: 169.

[12] البحر المديد، أحمد ابن عجيبة، جـ1، ص:499.

[13] جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير الطبري، جـ4، ص: 535.

[14] أحكام القرآن، ابن العربي، جـ1، ص: 257.

[15] صحيح البخاري، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ) [التحريم: 11] – إِلَى قَوْلِهِ: (وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ) [التحريم: 12] رقم الحديث: 3411.

[16] رسالة ابن عباد في أمثال المتنبي، ص: 44.

[17] انظر: القوامة وأثرها في استقرار الأسرة، عبد الحميد بن صالح الكراني، ص: 35.

[18] انظر: الأسرة في ضوء الكتاب والسنة، أحمد فرح، ص: 38، 39.

[19] المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة، السخاوي، ص: 400 ،401.

[20] صحيح البخاري، کتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، رقم الحديث: 2731، وكيف تتعامل مع السنة النبوية، الدكتور يوسف القرضاوي، ص: 13.

[21] السنن الكبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، کتاب الظهار، باب سبب نزول آية الظهار، رقم الحديث: 15637.

[22] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، الألوسي، جـ14، ص: 198.

[23] ينظر المفصل في أحكام الميراث والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية، عبد الكريم زيدان، ص: 214.

[24]  البخاري كتاب الطلاق باب شفاعة النبي r على زوج بريرة رقم الحديث: 2109.

[25] المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية، عبد الكريم زيدان، ص: 215.

[26] الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، جـ5، ص: 99.

[27]  تفسير الشعراوي – الخواطر ج 4 ص/94 2193.

[28] المرأة بين شريعة الإسلام والحضارة الغربية وحيد الدين خان، ص 59.

[29] المرأة في القرآن الكريم، محمد متولي الشعراوي، ص:119.

[30] نفسه، ص: 119. وما بعدها.

[31] صحيح مسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، رقم الحديث: 1341.

[32] رقم الفتوى، 4/7 الدورة السابعة. في 29 شوال – 3 ذي القعدة، 1421، الموافق 24، 27 يناير، 2001م. دبلن – إيرلندا.

[33] رواه الترمذي في سننه، باب فيمن يستيقظ فيرى بللا ولا يذكر احتلاما، رقم الحديث: 113.

[34] صحيح البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، رقم الحديث: 7257.

[35] المساواة في الإرث بين المرأة والرجل: الحقائق المغيبة، مصطفى بن حمزة، موقع: الموقع الإلكتروني للجمعية المغربية للأساتذة التربية الإسلامية على الرابط:

http://ampei.ma/?p=7153http://ampei.ma/?p=7153 تاريخ الاطلاع/ 31.11.2020.

عن محمد أبجطيط

شاهد أيضاً

حق الكد والسعاية

مركز خُطوة للتوثيق والدراسات

حق الكد والسعاية: مقاربة تأصيلية لحقوق المرأة المسلمة

تنوير لا يخاصم الشريعة: ملك حفني ناصف والحجاب

ملك حفني ناصف

بقيت مسألة الحجاب، وهي تلك المسألة العويصة التي قامت من أجلها منذ سنين حرب قلمية عنيفة وضعت أوزارها على غير جدوى فلم يفز فيها (المحافظون) على القديم ولا (الأحرار).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.