أخبار عاجلة
الرئيسية / الدراسات والأبحاث / عروض ونقد كتب / أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي: هبرماس أنموذجًا

أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي: هبرماس أنموذجًا

العنوان: أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي: هبرماس أنموذجًا.

المؤلف: أسماء حسين ملكاوي.

مكان النشر: الدوحة.

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

تاريخ النشر: 2017.

الوصف المادي: 256 ص.، 24 سم.

الترقيم الدولي الموحد: 0-167-445-614-978.

 هذا الكتاب أطروحة بحثية نالت بها الباحثة شهادة الدكتوراه من جامعة قطر، ولم يكن هذا الكتاب الوحيد الذي عنيت فيه المؤلفة بالعالم الرقمي وآثاره بل قدمت أطروحة أخرى تحت عنوان “الحركات الاحتجاجية الرقمية وتحولات المجال العام” مما يبدى اهتمامها بهذا المضمار.

ويتألف الكتاب من مقدمة بقلم فهمي جدعان ومقدمة بقلم المؤلفة وأربعة فصول:

الفصل الأول: نظرية هبرماس بين الفلسفة وتحولات العصر

الفصل الثاني: خصائص التواصل الرقمي: تحول مفاهيمي وملامح نظرية تواصلية.

الفصل الثالث: أخلاقيات التواصل: الأسس النظرية والمفاهيم المركزية.

الفصل الرابع: أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي: ممكنات وتحديات.

المقدمة

تذكر الكاتبة في مقدمة الكتاب الهدف الرئيسي للدراسة والذي يدور حول البحث عن نظرية أخلاقية في التواصل وذلك باستدعاء نظرية “أخلاقيات النقاش” عند هبرماس التي تحاول الدراسة أن تقف على إمكانية تطبيقها في سياق العالم الرقمي، ومحاولة إسقاطها على التطبيقات التواصلية الحديثة والفيسبوك منها تحديدا. وبناءً على هذا تؤكد الكاتبة على أن هذه الدراسة غير معنية بالإطار الفكري الأنطولوجي والأبستمولوجيي لهبرماس ولا بآرائه في الدين والعلمانية وأصل الأخلاق وإنما فقط بأخلاقيات النقاش لديه والتي تشير الكاتبة انها لا تتعارض مع منظومة الأخلاق والقيم التي تشكل الإطار المرجعي لها.

 ثم تختم الكاتبة المقدمة بالمنهج المستخدم في الدراسة والذي ينقسم إلى ثلاثة مستويات، أولا الوصفي الذي يتولى وصف الواقع الرقمي والذي سيعرض تفصيلا في الفصل الثاني من الكتاب، ثم المستوى التحليلي الذي ستتبناه في سرد نظرية الأخلاق التواصلية عند هبرماس وتحليلها والذي ستتناوله في الفصل الثالث، وأخيرا المستوى التطبيقي المعني بعرض نتائج محاولة إسقاط نظرية الأخلاق التواصلية عند هبرماس على الواقع الجديد المتمثل في بيئة التواصل الرقمي وهو ما سيأتي في الفصل الرابع والأخير.

الفصل الأول: نظرية هبرماس بين الفلسفة وتحولات العصر

 تحدد الكاتبة هدف الدراسة أنه تحقيق غاية التواصل العقلاني الأخلاقي في إطار نظرية هبرماس “أخلاقيات التواصل”، وتقوم الكاتبة في هذا الفصل بالتعريف بالفيلسوف الألماني يورغن هبرماس ونظريته وبتوضيح المفاهيم الأساسية للدراسة.

أولًا: المفاهيم الأساسية للدراسة

وضع هبرماس نظرية كاملة في الفعل التواصلي مؤكدا على أهمية التواصل في الحياة الاجتماعية، وقد عرًف الفعل التواصلي بأنه تفاعل بين شخصين على الأقل ويؤسسان علاقات “بين- شخصية” (inter-personal) بهدف الوصول إلى فهم مشترك من خلال نقاش عقلاني، ويكون ذلك في حيز تدور فيه النقاشات وتتكون فيه المواقف والاتجاهات وهو ما يسميه هبرماس “المجال العام”، وتحكم النقاشات مجموعة من الشروط سماها هبرماس “موقف أو وضعية التخاطب المثالي”، وانطلاقا من هذا التعريف تميز الكاتبة بين الفعل التواصلي والفعل الإستراتيجي والأداتي اللذان يتميزان عنه بكونهما موجهين نحو غايات تتحدد سلفا، بينما الفعل التواصلي هو فعل اجتماعي يهدف إلى الوصول إلى اتفاق بين المشاركين فيه.

الأخلاق والأخلاقيات: الأخلاق هي منظومة القيم والمبادئ الخلقية الثابتة التي لا اختلاف في شأنها مثل الحرية والعدالة والمساواة. أما الأخلاقيات فتشير إلى المعايير وقواعد السلوك المتوقعة من المجموعة التي ينتمي إليها الفرد كالأخلاقيات الوطنية أو الاجتماعية أو المهنية.

العصر الرقمي: مفهوم العصر الرقمي يدل على اللحظة التي أصبح فيها كل شخص متواصلا مع الآخرين أينما كانوا وقادرا على الاعتماد على التقانة في الوصول إلى المعلومات والبحث فيها سريعا بوساطة الإنترنت.

ثانيًا: تحولات العصر ودور الفلسفة عند هبرماس

1-الفلسفة وتحولات العصر

في استطراد سريع أشارت الكاتبة إلى العلاقة بين الفلسفة وبين تحولات العصر تأثيرًا وتأثرًا في تمهيد إلى الخوض في وظيفة الفلسفة عند هبرماس باعتباره شغوفا بدور الفلسفة في اوقات التحولات، ويأتي ذلك في إطار اهتمامه بربط النظرية بالواقع، واشارت الكاتبة في هذا السياق إلى رؤيتين: الأولى تقول بنهاية الفلسفة إعلانا لانتصار التقانة على الإنسان، والثانية ترى أن الأخلاق التطبيقية ستشكل موضوعا مهما في مستقبل الفلسفة ومن ثم فإن البحث عن أخلاقيات التواصل في العالم الرقمي سيشكل اهتمامًا فلسفيا مهمًا.

2-الفلسفة عند هبرماس: تؤدى دورا إيجابيا ضمن العلوم الإنسانية، وللفلسفة دورا في حل مشكلات الفهم وفى معالجة عوائق التواصل الفعلي.

ثالثًا: نماذج تطبيقية لنظرية الفعل التواصلي

تختم الكاتبة الفصل الأول بنماذج تطبيقية لنظرية الفعل التواصلي عند هبرماس تأكيدا على اهتمام هبرماس بالربط بين الفلسفة والواقع والنظرية والممارسة، وتعرض الكاتبة الأمثلة على قسمين: قسم طبق فيه هبرماس بنفسه نظريته في الفعل التواصلي على مجموعة من الموضوعات، والقسم الآخر لنماذج طبقت فيها نظريته من قبل آخرين.

الفصل الثاني: خصائص التواصل الرقمي تحول مفاهيمي وملامح نظرية تواصلية

يتناول هذا الفصل ثلاثة محاور رئيسية: الأول يصف العالم الرقمي وعرض مختصر لمواقع التواصل الاجتماعي وتوضيح خصائص موقع فيسبوك باعتباره نموذجًا، المحور الثاني يعيد النظر في مجموعة من المفاهيم التي تأثرت باستخدامنا لشبكات التواصل الرقمي، والمحور الثالث والأخير يتناول التفكير في منهج فكرى وأخلاقي يلائم العصر الرقمي بناءً على ما قدمه المفكرون العرب المسلمون في هذا الإطار.

أولًا: التواصل الرقمي: سمات ومقومات

 تلخص الكاتبة سمات العصر الرقمي كما جاءت في كتاب “وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية من القبيلة إلى الفيسبوك” لجمال سند السويدي في النقاط التالية:

– وجود علاقة طردية بين الفرد والحرية ووسائل التواصل الاجتماعي، ازدياد الوعي السياسي بين المواطنين وتشجيع المشاركة السياسية، ازدياد قوة المجتمع المدني وذلك لما توفره وسائل التواصل الاجتماعي لمستخدميها من إمكانية عبور القيود المحلية التي تضعها بعض الحكومات على مؤسسات المجتمع المدني.

أما التواصل في العصر الرقمي فلخصت الكاتبة خصائصه في النقاط الآتية:

– السرعة والآنية- اختصار الزمن- الدينامية والتغير والنمو المستمر- المساواة بين المستخدمين- البحث والوصول إلى المعلومات وتبادلها- القبول على المستوى العالمي كأداة للتواصل- تواصل من الواحد إلى الكثير- ذو طبيعة تفاعلية وسهل الاستخدام- مستقل جغرافيا ولا يؤمن بالحدود- الحرية.

ثم قدمت الكاتبة الفيسبوك كنموذج للتواصل والتشارك بين الناس.

ثانيا: العصر الرقمي والتحول المفاهيمي

يتناول هذا الجزء إعادة النظر في بعض المفاهيم التي نعتبر فهمنا لها أمرا مفروغا منه ولكن العصر الرقمي أثر في تصورنا لها، كمثال على ذلك:

  • المجتمعات: تعقد الكاتبة هنا مقارنة بين مفهوم المجتمع التقليدي وبين المجتمع الافتراضي لتجد أن هناك الكثير من المساحات المشتركة بينهما، وتشير هنا الى أن العالم الافتراضي يحوى نموذجين، الأول النموذج الاستهلاكي المتمثل في المواقع الإخبارية ومراكز البحوث وغيرها من مصادر المعلومات، والثاني النموذج الاجتماعي المتمثل في الممارسة التقليدية للتواصل الإنساني، ومن هنا يشير جمال السويدي في كتابه “وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك” أن وسائل التواصل أدت إلى التحول من القبيلة -التي تعرف بكونها كيان اجتماعي، اقتصادي وسياسي يضم عائلات تجمع بينهما القربى- إلى الفيسبوك الذي ساهم في تشكيل قبائل من نوع جديد يضم كيانات يربطها العالم الافتراضي.

2- الزمان والمكان: تستدعى هنا الكاتبة ما ذكره ديفيد هارفي بأن وعى الإنسان بالزمان والمكان قضية اجتماعية متغيرة باختلاف الزمان والمكان، وأن التقانة انتهكت الحدود الطبيعية للمكان بشكل مصطنع، وأن تاريخ الرأسمالية اتسم بتسريع وتيرة الحياة والتغلب على الحواجز المكانية بما سماه مفهوم الضغط الزماني المكاني.

 وتذكر الكاتبة أيضا ما ذكره أنتوني غيدنز في كتابه “عواقب الحداثة” عن فكرة التباعد الزماني- المكاني باعتبارها من علامات الحداثة. وتعود الكاتبة لتؤكد على أن العصر الرقمي من خلال لحظية تدفق المعلومات عبر المسافات الشاسعة قلل من الحاجة إلى تزامن النشاط وحصره في أماكن معينة فتعددت أزمنتنا وأماكننا.

3- الهوية: الهوية ما عادت تقتصر على الوجود الفيزيقي للشخص بل أصبحت عبارة عن مجموعة من البيانات يستحدثها الأفراد من خلال تفاعلهم مع العالم الافتراضي، ومن ثم يستطيع الكثيرون إخفاء هوياتهم الحقيقية ويتلبسون هويات يختارونها لأنفسهم، وهنا يظهر مفهوم هام وهو مفهوم الاغتراب المرتبط بعدم التفاعل المباشر مع هوية الشخص الحقيقية.

4- اللغة الرقمية: تتحدث الكاتبة عن تأثر اللغة بشكل عام واللغة العربية بشكل خاص بظهور الإنترنت عندما لجأ المستخدمون إلى الأحرف اللاتينية والأرقام للتعبير عن أنفسهم، وتعود هذه الظاهرة إلى المهندسين الأوائل لشبكة الإنترنت الذين لم يكونوا يستخدمون إلا اللغة الإنجليزية، ومن ثم بدأ المستخدمون أصحاب اللغات الأخرى يتحدثون بلغتهم ولكن باستخدام الأحرف اللاتينية. وهنا تثير الكاتبة سؤال حول السبب في استمرار هذه الظاهرة بالرغم من تطور التطبيقات الآن لتدخل فيها لغات أخرى ومنها اللغة العربية. وتشير في هذا الإطار إلى ما توصل له اللغويون من أن اللغة الرقمية كما يقدمها على حرب تختلف عن اللغة المكتوبة على الورق من حيث النمط والشكل والنظام والقوة والطاقة فهي آنية، لمسية، سريعة، متغيرة، هشة، عابرة، واصطناعية، كما أنها تتيح لمستخدميها التواصل بأدواتهم وأساليبهم بحيث لا يكون النقاش مقصورا فقط على النخبة المتعلمة.

5– الحرية: تؤكد الكاتبة أن التصور اليوتوبي للإنترنت بأنه عالما حرا تماما ليس صحيحا، ففي واقع الأمر تؤثر الحكومات التقليدية وتتدخل فيه من خلال شبكات التواصل، ولكنها تؤكد أيضا أنه بالرغم من ذلك فإن مواقع التواصل توفر لمستخدميها مستوى من الحرية يمكن الشعوب من إزعاج الحكومات.

6– الإعلام: أصيبت وسائل الإعلام التقليدية مثل الراديو والتلفاز والصحيفة بتغيرات جذرية بفعل تقانة التواصل الرقمي التي حولت التواصل من طرف واحد إلى تواصل متعدد الأطراف من خلال ما عرف بالإعلام الجديد (new media) أو الإعلام الاجتماعي (social media)، وفى هذا السياق تشير الكاتبة إلى التداخل الذي أصاب مفهوم الإعلام مع مفهوم التواصل مع ظهور وسائل التواصل الرقمي لتؤكد أن هناك فرق بينهما كما ذكره دومينيك وولتون في كتابه “الإعلام ليس تواصلا” يتمثل في كون التواصل أعقد من الإعلام لأنه معني بالعلاقة التي مع ازدياد عدد المتواصلين ومصادر المعلومات أصبحت متشابكة للغاية أما الإعلام فمعني بالرسالة فقط.

ثالثًا: العصر الرقمي من منظور فلسفي وملامح نظرية تواصلية

تطرح الكاتبة في هذه الجزئية نموذجان لفيلسوفين عربيين لهما موقفان متباينان من تقانة التواصل الرقمي، ويأتي عرض الكاتبة لهذا الجزء الفلسفي عرضا مجردا حيث لم تربطه بالسياق الأكبر للدراسة ولم يدخل ضمن إطار الفكر الهبرماسي سواء بالتحليل أو المقارنة.

1-الموقف الانخراطي في العصر الرقمي (الفيلسوف على حرب نموذجا)

على الرغم من إدراك على حرب لمساوئ العصر الرقمي لكنه يتخذ موقفا متوازنا منه، حيث يدعو ويطالب العقل العربي بأن يتفاعل بطريقة إيجابية مع هذه الثورة المعلوماتية، وذلك بتحويل هذه المساوئ إلى مواضيع للفحص العقلاني، ويطالب أيضا بالاستفادة مما أتاحته وسائل الاتصال من إمكانيات، كما يرفض على حرب النظرة الأحادية ويحاول أن يقيم نظام من الفصل والوصل ومن ثم يطالب بإعادة طرح الاسئلة الفلسفية في هذا السياق، فبدلا من سؤال من أنا وما الوجود وما الآخر؟ يكون السؤال كيف أتغير عما أنا عليه صورة وهوية بصورة تتيح لي التعاطي مع الواقع وتفتح مساحات مع الآخر المختلف تواصلا وتداولا، وهذا ما علق عليه عبد الرازق بلعقور بأن منطق التكافؤ غير متحقق في الواقع الرقمي لأنه واقع تحت هيمنة النسق الغربي، إلا أن الكاتبة على الرغم من إقرارها بوجاهة ما طرحه بلعقور تقف موقف مشابه لعلى حرب.

2– الموقف المتحفظ من العصر الرقمي (طه عبد الرحمن نموذجا)

 يقف طه عبد الرحمن موقفا متحفظا من العصر الرقمي الذي يعتبره أحد تجليات العولمة التي ينظر إليها باعتبارها التطبيق الغربي لروح الحداثة والتي أدت الى خلل في الهوية الخلقية الإنسانية، فهو يرى أن النظام التقاني الذي تقوم عليه الحضارة الحديثة، والتي بنيت على أسس غير أخلاقية نظام يبتغى السيادة على الكون وهذا ينافي عبودية الإنسان لله الذي سخر هذا الكون.

وترى الكاتبة أن بإمكاننا التوفيق بين موقف على حرب وطه عبد الرحمن على الرغم من تباينهم حيث إن مقترحات على حرب بالتفاعل الإيجابي مع معطيات العصر الرقمي قد تكون مدخلا للبحث عن الأسس الأخلاقية التي تحكم هذا التفاعل وهو ما يريده طه عبد الرحمن، ولكنى أتصور أن هذا غير ممكن في حال رفض طه عبد الرحمن للأسس التي بنيت عليها الحضارة الحديثة ذاتها ومن ثم مجرد التعاطي معها هو أمر مرفوض بالنسبة له، فهي تحتاج حسب رأيه إصلاحا أخلاقيا من خارجها.

الفصل الثالث: أخلاقيات التواصل الأسس النظرية والمفاهيم المركزية

تتناول الكاتبة في هذا الفصل نظرية هبرماس في أخلاقيات التواصل بالتفصيل يسبقها مرور على المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها هبرماس بجيليها الأول والثاني في تفصيل طويل نسبيا ومن ثم المرور على أبرز المحطات الفكرية التي ساهمت في صياغة معالم النظرية.

أولًا: مشروع مدرسة فرانكفورت من النقد إلى التواصل

1-الجيل الأول من رواد مدرسة فرانكفورت: أبرز رواد هذه المدرسة هم ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمرو هربرت ماركوزه وهم مؤسسو النظرية النقدية. لم يكن مفهوم التواصل حاضرا بشكل صريح عند الجيل الأول من رواد المدرسة وإن كان حاضرا ضمنا في كتابات بعضهم كأدورنو وماركوزه حيث كانت نظرتهم النقدية بمثابة ثورة على الواقع الذي يعاني السيطرة والهيمنة، إلا أن هبرماس كان أقل حدة حيث استبدل مفهوم الثورة بمفهوم التواصل الذي سيؤدى حسب رأيه إلى إشاعة التفاهم بين الناس في شأن القضايا الكبرى التي تهمهم.

2- الجيل الثاني: برز هبرماس في الجيل الثاني من المدرسة. وتشكل هذه المرحلة تحولا في اتجاهه حيث تحول من التقاليد النقدية لمدرسة فرانكفورت واتخذ اتجاها لغويا، بمعنى أنه تحول من فلسفة الوعي إلى فلسفة اللغة والاتصال، وهو ما ظهر بجلاء في كتابه “نظرية الفعل التواصلي” التي ستتناوله الكاتبة بشيء من التفصيل والتي تمهد فيه لنظريته أخلاقيات التواصل التي هي محل الدراسة.

ثانيًا: نظرية الفعل التواصلي عند هبرماس

1- التأصيل الفلسفي للفعل التواصلي

وتعود هنا الكاتبة إلى ما ذكرته في الفصل الأول حول وظيفة الفلسفة عند هبرماس والتي تدور حول خروج الفلسفة من حدودها الفكرية المحضة إلى تأدية دور حي وحقيقي مع العلوم الأخرى، ثم تنتقل لاستكمال المحاور النظرية التي وضعها هبرماس وساعدت على صوغ نظريته في الفعل التواصلي. وهي كالتالي:

أ- النظرية الاجتماعية: أنموذج اجتماعي جديد: يبحث هبرماس عن أنموذج اجتماعي جديد للمجتمعات الحديثة الرأسمالية الذي بات فيها الإنسان يعيش في واقع استغلالي تسيطر عليه الآلية، ومن ثم فهو يبحث عن نظرية اجتماعية تحرر الإنسان المعاصر وتدفع بالنقاشات السياسية نحو آفاق أوسع تقوم على الفعل التواصلي والنقاش الأخلاقي الحر بين أفراد متساويين.

ب- البرنامج الأبستمولوجي لهبرماس: المعرفة والمصلحة: استكمالا للأسس النظرية لنظرية هبرماس في الفعل التواصلي تطرح الكاتبة وجهة نظر هبرماس فيما يسميه في كتابه “المعرفة والمصلحة” مصلحة المعرفة، فهو لا يرى أن هناك نقاءً علميا خاليا من المصلحة، فالعلوم التجريبية تتضمن مصلحة أداتيه/ تقانيه لأنها تكون قابلة للاستغلال التقاني، والعلوم التاريخية الـتأويلية كالقانون والتاريخ وعلم الجمال تضمن مصلحة عملية أو تواصلية لأنها تصل الى المعنى من خلال التأويل، وتؤسس هذه المصلحة على اللغة وما يرتبط بها من تفاعل بشرى من خلال الفعل التواصلي الذي يفضى إلى ظهور النوع الثالث من المصالح وهو مصلحة التحرر التي تتضمنها العلوم الاجتماعية النقدية. ومن ثم تبين الكاتبة أن هبرماس يسعى إلى تحقيق مصلحة التحرر المؤسسة على النقد الذي يوجه التواصل ويخلصه من التشوهات ليصبح الفعل التواصلي متحررا من الأهواء الخاصة، ويكتمل تحقيق هذا من خلال الشروط التي وضعها هبرماس ضمن نظريته “أخلاقيات النقاش” والتي ستفضي إلى تواصل عقلاني نقدي أخلاقي يحقق التحرر للإنسان.

ج- العلم والتقانة كأيديولوجيا: ينفى هبرماس وجود حياد علمي في سياق العقلانية التقنية حيث يرى أنها تحولت لأيديولوجيا وأصبحت ترتبط بحسابات سياسية، وأن العلم تعرض للتسييس بسبب ارتباطه بالتقانة والصناعة الحربية وعملية صنع القرار، وأنه لا يمكن تقويض ذلك إلا بمبدأ الحوار والتواصل، ومن هنا تطرح الكاتبة تساؤلا مفتوحا حول مدى انسجام هذه الرؤية لهبرماس مع التقانة الرقمية التي لا يمكن تبرئتها بطبيعة الحال من حسابات السياسة ومصالح الشركات المنتجة لها في الوقت الذي استطاع فيه الكثيرون تسخيرها لمصلحة النقاشات وأصبح لها دور واضح في تعزيز الديمقراطية؟.

د- المجال العام: تختتم الكاتبة هذا الجزء النظري الخاص بنظرية الفعل التواصلي بمفهوم مركزي عند هبرماس وهو مفهوم “المجال العام”، والذي يعد مفهوما محوريا أيضا بالنسبة لنظرية أخلاقيات التواصل عنده. يصف هبرماس ما يجب أن يكون عليه المجال العام في مقاله بعنوان “المجال العام: مقالة موسوعية” بأنه “حيزا من حياتنا الاجتماعية يمكن أن يتكون فيه شيء يقارب الرأي العام والمشاركة به مضمونة لجميع المواطنين”. ثم تنتقل الكاتبة إلى وصف هبرماس لتفكك المجال العام في القرنين التاسع عشر والعشرين حيث يدين في ذلك الشركات الرأسمالية الكبرى صاحبة المصالح الاقتصادية والسياسية التي سيطرت على الصحف والمجلات والتي أصبحت وسيلة لجنى الأرباح إلى جانب تحولها إلى أداة في أيدي السياسيين مما أفقدها استقلاليتها، ومن ثم أفقد الرأي العام استقلاليته ووظيفته النقدية. لكن -وعلى النقيض من موقف بعض رواد مدرسة فرانكفورت كأدورنو وهوركهايمر اللذان اتخذا موقفا متشائما من الرأسمالية الغربية وما فعلته بالمجال عام- امتثل هبرماس على الرغم من رفضه لهذا الواقع رؤية أكثر إيجابية بالقول بإمكانية تطوير المجال العام من جديد، ولكن لم تشر الكاتبة إلى تصور هبرماس عن هذا التطور وكيفية حدوثه، لتنتقل إلى بعض الانتقادات التي وجهت لهبرماس في شأن المجال العام والتي تتلخص في تركيزه على المجال العام البرجوازي دون غيره من المجالات، وانتقده آخرون بأن تصوره للمجال العام تصورا مثاليا، بالإضافة إلى إهماله للبعد الجندري والذي أثار غضب الجماعات النسوية.

2- من التواصل الزائف إلى التواصل الحقيقي

يميز هبرماس وفقا لنظريته التي تعد نظرية نقدية معيارية بين التواصل الحقيقي والتواصل الزائف، ووفقا لهبرماس يمكن عرقلة التواصل بطريقتين، الأولى تتمثل في التلاعب بأن يقوم أحد الأفراد المشاركين بخداع الآخرين من خلال عدم الوفاء بأحد شروط الفعل التواصلي، والطريقة الأخرى هي التواصل الزائف منهجيا بأن يخدع أحد الأفراد نفسه. ومن ثم إذا وجد أي من هاتين المشكلتين لا يحقق التواصل غايته في الوصول إلى تفاهم حقيقي، ومن هنا يطرح هبرماس “وضعية التخاطب المثالي” التي ستحقق لنا من وجهة نظره تواصلا حقيقيا.

3- عقلانية الفعل التواصلي

تذكر الكاتبة هنا أن كتاب هبرماس “نظرية الفعل التواصلي” مكون من جزأين، الجزء الأول الذي يقع تحت عنوان” العقل وعقلنة المجتمع” يميز فيه هبرماس بين الفعل التواصلي والفعل الأداتي، ويتضمن الجانب المفاهيمي لنظرية هبرماس. أما الجزء الثاني وهو بعنوان “العالم المعيوش والنظام: نقد العقل الوظيفي” اهتم فيه هبرماس بالحديث عن المجتمع ومكوناته، وبيًن فيه أن المجتمع يتكون من مجالين: العالم المعيوش ويمثل موطنا للفعل التواصلي، والنظام ويمثل موطنا للفعل الأداتي، وقبل أن تشرع الكاتبة في توضيح مقصود هبرماس من العالم المعيوش والنظام، تقف أولا على أحد المبادئ الهامة الذي أرساها هبرماس وهو مبدأ عقلانية الفعل التواصلي، فصفة العقلانية بالنسبة لهبرماس تطلق على الفعل التواصلي أو على الشخص الذي يمارسه عندما يكون الشخص قادرا على تبرير مزاعمه وعندما يكون الشخص لديه الرغبة والقدرة على تحرير نفسه من الأوهام والخداع الذاتي، وهذا يقود إلى خطاب تصبح فيه الحقائق موضوعا للتواصل بدافع الرغبة في التحقق من صدق الادعاءات، وبالتالي فإنه من خلال ممارسة الأشخاص للعقلانية التواصلية فإنهم يؤكدون لأنفسهم وفقا لهبرماس علاقات حياتهم بالعالم المعيوش المشترك بين ذواتهم. ويطلق هبرماس تسمية “العالم المعيوش” على المجالات غير الرسمية في الحياة الاجتماعية كالحياة العائلية والمنزلية والثقافية والسياسية التي تقع خارج الأحزاب المنظمة ووسائل الإعلام والمؤسسات التطوعية، إذ يرى هبرماس أن هذه المجالات غير المنظمة توفر للمجتمع مخزونا من المعاني والتفاهمات المشتركة، وأفقا اجتماعيا للقاءات يومية مع الآخرين، وهذا الأفق هو الخلفية التي يجرى فيها الفعل التواصلي، فهو بمثابة الوسط الذي يعاد فيه الإنتاج الرمزي والثقافي للمجتمع، فهو بامتلاكه مخزونا من الافتراضات المشتركة يتمكن الأفراد من الوصول إلى توافق يشكل قوة تحمى المجتمع من التفكك.

أما النظام والذي يمثل المجال الثاني من مجالات الحياة الاجتماعية فهو ذا فرعين: المال والسلطة، وهو يشير إلى البنى أو أنماط السلوك لمؤسسة على الفعل الأداتي، ونظرا لأن أنظمة المال والسلطة تخترق الحياة الاجتماعية بعمق فيقع الناس في أنماط السلوك الأداتي بتأثير من الإعلام الموجه للاقتصاد الرأسمالي من ناحية و إدارة الدولة ومؤسساتها من ناحية أخرى، فالنظام وما يتضمنه من أنظمة المال والسلطة تعيد الإنتاج المادي للمجتمع من خلال إنتاج السلع والخدمات، بينما العالم المعيوش يعيد الإنتاج الثقافي، ومن ثم يتكاملان. إلا أن هبرماس يشير إلى خطر ضعف التوازن بين النظام والعالم المعيوش وهو ما سماه “استعمار العالم المعيوش” ومن هنا يعمل النظام على تدمير العالم المعيوش حيث ينفصل الاقتصاد الرأسمالي والنظام الإداري عن مجالات الأسرة والثقافة ومؤسسات المجال العام مما يؤدى إلى تقليص نطاق العالم المعيوش، ومن ثم ينتج عن ذلك نقص المعاني المشتركة، تآكل الروابط الاجتماعية، زيادة الشعور بالغربة، وبالتالي زعزعة الاستقرار الاجتماعي.

ثالثًا: نظرية أخلاقيات التواصل:

 قبل الشروع في الحديث عن نظرية أخلاقيات التواصل عند هبرماس قامت الكاتبة بدراسة فلسفة الأخلاق عند هبرماس وكيف نما عنده الاهتمام بالبعد الأخلاقي، فبجانب أحداث الحرب العالمية الثانية التي دفعته الى البحث عن رادع أخلاقي لكل ما شهده العالم من أهوال، كان اهتمامه بالأخلاق استمرارا لسلسلة اهتماماته الممتدة من أمراض الحداثة واللغة والتواصل. فبعد نظرية “الفعل التواصلي” حوًل هبرماس انتباهه إلى النظرية الأخلاقية التي تعد امتدادا طبيعيا لنظرية الفعل التواصلي التي تحتاج إلى معايير خلقية لتضبطها وتفضى بها إلى النزاهة.

1- الأساس النظري لأخلاقيات النقاش:

تطرح الكاتبة في هذا الجزء موضوع الأخلاق عند كانط ونقد هيغل له باعتباره الأساس النظري الفلسفي الذي أسس عليه هبرماس نظريته في أخلاقيات النقاش.

وتشير الكاتبة إلى أن هبرماس اتخذ موقفا وسطا بين كل من كانط وهيغل، فهبرماس استفاد من نظرية الأخلاق عند كانط خصوصا فكرة الواجب والإلزام، ولكنه اهتم أيضا بنقد هيغل لهذه النظرية حيث حاول أن يمحو عنها الطبيعة الذاتية من خلال تأكيده أن على الإنسان أن يعتبر وجهات نظر كل من سيتأثر باعتماده لأي فعل أخلاقي أو ادعاء معياري، ومن ثم يرى هبرماس أن توضع الرؤية الأخلاقية في إطار تواصلي بين مجموعة من الأفراد، ومن خلال النقاش العقلاني الأخلاقي تكتسب المعايير الصحة والتعميم.

  • قواعد النقاش الأخلاقي ومبادئه: وضعية التخاطب المثالي:

استخدم هبرماس ثلاثة أنواع من القواعد سماها هبرماس “وضعية التخاطب المثالي”:

  • تتمثل الأولى في قواعد الجدل والمنطق.
  • وتتمثل الثانية في القواعد الأخلاقية.
  • وتتمثل الثالثة في قواعد مبادئ العقل.

ثم تنتقل الكاتبة لمناقشة ما سماه هبرماس بشروط الإجماع العقلاني وذلك من خلال تمييز هبرماس بين النقاش والفعل التواصلي العادي، فالفعل التواصلي العادي وفق هبرماس هو الذي يسير بطريقة عادية ما لم تتعرض الادعاءات التي يصل إليها الناس في تواصلهم للتساؤل، وهنا يأتي النقاش ليكون بمثابة مراجعة للأساس الذي بنى عليه الإجماع في عملية التفاعل بهدف الوصول إلى نوع من التيقن في حقيقة ما يقال. ومن شروط الإجماع العقلاني المساواة والحرية. ولكن مما تجدر الإشارة اليه في هذا السياق أنه على الرغم من تفريق هبرماس بين النقاش والفعل التواصلي العادي إلا أن من الملاحظ أن الكاتبة تستخدمهم كمترادفين على مدار الدراسة.

وتشير الكاتبة إلى الانتقادات التي تعرضت لها وضعية التخاطب المثالي عند هبرماس، حيث اتهمها البعض بالغموض، وانتقدها آخرون بأن هناك الكثير من العوامل التي تحول دون حصول الإجماع التواصلي الذي يهدف له هبرماس من خلال وضعية الخطاب المثالي كالتحيزات ومحدودية الرؤية والمخاوف والخضوع للسلطة وغيرها، وأشار البعض إلى استحالة الوصول لإجماع في شأن القضايا الأخلاقية نظرا لاختلاف الأفراد في رؤيتهم للعالم.

3- متطلبات أخلاقيات التواصل:

يعتقد هبرماس أن هناك 4 شروط لابد أن تتوافر لأخلاقيات النقاش:

أولا: أن تكون أولا واجبة أي ملزمة، وهذا يشبه ما قاله كانط عن الأخلاق.

ثانيا: أن تكون إدراكية، أي تحدد على أساس الأسئلة العقلية من مثل ما يجب أن أفعل وكيف يجب أن أتصرف وهكذا.

ثالثا: أن تكون تشكيلة، بمعنى أن أخلاقيات النقاش عند هبرماس لا تهدف إلى تحديد ما يجب أن تكون عليه الإجابات بل كيف نجدها فحسب، فهي أخلاقيات إجرائية تتشكل من خلال عملية النقاش العقلاني.

 ورابعا: أن تكون كونية وعالمية عابرة للزمان والمكان، بمعنى أن تكون كذلك فيما تحمله من مقاصد فلا تتقيد بتحيزات فئة معينة، كأن تتقيد بالغرب مثلا أو البيض دون غيرهم.

4- مستويات أخلاقيات التواصل:

هناك مستويين من أخلاقيات النقاش عند هبرماس، المستوى الأول يتمثل في توافر قواعد النقاش من خلال وضعية التخاطب المثالي بهدف الوصول إلى اتفاق في شأن القضايا العامة. أما المستوى الثاني فهو معني بتوافر مبررات عقلية ناتجة عن نقاش عقلاني من خلاله يتحقق الإجماع حول المعايير الخلقية المسماة “الأخلاقيات التطبيقية ” أو “أخلاقيات المهنة” اللازم توافرها لتنظيم عمل ما أو مهنة أو جماعة أو قضية بعينها.

الفصل الرابع: أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي ممكنات وتحديات

يمثل هذا الفصل الجزء التطبيقي من الدراسة، حيث يأتي هذا الفصل ليجيب عن السؤال المركزي للدراسة وهو هل تقتصر نظرية أخلاقيات التواصل عند هبرماس على طرائق التواصل التقليدية أم انها ممكنة التطبيق عبر تقانة التواصل الرقمي الجديدة؟

وللإجابة على هذا السؤال تحاول الكاتبة اختبار تحقق المفاهيم الأساسية للنظرية (المجال العام – وضعية التخاطب المثالي- المستوى الأول والمستوى الثاني من النظرية) ومن ثم تطرح مجموعة من الأسئلة الفرعية التي ستمثل جزئيات هذا الفصل وهي:

– هل توفر البيئة الرقمية مجالات عامة بديلة عن المجال العام التقليدي الذي وضعه هبرماس؟

– هل يمكن تحقيق شكل رقمي لوضعية التخاطب المثالي؟

– إلى أي مدى تمكن مستخدمو فيسبوك العربي من طرح قضايا عامة وقضايا خاصة بالأخلاقيات التطبيقية للنقاش والوصول بها إلى إجماع أو اتفاق؟

وتلجأ الكاتبة للإجابة على هذه الأسئلة الى منهج يشمل الملاحظة لما يجرى مع المقارنة بين المجال العام التقليدي والرقمي، وتحليل المضمون والاسترشاد بنتائج الدراسات التي أجريت في نفس الإطار.

أولًا: البيئة الحاضنة للتواصل على الإنترنت: المجال العام الرقمي

تشير الكاتبة ابتداءً إلى ملاحظة هامة مفادها أن هناك اختلاف بين مواقع التواصل الاجتماعي من حيث تصميمها وطبيعتها، ومن ثم من حيث إمكان اعتبارها مجالا عاما، فتويتر على سبيل المثال يختلف عن فيسبوك، فتويتر لا يوفر مكانا صالحا للحوارات المطولة على عكس فيسبوك، وفى هذا السياق تعرض الكاتبة مجموعة من الدراسات الأجنبية والعربية التي تحاول أن تعقد مقارنة بين المجال العام التقليدي والعالم الرقمي (الفيسبوك نموذجا) لترى إذا ما كان العالم الرقمي يصلح لأن يكون مجالا عاما كما أراد هبرماس، لتخلص إلى أن هناك أربعة نقاط تشابه بين المجال العام الرقمي والمجال العام التقليدي تتمثل في:

– أن فيسبوك هو مكان عام خارج سيطرة الدولة، جمع كثيرا من الناس ذوي الاهتمامات المشتركة وجعلهم يلتفون حول قضية محددة أو اهتمام محدد.

– يسمح فيسبوك للمستخدمين بتبادل وجهات النظر والمعارف.

– يسمح فيسبوك للمستخدمين بالمشاركة في وجهات النظر النقدية.

– فيسبوك هو مكان يمكن أن يتطور من خلاله إجماع عقلاني.

كما أن الدراسات الأجنبية تبشر بإمكان اعتبار التواصل الرقمي كفيسبوك أدوات جديدة تخدم الديمقراطية، كما تبشر أيضا الدراسات العربية أن بإمكان هذه المواقع أن تكون منصات لممارسة الديمقراطية، وهذا هو ما أراده هبرماس من المجال العام التقليدي، أن يقوم بدور التأثير في الرأي العام وصناعة القرار والتغيير الديمقراطي، ومن هنا تقول الكاتبة بأنه يمكننا الجزم بأن هناك عوامل تشابه كبيرة بين عناصر المجال العام التقليدي والمجال العام الرقمي، على أن يتخلص مفهوم المجال العام عند هبرماس من مثاليته التي انتقدت من قبل الكثيرين، وتضيف أيضا أنه إذا ارتبط التواصل الرقمي بالحراك الاجتماعي على أرض الواقع سيكون له أثرا أعمق، هذا بالإضافة إلى ضرورة تخلص المجال العام الرقمي من الفجوة الرقمية بين من يملك هذه التقانة ومن لا يملكها لتتحقق المساواة المطلوبة، كما تشير الكاتبة أيضا إلى خطر القيود التي تفرضها الحكومات من الخارج وهو ما يجب ان يحذر في السنوات القادمة.

ثانيًا: الشروط الأخلاقية للتواصل: وضعية رقمية للتخاطب المثالي

تتناول الكاتبة في هذا الجزء وضعية التخاطب المثالي باعتبارها حلقة الوصل بين نظرية هبرماس في الفعل التواصلي ونظريته في أخلاقيات النقاش، لتجيب عن السؤال الثاني وهو ما هي الإمكانيات التي يوفرها فيسبوك لجعل وضعية التخاطب المثالي ممكنة في العالم الرقمي كما أرادها هبرماس في العالم الواقعي؟، وللإجابة عن هذا السؤال تسقط الكاتبة قواعد التخاطب المثالي السابق ذكرها على موقع فيسبوك لتخلص إلى أن الفيسبوك يسمح لكل شخص يملك حسابا ولديه كفاءة الحديث والفعل بالمشاركة في جزء من النقاش والتعبير عن توجهاته ورغباته وحاجاته، كما أنه لا يمكن منع أي متحدث يملك حسابا على فيسبوك بوسائل إكراه داخلية أو خارجية من ممارسة حقه السابق ذكره.

وللقارئ هنا أن يتساءل عن مدى صحة هذه الادعاءات فالواقع يشهد بأن لفيسبوك معايير ومنظومة قيمية تمنع بعض الأفكار وتحظر ناشريها، وتعلي من قيمة بعض الأفكار وفق للخوارزميات (algorithms) وهو مالم تتطرق له الكاتبة تماما[1].

من خلال هذا تبين الكاتبة أن الشروط الثلاثة الرئيسية التي تدور حولها وضعية التخاطب المثالي -وهم العدالة والمساواة والاحترام- متحققة بشكل كبير في الواقع الرقمي، إلا أن هناك قضيتين يجب أن يؤخذا في الاعتبار، تتمثل الأولى في قدرة المتحاورين على مواقع التواصل على تمييز القضايا المنطقية العقلانية من غيرها حيث إنهم ليسوا بالضرورة من النخبة المتعلمة، أما الثانية فتعبر عن صعوبة قياس الصدقية في النقاشات الدائرة في مواقع التواصل، وفى هذا الصدد يقول “ترايون” أنه من أجل السماح بتحقيق وضعية التخاطب المثالي لابد من غض الطرف عن القضية الثانية واعتبار جميع المشاركين في النقاش صادقين وجادين، وتشير الكاتبة -بإيجابية- إلى أنه بالرغم من وجود هذين المعوقين إلا أن وعى الناس وتحكيمهم العقل والمنطق في ازدياد مطرد. ثم تنتقل الكاتبة لتقول أن هذه الإمكانية قد تتحقق فقط على المستوى النظري التقني البحت أما على المستوى التطبيقي من قبل المستخدمين فإنها غير ممكنة، حيث إنها تشير هنا إلى مفهوم “صناعة الثقافة” عند مفكرو فرانكفورت الذي يشير إلى خضوع نظام الإنتاج الثقافي والإعلامي للنظام الرأسمالي لقيم الاستهلاك بالإضافة إلى الأهداف السياسية، وبالرغم من أن الكاتبة لم تقل أن مواقع التواصل الاجتماعي تقع ضمن مفهوم “صناعة الثقافة” إلا أنها تطرح سؤال بهذا المعنى، وهذا بالطبع قد يفسد ما ذكرته عن خصائص الفيسبوك خاصة سمة الحرية. في هذا السياق تذكر الكاتبة ما أشار إليه هبرماس في كتابه “التحول الهيكلي للمجال العام” من أن عملية صناعة الرأي العام انتقلت من الإجماع العقلاني النابع من النقاش والتفكير الحر إلى رأى مصنًع بالاستطلاعات وخبراء الإعلام. بالإضافة إلى هذا ترى الكاتبة أن أشكال النقاش الدائرة على مواقع التواصل الاجتماعي هي من نوع التواصل الزائف الذي أشار إليه هبرماس، حيث ينتشر الخداع سواء من طرف لآخر أو خداع الأفراد لأنفسهم، وهذا أيضا معوق آخر يحول دون تحقيق وضعية التخاطب المثالي بشكل حقيقي على مواقع التواصل وإن كان يبدو أنه ممكن التحقيق من ناحية تقنية نظرية.

ثالثًا: أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي

1– المستوى الأول (العام): الاتفاق حول القضايا العامة:

تحاول الكاتبة أن تجيب عن سؤال ما إن كان الواقع الرقمي وفيسبوك تحديدا استطاع عمليا احتضان نقاشات في قضايا عامة تهم مجموعة كبيرة من المشاركين؟ ومن هنا تقول الكاتبة أن الفيسبوك يعج بالصفحات المهتمة بقضايا عامة ومن ثم تطرح السؤال الآتي: إلى أي مدى تعكس هذه الصفحات المستوى الأول من أخلاقيات النقاش؟

وفى هذا السياق تعرض الكاتبة دراسة إحصائية للصفحات الأكثر شهرة عند المستخدمين العرب، ويتبين من خلال هذا الإحصاء أن أكثر الصفحات شهرة في الدول العربية هي صفحات خاصة بنجوم الفن والطرب والرياضة والمذيعين وما يسمى بالدعاة الجدد.

ثم تعرض دراسة إحصائية أخرى، حيث تبحث في الصفحات السياسية الأكثر شهرة بين المستخدمين العرب، لنجد أن الصفحات السياسية الأكثر شهرة في الدول العربية التي لم تشهد ثورات الربيع العربي تعود إلى رموز الأنظمة التقليدية، أما في دول الربيع العربي فهناك توجه جماهيري نحو رموز سياسية ظهرت بعد الربيع العربي، وبسبب هذا الربط بين الفيسبوك والثورة اتجهت الكاتبة إلى البحث عن صفحات تحمل مفردة “الثورة”، على اعتبار أن هناك ربط مبالغ فيه –من وجهة نظر الكاتبة- بين مواقع التواصل الاجتماعي وثورات الربيع العربي الأمر الذي له دلالات بالنسبة الى الأسئلة المطروحة في هذا الفصل حول كون مواقع التواصل يمكن ان تكن مجالا عاما للنقاش العقلاني الأخلاقي، وفى هذا السياق تذكر الكاتبة مجموعة من الصفحات والمجموعات التي حملت اسم الثورة في بلدان الربيع العربي إلا أن أدوارها تفاوتت بين إشعال شرارة الثورة والعمل على إخمادها، بل إن بعض هذه الصفحات لم يكن لها دور يذكر ولم تحمل من الثورة إلا اسمها فقط.

وفى هذا الإطار تتناول الكاتبة أحد الصفحات الهامة والتي أدت دورا كبيرا في الثورة وهي صفحة “الثورة السورية ضد بشار الأسد” لتكون نموذجا للدراسة، وتوصلت إلى أن هذه الصفحة تمثل انموذجا استطاع أن يحقق شروط المستوى الأول، وتضيف الكاتبة بأنه من الملاحظ أن القضايا الجدلية التي تطرح على الصفحة للنقاش لا يتم الوصول فيها إلى اتفاق، وبالرغم من ذلك لم تشير الكاتبة أن هذا أخل بهدف هبرماس من هذا المستوى من النظرية، لتنتهي بنتيجة مفادها أن الفيسبوك هو مجال عام رقمي يمكن استخدامه في تداول قضايا عامة ينتج منها اتفاق يؤثر في الرأي، رغم أن هذا لا ينطبق على نتائج دراستها لصفحة “الثورة السورية ضد بشار”، مما يشير إلى أن الوصول لهذا الاستنتاج لم يبنى على مقدمة صحيحة.

2– المستوى الثاني (الخاص): إقرار المعايير الخلقية (الأخلاق التطبيقية):

في هذا الإطار تحاول الكاتبة الإجابة عن السؤال التالي: هل هناك ما يشير إلى تمثل المستوى الثاني من نظرية أخلاقيات التواصل على موقع فيسبوك، أي هل يصلح فيسبوك للتداول العقلاني بشأن إقرار المعايير الخلقية التطبيقية الخاصة بمهن ومجموعات منوعة؟

وللإجابة عن هذا السؤال تقوم الكاتبة بعمل مسح لمحتويات الفيسبوك المهتمة بالقضايا الخلقية لتجد أن الصفحات المهتمة بالأخلاقيات تنقسم إلى نوعين:

– صفحات تهتم بالتوعية بأخلاقيات المهن التقليدية وأصبحت مستقرة ومع ذلك فتح باب النقاش حول مضامين بعض هذه المعايير، مثل: صفحة “أخلاقيات العمل ” و”أخلاقيات مهنة الطب”.

– صفحات تهتم بطرح النقاش بهدف التأسيس لأخلاقيات موضوعات حديثة.

وأشارت الكاتبة إلى مثال لنقاش تم على صفحة “أخلاقيات طبية” لتؤكد أن هذه الصفحة تعد مثالا لحوار أخلاقي عقلاني يناقش المعايير الخلقية لمهنة الطب، أما بالنسبة الى النوع الثاني من الصفحات فتذكر الكاتبة أن هناك فشل في إدارة حوار عقلاني لصوغ أخلاقيات محددة، ومن ثم تقول الكاتبة أن بالرغم من أن عدد صفحات الأخلاقيات على فيسبوك ليست قليلة من حيث العدد إلا أنها غير فاعلة من حيث إنتاج أي نقاش عقلاني، حتى أن بعضها توقف، وتفسر الكاتبة هذا الأمر بأن هذا قد يكون راجعا إلى اعتقاد الناس أنهم غير مؤهلين لصوغ مبادئهم الأخلاقية بأنفسهم وأن هذه مهمة الأديان أو رجال الفكر والفلسفة.

رابعا: الواقع الرقمي: تحديات وعقبات أمام أخلاقيات التواصل:

تطرح الكاتبة في هذا الجزء الختامي من الفصل الرابع مجموعة من الملاحظات المرتبطة بإمكانية تحقق نظرية الفعل التواصلي من خلال التواصل الرقمي والتي تؤكدها الكثير من الدراسات، فالملاحظة الأولى تتعلق باختلاف السياقات الرقمية بين الغرب والعرب، فما طبق في الغرب قد لا يصلح للسياق العربي، الملاحظة الثانية تتعلق بحالة الإحباط التي واجهت الشباب العربي الثوري المثقف بعد اندلاع ثورات الربيع العربي نتيجة للقيود التي فرضتها الحكومات، بالإضافة إلى أن مواقع التواصل أصبحت شائعة الاستخدام من المتعلم وغير المتعلم، المثقف وغير المثقف، الملاحظة الثالثة أن أغلب الدراسات الغربية والعربية تناولت نظرية الفعل التواصلي وإمكانية تطبيقها في العالم الرقمي، ولم تحصل نظرية أخلاقيات التواصل في المقابل بنفس الاهتمام.

وتنتقل الكاتبة لمجموعة أخرى من الملاحظات التي تنطلق من نظرة أكثر شمولية للواقع الرقمي والتي تعرض من خلالها عقبات أمام اكتمال شروط إنتاج حوار أخلاقي عقلاني كما أراده هبرماس:

1-التقدم في تقانة التواصل وليس في التواصل:

تذكر الكاتبة هنا ما قاله دومينيك وولتون في كتابه ” الإعلام ليس تواصلا” من أن التقدم الحالي ليس تقدما في التواصل بين الناس بقدر ما هو تقدم في التقانة، كما يرى أن المجتمعات المعاصرة تجمع بين قيم متناقضة مثل المساواة والحرية الفردية أو الفردية والهوية الجماعية، وبناء على ذلك يكون التعايش هو الهدف الذي لابد أن تسعى اليه المجتمعات، ومن هنا تعتبر الكاتبة أن هذا ردا على غاية هبرماس من التواصل وهو الوصول إلى إجماع، وتشير الكاتبة أيضا إلى أن إحدى الدراسات تقول بأن هناك أسبابا نظرية وتجريبية قوية تدحض الاعتقاد السائد بأن وسائل الاتصال الاجتماعي ستحوِل الهرمية الاجتماعية إلى مساواة كاملة، وهو ما يشير الواقع إلى عكسه حيث بدأت الطبقية تتسرب إلى مواقع التواصل، وهذه الملاحظة قد تفسد ما وصفته الكاتبة بشأن مواقع التواصل خاصة قيمة المساواة، ويحدث خللا في النتائج التي توصلت لها من حيث إمكانية تحقق نظرية هبرماس بتأكيدها أن الفيسبوك يصلح لأن يكون مجالا عاما.

2- افتقاد الحس بالالتزام وتحمل المسئولية:

تذكر الكاتبة أن تقانة التواصل الرقمي وما فيها من قدرة على إخفاء هوية المستخدم ساعد في انتشار الكثير من المعلومات الخاطئة التي تهدف إلى بث الشائعات، وهذه المعلومات تفقد مرسلها الشعور بالالتزام والمسئولية تجاهها، وهذا لا يتناسب مع النقاش العقلاني الأخلاقي الذي يريده هبرماس.

3- الفجوة الرقمية:

إن الفجوة الرقمية كما يعرفها بنيامين كومبين “هي الفجوة المتصورة بين من لديهم إمكانية الوصول إلى آخر تقانة في مجال المعلومات ومن يفقدون هذه الإمكانية، ومن هنا يمكن القول بحقيقة أن نسبة كبيرة من الناس خاصة في البلاد الفقيرة لا تزال تفتقر إلى وسائل الاتصال القديمة، فكيف بالتواصل عبر الانترنت؟ لكن الواقع يشهد بسرعة تطور الانترنت بما يبشر بتقديم فرصا أكبر لمزيد من الناس الأقل مستوى اقتصاديا.

الخاتمة

وفى ختام هذه الدراسة توصلت الكاتبة إلى نتيجتين رئيسيتين:

– أن أخلاقيات التواصل/النقاش ممكنة التطبيق في مستواها العام من خلال مواقع التواصل الرقمي، إلا ان المستوى الثاني من أخلاقيات النقاش أمر غير ممكن التحقق حاليا.

– يمكن اعتبار التواصل العقلاني الملتزم بقواعد النقاش الخلقية من الاستراتيجيات الناجعة لإدارة الاختلافات والنزاعات بالتواصل والنقاش العقلاني الأخلاقي سواء تم هذا بطريقة مباشرة أو من خلال تقانة رقمية، ولا يشترط في ذلك الوصول إلى إجماع إذ يكفي التعارف والاحترام والاعتراف بالآخر المختلف.

وبهذه النتيجة الأخيرة تعدل الكاتبة عن غاية هبرماس من النقاش إلى هدف قد يكون حسب رأيها أكثر ملائمة، ولكن يبقى السؤال هل الإخلال بمثل هذا الهدف الرئيسي لنظرية هبرماس يمكننا من القول بأن نظريته قابله للتحقيق؟

عرض:

أ. يارا عبد الجواد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Daniel Gallant, What about social media neutrality, The Wall street Journal, 28 January 2018, available on: https://www.wsj.com/articles/what-about-social-media-neutrality-1517175805  

عن يارا عبد الجواد

شاهد أيضاً

إصلاح الحداثة

تأليف: أ. د. وائل حلاق

عرض: أ. منال يحيى شيمي

باستعراض عدد من كتب المفكر وائل حلاق وعلى رأسها كتابه الشريعة، نجد أن أطروحته الأساسية تتلخص في نقد الحداثة واستحالة الجمع بينها وبين الشريعة الإسلامية بمعناها الحقيقي.

دراسات إسلامية

تأليف: أ. د. أمين الخولي

عرض: د. محمود خليفة الحفناوي الأزهري

يضم الكتاب دراسات كتبها أمين الخولي تعليقًا على مجموعة من المواد في دائرة المعارف الإسلامية، هذه المواد هي البلاغة، التفسير، السيرة، الشريعة، الطلاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.