أخبار عاجلة
الرئيسية / الدراسات والأبحاث / عروض كتب / الإسلام بين الشرق والغرب

الإسلام بين الشرق والغرب

المؤلف: على عزت بيجوفيتش

العنوان: الإسلام بين الشرق والغرب

تقديم: عبد الوهاب المسيري

ترجمة: محمد يوسف عدس

الطبعة: الطبعة الأولى لدار الشروق.

مكان النشر: القاهرة

الناشر: دار الشروق

تاريخ النشر: 2010.

الوصف المادي: 379 ص.، 24 سم.

الترقيم الدولي الموحد: 9-2679-09-977-978

ينقسم الكتاب إلى قسمين:

القسم الأول: مقدمات: نظرات حول الدين. ويتكون من ستة فصول.

القسم الثاني: الإسلام: الوحدة ثنائية القطب. ويتكون من خمسة فصول.

القسم الأول:

نظرات حول الدين

الفصل الأول: الخلق والتطور

  • نظرة كل من داروين ومايكل انجلو للإنسان:

اعتمد بيجوفيتش على سؤال أساسي بنى عليه قضيته وهو، لكي نعرف كيف ينبغي أن يحيا الإنسان، لابد من أن نعرف أصله بالرغم من التناقضات التي يقدمها كل من العلم والدين. وذلك الطرح يعتمد على اتجاهين:

الأول، الاتجاه العلمي الذي ينظر إلى الإنسان كنتيجة لعملية طويلة من التطور ابتدأت من أدنى أشكال الحياة، حيث لا يوجد تمييز واضح بين الإنسان والحيوان غير بعض الخصائص المادية الخارجية على سبيل المثال المشي قائما، التواصل بلغة منطوقة.

الثاني، الاتجاه الديني الذي ينظر لخلق الإنسان على أنه ليس عملية، بل هو فعل إلهي، فهو ليس نتيجة عملية تطور، وإنما فعل مفاجئ.

وسواء كان الإنسان هو نتاج عملية تطور أو كان مخلوقا، فإن ما يشغل عقل بيجوفيتش هو ماهية الإنسان، هل الإنسان جزء من العالم أم شيء مختلف عنه؟

يرى الماديون أن الفرق بين الإنسان والحيوان يكمن في الدرجة وليس في النوع، فلا يوجد جوهر إنساني متميز. فالإنسان ما هو إلا نظام آخر من أنظمة الطبيعة التي تخضع لقوانين الطبيعة الحتمية. يري بيجوفيتش أن ذلك المعتقد فيه إنكار جذري لذات الإنسان.

ويرى داروين أن تطور الإنسان مرتبط بعملية “الاختيار الطبيعي” حتى أصبح قادرا على الكلام والمشي منتصبا، ويأتي علم البيولوجيا ليستكمل باقي الصورة فيرينا أن كل شيء يرجع إلى عمليات طبيعية كيميائية. أما الروح والضمير والحياة فلا وجود لها، وبالتالي ليس هناك جوهر إنساني.

ثم انتقل بيجوفيتش إلى كنيسة سيكستين ليتأمل بداخلها لوحات مايكل أنجلو التي توثق تاريخ الإنسانية منذ أن هبط الإنسان على الأرض وحتى يوم القيامة. ووجد بيجوفيتش أن كل ما أنتجه مايكل أنجلو وغيره من الفنانين عن الإنسان لا علاقة لها بإنسان داروين.

وعلي العكس من ذلك تماما فإن رؤية الأعمال الفنية جعلته يسأل سؤالا جوهريا، لماذا يوجد في هذه اللوحات هذا القدر من الخوف بين كل شيء حي ما دام الإنسان والحياة هما ثمرة الطبيعة الأم؟ فكل تلك الفنون تحكي قصة غربة الإنسان في الطبيعة وهو عكس ما قاله داروين.

هنا يرى بيجوفيتش أن كل من العلم “داروين” والفن “مايكل أنجلو” يقفان على طريق تصادم قطعي في رؤيتهما للإنسان، وكل منهما لديه كم هائل من الأدلة التي تدعمه ولن يفوز أحد على الآخر، إلا أنه يمكن أن توجد حقيقتان متعارضتان وامتزاجهما معا يمكن أن يعطينا صورة كاملة وحقيقة أكثر دقة. فمزج حقيقة داروين وحقيقة مايكل أنجلو أعطت بيجوفيتش الصورة الكاملة والحقيقية عن الإنسان.

فقد أقر الدين بحيوانية الإنسان قبل أن تظهر أطروحة داروين، ولكن يكمن الفرق الأساسي في مدي شمولية هذا الجانب، فطبقا للعلم: الإنسان ليس أكثر من حيوان ذكي، وطبقا للدين: الإنسان حيوان منح شخصية ذاتية.

قال الفيلسوف الإنجليزي إنجلز: “أن اليد ليس عضو العمل فقط بل هي أيضا نتاج العمل. فمن خلال العمل اكتسبت اليد البشرية هذه الدرجة الرفيعة من الإتقان الذي استطاعت من خلاله أن تنتج لوحات رافايللو وموسيقى باجانيني”.

حديث إنجلز يركز على استمرارية النمو البيولوجي وليس النمو الروحي، ولكن يرى بيجوفيتش أن “رافائيل” أبدع لوحاته ليس بيده ولكن بروحه، وكتب “بتهوفن” أعظم أعماله الموسيقية بعد أن أصيب بالصمم. فيرى بيجوفيتش أن الإنسان ليس مجرد مجموع وظائفه البيولوجية ولكن لديه جوهر وروح يجعله أكثر مما تقول عنه كل العلوم مجتمعة.

  • المثالية الأصلية:

استكمل بيجوفيتش نظرته عن الخلق والتطور، فأكد على أن هناك مشترك كبير بين الإنسان والمستويات العليا من الحيوانات، فهناك شعور وذكاء، ووسيلة أو أكثر من وسائل الاتصال، وهناك الرغبة في إشباع الحاجات والالتحاق بمجتمع وهناك بعض أشكال الاقتصاد. لكن ليس في عالم الحيوان شيء ما يشبه -حتى ولو بشكل بدائي- الدين أو السحر أو المحرمات أو الفن أو المحظورات الأخلاقية.

إن تطور الإنسان يبدأ عندما ينكر ويكبح الحيوان بداخله، فإذا كان الإنسان ابن الطبيعة، فكيف يستطيع الابن مخالفة الطبيعة الأم؟

فقضية أن يضحي الإنسان بنفسه لأجل الآخرين أو يقنن من رغباته ويكبحها هذا لا يأتي من العقل بل يأتي من الإيمان بمعتقدات داخلية ليس لها علاقة بمفهوم التطور الذي يناقشه الماديون. فإن وجود الإنسان ليس كوجود الحيوان القائم أساسا على المنفعة والكفاءة.

وتوضيحا لذلك يمكننا القول إن الإنسان البدائي -على سبيل المثال- قبل أن يذهب إلى الصيد، كان يخضع نفسه لأنواع مختلفة من العبادات والطقوس الغريبة والرسم والرقص، وبينما كان الإنسان يصلي ويرسم ويرقص قبل الصيد كان الحيوان قد انطلق بالفعل في مهمته وفقا لمنطقه.

يري بيجوفيتش الإنسان كالمخترع الذي لا يمل من صنع الأساطير والتعقيدات وكأن الإنسان منذ قديم الأزل يميل إلى صنع عوالم تخيلية، وهذا أيضا ليس فرقا في التطور بل في الجوهر. فقد ظهرت مثلا فكرة التضحية البشرية عند الإنسان البدائي وظلت عمل غير مبرر وطبيعته غير مفهومة لأنها من خارج نظام الطبيعة. كما أنها أوضحت مبدأ جديد يخالف مبدأ المصلحة والمنفعة.

إذن فالتفكير اللاعقلاني في حد ذاته هو تطور. لكن ليس تطور بيولوجي. هنا استنتج بيجوفيتش أن التطور الروحي بداخل الإنسان البدائي جعله يخلق نظاما كاملا من المحظورات، واستعان بيجوفيتش بـ“انكنسون” في كتابه “القانون الأول“ في قوله إن المحظورات شاعت بين الشعوب البدائية في لحظات التطور الروحي لأن الإنسان في حاجة دائما للتطهر من الشر والدنس، وقد أطلق عليها بعد ذلك اسم التابو ومعناها المحرم. فالتابو هو حظر ذا طبيعة أخلاقية.

إذن فشعور الإنسان تجاه الخير والشر والمقدس والملعون سيظل بلا تفسير عقلاني وهو بالتالي لم يستجب للعالم وفق نظرية داروين، فكما وصف بيجوفيتش الإنسان أنه ليس نتاج التطور بل متعالي عليه.

حتى وقت قريب كانت نظرية داروين تعتبر هي التفسير النهائي لأصل الإنسان، ولكن في حقيقة الأمر أصبح من الضروري التجديد في هذه النظرية، فنظرية التطور لم تستطع أن تفسر بطريقة مقنعة ظهور التدين في الحياة البشرية، ولم تستطع أن تفسر لماذا يصبح الناس أقل شعورا بالاكتفاء عندما تتوفر لديهم متع الحياة المادية أكثر من ذي قبل؟ ولماذا تزداد حوادث الانتحار والأمراض النفسية والعقلية مع ارتفاع مستوي المعيشة؟

إنسان داروين بسيط ذو بعد واحد، إنه يكافح من أجل البقاء، يشبع حاجاته وأهدافه من أجل عالم وظيفي.

  • ازدواجية العالم الحي:

في هذه النقطة، يشير بيجوفيتش إلى علم البيولوجي كعلم مهم ولكنه يهتم بظواهر الحياة كموضوع وكمنتج وليس علما يبحث في جوهر الحياة.

يرى بيجوفيتش أن “الخلق الذاتي” الذي يؤمن به الماديون هو شيء غير دقيق بالمرة، وقد استشهد بيجوفيتش بمجموعة من العلماء الذين بحثوا هذه القضية، قضية الخلق الذاتي للحياة ومنهم عالم الطبيعة السويسري تشالز يوجين جاي Charles Eugene Guye الذي حاول أن يقوم بحساب احتمالية الخلق بالصدفة لجزيء واحد من البروتين، وقد وصل إلى نتيجة أن خلق مثل ذلك الجزيء قد يستغرق ١٠٢٤٣ بليون سنة، وبناء على ذلك، فإن فرضية أن الحياة نشأت بالصدفة خلال ٤،٥ بليون سنة والتي يفترض أنها عمر الأرض باتت مستحيلة.

كما أشار بيجوفيتش إلى الموقف العقلي للإنسان الجماهيري أو “الفهلوي” كما ذكر، ذلك الشخص الذي يمتلك معرفة ضئيلة ويتصرف على أساس أنها معرفة مطلقة. فهذا الصنف من الناس لا يشغل عقله بالأسرار والألغاز، وإن واجه مشكلة فإنه يصفها ويصنفها ويعطي لها اسما ثم يمضي في طريق حياته معتقدا أنه حل المشكلة.

يرى بيجوفيتش أخيرا أننا لا نستطيع تفسير الحياة بالوسائل العلمية فقط، لأن الحياة معجزة وظاهرة معا، والإعجاب والدهشة هما أعظم شكل من أشكال فهمنا للحياة.

  • معني الفلسفة الإنسانية:

“السعي من أجل المتعة والهرب من الألم”، بهذه العبارة حدد اثنان من كبار فلاسفة الفكر المادي -هما إبيقور Epicurus وهولباخ Holbach- مبدأ الحياة الأساسي، ليست فقط حياة الإنسان بل حياة الحيوان أيضا. فالمادية تؤكد دائما على ما هو مشترك بين الحيوان والإنسان، بينما يؤكد الدين على ما يفرق بينهما.

ويرى بيجوفيتش إن قضية خلق الإنسان هي في الحقيقة قضية حرية الإنسانية. فإن كان الإنسان لا حرية له وجميع أفعاله محددة مسبقا، فلا حاجة للألوهية لتفسر لنا الكون، ولكن إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجود الله، فالله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقا حرا، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق. الحرية ليست نتيجة ولا إنتاجا للتطور، فيستطيع الإنسان أن يصنع إنسانا يشبهه كالإنسان الآلي مثلا إلا أنه لن يكون له حرية الحركة أو التفكير بل سيفعل ما يتم برمجته عليه، وهنا تتجلي عظمة الخالق واللمسة الإلهية التي لا يمكن للتطور أن يصنعها وهي الروح. فبدون تلك اللمسة الإلهية يمكن أن نحصل على مسخ دون أخلاق أو مشاعر.

ويستخدم الإنسان حريته في أن يختار أن يكون خيرا أو شريرا، هذه القدرة على الاختيار بصرف النظر عن النتيجة هي أعلى شكل من أشكال الوجود الممكن في هذا الكون. 

أشار بيجوفيتش هنا إلى دور علم النفس، ويرى أنه يدرس “نفس” الإنسان وليس “روحه”، بمعنى أنه علم على المستوى الحيوي (البيولوجي) وليس على المستوى الشخصي الجواني. إن السمو الإنساني لم يكن من المستطاع اكتشافه بواسطة علم الأحياء أو علم النفس، ولا بأي علم آخر، فالسمو الإنساني مسألة روحية.

ويأتي الفن هنا ليعبر عن الخصوصية الإنسانية في الناس وأن يعبر عن النبل الإنساني عند أناس صغار منسيين في خضم الحياة، أي باختصار أن يكتشف الروح الإنسانية المتساوية القيمة في جميع البشر فالإنسانية هي تأكيد على حرية الإنسان وعلى قيمته الحقيقية.

إذن بدون الدين وبدون الجهاد الروحي المتصل للإنسان لا يوجد إيمان حقيقي بالإنسان باعتباره قيمة عليا، فينتفي الإيمان بإنسانية الإنسان. ويترتب على ذلك أن القول بمذهب إنساني ملحد ضرب من التناقض، لأنه إذا انتفى وجود الله انتفى بالتالي وجود الإنسان.

الفصل الثاني

الثقافة والحضارة

الأداة والعبادة:

  • انعكاس ازدواجية الحياة:

يرى بيجوفيتش أنه يوجد خلط كبير بين فكرة الثقافة وفكرة الحضارة. ويرى أن الثقافة هي تأثير الدين على الإنسان وتأثير الإنسان على نفسه. أما الحضارة فهي تأثير الذكاء على الطبيعة أو العالم الخارجي. الثقافة معناها “الفن الذي يكون به الإنسان إنسانا”، أما الحضارة فتعني “فن التعامل والسيطرة وصناعة الأشياء صناعة دقيقة”، الثقافة هي “الخلق المستمر للذات”. أما الحضارة فهي “التغيير المستمر للعالم”.

الحضارة تغري الإنسان بالحياة البرانية على حساب حياته الجوانية، ومقولة “انتج لتربح، واربح لتبدد” معناها أن الحضارة لديها القدرة على خلق دائم لضرورات واحتياجات جديدة وفرض الحاجة على من لا حاجة له. أما الثقافة فهي تميل إلى التقليل من احتياجات الإنسان وبذلك توسع من آفاقه الحرية الجوانية.

إذن فحامل الثقافة هو الإنسان، وحامل الحضارة هو المجتمع، ومعنى الثقافة القوة الذاتية التي تكتسب بالتنشئة، أما الحضارة فهي قوة على الطبيعة عن طريق العلم والفكر واللغة والكتابة.

  • التعليم والتأمل:

تحتاج الحضارة إلى تعلم وتحتاج الثقافة إلى تأمل.

التأمل جهد جواني للتعرف على الذات واكتشاف هويتنا وحقيقة حياتنا ووجودنا، وهو يؤدي إلى الحكمة والطمأنينة، فالتأمل هو تكريس النفس للأسرار والاستغراق في الذات للوصول إلى الحقائق الدينية والأخلاقية والفنية.

 أما التعلم فهو جمع معلومات عن الحقائق وعلاقاتها ببعضها البعض ويقوم على الملاحظة والتحليل والتجريب والاختبار، ويهدف إلى مواجهة الطبيعة لمعرفتها ولتغيير ظروف الوجود.

أن تتأمل وأن تتعلم نشاطين مختلفين، والتعارض بينهما هو التعارض بين الإنسان والعالم، بين الروح والذكاء، بين الحضارة والثقافة.

والتعليم وحده لا يرقى بالإنسان، فالعلم يجعل الناس أكثر قدرة، أكثر كفاءة، أكثر نفعا للمجتمع، ولكن في نفس الوقت يمكن أن يجعلهم خداما للشر.

  • التعليم التقني والتعليم الكلاسيكي:

يري بيجوفيتش أن التعليم المدرسي في العالم المتحضر تعليم تقني أكثر مما ينبغي ويضئل ويكاد يكون مضمحلا في جانبه الإنساني. فالطالب يتعلم الكتابة والحساب والطبيعة والكيمياء والجغرافيا والتاريخ وغيرها من المواد دون أن يستنير ثقافيا أو روحيا. فذلك النوع من التعليم كان وراء قيام الحضارات كما أن الحضارة قد رسخته أيضا.

فمعضلة التعليم التقني في مقابل التعليم الكلاسيكي الإنساني هي مسألة أيديولوجية تكمن وراءها فلسفة معينة. فهي تعكس التضاد بين الثقافة والحضارة.

  • الثقافة الجماهيرية:

هنا يطرح بيجوفيتش سؤالا: هل الثقافة الجماهيرية هي ثقافة حقا أم مجرد ملمح آخر من ملامح الحضارة؟

ويجيب بيجوفيتش عن هذا التساؤل بأن موضوع الثقافة هو الإنسان، أي الفردية المتفردة التي لا تتكرر، أما الثقافة الجماهيرية فهي تصب في الاتجاه المعاكس، نحو صب الأرواح في قوالب متماثلة، تنتج بالجملة السلع الروحية. فالثقافة الجماهيرية تختلف عن الثقافة الأصلية في أنها تحد من الحرية الإنسانية من خلال هذا الاتجاه نحو التماثل.

ثم يقوم بيجوفيتش بفض الخلاف بين الثقافة الجماهيرية والثقافة الشعبية.

  • الريف والمدينة:

يستمر بيجوفيتش في التفتيش عن أصول الاختلاف بين المادة والروح، الإلحاد والدين، الثقافة والحضارة حتى وصل إلى الريف والمدينة.

يرى بيجوفيتش أن نسبة التدين تقل تبعا لحجم المدينة، ويرجع ذلك إلى تركيز العوامل الحضارية التي تعزل الإنسان. فكلما اتسعت المدينة قلت الطبيعة والسماء فوقها وبالتالي قل التأمل. هناك علاقة عكسية بين المدن الكبيرة والتدين وعلاقة طردية بينها وبين الجريمة. أما إنسان القرية ففرصته أكبر لكي يتأمل، فهو يعيش متصلا بالطبيعة.

ويحدد بيجوفيتش رؤيته في أن الدين ينتمي إلى الحياة والفن والثقافة، أما الإلحاد فينتمي إلى التنظيم والعلم والحضارة.

  • الطبقة العاملة:

الطبقة العاملة هي نتاج المدينة وقد عانت من التأثير السلبي لما يسمي ب“الحضارة الخالصة” أو “الحضارة التي تخلو من الثقافة”.

ويرى بيجوفيتش أن تطور العلوم والتكنولوجيا وتطور وسائل الإنتاج أضعف الطبقة العاملة ونقل النقطة الحاسمة في الإنتاج إلى الذكاء التكنولوجي، وهكذا النقطة تلاشت آخر المثالية والرومانسية الثورية وأخذت مكانها القوة العقلانية التي لا قلب لها.

  • التقدم عند الإنسان:

قال أوبنهيمر Julius Robert Oppenheimer مخترع القنبلة الهيدروجينية، أن الجنس البشري قد حقق تقدما تكنولوجيا وماديا في الأربعين سنة الماضية أكثر مما حققه خلال الأربعين قرنا الماضية. وقد عرض بيجوفيتش هنا نماذج كثيرة عن النتائج الإيجابية للتطور التكنولوجي.

وبعد هذا العرض المتفائل، يسأل بيجوفيتش سؤالا مهما، هل هذا يعني أن الحياة ستكون أغني وأننا سنكون أسعد وأكثر إنسانية؟

وهنا أتت الصدمة، ففي المؤتمر الدولي في بلجراد سبتمبر ١٩٧٣، كان هناك إجماع على أن الوقت الراهن، بالرغم من كونه وقت طفرة تكنولوجية لم يعهدها البشر مسبقا، إلا أنه يتميز أيضا بالتزايد المذهل للجريمة في جميع البلاد على مستوى العالم بأسره، كما ازدادت نسبة إدمان الكحول وأنواع المخدرات، وأصبحت هذه المشكلة لدي الفقراء والأغنياء، فإذا كانت المخدرات ملاذا للأغنياء، فما الذي يهربون منه؟

كما ازدادت عدد حالات الانتحار والأمراض النفسية بطريقة تتناسب طرديا مع مستوى الحضارة. فقد أصبح الناس في الدول المتقدمة أقل رضا مع تحقق تطور إيجابي في مستواهم المعيشي. فالسويد على سبيل المثال تحقق الرقم القياسي في الانتحار والأمراض العقلية، في الوقت الذي تقف على رأس العالم من حيث الدخل القومي والإلمام بالقراءة والكتابة وبرامج الضمان الاجتماعي.

ونقل بيجوفيتش هنا رأي آرثر ميللر الذي قال: “…إنني أعتقد أن المشكلة -في وضعها الراهن- هي نتاج التكنولوجيا التي دمرت الإنسان كقيمة في ذاته.. وباختصار لقد اندثرت الروح وتلاشت..”

وهنا يشير بيجوفيتش أنه –خلافا للنظرة المادية- فان الحضارة والرفاهية لا يتلاءمان مع الطبيعة الإنسانية، فالإنسان لا يصلح أن يحيا بحواسه فقط، فالمادة التي خلق منها الإنسان ليست هي فقط ما كان يعتقد به العلم والبيولوجيا التطورية في القرن التاسع عشر.

  • تشاؤم المسرح:

من الأمور ذات الدلالة أن تأتي الفلسفة التشاؤمية من المناطق الغنية المتقدمة. فالرفاهية هي الصورة البرانية، والعبثية هي الصورة الجوانية للحياة، فإذا عبرنا عن هذا الموقف تعبيرا جدليا نقول: كلما زادت الرفاهية والرخاء كلما تعاظم الشعور باليأس والخواء،

إذن العدمية وفلسفة العبث هما ثمرة أكثر بلاد العالم ثراء وتقدما، وهي ليست فلسفة سامة ولكنها فلسفة عميقة قادرة على التنوير، فهي تعبير عن عالم بلا منطق، عن تمرد الإنسان على الحضارة ذات البعد الواحد.

  • العدمية:

يرى بيجوفيتش أن العدمية ليست إنكارا للألوهية ولكنها احتجاج على غيابها. إن الفلسفة العدمية لا تتحدث مباشرة عن الدين، ولكنها تعبر بوضوح عن الاعتقاد بأن الإنسان والعالم ليسا مصنوعين بالمعيار نفسه، إنها تعبر عن القلق، والقلق دائما قلق ديني.

إن التفاهة عند “بول سارتر” والعدمية عند “كامو” تفترض البحث عن هدف ومعني للحياة، وهو بحث يختلف عن البحث الديني في أنه ينتهي بالفشل، ولكنه يعتبر بحثا دينيا من حيث أنه يعني رفض الهدف الدنيوي للحياة الإنسانية.

فالفلسفة العدمية ليس بينها شيء مشترك مع الإلحاد عند المفكرين العقلانيين، إنما على العكس هي لعنة صامتة للروح التي أجهدها البحث عن الله دون أن تجده، إنها “إلحاد اليأس”.

الفصل الثالث

ظاهرة الفن

  • الفن والعلم:

في هذا الفصل يوضح بيجوفيتش دور الفن ويبرز الاختلافات بينه وبين العلم، فيرى أن هناك عالمان: عالم للآلة، وعالم للموسيقى، لا يمكن إرجاعهما إلى أصل مشترك. فالعالم الأول مركب حيزي كمي مكون من أجزاء وفقا لمنطق علم الطبيعة والرياضيات. والعالم الآخر يشتمل على تركيبة من الأنغام والكلمات المنظومة. وينتمي هذان العالمان إلى مقولتين هما العلم والدين ولكن في هذا السياق نقول: ينتميان إلى العلم والفن.

 يرى بيجوفيتش أن هناك ثلاث درجات للحقيقة وهي “المادة والحياة والشخصية“، فالمادة يتناولها العلم والشخصية يتناولها الفن. وينتسب العلم والفن أحدهما للآخر كما ينتسب الكم إلى الكيف. في العالم المادي لا يوجد سوي الكم وجميع الكميات يمكن المقارنة بينها.

أما بالنسبة للفن، ففي القصيدة أو اللوحة الفنية نواجه سرا أو كيفا بالمعني الميتافيزيقي للكلمة، فكيف مثلا يمكننا تفسير الاختلاف بين اللوحة الأصلية وبين نسخة منها بواسطة الكم؟ فالكيف وحده هو الذي يمكنه أن يفرق بينهما من خلال “اللمسة الشخصية”.

ما بين نيوتن وشكسبير يكمن الاختلاف الجوهري بين العلم والفن. فكل منهما يجسد فكرة معاكسة للآخر تماما. فقضية مصير الإنسان وغربته في الكون وهشاشته وخلاصه لا يمكن أبدا أن تكون موضوع علم من العلوم. في حين أن الفن لا يمكن أن يتغاضى عن تلك القضايا، فالفن هو معرفة الإنسان كما أن العلم هو معرفة الطبيعة. فمدخل العلم هو التفكير والتحليل والملاحظة، ومدخل الفنون هو النظر إلى باطن الإنسان وزواياه الخفية.

يمتلك الفن خصوصية جوانية، لذا لا يوجد في العمل الفني مجال لفريق عمل، فكل عمل فني مرتبط بشخصية الفنان فقط. على عكس العلوم التي من الممكن أن يتشارك فيها مجموعة من العلماء أو الفرق البحثية.

  • الفن والدين:

“لقد انبثق الشعر كوعي مباشر بذلك السر الكبير الذي تتساءل عنه حياتنا وقد سيطر عليها لغز كوني”

إن كل المحاولات الفنية حتى وإن كانت غير كاملة أو فاشلة تومئ بطريقة غامضة إلى وجود رباط وثيق بين الفن والدين.

يعتقد بيجوفيتش أن هناك وحدة مبدئية في جذور الدين والفن. فيرى أن الدراما لها أصل ديني سواء من ناحية الموضوع أو ناحية التاريخ. فالمعابد تعتبر هي المسارح الأولى.

كان القدامى يؤمنون بأن الدراما هي الوسيلة الأمثل للتعبير عن الدين والمشاكل الأخلاقية للبشر.

وإذا نظرنا إلى فن المعمار، لوجدنا أن أعظم الإلهامات تواجدت في بناء المعابد، ونجد ذلك أيضا في المساجد الإسلامية.

  • الفن والإلحاد:

من أهم نتائج “إلحاد الدولة” ركود الفن والتوسع في التعليم كما حددته الحضارة. ومع الإلحاد القهري يصبح الفن بديلا للدين المكبوت.

  • الفن والنقد:

يرى بيجوفيتش إخفاق النقد الفني ومحدوديته. ويزعم بيجوفيتش أن السبب الأساسي لذلك الإخفاق هو التفكير في شيء ليس في جوهره ثمرة من ثمار الفكر، فالعمل الفني بالنسبة للفنان رؤية جوانية استثارتها المعاناة والتجربة وليس نتيجة تحليل أو تفكير منطقي. هذا يفسر لماذا يجلب النقد الاضطراب أكثر مما يلقي الضوء على العمل الفني. “فالنقد يقتل العمل الفني”.

ويخلص بيجوفيتش في هذا الفصل بمقولة أن الفن، في بحثه عما هو إنساني، أصبح باحثا عن الله.

الفصل الرابع

الأخلاق

  • الواجب والمصلحة:

تشتمل فكرة “الخلق” على الحرية والوعي والفردية، وتشتمل فكرة “التطور” على السببية والقصور الذاتي والاتساق.

الواجب والمصلحة هما حلقتان في هاتين السلسلتين السابقتين. الواجب هو المصطلح الأساسي في علم الأخلاق، والمصلحة هي المصطلح الأساسي في علم السياسة.

والواجب والمصلحة وإن كانا متعارضين فإنهما قوتان محركتان للنشاط الإنساني. والواجب دائما يتجاوز المصلحة، ولا علاقة للمصلحة بالأخلاق، فالأخلاق لا هي وظيفية ولا عقلانية.

واستعان بيجوفيتش بمثال توضيحي عن الأخلاق. فقال: إذا التهمت النيران منزلا واندفع أحد الأشخاص لينقذ طفل جاره، ثم عاد يحمل جثته بين ذراعيه، فهل نقول بأن عمله بلا فائدة لأنه لم يكن ناجحا؟ إنها الأخلاق التي تمنح قيمة لهذه التضحية عديمة الفائدة.

إن الأخلاق، كظاهرة واقعية في الحياة الإنسانية، لا يمكن تفسيرها تفسيرا عقليا، ونجد في هذا الحجة الأولى والعملية للدين، فالسلوك الأخلاقي إما أنه لا معنى له، وإما أن له معنى في وجود الله. إذ يجب أن ندخل هنا قيمة اسمها الخلود، فإذا توافر شرط الحياة الخالدة وأن الله موجود، بذلك يكون سلوك الإنسان الأخلاقي له معنى وله مبرر. 

قلة قليلة من الناس هي من تتصرف وفقا لقانون الفضيلة، وهذه القلة هي فخر الجنس البشري وفخر كل إنسان، وقليلة هي اللحظات التي نرتفع فيها فوق المصالح والمنافع العاجلة، وتلك هي اللحظات التي تبقي في حياتنا.

  • النية والعمل:

في عالم الطبيعة تتواجد الأشياء تواجدا موضوعيا، فالأرض تدور حول الشمس شئنا أم أبينا. قد نكره تلك الحقيقة ولكننا لا نستطيع تغييرها. أما في عالم الأخلاق فإن الحقائق لا معني لها لأننا نحن من نساهم مباشرة في وجودها وهذا هو ميدان حرية الإنسان.

في العالم البراني، نفعل ما يجب أن نفعله، في هذا العالم يوجد الغني والفقير، الذكي والغبي المتعلم والجاهل، في مقابل هذا العالم يوجد العالم الداخلي الجواني وهو عالم قوامه الحرية والاختيارات المتساوية، وهي حرية كاملة لا تحدها حدود مادية.

تعبر الحرية عن نفسها في النية والإرادة. فكل إنسان يتمني أن يعيش في اتساق مع ضميره وفقا لقوانين أخلاقية معينة، وقد لا يكون هذا سهلا عند البعض، إلا أن كل إنسان يقدر قيمة الاستقامة، كثير من الناس لا يعرفون سبيلا لدفع الظلم ولكن الجميع قادر على كراهية الظلم واستهجانه في القلب، وفي هذا يكمن معنى الندم. ليست الإنسانية في العصمة من الخطأ، ولكن في أن تخطئ وتندم هذا معنى أن تكون إنسانا.

هنا يثير بيجوفيتش سؤالا مهما: هل نحكم على الأعمال بالنوايا التي انطوت عليها أم بالنتائج التي ترتبت عليها؟ هذه العلاقة بين الإرادة والفعل تعكس التناقض المبدئي بين الإنسان والعالم.

الموقف الأول هو رسالة كل دين، أما الموقف الثاني فهو شعار كل أيديولوجية، فهناك منطقان متعارضان، أحدهما يعكس إنكار العالم، والثاني يعكس إنكار الإنسان.

ويقرر الدين أن هناك مركزا حيوانيا في كل إنسان يختلف عن بقية العالم، وبدون الرجوع إلى هذا العالم الجواني يصبح عمل الإنسان عملا آليا. فليس الإنسان بما يفعل، بل بما يريد.

فالعمل الذي انعقدت عليه النية هو عمل قد تم أداؤه في عالم الأبدية، أما أداؤه البراني فيحمل طابعا أرضيا. إن النية حرة وملك للإنسان أما الأداء فيخضع للقيود والقوانين والشروط.

  • التدريب والتنشئة:

بداخل كل إنسان يوجد الخير والشر. وهدف التنشئة الصحيحة هو تحفيز القوى الجوانية الدافعة من الخبرات بحيث تحدث قرارا جوانيا لصالح الخير عن طريق المثل الصالح والنصيحة والمشاهدة، ولا يمكن تغيير الإنسان الا بهذا الأسلوب.

أما التدريب فلا تأثير له على الموقف الأخلاقي للإنسان. فقد تستطيع أن تدرب الجندي ليكون قويا خشنا، ولكنك لا تستطيع أن تدربه أن يكون مخلصا وشريفا، فتلك الصفات هي أمور داخلية روحية لا يمكن خلقها من خلال الضغط أو العنف أو التدريب أو ما شابه.

هناك فرق بين دعاة الفردية والوضعيين تجاه الأخلاق، فدعاة الفردية يؤمنون بهداية الإنسان والتجديد الباطني. بينما يعتقد الوضعيون في تغيير السلوك.

  • الأخلاق والعقل:

مفهوم الحرية الإنسانية لا ينفصل عن فكرة الأخلاق. فمثل ما للكم والمكان من أهمية في علم الطبيعة، كانت أهمية الحرية بالنسبة لعلم الأخلاق. يدرك العقل الكم والمكان ولكنه لا يفهم الحرية. فالتحليل المنطقي العقلي للأخلاق يختزلها إلى طبيعة وأنانية وتضخيم للذات. إن محاولة إقامة الأخلاق على أساس عقلي لا تستطيع أن تتحرك أبعد مما يسمى بالأخلاق الاجتماعية، أو قواعد السلوك اللازمة للمحافظة على جماعة معينة، وهي في الواقع نوع من النظام الاجتماعي.

 إذن لا يمكن القول بأن الأخلاق نتاج العقل، فالعقل يستطيع أن يختبر العلاقات بين الأشياء ولكنه لا يستطيع أن يصدر حكما قيميا عندما تكون القضية قضية استحسان أو استهجان أخلاقي.  

ويظهر التعارض بين العلم والأخلاق في حياتنا اليومية، فعلى سبيل المثال، يقبل العلم الإخصاب الصناعي لأطفال الأنابيب، كما يقبل أيضا ما يسمي “بالقتل الرحيم”، الا أن كل أخلاقي يرفض هذه الأمور باعتبارها مناقضة للمبدأ الذي تقوم عليه الحياة الإنسانية لأن فيهما حطا بالإنسان إلى مستوى الأشياء.

إن التقدم العلمي مهما كان واضحا وبارزا لا يمكنه أن يهمش الأخلاق والدين، فالعلم لا يعلم الناس كيف يحيون، والقيم التي تسمو بالحياة الحيوانية إلى مستوي الحياة الإنسانية تبقى مجهولة وغير مفهومة بدون الدين، فالدين مدخل إلى عالم آخر متفوق على العالم المادي العقلاني والأخلاق هي معناه.

  • الأخلاق والدين:

لا يمكن بناء الأخلاق إلا على الدين، أما الأخلاق كممارسة أو السلوك، فإنها لا تعتمد بطريق مباشر على التدين، والحجة التي تربط بينهما هي العالم الآخر.

من ناحية أخرى نجد أن في الصراع على البقاء عند داروين لا يفوز الأفضل بالمعنى الأخلاقي، وإنما الأقوى والأفضل تكيفا هو الذي يفوز. فإنسان داروين قد يصل إلى أعلى درجات الكمال البيولوجي (السوبر مان) ولكنه يظل محروما من الصفات الإنسانية، ومن ثم محروما من السمو الإنساني.

علي صعيد آخر، ظهر ما يسمي بحركة الأخلاق العلمانية التي تؤكد على استقلالية الأخلاق عن الدين. ولكن هذه النزعة العلمانية الحريصة على اتخاذ موقف مستقل عن الدين تتجه في سيرها على طول الخط نحو الدين وإن كان بطريقة لاشعورية

  • الأخلاق وما يسمي بالمصلحة المشتركة:

أنكرت العقلانية الأخلاق وتجلي هذا الإنكار في حذف الازدواجية بين الواجب والمصلحة.

ويرصد بيجوفيتش هنا ظاهرة أخرى تبدو مشابهة في ظاهرها مع الأخلاق الأصلية ولكن في جوهرها هي تختلف تماما، ألا وهي ما يسمى “السلوك الاجتماعي”، ففي حياتنا الاجتماعية يستهدف الإنسان إلى تحقيق احتياجاته الشخصية، وإنما على نطاق اجتماعي أوسع حيث يصبح المجتمع هو التعبير عن جميع الحاجات الشخصية التي يمكن تحقيقها بفاعلية أكبر. هذا الموقف الجديد يخلق “واجبات” مختلفة لأعضاء المجتمع، وهذه الواجبات الاجتماعية قد لا تتكافأ مع المصلحة الشخصية للإنسان، وقد تكون ضد الرغبات والتطلعات الآنية للفرد، وهنا يتجلى الوهم بأن الفرد قد تصرف، لا بمقتضى مصلحته، بل في سبيل مبدأ أسمى، ولكن ما يطلقون عليه المصلحة المشتركة هو مصلحة شخصية تتساوى في أنانيتها ولا أخلاقيتها. إن العمل الجماعي من صناعة الذكاء وليس فيضا من القلب أو الروح، وهو يؤدي في حقيقة الأمر إلى تحقيق أكبر مصلحة لأكبر عدد من الناس في المجتمع. 

فالأخلاق النفعية -أي ما أطلق عليها أخلاق النتائج، بمعنى أن الشيء يكون أخلاقيا أو لا أخلاقيا تبعا لما يترتب عليه من نتائج حسنة أو سيئة- هي في الواقع ليست أخلاقا حقيقية، فهي تنتمي إلى السياسة أكثر من انتمائها لعلم الأخلاق، فأن تقيم التبادلية مبدأ للسلوك الخلقي معناه أنك جعلت الأخلاق نسبية وأنك تفصلها عن مبدئها الجوهري الذي اكتسبت منه قوتها الملزمة.

  • الأخلاق بدون إله:

ليست هناك علاقة أوتوماتيكية بين العقيدة والسلوك، فسلوكنا ليس بالضرورة من اختيارنا الواعي، لكنه على الأرجح نتيجة التنشئة والمواقف التي تشكلت في مرحلة الطفولة أكثر من نتيجة للمعتقدات الفلسفية والسياسية الواعية التي تأتي في مرحلة متأخرة من مراحل الحياة. فإذا تعلم الإنسان في طفولته احترام كبار السن أو الصدق أو الأمانة أو غيرها ستصبح هذه الأخلاق الحميدة من سماته الشخصية بصرف النظر عن معتقداته أو فلسفته في الحياة. هذه الأخلاقيات مدينة للدين ومنقولة منه. فقد نقل التعليم فضائل دينية معينة فيما يتصل بعلاقة الإنسان بالإنسان ولكنه لم ينقل معها الدين الذي هو مصدر هذه الأخلاقيات. هذا الموقف يمنح الفرصة لبروز ظاهرتين تعقدان البخث: الملحدون الأخلاقيون والمؤمنون الذين لا أخلاق لهم.

حاول الماديون بناء نظام أخلاقي قائم على الضمير الإنساني كمحرك لاستقامة السلوك بدلا من الخوف من الله. قال أحد مفكريهم أن الإلحاد في حد ذاته يعني السمو بالإنسان وبالأخلاق الإنسانية، فإذا أنا –كإنسان حر- سمعت صوتا داخليا آمرا، دون أن يأمرني أحد، يقول لا تسرق أو لا تقتل، إذن أنا شعرت بذلك في داخلي ولم أستخلصه من أي نوع من أنواع “المطلق” سواء كان اجتماعيا أو دينيا، إن هذا يعني أنني تصرفت على أساس من الاستبصار في وعيي وضميري.

وهنا يتساءل بيجوفيتش: هل الضمير والوعي جزء من أجزاء هذا العالم الواقعي المادي؟

ويخلص بيجوفيتش إلى نتيجتين:

الأولي أن الأخلاق كمبدأ لا توجد بلا دين، بينما الأخلاق العملية يمكنها أن توجد في غياب الدين.

والنتيجة الثانية أنه لا يمكن بناء نظام أخلاقي على الإلحاد، ومع ذلك فالإلحاد لا يبطل الأخلاق

الفصل الخامس

الثقافة والتاريخ

  • الإنسانية الأولي:

كل الماديين يعتقدون أن التاريخ يسير في خط مستقيم وأن العالم قد تطور من الصفر، فالتاريخ -باستثناء بعض الحركات الاتوائية والانتكاسات المؤقتة- يلتزم بحركة متصلة إلى الأمام. وبالتالي فإن الحاضر دائما هو أكثر من الماضي وأقل من المستقبل.

نستطيع أن نتفهم ذلك حيث أن التاريخ عند الماديين هو التطور المادي للحياة الإنسانية لا تاريخ الإنسان نفسه. فهو ليس تاريخ الثقافة الإنسانية وإنما تاريخ الحضارة.

يرى بيجوفيتش أن تاريخ الإنسان لم يبدأ من الصفر ولا يسير في خط صاعد مستقيم. فالماديون لديهم صورة أحادية الجانب مبسطة عن العصور القديمة، فرغم سيادة الفقر والشقاء وسوء الأحوال الصحية فإن المجتمعات العصور الوسطى كانت تتمتع بصحة باطنية، فكان هذا العصر يمتاز بقوة الروح التي بدونها ما كنا لنفهم القوي والإلهامات التي حملت الإنسان الغربي إلى عصره الحديث.

  • الفن والتاريخ:

إن الفن خارج عن الزمن وخارج عن التاريخ، قد يكون له صعود وهبوط، ولكن ليس له تطور ولا تاريخ بالمعنى العادي للمصطلح، ليس في الفن احتواء “للمعرفة” أو الخبرة كما في العلم.

  • الأخلاق والتاريخ:

تطرح الثقافة سؤالا: وهو لماذا نحيا، أما الحضارة فتطرح سؤالا مختلفا: وهو كيف نحيا. السؤال الأول عن معنى الحياة، والثاني عن كيفية هذه الحياة. فالحضارة بدأت باكتشاف البشر للحجارة والنار والحديد والنار، أما الثقافة فبدأت بشكوك الإنسان ومعتقداته وفضائله وخطاياه.

إن جميع المشاكل الأخلاقية المعروفة لنا اليوم، كانت معروفة منذ أكثر من ألفي سنة مضت. فجميع معلمي البشرية سواء كانوا أنبياء مثل موسى وعيسى ومحمد، أو مصلحين مثل بوذا، أرسطو، كونفشيوس، جميعهم علموا البشرية الأخلاق نفسها. إن الحقيقة الأخلاقية واحدة وثابتة. فهي تختلف تماما عن النظم الاجتماعية وأساليب الإنتاج المتغيرة. فالوصايا الأخلاقية الجوهرية لا تتأثر بالزمان أو المكان أو الظروف الاجتماعية، فنجد تماثلا عجيبا للمبادئ الأخلاقية في أنحاء العالم وعلى مر العصور.

  • الفنان والخبرة:

إن كل فنان يبدأ من جديد كأنما لم يسبقه أحد في الإبداع. ولا يستخدم خبرة أحد بل فقط خبرته الشخصية لأن خبرة الآخرين التي تستخدم في الفن تعني التقليد والتكرار والأكاديمية.

 أما في العلم فإن خبرات الآخرين وتراكم هذه الخبرات شرط أساسي لتطور العلم.

الفصل السادس

الدراما والطوبيا

  • المجتمع المثالي:

هل الشر يأتي من داخلنا، من أعماق نفوسنا، أم أنه يأتي من الخارج، من الظروف الموضوعية للحياة الإنسانية؟

يقسم الرد على هذا السؤال البشر إلى نوعين: المؤمنون والماديون. يعتقد المؤمنون أن الخير والشر كلاهما موجود في الإنسان. إن التأكيد على فكرة أن للشر وجود خارجي وأن الإنسان يكون شريرا لأن الظروف المحيطة به ظروف سيئة هي من أكثر الأفكار إلحادا ولا إنسانية، لأنها تحول الإنسان إلى شيء دون إرادة وإلى خادم لقوى خارجية عمياء.

الدراما حدث يقع في النفس الإنسانية، أما الطوبيا فحدث يقع في المجتمع الإنساني وتعتبر الدراما هي أعلى شكل من أشكال الوجود، أما الطوبيا فهي حلم لخلق الجنة على الأرض.

إن آلية الطوبيا كاملة ولكنها غير إنسانية، فإذا كانت الحرية هي جوهر الدراما، فإن النظام والتماثل هما العنصران الأساسيان في الطوبيا. وفي الطوبيا يضمحل عالم الإنسان الداخلي ويتحول إلى نقطة هامشية زائفة. فالافتراض المسبق في الطوبيا هو أن الناس ليس لهم نفوس، يعملون في وظائف، وليس لديهم شخصية ويتم استنساخ نسخ مكررة من أنفسهم.

فعند ماركس على سبيل المثال، الشيوعية هي القضية النهائية التي تهدف إلى تحقيق كامل للمتاع المادي. في عالم كهذا، لن يكون هناك خير أو شر ولن يكون هناك إلهام ولا مشاكل ولا شكوك أو عصيان، وهنا يتم القضاء على الدراما والإنسان وتاريخيه.

  • الطوبيا والأخلاق:

بعكس الصورة الظاهرة والسائدة، الإنسان لا يتطلع إلى عالم وظيفي ولكن يتطلع إلى عالم لا وظيفي.

يقول الفيلسوف المادي” هوبز” أن الإنسان لا اجتماعي بطبيعته، كما أن الإنسان في حقيقته فرد ولا سبيل من تجريده من فرديته، فهو يأنف الحياة في قطيع. ولكن يوجد نوع من البشر أقل إنسانية يتقبلون الوظائف والنظام والتماثل وسيادة الدولة فوق الأفراد.

الإنسانية والأخلاق متصلة بالإنسان، أما عضو المجتمع أو ساكن الطوبيا فليس إنسانا بالمعني الحقيقي للكلمة، بل حيوان اجتماعي، فلا يعرف سوى وظيفته فحسب. فإذا كان نشاط الإنسان غير نابع من وعيه وإرادته، وإذا كان عليه أن يفعل ما يملى عليه -كما الحال في الطوبيا- فإن كل المبادئ الأخلاقية لا معنى لها.

إن تطبيق المسلمات المادية على المجتمع تؤدي إلى نوع من الاشتراكية، فالاشتراكية تكرس “حقوق الشعب” في مواجهة “حقوق الإنسان”، “وحقوق المجتمع” في مواجهة “الحقوق الإنسانية”.

مقابل ذلك هناك الأبيقورية التي ترى أن الإنسان عضو في مجتمع من الناحية النظرية والشرطية فقط، ولكنه في واقع الحياة فرد مستقل يميل إلى الحياة الشخصية أكثر من الحياة الاجتماعية.

  • المجتمع والجماعة:

يجب أن نفرق بين المجتمع الذي هو مجموعة خارجية من الأفراد اجتمعوا على أساس المصلحة وبين الجماعة التي هي مجموعة داخلية من البشر اجتمعوا على أساس الشعور بالانتماء. فالمجتمع قائم على الاحتياجات المادية، الناس فيه تجمعهم وتفرقهم المصالح، والجماعة قائمة على المطالب الروحية، الناس فيه تجمعهم الثقة وأفكار واحدة.

تحدث المسيح عن الحب بين الناس وكان على حق، وتحدث هوبز عن حرب الجميع ضد الجميع، وكان على حق أيضا. ولكن بينما كان المسيح يفكر في جماعة الناس، كان هوبز يفكر في المجتمع.

  • الشخصية والفرد الاجتماعي:

تعتبر الطوبيا مجرد حلم إنساني ساذج عن مجتمع مثالي يسود فيه الاتساق والسلام الأبدي.

وهناك علاقة مباشرة بين الطوبيا ونظريات التطور، فقد كيَف “داروين” الإنسان بطريقة يصلح فيها أن يكون مواطنا صالحا لأي طوبيا. أما الإنسان الحقيقي فهو من الفردية والرومانسية المستعصية بحيث لا يصلح للطوبيا.

  • الطوبية والأسرة:

الأسرة ليست الخلية الأساسية للمجتمع، فالأسرة والمجتمع متنافران، لأن المبدأ الرابط في الأسرة هو الحب والعاطفة، وفي المجتمع هو المصلحة.

كل درجة تطور في المجتمع يقابلها حيف بالأسرة بنفس النسبة. فإذا ما تم تطبيق المبدأ الاجتماعي بكل نتائجه -أي وصل إلى وضع الطوبيا- تلاشت الأسرة.

إن الحضارة تقضي على الأسرة من الناحية النظرية والناحية الواقعية، فنري تزايد في مواليد الأبناء غير الشرعيين وزيادة في عدد الأسر التي تقوم على أحد الوالدين فقط. هذه الأمثلة وغيرها لها اتصال مباشر بأسلوب الحياة الحضارية.

جميع الأديان كرست مفهوم الأسرة واعتبرت الأم المعلم الأول الذي لا يمكن استبداله. أما الطوبيا فإنها تتحدث دائما عن التعليم الاجتماعي ومدارس الحضانة وغيرها، وهناك شيء واحد مشترك فيما بين هذه المؤسسات وهو غياب الأم ووضع الطفل في رعاية الموظفين. فالأم تلد الإنسان وتربيه، أما الحضانة فإنها تهيئ عضوا في المجتمع وتصمم مواطنا يسكن الطوبيا.

 تمجد الثقافة الأم، فالثقافة ترى الأم كائنا مقدسا، وخصصت لها أجمل الأشعار وأكثر اللوحات فنية والتماثيل جمالا. الأسرة والأمومة ينتميان إلى المفهوم الديني.

القسم الثاني:

الإسلام: الوحدة ثنائية القطب.

الفصل الأول: موسى، عيسى، محمد

 قامت الأديان السماوية الثلاثة بدور رئيسي في تاريخ الإنسانية، ومن خلالها أصبح الإنسان محورا للتاريخ، ومن خلالها عرف الإنسان معني الحياة الجوانية والحياة البرانية وما بينهما من علاقات وحدود.

  • الدين المجرد:

تعنى اليهودية بين الأديان بإقامة جنة أرضية، والمادية اليهودية هي التي لفتت العقل الإنساني إلى العالم وأثارت الاهتمام بالواقع الخارجي. أما المسيحية، فقد لفتت الروح الإنسانية إلى نفسها. فالواقعية الصريحة للعهد القديم لا يمكن التغلب عليها إلا بمثالية حاسمة من “العهد الجديد”. لا يصح -في المسيحية- شطر الطاقة الإنسانية إلى اتجاهين متعاكسين: اتجاه السماء واتجاه الأرض، ولذا فهو ينبذ التوجه لتغيير العالم الخارجي أو محاولة جعله عالما كاملا، ويعتبره خطيئة، إذ لا يستطيع الإنسان أن يحصل على روحه ومتاع الدنيا في نفس الوقت.  وقد لاحظت الكنيسة أن هناك اختلافات جوهرية بين روح العهد القديم والعهد الجديد، حيث يذهب إنجيل مرقص إلى أن المسيح قد استبدل بإله العدالة ومنقذ العالم المادي إله الحب الذي خلق عالم الغيب اللامرئي. إن الإلهام الواضح للأناجيل يعتبر نقطة تحول في التاريخ، فلأول مرة يتضح للبشرية الوعي الكامل بالقيمة الإنسانية، ومن خلال هذا الوعي تحقق التقدم الكيفي لا التقدم التاريخي.

  • قبول المسيح ورفضه:

يؤثر الدين في العالم فقط عندما يصبح هو نفسه دنيويا، بمعنى أن يصبح معنيا بالسياسة بمعناها الواسع. ومن هنا يعتبر الإسلام مسيحية أعيد تكييفها تجاه العالم. هذا التعريف يكشف لنا عن التشابه والاختلاف بين الدينين. كان محمد يتعبد في غار حراء ولكنه كان يعود في كل مرة إلى مكة لكي يؤدي رسالته. وقد اكتمل الإسلام وبلغ ذروته في المدينة. في غار حراء كان محمد متصوفا وحنيفا وفي مكة كان مبشرا بفكرة دينية. أما في المدينة فقد أصبح داعية إلى “الفكرة الاسلامية”. كان لابد لمحمد أن يعود من الغار، فلو لم يعد لبقى “حنيفيا”، ولكنه عاد من الغار وشرع يدعو للإسلام، وهكذا تم الامتزاج بين العالم الجواني وعالم الواقع، بين التنسك والعقل، بين التأمل والنشاط. لقد بدأ الإسلام صوفيا وأخذ يتطور حتى أصبح دولة. وهذا يعني أن الدين قد تقبل الواقع وأصبح إسلاما. الإنسان ونفسه.. هذه هي الصلة بين محمد وعيسى. إن المقارنة بين قاموس المفردات المستخدمة في الأناجيل وتلك التي وردت في القرآن يؤدي بنا الى العديد من الاستنتاجات الواضحة، في الإنجيل تتكرر ألفاظ معينة بصورة ملحوظة مثل: مبارك، مقدس، الحياة الأبدية، الجسد (كحامل للخطيئة)، السر، النفس، الخلاص، التطهر.. بينما في القرآن نجد نفس تلك الألفاظ ولكنها مصاغة على صورة هذا العالم وقد اكتسبت واقعية وتحديدا، مثل: العقل، الصحة، التطهير (الوضوء)، القوة، الشراء، العقاب، العدل، الصيد، الشفاء، الربح، الكتابة، القتال، الفاكهة، الحذر.. ففي الإسلام لا تعرف كتابات لاهوتية بالمعني المفهوم في اوروبا للكلمة، كما أنه لا تعرف كتابات دنيوية مجردة. ويمكن استخلاص نتائج مماثلة من المقارنة بين المسجد والكنيسة، فالمسجد مكان للناس أما الكنيسة فهي “معبد الرب”، المسجد بؤرة نشاط دائم وقريب من السوق في قلب المناطق المعمورة بالسكان، أما الكنيسة فتبدو أقل التحاما ببيئتها… يؤكد القرآن –على خلاف الأناجيل- أن الله خلق الإنسان ليكون سيدا في الأرض (خليفة)، وأن الإنسان يمكنه تسخير الطبيعة والعالم من خلال المعرفة والعمل، بذلك يبرهن الإسلام على انه لا يستهدف الثقافة فقط، وإنما يسعي لبناء حضارة ايضا. ظهر ذلك من خلال اهتمام الإسلام بالقراءة والكتابة باعتبارهما أقوى محرك للحضارة، وقد تبدو الكتابة غريبة عن الدين “المجرد”. فقد بقيت الأناجيل تقليدا شفويا لفترة طويلة من الزمن. عندما يختزل الإسلام الى دين مجرد أو الى صوفية تتدهور أحوال المسلمين، وهناك من ناحية أخرى خطر التمادي في الاتجاه الآخر، وأعني مادية الإسلام. 

الفصل الثاني

الإسلام والدين

  • ثنائية أعمدة الاسلام:

الصلاة ليست مجرد تعبير عن موقف الإسلام من العالم، إنما هي أيضا انعكاس للطريقة التي يريد بها الإسلام تنظيم هذا العالم. فلا صلاة بدون طهارة، ولا جهود روحية بدون جهود مادية واجتماعية تصاحبها. إن الصلاة أكمل تصوير لما نطلق عليه “الوحدة ثنائية القطب” في الإسلام. ونظرا لما في الصلاة من بساطة، فإنها قد اختزلت هذه الخاصية الى تعبير تجريدي، وأصبحت بذلك المعادلة أو الشفرة الإسلامية. ويمكن تطبيق هذه المعادلة على كل من الزكاة والصوم والنطق بالشهادتين وعلى العمارة والفن وتحريم الخمر وغيره.

  • دين يتجه نحو الطبيعة:

القرآن مستمر بثبات يكرر دعواه ذات الجانبين، الأول دين، والثاني علم. لا يحتوي القرآن على حقائق علمية جاهزة، ولكنه يتضمن موقفا علميا جوهريا واهتمام بالعالم الخارجي وهو أمر غير مألوف في الأديان. أمر القرآن الكريم بالعلم والقراءة وهذا لا يتعارض مع فكرة الألوهية، ولكنه صدر باسم الله، فاحتضان الدين للعلم اتجاه اسلامي. ويمكن رصد هذا التوجه من خلال التحام المسجد بالمدرسة، وقد نتج عن هذا الاتجاه ظاهرة لم تعرف إلا في إطار الثقافة الاسلامية، وهي ما يمكن أن نطلق عليه “المسجدرسة” وهو بناء فريد يجمع المدرسة والمسجد معا. في الوقت الذي يؤكد فيه الإسلام على عظمة الإنسان وكرامته يبدي واقعية شديدة، ففيه قدر من الزهد ولكنه لم يحاول به أن يدمر الحياة أو الصحة أو الفكر أو حب الاجتماع بالآخرين أو الرغبة في السعادة والمتعة. هذا الزهد أريد به تحقيق توازنا في غرائزنا، وتوفير نوع من التوازن بين الجسم والروح. فالإسلام لا يحاول أن يجعل منا ملائكة لان هذا مستحيل، لكنه يميل إلى جعل الإنسان إنسانا.

  • الإسلام والحياة:

إن التأثير الانساني على مجري التاريخ يتوقف على قوة الإرادة والوعي. فكلما عظمت القوة الروحية للمشارك في الأحداث التاريخية كلما عظم استقلاله عن القوانين الخارجية، والعكس صحيح. إن قوة الظروف الموضوعية تتزايد بالنسبة ذاتها التي يتنافص فيها العامل الفردي، فكلما أصبح هذا خاملا غير فعال، كامل نقص قدره في الإنسانية وزاد نصيبه من الشيئية، إننا نملك القدرة على الطبيعة وعلى التاريخ إذا كانت لدينا القدرة على أنفسنا. هذا هو موقف الإسلام من التاريخ.

الفصل الثالث

الطبيعة الإسلامية للقانون

 إذا عرفنا النظام القانوني بأنه المصلحة الإنسانية تم إقرارها كحق، فإن كلا من الدين المجرد والاشتراكية لا يصلحان للقانون، فالدين لا يفهم المصالح والاشتراكية لا تفهم الحقوق.   لا يقوم القانون على المصلحة وحدها ولا يمكن أن يقوم على ما يسمي “بالمصلحة المشتركة” لأن المصلحة المشتركة والحق الفطري للفرد عادة ما يتعارضان.   فإذا انتفت صفة الإنسان الشخصية واعتبر مجرد عضو في المجتمع كما هو في النظام الاشتراكي، فإن الانسان ليس له حقوق مطلقة أو فطرية ولكن له حقوق تمنحها الدولة فقط. إن الحقوق غير قابلة للتلاعب بها إذا كانت أصيلة وليست معلقة بإرادة ملك أو طبقة اجتماعية. فالحقوق مظهر لكرامة الانسان ولأنها كذلك، فإنها تتجاوز الزمن والظروف وتسمو إلى فعل الخلق. هنا تكمن العلاقة بين الحقوق وبين المذاهب المادية. فالتاريخ ليس صراعا بين حقوق متعارضة، ولكن صراع بين مصالح متعارضة، وهذا هو معنى “الصراع الطبقي”، فالطبقة التي تخرج منتصرة في هذا الصراع تعلن مصالحها قانونا. فإذا كان الأمر كذلك فإن القوي وحده هو الذي يستأثر بجميع الحقوق، وهذا يتعارض تعارضا تاما مع القانون الذي هو بطبيعته حق الأضعف. أما المسيحيون فإنهم يرون القانون محاولة وهمية لتنظيم العالم، فهم ينطلقون من فكرة مجردة ودعوة أخلاقية.    إذن لا يمكن إقامة القانون على الدين المجرد وحده أو المادية وحدها، فالقانون موضوعي مغموس في السياسة والمجتمع، موجه كلية نحو هذا العالم، ولكنه في الوقت نفسه ينطوي على معايير أخلاقية ويهدف إلى إقامة مبدأ العدل في هذا العالم وهو مبدأ أخلاقي. وبهذا المعني يكون القانون “وحدة ثنائية القطب” شأنه في هذا شأن الإنسان والإسلام. ففي الإسلام نجد نوع من وحدة الهوية بين القانون والدين، فمن الصعب التمييز بين القانون وبين الدين في كتب الفقه وأصوله. فالإسلام لا يعترف بهذا الانفصال.

  • العقاب وحماية المجتمع:

يطرح بيجوفيتش سؤالا مهما: هل العقوبة مبررة أم غير مبررة؟ يوجد بهذا الصدد موقفان مختلفان: الأول أن العقاب مبرر حيث أن كل إنسان يتمتع بالاختيار الحر. أما الاتجاه الثاني فيرى أن العقاب لا معني له لأن الفعل الإجرامي كان محتما “سلفا“، وما دام الأمر كذلك، فلا مكان للعقاب وانما المهم هو “حماية المجتمع”، والاختلاف بين العقوبة وتدابير حماية المجتمع، أن الأول يستهدف العدالة والشخصية، فتكون العقوبة بقدر الجريمة، أما تدابير الحماية، فإنها تعتمد على درجة الخطر الاجتماعي لمرتكب الجريمة أي نظرة المجتمع إلى مدي خطورة المجرم. وتتمشى فكرة العقوبة مع العملية القانونية، بينما تتمشى تدابير حماية المجتمع مع فكرة العلاج. ويرى بيجوفيتش أن الهدف من العقوبة هو إعادة التوازن الأخلاقي الذي أخل به ارتكاب الجريمة، فالعقوبة نفي للإثم، فالعقوبة استجابة أخلاقية أو قصاصا لعمل لاأخلاقي. بدأ الإسلام كدين مجرد بمبدأ القصاص، فما أن تأسلم الدين حتى استوعب عناصر حماية المجتمع، ويعتبر هذا جوهر التطور القائم على “المسؤولية تجاه هذا العالم” الذي جعل من الصلاة التأملية صلاة اسلامية، ومن الصدقة التطوعية زكاة مفروضة. 

الفصل الرابع

الأفكار والواقع

  • عيسى والمسيحية:

لكي نفهم المسيحية لابد أن نميز بين أمرين: حياة عيسى (عليه السلام) وتاريخ المسيحية. فمن البداية الأولي كان عيسى في ناحية والمسيحية في ناحية أخري. وتحول هذا الاختلاف بمرور الوقت الى خلاف بين الإلهي والإنساني. لقد تحولت المسيحية من تعاليم عيسى (الدين الخالص) إلى أيديولوجية وكنيسة. فقد عاتب عيسى (عليه السلام) بطرس أول حوارييه على عدم تركيزه على ما هو إلهي والالتفات الى ما هو إنساني، ومع ذلك فقد كان بطرس هو حجر الزاوية الذي أقيمت عليه الكنيسة. وكان عيسى (عليه السلام) بهذه العبارة أول من تنبأ بالتطور المستقبلي للمسيحية. لقد أجمع كبار المسيحيين -بصرف النظر عن العصر الذي عاشوا فيه- على اعتقاد واحد هو أن تعاليم عيسى لا يمكن أن تتحول إلى علم بمعني الكلمة، فالإيمان الشخصي ينبع من الوجدان اما اللاهوت فمن علم الرياضيات، وأن الكنيسة قد حولت المسيحية إلى تعليم نظامي مثل الرياضة وعلم الاحياء. إن الخلاف الذي نحن بصدده الآن ليس خلافا بين الفكرة والواقع بل هو خلاف يتصل بالجوهر الأصيل، فأب المسيحية هو عيسى (عليه السلام)، أما أب الكنيسة فهو بولس. جاء عيسى بالأخلاق المسيحية، أما بولس فقد أدخل اللاهوت المسيحي، تعاليم عيسى أقرب إلى فلسفة أفلاطون، أما اللاهوت المسيحي فهو أقرب إلى فلسفة أرسطو.

  • ماركس والماركسية:

تتسق الماركسية مع نفسها نظريا، ولكنها لا تتسق مع نفسها بالضرورة في الممارسة العملية. فالماركسية تزعم أن الإنسان نتاج بيئته وأن ظروفه الاجتماعية تحدد ضميره، وأن أفكار الإنسان ومعتقداته تعكس وضعه الاجتماعي، وأن التاريخ يخضع لحتمية تاريخية لا ترحم. التطور عند ماركس تدريجي ولكنه حتمي عنيد لا يمكن إعاقته أو قهره، ومع ذلك، فإن الماركسيين يصرون على فرض “وصفة” واحدة من النظام الاجتماعي والاقتصادي لجميع الدول متجاهلين حقيقة أن التطور الاجتماعي والاقتصادي يختلف مستواه اختلافا تاما من دولة لأخرى. إن اضطراب التفسيرات المادية للأحداث التاريخية من السهل التدليل عليه بتحليل أي فترة من فترات التاريخ ولكن هناك سخرية تاريخية في حقيقة أنه حتى ظهور الحركات الشيوعية نفسها وظهور الدول الشيوعية في النصف الأول من القرن العشرين يعتبر حجة ضد النظرية المادية. فالانقلابات الشيوعية سلسلة من الحالات الشاذة التي لا تفسير لها من وجهة نظر المادية التاريخية. ولم يكن نجاح الحركات الشيوعية حيث توافرت الظروف الموضوعية، وإنما حيث توافرت عناصر شخصية غير موضوعية، أي ظهور حزب شيوعي قوي. ان قوة الماركسية جاءت من عدم ثباتها على المادية، فالماركسيون لا يلتزمون حرفيا بتعريفاتهم العبقرية، فالتعاريف الزكية والمنطقية توجد فقط في الكتب، ولكن في الممارسة العملية ستعينون بمفاهيم أقل دقة ولكنها أقرب الى الإنسان والحياة.

  • الزواج:

الزواج مؤسسة قديمة قدم الإنسان، وهو نموذج حي للصراع بين الأفكار والواقع أو بين الأفكار والإسلام. فالدين المجرد يتطلب العفة المطلقة. والمادية كمبدأ تسمح بالحرية الجنسية كاملة. إلا أن كلا المذهبين عندما واجهته المشاكل في التطبيق تحركا في اتجاه مؤسسة الزواج كحل وسط.

  • نوعان من المعتقدات الخرافية:

يوجد نوعان من المعتقدات الخرافية، النوع الاول هو محاولة العلم أن يفسر لنا الحياة الجوانية للإنسان، والثاني محاولة الدين أن يشرح لنا الظواهر الطبيعية.

الفصل الخامس

“الطريق الثالث” خارج الإسلام

  • العالم الأنجلوسكسوني:

لقد بنت اوروبا أفكارها الأساسية خلال المدرسة البدائية في العصور الوسطي، ورغم نضوجها فإن هذه الخبرات الطفولية ماتزال حية في العقل الاوروبي -سواء في الدين او في غيره-، ستظل اوروبا تفكر في إطار الاختيارات المسيحية: إما مملكة الرب وإما مملكة الأرض. ولكن يوجد جزء من العالم الغربي -بسبب موقعه الجغرافي وتاريخه- بقي متحررا من التأثيرات المباشرة لمسيحية القرون الوسطي. هذا الجزء من العالم الغربي كان دائم البحث عن طريق ثالث، وقد اهتدي اليه، وهو طريق يحمل في ثناياه ملامح من الطريق الثالث للإسلام، هذه الدولة هي إنجلترا وإلى حد ما أيضا العالم الأنجلوسكسوني بصفة عامة. لقد قسمت المسيحية تاريخ العالم الغربي إلى حقبتين منفصلتين متعارضتين كل التعارض، هما العصور الوسطي والعصر الحديث، وهما يمثلان اختيارين لا ثالث لهما: الدين أو العلم.. الكنيسة أو الدولة. لكن هذا المخطط التاريخي لا ينطبق على إنجلترا، على الأقل ليس بالمعني الذي نراه في اوروبا. من وجهة نظر فلسفة التاريخ، يعتبر ظهور إنجلترا والروح الأنجلوسكسونية في تاريخ الغرب أشبه بظهور الإسلام في تاريخ الشرق. ولعل هذا ما عناه “شبنجلر” في مقارنته بين النبي محمد عليه الصلاة والسلام وبين كرومويل. رأي شبنجلر الشخصيتين كأنهما شخصيتان معاصرتان، إن التوحيد بين الكنيسة الإنجليزية والدولة وظهور الإنجليز كقوة عالمية، كل ذلك بدأ بكرومويل، وكذلك بدأت بمحمد وحدة الدين والدولة وظهور القوة العالمية للإسلام. وكان كلاهما مؤمنا مؤسسا لإمبراطورية كبري. هذه الثنائية في أسلوب الحياة الإنجليزية يمكن فهمها أكثر إذا تأملنا في موقف “روجر بيكون” الذي يعتبر مؤسس ورائد التقدم الروحي الإنجليزي الحديث، لقد وضع “بيكون” من البداية بناء الفكر الفلسفي الإنجليزي على قاعدتين مستقلتين في أصلهما، الخبرة الباطنية التي تؤدي إلى استنارة الروح (أو الدين)، والملاحظة التي تؤدي إلى العلم الصحيح (أو العلم التجريبي). لقد أكد “بيكون” على المكونات الدينية وظل ثابتا على ثنائيته كما فعل الإسلام. ولكن تبقى حقيقة هامة عن “بيكون” وهي أنه كان تلميذا مخلصا للثقافة العربية الإسلامية. ولعل في هذا ما يفسر خصائص فكره الذي كرس “الطريق الثالث”، والذي طبع به الحياة الفكرية والعملية في إنجلترا وجعلها متميزة عن مثيلتها في بقية بلاد القارة الأوروبية. واستطرد بيجوفيتش في عرضه لأفكار عدد من رموز الفكر الإنجليزي الذين ساروا على درب “بيكون” وطوروه وهم: جون لوك John Locke(أب المنهج التجريبي الذي جعل الله في مركز نظريته الأخلاقية)، هوبز Hobbs الذي أخذ على عاتقه التدليل على التوافق بين القوانين الطبيعية والكتاب المقدس، شافتسبري Shaftesbury الذي قضى نهائيا على التضاد بين الطبيعي والأخلاقي، بتلر وهارتلي وواربرتون وريتشارد برايس وبالي، ويأتي أخيرا أحد نجوم هذا الطريق الوسط وهو آدم سميثAdam Smith ثم هربرت سبنسر Herbert Spencer ووليم جيمس William James.

  • التسوية التاريخية والديموقراطية الاشتراكية:

اشتد الصراع بين الكاثوليكية والشيوعية وقد أنهكهما هذا الصراع الذي لا فوز فيه لأحد.     إن ما يطلق عليه اليوم “الشيوعيروبية“ تعبير عن نزعة الاستقطاب في المجتمعات الكاثوليكية الأوروبية (إيطاليا وفرنسا وإسبانيا). وهذه ظاهرة جديدة ولكنها أصبحت واضحة تمام الوضوح، ومعناها أنها تساوي الماركسية مخصوما منها الدكتاتورية ومضافا اليها الديموقراطية، وهذا يعتبر اختراقا من أقصي اليسار المتطرف باتجاه الوسط، وهكذا تحت ضغط الواقع، تتخلي الشيوعية عن موقفها المتصلب وتتقبل أفكارا مثالية في جوهرها كالحرية والتعددية الحزبية. والاختلاف بين “الشيوعيروبية” وبين “التسوية التاريخية” هو أننا في الحالة الأولى نتعامل مع شيوعية مصححة أو شيوعية معدلة، وفي الحالة الثانية نتعامل مع شيوعية ومسيحية كقوتين متساويتين.

  • التسليم لله:

للطبيعة حتمية تحكمها، وللإنسان قدره، والتسليم بهذا القدر هو الفكرة النهائية العليا للإسلام. إن الإسلام لم يأخذ اسمه من قوانينه ولا نظامه ولا محرماته ولا من جهود النفس والبدن التي يطالب الإنسان بها، وإنما من شيء يشمل هذا كله ويسمو عليه، من لحظة فارقة تنقدح فيها شرارة وعي باطني، من قوة النفس في مواجهة محن الزمن، من التهيؤ لاحتمال كل ما يأتي به الوجود، من حقيقة التسليم لله، إنه استسلام لله، والاسم إسلام.

عرض

أ. محمد شريف

باحث مصري

عن محمد شريف

شاهد أيضاً

أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي: هبرماس أنموذجًا

تأليف: أ. د. أسماء حسين ملكاوي

عرض: أ. يارا عبد الجود

تذكر الكاتبة في مقدمة الكتاب الهدف الرئيسي للدراسة والذي يدور حول البحث عن نظرية أخلاقية في التواصل وذلك باستدعاء نظرية "أخلاقيات النقاش" عند هبرماس التي تحاول الدراسة أن تقف على إمكانية تطبيقها في سياق العالم الرقمي، ومحاولة إسقاطها على التطبيقات التواصلية الحديثة والفيسبوك منها تحديدًا.

أزمة العالم الحديث

تأليف: رينيه جينو (عبد الواحد يحيى)

ترجمة: د. أسامة شفيع السيد

عرض: أ. أميرة مختار

يشير جينو إلى أن هذا الكتاب تتمة وإيضاح لما بدأه في كتابه السابق "الشرق والغرب"، وأن الأمور تسارعت وأكدت ما كان قد أشار إليه فيه.، ويرى أن مفهوم الأزمة هو الوضع الحرج الذي ينبئ عن وقوع كارثة وشيكة أو تحولا عميقا. وأن الحقبة الحديثة تمثل زمان بحثه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.