الرئيسية / الدراسات والأبحاث / أبحاث ودراسات / مقالات ثقافية / التنمية البشرية من منظور إسلامي ولاهوت الازدهار

التنمية البشرية من منظور إسلامي ولاهوت الازدهار

التنمية البشرية من منظور إسلامي ولاهوت الازدهار

أ. أحمد محمد علي

يعد مفهوم التنمية البشرية من المفاهيم التي شاعت في العقود الأخيرة في الدراسات العلمية والتقارير الدولية التي تسعى إلى إيجاد بيئة أفضل للعيش وممارسة الحياة، وعلى الرغم من حداثة استخدام المفهوم، فإن فكرة التنمية البشرية ليست بجديدة، فالسعي للتنمية والتطور والنماء ملازم لمسيرة الإنسان في حياته، وقد شكل أحد الوسائل التي تطورت بها الحياة البشرية على الأرض، وقد شهد مفهوم التنمية البشرية تطورات متلاحقة حتى استقر على ما أثبتته تقارير الأمم المتحدة التي ترصد هذه الظاهرة منذ خمسينيات القرن الماضي([1]). وبناء عليه يمكن تحديد مفهوم تنمية الموارد البشرية بأنه “عملية واسعة وشاملة ومستمرة ومتعددة الجوانب لتغيير حياة الإنسان وتطويرها إلى الأفضل”.

ولما كان الإسلام يستهدف تحقيق نفس الغايات المتضمنة فى مشاريع التنمية البشرية، فقد وضع الباحثون المسلمون “التنمية البشرية” ضمن نطاق اهتماماتهم، وقدموا خطابات توظف مفاهيمها للترويج لأفكار ذات مضمون إسلامي. وقد كان من الممكن ألا يثير ذلك إشكالاً، بوصف التنمية البشرية فى ذاتها موضوعا محايدا، يمكن تعبئته بمضامين شتى، إلا أن المتتبع للخطابات الدينية المنتشرة في العصر الحالي، وخصوصا عند من يطلق عليهم اسم “الدعاة الجدد”، يجد أن مفهوم التنمية البشرية قد أخذ منحي اّخر، إذ ربط بين التدين والنجاح الدنيوي، واعتبر أن الثاني شرطا للأول، وبرهان عليه، فلا خلاص من دون نجاح، ولا آخرة لمن لا دنيا له. وقد أثارت هذه التضاعيف العديد من التساؤلات حول خصائص هذا التناول لأفكار التنمية، وحول ما إذا كانت إعادة سبك لأفكار “لاهوت الازدهار،” التي انتشرت في سياقات مغايرة، ولكن انطلاقا من نفس المقولات، هذه الظاهرة هي موضوع بحث هذه الدراسة، التي ستحاول – بالاستعانة بالإطار النظري الذي قدمه باتريك هايني فى مؤلفه الهام “إسلام السوق” – الإجابة عن التساؤلات التالية ما هو مفهوم التنمية البشرية في التصور الإسلامي؟ وما هو لاهوت الإزدهار، وكيف تلاقت مقولاته مع مقولات عدد من المتصدين لاقترابات التنمية البشرية من من منظور إسلامي؟

التنمية البشرية في إطار التصور الإسلامي:

إن اختيار الإنسان لحمل أمانة الوحي والتكليف جعل منه المحور الذي تقوم عليه عملية البناء والتنمية والتطوير في المجتمعات الإسلامية، فهو الحامل للأمانة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا} (الأحزاب ـ 72). هذا التحمل بالأمانة يقتضي استعدادات معينة لدى الإنسان المسلم، تتناولها الخطابات الإسلامية المعاصرة من خلال اقتراب “التنمية البشرية”. فعلى الرغم من أن مفهوم التنمية لم يرد في المصادر الإسلامية صراحة، إلا إنه جاء متضمنا في إطار مفاهيم أخرى مثل:

  1. التزكية، {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس: 7 ـ 10)([2]). قال الطبري: {قد أفلح من زكاها} أي قد أفلح من زكى نفسه فطهرها من الكفر والمعاصي وأصلحها بالصالحات من الأعمال. وفي الدعاء “اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.” والتزكية هنا بمعنى النماء والزيادة والصلاح والطهر، وهي المعاني التي تتضمنها التنمية بمفهومها الإسلامي، فليس المقصود هو الزيادة فقط، بل المقصود أن تكون هذه الزيادة صالحة ونافعة.
  2. الإعمار، {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} (هود ـ 61)([3]). قال ابن كثير: “استعمركم فيها أي جعلكم عُماراً تعمرونها وتستغلونها”. ولا شك أن عمارة الأرض تتطلب عنصراً فاعلاً ومؤثراً وهو الإنسان، إذ لا يمكن أن تتم عملية الإعمار إلا بإنسان قادر ومهيأ بالإيمان والعلم والفكر والمهارة التي تمكنه من القيام بعملية الإعمار، وهذا لب التنمية البشرية التي ترتكز على تطوير الإنسان بجميع مكوناته النفسية والعملية.
  3. التنشئة، {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} (هود ـ 61). {فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} (المؤمنون ـ 19). والتنشئة تأتي بمعنى التربية والزيادة والإيجاد والتنمية.([4])

أسس تنمية الموارد البشرية:

هذا وتقوم تنمية الموارد البشرية في الإسلام على جملة من الأسس التي تدور حول الإنسان باعتباره الهدف الرئيسي لعمليات التنمية البشرية وبرامجها المختلفة مثل:

  • الاستخلاف: اختار الله سبحانه وتعالى الإنسان ليقوم بمهمة الاستخلاف في الأرض {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة ـ 30)([5]). وهيأ له سبل القيام بها، ومكن له في الأرض {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ} (الأعراف ـ 10). وهذا الاستخلاف يقتضي قيام الإنسان بدوره من خلال تنمية مكوناته الإيمانية والنفسية والعملية، وهي السمة الأساسية للتنمية البشرية.
  • التسخير: إن الاستخلاف يقتضي التسخير، لأن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بمهمته في الأرض دون أن تسخر له كل الإمكانات، وقد يسر له الله سبحانه وتعالى ذلك بتسخير عامة المخلوقات والكائنات في الأرض للإنسان، {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} (لقمان 20)([6]). والتسخير يقتضي إعداد الإنسان إعداداً جيداً بتنمية مهاراته وقدراته وتصوراته حتى يستطيع أن يقوم بالاستخلاف على الوجه الذي أمر سبحانه وتعالى به.
  • التخطيط: إن تنمية الموارد البشرية تقوم على التخطيط وحسن التدبير، وذلك يقتضي دراسة الواقع الذي يعيشه الفرد وتحليله بايجابياته وسلبياته، ووضع الحلول لمعالجة المشكلات ودراسة التوقعات المستقبلية بالمقاييس العلمية واقتراح الرؤى لذلك والإعداد الجيد للبرامج والخطط المستقبلية، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالإعداد {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم منْ قُوَّةٍ وَمِن ربَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِن شَيْء فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ } (الأنفال ـ 60)([7]). كما حث النبي (صلى الله عليه وسلم) على التخطيط المستقبلي حيث قال: “إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس.. (رواه مسلم). وإذا كان التخطيط لمستقبل الورثة، وهم أفراد محدودون، مأمور به، فإن التخطيط لمستقبل المجتمعات والشعوب والدول أهم وأكثر حاجة.
  • المسؤولية: تشكل المسؤولية إحدى الأسس التي تقوم عليها تنمية الموارد البشرية، {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} (النجم ـ 39)([8]). وقد حذر النبي (صلى الله عليه وسلم) من الغفلة عن المسؤولية الفردية فقال (صلى الله عليه وسلم): “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه” (سنن الترمذي).
  • العمل: هو المحور الذي تدور عليه عملية تنمية الموارد البشرية، وقد اهتم الإسلام بالعمل وحث عليه سواء كان عملا تعبديا أو مهنيا ورفع من قيمة العمل، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا} (الكهف ـ 30). {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة – 205). وحث النبي (صلى الله عليه وسلم) على العمل فقال: “ما كسب الرجل كسبا أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة” (صحيح ابن ماجه). وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم، عملاً أن يتقنه” (رواه البيهقي). ولا شك أن الإنسان الذي يراد له أن يؤدي عمله ويتقنه لابد له من مهارة وإعداد وذلك صلب عملية تنمية الموارد البشرية.
  • التغيير: فتنمية الموارد البشرية تسعى لتغيير إمكانات الإنسان ومهاراته نحو الأفضل، فهي تهيئ له فرصة التدريب والتوجيه والسعي نحو اكتساب كل جديد في حياته، ما أمكنه ذلك. والتغيير سنة الحياة لكن التغيير المقصود هو الذي يعود بالنفع والصلاح على الإنسان، فليس التغيير مطلوبا لذاته، وإنما هو مطلوب لغاية إيجابية يعمل من أجلها، يقول تعالى {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ منْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} (الرعد ـ 11).
  • الأمانة: إذ عليها المعول في ضبط أي سلوك إنساني، إن ما تعانيه كثير من المؤسسات العالمية والمحلية من فساد وخلل وانهيار إنما يعود في كثير منه إلى ضياع الأمانة، ولا شك إن غياب الأمانة إنما يعود في جزء كبير منه إلى غياب الإيمان، كما يعود أيضا إلى غياب مفاهيم التنمية البشرية الصحيحة التي تقوّم البناء الأخلاقي للإنسان. وقد أعطى الإسلام أهمية كبرى للأمانة فقال سبحانه وتعالى ممتدحاً المؤمنين {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (المؤمنون ـ 8). وحذر النبي (صلى الله عليه وسلم) من تضييع الأمانة فقال “إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قالوا: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة” (البخاري).
  • الإصلاح: إن تنمية الموارد البشرية تقوم على إصلاح الفرد بحيث يكون عنصراً فاعلاً عاملاً لخدمة دينه ومجتمعه والبشرية جمعاء، وقد نظر الإسلام إلى عملية إصلاح الفرد نظرة شاملة تمتد إلى إيمانه وأخلاقه وسلوكه ومعاملاته، {إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود ـ 88)([9]).

****

كان من المتصور أن توجه هذه الأسس مسار الدعاة الجدد من أصحاب توجه التنمية البشرية الإسلامية، لكن المُتتبع للظاهرة يجد انها قد اصطبغت بدرجة أكبر بأفكار لاهوت الازدهار الذي يربط الإيمان بالنجاح الدنيوي على نحو ما ستتناول الفقرات التالية.

التنمية البشرية ولاهوت الازدهار:

لاهوت الازدهار (الذي يُشار إليه أحيانًا باسم إنجيل الرخاء، أو إنجيل الصحة والثروة، أو إنجيل النجاح) هو تصور يشيع بين بعض الطوائف البروتستانتية، ممن يرون أن النعمة المالية والصحة الجيدة هي إرادة الله لهم، وأن الإيمان والخطاب الإيجابي والتبرعات لأسباب دينية تزيد من الثروة المادية للفرد)[10](. ويعتقد أنصار لاهوت الازدهار أن الإيمان بالله، يؤدي لتوفير الأمان والازدهار)[11](. وقد عرف برادلي أ. كوخ لاهوت الازدهار بأنه “المذهب الذي يريد فيه الله الازدهار للناس، وخاصة في الجانب المالي، حيث الثروة هي علامة على نعمة الله والفقر إنما يرجع إلى انعدام الإيمان.”([12]) وقد ظهر لاهوت الازدهار لأول مرة في الولايات المتحدة، خلال فترة الخمسينيات من القرن العشرين، ولكن بعض المعلقين قد ربطوا أصول اللاهوت بـ”حركة الفكر الجديدة” التي بدأت في القرن التاسع عشر.

وقد ولد لاهوت الازدهار انتقادات كبيرة من القادة الدينيين من مختلف الطوائف المسيحية، الذين أكدوا أنه يعزز عبادة المال، ويسمح باستغلال الفقراء. ويهتم برفاهية الإنسان والعمل من أجل الدنيا، وإهمال العمل من أجل الاّخرة. وأنه يولد مفارقات إذ يٌخيل للإنسان أنه إذا لم يعطه الله فإنه خاطيء او غير مؤمن بالدرجة التي تفرح الله. ومن ثم ينشأ الصراع بين ما يريده الفرد وبين ما يعطيه الله له، فاذا اصيب المؤمن بمرض فهذا بسبب خطية وإذا لم يشف فلانه ليس مؤمنا وقلبه ليس نقياً وهكذا.

وقد انعكست هذه الأفكار على محتوى خطاب العديد من الدعاة الجدد، ممن صنعوا المشهد الإسلامي طوال عقدين، واستبطوا الأفكار المصاحبة للعولمة، التي أعطت الأولوية لمفاهيم الاقتصاد، المنفعة، الربح، النجاح الفردي، سيادة المستهلك، القيمة التبادلية، السوق، المشروع، التجارة، التنمية، إلخ، على نحو ما يرصد باتريك هايني فى كتابه المهم، إسلام السوق، حيث يشكل طرحه في هذا الكتاب إطارا نظريا مناسبا لتناول ظاهرة الدعاة الجدد، ومشروعهم لتحقيق التنمية البشرية من منظور إسلامي.

ظاهرة الدُعاة الجُدد:

بدءاً من منتصف تسعينيّات القرن المُنصرم، عرف العالم العربي والإسلامي مجموعة من الديناميات الدينية الجديدة، لخّصها “باتريك هايني” في مفهومٍ تركيبيّ دالّ في عنوان كتابه: “إسلام السوق،” إذ ميَّز “هايني” ما بين الإسلام السياسيّ كحركة اجتماعيّة وبين الأسْلمة التي تشير إلى زيادة المُمارسة الدينيّة والعلامات الدالّة عليها عيانيّاً. يتعلّق الأمر بتحوّلٍ كبير تمثل في تعايش حركة الأسْلَمة والعَولمَة، ضدّ الأطروحات الاستشراقيّة التي اعتبرت المجتمعات الإسلاميّة محكومة بنمطِ تديُّنٍ ثابت ضدّ الخِطاب الإعلاميّ الأجنبيّ والسياسات الغربيّة، المردِّدة للمنظور الاختزالي نفسه لتعدديّة هذه المجتمعات.

ولتأطير هذا التديّن الجديد، جغرافيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً، استخدم “هايني” عِدّة مفاهيميّة تركيبيّة منها: تسليع الإسلام، إسلام المشاريع، سوق الحلال والبركة، أسلمة الحداثة الغربيّة، عَلْمَنة التديّن، عصْرَنة الدعوة، عَوْلَمة الأسلمة، تشفير الهويّة الدينيّة، المانجمنت الأخلاقي، عالَم الألبسة المُعولَم، الهويّات الموقّعة، لاهوت الازدهار، الثروة الفاضلة، أسلمة العَولَمة، الحداثة المسلمة، استهلاكيّة الحشمة…)، رابطاً ما بين نمطٍ من التديّن الإسلامي والأسُس الفلسفيّة للسوق، ومعرِّفاً إيّاه بأنّه:”مزيج من النزعة الفردانيّة المُتعولِمة ونَزْع للقداسة عن الالتزام التنظيمي، بما يتضمّنه ذلك من التخلّي عن الشعارات الكبرى التي كانت تدعو إلى أنّ الإسلام هو الحلّ وإعادة النَّظر في فكرة شموليّة الإسلام لكلّ مناحي الحياة”. إنّه تديُّن تطوَّر وتدعَّم عالَميّاً ليُنافِس النموذج الإسلاموي الذي رَبَط الهويّة بالسياسة والدّين، وليعطي انطباعاً قويّاً بأنّنا أمام نموذج إسلام على الطريقة الأميركيّة، الربط فيه واضح بين الدّين والاقتصاد، والفصل فيه أوضح بين الإسلام والسياسة؛ إذ يَرسم خارطة سيرورة التديّن في العالَم العربي الإسلامي البعيدة عن الاصطدام بالثقافة الغربيّة بعد تراجُع جاذبيّة الإسلام السياسي بيوتوبيّاته، لمصلحة قيَم الفردانيّة والنجاح المُستعارة من الغرب الذي طالما تمَّت شَيْطنته في النموذج الأوّل([13]).

يؤكد “هايني” في أطروحته إذن، على تفاعُل مُمارسات التديّن الإسلامي إيجاباً مع فلسفة السوق بعد أن داخلتها ثقافة إسلاميّة جديدة أرست علاقة مُغايرة وأكثر انفتاحاً. وبالضدّ من أطروحة صدام الحضارات وأطروحة الحركات السياسيّة التي تضع الهويّة مقابلاً للعَولَمة، يؤكِّد تقاطُع ديناميّات العَولمة والهويّة، مواجِهاً في مستوى آخر العلمانيّة التي تدعو لإسلام الشأن الشخصي والإسلامويّة ذات الطابع الشمولي. وبملاحظته وتتبّعه للممارسات الاجتماعيّة، تنبَّه للتحوّلات الاجتماعيّة الدقيقة التي مسّت العلامات والرموز والمفاهيم الدينيّة كالحشمة والعمل الخيري ونموذج الدعوة، ببروز خطاب إسلامي منغمس في التجارة والمشاريع التنمويّة ونظريّات “المنجمنت management” لخَّصه “هايني” في “لاهوت الازدهار”.

رأى هايني في “إسلام السوق” احتجاجاً داخليّاً هادئاً على النماذج الشموليّة للإسلامويّة، مثّله شبابٌ مثقّف نشأ متأثّراً بالعَولمة وبمفاهيم اللّيبراليّة والرأسماليّة، فطوَّر أمزجة دينيّة مُغايرة لدى الفئات المتوسّطة بمسحة صوفيّة بعيدة عن السياسة، ليفقد الخطاب الإسلامويّ بالتدريج وهجه بعد أن تضاعفت دعوات مراجعته من الداخل (علي سبيل المثال حدث تراجَع عن فكرة البنوك الإسلاميّة بعد ما كان البعض ينادي بها) .وبدأ التخلّي عن شعار”الإسلام هو الحل” وفكّ الارتباط ما بين الهويّة والسياسة لمصلحة مساحات كبرى للفرد وللذّات المُنطلِقة المتحرّرة، لم يعُد الهدف الأسمى استعادة الخلافة أو تطبيق الشريعة وإنّما بناء مجتمعات مدنيّة مُزدهِرة. بهذا مثّل “إسلام السوق” صوت “اتّجاهٍ إسلامويّ ناقِم”، واجِداً في النضال الإسلامي لحماية البيئة وتمكين المرأة أو”النسويّة الإسلاميّة”و”التنميّة البشرية” وحوار الأديان بعض مَلامح الالتزام الديني.

إنّه تديّن محبَّب ومَرن وغير مسيَّس، يعبِّر عن سيرورة الأسْلَمة وإعادة بَرْمَجة العرض الدّيني ليوافق العالَميّة. أو قلّ هو إسلام البورجوازيّة المتديّنة الجديدة الخالي من أيّ تعبير ديني عن المحرومين والمهمَّشين، والأقرب إلى التديّن العَملي الرأسمالي الذي رصده “ماكس فيبر” لدى البروتستانت؛ فهو “ليس حركة مؤسَّسة على حزب أو تنظيم ولا تياراً إيديولوجيّاً كالسلفيّة أو سياسيّاً كالإسلام السياسي”، بل إنّه روح أو توجّه جديد تمكَّن من التوطّن والتأثير في حقائق الإسلام المُعاصر والتجلّي في أنماط الحياة وأشكال الدعوة الجديدة، سرعان ما انتشر إعلاميّاً ليبتعد عن إطاره النخبوي ويصير ظاهرة مجتمعيّة لدى الطبقات الوسطى الحضريّة.

لقد اتّسم المَيل اللّيبرالي لإسلام السوق كتحوٍّل مرصود بالمرونة وبذهنيّة جديدة في التعامل مع المرويّات الكبرى للإسلامويّة، نزعت عن الجهاد حمولته العنيفة ليصير أكثر سلميّة “جهاد النهضة” أو”الجهاد المدني” واستعاضت عنه بالعمل التطوّعي والحركة الاجتماعيّة أو بـ “جهاد إلكتروني” يدمِّر المَواقع المُعادية للإسلام ناقلاً الجهاد العسكري إلى العالَم الافتراضي. إنّه عمل تأويلي للمفاهيم يتمتَّع بقدر من”السيولة” التي أفرغت الجهاد من مضامينه الفقهيّة القديمة وألبسته مفاهيم حداثيّة مُعلْمَنة، إلّا أنّها عمليّة مكلِّفة وتتضمّن قدراً من الخطورة، لكونها “عملية” اقتطاع مفاهيم إسلاميّة من سياقها اللّغوي والحضاري وإذابتها في سياق مُعولَم سائل يفقدها خصائصها الأساسيّة (من ذلك إضفاء الطّابع العِلميّ على العلاج بالأعشاب في سياق ما سمّي بالطبّ البديل وربطه بالطبّ النبويّ، وأسْلَمَة اليوكا والزان في تقريبٍ غير دقيق بين الصلوات البوذيّة وحركات الصلاة الإسلاميّة).

تؤشِّر هذه التوجّهات الورعة المابعد حداثيّة، على تفكُّك المشهد الإسلامويّ من الداخل لمصلحة التوافق مع قيَم الثقافة الأميركيّة الاستهلاكيّة، بظهور شركات: مكّة كولا، وزمزم كولا، وقِبلة كولا، وعرب كولا، وربْط الحجاب بالموضة والعلامات التجاريّة، وإعادة تعريف الزكاة في إطار إنسانويّ غربيّ، ومزْج النشيد الإسلامي بإيقاعات عصريّة، كما أبانت مَوجة المدارس الإسلاميّة عن بُعدٍ تسويقي واسع، بمنْح شهادات التعليم الأجنبي للأرستقراطيّة الجديدة وتوظيف معلّمات محجّبات خرّيجات الجامعات الغربيّة أو أجنبيّات مُعتنقات للإسلام. وبدَورها أسهمت الثقافة الجماهيريّة في تغلْغل المُنتجات الدينيّة وترسيخ قيَم التهادي واستهلاك الفنون والإقبال على مواقع شبابيّة للدردشة الإسلاميّة؛ وعبر شركات الإعلام، دخل”الديني”عالَم الممنوعات الأخلاقيّة وتحوَّل الدعاة إلى نجومٍ، كما بات التأكيد على الهويّة الدينيّة يتمّ عبر وسائط علمانيّة. وبالتدريج ازداد تشفير الهويّة الدينيّة بخطاب أخلاقي حوَّلها إلى علامة تجاريّة. وبصنْع مِخيالٍ إسلامي يقوم على الفرجة والاستهلاك وإثارة الإعجاب، توثَّقت صلة الأَسْلَمة بالعَلْمَنة لتبلغ أوجها بالتخفُّف من العناصر الدينيّة نفسها.

يتوجّه إسلام السوق إلى إعادة بناء نموذجٍ فرداني قويّ اقتصاديّاً يُعيد الفخر للمُسلم الجديد. ولئن رأى البعض في هذا التحوّل قدرة الرأسماليّة على نمْذَجة الأخلاقيّات والجماليّات الإسلاميّة في عالَم الاستهلاك بما يهدِّد نمط الحياة الدينيّة، ففرسان الدعوة الجديدة رأوا فيه “النضج واستيعاب مبادئ الاسترخاء والترفيه”؛ فمَع عالَم العارِضات المحجّبات والأكل المُعولَم، لم تَسلم الدعوة الدينيّة من الدعابة والمرح والتنافسيّة وروح العصر. وهنا نحن أمام مرحلة تشهد أنّ السوق صار” قناة التعبير عن التديّن الأكثر تمتّعاً بالشرعيّة”.

تأسَّست قيَم الدعوة الجديدة ضدّ ثقافة العجز والفشل في ما يشبه إدانة أخلاقيّة للفقراء والعاطِلين، وانتصرَت في المقابل لعقيدة النجاح استجابةً لمنطق الثروة، بتقريظ إسلام المال والقوّة ما دام الدّين ليس حكراً على الفقراء والثروة ليست إثماً. وخلافاً لمَن يتصوّرون الإسلام يضادّ الغنى، استمدّت هذه الدعوة شرعيّتها الدينيّة والتاريخيّة من سيرة النبي وبعض صحابته ممَّن كانوا تجّاراً ناجحين، وبهذا يحوز إسلام السوق منظومة تبريريّة لتكريس نموذج الثروة الفاضلة والخلاص عبر الأعمال الخيريّة وتعوِّض النضال السياسي بالخطاب الديموقراطي و”المجتمع المدني الفاضل” والمُزاوَجة بينه وبين المسجد.

لقد استوعبَ دعاة التديّن الجديد، ببراجماتيّة، أنّ رهانهم الرّابح هو إدماج الاقتصاديّات الحديثة داخل النُّظم الدينيّة التقليديّة، ليكتسب خطابهم القوّة والفعاليّة المطلوبتَين، وبإعادة تفسير الإسلام وإحيائه في ضَوء العَولَمة، تمكّنوا من دخول الحداثة لكنْ بعيداً من بوّابة عصر الأنوار.

والسؤال هنا: ألسنا، وقد قصر الحال على العواطف والمشاعر بعيداً من مُراجَعة الأُسس النظريّة، أمام “مرحلة تحديث من دون مشروع الحداثة؟” ألا يقدِّم إسلام السوق نموذجاً محلّياً لروح الرأسماليّة، نسخة مرمَّقة لإحياء المضامين والمعاني القديمة، تجعل من الإسلام مجرّد محرِّك أو أداة للعَلْمَنة أكثر منه محتوى؟ لقد بدا الأمر وكأننا أمام تطور وإنتاج جديد لما يُطلق عليه “لاهوت الازدهار.”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – د. سعيد عبدالله حارب، “التنمية البشرية وعمارة الأرض”، ( مجلة الوعي الشبابي- مجلة شبابية الكترونية)، علي الرابط التالي: shorturl.at/eqxB0

[2] – “تزكية النفس.. معناها، حكمها، الحاجة إليها”، ( موقع اسلام ويب، ٢٩ يوليو ٢٠٠٨)، علي الرابط التالي: shorturl.at/sCHLY

[3] – عمارة الأرض في الإسلام، ( موقع اسلام ويب، 07/11/2013)، علي الرابط التالي: shorturl.at/FNOVZ

[4] – زكي محمد عثمان، التنشئة الاجتماعية من منظور اسلامي: اهداف، غايات، وسائل: دراسة اجتماعية”، (القاهرة، 2000)، ص ص16-17.

[5] – “الإسلام و صراع الحضارات: الاستخلاف والأمانة”، ( موقع اسلام ويب)، علي الرابط التالي: shorturl.at/mpuxX

[6] – علي جمعة، “الإنسان بين مسؤولية التسخير وأمانة الخلافة”، (موقع الدكتور علي جمعة، 08 ديسمبر ٢٠١٤)، علي الرابط التالي: shorturl.at/iqIK0

[7] – عمارة الأرض في الإسلام، مرجع سبق ذكره.

[8] – “كلمات في مفهوم المسؤولية”، ( موقع طريق الإسلام، 2017-04-27)، علي الرابط التالي : shorturl.at/fQY79

[9] – عبد الرحمن كوري محمد، “مفهوم الإصلاح في القرآن الكريم”، (المملكة العربية السعودية، كلية الدعوة وأصول الدين، 1435- 1436هـ).

[10] – J. Matthew Wilson, “From Pews to Polling Places: Faith and Politics in the American Religious Mosaic”, (Georgetown University Press, October 24, 2007). pp 140-142.

[11] – Jonathan L. Walton, “Watch This! The Ethics and Aesthetics of Black Televangelism”, (NYU Press, 2009), p 94.

[12] – كوخ، “من هم أتباع إنجيل الرخاء؟” مجلة أيديولوجية، المجلد. 36، 2014.

[13] – د. عبد الهادي أعراب، “​الإسلام بنَفَسٍ ليبراليّ”، ( مؤسسة الفكر العربي)، متاح علي الرابط التالي: shorturl.at/hkxS8

شاهد أيضاً

في البنيوية

أ. وليد القاضي

كان علم اللغة هو الميدان الفسيح والأرض الخصبة التى نما فيها المنهج البنيوي وترعرع، بل وأضحى يُطلَق على عالم اللغة السويسرى فرديناند دو سوسور الذى حمل شعلة هذا المنهج فى الميدان اللغوى "أبو البنيوية".

مدرسة فرانكفورت: أهم مدارس الفلسفة الغربية الناقدة للواقع الغربي

أ. أحمد محمد علي

تعد مدرسة فرانكفورت النقدية من أهم المدارس الفلسفية التي تولدت في ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية كانت سائدة في ألمانيا في العشرينيات من القرن المنصرم، والتي تعتبر من العوامل الرئيسية لنشأة المدرسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.