أخبار عاجلة

التنمية المستدامة

تبلور مفهوم التنمية المستدامة في منتصف الثمانينات من القرن الماضي وعرفته  اللجنة العالمية للبيئة عام 1978 م علي أنها ” التنمية التي تفي حاجات الجيل الحالي دون الإضرار بقدرة الأجيال القادمة علي الوفاء باحتياجاتها”[1]. فالتنمية المستدامة “تدور حول بقاء النظم البيئية في وضع صحي جيد يسمح لها بالاستمرار في إمداد البشر والكائنات الأخري بالطعام والماء والملجأ ، وباقي المصادر التي يحتاجونها للحياة.

أولاً: مقدمة تاريخية

خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدأت أولي الجرائم الكبري ضد كوكب الأرض عن طريق الاستئصال الوحشي للغابات والأشجار لإمداد الثورة الصناعية الأولى بحاجتها من الأخشاب.

وقد قدم جورج بيركنز مارش مؤلفه الكلاسيكي “الإنسان والطبيعة” عام 1864م  والذي يتعلق بالبيئة والتنمية حيث ذكر فيه “تتمثل العقلانية في السعي للحفاظ علي توازن الطبيعة وأيضاً يُحمًل الجيل الحالي بصورة أساسية علي عاتقه إلتزام تأمين الرفاهة للأجيال القادمة[2]“.

وظهر أول تقرير دقيق لمخاطر أيكولوجية محتملة عام 1896م عندما قرر العالم السويدي Svante Arrhenius أن مضاعفة ثاني أكسيد الكربون في الجو ستؤدي إلي زيادة متوسط درجة حرارة الأرض بحوالي 6 درجات مئوية، وإذا كان هذا التنبيه المبكر لم ينجح في جذب الاهتمام السياسي أو التمويل فقد مثل بداية لانطلاقة علمية جديدة في مجال البيئة يمكن أن تمثل مجالاً لتطوير الفكر والممارسة[3].

وقد حاولت عصبة الأمم خلال فترة ما بين الحربين وبصفة خاصة منذ عام 1920م حتي عام 1930م وضع معاهدة للتحكم في التلوث البحري الذي تسببه السفن إلا أن هذه المحاولة قد باءت بالفشل.

وبعد أن ألقيت القنابل النووية علي هيروشيما ونجازاكي في اليابان في 6 و 9 أغسطس عام 1945م علي التوالي بدأت مؤشرات التلوث البيئي تتصاعد دون أن تعود إلي الوراء بينما كانت هذه المؤشرات تتراوح بين الصعود والهبوط قبل ذلك تبعاً لحجم النشاط الصناعي للإنسان[4].

وأصبحت الأمم المتحدة التي أنشئت عام 1945م كمنظمة عالمية الإطار المؤسسي الذي يمكن به تطوير قانون دولي في مجال البيئة ، ورغم أن ميثاقها لم يتضمن أي نص صريح يخول لها الاهتمام بشئون البيئة، نظراً لصياغة نصوص هذا الميثاق في عام 1945م حيث لم يكن مفهوم البيئة قد تبلور بالشكل الذي انتهي إليه الأن، إلا مع تزايد الاهتمام الدولي بحماية البيئة بل وظهور مؤشرات ودلالات تؤكد حتمية وضرورة هذا الاهتمام نظراً لوحدة البيئة وانتقال الأضرار البيئية من دولة إلي أخري وظهور تقنيات ومواد تهدد الوسط الطبيعي بالتدهور، تمكنت الأمم المتحدة – استناداً إلي نصوص واردة في الميثاق ذات طابع عام – من إدخال موضوع البيئة وصيانة الوسط الطبيعي ضمن اهتماماتها المتعددة.

ومن ناحية أخرى، فقد أنشئ الإتحاد الدولي لحماية الطبيعة عام 1948م كأول منظمة دولية تهتم بالبيئة حول العالم وتهدف إلي مواجهة أزمة انقراض الأصناف النباتية والحيوانية والحفاظ عليها.

وقد أدت بعض الكتب والمقالات مثل رواية راشيل كارسون[5] “الربيع الصامت” 1962م والكاتب ثارت هاردن “مأساة الموارد” 1968م إلي استنفار همة الدول والمجتمع الدولي ككل،  وبنهاية الستينيات دوي صوت الاهتمامات البيئية في كل أرجاء العالم الغربي، في حين اعتبر العالم النامي الاهتمامات البيئية نوعاً من الترف الغربي، حيث لعبت السيدة أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند دوراً رئيسياً في توجيه أجندة مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة الإنسانية الذي عقد في استكهولم عام 1972م نحو اهتمامات الدول النامية، وقالت: “إن الفقر هو أسوأ أشكال التلوث[6]“.

وتم الإعلان في يوم 22أبريل 1970 م عن يوم الأرض (في الولايات المتحدة الأمريكية) والذي شجع أعداداً كبيرة من الأمريكيين بأن يتظاهروا سنوياً معلنين عن تعاطفهم تجاه البيئة.

وفي عام 1968 تم إنشاء نادي روما من عدد كبير من رجال الأعمال من شتي دول العالم، ودعي لضرورة إجراء أبحاث تخص مجالات التطور العلمي لتحديد حدود النمو في الدول المتقدمة. وفي عام 1972 نشر نادي روما توقعاته لسنة 2100 موضحاً بحدوث خلل في مسار النمو الاقتصادي في العالم خلال القرن الواحد والعشرون بسبب التلوث وتجريف التربة. وفي نفس العام انعقد مؤتمر استكهولم حول البيئة حيث ناقش المؤتمر الذي نظمته الأمم المتحدة بشأن موضوع البيئة وعلاقتها بقضايا الفقر وغياب التنمية في العالم، وأعلنت أن الفقر وغياب التنمية هما أشد أعداء البيئة. وفي العام 1987 تم بلورة تعريف دقيق حول التنمية المستدامة[7].حيث قامت اللجنة العالمية للبيئة والتنمية التابعة للأمم المتحدة بإصدار تقرير يحمل عنوان “مستقبلنا المشترك” والذي ورد بتقرير لجنة برونتلاند[8]، والذي قام للمرة الأولي بالربط بين أبعاد التنمية المختلفة، الاجتماعي والاقتصادي  والبيئي، ليخلق سلسلة مترابطة من  “الاقتصاد –المجتمع- البيئة”.

في عام 1992 تم عقد مؤتمر “قمة الأرض” في ريودي جانيرو، وهنا حدث تحول في اهتمام العالم من تأثير الاقتصاد علي البيئة إلي تأثير البيئة علي الاقتصاد. وهنا أصبحت التنمية المستدامة تركز علي سبعة مكونات تشكل التحدي الأكبر أمام البشرية مثل[9] ( التحكم في التعداد السكاني –تنمية الموارد البشرية – الإنتاج الغذائي – التنوع الحيوي – الطاقة – التصنيع – التمدن ).

وقد تمخض عن مؤتمر قمة الأرض في ريودي جانيرو معاهدة بيئية دولية وهي “اتفاقية كيوتو” وهدفت إلي تحقيق تثبيت تركيز الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي عند مستوي يحول دون التدخل الخطير البشري في النظام المناخي[10].

وفي عام 2005 دخل بروتوكول كيوتو حيز النفاذ حول تخفيض الانبعاثات المؤدية إلي الاحتباس الحراري. وفي عام 2007 انعقد المؤتمر الدولي لمواجهة التغيرات المناخية بمدينة بالي بأندونيسيا، وتمحورت نقاشات هذا المؤتمر حول العديد من المشاكل البيئية الخطيرة أهمها ارتفاع درجة حرارة الأرض بشكل كبير بسبب الاحتباس الحراري. بعدها بثلاث سنوات انعقدت قمة المناخ “بكوبن هاغن” سنة 2010، بسبب تأكد جميع الأطراف السياسية أن حالة البيئة في العالم مازلت في تدهور مستمر بالرغم من عقد العديد من المؤتمرات وإبرام العديد من الاتفاقيات، وقد ناقشت قمة المناخ هذه التغيرات المناخية الأخيرة، وكيفية مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري وكذلك سبل تحقيق تنمية عالمية مستدامة تراعي الجوانب البيئية في مختلف إستراتيجياتها الكلية والجزئية، لكن هذه القمة لم تخرج باتفاقيات ملزمة وكمية كالتي خرج بها بروتوكول كيوتو، واكتفى الأعضاء المشاركون بتحديد خطوط عريضة للعمل من أجل محاربة التغير المناخي ومكافحة الاحتباس الحراري[11].

اعتمدت الامم المتحدة يوم 12 ديسمبر 2015 اتفاق باريس حول تغير المناخ. ودخل حيز التنفيذ يوم 4 نوفمبر 2016 بعد استيفاء المعيار المزدوج والمتمثل في قيام 55 دولة، تساهم بنسبة 55% من الانبعاثات العالمية علي الأقل بإيداع وثيقة التصديق أو القبول أو الإنضمام للاتفاق لدي سكرتير عام الأمم المتحدة.

وتتمثل أهم أهداف اتفاق باريس في[12]:

  • عدم زيادة درجة حرارة الأرض عن درجتين ومواصلة الجهود لخفضها إلي درجة ونصف مئوية.
  • وضع سقف للانبعاثات العالمية في أسرع وقت ممكن، علي أن يحدث خفض سريع بعد ذلك في الانبعاثات أخذاً في الاعتبار أن وضع هذا السقف سيستغرق وقتاً أطول بالنسبة للدول  النامية.
  • قيام الدول المتقدمة بتحقيق أهداف خفض الانبعاثات علي كامل النشاط الاقتصادي، ومواصلة الدول النامية لتعزيز جهودها في مجال خفض الانبعاثات، مع تشجيعها لوضع أهداف للخفض علي كامل النشاط الاقتصادي.
  • مراجعة وتعزيز إجراءات التصدي لتغير المناخ كل خمسة أعوام.
  • وضع إطارعمل للمراجعة يضمن شفافية كل من إجراءات التصدي لتغير المناخ وتقديم الدعم.
  • وضع ألية لتسهيل تنفيذ الاتفاق والامتثال لأحكامه من خلال إنشاء لجنة من الخبراء تتولي ذلك.
  • وضع هدف دولي للتكيف.
  • تعهد الدول المتقدمة بمواصلة تقديم الدعم لأنشطة خفض الانبعاثات والتكيف، مع دعوة الدول الأخري للمشاركة في تقديم الدعم علي أساس طوعي.
  • مراعاة الظروف الخاصة للدول الأقل نمواً، والدول النامية المكونة من جزر صغيرة.

إذن يمكن القول بأن التنمية المستدامة ،النموذج التنموي الجديد لم يكن وليد الصدفة، وإنما ظهر نتيجة مجموعة من الجهود والاتفاقيات الدولية كما عرضنا في السطور السابقة.

ثانياً: التنمية المستدامة من اهم قضايا العلاقات الدولية

لا شك أن قضية التنمية المستدامة والحفاظ علي البيئة تمثل القضية الأهم بالنسبة للعالم في الوقت الراهن، وقد أثرت التنمية المستدامة تأثيراً كبيراً في حقل العلاقات الدولية والمجتمع الدولي، وسنوضح ذلك من خلال إستعراض إنسحاب الرئيس الامريكي دونالد ترامب مؤخراً من اتفاقية باريس الخاصة بالمناخ والغضب الدولي الذي صاحب ذلك القرار .

فقد هز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم بقراره في أول يونيو الجاري (2017) – رغم المناشدات الدولية بعدم الإقدام على هذه الخطوة – بالانسحاب من اتفاق باريس للتغير المناخي. الرئيس الأمريكي برر هذا القرار بأنه يرى الاتفاقية بوصفها قاتلة للأعمال وخطوة مخادعة خانقة للاقتصاد الأمريكي وغير عادلة تماما، وأبدى استعداده للتفاوض حول اتفاق مناخ جديد “ببنود تكون عادلة للولايات المتحدة”. وأشار الرئيس ترامب أيضًا إلى أن الاتفاق لم يكن حازمًا بما يكفي مع الصين والهند، أهم منافسي بلاده الاقتصاديين، وبالتالي من الضروري التفاوض على اتفاقية أفضل[13].

وكان الرئيس الأمريكي الجديد قد زعم، إبان حملته الانتخابية العام الماضي، أن اتفاق باريس للتغير المناخي سيكلف الولايات المتحدة خسارة ثلاثة تريليونات دولار من إجمالي ناتجها القومي وحوالي 6.5 مليون وظيفة في قطاعات مختلفة مثل قطاع الفحم. وأشار إلى أن إدارته ستتوقف عن دفع أموال لصندوق المناخ الأخضر، الذي تدفع له الدول الغنية مليارات الدولارات سنويًا لمساعدة الدول النامية على التعامل مع الفيضانات والجفاف والآثار الأخرى لتغير المناخ.

وفي مواجهة هذا القرار الأمريكي الصادم من اتفاق باريس للتغير المناخي، تراوحت ردود الفعل الدولية بين الصدمة والغضب وأيضًا التصميم على مواصلة الجهد المشترك الذي يمثله هذا الاتفاق من أجل مواجهة التغير المناخي العالمي[14].

ورغم أن معظم قادة دول العالم عبروا عن أسفهم لانسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للتغير المناخي، مؤكدين ضرورة استمرار جهود محاربة التغير المناخي، إلا أن الحقيقة المؤسفة تشير إلى أن هذا الانسحاب سيجعل جهود المجتمع الدولي في تحقيق الأهداف التي وضعها لنفسه بموجب الاتفاق المذكور أكثر تعقيدًا. فالولايات المتحدة، وهي أكبر اقتصاد في العالم وثاني أكبر مصدر لانبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون بعد الصين، مسئولة عن 15 في المائة من مجموع الانبعاثات الكربونية عالميا، كما أنها أيضًا مصدر رئيسي للتمويل والتكنولوجيا التي تعتمد عليها الدول النامية في محاربة ارتفاع درجات الحرارة. كذلك ثمة مخاوف أيضًا من اتباع دول أخرى للولايات المتحدة في نهجها هذا أو إبداء التزام أقل بأهداف اتفاق باريس، مما يعني إفراغه من محتواه تدريجيًا. ومن ناحية ثانية، سيكون انسحاب واشنطن مؤثرًا للغاية من حيث زيادة صعوبة وفاء الدول النامية بالتزاماتها في ظل اتفاق باريس، الذي وقعته كثير من الدول النامية بعد أن حددت الدول الغنية هدفًا بجمع تمويل لمواجهة التغير المناخي، يبدأ من 100 مليار دولار في السنة اعتبارًا من عام 2020 لمساعدة الدول الفقيرة على التخفيف من انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري والتكيف بشكل أفضل مع موجات الحرارة والفيضانات والعواصف وارتفاع مستويات البحار.

ثالثاً: التدهور البيئي ونموذج الحداثة

هناك ربط بين التدهور البيئي الذي حدث معظمه خلال القرن الماضي وبين النموذج الاقتصادي الليبرالي الرأسمالي المهيمن، فهذا الاقتصاد يعمل علي استنفاد الموارد غير المتجددة واستغلال الموارد المتجددة بدرجة أكبر من قدرتها علي البقاء. وبالتالي يحدث تشويه للنظم البيئية متسبباً في حدوث أضرار جمة.

إذن الاستغلال المفرط للموارد والتدمير المصاحب للتنمية هما نتاج للمجتمع الصناعي الحديث، وبالرغم ما لهذا النموذج الحداثي من إنجازات كثيرة إلا أن له جانبه المُعتم متمثلاً في الظلم الاجتماعي وإفساد البيئة وتدمير النظام الاجتماعي.

ذلك أن النسق الحداثي يضع ثقة مطلقة في العلم والتقنية، والأولوية فيه تكون للرفاهية الاقتصادية التي ستقود إلي تحقيق الرفاهية في مجالات الحياة الأخري، ومن خلال التقنية سيتم إيجاد حلولا لكل المشاكل فهذا النسق الحداثي يرى أن الإنتاج علي نطاق واسع سيؤدي إلي تحقيق الوفرة والتي بدورها ستؤدي إلي خلق نزعة استهلاكية، وأن مصدر السعادة البشرية مرتبط باستهلاك السلع المادية.والحداثة تعلي من النزعة الفردية التي تشير إلي أن التنافس علي المنفعة الفردية أولوية علي المصالح العامة[15].

وهذا التحيز المتأصل يعكس المعتقدات التي دفعت نحو الاستعمار. وبالتالي نظر الغرب الي الأرض علي أنها مجرد مصدر وافر وغير ناضب للسلع، وركزت عملية التقدم بشكل أعمي علي تحويل الموارد الطبيعية بواسطة التقنية إلي سلع استهلاكية تتحول بشكل سريع جداً إلي نفايات.

وبالرغم من حدة وكثافة الانتقادات لذلك النموذج وتنامي الاهتمام الشعبي بالقضايا البيئية إلا أن الناس بشكل عام وكذلك الشركات والحكومات مازالوا يفتقرون لأي دافع لأخذ تلك القضايا على محمل الجد ومن ثم لم ينخرطوا في عمل فعال باتجاه ممارسات مستدامة.

وهناك نحو 15 دولة على مستوى العالم –معظمها من الدول المتقدمة – مسؤولة بشكل أساسي عن إجمالي 70% من انبعاثات الغازات الملوثة للبيئة، ووفقا لتقارير حديثة صدرت عن معهد التنمية المستدامة والعلاقات الدولية، وإدارة معلومات الطاقة تَصنف غالبية هذه الدول الملوثة للبيئة ضمن نطاق الدول الصناعية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وروسيا واليابان وفرنسا والصين وكوريا الجنوبية. كما شملت قائمة البلدان الملوثة للبيئة أيضا البرازيل والهند واستراليا وجنوب أفريقيا والمكسيك واندونيسيا وكندا. وينتج عن الصناعات في هذه الدول انبعاث كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون، الذي يتسبب في زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري، كما يؤثر بشكل سلبي على صحة الفرد في هذه البلدان.ولا تزال هذه الدول تتربع على عرش أكثر البلدان تلويثا للبيئة منذ أخر تقرير صادر عن الطاقة الدولية عام 2009.

ولذا فمن الضروري الاعتراف بأن القضايا البيئية هي قضايا اجتماعية وثقافية، وأنه في ظل غياب التحليل النقدي للمعتقدات الأساسية والأطر السياسية والاجتماعية للمجتمعات الصناعية لن يكون هناك مبادرات ناجحة تجاه العدالة الاجتماعية والبيئية، ولن يصبح المجتمع الحديث في وضع يسمح له بالتكيف مع رؤية عالمية بديلة وبناء سياسي وثقافي واجتماعي قادر على دعم مجتمع مستدام بيئيا وتنمويا[16].

إذ من الواضح أنه لا يمكن إيجاد مجتمع عادل بيئيا واجتماعيا عندما تكون الحياة الاجتماعية فيه واقعة تحت هيمنة وتأثير قوى السوق، والربح، والنمو الاقتصادي.

رابعاً: التنمية المستدامة والفئات المهمشة

هناك ارتباط قوي بين مفهوم التنمية المستدامة ومفهوم حقوق الإنسان ، حيث أن التنمية المستدامة تهدف إلي تهيئة الظروف المواتية من أجل تحسين نوعية الحياة، ولحفظ كرامة الإنسان وحقوقه إذن فهناك تقارب بين المبادئ الأساسية للتنمية الإنسانية المستدامة والمبادئ الأساسية التي تقوم عليها حقوق الإنسان.

ومن هنا يجب أن تعمل الدول جاهدة علي تحقيق مبدأ المساواة في الفرص وعدم التمييز بين سكانها، حيث تستند حقوق الإنسان على المساواة بين جميع الناس، ومعاملتهم معاملة متساوية أمام القانون، ولذلك فإن القوانين الدولية لحقوق الإنسان تركز بقوة علي الحماية من التمييز، والقضاء عليه[17].واعتبرت المساواة وعدم التمييز هما من المبادئ الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان، فهي بمثابة حق عام يتفرع عنه العديد من الحقوق الأخري، فهي نقطة البداية، أو الانطلاق لكافة الحقوق والحريات الأخرى[18]

هذا المبدأ تشترك فيه حقوق الإنسان والتنمية الإنسانية المستدامة، بالإضافة إلي اشتراكهما في محورية الحرية والكرامة الإنسانية. فمن منطلق التنمية المؤسسة علي مبدأ المساوة وعدم التمييز كأهم المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، فإنه لابد من إيلاء الإهتمام الكامل للمساواة في الفرص بين الجميع خاصة الفئات المهمشة: كالمرأة والأقليات والسكان الأصليين وضحايا الكوارث وغيرهم، وليست هناك قائمة محددة أو موحدة عن الفئات المهمشة، فهي تختلف وتتفاوت حسب الزمان والمكان[19].

هناك أيضاً مبدأ فعال يمكن من خلاله إدماج الفئات المهمشة والفقيرة في عملية التنمية المستدامة ألا وهو مبدأ المشاركة.

حيث إن المشاركة مبدأ أساسي لإطارعمل القانون الدولي لحقوق الإنسان، فلكل شخص ولجميع الشعوب الحق في المشاركة والمساهمة في التنمية، والتمتع بثمار التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية و المشاركة مطلوبة في إطار التنمية الإنسانية المستدامة، وهي هامة بشكل خاص للمهمشين من أجل اتخاذ القرارات حول القضايا التي تؤثر علي حياتهم، وحول أهداف حقوق الإنسان التي يرغبون في تحقيقها. فالهدف هو إعطاء البشر القدرة والقوة والكفاءة اللازمة لتحسين حياتهم، والارتقاء بمجتمعاتهم، والسيطرة علي مصائرهم، فهم ليسوا متلقين سلبيين بل مساهمين في عملية التنمية, ومستفيدين  منها. وهذا يعني استهداف توعية العديد من الفئات المختلفة للقيام بدورها المناسب في المجتمع [20].

خامساً: منظمة الامم المتحدة وخطة التنمية المستدامة 2030

اعتمدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة خطة التنمية المستدامة الجديدة بعنوان “تحويل عالمنا: خطة التنمية المستدامة لعام 2030” في مؤتمر قمة التنمية المستدامة الذي عقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر لعام 2015. وتتألف هذه الخطة من 17 هدفاً و 169 غاية[21].

وتهدف هذه الخطة الشاملة والمتكاملة والتحويلية إلي التشجيع علي اتخاذ الإجراءات التي من شأنها القضاء علي الفقر وبناء عالم أكثر استدامة تنموياً علي مدي السنوات ال 15 المقبلة. وتستند هذه الخطة إلي إنجازات الأهداف الإنمائية للألفية، التي اعتمدت في عام 2000 وقادت العمل الإنمائي خلال السنوات ال15 الماضية. وقد أثبتت الأهداف الإنمائية للألفية أن بإمكان الأهداف العالمية أن تنشل الملايين من براثن الفقر.

كما تشكل الأهداف الجديدة جزءاً من خطة طموحة للتنمية المستدامة تركز علي العناصر المترابطة الثلاثة المستدامة وهي : النمو الاقتصادي والإدماج الاجتماعي وحماية البيئة.

ويتوقع أن تتحقق تلك الاهداف بحلول 31 ديسمبر 2030.

وتلك الاهداف غير ملزمة قانوناً للدول، لكن من المتوقع أن تمسك البلدان بزمام العملية وتقوم بوضع إطار وطني لتحقيق الأهداف ال 17، وسوف تتحمل البلدان المسؤولية الرئيسية عن المتابعة على كافة الأصعدة فيما يتعلق بالتقدم المحرز في تنفيذ الأهداف والغايات حتي عام 2030.

وتقوم التنمية المستدامة في المجالات الآتية:

  • الناس: وذلك بالقضاء علي الفقر والجوع بجميع أشكالهما وأبعادهما، والتأكد من تمكن جميع البشر من تحقيق إمكاناتهم في الكرامة والمساواة في بيئة صحية.وضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم للجميع.
  • كوكب الأرض: بحمايته من التدهور من خلال الاستهلاك والإنتاج المستدامين، والإدارة لموارده الطبيعية واتخاذ إجراءات عاجلة بشأن تغير المناخ، حتي يتسني دعم احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية.
  • الرخاء: ضمان تمتع جميع البشر بحياة مزدهرة ومُرضية وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي في وئام مع الطبيعة.وتحقيق المساوة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات.وضمان حصول الجميع بتكلفة ميسورة علي خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة. وتوفير العمل اللائق للجميع.
  • السلام:  بتعزيز مجتمعات سلمية وعادلة وشاملة للجميع خالية من الخوف والعنف، حيث لا يمكن أن تكون هناك تنمية مستدامة بدون سلام، ولا سلام بدون تنمية مستدامة.

خاتمة

وجهت انتقادات عدة لمفهوم التنمية المستدامة فهناك من يري أن التنمية المستدامة ما هي إلا “أيديولوجية سياسية تم صياغتها من طرف الأمم المتحدة والهدف من ورائها حث دول العالم الثالث علي الانخراط في البرنامج البيئي لدول الشمال”. وهناك من يري ان مفهوم التنمية المستدامة “هو ذو بعد فلسفي أكثر منه مفهوماً قابلاً للتطبيق ولكي يرقي الي البعد الثاني، أي القابلية للتطبيق، فإنه يجب ان يكون احد مكونات ثقافة المجتمع وجزء من تركيبته المعرفية[22]“.

وانتقد نفس التعريف أيضا لعدم تمييزه بين التنمية والنموالاقتصادي، فالمتمعن جيدا في التعريف سيكتشف أنه لايوجد فرق بين التنمية والنمو الاقتصادي، والتركيزعلى هذا الأخيرفي الماضي هوالذي أدى إلى فقدان التوازن على المستوى الايكولوجي والاجتماعي.

وختاما بعد هذا التحليل لمفهوم وقضية التنمية المستدامة يمكن إجمال أن التنمية المستدامة عملية متعددة الأبعاد، تعمل علي التوازن بين أبعاد التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة، والبعد البيئي من جهة أخري، وتهدف إلي الاستغلال الأمثل للموارد والأنشطة البشرية القائمة عليها من منظور يرى أن الإنسان مستخلف في الأرض له حق الانتفاع بمواردها دون حق ملكيتها، ويراعي الاستجابة لحاجات الحاضر، دون إهدار حق الأجيال اللاحقة، ووصولاً إلي الارتفاع بالجوانب الكمية والنوعية للبشر[23]. من هنا ومن زاوية نظر اكثر خصوصية نجد أن المفهوم يلتقي مع مفاهيم العمران والإصلاح في الأرض “..هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا..”. والوسطية في استهلاك الموارد دون إهدار لها، والإسراف والتدمير البيئي  هو من الإفساد المنهي عنه في الأرض، ” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ… ” فالإنسان المعاصر أراد أن يأكل وينتفع ويستفيد دون أن يؤدي مهامه كمستخلف في الأرض ناسياً أن استخلافه هذا أمانة وليس ترخيصاً للتصرف المطلق وغير العقلاني في الخيرات والأنعام والمنافع.

إن الله حين منح لعباده خيرات الأرض ومنافعها، فقد خول لهم فقط حق الانتفاع، وحق الانتفاع هذا يحتم على المنتفع كلما حصل على نفع أن يصون مصدر الانتفاع ويحافظ عليه ليستفيد منه في الحاضر والمستقبل.

بقلم

أحمد علي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- دوجلاس موسشيت، ترجمة وفاء شاهين، مبادئ التنمية المستدامة“، ( الدار الدولية للاستثمارت الثقافية، مصر، الطبعة الأولي، 2000)، ص 17.

[2]- Developing theEnvironment, OP,Cit, p 1.

[3]- محمد علاء عبدالمنجي،”مستقبل التعاون الدولي في ضوء قمة الأرض (السياسة الدولية، عدد 150، أكتوبر 2002) ص 254.

[4]- مراد إبراهيم الدسوقي، الأبعاد الإستراتيجية لقضايا البيئة: العلاقة بين البيئة والتنمية“,(السياسة الدولية، عدد 110، أكتوبر 1992)، ص 99.

[5]- راشيل كارسون عالمة أحياء بحرية وكاتبة علمية أمريكية، ألفت عدة كتب تعكس اهتمامها بالحياة في البحار والسواحل. أكدت كارسون في كتبها العلاقة المتبادلة بين جميع الكائنات الحية واعتماد الرفاهية الإنسانية على العمليات الطبيعية.

[6]- ابراهيم محمد العناني،البيئة والتنمية :الأبعاد القانونية الدولية“، (السياسة الدولية،  عدد 110، أكتوبر 1992) ص 117.

[7]- حدة فروحات، استراتجيات المؤسسات المالية في تمويل المشاريع البيئية من اجل تحقيقي التنمية المستدامة“،( مجلة الباحث، العدد 7، 2009 /2010)، ص ص125، 126.

[8]- United Nations: World Commission on Environment and Development, Our Common Future, 1987, P. 15.

[9]- نبيل إسماعيل أبو شريحة، التوعية البيئية والتنمية المستدامة، المنظمة العربية للتنمية الإدارية ، (جامعة الدول العربية، مصر)،  ص ص 126 ،127.

[10]- “The United Nations Framework Convention on Climate Change” ,November 2005,  at:http://unfccc.int/2860.php

[11]- ساري نصر الدين، عبيدات ياسين، مرجع سبق ذكره، ص 3.

[12]- محمد خليل،مؤتمر مراكش ودبلوماسية تغير المناخ“،(مجلة الدبلوماسي ،العدد 253،مارس 2017)، ص 90.

[13]- By Kevin Liptak and Jim Acosta, Trump on Paris accord: ‘We’re getting out’,CNN, Trump on Paris accord: ‘We’re getting out’ http://edition.cnn.com/2017/06/01/politics/trump-paris-climate-decision/index.html

[14]- أحمد قنديل، “البشرية إلي أين بعد انقلاب ترامب علي اتفاق باريس للتغير المناخي؟” مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 6 يونيو 2017. علي الرابط التالي :http://acpss.ahram.org.eg/News/16313.aspx

[15]– Coates, J. Exploring the Roots of the Environmental Crisis: Opportunity for Social Transformation. (Critical Social Work, 3(1), 2003) p p , 44-66

[16] Russell, P. “Waking up in Time: Finding Inner Peace in Times of Accelerating Change”.( Novato, CA: Origin Press, 1998) p. 43.

[17] القضاء علي التمييز والتعصب منصوص عليه منذ صدور ميثاق الأمم المتحدة سنة 1945، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948،(المادة 1 و2) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (55 و 56) من الميثاق، والمادة 76(ج).

[18] محمد يوسف علوان،محمد خليل الموسي،القانون الدولي لحقوق  الإنسان،الحقوق المحمية“،(الجزء الثاني)، ص 119.

[19]– سعاد القدسي،”التنمية من منظور حقوق الإنسان” علي الرابط التالي: http://www.wfrt.org/dtls.php?content.ID=176

[20]- العربي صديقي ،ترجمة محمد الخولي،البحث عن ديمقراطية عربية الخطاب، والخطاب المقابل“،(مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولي،بيروت،2007) ص 44.

[21] للمزيد أنظر: http://www.un.org/sustainabledevelopment/

[22] العايب عبدالرحمن،” التحكم في الأداء الشامل للمؤسسة الاقتصادية في الجزائر في ظل تحديات التنمية المستدامة“،(رسالة دكتوراه غير منشورة العلوم الاقتصادية، جامعة فرحات عباس، الجزائر)، ص ص 22-23.

[23] ياسر نصر الله محمد،”أيديولوجية الاقتصاد الإسلامي:البعد الاقتصادي والاجتماعي لصناديق الاستثمار الإسلامية ومدي مساهمتها في تحقيق التنمية المستدامة“،( مؤسسة شباب الجامعة، جامعة عين شمس، كلية التجارة، 2017) ص  69.

شاهد أيضاً

النسوية الإسلامية .. كحركة فكرية

  يقصد بالنسوية الإسلامية “ذلك التيار الفكري والحركي الذي يسعى الى تحرير وإنصاف وتمكين النساء على …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *