الرئيسية / الدراسات والأبحاث / بأقلام أصحابها / الفكر الإسلامي المعاصر وعلم الجمال

الفكر الإسلامي المعاصر وعلم الجمال

الصفحات التالية من بحث للدكتور زكي الميلاد* بعنوان “الفكر الإسلامي المعاصر وعلم الجمال” المنشور في كتاب “الفن في الفكر الإسلامي”**.

الفكر الإسلامي المعاصر بحاجة اليوم لأن يستعيد الاهتمام من جديد بمبحث الجمال أو علم الجمال، ويجدد المعرفة بهذا العلم وفلسفته ونظرياته وخبراته، ويعطيه قدراً عالياً من القرب والاهتمام، ليكون علماً فاعلاً ومؤثراً في ساحة المسلمين على صعيدي النظر والعمل؛ استعادة الاهتمام بهذا العلم، لكونه من العلوم التي ظلت على هامش المعرفة الإسلامية، وبقي الاهتمام به ضئيلاً ومحدوداً، ولم يشهد تقدماً وتراكماً واضحاً على المستويين المنهجي والمعرفي، وكاد الاهتمام به يتوقف فعلياً. وهناك من يرى أن التجربة الجمالية الإسلامية ظلت في عالم الظل عدة قرون، وهي القرون التي توقف عندها العقل الإسلامي عن الإبداع[1].

والكتابات في هذا العلم في المجال الإسلامي لا تأتي إلا متفرقة ومتباعدة، ولا تلفت الانتباه عادة، ولا تفتح جدلاً ونقاشاً، ولا تثير دهشة وتأملاً، ويكاد الاهتمام بها ينحصر في دائرة المهتمين والمعنيين بهذا العلم على قلتهم.

وتتأكد الحاجة لاستعادة الاهتمام بعلم الجمال في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر، لأننا – إلى اليوم – مانزال نضطر لإثبات أن الإسلام ليس في خصومة مع الجمال، وهي القضية التي اتخذ منها محمد عمارة مدخلاً عند حديثه عن التربية الجمالية، وحسب قوله: ” من الناس من يحسب أن هناك خصومة بين الإسلام وبين الجمال، تدعو المسلمين إلى التجهم في النظرة إلى الحياة، وإدارة الظهر إلى ما في الكون من آيات البهجة والزينة والجمال، يحسبون ذلك فيقولونه، أو يعبرون عنه بسلوك المتجهم إزاء آيات الجمال والفنون، والإبداعات الجمالية في هذه الحياة”[2]

هذا التقابل بين الإسلام والجمال وافتراض الخصومة بينهما، يكشف عن أننا لم نستكشف القيم الجمالية في الإسلام، وما يكتنزه في داخله من مخزون جمالي بديع وخلاق، ولم نتعرف على ما أنتجه المسلمون في عصور الازدهار الحضاري من إبداعات جمالية، أو أننا انقطعنا عن هذه القيم الجمالية في الإسلام ولم نعد نتواصل معها، وانفصلنا عن إبداعات المسلمين الحضارية ولم نعد نعلم بها، نتيجة لأزمنة التراجع الحضاري التي أصابت الأمة في الصميم.

مالك بن بني والتوجيه الجمالي: (المحور التطبيقي)

في سنة 1949 م أصدر المفكر الجزائري مالك بن نبي ( 1329 – 1397 ه / 1905 – 1973 م) باللغة الفرنسية أحد أشهر مؤلفاته وهو كتاب “شروط النهضة”. في هذا الكتاب وعند حديثه عن الإنسان بوصفه العنصر الأول في عناصر تركيب الحضارة وبنائها، أشار ابن بني إلى الثقافة، وقدم نظرية في هذا الشأن، عدَّ فيها أن الثقافة تتألف من أربعة عناصر أساسية ومتكاملة، العنصر الثاني في هذه العناصر الأربعة سمّاه التوجيه الجمالي. وعند النظر في مجموع ما تحدث به ابن نبي عن فكرة التوجيه الجمالي، يمكن ضبط وتحديد هذه الفكرة في النقاط الآتية:

  • يرى ابن نبي أنَّ الأفكار إنما تتولد من الصور المحسة الموجودة في الإطار الاجتماعي، التي تنعكس في نفس من يعيش فيه، وهنا تصبح صوراً معنوية يصدر عنها تفكيره. فلا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل، فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالاً أقبح. والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة، لابد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره وأعماله ومساعيه. وقد بعثت هذه الملاحظة كل من عنوا بالنفس الاجتماعية من علماء الأخلاق أمثال الغزالي لدراسة الجمال وتقديره في الروح الاجتماعية، ويمكن تلخيص أفكارهم في هذا الصدد في اعتبارهم الإحسان صورة نفسية للجمال. فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد يجد الإنسان في نفسه نزوعاً إلى الإحسان في العمل، وتوخياً للكريم من العادات[3].
  • إن الجمال في نظر ابن نبي له أهمية اجتماعية هامة، إذا ما تم عدّه المنبع الذي تنبع منه الأفكار، وتصدر عنه بواسطة تلك الأفكار أعمال الفرد في المجتمع. ومن هذه الجهة فإن أزهد الأعمال له صلة كبرى بالجمال، فالشيء الواحد قد يختلف تأثيره في المجتمع باختلاف صورته التي تنطق بالجمال،أو تنضح بالقبح، وتظهر أثر تلك الصورة في تفكير الإنسان، وفي عمله، وفي السياسة التي يرسمها لنفسه، ومن الواضح عند ابن نبي أننا أصبحنا اليوم نفقد ذوق الجمال، ولو أنه كان موجوداً في ثقافتنا لسخرناه إذن لحل مشكلات جزئية، تكوّن في مجموعها جانباً من حياة الإنسان[4].
  • يرى ابن نبي أنَّ الإطار الحضاري بكل محتوياته متصل بذوق الجمال، بل إن الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة، فينبغي أن نلاحظ في نفوسنا، وأن نتمثل في شوارعنا وبيوتنا مسحة الجمال نفسها، التي يرسمها مخرج رواية في منظر سينمائي أو مسرحي. ويجب أن يثيرنا أقل نشاز في الأصوات والروائح والألوان، ويثيرنا منظر مسرحي سيء الأداء، وذلك باعتبار أنَّ الجمال هو وجه الوطن في العالم، فلنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا، ونفرض احترامنا على جيراننا الذين ندين لهم بالاحترام نفسه.[5]
  • من جهة العلاقة بين المبدأ الأخلاقي والتوجيه الجمالي، يرى ابن نبي أنَّ المبدأ الأخلاقي إذا كان يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات، فإنَّ التوجيه الجمالي هو الذي يصوغ صورته. ومن هذه الجهة، التفت ابن نبي إلى أحد الفروقات بين العلم والثقافة، فإذا كان العلم تنتهي عمليته عند إنشاء الأشياء وفهمها، فإن الثقافة تستمر في تجميل الأشياء وتحسينها، وبهذا يعدُّ الذوق الجمالي أحد أهم العناصر الديناميكية في الثقافة، لأنه يحرك الهمم إلى ما هو أبعد من مجرد المصلحة، ويضيف إلى الواقع الأخلاقي عند الفرد دوافع إيجابية أخرى، من شأنها أحياناً أن تعدل من بعض الدوافع السلبية.[6]
  • وجد ابن نبي أنَّ اتجاه الحضارة يتحدد في إطار العلاقة بين المبدأ الأخلاقي والتوجيه الجمالي، وطريقة التراتب بينهما من جهة التقديم والتأخير، فقبل أن تتأثر الحياة في مجتمع معين بالفنون والصناعات؛ أي بالجانب المادي والاقتصادي من الحضارة، تتخذ لها اتجاهاً عاماً ولوناً شاملاً، يجعل جميع تفاصيلها مرتبطة بالمبدأ الأخلاقي، وبذوق الجمال الشائعين في هذا المجتمع.

وعليه يمكن القول وبصورة عامة، إنَّ هناك نموذجين من المجتمع؛ نموذجاً يقوم فيه النشاط أساساً على الدوافع الجمالية، ونموذجاً يقوم فيه النشاط على الدوافع الأخلاقية  أولاً. وهذا الاختلاف الأساسي في نظر ابن نبي ليس مجرد اختلاف شكلي، بل يؤدي إلى نتائج تاريخية ذات أهمية كبيرة، ولا يجعل هذين النموذجين يتطوران في اتجاه واحد، بل تنشأ بينهما – في بعض الظروف – تناقصات جذرية.

وللبرهنة على هذه الفكرة، أشار ابن نبي إلى المثالين الآتيين:

المثال الأول: إن المجتمع الغربي قد مارس ضمن ما مارس من فنونه، فنّ التصوير، وخاصة تصوير المرأة العارية، بسبب الدافع الجمالي، في حين لا نرى الفنّ الإسلامي خلف آثاراً في التصوير كالذي نشاهده في متاحف الحضارة الغربية، لأنَّ الرادع الأخلاقي في المجتمع الإسلامي لا يطلق العنان للفنان لكي يعبر عن كل ألوان الجمال، وبخاصة المرأة العارية.

المثال الثاني: إن تطور الملابس في المجتمع الغربي قد انطلق من نقطة معينة، هو إبراز جمال المرأة في الشارع في حين نجد أن تطور الملابس في المجتمع الإسلامي قد اتخذ اتجاهاً مخالفاً تماماً؛ إذ هو يهدف أساساً إلى أن يخفي جمال المرأة في الشارع تغليباً للمبدأ الأخلاقي[7]

  • يعتقد ابن نبي أن كل ثقافة تتضمن عنصر الجمال، وتتضمن عنصر الحقيقة، غير أن عبقرية أحدهما تجعل محورها الجمال، أما الأخرى فتفضل أن يكون محورها الحقيقة. وهذا الاختلاف في نظر ابن نبي يعود إلى الأصول البعيدة، فالثقافة الغربية ورثت ذوق الجمال من التراث اليوناني الروماني، فكان روادها وحملة لوائها زعماء الفنّ من فيدياس إلى ميخائيل أنجلو، ومن هنا لم يكن من محض الصدفة أو لغو الحديث أن مؤرخي النهضة الأوروبية يحددونها بأنها رجوع إلى الحضارة اليونانية الرومانية، أما الثقافة الإسلامية فقد ورثت الشغف بالحقيقة من بين ميزات الفكر السامي، فكان قادتها أنبياء من إبراهيم إلى محمد عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه.

وهذا الاختلاف في الأصول البعيدة للحضارتين، له أثر فيما ينتجه الفكر في كل واحدة منهما، ويمتد هذا الأثر إلى مجالات كثيرة. فنزعة  “الفن للفن” ظهرت في الأدب في المجتمعات التي تمنح الأولوية للذوق الجمالي، وظهرت نزعة الأدب الملتزم في المجتمعات التي تقدم الأخلاق – بصورة ما – على الجمال. وفي اتجاه السياسة هناك مناهج نزعت إلى تأسيس ديمقراطية تجعل حرية الفرد هدفاً لها، بدافع جمالي، وهناك مناهج أخرى نزعت إلى ديمقراطية تستهدف سعادة المجتمع بدافع أخلاقي، وهكذا في اتجاهات أخرى[8].

هذه أبرز عناصر رؤية ابن نبي لفكرة التوجيه الجمالي. وتصلح هذه الفكرة بعد هذا الضبط والتحديد أن نمنحها صفة النظرية، واعتبار أن مالك بن نبي صاحب نظرية جمالية في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر. ونحن في أمس الحاجة إلى البحث عن مثل هذه النظريات واكتشافها، والإلمام المعرفي بها،لتدعيم علاقة الفكر الإسلامي بفكرة الجمال، وتوطيد هذه العلاقة في واقع المسلمين.

واللافت في الأمر، أنَّ ابن نبي تحدث عن هذه الرؤية في كتابه (شروط النهضة) الصادر سنة 1949م، وأعاد الحديث عنها في كتابه (مشكلة الثقافة) الصادر سنة 1959، وظل يذكَّر بها في معظم كتاباته ومحاضراته التي خصصها لفكرة الثقافة، فقد أشار إليها في محاضرة له عن الثقافة، ألقاها في مدينة طرابلس اللبنانية سنة 1959، ونشرت في كتابه (تأملات) الصادر سنة 1961م، وأشار إليها في محاضرته عن الثقافة والأزمة الثقافية، ألقاها في جامعة دمشق سنة 1972، ونشرت في كتابه (مجالس دمشق) الصادر سنة 2005م. وهكذا في محاضرات وكتابات أخرى. ومع ذلك فإنَّ هذه الرؤية على أهميتها وقيمتها وندرتها لم تلفت الانتباه كثيراً، لا في الكتابات التي تحدثت عن ابن نبي نفسه وفكره ونظرياته، ولا في الكتابات التي تحدثت عن فكرة الجمال في الفكر الإسلامي.

والغريب في الأمر، أن الذين التفتوا لهذه الفكرة هم أولئك الذين حاولوا توجيه النقد السلبي لمالك بن نبي، فقد وجد هؤلاء في فكرة التوجيه الجمالي شاهداً في نظرهم، على تأثر ابن نبي بالثقافة الأوروبية، التي تعلي من شأن الجمال وتقدسه. وهذا ما كان يفتش عنه هؤلاء الذين كانوا في خصومة فكرية مع ابن نبي، وحاولوا توجيه النقد إليه، وإبرازه متأثراً بالثقافة الأوروبية، التي عاش في بيئتها ومجتمعها، ودرس وتعلم في محيطها فترة من الزمن تقدر بربع القرن، وهي الفترة الممتدة ما بين (1930 – 1956 م).

ومن وجه هذا الرأي صحيح، ولكن من غير الوجه الذي تحدث عنه هؤلاء وسياقهم التوظيفي والنقدي، صحيح بمعنى أن ابن نبي تنبه لفكرة التوجيه الجمالي حينما كان في باريس، ولو كان في الجزائر فلربما لم يكن لينتبه إلى هذه الفكرة، بهذا النمط الذي تحدث عنه.

وأما من جهة المحتوى والمضمون، فإن حديث ابن نبي عن فكرة الجمال والتوجيه الجمالي لم يخرج عن نسق الإطار الفكري الإسلامي. ليس هذا فحسب بل إنه استعمل هذه الفكرة في نقد الغرب والثقافة الغربية، على نحو يقطع على الآخرين توجيه الاتهام إليه من جهة أنه كان متأثراً بالثقافة الأوروبية، أو بالحياة الأوروبية.

نخلص إلى أن انقطاع الفكر الإسلامي عن علم الجمال ومبحث الجماليات، أو عدم العناية والاهتمام بهذا العلم، أسهم بدرجة كبيرة في عدم الالتفات لفكرة التوجيه الجمالي عند مالك بن نبي، وفي تقدير أهمية هذه الفكرة، والكشف عن قيمتها، ومدى الحاجة إليها. ومن جهة أخرى، فإنَّ الحاجة لاستعادة الاهتمام بعلم الجمال ومبحث الجماليات في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر، يستدعي تجديد النظرة لفكرة مالك بن نبي في التوجيه الجمالي، والعناية بهذه الفكرة لتدعيم العلاقة بهذا العلم وتطويرها.

الجمال وقيم الحق والخير (المحور الوظيفي)

تقسم موضوعات الفلسفة – حسب الدراسات الفلسفية التقليدية – إلى ثلاثة مباحث أساسية، هي مبحث الوجود، ومبحث المعرفة، ومبحث القيم. ويتحدد مبحث القيم في ثلاثة موضوعات أساسية، – هي بحسب الترتيب التقليدي – الحق والخير والجمال. وهي موضوعات ثلاثة علوم هي: المنطق والأخلاق والجمال. وتسمى هذه العلوم الثلاثة بالعلوم المعيارية، لأَّنها تُعنى بما ينبغي أن يكون، في مقابل العلوم الوضعية التي تعنى بما هو كائن، فالجمال علمٌ معياري. لأَّنه يبحث في قسمه النظري العام عن ” الصفات المشتركة بين الأشياء الجميلة التي تولَّد الشعور بالجمال، فيحلَّل العِلْمُ هذا الشعور تحليلاً نفسياً، ويفسَّر طبيعة الجمال تفسيراً فلسفياً، ويحدَّد الشروط التي يتميَّز بها الجميل من القبيح، فهو إذن علمٌ قاعدي أو معياري كالمنطق والأخلاق، فكما أنَّ المنطق يحدد القوانين التي يعرف بها الصحيح من الفاسد، كذلك علم جمال يحدد القوانين التي بها يتميز الجميل من القبيح”.[9]

ويتصل بهذا المنحى ما عرف في الفلسفات الأوروبية الحديثة بالنزعة الشكلانية، التي ترى أنَّ قيمة العمل الفني تعتمد اعتماداً كاملاً على خصائصه الشكلية؛ أي شكله الجمالي.[10] وفي زعم هذه النظرية، أنَّ التركيز على الخصائص الشكلية هو الذي يظهر جمالية الشيء، ومن دون هذا التركيز تنقص جمالية الشيء أو تتلاشى، وعلى هذا الأساس فإنّ الجمال يمثل قيمة حسية.

مع ذلك فإن هذه الآراء والنظريات لم تسلم من النقد والنقاش، حتى في الفلسفات الأوروبية نفسها، التي تتعدد وتتنوع في مذاهبها واتجاهاتها الفكرية والأخلاقية. وبسبب هذه الآراء والمواقف هناك حاجة لتأكيد العلاقة بين القيم الثلاث (الحق والخير والجمال)، للضرورات والمعطيات الآتية:

  • نقد مقولة ” الجمال للجمال” التي تشترك في النسق نفسه لمقولة “الفنّ للفن”، وحسب هذه المقولة، فإنَّ الجمال لايظهر في أعلى درجاته إلا إذا اعتبرنا أنَّ الجمال للجمال، التي تعني من وجه آخر أن تذوق الجمال لا يأتي إلا عبر ذوق جمالي لا يخالطه شيء من خارجه، فتحصيل الجمال لا يتحقق إلا عبر الجمال نفسه، وليس عن طريق شيء آخر.

ولا يمكن الدفاع عن هذه المقولة، والتسليم بها، ومن السهولة نقدها والاعتراض عليها، لأن اعتبار الجمال للجمال يعني تفريغ الجمال من المحتوي الإنساني والأخلاقي وإفقاره، وتحويله إلى قيمة حسية غرائزية، لا فاعلية لها ولا تأثير في تهذيب مشاعر وأذواق الإنسان والمجتمع والأمة والعالم.

  • إن ربط الجمال بالحق والخير هو لتحويل الجمال إلى قيمة إنسانية تكون لها طبيعة مؤثرة في الناس كافة، مهما تنوعت وتعددت ثقافاتهم ومجتمعاتهم، ودياناتهم ومذاهبهم، ولغاتهم وألسنتهم، وأعراقهم وقومياتهم، وفي أي حال كانوا من الناحية المدنية والاقتصادية. ومن دون هذا الربط يفقد الجمال أبعاده الإنسانية في القيمة والتأثير والاعتبار، ويتحول إلى مادة قد يختلف عليها الناس في المجتمع الواحد، والمجتمعات المتعددة، فمنهم من يعطيها صفة القيمة المعتبرة، ومنهم من يسلبها هذه الصفة.
  • إنَّ الجمال ليس مجرد نزعة ينفصل فيها الشكل عن المضمون، وتتجلى في الشكل بعيداً عن المضمون، أو في المضمون بعيداً عن الشكل. وطالما أثارت هذه القضية جدلاً ونقاشاً تعددت فيها وتباينت المواقف واتجاهات النظر في الدراسات الجمالية والفنية والنقدية، بين من يربط الجمال بالشكل ويتبنى النزعة الشكلانية، ومن يربط الجمال بالمضمون ويتبنى النزعة الجمالية من جهة المحتوى والمضمون، ومن يوازن في الربط بين الشكل والمحتوى.

وتدرك هذه الاتجاهات في وعيها طبيعةَ العلاقة بين الشكل والمضمون، لكن حسب طريقتها في الفهم. فالاتجاه الذي يربط الجمال بالشكل يرى أنَّ جمالية الشكل سوف تولّد  مضمونا جميلاً، والاتجاه الذي يربط الجمال بالمحتوى يرى أنَّ جمالية المحتوى سوف  تولّد شكلاً جميلاً، أو تضفي على الشكل مضموناً جميلاً. ومع ذلك فإن ربط الجمال بالحق والخير، هو الذي بإمكانه أن يوازن بين جمالية الشكل وجمالية المحتوى.

  • إنَّ علاقة الجمال بالحق والخير هو لتقسيم الجمال إلى قسمين، الجمال النظري الناشئ من علاقة الجمال بالحق، والجمال العملي الناشئ من علاقة الجمال بالخير. والجمال النظري يتخذ من الحق غاية وسبيلاً، والجمال العملي يتخذ من الخير غاية وسبيلاً. لهذه الضرورات والمعطيات ينبغي أن نتمسك بهذه العلاقة بين الجمال والحق والخير، ونحافظ عليها، ونجدد في مضمونها، ونعطيها قوة الفاعلية والتأثير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب وباحث من المملكة العربية السعودية، متخصص في الإسلاميات المعاصرة، رئيس تحرير مجلة الكلمة، مجلة فصلية فكرية،

   الموقع الإلكتروني: WWW.almilad.org البريد الإلكتروني: almilad@almilad.org

** فتحي حسن ملكاوي (2013). الفن في الفكر الإسلامي/ تحرير فتحي حسن ملكاوي. ط. 1. فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي. 760 ص.

[1] خير، مصطى عبده محمد. الحرية والتجربة الجمالية، الخرطوم: مركز التنوير المعرفي، 2009، ص 36.

[2] المرجع السابق، ص 197.

[3] ابن نبي، مالك. شروط النهضة، ترجمة: عمر مسقاوي وعبدالصبور شاهين، دمشق: دار الفكر، 2000م، ص 97.

[4] المرجع السابق، ص 98.

[5] المرجع السابق، ص 100.

[6] ابن بني، مالك. تأملات، دمشق: دار الفكر، 2002م، ص 150.

[7] ابن بني، شروط النهضة، مرجع سابق، ص 109.

[8] المرجع السابق، ص 110.

[9] صليبا، جميل. المعجم الفلسفي، بيروت: الشركة العالمية للكتاب، 1994م، ج1، ص 409.

[10] إيرل، وليم جميس. مدخل الفلسفة، ترجمة: عادل مصطفي، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005م، ج1، ص347.

شاهد أيضاً

مجتمع الاستهلاك

ونحن نودع العالم الجليل جلال أمين* نورد صفحات من أحد مؤلفاته القيمة “محنة الدنيا والدين …

التجديد والجمود على الموجود … تياران في الفكر الإسلامي

الصفحات التالية من بحث للدكتور أحمد كمال أبوالمجد* مقدم لمؤتمر التجديد في الفكر الإسلامي**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.