الرئيسية / الدراسات والأبحاث / عروض ونقد كتب / الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان

الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان

العنوان: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان.

المؤلف: عبد الوهاب المسيري.

الطبعة: ط. 1.

مكان النشر: دمشق.

الناشر: دار الفكر

تاريخ النشر: 2002

الوصف المادي: 240 ص.، 24 سم.

الترقيم الدولي الموحد: 4-006-59239-1.

 

يسعى الكاتب من خلال دراسته الرصينة إلى فتح باب الاجتهاد في الفلسفة المادية لما تشكله من بنية فكرية تحتية للعديد من الفلسفات الحديثة وهيمنتها على بعض النخب الفكرية والثقافية بجانب دورها في تشكيل رؤيتنا للتاريخ والعلاقات الدولية، واعتمد الكاتب في هذه الدراسة على النموذج المعرفي كأداة تحليلية من أجل تقديم نظرية نقدية للفلسفة المادية وتحليل نموذجها المعرفي المادي ودراسة تجلياته النظرية والتاريخية المختلفة، مما يجعل الدراسة تأخذ شكل تحليلي من أجل توضيح الوحدة الكامنة خلف تنوع الدراسات المختلفة.

وفي سبيل تحقيق الأهداف المرجوة تناول الكاتب هذا الموضوع من خلال مقدمة وثمانية فصول.

الفصل الاول: الإنسان والمادة:

يتناول فيه الكاتب الظاهرة الإنسانية وسماتها الأساسية ويقوم بتعريف الفلسفة المادية وسر جاذبيتها ومواطن قصورها.

  • الطبيعة البشرية:

هنا يطرح الكاتب عدة تساؤلات ويسعى للإجابة عليها، هل الإنسان كائن مادي وحسب؟ هل هو جزء لا يتجزأ من هذا العالم المادي الطبيعي خاضع لقوانينه لا يختلف في سماته الأساسية عن الكائنات الأخرى؟

فالطبيعة البشرية تتسم بأن لها احتياجات طبيعية مادية تتعلق بتركيبهم العضوي بغض النظر عن الحضارة التي ينتمون إليها، ويتضح من هنا أن الإنسان مجرد كائن مادي يشارك بقية الكائنات في بعض الصفات ويخضع للقوانين الطبيعية وضرورات الحياة العضوية التي تسري عليه وعلى بقية الكائنات، فالفلسفة المادية تركز على هذا الجانب من الوجود الإنساني.

ولكن يشير الكاتب إلى جانب آخر للطبيعة البشرية مقصور على الإنسان ومرتبط بإنسانيته:

  • فالإنسان يعبر عن نفسه من خلال مظاهر عديدة مثل الاجتماع الإنساني والحس الخلقي والديني.
  • لا يكتفي الإنسان بما هو معطى ولا يرضى بسطح الأشياء، فهو دائم النظر والتدبر يغوص وراء الظواهر.
  • كائن قادر على تطوير منظومات أخلاقية غير نابعة من البرنامج الطبيعي (المادي) الذي يحكم جسده واحتياجاته المادية وغرائزه، فهو قادر على الالتزام بها وخرقها.
  • الإنسان الكائن الوحيد الذي يتميز كل فرد فيه بخصوصيات، فالأفراد ليسوا متطابقين.

   لذا فالظاهرة الإنسانية ظاهرة متعددة الأبعاد ومركبة غاية التركيب فلا يمكن اختزاله في بعد من أبعاده أو في وظيفة من وظائفه البيولوجية، لذا فهو جزء يتجزأ من الطبيعة يعيش فيها وينفصل عنها ويشاركها بعض السمات، ولكنه لا يرد في كليته إليها فهو قادر دائماً على تجاوزها، فهو مركز الكون وسيد المخلوقات لهذا لا يمكن رصده من خلال النماذج المستمدة من العلوم الطبيعية.

وعلى الرغم من أن كل إنسان فرد فريد إلا أن الكاتب طرح مفهوم الإنسانية المشتركة مقابل الإنسانية الواحدة، فلا يمكن إدراك الإنسان في كل تركيبيته إلا من خلال نموذج توليدي، فيدعي أصحاب النماذج المادية بأن هناك إنسانية واحدة ترصد كما ترصد الظواهر الأخرى وهو أمر يتنافى مع العقل والتجربة الإنسانية وإحساسنا بتنوعنا الإنساني، أما النموذج التوليدي فهو ينطلق من الإيمان بإنسانية مشتركة (طبيعة بشرية) تأخذ شكل طاقة إنسانية لا يمكن ردها إلى قوانين مادية، فهذه الطاقة لا يمكنها أن تتحقق في فرد بعينه أو شعب بعينه أو جنس بعينه وإنما يتحقق البعض منها تحت ظروف وملابسات معينة ومن خلال جهد إنساني معين، لذا فإن ما يتحقق لن يكون أشكالاً حضارية عامة وإنما أشكالاً حضارية متنوعة بتنوع الظروف والجهد الإنساني، لأن تحقق جزء يعني عدم تحقق الأجزاء الأخرى التي تحققت من خلال شعوب أخرى وتحت ظروف وملابسات مختلفة ومن خلال درجات من الجهد الإنساني الذي يزيد وينقص من شعب لآخر ومن جماعة لأخرى، فهذه الأشكال الحضارية تفصل الإنسان عن الطبيعة/المادة، وتؤكد إنسانيتنا المشتركة دون أن تلغي الخصوصيات الحضارية المختلفة.

  • الفلسفة المادية:

يعتبر مفهوم الطبيعة مفهوم أساسي في الفلسفة المادية وهو تعبير يحل محل المادة، فالفلسفة المادية لا تقبل سوى المادة كشرط وحيد للحياة، لذا فهي ترفض الإله كشرط من شروط الحياة، وترفض الإنسان نفسه إن كان متجاوزاً للنظام المادي، فالفلسفة المادية ترد كل شيء في العالم إلى مبدأ مادي واحد، فوفقاً للفلسفة المادية تسبق المادة الإنسان والعقل والأخلاق والتاريخ، فالعقل ليس ضرورياً من أجل استمرار حركة المادة في العالم، فلمعرفة هذا العالم لا يحتاج الإنسان إلى استعارة وسائل من خارج عالم الطبيعة/المادة. وبالنسبة للأخلاق فترى الفلسفة المادية أن الحاجة الطبيعية هي التي تتحكم في الأخلاق الإنسانية، أما التاريخ فترى الفلسفة المادية أن كل تطور يتوقف على الظروف المادية والاقتصادية.

وهنا يشير الكاتب إلى أن أي نموذج فكري مهما بلغ من مثالية لابد وأن يتبنى نموذجاً تفسيرياً مادياً حين يتعامل مع بعض الظواهر، وقد حققت المادية نجاحاتها في العصر الحديث لأن النموذج المادي لديه مقدرة تفسيرية هائلة إن نظرنا إلى الجانب المادي في حياة الإنسان، ولكننا لو نظرنا إلى الجوانب غير المادية (الأخلاقية والجمالية والروحية) فإن قدرته التفسيرية تكاد تنعدم، ويرجع الكاتب جاذبية الفلسفة المادية للسببين التاليين:

  • المستوى المعرفي (الإبستمولوجي): حيث أن التفسير المادي للظواهر سهل فيمكن الحصول على المعلومات عن العالم المادي وقياسها والترابط المادي بين الظواهر يمكن رصده، أما العناصر غير المادية مثل الظواهر التي لا يمكن رصدها مثل العواطف فيتطلب اكتشافها إعمال العقل والتجريد وهو أمر صعب على الكثير من البشر.
  • المستوى النفسي (السيكولوجي): تحول الفلسفة المادية الإنسان إلى جزء من كل فلا هوية له أو حدود أو إرادة مستقلة عن الكل المادي الذي ترد إليه، مما يعني إنكار الهوية المستقلة والمسؤولية الخلقية والاختيار الحر.

ولكن على الرغم من جاذبيتها إلا أن الكاتب رصد المشكلات التي تواجه الفلسفة المادية:

  • تدعي الفلسفة المادية أنها ليست أيديولوجية وإنما علم طبيعي، وهذا يفترض أن الفلسفة المادية قد حصرت كل المتغيرات المادية والموضوعية ورصدتها في علاقاتها المتشعبة وأثبتت صحة مقولاتها وأقرت بغلبة عنصر ما على العناصر الأخرى وإعطاءه أسبقية سببية وهذا أمر مستحيل علمياً.
  • العلم التجريبي محدود لا يستطيع أن يتعامل مع كل أنواع الخبرات وتجاربها والطريقة التجريبية تقريبية وتنطبق نتائجها في المتوسط على المجموعات الكبيرة وليس على كل مفردة.
  • ظهر الفكر المادي في أحضان الرؤية النيوتنية للكون فلا يمكن الحديث عن تأملات خارج معامل البحث والتجريب، وظلت هذه الرؤية مسيطرة حتى أسقطها العلم الحديث، فقد وجد الإنسان أنه كلما اكتشف وسيطر على شيء ما ظهرت له آلاف الأشياء الجديدة التي لا يعرفها ولا يمكن السيطرة عليها.
  • ادعت الفلسفة المادية في البداية أن المادي هو ما تدركه الحواس وأن ما لا تدركه غير مادي، وبالتالي فهو غير موجود، ولكن الذرات لا تدرك بالحواس وبعضها لا كتلة له ومن ثم أعيد تعريف المادي بأنه كل شيء يوجد وجوداً موضوعياً أي إنه لا يعتمد في وجوده على عقلنا أو وعينا به، لذا فالفلسفة المادية لا يمكن لها أن تستبعد العناصر غير المادية وهو ما يعود بنا لنقطة البداية.
  • مسألة أزلية المادة أصبحت مسألة مشكوكاً فيها علمياً فالمادة تتحول إلى طاقة والطاقة تتحول إلى مادة، والقابلية للتحول يعني أن بقاءها في هيئتها يعتمد على الظروف الخارجية، فعندما تزول تلك الظروف تزول تلك الهيئة فهي ليست معتمدة في وجودها على نفسها ومن ثم تستحيل أن تكون أزلية، فكل ما يتحلل ويتحول ليس بأزلي غير حادث بل بالضرورة حادث.
  • الادعاء بأن خلق العالم قد جاء عن طريق الصدفة هو مجرد افتراض وتخمين وليس حقيقة علمية، فمن يعتقد أن المادة من خلال الصدفة أدت إلى ظهور عناصر متجاوزة للمادة مثل الإنسان والوعي والعقل فهو بذلك ينسب للمادة قدرات غير مادية وخرج من مقاصد الفلسفة المادية.
  • ظاهرة الإنسان بكل ما فيها من أسرار وتركيبة تعتبر التحدي الأكبر للفلسفة المادية، فالعلم الطبيعي أخفق في إدخالها في قفص السببية المطلقة.

ويطرح الكاتب في نهاية هذا الجزء ــــــ مقابل الإنسان الطبيعي ــــــ مفهوم الإنسان الإنسان، وهو إنسان داخله عناصر ربانية متجاوزة لقوانين الحركة التي تسري على الإنسان والحيوان ومتجاوزة للنظام الطبيعي/المادي، هذه العناصر هي التي تشكل جوهر الإنسان والسمة الأساسية الإنسانية وغيره عن بقية الكائنات بوصفه إنساناً.

الفصل الثاني: إشكالية الطبيعي والإنساني:

يحاول من خلاله الكاتب توضيح الفرق بين الظاهرة الطبيعية والإنسانية، مشيراً إلى أنه على الرغم من ما أحرزه النموذج التفسيري المادي من شيوع غير مسبوق إلا أنه فشل في تفسير ظاهرة الإنسان، وما تشكله هذه الفلسفة من هجوم علي الطبيعة البشرية.

  • الفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية:

يوجز الكاتب الاختلافات بين الظاهرة الطبيعية والإنسانية فى عدد من النقاط الأساسية:

  • الظاهرة الطبيعية مكونة من عدد محدود من العناصر البسيطة التي يمكن تفتيتها لأجزاء وتوجد داخل شبكة من العلاقات الواضحة البسيطة يمكن رصدها، ولكن الظاهرة الإنسانية مكونة من عدد غير محدود من العناصر المركبة ومن الصعب تفتيتها وعندما يتم فصل الجزء عن الكل يتغير الكل تماماً ويفقد معناه، وتوجد الظاهرة الإنسانية داخل شبكة من العلاقات المتداخلة المتشابكة بعضها غير ظاهر ولا يمكن ملاحظته.
  • تنشأ الظاهرة الطبيعية عن علة يمكن تحديدها وحصرها وبالتالي يسهل تحديد أثر كل علة تحديداً رياضياً، بينما الظاهرة الإنسانية يصعب حصر أسبابها لأنها متداخلة ومتشابكة.
  • الظاهرة الطبيعية متكررة على غرار واحد، فالتجربة تتم على عينة ليعم الحكم على أفرادها، بينما الظاهرة الإنسانية لا يمكن أن تكون متكررة لأن كل إنسان حالة متفردة لذا فالتعميمات تظل قاصرة.
  • الظاهرة الطبيعية ليس لها إرادة حرة ولا ذاكرة ولا أنساق رمزية تسقطها على الواقع فهي خاضعة لقوانين موضوعية تحركها، بينما الظاهرة الإنسانية على خلاف ذلك، فالإنسان له إرادة حرة ووعي وذاكرة تجعله يسقط تجارب الماضي على الحاضر والمستقبل، وضمير يجعله يتصرف في بعض الأحيان بشكل غير منطقي.
  • تتميز الظاهرة الطبيعية بالارتباط العضوي الشامل ما بين ظاهرها وباطنها حيث يحكمها قوانين دقيقة لذا تنجح الملاحظة الحسية والعقلية في استيعابها، على عكس الظاهرة الإنسانية ظاهرها غير باطنها فلا يمكن الملاحظة المباشرة لعواطف وأحلام الإنسان.
  • لا يوجد للظاهرة الطبيعية مكون شخصي أو تراثي بينما يعتبر مكون أساسي في الظاهرة الإنسانية.
  • معدل التحول منعدم فى الظاهرة الطبيعية بينما معدل التغير سريع جداً فى الظاهرة الإنسانية.
  • يمكن الوصول لقوانين عامة في الظاهرة الطبيعية وإثباتها بالرجوع للواقع بينما هذا لا يمكن تحقيقه في الظاهرة الإنسانية.
  • لا تتأثر الظاهرة الطبيعية بالتجارب التي تجرى عليها سلباً أو إيجابياً، على عكس الظواهر الإنسانية التي تتأثر بالتجارب التي تجرى عليها، فالأفراد موضوع البحث يغيرون من سلوكهم عندما يكونوا تحت الملاحظة.
  • الباحث الذي يدرس الظاهرة الطبيعية يمكن له أن يتجرد من أهوائه ومصالحه لذا يكون الباحث موضوعي، أما الظاهرة الإنسانية لا يمكن أن يتجرد الباحث من عواطفه وتحيزاته ليصل للموضوعية.
  • يمكن إجراء التجارب المباشرة على الظاهرة الطبيعية وقياسها بشكل كمي والتوصل لقوانين عامة دقيقة، أما الظاهرة الإنسانية لا يمكن أن تخضع لتجارب مباشرة منضبطة ولا يمكن التوصل لقوانين عامة.

ولكن هناك عدد كبير من الكتاب الغربيين يحاولون القضاء على التمييز بين الإنسان والطبيعة وإلغاء الحيز الإنساني ويدافعون عن وحدة العلوم.

  • فشل النموذج المادي في تفسير ظاهرة الإنسان:

على الرغم مما تتمتع به العقلانية من قدرة عالية على رصد حركة الأشياء ودراستها إلا أنها فشلت في تفسير ظاهرة الإنسان نظراً لكونها ظاهرة مركبة، فعقل الإنسان له مقدرات تتحدى النموذج التفسيري المادي، ولا يمكن اعتبار الفكر صورة من صور المادة، ولا يمكن تفسير حس الإنسان وتساؤلاته عن الأسئلة النهائية الكبرى على أساس مادي، وصعوبة تفسير إصرار الإنسان على أن يجد مركزاً له في الكون، فالفلسفة المادية ترسم صورة واحدية للإنسان.

فرصد الإنسان في إطار المرجعية المادية يعني استبعاد مفهوم الإنسانية المشتركة والجوهر الإنساني لأنها متجاوزة لعالم المادة، فيتم رصد الفروق المادية بين الشعوب والأفراد وهذه (عنصرية عدم المساواة) والتركيز على الصفات المادية المشتركة بين كل البشر وهذه (عنصرية التسوية).

  • الهجوم على الطبيعة البشرية:

تستبعد الفلسفة المادية حينما تتعامل مع الإنسان كافة خصائصه غير الطبيعية وهو ما يمثل هجوم على الطبيعة البشرية في حد ذاته، وهنا يذكر الكاتب العديد من الأمثلة المعاصرة على ذلك:

  • وحدة العلوم: ينادي دعاة وحدة العلوم بإدخال كل شيء (الإنسان والطبيعة) في شبكة السببية المطلقة ودراسته من خلال النماذج الرياضية، فيتم إخضاع كل شيء للتجريب، ويتم استبعاد كافة المعايير غير المادية مثل السمات البشرية والقيم الأخلاقية، فيختفي الإنسان ويتساوى بالحيوان وتختفي العلوم الإنسانية وتصبح كل العلوم طبيعية.
  • نظرية الحقوق الجديدة: ترفض الحركات التحررية الجديدة مفهوم الإنسان الذي يشغل مركز الكون وتعتبره جزء لا يتجزأ من النظام الطبيعي، فأصبحت هذه الحركات تدافع عن كل ما يطرأ وما لا يطرأ على البال، فهي على سبيل المثال تدافع عن الشذوذ الجنسي ليس كدعوة للتسامح بل من أجل الهجوم على المعيارية البشرية، فحديثهم منصب على الحقوق التي تتجاوز حقوق المجتمع ومنظوماته الأخلاقية.
  • حركة التمركز حول الأنثى (Feminism): وهنا فرَق الكاتب بين حركات تحرير المرأة التي تنظر للمرأة باعتبارها جزء من المجتمع فتحاول الدفاع عن حقوقها داخل المجتمع، وحركة التمركز حول الأنثى التي لا تهدف إلى تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة ولكن إلى تفكيك المرأة في إطار المرجعية المادية، وينتج عن ذلك أن تصبح المرأة عدو الرجل وفي حالة صراع كوني معه ويستحيل التواصل بينهم، أو أن يتم تسوية المرأة بالرجل في كافة الوجوه فلا يختلف دورها عن دوره، ففي إطار ذلك إما تصبح أكثر من مرأة (عدو الرجل) أو أقل من مرأة (متطابقة مع الرجل) وفي الحالتين تسقط المرأة وبسقوطها تسقط الأسرة والمجتمع ويتراجع الجوهر الإنساني.
  • مشكلة القيمة في المجتمعات العلمانية الحديثة: تعاني المجتمعات العلمانية من مشكلة أساسية تتمثل في التناقض الحادث بين استنادهم إلى عقد إجتماعي نابع من الإيمان بحقوق الإنسان والمساواة بين كافة البشر من ناحية، والمرجعية المادية الكامنة التي تعني استبعاد أي قيم متجاوزة مطلقة من ناحية أخرى، فإن كان هناك إيمان بقيم مطلقة مثل حقوق الإنسان فمن الذي يقرر هذه القيم؟ في إطار المرجعية المادية الكامنة تكون الأغلبية العددية، فماذا يحدث لو قررت الأغلبية إبادة المرضى الذين لا يرجى شفاؤهم؟ ويكون الأمر أكثر خطورة على صعيد العلاقات الدولية لو قررت دولة مثلاً غزو دول وشعوب أخرى فما الأساس الأخلاقي لمحاولة وقفها عن عدائها؟
  • الثقافة الشعبية والهجوم على الطبيعة البشرية: هناك حالة هجوم واضح على الإنسان كثيراً ما تظهر في حياتنا اليومية، ففي الثقافة الشعبية التي تصدرها هوليود هناك شخصيات لا علاقة لها بالطبيعة البشرية، فهناك شخصيات فوق الإنسان (طرزان ورامبو) وهناك شخصيات دون الإنسان (مادونا)، فانتشار الإباحية في العالم الغربي ليس مجرد مشكلة أخلاقية بل هو نوع من الهجوم على الطبيعة البشرية وقداسة الإنسان نابع من نظرتهم للإنسان باعتباره كائن مادي يمكن أن يتجرد من ملابسه.

 

الفصل الثالث: العقل والمادة:

 يحاول الكتاب من خلال هذا الفصل حصر أهم سمات العقل المادي وتوضيح الفرق بين العقل النقدي والعقل الأداتي.

  • العقل المادي:

حاول الكاتب في هذا الجزء أن يعرض بشكل دقيق وواضح حالة التأرجح بين النظريات المختلفة والعديد من الفلاسفة في تعريفهم للعقل، فهناك من يصنف العقل على أنه ينتمي لعالم الطبيعة/المادة والتجربة وجزء لا يتجزأ منها (العقل المادي)، وهناك من يرى أنه يعلو عليها مستقلاً عنها (العقل المثالي أو غير المادي)، والمحاولات المستمرة للمدرسة الألمانية المثالية في أن تحل مشكلة التأرجح بافتراض تقابل وتماثل بين العقل والطبيعة، فالعقل الكلي يتجلى في كل من عقل الإنسان والطبيعة/المادة فيوحد بينهما أي إن المثالية الألمانية تسقط في نهاية الأمر في الواحدية المادية التي ترد كل شيء إلى قوانين المادة.

وأشار الكاتب إلى استخدام الخطاب الفلسفي العربي المعاصر لكلمة العقل بشكل بسيط دون إيضاح، ولكن السياق يدل على أن المقصود هو العقل المادي، مما يدل على إغفال متعمد للقضايا التي أثارتها الفلسفة الغربية ومحاولات الفلاسفة الغربيين التغلب على التأرجح، فهذا يدل على أن الخطاب الفلسفي العربي آثر أن يبدأ من حيث بدأ الغرب رغم إدراك المفكريين الغربيين قصور العقل المادي فيما بعد.

ويذهب الكاتب في النهاية إلى أن العقل الإنساني مثله مثل الظواهر الإنسانية مادي في بعض جوانبه ولكن في جوانب أخرى متجاوز للمادة، أي إنه ليس عقلاً مادياً واحدياً وإنما عقل إنساني مركب يعيش في ثنائية الجسد والروح ولا يمكن رده إلى أي شيء خارجه في عالم المادة.

  • العقل الأداتي والعقل النقدي:

مصطلح العقل ليس مصطلحاً بسيطاً، وقد ساهم مفكروا مدرسة فرانكفورت في التمييز بين العقل الأداتي والعقل النقدي:

  • العقل الأداتي: على المستوى الشكلي هو العقل الذي يوظف الوسائل في خدمة الغايات دون تساؤل عن مضمون هذه الغايات وهل هي إنسانية أم معادية للإنسان؟، وعلى المستوى الفعلي هو العقل الذي يحدد غاياته وأولوياته انطلاقاً من نموذج علمي مادي بهدف السيطرة على الطبيعة والإنسان.

ويهيمن العقل الأداتي على المجتمعات الغربية الحديثة نتيجة لآليات التبادل في المجتمع الرأسمالي، وكذلك الأمر في المجتمعات الاشتراكية فهي أيضاً يسيطر عليها العقل الأداتي متمثلاً في التكنوقراطيات الحاكمة، ويتسم العقل الأداتي بعدد من السمات:

  • ينظر إلى الواقع من منظور التماثل فيبحث عن السمات المتماثلة بين الأشياء.
  • قادر على إدراك الأجزاء، فهو يفتت الواقع لأجزاء دون إعادة تركيب إلا من خلال النماذج الاختزالية.
  • ينظر للإنسان من منظور العلوم الطبيعية باعتباره مجرد جزء يشبه الأجزاء الطبيعية/المادية وشيئاً ثابتاً وكماً واضحاً.
  • ينظر للإنسان والطبيعة باعتبارهما مادة استعمالية يمكن توظيفها لخدمة أي هدف.
  • يخضع الإنسان والطبيعة للقوانين الشكلية والنماذج الرياضية حتى يتحكم في الواقع.

وينتج عن كل هذا عجز العقل الأداتي عن إدراك الكليات والغائيات النهائية، ويصبح غير قادر على تجاوز الحاضر للوصول إلى الماضي واستشراف المستقبل، ويسقط في النسبية المعرفية والأخلاقية والجمالية فتصبح كل الأمور متساوية وتظهر حالة من اللامعيارية، ويصبح قادر على قبول الأمر الواقع والتكيف معه مما يكبح أية نزعات إبداعية.

  • العقل النقدي: حيث يتم إخضاع العقل للنقد، ويتسم بما يلي:
  • لا ينظر للإنسان باعتباره جزءاً من كل وإنما باعتباره كياناً مستقلاً مبدعاً لكل ما حوله.
  • لا يدرك العالم باعتباره معطى قائماً وإنما باعتباره وضعاً قائماً وإمكانية كامنة.
  • لا يقنع العقل النقدي بإدراك الجزئيات فهو قادر على إدراك الحقيقة الكلية.
  • العقل النقدي قادر على التعرف على الإنسان ودوافعه وإمكانياته والغرض من وجوده.
  • قادر على تجاوز الذات الضيقة والتفاصيل المباشرة والأمر الواقع فهو لا يتقبل ما هو قائم.
  • الحقيقة الكلية التي يدركها العقل النقدي ليست أمور مجردة متجاوزة للإنسان وإنما كامنة في ذاته.

الفصل الرابع: المادية في التاريخ:

بعد أن تناول الكاتب بعض معالم الفلسفة المادية وفشلها في تفسير ظاهرة الإنسان باعتباره ظاهرة مركبة، يحاول الكاتب في هذا الفصل توضيح بعض التجليات التاريخية للفلسفة المادية، فيبين أن العلمانية الشاملة والإمبريالية والداروينية هي كلها تجليات متنوعة للفلسفة المادية.

  • الداروينية الاجتماعية:

هي فلسفة علمانية شاملة، واحدية عقلانية مادية، تستبعد الخالق من المنظومة المعرفية والأخلاقية، وترد العالم بأسره إلى مبدأ مادي واحد كامن في المادة، والآلية الكبرى للحركة هي الصراع والتقدم اللانهائي، وقد حققت الداروينية ذيوعاً في الفترة التي اتسع فيها التشكيل الإمبريالي ليقتسم العالم بأسره، وتعتبر الداروينية هي النموذج المعرفي الكامن وراء معظم الفلسفات العلمانية الشاملة.

يرى دعاة الداروينية أن القوانين التي تسري على عالم الطبيعة هي ذاتها التي تسري على الظواهر الإنسانية والتاريخية والاجتماعية، وأن تقدم الأنواع البيولوجية الحية يعتمد على الصراع من أجل البقاء الذي ينتصر فيه الأصلح.

وقد قام دعاة الداروينية الاجتماعية بنقل فرضياتهم من عالم الطبيعة إلى عالم الإنسان فقرروا أن العلاقة بين الكائنات الحية في الطبيعة لا تختلف عن العلاقات بين الأفراد داخل المجتمعات الإنسانية ولا عن العلاقات بين المجتمعات والدول، ونظراً لذلك تم استخدام النموذج الدارويني لا لتفسير الطبيعة-المادة فقط وإنما لتفسير حياة الإنسان الفرد في المجتمعات وفي تفسير العلاقات بين الدول والمجتمعات، فتم توظيف الداروينية الاجتماعية في تبرير التفاوت بين الطبقات داخل المجتمع الواحد، وفي الدفاع عن حق الدولة العلمانية المطلقة، وفي تبرير المشروع الإمبريالي الغربي على صعيد العالم بأسره، فالفقراء والضعفاء في المجتمعات الغربية وشعوب آسيا وإفريقيا هم الذين أثبتوا أن قدرتهم على البقاء ليست مرتفعة لذا فهم يستحقون الفناء أو على الأقل الخضوع للأثرياء ولشعوب أوروبا الأقوى والأصلح.

وترى النظرية الداروينية أن التطور مهما بلغ بالكائنات من ارتفاع ورقي إلا أن ليس هناك ثمة تجاوز، إذ أن كل شيء وضمن ذلك الإنسان أصله مادي ويرد إلى المادة، وينطبق الشيء نفسه على نظرية الأخلاق، فالبقاء هو القيمة الوحيدة والصراع هو الآلية والأنانية وحب الذات هو مصدر الحركة، لذا فالعالم هو ساحة قتال بين البشر والأمم من أجل البقاء. واتضحت المنظومة الداروينية بشكل واضح في الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي تؤكد على ضرورة التنافس والصراع والإصرار على حرية السوق وآلياته وعدم تدخل الدولة حتى يهلك الضعفاء ولا يبقى سوى الأقوياء. والإمبريالية هي تدويل للداروينية حيث أصبح العالم سوقاً ومسرحاً للإنسان الأبيض المتفوق الذي أباح لنفسه القتل ضماناً لبقائه.

وقد تبنت الأيديولوجية النازية الأفكار الداروينية من خلال التأكيد على وحدة العلوم، والاستفادة من قوانين التطور من أجل إبادة أعضاء الأجناس الأخرى، ومحاولات تحسين النسل من خلال عقد زيجات تؤدي إلى إنجاب أطفال آريين أصحاء. وكذلك الفكر الصهيوني يعتبر ترجمة للرؤية الداروينية، فالصهاينة قاموا بغزو فلسطين باسم حقوقهم اليهودية المطلقة التي تقضي على حقوق الآخرين، وجاؤوا إلى فلسطين ممثلين للحضارة الأوروبية ويحملون عبء الرجل الأبيض، ونظراً لقوتهم العسكرية فهم يملكون قدرة أكبر على البقاء فقاموا بقتل الفلسطينين والاستيلاءعلى أراضيهم، وهي أمور مشروعة تماماً من منظور دارويني علماني.

  • الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية الشاملة:

الفلسفة الداروينية تشكل اللبنة الأساسية في الرؤية الغربية الحديثة للعالم والرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، ولتوضيح أبعاد هذه الرؤية فلنبدأ بتعريف العلمانية الشاملة، فالعلمانية الشاملة هي رؤية شاملة للعالم ترى أن مركز الكون كامن فيه وأن العالم بأسره مكون أساساً من مادة واحدة ليست لها قداسة ولا تحوي أية أسرار وفي حالة حركة دائمة لا تكترث بالخصوصيات أو التفرد، هذه المادة تشكل كلاً من الإنسان والطبيعة فهي رؤية واحدية كونية مادية.

فالعلمانية الشاملة بهذا المعنى ليست فصل الدين عن الدولة (الحياة العامة) وإنما هي فصل لكل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية المتجاوزة لقوانين الحركة والحواس في العالم (عن الإنسان والطبيعة)، والهدف من وجود الإنسان على الأرض هو زيادة معرفة قوانين الحركة والطبيعة البشرية والهيمنة عليها من خلال التقدم المستمر الذي لا ينتهي، ومن خلال تراكم المعرفة  يخضع كل شيء -الإنسان والطبيعة- لحكم العقل وقانون الأرقام ليتحول الواقع بأسره -طبيعة وبشراً- إلى جزء متكامل عضوي تنتظمه شبكة المصالح الاقتصادية والعلاقات المادية، فيصبح الواقع أشبه بالسوق والمصنع، كل شيء فيه محسوب بعد استبعاد الاعتبارات غير المادية (الغيبيات)، وبعد تهميش الإله أصبح الإنسان هو مركز الكون ويختزل الإنسان في إطار المرجعية الكامنة في الطبيعة/المادة ويصبح إنساناً طبيعياً مادياً يسري عليه ما يسري على الظواهر المادية من قوانين وحتميات، وهذا يعني أن الإنسان يفقد إنسانيته وتنتزع عنه القداسه تماماً، فالإنسان الطبيعي لا حدود ولا قيود عليه، متمركز حول منفعته ولذته ولا يلتزم بأية قيم معرفية أو أخلاقية فهو يتبع القانون الطبيعي.

ولكل هذا بدلاً من مركزية الإنسان في الكون تظهر مركزية الإنسان الأبيض في الكون، وبدلاً من الدفاع عن مصالح الجنس البشري بأسره يتم الدفاع عن مصالح الجنس الأبيض، وبدلاً من ثنائية الإنسان والطبيعة وأسبقية الأول على الثاني تظهر ثنائية الإنسان الأبيض في مقابل الطبيعة/المادة وبقية البشر الآخرين وتظهر أسبقيته وأفضليته عليهم، فحولت الرؤية العلمانية الإنسان الغربي إلى مستغل يلتهم الكون، وحولت الطبيعة وبقية الشعوب إلى مجرد مادة استعمالية توظف وتسخر، وقد قام الإنسان الغربي بتحقيق مستويات معيشة مادية مرتفعة ورخاء لنفسه، ويظهر ذلك في التحليل الاقتصادي الذي ينظر للعالم من منظور معدلات الاستغلال الاقتصادي.

 من ناحية أخرى نجد أن الإنسان الغربي هو أيضاً مادة استعمالية، فهو يتم استغلاله ومحاصرته بأجهزة إعلامية مدمرة للبيئة الاجتماعية وبضائع تدمر الطبيعة وصناعة سلاح ينفق عليها ملايين وتدمر العالم ومؤسسات عامة تضبط حياته وحياة أسرته فيتم التحكم فيه واستيعابه في آليات الحياة الحديثة، فالنظام الذي يكفل له حياة مادية هانئة اقتصادياً هو أيضاً الذي يتحكم فيه وفي حياته.

وقد ظهرت هذه الرؤية الإمبريالية العلمانية قبل أن تصبح الإمبرالية حقيقة تاريخية حيث نشأت لدى الإنسان الغربي الرغبة في ضبط حياته وترشيد مجتمعه والتهام العالم، فكانت جيوش أوروبا الغازية تسير في عقل الإنسان الغربي وأحلامه قبل أن تصل إفريقيا وآسيا، فتبدت الرؤية المعرفية الإمبريالية على هيئة الدولة المطلقة في الداخل الأوروبي وعلى هيئة التشكيل الاستعماري الغربي في الخارج العالمي وبرغم اختلاف المجال والآليات ظلت الأهداف النهائية واحدة ترشيد البشر وتسخيرهم وفرض الواحدية المادية على العالم وتحويله لمادة متجانسة.

هناك ترابط بين الهيمنة الداخلية والخارجية، فعمليات الهيمنة في الخارج زادت من نجاح الدولة المطلقة أمام مواطنيها، فهم مستفيدون من عملية التراكم الرأسمالي الإمبريالي، فزادت الدولة من هيمنتها عليهم مما يعني تزايد قدرة النخبة على تجنيد الجماهير للزج بهم في الحروب الاستعمارية وتمويل هذه الحروب.

الفصل الخامس: الترشيد والقفص الحديدي:

يتناول الكاتب الترشيد أو العلمنة بمعنى إعادة صياغة المجتمع والإنسان في الإطار المادي وما ينتج عن هذا من تنميط الحياة والتحكم الكامل فيها.

  • الترشيد في الإطار المادي:

تناول الكاتب تمييز ماكس فيبر بين نوعين من الترشيد:

  • الترشيد التقليدي (رشيد في علاقته بالقيم): وهي ألا يتعامل المرء مع الواقع بشكل ارتجالي وإنما يتعامل معه بشكل منهجي متكامل ومتسق مع القيم الأخلاقية التي يؤمن بها.
  • الترشيد الأداتي (رشيد في علاقته بالأهداف): وهو الترشيد المادي الحديث المتحرر من القيم وموجه نحو أي هدف يحدده الإنسان بالطريقة التي تروق له أو حسبما تمليه رغباته ومصلحته، وهذا يتعلق بالكفاءة التكنولوجية وتوفير أفضل الوسائل والتقنيات لتحقيق الأهداف بأقل تكلفة ممكنة وفي أقصر، وقت وكلما كانت الوسائل أكثر فعالية كان الفعل أكثر رشداً.

   فالترشيد التقليدي يتم في إطار ديني أخلاقي إنساني، أما الترشيد الحديث فهو متحرر من القيم الأخلاقية أو الإنسانية أو الدينية، ولكن يرى الكاتب أن هذا الإدعاء الأيديولوجي ليس له ما يسانده، فهناك منظومة أيديولوجية (معرفية وأخلاقية) كاملة تتم في إطارها أية عملية من عمليات الترشيد، وفي حالة الترشيد الذي يدعى التجرد من القيمة فإنه عادة ما يفترض الطبيعة/المادة مرجعية نهائية له. ويمكن القول أن الترشيد المادي يتم في خطوتين:

  • سحب الأشياء من عالم الإنسان ووضعها في عالم مستقل يسمى عالم الأشياء المادية (الاقتصادية والسياسية والسلع) وترشيد البنية الاجتماعية والمادية.
  • ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل يتم سحب الإنسان ذاته من عالم الإنسان ووضعه في عالم الأشياء فيسود منطق الأشياء على كل من الأشياء والإنسان، ويسري قانون مادي طبيعي واحد على الطبيعة والإنسان (ترشيد الإنسان)، وهذا هو التشيؤ الذي تشير إليه الأدبيات الغربية التي تتناول ظاهرة التحديث وهذا أيضاً شكل من أشكال العلمانية الشاملة.

ويرى الكاتب أنه يمكن القول بأن الترشيد المجرد من القيمة هو عبارة عن إعادة صياغة للمجتمع ككل من خلال تفكيكه واستبعاد كافة العناصر المركبة التي تستعصى على القياس مثل العناصر الإنسانية والربانية، وإعادة تركيبه على هدي المعايير العقلية والواحدية المادية ليتوافق الواقع الاجتماعي مع القوانين العلمية الواحدية الصارمة ويخضع للاختبارات والاجراءات الكمية، فهو بذلك يمحي الثنائيات والخصوصيات التي تتحدى القانون العام وينكر المعايير الأخلاقية الخارجة عن الظاهرة المادية.

وتتصاعد عملية الترشيد في البنية المادية والاجتماعية وفي الإنسان من الداخل والخارج حتى يصل إلى لحظة التحقق النماذجية وهي اللحظة التي يصبح فيها المجتمع نسقاً آلياً منظماً خاضعاً للحسابات الكمية ويتم استخدام كل شيء فيه بكفاءة ويتحرك داخل إطار بيروقراطي لا شخصي تتحكم فيه معايير عملية واضحة دقيقة.

ويتحرك المجتمع ككل لتحقيق أهداف يحددها من يقومون بصياغة المجتمع، ولا يتم الارتكاز إلى أي قيم أخلاقية أو إنسانية ولا حتى للطبيعة البشرية فهي لابد أن تختفي في أثناء عملية الترشيد حتى تصبح الحياة قفصاً حديدياً كاملاً، وذلك مثل ما قام به المجتمع النازي حيث أدخل كل شيء في شبكة الحسابات الرقمية وتم تقسيم البشر إلى نافعين للدولة وغير نافعين لها الذين يوضعون في معسكرات سخرة وإبادة يتم إدارتها بكفاءة عالية حسب أدق المعايير الكمية.

  • الترشيد وعلمنة البنية المادية والاجتماعية:

تتطلب عملية الترشيد وجود مركز قوي يقوم بالهيمنة على الأطراف والتحكم في كل موارد المجتمع وتوجيهها حتى يمكن تحويلها إلى مادة استعمالية وتوظيفها على أكمل وجه وذلك من أجل تحسين الأداء، وقد قدمت الدولة القومية المركزية المطلقة نفسها على أنها لديها القدرة على تنفيذ هذه العملية وامتلكت السلطات والآليات التي لم يمتلكها حاكم مطلق أبداً مما جعلها تنجح في تنفيذ مشروعها الترشيدي التحديثي.

وقامت الدولة المطلقة بتوحيد السوق القومية والقضاء على الممارسات العشوائية واالتأكيد على علاقات السوق بدلاً من العلاقات التراحمية وظهور الاقتصاد الرشيد الذي يهيمن فيه رأس المال هيمنة كاملة على المجتمع وكافة العلاقات الإنسانية وتحل الوظيفة الاقتصادية محل القلب والروح وكافة العوامل المعنوية والإنسانية.

وقد قامت هذه الدولة المركزية بتحديد حدودها بدقة بالغة وقامت بربط أرض الوطن بشبكة مواصلات هائلة حتى يربط أجزائه، ويمكن للمركز السيطرة على الأطراف وتأسيس مدن جديدة تعكس الاتجاه نحو المركز وهدم المدن العشوائية والحرفية والعائلية القديمة، وتم توحيد اللغة والقوانين وإعادة كتابة التاريخ القومي ليعبر عن الوحدة القومية، وتأسيس المتاحف القومية وإعادة صياغة المناهج الدراسية لإشاعة الروح والرؤية القومية وظهور مؤسسات لتوحيد الداخل والهيمنة عليه مثل الشرطة والمخابرات والجيش لحماية الحدود وفرض السلطة المطلقة للدولة على الخارج،

فمشروع الدولة القومية المطلقة الترشيدي التحديثي مشروع متكامل لذا كان لابد أن يصطدم بالدين لأنه لا يمكن أن يتعايش داخل المجتمع مطلقان، فهذا تحد الأحادية، فلابد وأن ينكمش أحد المطلقين ويهمش ويلغى خصوصاً أن الدين يتحدى المرجعية المادية، ومن هنا تم تهميش الدين ليصبح شأناً خاصاً وتظل الدولة المطلق الأوحد يدين المواطن لها بالولاء ويتلقى منها الأوامر لتحقيق مصلحتها العليا.

  • الترشيد وعلمنة الإنسان:

الترشيد هي عملية علمنة تعني إعادة صياغة المجتمع والإنسان على هدى القوانين العلمية المادية الصارمة بهدف التحكم في المجتمع الإنساني وتوظيف الإنسان على أكمل وجه، ولكن فرض الأحادية المادية على البيئة الاجتماعية والمادية وترشيد الأفراد وعلمنتهم ليس بالأمر السهل، حيث أن الإنسان في المجتمع التقليدي يعيش داخل شبكة من علاقات القرابة ويدين بالولاء للمطلقات الدينية والأخلاقية، ولكن الدولة العلمانية والاقتصاد العلماني يحتاج إلى إنسان أحادي على استعداد أن تذوب فرديته وإنسانيته في الآليات السياسية للدولة المطلقة وفي الحركات الاقتصادية العامة للسوق الرشيد فيتلقى الأوامر وينفذها بكفاءة عالية، أي أن المطلوب هو ترشيد الإنسان، ولكن نجد أن عملية ترشيد الإنسان بهدف التحكم فيه لا يمكن أن تتم من خلال الأوامر الحكومية فهذا أمر ينفر منه الإنسان ويرفضه بل لابد أن يتم من خلال فكر يتغلغل في وجدان الناس ليعيدوا صياغة رؤيتهم لأنفسهم وللكون حسب مواصفاته، وبذلك سوف يتبنون بشكل تلقائي النموذج دون أن يكون هناك أي قسر خارجي، ولكنهم في سلوكهم سوف يخدمون النظام ويحققوا أغراضه.

وفي إطار المحاولات لتنفيذ هذا المخطط من أجل توحيد البشر وتنميطهم اصطدمت الدولة القومية المركزية بالجماعات والمؤسسات الوسيطة مثل الأسرة والكنيسة والجماعات الإثنية والدينية واللغوية المختلفة، فهذه المؤسسات تخلق مسافة بين الدولة القومية والمادة البشرية وتقتسم ولاء الفرد الذي يجب أن يتجه للدولة المطلقة وحدها، كما أنها تمنح للفرد منظومات قيمية وأخلاقية وخصوصية إنسانية تزعزع من ولائه للذات القومية، وقد بذلت الدولة المطلقة قصارى جهدها لضرب الكنيسة والأسرة ونجحت في مسعاها إلى حد كبير، فتم ضرب الأسرة الممتدة حتى اختفت تماماً، وتم تهميش الدين والقضاء على المؤسسات الوسيطة وأصبح الإنسان مواطن ذي بعد واحد.

وكما تمت عملية ترشيد الإنسان من الخارج تتم أيضاً عملية ترشيد الإنسان من الداخل ليصبح الإنسان ينظر إلى نفسه بالطريقة نفسها التي تنظر بها الدولة المطلقة له وبالطريقة التي ينظر بها العالم الطبيعي له حتى يتفق كل شيء مع مصلحة المجتمع ومع النموذج الواحدي المادي.

  • الترشيد والقفص الحديدي:

الترشيد الإجرائي يفترض عالماً مادياً تماماً، الإنسان فيه مفعولاً به وليس فاعلاً، ولأن الترشيد ليس له أية غائيات إنسانية فإن الإنسان يدرك أنه أصبح مجرد وسيلة بعد أن كان غاية وأن عقله عقل أداتي إجرائي، وهذا النوع من الترشيد هو الذي سيهيمن على عصر ما بعد الحداثة وذلك باختفاء المركز وجعل الطبيعة غير الواعية هي المركز وانفصال النزعة التجريبية ومركزها المادة عن النزعة العقلية الإنسانية التي مركزها الإنسان إلى أن تحررت تماماً منها، وقد حقق العلم الغربي انتصاراته بسبب حياده وانفصاله عن القيم وطرح العلم نفسه باعتباره القادر على إيجاد الحلول العلمية الأكيدة لكل المشاكل المادية وغير المادية، وادعى العلم أنه القادر على تزويد الإنسان بالرؤية السليمة للأشياء وأنه سيحقق السعادة والخلاص للإنسان والتحكم الكامل في الطبيعة وتسخيرها لصالحه، ولكن كل هذا لن يتحقق إلا إذا قبل الإنسان بالعلم هادياً ومرشداً وتبنى منهجه ومعاييره وقيمه وطبقه على واقعه بشكل منهجي متكامل وتخلى عن أية غائيات إنسانية.

وسوف تستمر عملية الترشيد وفقاً لماركس فيبر إلى أن يتم السيطرة والتحكم في كل جوانب الحياة ويتحول المجتمع إلى آلة بشرية ضخمة  ليجبر الأفراد على أن يشغلوا أماكن محددة لهم وبذلك يتحول المجتمع إلى قفص حديدي.

 

الفصل السادس: نهاية التاريخ:

 يحاول الكاتب من خلال هذا الفصل الاقتراب من قضية نهاية التاريخ لمعرفة علاقتها الوثيقة بالترشيد في الإطار المادي، والربط بين التنظير وواقعنا المحلي والعالمي المعاصر.

  • نهاية التاريخ الإنساني:

شاعت في الآونة الأخيرة مقولة نهاية التاريخ وهي تعني أن التاريخ سيصل لنهايته ويصبح سكونياً عاماً خالياً من التدافع والصراعات، إذ أن كل شيء سيرد إلى مبدأ عام واحد طبيعي مادي يفسر كل شيء ولا يفرق بين الطبيعي والإنساني، وسيسيطر الإنسان سيطرة كاملة على بيئته ونفسه ويجد حلولاً علمية نهائية وحاسمة لكل مشاكله وآلامه، فدعاة نهاية التاريخ يتصوروا أن العلم سيؤدي إلى معرفة يقينية شاملة، وعلى الرغم من أن هذه التصورات فقدت مصداقيتها في الأوساط العلمية إلا أنها مازالت سائدة في التصورات الصادرة عن بعض الأوساط في العلوم الإنسانية، ومازالت إشكالية نهاية التاريخ إشكالية كامنة في كثير من النظم الفلسفية.

وفي ذات السياق يشير الكاتب إلى أن عمليات الترشيد ستؤدي إلى أن يحكم العالم إيقاع ثلاثي: المصنع حيث ينتج الإنسان، والسوق حيث يستبضع، وأماكن الترفيه حيث يفرغ ما فيه من طاقة، وبذلك نجد أن ذلك الإيقاع يستوعب الأنماط المختلفة من الإنسان (الإنسان الاقتصادي والإنسان الجسماني)، وحينما يسيطر هذا الإيقاع الثلاثي على العالم يظهر النظام العالمي الجديد وأيديولوجيات نهاية التاريخ وما بعد الحداثة:

  • فوكوياما ونهاية التاريخ: يرى فوكوياما أن العالم قد وصل إلى ما يشبه إجماع بشأن الديمقراطية الليبرالية كنظام صالح للحكم بعد أن ألحقت الهزيمة بالأيديولوجيات المنافسة، فهي أيديولوجية خالية من أي تناقضات شابت الأشكال السابقة للحكم، كما أنها ستحقق للإنسان كل ما يريده على المستوى الاقتصادي (المادي) والإنساني (غير المادي)، ويعلن فوكوياما أن نهاية التاريخ هو إعلان لنهاية الإنسان وانتصار المادة/الطبيعة ويتحول العالم إلى كيان خاضع للقوانين الواحدية المادية التي تجسدها الحضارة الغربية التي لا تفرق بين الإنسان والأشياء والحيوان وتحول العالم إلى مادة استعمالية، فنهاية التاريخ هي نهاية التاريخ الإنساني وبداية التاريخ الطبيعي.
  • هنتنجتون وصدام الحضارات: يرى هنتنجتون أن هناك صراعاً حضارياً في العالم وهو في واقع الأمر صراع ديني، ونجد أن أطروحته بهذا الشكل قد تعطي انطباعاً بأن هناك تنوعاً حضارياً في العالم، ولكن لو دققنا النظر لوجدنا أن التعددية التي يطرحها هنتنجتون واهية إذ تظل هناك الثنائية الصلبة، فالعالم ينقسم إلى الغرب من ناحية وباقي العالم من ناحية أخرى، وكلمة الغرب تعني الحداثة والسوق الحر والديمقراطية والفردية، فهو يرى أن الحضارة الغربية حضارة عالمية تناسب كل الناس وهي لصيقة بالإنسان، فمن ينحرف عنها فهو إنسان غير طبيعي. هذا يعني أن هنتنجتون يؤمن بالنموذج الأحادي وأن التاريخ سوف يتبع مساراً واحداً على الرغم من كل حديثه عن التعددية والصراع، ولكن يتضح من أفكار هنتنجتون أن الصراع ليس صراعاً بين الحضارات وإنما صراع بين منظومة قيمية غربية علمانية ضد كل من يقاومها ولا يوافق على مبادئها، ولكن هنتنجتون يؤمن بأنه صراع مؤقت فهناك نقطة أساسية يتحقق فيها الانتصار للحضارة الغربية الحديثة العلمانية، وهو يرى أن من يقاوم الحضارة الغربية لابد من تقويمه ووضعه على المسار الطبيعي.
  • ما بعد الحداثة: هي رؤية فلسفية أحرزت مؤخراً شيوعاً لا نظير له في العالم الغربي، وهي تنطلق من أطروحات فلسفية متداخلة كلها تؤكد غياب المرجعيات، وهي أيضاً تعلن نهاية التاريخ ونهاية الإنسان ككائن مركب اجتماعي ليحل محله الإنسان ذو البعد الواحد.

وهنا يطرح الكاتب تساؤل مهم ـــــــ يحاول من خلاله تحقيق الربط بين التنظير والواقع ـــــــ وهو ما هي علاقة نهاية التاريخ وصراع الحضارات وما بعد الحداثة بواقعنا وبالنظام العالمي الجديد؟؟

النظام الدولي الجديد هو امتداد للقديم وإعادة إنتاج للرؤية المعرفية العلمانية في عصر ما بعد الحداثة، ففي النظام الدولي القديم كان هناك خطاب عنصري يؤكد على التفاوت بين الأجناس واستعباد الشعوب غير الغربية لضمان تدفق العمالة الرخيصة والمواد الخام ليظل العالم الغربي منتجاً ويظل العالم الثالث مستهلكاً، ومحاولة إسباغ القداسة على الرجل الأبيض وعلى تاريخه وحضارته، وتبلورت هذه الممارسات في إطار موجات الاستعمار القديم.

ولكن في إطار النظام الدولي الجديد حدثت تطورات عميقة حيث أدرك الغرب عمق أزمته العسكرية والاقتصادية وتراجع المركزية الغربية في مقابل ظهور مراكز عديدة غير غربية وعدم قدرة الغرب على المواجهة العسكرية بعد أن أصبحت مكلفة وإدراك العالم الثالث للعبة السياسية الدولية، لهذا كان لابد من ظهور رؤية جديدة تعتبر استمرار للرؤية القديمة وللوضع القديم ولكن من خلال خطاب جديد يركز على الإغراء والإغواء بدلاً من القمع والقسر، ويستفيد من حالة التفكك ليضرب محاولات التماسك والسعي لتدمير المفهوم الأسري باعتباره الملجأ الأخير للإنسان للحفاظ على هويته ومنظومة قيمه، وضرب الخصوصيات القومية ليصبح المجتمع آلة إنتاجية استهلاكية لا تكف عن الإنتاج والاستهلاك، ومن هنا تظهر نهاية التاريخ.

فالنظام الدولي الجديد لا يشير إلا للحظة الراهنة والحديث عن المستقبل فهو لا يتحدث عن الماضي، فهو نظام لا يسقط خصوصية قومية بعينها وإنما يسقط الخصوصية نفسها، وليس هوية بعينها وإنما كل الهويات، ولا منظومة قيمية بعينها وإنما فكرة القيمة نفسها، فما بعد الحداثة هي الإطار المعرفي للنظام العالمي الجديد يصبح فيه الإنسان كائن أحادي لا يمكنه التواصل أو الانتماء لوطن أو لأسرة، فتركز رؤية ما بعد الحداثة على التفكيك من الداخل بدلاً من الإبادة من الخارج.

 

الفصل السابع: العنصرية الغربية في عصر ما بعد الحداثة:

 توصلنا مما سبق أن العقل المادي قادر على رصد الاختلافات المادية بين البشر والقانون المادي العام الذي يسري على البشر ونتج عن هذا رؤيتان للبشر:

  • عنصرية التفاوت (العنصرية الغربية في عصر التحديث): تقوم على الإيمان بوجود تمايز بين الأجناس وأن هذا التمايز له أساس مادي، ثم الانتصار للجنس الذي ينتمي إليه الفرد أو المجتمع باعتباره جنساً متفوقاً، وهو ما يمنح هذا الجنس المتفوق حقوقاً ومزايا لا تمنح للجنس الآخر.

فيقوم الفكر العنصري الغربي في عصر التحديث والإمبريالية على أن الحضارات غير الغربية هي أدنى بكثير من الحضارة الغربية علي كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما أن الشعوب غير الغربية تختلف عرقياً عن الشعوب الغربية، فالعنصرية نابعة من الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، وتبدأ عنصرية التحديث مع الفكر الإنساني الغربي الذي يدور حول جعل الإنسان الأبيض مركز الكون ووضع بقية البشر في الهامش وبدلاً من أن يكون الهدف من الوجود في الكون تحقيق مصلحة الإنسان أصبح الهدف تحقيق مصلحة الإنسان الأبيض وبدلاً من الإيمان بأسبقية الإنسان على الطبيعة أصبحت المسألة هي أسبقية الإنسان الأبيض على بقية البشر.

  • عنصرية التسوية (العنصرية الغربية في عصر ما بعد الحداثة): عنصرية التسوية هي عنصرية تساوي بين البشر والكائنات الأخرى، فهي لا ترفض التفاوت بين البشر فحسب ولكنها ترفض التفاوت بين البشر والكائنات الحية الأخرى، فهي تهاجم التفاوت بين الإنسان من جهة والحيوان والنبات من جهة أخرى لذا سميت عنصرية التسوية، فالدفاع عن الشواذ والشعوب المضطهدة وحقوق الحيوان ليس دفاع عن الإنسان ولكن في واقع الأمر هو هجوم على مركزية الإنسان في الكون والسعي نحو تسوية الإنسان بالكائنات الأخرى وإظهار السمات المشتركة بين الإنسان والحيوان.

فألمانيا النازية تعبير عن عنصرية التفاوت في عصر التحديث من خلال التفرقة بين الجنس الآري وغيره من الأجناس، والولايات المتحدة تعبير عن عنصر التسوية في عصر ما بعد الحداثة فهي دولة مهاجرين قامت بصهر كل الهويات لتصبح حضارة يظهر فيها الإنسان الطبيعي ذو البعد الواحد.

وهنا يشير الكاتب إلى أن عنصرية التسوية تتسق مع النظام العالمي الجديد حيث يتحول العالم إلي سوق واحد لا فرق بين عربي أو غربي ويتحول البشر إلى مادة استهلاكية مثلما كانت عنصرية التفاوت تتفق مع النظام العالمي القديم التي كانت تكرس للتفاوت بين الأجناس لتبرير عملية تحويل شعوب آسيا وإفريقيا لعمالة رخيصة وتحويل بلادهم لأسواق يحتكرها المستعمر.

 

الفصل الثامن: المادية والإبادة:

 يوضح الكاتب في هذا الجزء كيف أن الرؤية المادية هي رؤية إبادية في جوهرها وذلك بالتطبيق على الإبادة النازية.

  • الإبادة وتفكيك الإنسان كإمكانية كامنة في الحضارة الغربية:

نجد أن التحولات السياسية والاقتصادية في أي مجتمع لا تتم في فراغ مهما يكن مستوى هذه التحولات، فالمناخ الفكري والثقافي والنفسي يساعد على تحقيق بعض الإمكانات وإجهاض البعض الآخر، وهناك العديد من العناصر التي تتسم بها الحضارة الغربية الحديثة والتي جعلت الإبادة احتمالاً كامناً وليس مجرد مسألة عرضية، تؤدي الى  الاستعداد للتخلص من العناصر غير المرغوب فيها عن طريق إبادتهم بشكل منظم ومخطط.

فالسبب في ظهور النزعة الإبادية في الحضارة الغربية هو الرؤية المادية الواحدية التي تساوي الإنسان مع الطبيعة ليفقد مركزيته ويتحول لجزء لا يتجزأ من الطبيعة، وهنا ظهرت الأخلاق المادية النفعية التي تعفي الإنسان من المسؤولية الأخلاقية ليصبح من حقه استخدام جميع شعوب الأرض لخدمة مصالحه، وانقسم البشر بموجب ذلك إلى سوبرمن Supermen (إمبرياليين يتحكمون في كل البشر والطبيعة) وسبمن Submen (دون البشر يذعنون لإرادة سوبرمن)، فالسوبرمن Superman يقوم بتوظيف السبمن Subman لخدمة مصالحه مستخدما أحدث الوسائل التكنولوجية، أما من لا يمكن توظيفه فيخضع للمعالجة وإن فشلت كل الحلول يتم إبادته.

فكانت المعالجة تتم عن طريق نقل ما هو غير نافع لمكان آخر ليتحول لمادة نافعة، وبموجب ذلك تم نقل سكان إفريقيا للأمريكتين لتحويلهم لعمالة رخيصة، ونقل اليهود غير النافعين لفلسطين لما يمثلوه من مشكلة اجتماعية في أوروبا والقيام بتوظيفهم في الداخل العربي باعتبار أن العرب كتلة تقف ضد المصالح الغربية، أما فيما يتعلق بالإبادة التي قامت بها الحضارة الغربية فالأمثلة لا تحصى منها إبادة كافة العناصر البشرية التي كانت تقف في طريق المشروع الإمبريالي الغربي في أمريكا الشمالية وبدعم الشعوب الأوروبية التي تم إيهامهم بأن هذه العملية تخدم مصالحهم، والسعي نحو إبادة مدن يابانية عن طريق قذفها بالقنابل الذرية وعمليات الإبادة التي قام بها النظام القيصري ضد الشعوب الإسلامية في الخانات التركية.

فإبادة الآخر هي آلية أساسية اعتمدت عليها الحضارة الغربية ولكن تظل الإبادة النازية لليهود لها مركزية خاصة لأن الإبادة دائماً لم تكن تتم بأيدي غربية ولكن (هناك) بعيداً عن أوروبا في إفريقيا وآسيا ولكن إبادة اليهود تمت في الداخل الأوروبي وعلى أرضها والعناصر التي أبيدت لم تكن داكنة اللون ولكن مثلهم تماماً، وهنا تنبه الإنسان الغربي إلى أن الإبادة كامنة داخل الحضارة الغربية.

  • إشكالية إنفصال القيمة والغائية الإنسانية عن العلم والتكنولوجيا:

برغم من هيمنة الرؤية العلمانية الإمبريالية الشاملة على الإنسان الغربي إلا أن هناك من لا يتقبلها ويثير قضايا مهمة ذات طابع أخلاقي وإنساني.

وفي نهاية الكتاب يعرض الكاتب قضية فلسفية غاية في الأهمية، فهو يرى أن الإنسان كائن حر مسؤول عليه أن يتحمل المسؤولية الأخلاقية الكاملة لما يقوم به من أفعال ويقف ضد عمليات إبادة الضعفاء، فالإنسان يدين بالولاء للقيم الأخلاقية والإنسانية المطلقة التي تتجاوز ولاءه للدولة والوطن، وهذه إشكالية فلسفية أخلاقية وإنسانية عميقة تواجهها المنظومة العالمية الشاملة، فالألمان حددوا قيمهم الأخلاقية على أسس نفعية مادية داروينية وسلكوا على هذا الأساس. فكيف يمكن لنا أن نتجاوز ذاتيتهم الكامنة فيهم؟ وكيف يمكن لنا أن نهيب بقيم أخلاقية وإنسانية تقع خارج نطاق مثلهم الذاتية؟ وكيف يمكن لنا أن نفعل ذلك إن كنا نحن أنفسنا نسبيين علمانيين نرفض الثبات ولا نرى إلا حركة المادة وقوانينها الصماء؟

يرى البعض أن الإنسان يمكن أن يتبنى موقفاً أخلاقياً دون الاستعانة بأية مرجعية متجاوزة أو كليات مجردة، ولكن هل يمكن محاكمة الآخر من هذا المنظور إن كان لا يؤمن به؟ ألا يعني هذا أنني أفرض ذاتيتي الأخلاقية الوجودية على ذاتيته الداروينية النفعية المادية؟؟؟؟، فهذه هي الإشكالية التي تثيرها الإبادة النازية.

وهناك قضية أخرى يثيرها انفصال العلم عن القيمة ألا وهي قضية انفصال الإجراءات الديمقراطية عن القيمة، فالديمقراطية هي اتفاق على مجموعة من الإجراءات يتم التعرف من خلالها على رأي الأغلبية، فالاتفاق هنا كمي (الأصوات المؤيدة والمعارضة) وليس متصلاً بالمضمون، فالديمقراطية لا تتقيد بأي قيم أخلاقية فهي مرجعية ذاتها لا يمكن محاكمتها من خلال مرجعية متجاوزة، فهتلر وصل للحكم بالديمقراطية والمشروع الإمبريالي الغربي قامت به حكومات منتخبة، وعمليات الإبادة كانت بموافقة شعبية، وتنتخب الشعوب حكومات تقوم سياستها وعصب اقتصادها على المخدرات، وهنا يختتم الكاتب دراسته بتساؤول غاية في الأهمية وهو هل علينا أن نقبل هذه القرارات ــــــ المخدرات والإبادة ـــــ باعتبار انها إرادة شعبية أم أننا نرفضها استناداً لمرجعية أخلاقية متجاوزة للديمقراطية؟ أو بمعنى آخر هل يحق لنا أن نسأل أي سؤال يقع خارج نطاق أخلاقيات الإجراءات والصيرورة ألا يشكل هذا سقوطاً في المطلقية والميتافيزيقا؟؟؟؟؟.  

 

عرض وتقديم

رضوى منتصر أحمد

شاهد أيضاً

الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء

العنوان: الاستشراق: المعرفة- السلطة- الإنشاء. المؤلف: إدوارد سعيد. المترجم: كمال أبو ديب.

الغِنَي والفَقرُ بين العولمة وفقه الحياة

العنوان: الغِنَي والفقر بين العولمة وفقه الحياة. المؤلف: مُهجة مشهور، المجموعة البحثية لمركز خُطوة للتوثيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.