أخبار عاجلة

دراسات إسلامية

العنوان: دراسات إسلامية.

المؤلف: أمين الخولي.

مكان النشر: القاهرة.

الناشر: دار الكتب والوثائق القومية.

تاريخ النشر: 1996.

الوصف المادي: 112ص. ، 24 سم.

الترقيم الدولي الموحد: 8-0038-18-977.

تبلغ صفحات هذا الكتاب حوالي 110 صفحة. وتضم دراسات كتبها أمين الخولي تعليقاً على مجموعة من المواد في دائرة المعارف الإسلامية، هذه المواد هي البلاغة، التفسير، السيرة، الشريعة، الطلاق، ونشرتها الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية عام 1996.

أولى هذه المواد هي (البلاغة): – يستهل حديثه عنها بتعريف البلاغة، وذكر فروعها، وبعض من ألف فيها، ثم يتحدث عن علاقة البلاغة بالقرآن الكريم، ويتحدث عن تطور علوم البلاغة قديماً، ثم يتحدث عن البلاغة اليوم ورؤيته حول عملية تطويرها.

ثاني هذه المواد مادة “تفسير”: – يتحدث فيها عن نشأة التفسير، وتدرجه في الظهور والتدوين، ثم يتكلم عن طرائقه، ثم يلقي الضوء على التفسير العلمي بين المادحين والقادحين، ثم يورد ألوان التفسير قديماً، ثم ينبري للحديث عن التفسير اليوم، ورؤيته في كيفية تحقيق التفسير العصري للقرآن الكريم، المترتب على نقض الترتيب المصحفي، وتطبيق المنهج الأدبي على دراسته، ثم يلقي الضوء على التفسير النفسي والاجتماعي للقرآن الكريم.

المادة الثالثة هي “السيرة”: – يورد تعريفها ويبين أصلها وطبيعتها، ثم يتحدث عن تصنيف السيرة في صورتها الأدبية ويذكر بعض من كتب في السيرة ناقداً إياهم.

المادة الرابعة هي “الشريعة”: – يورد في البداية استعمالاتها اللغوية والقرآنية، ثم يتحدث عن تطورها وعن تقسيم مادتها إلى عبادات وقضايا سياسية، ثم يقسم هذه الأقسام إلى صحيح وفاسد وجائز، ثم يتحدث عن الفرق بين الحقيقة والشريعة، ويتكلم عن الإجماع في القديم والحاضر، ثم يتحدث عن المصادر المادية للشريعة فختم بها حديثه عنها.

المادة الخامسة هي “الطلاق”: – بدأ بتعريف عام له وأظهر ورود مادة الطلاق في القرآن الكريم، وبين أن القرآن الكريم أورد أحكاماً جديدة للطلاق لم تكن منتشرة من قبل، وتحدث عن أحكام الطلاق الفقهية، مفصلاً تارة وموجزاً أخرى وكان هذا ختاماً لما ذكر في هذه المادة.

ونتحدث فيما يلي عن هذه المواد بشيء من التفصيل.

البلاغة: يقرر الخولي أن علم البلاغة ينقسم إلى ثلاثة فروع المعاني والبيان والبديع ويورد أن أقدم الثلاثة هو علم البديع، مستنداً في ذلك إلى كتب البلاغة مثل البديع لابن المعتز ومفتاح العلوم للسكاكي 623 هـ، ص. 7.

كذا يقرر أن البلاغة ترادف الفصاحة، وقد كان هذا الأمر قديماً، حيث لم يهتم العلماء بالتفريق بينهما كما حدث مؤخراً، فإن كلاً منهما هو الإنابة عن المعنى والإظهار له، وإن اختلف أصلاهما في الأساس، وبيَّن أنه يميل مع هذا القول اختصاراً للتقسيم، على أن الأصح أن الفصاحة توصف بها الكلمة والكلام والمتكلم وتكون بدون بلاغة، أما البلاغة فلا يوصف بها إلا الكلام والمتكلم، دون الكلمة المفردة، ولا تكون بدون الفصاحة.  ص. 8.

ثم يبين أمين الخولي أن دراسة البلاغة اتجه لها العلماء بعد الإسلام لكي يظهروا بها إعجاز القرآن الكريم في المقام الأول. كذلك يوضح أن علم أصول الفقه اشتمل على أبحاث بلاغية كاملة يستطيع منها الأصولي أن يبحث بها أسلوب القرآن الكريم وطرق فهمه ومراميه في القول، ومن هنا يستطيع استخراج أحكامه وحكمه بعد ذلك.

يقرر الخولي أن علم البلاغة بدأ يزدهر وينتشر جداً عندما اتجه الكتاب إلى دراسة البلاغة لتقوية كتاباتهم الأدبية التي يرمون من ورائها دراسة البيئة الكتابية في القرآن الكريم، على غرار ما حدث مع أبي عبيدة معمر بن المثنى عندما سئل عن قول الله تعالى “طلعها كأنه رؤوس الشياطين” فقال إنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله وهذا لم يعرف، فاعتقد أبو عبيدة أن يضع كتاب مجاز القرآن. وهكذا ص. 9.

وكما اهتم الأصوليون بالبلاغة ومن بعدهم الكتاب، كذلك اهتم الشعراء ورواة اللغة، فاجتمعت نهيرات تنبع من بيئات مختلفة، من البيئة الدينية الكلامية والأصولية ومن البيئة الأدبية بيئة الكتاب والشعراء والرواة، كل ذلك اجتمع في نقطة واحدة وهي معرفة طريق الكلام الجيد من الرديء.

وإذا كان ابن الأنباري قد ذكر قديماً أن العلوم عند العرب قديماً كانت ثمانية هي النحو واللغة والتصريف والعروض والقوافي وأخبار العرب وأنساب العرب فإن ثامن هذه العلوم هو علم صنعة الشعر الذي هو البلاغة طبقات الأدباء ص. 17، كما سمى أيضاً نقد الشعر ونقد الكلام، ويشهد ذلك المؤلفات التي حملت نفس المسمى وهي تبحث في علوم البلاغة مثل نقد الشعر لقدامة بن جعفر وغيره.

من هنا بدأت قسمة البلاغة إلى قسمين؛ البلاغة على طريقة العجم وأهل الفلسفة، والبلاغة على طريقة العرب والبلغاء. ومن فحول الطريقة الأولى التي انتشرت في البلاد الشرقية من الإسلام حيث يقطن الترك والفرس والتتر الزمخشري والسكاكي والتفتازاني، وتسود الطريقة الثانية في البلاد الوسطى حيث مهد العربية الأول مثل العراق والشام ومصر، ومن رجالات هذه المدرسة ابن سنان وابن الأثير، إلا أن بلاغة العجم هي التي تسود الآن وهي المتبادرة عند الإطلاق.

ثم استقرت علوم البلاغة على أنها ثلاثة علوم المعاني والبيان والبديع، وساهم في استقرار هذا التقسيم المنطقي للعلوم الشرعية إلى أصول وفروع ثم الأصول قسمان؛ ما يبحث في المفردات وما يبحث في المركبات كلها، وهي قسمان ما يبحث في الموزون فقط وما يبحث في المركبات كلها، موزونها ومنثورها، وتحت هذه الأخيرة تندرج علوم البلاغة الثلاثة المذكورة، بل إن الطريقة المنطقية هي التي ساهمت أيضاً في تقييم البلاغة العربية إلى مباحثها القائمة عليها اليوم. هذا عن البلاغة قديماً ص. 11- 12.

أما عن البلاغة اليوم فيجدر أن ينظر إليها بعين التجديد حتى لا نحصرها فيما حصرت فيه من كونها علماً يمكن معه الوقوف على معرفة الاعجاز فقط، بل لابد لها من تجديد أدبي، وهو يرمي إلى غرضين قريب وبعيد؛ القريب وهو تسهيل دراسة المواد الأدبية وتوفير ما يبذل فيها من جهد ووقت مع تحقيق المطلوب من دراستها تحقيقاً علمياً، وهذا المنهج يحققه المنهج الصالح والكتاب المنظم والمعلم الكفء، وإن استلزم تغييراً في مسائل هذه العلوم، أو طريق تناولها وعرضها.

أما الغرض البعيد فهو أن تكون دراسة هذه المواد الأدبية مادة من مواد النهوض الاجتماعي تتصل بمشاعر الأمة وترضي كرامتها الشخصية، وتساير حاجتها الفنية المتجددة، فتكون اللغة في مصر مثلاً لغة الحياة في ألوانها المختلفة وأداة التفاهم المرضية في البيت والعمل والجامعة والمسرح، فلا يعيش الناس بلغة ويتعلمون بأخرى، أو يفكرون بلغة ويدونون أفكارهم بلغة أخرى. ولا يتحقق هذا الغرض إلا بتغيير قد يمس أو لابد أن يمس الأصول والأسس البعيدة ويدخر لها العزم والجهد حتى تصير اللغة ناحية من كيان الأمة وجانبا من وجودها العملي.  ص. 12

إلا أن هذا الغرض أسهل في علوم البلاغة لمرونتها واتصالها بالفن والجمال، وخاصة أن الأقدمين أنفسهم قد صرحوا بأن البلاغة من العلوم التي لم تنضج دراستها، من هنا يرى الخولي أن نعمد رأساً إلى تحقيق هذا الأمر في البلاغة، تجديداً يمس الأصول والأسس، فيغيرها وينفي فيها ويثبت، ونخالف مقررات كبرى ونضيف إضافات جديدة حتى نصل البلاغة بالحياة، ونمكنها من التأثير الصالح فيها. على أننا أيضاً نحاول الانتفاع بالقديم وبيان ما يستجيب له التراث القديم من التغيير في النقاط الآتية:

نأخذ برأي الأقدمين في قولهم “إن صاحب البلاغة يستطيع أن يفرق بين الكلام الجيد والكلام الرديء.” وبهذا نخدم الفنون القولية الرائجة ونصل البلاغة بالحياة.

من ناحية إخضاع البلاغة للمنهج الأدبي الفني في الدراسة يكفي أن نحيي رسوم المدرسة الأدبية الأولى، ونحتكم إلى كل ما في دراسة الفنون من أساليب مجربة ومناهج مستحدثة، ونهمل الدراسة الفلسفية المستعجمة.

إذا نظرنا إلى فعل الأقدمين في البلاغة نجدهم قد حصروا دراستها في الجملة وأجزائها، وقدموا بمقدمة في الفصاحة والبلاغة فقط، والعمل الأدبي ليس في الجملة وجزئها لا غير، فتلك لا تعطي إلا معنى أدبياً جزئياً ووراء ذلك الفقرة المنثورة والقطعة المنظومة، ووراء ذلك كله العمل الأدبي الكامل، وعلى هذا نبدأ البحث البلاغي المستوفي من اللفظة المفردة، ولا نحده بالجملة، بل نمده إلى الفقرة، والعمل الفني الكامل، فنبحث في الأسلوب واختلافه وأوجه تفاوته ومزايا أنواعه المختلفة، وننظر النظرة الشاملة الجامعة في الأثر الأدبي كله.

قصر الأقدمون البحث البلاغي على الألفاظ من حيث أدائها للمعاني بالجملة الواحدة أو الجمل المتصلة في معنى واحد، ولم يجاوزوا ذلك. أما المعاني الأدبية والأغراض الفنية التي هي روح الفن القولي ومظهر عظمة الأديب، وأثر ثقافته وشخصيته فلم ينظروا فيها، ولابد أن نفرد المعاني بالبحث المستقل بعد بحث الألفاظ مفردة وجملاً وفقراً فنعلم الدارس كيف يوجد هذه المعاني وكيف يصححها وكيف يرتبها ويعرضها.  ص. 13

إذا فعلنا كل ما سبق تكون البلاغة وتقسيمها إلى معاني وبيان وبديع تقسيم لا غناه فيه ولا أساس له، ولزم أن نضع التقسيم على أساس غير الأول فنقتصر على كلمة البلاغة ونوفر كلمة الفصاحة، ونقسم الدرس إلى بلاغة الألفاظ وبلاغة المعاني، وفي الأولى نبحث عن الألفاظ من حيث أنها أصوات ذات جرس، ثم من حيث أنها دوال على المعاني مفهمة لها، ونبحث أيضاً في المفرد والجملة والفقرة والقطعة ونقسم المعاني بما يناسبها، حتى ننتهي إلى دراسة الفنون للقول الأدبي المنظوم والمنثور وما به قوام كل فن وحسنه، متخطين الفنون القديمة من المقامة والرسالة والخطبة إلى الفنون الحديثة من المقالة والقصة.  ص. 14

نضم إلى البلاغة مقدمة فنية نعرف الدارسين فيها بمعنى الفن وطبيعته ونشأته وغايته وأقسامه متحرين في ذلك بيان الفن القولي بخاصة.

نضم إلى البلاغة مقدمة نفسية لابد منها، ما دام شأن الفن الأدبي ما أسلفنا، وما دمنا نريد أن نصل بالبلاغة للحياة، نعرف الدارس بالقوى الإنسانية ذات الأثر في حياته الأدبية كالوجدان والذوق والخيال، كما تلم المقدمة النفسية بدراسة أمهات العواطف النفسية التي هي مادة المعاني الأدبية ومثار الفنون القولية نثراً وشعراً، وهي في الجملة دنيا الأدب والفنون كلها.

كانت هذه هي معالم تجديد البلاغة عند أمين الخولي من خلال رؤيته التجديدية للعلوم العربية وعلى رأسها البلاغة.

التفسير: المادة الثانية التي تحدث عنها الخولي في دراساته الإسلامية هي مادة التفسير، وهاك إطلالة على ما قاله عن هذه المادة.

يرى الخولي أن الأولى حد التفسير بحد معين بعداً عن الإطالة، وإنما فذلكة التفسير عنده هي بيان كلام الله تعالى فقط. إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر التفسير هو تفسير القرآن الكريم وهو فرع من علم الحديث، وهناك تفاسير كتبت للقرآن الكريم على غير النسق المألوف، على أن غالبها مفصل السياق يشرح النص على نظام واحد؛ فقرة فقرة؛ بل كلمة كلمة. ص. 18

ولما كانت هيبة وجلال القرآن الكريم في صدور الصحابة، مانعاً لهم من الخوض في التفسير. يرى أمين الخولي أن أول من وضع علم التفسير هو الإمام مالك في موطأه، وإن كان ليس فيه كثير من التفسير، ثم جاء بعده البخاري في صحيحه وعقد كتابين للتفسير، كتاب التفسير وكتاب فضائل القرآن. يعني أن التفسير نشأ كجزء من الحديث على حد قول المستشرق كرا دي فو.  ص. 20

يشكك الخولي في حملة التفسير الأول مثل الضحاك بن مزاحم 102، عطية بن سعيد العوفي 111- اسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير- محمد بن السائب الكلبي 146- محمد بن مروان السدى الصغير ومقاتل بن سليمان، بناء على أقوال علماء الجرح والتعديل فيهم، وينقل كلام الإمام أحمد في أن ثلاثة ليس لهم أصل التفسير والمغازي والملاحم.[1] ص. 21.

ينادي أمين الخولي القائمين على الأزهر الشريف بأن يطرحوا ما لم يثبت من التفسير، وأن يقفوا عند ضعيفه ليحققوا صلته بالأديان السابقة التي نقل عنها عامة المفسرين من الصحابة والتابعين، مما يظهر مسالك التأثير والتأثر بالأديان. ص. 23

أما عن تطور التفسير فيرى أمين الخولي أنه كان هناك تحرج من القول في التفسير في بداية الأمر، تبلور في القناعة بالمنقول منه، ثم ارتقى إلى الاستزادة من هذا المنقول، ثم إلى جمع ما ليس بموثوق فيه من المنقول، ثم إلى التفسير العقلي، وفتح الباب على مصراعيه لذلك، مستدلاً ببعض الأقوال التي ذكرها حجة الإسلام الغزالي والفخر الرازي من قولهما في إجازة الخوض في التفسير لكل أحد. ص. 26

يرى أمين الخولي أيضاً أن التفسير العلمي للقرآن، وهو الذي يحكم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن الكريم، كتفسير طنطاوي جوهري ليس له كبير جدوى في مجال التفسير، وينقد في ذلك السيوطي في الاتقان، عندما عقد باباً في العلوم المستنبطة من القرآن الكريم، والغزالي الذي كتب جواهر القرآن، ومحمد أحمد الاسكندراني صاحب كشف الأسرار النورانية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية، وعبد الله فكري باشا في رسالته حول مقارنة بعض مباحث الهيئة بما ورد في النصوص الشرعية، وعبد الرحمن الكواكبي ومصطفى صادق الرافعي. ينتقد كل هؤلاء في مؤلفاتهم العلمية ويسير جنباً إلى جنب مع أبي اسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي 790هـ في جملة من الموافقات على هذا اللون من التفسير ص. 28، 29، ويسير أيضاً مع رأي الإمام محمد عبده في تقسيمه للتفسير إلى قسم جاف مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به حل الألفاظ واعراب الجمل وبيان ما ترمي إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية، وهذا لا يسمى تفسيراً بل هو ضرب من التمرين في فنون العربية، والتفسير الذي نطلبه وهو فهم كتاب الله من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، فهذا هو المقصد الأعلى منه. ص. 36

يصدر الخولي منهجاً لتجديد التفسير اليوم، وأول التجديد وفقا له هو قتل القديم فهماً، ثم السعي إلى دراسة القرآن الكريم دراسة أدبية كما تدرس الأمم المختلفة عيون آداب اللغات المختلفة، وتلك الدراسة الأدبية لأثر عظيم لهذا القرآن هي ما يجب أن يقوم به الدارسون أولاً وفاء بحق هذا الكتاب، ولو لم يقصدوا الاهتداء به أو الانتفاع بما حوى وشمل. ص38. وهذا الدرس الأدبي في ذلك المستوى الفني، دون نظر إلى أي اعتبار ديني، هو ما نعتده وتعتده معنا الأمم، العربية أصلاً العربية اختلاطاً، مقصداً أول وغرضاً أبعد، يجب أن يسبق كل غرض، ويتقدم كل مقصد. يقول الخولي: مجمل القول إن التفسير اليوم فيما أفهمه هو الدراسة الأدبية الصحيحة المنهج الكاملة المناحي المتسقة التوزيع، والمقصد الأول للتفسير اليوم أدبي محض صرف غير متأثر بأي اعتبار وراء ذلك، وعليه يتوقف تحقيق كل غرض آخر يقصد إليه. هذه هي نظرتنا إلى التفسير اليوم وهذا غرضنا منه، وعلى هذا نتقدم لبيان طريقة تناوله ومنهج درسه. ص 38

يسعى الخولي إلى بيان خطأ المفسرين في السابق حينما كانوا يفسرون القرآن الكريم على وفق ترتيب المصحف الشريف بالسورة والآية، وإنما يرى الخولي أن يفسر القرآن على غير هذه الوجهة، فوفقا له إن ترتيب القرآن في المصحف ترك وحدة الموضوع، لم يلتزمها مطلقاً، وقد ترك الترتيب الزمني لظهور الآيات، لم يحتفظ به أبداً، ففرق الحديث عن الشيء الواحد والموضوع الواحد في سياقات مختلفة وملابسات متعددة، وذلك كله يقضي أن يفسر القرآن موضوعاً موضوعاً، وأن تجمع الآيات الخاصة بالموضوع الواحد جمعاً إحصائياً مستقصياً ويعرف ترتيبها الزمني، ومناسباتها وملابساتها الحافة بها، ثم ينظر فيما بعد لتفسر وتفهم فيكون ذلك التفسير أهدى إلى المعنى وأوثق في تحديده، وليس تفسير القرآن سورة سورة إلا تعرضاً مفرقاً لموضوعات مختلفة، تنتظمها السورة الواحدة، ثم يعود المفسر بعد ذلك في السورة الأخرى إلى نفس الموضوعات، فإذا عجل المفسر الحديث عن الموضوع عند أول ورود له فقد تعرض للتفسير الموضوعي وإن ترك ذلك فقد أخل بوحدة الموضوع. ص. 40.

ثم إن هذا المنهج الأدبي يقتضي نوعين من الدراسة؛ دراسة حول القرآن ودراسة القرآن نفسه، فالدراسة الأولى هي ما يتصل بالبيئة المادية والمعنوية التي ظهر فيها القرآن وعاش وفيها جمع وقرئ وكتب وحفظ، فالقرآن عربي خالص، والنفاذ إلى مقاصده لا يقوم إلا على التمثيل الكامل والاستشفاف التام لهذه الروح العربية والمزاج العربي والذوق العربي، ومن هنا لزم الدراسة الكاملة للبيئة العربية بكل ما تحويه  معنى الكلمة ، وقد أفرد بعض المستشرقين حديثاً هذه الدراسة مثل الألماني “نولدكه” صاحب كتاب تاريخ القرآن، الذي اشترك في تحقيقه شفاللي وزيمرن وبرجستراسر، وهذه الأبحاث قد أضافت على تلك الموضوعات ألواناً من العناية، وإن لم تخل من الاتهام، فإنها لن تخلو من روح النقد والتمحيص التي لابد منها في دراسة هذه الأبحاث. كذلك فعل ذلك الإمام السيوطي في كتابه الاتقان الذي جعله مقدمة لتفسيره مجمع البحرين ومطلع البدرين الجامع لتحرير الرواية وتقرير الدراية، وهذه الدراسة المطلوبة ذات شقين دراسة علوم القرآن ودراسة بيئة القرآن الكريم.

أما دراسة القرآن نفسه وهي تبدأ في النظر في المفردات، وبيان تدرج تلك الألفاظ ودلالتها وتفاوت هذه الدلالات بين الأجيال بفعل الظواهر النفسية والاجتماعية وعوامل حضارة الأمة، وفهم هذه الألفاظ على ما كانت عليه وقت ظهور حياة تاليها الأول صلى الله عليه وسلم، وهذه إحدى الاعتبارات التي تقف في وجه التفسير العلمي ومعاجمنا لا تسعف هذه الدراسة بحال، فما على المفسر الآن عمله هو البحث عن مدلول الكلمة قديماً وتقديم الأسبق والأقدم على السابق، فمتى يطمئن نوعاً ما إلى المقصود من هذه اللفظة قرآنياً، ينظر إلى معاني هذه الكلمة ويستطردها في القرآن ليرى إذا كان لها معانٍ أخرى مقصودة أم لا. ص. 43، 44، ثم لابد من دراسة التفسير النفسي للقرآن الكريم الذي يقوم على الإحاطة المستطاعة بما عرف العلم من أسرار حركات النفس البشرية في الميادين التي تناولتها دعاوي القرآن الكريم وجدله الاعتقادي ورياضته للوجدانيات والقلوب واستقلاله القديم ما اطمأنت إليه وتوارثته عن الأسلاف والأجيال، وتزيينها بما دعا إليه من إيمان ينقض مبرم هذا القديم ويهدم أصوله، وكيف تلطف القرآن لذلك وماذا استخدم من حقائق نفسية في هذه المطالب الوجدانية والمرامي القلبية، وماذا أجدت رعاية ذلك كله في إنجاح الدعوة وإعلاء الكلمة. فالتفسير النفسي يقوم على أساس وحيد من صلة الفن القولي بالنفس الإنسانية، وأن الفنون على اختلافها ومن بينها الأدب ليست إلا ترجمة لما تجده النفس، وأن اللمعة النفسية والمعنى القرآني ستكون أحسم لخلاف بعيد الغور كثير الشعب بين المفسرين التي تكلفوا له البراهين النظرية المنطقية والأعاريب المختلفة ومعقد الصناعة النحوية وغير ذلك.

كذلك الحديث عن “التفسير النفسي” يذكرنا بما أورده الإمام محمد عبده من وجوب الاهتمام بعلم الاجتماع في التفسير القرآني، فلابد للناظر في القرآن الكريم من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوة وضعف وعزة وذل، والخلاصة أننا إنما عنينا بما يقوم به الفهم الأدبي للقرآن، وهو الفهم الذي يتقدم كل استفادة منه، ثم تتلوه بعد ذلك المطالب الأخرى من هداية الخلق أو إصلاح حالهم أو التشريع لهم، فهذا كله يجب أن يقوم على أساس وطيد من الدرس الأدبي فيتصل بالخبرة النفسية. وقد تتطلب المطالب الأخرى بعد ذلك من دراسة علم الاجتماع وغيره.  ص 45، 46. وهكذا يضع أمين الخولي النقاط الأساسية قبل خوض غمار التفسير من وجهة نظره.

السيرة: المادة الثالثة التي تحدث عنها أمين الخولي في دائرة المعارف الإسلامية هي مادة السيرة، ولكن بأسلوب مختلف عن سابقتيها، حيث لم يتكلم عنها بداءة، وإنما علق على ما كتبه أحد الكتاب الغربيين، ولنقف أولاً مع ما كتبه ذلك الغربي عن مادة السيرة في دائرة المعارف الإسلامية.

تم تعريف السيرة بأنها الترجمة المأثورة لحياة النبي صلى الله عليه وسلم ثم استعملت بعد ذلك بأنها ترجمة الحياة بصفة عامة ص. 49، وتدور في معانيها اللغوية حول المسلك أو طريقة الحياة، وقد وردت في القرآن الكريم بمعنى السنة أو الهيئة. والمصطلح “سير” بالجمع هو الذي كان مفضلاً في الاستعمال قبل ذلك. ص. 50

ثم ينبري الكاتب ليعبر عن السيرة بتعبير سيئ فيقول: والراجح أنها أطلقت على الروايات الخاصة بحياة النبي صلى الله عليه وسلم أسوة بسير الملوك البهلوية الأصل التي كان العرب يعرفونها في مطلع الإسلام. ص. 50 ويمر الكاتب ليصل إلى القول بأن الاهتمام قد انصرف إلى تخليد ذكر المغازي على غرار ما كان يفعل العرب في الجاهلية، تلك المغازي التي اشترك فيها المسلمون تحت راية قائدهم، الذي كان جل أتباعه ينظرون إليه نظرتهم إلى أمير استطاع بفضل حكمته وشجاعته المؤيدتين بروح من الله أن يحرز من آيات النصر أروعها وأعظمها أثراً في النفوس، وإذا كان لا يختلف في خلقه اختلافاً مشهوداً عن أمراء الجاهلية. ص. 51

ثم يمضي كاتب المادة ليتحدث عن السيرة العطرة بكلام لا يخرج إلا من حاقد حاسد. والمجال هنا ليس لعرض أفكار هذا الكاتب وإنما لعرض ردود الشيخ أمين الخولي على الأفكار السلبية التي بثها خلال كلامه ولنقف مع أمين الخولي في كلامه وتعليقه على هذه المادة فنقول: استعاذ أمين الخولي بداية بالله من همزات الشياطين، واستعاذ بربه أن يحضرون، ثم بدأ يرد على أول ما كتب هذا الكاتب من أن صورة النبي صلى الله عليه وسلم في نظر أتباعه هي صورة الملوك البهلوية، وأنه لا يختلف اختلافاً مشهوداً عن أمراء الجاهلية فقال أمين الخولي ما فحواه ما يأتي:

  • ذكرت أيها الكاتب أن لفظ سير هو الذي كان مفضلاً في الاستعمال قبل ذلك وهذه دعوى بدون دليل يؤيدها.
  • في قولك إن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ينظرون إليه نظرهم إلى الملوك البهلوية التي كان يعرفها العرب قبل الإسلام، ما دليلك على ذلك وما الشاهد على ذلك من خبرهم، وعن أي إحصاء صدرت هذه النظرة، وهل منهجك في هذا الكلام دقيق. ص51
  • ذكرت الأمراء في الجاهلية، وجعلت محمداً كأحدهم لا يختلف اختلافاً مشهوداً، فماذا كان الأمراء في تلك الحياة القبلية الأبوية الطابع، ومن هم أمراء الجاهلية الذين كانوا قواداً ذوي ألوية انتصر أتباعهم تحت قيادتهم وهل المنهج في هذه الدعاوي دقيق.
  • هل الاتجاه إلى ظواهر الملكية والإمارة في اعتبار أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم يتفق في شيء مع الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في مقام الرسالة التي هي أشرف بكثير من الملكية على تقرير بشريته ومماثلة الناس؟
  • هل الاتجاه إلى الملكية والإمارة يتفق مع تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم كنهية أصحابه عما تفعله الأعاجم بملوكها. ص. 52
  • هل كانت طبيعة الحياة العربية حول الرسول صلى الله عليه وسلم تهيئ له مثل هذا الاتجاه إلى الملكية والإمارة. ص. 52
  • متى قاتل محمد (صلى الله عليه وسلم) ومتى صار قائداً حتى تكون صورته عند جل أتباعه هي صورة قائد انتصروا تحت رايته، لقد عاش (صلى الله عليه وسلم) بضعاً وعشرين سنة لم يجرد سيفاً في أكثر هذه المدة حتى نجحت دعوته وتكون المجتمع الإسلامي. ص. 52
  • هل كان محمد صلى الله عليه وسلم يأخذ بين أصحابه صورة القائد المتفرد أو أنه كان ينزل على مشورتهم؟ ص. 52
  • هل كانت فترة الجهاد في حياة محمد صلى الله عليه وسلم فترة انتصارات فقط أم تخللها هزائم، إن حروبه كلها كانت حروب مقاومة ودفاع، ولم تكن غزواً ولا سطواً. ص. 52

ويواصل أمين الخولي ردوده على كاتب مادة السيرة، فيقول: ذكرت أن مصطلح سير يجيء دوماً في جل الاشارات التي لدينا عن المؤلفات العربية الأولى الخاصة بترجمة النبي مقترناً دوماً بمصطلح مغازي، واقتران هاتين الكلمتين يضئ لنا السبيل في التعرف على أصل السيرة. وهذه أيضاً دعوى ليس لها دليل، وإنما مرجعك في ذلك كاتب آخر من أبناء جلدتك هو (نولدكه) في كتابه تاريخ القرآن، والمنصف يتردد كثيراً في التسليم بهذا الاقتران الذي تريد أن تجعله مفتاحاً لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، لأننا وجدنا مجموعات حديثية كثيرة، ليس فيها اقتران المغازي بالسير، فعند مالك في موطأه كتاب الجهاد فقط، والبخاري يعنون على غزوات النبي محمد صلى الله عليه وسلم “كتاب المغازي.”

والفقهاء أنفسهم يقررون أن معنى السير طريق السير، ثم غلب على المغازي، ولكن لا اقتران بينهما، كما يريد الكاتب الذي يرنو من ذلك إلى جعل سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومغازيه ما هي إلا تطور لأيام العرب في الجاهلية، وهذه دعوى باطلة لا أدري كيف تجرأ الكاتب على إلقائها، وعلى وصف ما حدث من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه استمرار وتطور لأيام العرب، فهل كانت الحركة الإسلامية في حياة العرب استمراراً متصلاً بحياتهم في الجاهلية، وهل كانت حركاتهم الحربية في الإسلام استمراراً لحروبهم الجاهلية التي كانت في تلك الأيام، وهل مغازي المسلمين تعتبر مثل حرب البسوس أو حرب داحس والغبراء في الجاهلية، وهل التطور المغير لحياة العرب بظهور الإسلام تغيراً هيناً يسيراً يجعل حياتهم بعده استمراراً لحياتهم قبله، بحيث تكون مغازيهم في سبيل الدعوة الجديدة استمراراً وتطوراً لتطاحنهم العصبي القبلي، الذي كان بجاهليته وحمقه عاملاً منفراً للواعين فيهم من هذه الحال البشعة، التي جعلت الدعوة الإسلامية تحولاً جوهرياً في حياتهم.

وحتى لو تصورنا أن ما يريد الكاتب قوله هو أن “وصف” المغازي هو الذي كان استمراراً وتطوراً لوصف أيام العرب، لا نفس المغازي، فإننا لا نجد الطريق النافذ إلى هذا الفرض المصطنع لأننا لم نتلق من العصر الجاهلي وصفاً نثرياً لأيام العرب حتى يجد الكاتب المشابهة بينه وبين وصف المغازي على نحو ما قال.  ص. 55

ثم يمضي الكاتب ليبين أن أصل وضع السيرة يرجع إلى التحول الذي طرأ على شخصية محمد (صلى الله عليه وسلم) في ضمير المسلمين، وإلى رغبتهم في أن يضعوا منشئ هذا الدين في كفة منشئ دين النصارى ودين اليهود، عيسى وموسى وأنا (الخولي) أقول: فهل تأتلف الصورتان الجاهلية المحاربة، والنسخة من عيسى وموسى، وهل يمكن أن تكون الصورتان جانبين لوجهين من شخصية محمد صلى الله عليه وسلم في نظر جل أتباعه؟ وهل كان للأمراء الجاهليين أصحاب أيام العرب مثل هذه الظلال الروحية الإلهية. ص. 56

ويمضي الكاتب يجلب بخيله ورجله مستدعياً لكبار القادة من نولدكه ولامنس وجولدتسيهر وكيناني وأمثال هؤلاء ممن هاجموا الميدان الإسلامي حتى بلغ بهم المدى أن يقولوا إن الإسناد الإسلامي لا يحمل ما يثبت حجيته في مراحل سنده الأولى، وأن البناء الكامل للرواية الإسلامية عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم، في مرحلتها السابقة على الهجرة على الأقل، لا سند له بحال، وأن كل حادث وكل تفصيل تاريخي مزعوم ليس إلا نتيجة لتفسير ذاتي لآية من القرآن. وقد استعان الكاتب بكل هؤلاء وبأقوالهم، وكلها مردودة عليهم، واستعانة الكاتب هذه غابت عنها أصول منهجية عليا تكشف عن مواضع النقد في منهجه. فقد ربط السنة وقواعدها ومناهجها برواية السيرة وما فيها من مواضيع ضعف الرواية، ليخلص من ذلك إلى مهاجمة طبيعية رواية الحديث النبوي، فيذكر أن الأسطورة حول شخصية النبي، وما اجتمع حولها من قصص نسجت على منوال القصص اليهودية أو المسيحية وربما الإيرانية، وقد اتخذت لها القواعد والمناهج على يد مدارس المحدثين في المدينة، وهو بهذا قد أخفى الحقيقة عن عمد، أو على أقل تقدير، أخل بواجب الاطلاع على أمور مشهورة سائرة في هذا المقام، فإن هذه الأساطير التي يسميها مغازي قد شملتها قاعدة مشهورة عند نقاد الحديث على لسان الإمام أحمد بن حنبل حيث قال “ثلاثة كتب ليس لها أصول المغازي والملاحم والتفسير،” قال المحققون من أصحابه “مراده أن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحاح متصلة.” فلماذا أخفى الكاتب مثل هذه المقولة وسوى بين رواية السنة ورواية السيرة وهاجم الروايتين على السواء في طبيعتها وبنائها. كذلك يربط الكاتب بين السيرة والتفسير فإذا ما سمعنا المقولة السابقة عرفنا أن الكاتب قد دعم منهار بمنهار وأخفى انهيار الأصلين عند أصحاب المنهج النقلي في الإسلام.

يهاجم الكاتب رواية السنة ورواية السيرة على حد سواء، ثم يناقض نفسه في إيراد كلام يشهد للرد عليه، حيث يذكر أن ابن إسحاق كاتب السيرة قد اضطرب استعماله للإسناد اضطراباً عظيماً، صدم فقهاء علم الحديث المتمسكين بأصول السنة صدمة عنيفة، فأنكروا عليه بالإجماع صفة المحدث الثبت، فلم يجد ابن إسحاق بداً من هجر التدريس في المدينة، ثم يستطرد الخولي فيقول: وهذا الحكم عظيم الأهمية فهو يفرق تفرقة واضحة بين الحديث التاريخي والحديث العقيدي الخالص، وهكذا جرى الحق على لسان نفسه، فلذلك أقول له ومن فمك أدينك في هدوء وهوادة.

وأخيراً يذكر الكاتب عن أهل المدينة أن التُقى قد مال بهم عن السبيل الذي ينبغي أن تسير فيه حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فاستعانوا في ذلك بشتى التوفيقات الفقهية وبالأصول الدخيلة، فلا تجد الحوادث التي رووها سنداً من الرواية التاريخية. يرد الخولي بالقول: ونحن نخشى عليه من الذي خشيه على أهل المدينة، من أن التُقي قد حدا به إلى الأخذ بعين لامنس الذي ذكر هذا، وجرى الكاتب بدافع من التقى إلى الميل إلى حب لامنس وترك الحقيقة.  ص. 67، 68

هذه هي مادة السيرة وما علقه حولها أمين الخولي ولعلك لا تصدق أن صاحب هذا التعليق هو أمين الخولي خاصة إذا رأيت بنفسك دفاعه عن رواة السنة النبوية، وأنها تنقسم إلى رواية تختص بالسيرة والتفسير والملام وهي خفيفة الضبط، ورواية أخرى تتعلق بالحديث النبوي العقدي الذي يختص سائر السنة النبوية وهذه شديدة التوثيق جداً. إذا رأيت ذلك هنا واستدعيت كلامه قبل في مادة التفسير وتأثره الشديد بلامنس لعلك لا تصدق أنه شخص واحد.

الشريعة: هذه هي المادة الرابعة من المواد التي كتبت في دائرة المعارف الإسلامية، كتبها أحد رجالات الغرب وعلق على هذه الكتابة أمين الخولي كعادته. نقف في عجالة مع ما كتب هذا الغربي ثم نقف وقفة متأنية مع ما كتب أمين الخولي.

ابتدأ الكاتب بتعريفه للشريعة لغةً، وبين أنها الطريق إلى مورد الماء، أو الطريق الذي يسلكه المؤمنون والديانة الإسلامية، واصطلاحاً هي القانون المعترف به في الإسلام، وهي ترادف كلمة شرعة التي تستعمل بمعنى العادة، والشارع هو النبي غالباً لكنها تطلق على الله عز وجل بوصف أنه المشرع، والمشروع هو ما نصت عليه الشريعة، وقد ورد الاستعمال للشريعة في القرآن الكريم في آيات كثيرة “شرع لكم من الدين”، “أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله”، “وكذلك جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها”. ص. 72

هذا وللشريعة بعض التعريفات القديمة كما عند الطبري من أنها الحدود والفرائض والأمر والنهي.  ص. 72 وعند أهل السنة الشريعة هي مصدر الحكم على الأفعال بالحسن والقبح ومردها إلى الله عز وجل بخلاف المعتزلة التي ترجع ذلك إلى العقل. ص. 72 والشريعة ليست إلا الأحكام الظاهرة فقط، التي تربط المكلف بالله I، فهي لا تهتم إلا بظاهر الإنسان، أما الباطن فإلى المحكمة الباطنة، لذلك كان بعض أهل الأرواح المتدينة يعارض المبالغة فيما هو فقهي، والفقهاء أنفسهم يقولون إن مجرد القيام بأحكام الشريعة ليس كافياً.

وتستمد الشريعة الإسلامية أحكامها من القرآن الكريم والحديث ومن الإجماع بعدهما. وأحكام الشريعة تعبدية ليس لأحد أن يناقش فيها، ولا يمكن إدراك أسرارها بالعقل بل يجب على الإنسان أن يقبل الشرع مع تناقضه وأحكامه التي لا يدركها العقل.  ص. 74

والمكلف في الشريعة هو البالغ العاقل، والقرآن الكريم كان بعيداً كل البعد عن استغراق شتى الميادين التي يجب أن تكون لها أحكام شرعية وإنما المصدر الأساسي بعد ذلك هو الآراء العربية القديمة والبدوية وقانون التعامل بمكة والمدينة والقانون العرفي الذي كان في البلاد المفتوحة وهو قانون روماني وقانون هندي.

وتنقسم أحكام الشريعة إلى أحكام تتعلق بالعبادات، وأخرى تتعلق بصيغ قضائية وسياسية، وثالثة يصعب إدراجها تحت نوع معين مثل الأحكام المتعلقة بالغناء والموسيقى والعلاقات بين الرجال والنساء والمباراة في الرماية والسباق وغير ذلك، هذا ولم يتحقق بذلك تقسيم الشريعة تقسيماً منهجياً لا عند أهل السنة الذين قسموها إلى عبادات ومعاملات وعقوبات، ولا عند الشيعة الذين قسموها إلى عبادات وعقود وإيقاعات وأحكام وإن كان تقسيم الشيعة أكثر منهجية بعض الشيء.  ص. 76

أما اقسام الحكم الشرعي فهي إلى فرض ومندوب ومباح ومكروه وحرام ولكل تقسيمه.  ص. 77، ويسري على هذه الأحكام الخمسة الصحة والجواز والفساد. ثم مضي الكاتب يتحدث عن الشريعة في سائر الدوال الإسلامية مثل تركيا ومصر وغيرها. ثم انبرى أمين الخولي للتعليق هذه المادة

أولاً: أوضح أمين الخولي أنه كان ينبغي أن يعتمد في دراسة هذه المادة على الدراسة التاريخية والدراسة المقارنة، فيتحدث عن مكانة الشريعة الإسلامية بين الشرائع؛ مثل المصرية والبابلية واليونانية وغيرها، ويتحدث عن تطور الشريعة الإسلامية التي نشأت في الجزيرة العربية، وعاشت واستقرت في مواطن الحضارة المختلفة من مصرية وفارسية وإغريقية، وأن يتحدث عن المقارنة بين الشريعة الإسلامية وأخواتها، وعن المبادئ القانونية فيها ومقاطع الحقوق ومناشئ الواجبات وصورة العدالة وغير ذلك، وكل هذا لم يحدث في كتابة هذه المادة من هذا الكاتب، وإنما ضيق النطاق في نقاط ووسعها في أخرى مما لا يتسم وبلاغة الحال.

ثانياً: ذكرت أيها الكاتب أن الشريعة ما هي إلا الأمر الفقهي الظاهر ولا تعلق لها بالباطن وفرقت بين المحكمة الظاهرة التي هي الشريعة والمحكمة الباطنة التي هي طريقة أرباب التصوف حتى يتوهم القارئ أن الذي تقوله إنكار للعمل القلبي في الشريعة، وأغفلت تماماً أن موضوعاً كالنية مثلاً عند الصوفية هي ما يصحب الفعل من باعث نفسي ومقصد خلقي وعند الفقهاء فهي ما يسبق الفعل من عقد العزم على أدائه، فهي شريعة محكمة ظاهرة، يوضح لك الفرق بين الشريعة والحقيقة جلياً واضحاً، وبذا يتضح الفرق بين الفقهاء والصوفية وأن هذه المدرسة قد امتد أثرها بعد ذلك في الحياة السياسية والاجتماعية والعملية ومس أمور العقائد كما مس التشريع من حيث طريقة الفهم من قرآن وحديث وقياس وإجماع وعبادات وأحكام، كما مس السلوك الخلقي والحكم عليه، حتى لقد امتد إلى مسألة المعرفة. ومن بعض مظاهر النزاع بين الفقهاء والصوفية تلك القضية التي أوردتها قاصرة في المادة؛ وهي هل الفقه يكفي لنجاة المسلم؟ والنزاع الكبير الذي ساد في ذلك حتى ظهرت فرقة الملامتية التي تعتبر أن الشريعة ما هي إلا أمر شكلي ضار يجب على الإنسان أن يتخلص منه تماماً لكن ذلك لم يحدث.

ثالثاً: ذكرت أيها الكاتب أن الشريعة الفقهية العملية هي العنصر المميز للتفكير الإسلامي، وهذا القول غير مسلم به، فإن التفكير الإسلامي كانت له جولاته الفلسفية العامة، وله ميدانه الخلقي النظري والسلوكي، وله من الميادين ما لا يفهم معه القول بأن الشريعة هي العنصر المميز للتفكير، وكيف ذلك والصوفية أنفسهم يحملون حملة شعواء على التفكير الفقهي لدرجة أنهم يتساءلون: هل الفقه كاف في نجاة المسلم أم لا؟

رابعاُ: ذكرت أن الشريعة ذات طابع مقدس، وهذا أيضاً من الأقوال الملقاة على عواهنها فإن الشريعة أمر يحتمل الخطأ، فإذا الفقهاء أنفسهم لم يدعوا هذا لأنفسهم بل تحدثوا عن الخطأ في الاجتهاد وعرفوا الاختلاف الشديد بين رجالاتهم وهو ما لا يفهم معه شيء من القدسية المزعومة.  ص. 88

خامساً: ذكرت أن الإجماع له أهمية فريدة وكبرى قديماً، والحقيقة غير ذلك لأن الإجماع منذ القدم تثار حوله أبحاث مختلفة لا تجعل له هذه الأهمية المبالغة المسرفة في عبارة المادة التي كتبتها، بل إن الأصوليين قد اختلفوا في الإجماع الذي يقبل، إجماع من؟ ومنهم من نفى الإجماع أصلاً إلخ. كما أن ذكرك لبعض من أجمع على الكتب الفقهية غير مسلَّم، لأن الإجماع في الشريعة لا يكون إلا على الأحكام الفقهية ولا يكون على الكتب. إلا إذا قصدت أن بعض أرباب المذاهب قد أجمعوا على كتب معينة في المذهب وبهذا يكون كلامك أيضاً ملقى على عواهنه. ص. 89

سادساً: ذكرت أن الأحكام الشرعية لا تعلل ولا يمكن إدراك أسرارها بالعقل بل يجب على الإنسان أن يقبلها مع تناقضها شيئاً ما، وهذا كلام يوشك من له صلة ما بميدان الفقه الإسلامي أن يضرب به عرض الحائط، وليعجب كيف يصدر هذا عن عالم يكتب في الفقه الإسلامي، وكتبه تدرس في بلاد إسلامية كالهند. إن كلامك هذا يحوي في فحواه التناقض، حيث ذكرت بعد ذلك أن أحكام الشريعة قد أخضعت للتقييم حتى أنتجت من جانبها مبتكرات فقهية بالغة الأهمية والدرجة في الأصالة، فكيف تذكر ذلك وأنت تقول أن أحكام الشريعة غير قابلة للتفكير، بل للقبول فقط، ألا ترى هذا تناقضاً؟

كذا يحوي كلامك هذا التهافت، إذ قد ذكرت أن الشريعة وأحكامها غير قابلة للتفكير ونحن نرى أن ضمن أحكام الشريعة “فاعتبروا يا أولي الأبصار،” وضمن أحكام الشريعة أيضاً شيء يقال له القياس، وهو حمل فرع على فرع يشترك معه في العليِّة، وكيف نفهم العلة إذا لم يقع تفكر. ص91،92، وهذا يعتبر تجاهلاً لهذا الفرع العظيم من أفرع الشريعة.

سابعاً: ذكرت المصادر المادية للشريعة، وذكرت بعض المصادر من آراء عربية قديمة وبدوية وقانون التعامل في مكة والمدينة… إلخ، ذكرت ذلك وجهلت أن المسلمين استقوا أحكام الشريعة من القرآن والسنة والإجماع والقياس، كذا جهلت أن شرع من قبلنا شرع لنا، إلا إذا حدث تعارض، كذا جهلت أن الأفعال التي أبقاها الإسلام من أفعال العرب كانت توائم وتلائم الوضع العملي والنظري للإسلام، وهو تقريره الوحدة الدينية الإنسانية وتصديقه لما بين يديه من الكتاب.

ولعلك إذا قرأت ما كتب بنفسك ترى ذلك عندما قلت نعم روعيت بطبيعة الحال أوامر القرآن والقواعد الأخرى التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن المسلمين أخذوا في الوقت نفسه دون تحرج بالقوانين التي وجدوها أمامهم في البلاد المفتوحة، ما دام لم يكن عليها اعتراض ديني. لعلك إذا قرأت ذلك عرفت أن هذا هو التفاعل الطبيعي بين الطارئين وبين سكان البلاد وبين الشريعة التي حملوها، والعرف القانوني الذي وجدوه. ص94، ومن لسانك أرد عليك.

الطلاق: هي المادة الخامسة التي كتبت ثم علق عليها الخولي، ذكر كاتب المادة حول الطلاق بعض معانيه اللغوية التي تدور حول فك القيد وبين معناه الشرعي وهو بينونة المرأة عن زوجها بتطليقه إياها وأوضح أن الطلاق قديم قبل الإسلام، ثم عرج على آيات الطلاق في القرآن الكريم في سورة البقرة والأحزاب والطلاق، واستخرج بعض أحكام الطلاق من أن الإسلام جعله أبغض الحلال، كذلك حرم اتخاذه وسيلة لابتزاز مال المرأة، فقصره على ثلاثة فقط كذلك استحدث أمر العدة وهو أمر مهم جداً، وأوضح الإسلام أمر الخلع وأنه يخالف الابتزاز للمال من المرأة ص98، 99. وأوضح الإسلام الطلاق السني والبدعي. ولكن لم يعرض القرآن لأمر الطلاق ثلاثاً متتابعة فاختلفت فيها الروايات الحديثية كذا بينت السنة حكم المحلل وحكم الطلاق قبل الزواج.

يقول كاتب المادة: ومما أهمله القرآن في أمر الطلاق طلاق الأرقاء والعبيد فأوضحت السنة ذلك ووضحت أمر النية وموقعها في الطلاق، وطلاق المكره والمجنون ومن لم يتزوج، وأمر المزاح في الطلاق. ثم عاد الكاتب فأجمل ما كتبه قبل ذلك ص. 104، 105، وفرق بين الطلاق عند أهل السنة وعند الشيعة، وأنه يكاد يكون متوافقاً إلا في أحكام يسيرة من إشهاد شاهدي عدل عند الشيعة عليه، وحمل الألفاظ التي تحتمل أكثر من وجه على الطلاق ص107، ثم انبرى الخولي ليعلق تعليقاً يسيراً على هذه المادة المعجمية فبين:

عدم وضوح الطابع الذي ميز هذه الكتابة في مادة الطلاق هل هو طابع تاريخي أو اجتماعي أو فقهي وإذا كان فقهياً فهل من فقه القرآن أو السنة أو الفقه المذهبي.

أن الكاتب في هذه المادة ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوقع الطلاق من فوره على نساء استعذن بالله أمامه، وأنه أشار بأن يطلق عبد الله بن عمر زوجته لأجل أن أباه كان يكرهها، وفي هذا الكلام كلام، حيث لم يكن أمر الاستعاذة من جمع من النساء كما ذكر، كما أن مزجه لطلاق النبي صلى الله عليه وسلم بعض نساء استعذن بالله أمامه وأمره لابن عمر طلاق زوجته مما يلمز به أن الطلاق كان هيناً ويسيراً، أما طلاق النبي لزوجة استعاذت بالله أمامه (منه)، فإن هذا لأن المودة والرحمة التي تعد من مبادئ الزواج لم تتحقق، فلذلك طلقها الرسول صلى الله عليه وسلم، كذلك لا موضع للغمز على أمر الاستعاذة من الرسول فإن هذا من حيل النساء، وقد أفهمن هذه المرأة (المستعيذة) أن هذا هو ما يحبه الرسول عليه الصلاة والسلام، والمسألة كلها أهون من أن نطيل فيها، أما أمر النبي لابن عمر طلاق زوجته، فالأولى أن نعرف أن الإسلام أرشد إلى احترام الوالدين من جهة، وإلى معاشرة النساء بالمعروف من جهة أخرى فقال “وعاشروهن بالمعروف،” ثم ننظر إلى حادثة ابن عمر رضي الله عنه فنرى أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله إن عند عبد الله بن عمر امرأة كرهتها له فأمرته أن يطلقها فأبى، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الله طلق امرأتك فطلقها، فنحن نرى أن عمر بن الخطاب كرهها لابنه، ولم يكرهها كامرأة، وبون شاسع بين الأمرين، ناهيك عما في سند الحديث من ضعف. ص. 110.

عرض:

د. محمود خليفة الحفناوي الأزهري

مدرس العلوم الشرعية بجامعة الأزهر،

والوكيل السابق لكلية العلوم الإسلامية الأزهرية للطلاب الوافدين بجامعة الأزهر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] غفل الخولي تماماً عن أن هذه المقولة هي عمدة التوثيق في هذه العلوم الثلاثة، ومقصدها أن هذه العلوم الثلاثة لا تحتاج للمنهج التوثيقي الكامل الذي شرطه المحدثون لتوثيق النصوص مثل القرآن الكريم والحديث القدسي والحديث النبوي، ومصداق ذلك أن حفص بن سليمان صاحب القراءة التي عليها جموع من الأمة، ليس له وزن في الحديث، وهو في القراءة ثبت ثقة لا يباري بناء على أقوال علماء الجرح والتعديل أنفسهم، فالتفسير والسيرة لا تحتاج للمنهج الكامل الذي يحتكم إليه المحدثون في توثيق الأحاديث.

عن محمود خليفة الحفناوي الأزهري

شاهد أيضاً

أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي: هبرماس أنموذجًا

تأليف: أ. د. أسماء حسين ملكاوي

عرض: أ. يارا عبد الجود

تذكر الكاتبة في مقدمة الكتاب الهدف الرئيسي للدراسة والذي يدور حول البحث عن نظرية أخلاقية في التواصل وذلك باستدعاء نظرية "أخلاقيات النقاش" عند هبرماس التي تحاول الدراسة أن تقف على إمكانية تطبيقها في سياق العالم الرقمي، ومحاولة إسقاطها على التطبيقات التواصلية الحديثة والفيسبوك منها تحديدًا.

أزمة العالم الحديث

تأليف: رينيه جينو (عبد الواحد يحيى)

ترجمة: د. أسامة شفيع السيد

عرض: أ. أميرة مختار

يشير جينو إلى أن هذا الكتاب تتمة وإيضاح لما بدأه في كتابه السابق "الشرق والغرب"، وأن الأمور تسارعت وأكدت ما كان قد أشار إليه فيه.، ويرى أن مفهوم الأزمة هو الوضع الحرج الذي ينبئ عن وقوع كارثة وشيكة أو تحولا عميقا. وأن الحقبة الحديثة تمثل زمان بحثه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.