علم التوحيد

الصفحات التالية من كتاب رسالة التوحيد للإمام محمد عبده#.

التوحيد علم يبحث فيه عن وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفات *، وما يجوز أن يوصف به، وما يجب أن ينفي عنه، وعن الرسل لإثبات رسالتهم وما يجب أن يكونوا عليه، وما يجوز أن ينسب إليهم، وما يمتنع أن يلحق بهم.

أصل معنى التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، وسمى هذا العلم به تسمية له بأهم أجزائه، وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق** الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون، ومنتهى كل قصد، وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كما تشهد به آيات الكتاب العزيز.

وقد يسمى علمَ الكلام إما لأن أشهر مسألة وقع فيها الخلاف بين علماء القرون الأولى هي أن كلام الله المتلو حادث أو قديم. وإما لأن مبناه الدليل العقلى وأثره يظهر من كل متكلم في كلامه وقلما يرجع فيه إلى النقل، اللهم إلا بعد تقرير الأصول الأولى، ثم الانتقال منها إلى ما هو أشبه بالفرع عنها، وإن كان أصلا لما يأتي بعدها. وإما لأنه في بيان طرق الاستدلال على أصول الدين أشبه بالمنطق في تبيينه مسالك الحجة في علوم أهل النظر، وأبدل المنطق بالكلام[1] للتفرقة بينهما.

هذا النوع من العلم، علم تقرير العقائد وبيان ما جاء في النبوات كان معروفاً عند الأمم قبل الإسلام، ففي كل أمة كان القائمون بأمر الدين يعملون لحفظه وتأييده، وكان البيان من أول وسائلهم إلى ذلك، لكنهم كانوا قلما ينحون في بيانهم نحو الدليل العقلى وبناء آرائهم وعقائدهم على ما في طبيعة الوجود، أو ما يشتمل عليه نظام الكون، بل كانت منازع العقول في العلم، ومضارب الدين في الإلزام بالعقائد وتقريبها من مشاعر القلوب على طرفى نقيض. وكثيراً ما صرح الدين على لسان رؤسائه أنه عدو العقل نتائجه ومقدماته. فكان جل ما في علوم الكلام تأويل وتفسير وإدهاش بالمعجزات، أو إلهاء بالخيالات، يعلم ذلك من له إلمام بأحوال الأمم قبل البعثة الإسلامية.

جاء القرآن فنهج· بالدين منهجاً لم يقم عليه ما سبقه من الكتب المقدسة، منهجاً يمكن لأهل الزمن الذي أنزل فيه ولمن يأتي بعدهم أن يقوموا عليه، فلم يقصر الاستدلال على نبوة·· النبي صلى الله عليه وسلم بما عهد الاستدلال به على النبوات السابقة، بل جعل الدليل في··· حال النبي مع نزول الكتاب عليه في شأن من البلاغة يعجز البلغاء عن محاكاته فيه، ولو في مثل أقصر سورة منه، وقص علينا من صفات الله ما أذن الله لنا§ أو ما أوجب علينا أن نعلم، لكن لم يطلب التسليم به لمجرد أنه جاء بحكايته، ولكنه أقام الدعوى وبرهن §§ [2] وحكى مذاهب المخالفين وكرَّ عليها بالحجة [3] وخاطب العقل، واستنهض الفكر، وعرض نظام الأكوان وما فيها من الإحكام والإتقان على أنظار العقول، وطالبها بالإمعان فيها لتصل بذلك إلى اليقين بصحة ما ادعاه ودعا إليه، حتى في سياق  قصص أحوال السابقين، كان يقرر أن للخلق سنة§§§ لاتتغير، وقاعدة لا تتبدل، فقال: (48: 23 سنة الله التي قد دخلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا)، وصرح (13: 11 إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، واعتضد بالدليل حتى في باب الأدب فقال (41: 34 ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، وتآخى العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدس على لسان نبي مرسل بتصريح لا يقبل التأويل، وتقرر بين المسلمين كافة  إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه  أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل، كالعلم بوجود الله وبقدرته على إرسال الرسل وعلمه بما يوحى به إليهم وإرادته لاختصاصهم برسالته، وما يتبع ذلك مما يتوقف عليه فهم معنى الرسالة، وكالتصديق بالرسالة نفسها، كما أجمعوا على أن الدين إن جاء بشئ قد يعلو على الفهم فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل.

جاء القرآن يصف الله بصفات – وإن كانت أقرب إلى التنزيه مما وصف به في مخاطبات الأجيال السابقة – فمن صفات البشر ما يشاركها في الاسم أو في الجنس[4]، كالقدرة والاختيار والسمع والبصر، وعزا إليه أموراً يوجد ما يشبهها في الإنسان كالاستواء على العرش وكالوجه واليدين. ثم أفاض في القضاء السابق وفي الاختيار الممنوح للإنسان وجادل الغالين من أهل المذهبين، ثم جاء بالوعد والوعيد على الحسنات والسيئات ووكل الأمر في الثواب والعقاب إلى مشيئة الله وأمثال ذلك مما لاحاجة إلى بيانه في هذه المقدمة. فاعتبار حكم العقل مع ورود أمثال هذه المتشابهات في النقل فسح مجالاً للناظرين، خصوصاً ودعوة الدين إلى الفكر في المخلوقات لم تكن محدودة بحد ولا مشروطة بشرط، للعلم بأن كل نظر صحيح فهو مؤد إلى الاعتقاد بالله على ما وصفه بلا غلو في التجريد ولا دنو من التحديد[5].

مضى زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهو المرجع في الحيرة، والسراج في ظلمات الشبهة، وقضى الخليفتان بعده ما قدر لهما من العمر في مدافعة الأعداء وجمع كلمة الأولياء، ولم يكن للناس من الفراغ ما يخلون فيه مع عقولهم، ليبتلوها بالبحث في مباني عقائدهم. وما كان من اختلاف قليل رد إليهما، وقضى الأمر فيه بحكمهما، بعد استشارة من جاورهما من أهل البصر بالدين إن كانت حاجة إلى الاستشارة، وأغلب الخلاف كان في فروع الأحكام لا في أصول العقائد، ثم كان الناس في الزمنين يفهمون إشارات الكتاب ونصوصه، يعتقدون بالتنزيه ويفوضون فيما يوهم التشبيه، ويرون أن له معنى غير ما يفهمه ظاهر اللفظ.

كان الأمر على ذلك إلى أن حدث ما حدث في عهد الخليفة الثالث وأفضى إلى قتله. هوى بتلك الأحداث ركن عظيم من هيكل الخلافة، واصطدم الإسلام وأهله* صدمة[6] زحزحتهم عن الطريق التي استقاموا عليها، وبقى القرآن قائماً على صراطه (15: 9 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وفُتِح للناس باب لتعدى الحدود التي حدها الدين، فقد قتل الخليفة بدون حكم شرعي، وأشعر الأمر قلوب العامة أن شهوات تلاعبت بالعقول في أنفس من لم يملك الإيمان قلوبهم، وغلب الغضب على كثير من الغالين في دينهم، وتغلب هؤلاء وأولئك على أهل الأصالة منهم، فقضيت أمور على غير ما يحبون.

وكان من العاملين فى تلك الفتنة عبدالله بن سبأ، يهودي أسلم وغلا في حب على كرم الله وجهه حتى زعم أن الله حل فيه، وأخذ يدعو إلى أنه الأحق بالخلافة، وطعن على عثمان فنفاه، فذهب إلى البصرة وبث فيها فتنته فأُخرج منها فذهب إلى الكوفة ونفث من سم الفتنة، فنفى منها فذهب إلى الشام فلم يجد فيها ما يريد، فذهب إلى مصر فوجد فيها أعواناً على فتنته إلى أن كان ما كان مما ذكرناه، ثم ظهر بمذهبه في عهد على فنفاه إلى المدائن، وكان رأيه جرثومة لما حدث من مذاهب الغلاة من بعده.

توالت الأحداث بعد ذلك ونقض بعض المبايعين للخليفة الرابع ما عقدوا، وكانت حروب بين المسلمين انتهى فيها أمر السلطان إلى الأمويين. غير أن بناء الجماعة قد انصدع وانفصمت عرى الوحدة بينهم، وتفرقت بهم المذاهب في الخلافة، وأخذ الأحزاب في تأيد آرائهم كلُُ ينصر رأيه على رأى  خصمه بالقول والعمل، وكانت نشأة الاختراع في الرواية والتأويل، وغلا كل قبيل، فافترق الناس إلى شيعة وخوارج ومعتدلين. وغلا الخوارج * فكّفروا من عداهم، ثم استمر عنادهم وطلبهم لحكومة أشبه بالجمهورية وتكفيرهم لمن يخالفهم زمناً طويلاً إلى أن تضعضع أمرهم ** وانتشرت فارَّتهم في بلاد المغرب فأشعلوا فيها الفتن، وبقيت منهم بقية إلى اليوم في أطراف أفريقيا وناحية من جزيرة العرب[7]. وغلا بعض الشعية فرفعوا علياَّ أو بعض ذريته إلى مقام الألوهية أو ما يقرب منه، وتبع ذلك خلاف في كثير من العقائد.

غير أن شيئا من ذلك لم يقف في سبيل الدعوة الإسلامية ولم يحجب ضياء القرآن عن الأطراف المتنائية عن مثار النزاع, وكان الناس يدخلون فيه أفواجا من الفرس والسوريين ومن جاورهم، والمصريين والأفريقيين ومن يليهم، واستراح جمهور عظيم من العمل في الدفاع عن سلطان الإسلام، وآن لهم أن يشتغلوا في أصول العقائد والأحكام بما هداهم إليه سير القرآن، اشتغالاً يحرص فيه على النقل، ولا يهمل فيه اعتبار العقل، ولا يغض فيه من نظر الفكر، ووجد من أهل الإخلاص من انتدب للنظر في العلم والقيام بفريضة التعليم، ومن أشهرهم الحسن البصري فكان له مجلس للتعليم والإفادة في البصرة يجتمع إليه الطالبون من كل صوب، وتمتحن فيه المسائل من كل نوع. وكان قد التحف بالإسلام ولم يتبطنه أناس من كل ملة دخلوه حاملين لما كان عندهم، راغبين أن يصلوا بينه وبين ما وجدوه، فثارت الشبهات بعد ما هبت على الناس أعاصير الفتن، واعتمد كل ناظر على ما صرح به القرآن من إطلاق العنان للفكر، وشارك الدخلاء من حق لهم السبق من العرفاء، وبدت رؤوس المشاقين تعلو بين المسلمين.

وكانت أول مسألة ظهر الخلاف فيها مسألة الاختيار واستقلال الإنسان بإرادته وأفعاله الاختيارية ومسألة من ارتكب الكبيرة ولم يتب، اختلف فيها واصل بن عطاء وأستاذه الحسن البصري، غير أن كثيراً من السلف ومنهم الحسن على قول أن العبد مختار في أعماله الصادرة عن عمله وإرادته. وقام ينازع هؤلاء أهل الجبر الذين ذهبوا إلى أن الإنسان في عمله الإرادي كأغصان الشجرة في حركاتها الاضطرارية. كل ذلك وأرباب السلطان من بني مروان لا يحفلون بالأمر ولا يعنون برد الناس إلى أصل وجمعهم على أمر يشملهم، ثم يذهب كل إلى ما شاء* (سوى أن عمر بن عبدالعزيز أمر الزهرى بتدوين ما وصل إليه من الحديث[8] وهو أول من جمع الحديث)، ثم لم يقف الخلاف عند المسألتين السابقتين، بل امتد إلى إثبات صفات المعاني للذات الإلهية أو نفيها عنها، وإلى تقرير سلطة العقل في معرفة جميع الأحكام الدينية حتى ما كان منها فروعاً وعبادات (غلوَّا في تأييد خطة القرآن) أو تخصيص تلك السلطة بالأصول الأولى على ما سبق بيانه، ثم غالى آخرون وهم الأقلون فمحوها بالمرة، وخالفوا في ذلك طريقة الكتاب عناداً للأولين، وكانت الآراء في الخلفاء والخلافة تسير مع الآراء في العقائد كأنها مبنى من مباني الاعتقاد الإسلامي.

تفرقت السبل باتباع واصل [9] وتناولوا من كتب اليونان ما لاق بعقولهم وظنوا من التقوى أن تؤيد العقائد بما أثبته العلم بدون تفرقة بين ماكان منه راجعا إلى أوليات العقل، وما كان سراباً في نظر الوهم، فخلطوا بمعارف الدين ما لا ينطبق حتى على أصل من أصول النظر، ولجوا في ذلك حتى صارت شيعهم تعد بالعشرات. أيدتهم الدولة العباسية وهي في ريعان القوة فغلب رأيهم، وابتدأ علماؤهم يؤلفون الكتب، فأخذ المتمسكون بمذاهب السلف يناضلونهم معتصمين بقوة اليقين، وإن لم يكن لهم عضد من الحاكمين.

عرف الأولون من العباسيين ماكان من الفرس في إقامة دولتهم وقلب دولة الأمويين، واعتمدوا على طلب الأنصار فيهم، وأعدوا لهم منصات الرفعة بين وزرائهم وحواشيهم، فعلا أمر كثير منهم وهم ليسوا من الدين في شئ. وكان فيهم المانوية واليزدية ومن لا دين له وغير أولئك من الفرق الفارسية فأخذوا ينفثون من أفكارهم، ويشيرون بحالهم وبمقالهم إلى من يرى مثل آرائهم أن يقتدوا بهم، فظهر الإلحاد وتطلعت رؤوس الزندقة حتى صدر أمر المنصور بوضع كتب لكشف شبماتهم وإبطال مزرعمهم.

فيما حوالى هذا العهد كانت نشأة هذا العلم نبتاً لم يتكامل نموه، وبناء لم يتشامخ علوه، وبدأ علم الكلام* كما انتهي مشوباً بمبادئ النظر في الكائنات جرياً على ما سنه القرآن من ذلك. وحدثت فتنة القول بخلق القرآن أو أزليته[10] وانتصر للأول جمع من خلفاء العباسيين، وأمسك عن القول أو صرح بالأزلية عدد غفير من المتمسكين بظواهر الكتاب والسنة، أو المتعففين عن النطق بما فيه مجاراة البدعة، وأهين في ذلك رجال من أهل العلم والتقوى، وسفكت فيه دماء بغير حق. وهكذا تعدى القوم حدود الدين باسم الدين. على هذا كان النزاع بين ما تطرَّف من نظر العقل وما توسط أو غلا من الاستمساك بظاهر الشرع، والكل على وفاق على أن الأحكام الدينية واجبة الاتباع، ما تعلق منها بالعبادات والمعاملات وجب الوقوف عنده، وما مس بواطن القلوب وملكات النفوس فرض توطين النفس عليه*، وكان وراء هؤلاء قوم من أهل الحلول أو الدهريين طلبوا أن يحملوا القرآن على ما حملوه عند التحافهم بالإسلام، وأفرطوا في التأويل، وحولوا كل عمل ظاهر إلى سر باطن، وفسروا الكتاب بما يبعد عن تناول الخطاب، بُعِد الخطأ عن الصواب، وعرفوا بالباطنية أو الإسماعيلية ولهم أسماء أخر تعرف في التاريخ، فكانت مذاهبهم غائلة الدين وزلزال اليقين، وكانت لهم فتن معروفة وحوادث مشهورة.

مع اتفاق السلف وخصومهم في مقارعة هؤلاء الزنادقة وأشياعهم كان أمر الخلاف بينهم جللاً، وكانت الأيام بينهم دولا، ولا يمنع ذلك من أخذ بعضهم عن بعض واستفادة كل فريق من صاحبه، إلى أن جاء الشيخ أبوالحسن الأشعرى في أوائل القرن الرابع[11]، وسلك مسلكه المعروف وسطاً بين موقف السلف، وتطرف من خالفهم، وأخذ يقرر العقائد على أصول النظر، وارتاب فى أمره الأولون، وطعن كثير منهم على عقيدته، وكفره الحنابلة واستباحوا دمه، ونصره جماعة من أكابر العلماء كإمام الحرمين والإسفرايينى وأبى بكر الباقلاني وغيرهم[12]، وسموا رأيه بمذهب أهل السنة والجماعة، فانهزم من بين أيدي هؤلاء الأفاضل قوتان عظيمتان، قوة الواقفين عند الظواهر، وقوة الغالين في الجرى خلف ما تزينه الخواطر، ولم يبق من أولئك وهؤلاء بعد نحو (من) قرنين إلا فئات قليلة في أطراف البلاد الإسلامية.

غير أن الناصرين لمذهب الأشعري بعد تقريرهم ما بنى رأيه عليه من نواميس الكون أوجبوا على المعتقد أن يوقن بتلك المقدمات ونتائجها كما يجب عليه اليقين بما تؤدي إليه من عقائد الإيمان ذهاباً منهم إلى أن عدم الدليل يؤدي إلى عدم المدلول، ومضى الأمر على ذلك إلى أن جاء الإمام الغزالى والإمام الرازى، ومن أخذ مأخذهم، فخالفوهم في ذلك وقرروا أن دليلاً واحداً أو أدلة كثيرة قد يظهر بطلانها، ولكن قد يستدل على المطلوب بما هو أقوى منها، فلا وجه للحجر فى الاستدلال .

أما مذاهب الفلسفة فكانت تستمد آراءها من الفكر المحض، ولم يكن من همّ أهل النظر من الفلاسفة إلا تحصيل العلم والوفاء بما يندفع إليه رغبة العقل من كشف مجهول أو استكناه معقول، وكان يمكنهم أن يبلغوا من مطالبهم ما شاءوا، وكان الجمهور من أهل الدين يكنفهم بحمايته ويدع لهم من إطلاق الإرادة ما يتمتعون به في تحصيل لذة عقولهم وإفادة الصناعة وتقوية أركان النظام البشري بما يكشفون من مساتير الأسرار المكنونة في ضمائر الكون مما أباح الله لنا أن نتناوله بعقولنا وأفكارنا في قوله: (2: 29 خلق لكم ما فى الأرض جميعاً)، إذ لم يستثن من ذلك ظاهراً ولا خفياً، وما كان عاقل من عقلاء المسلمين ليأخذ عليهم الطريق أو يضع العقاب في سبيلهم إلى ما هدوا إليه بعد ما رفع القرآن من شأن العقل، وما وضعه من المكانة بحيث ينتهي إليه أمر السعادة والتمييز بين الحق والباطل والضاروالنافع، وبعد ما صح من قوله عليه السلام أنتم أعلم بشئون دنياكم[13] وبعد ما سن لنا في غزوة بدر من سنة الأخذ بما صدق من التجارب وصح من الآراء.

لكن يظهر أن أمرين غلبا على غالبهم: الأول: الإعجاب بما نقل إليهم عن فلاسفة اليونان خصوصاً عن أرسطو وأفلاطون، ووجدان اللذة في تقليدهما لبادئ الأمر، والثاني: الشهوة الغالبة على الناس في ذلك الوقت وهو أشأم الأمرين*. زجوا بأنفسهم[14] فى المنازعات التي كانت قائمة بين أهل النظر فى الدين واصطدموا بعلومهم فى قلة عددهم مع ما انطبعت عليه نفوس الكافة[15]. فمال: حماة العقائد عليهم، وجاء الغزالى، ومن على طريقته فأخذوا جميع ما وجد فى كتب الفلاسفة مما يتعلق بالإلهيات وما يتصل بها من الأمور العامة أو أحكام الجواهر والأغراض ومذاهبهم فى المادة وتركيب الأجسام وجميع ما ظنه المشتغلون بالكلام يمس شيئاً من مبانى الدين، واشتدوا فى نقده وبالغ المتأخرون منهم في تأثرهم، حتى كاد يصل بهم السير إلى ما وراء الاعتدال، فسقطت منزلتهم من النفوس ونبذتهم العامة، ولم تحفل بهم الخاصة، وذهب الزمان بما كان ينتظر العالم الإسلامي من سعيهم.

هذا هو السبب فى خلط مسائل الكلام بمذاهب الفلسفة فى كتب المتأخرين كما نراه فى كتب البيضاوي والعضد وغيرهم[16] وجمع علوم نظرية شتى وجعلها جميعاً علماً واحداً، والذهاب بمقدماته ومباحثه إلى ما هو أقرب إلى التقليد من النظر، فوقف العلم عن التقدم.

ثم جاءت فتن طلاب الملك من الأجيال المختلفة، وتغلب الجهال على الأمر، وفتكوا بما بقى من أثر العلم النظرى النابع من عيون الدين الإسلامي فانحرفت الطريق بسالكيها، ولم يعد من الناظرين فى كتب السابقين إلا تحاور فى الألفاظ وتناظر فى الأساليب، على أن ذلك فى قليل من الكتب اختارها الضعف وفضلها القصور[17]. ثم انتشرت الفوضى العقلية بين المسلمين تحت حماية الجهلة من ساستهم، فجاء قوم ظنوا فى أنفسهم ما لم يعترف به العلم لهم، فوضعوا ما لم يعد للإسلام قَبُلُ باحتماله، غيرأنهم وجدوا من نقص المعارف أنصاراً، ومن البعد عن ينابيع الدين أعواناً، فشردوا بالعقول عن مواطنها، وتحكموا فى التضليل والتكفير، وغلوا فى ذلك حتى قلدوا بعض من سبق من الأمم فى دعوى العداوة بين العلم والدين، وقالوا لما تصف ألسنتهم الكذب: هذا حلال، وهذا حرام، وهذا كفر، وهذا إسلام، والدين من وراء ما يتوهمون، والله جل شأنه فوق ما يظنون وما يصفون، ولكن ماذا أصاب العامة فى عقائدهم ومصادر أعمالهم من أنفسهم بعد طول الخبط، وكثرة الخلط؟ شر عظيم وخطب عميم.

هذا مجمل من تاريخ هذا العلم ينبئك كيف أسس على قواعد من الكتاب المبين، وكيف عبثت به فى نهاية أمره أيدى المفرقين، حتى خرجوا به عن قصده، وبعدوا به عن حده.

والذى علينا اعتقاده أن الدين الإسلامي دين توحيد فى العقائد، لا دين تفريق فى القواعد، العقل من أشد أعوانه والنقل من أقوى أركانه، وما وراء ذلك فنزغات شياطين، أو شهوات سلاطين، والقرآن شاهد على كل بعمله، قاض عليه فى صوابه وخطله.

الغاية من هذا العلم القيام بفرض مجمع عليه، وهو معرفة الله تعالى بصفاته الواجب ثبوتها له، مع تنزيهه عما يستحيل اتصافه به، والتصديق برسله على وجه اليقين الذى تطمئن به النفس اعتماداً على الدليل، لا استرسالاً مع التقليد، حسبما أرشدنا إليه الكتاب، فقد أمر بالنظر واستعمال العقل فيما بين أيدينا من ظواهر الكون وما يمكن النفوذ إليه من دقائقه، تحصيلا لليقين بما هدانا إليه، ونهانا عن التقليد بما حكى عن أحوال الأمم فى الأخذ بما عليه آباؤهم، وتبشيع ما كانوا عليه من ذلك واستتباعه لهدم معتقداتهم، وامحاء وجودهم الملى، وحق ما قال[18]، فإن التقليد كما يكون فى الحق يأتي فى الباطل، وكما يكون فى النافع يحصل فى الضار، فهو مضلة يعذر فيها الحيوان، ولا تجمل بحال الإنسان.

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

# محمد عبده (). رسالة التوحيد/ تحقيق محمود أروريه. القاهرة: دار المعارف، 2003. ص ص. 21- 34.

*  من صفاته.

** في خلقه الأكوان.

[1]  الصواب، وأبدل الكلام بالمنطق لأن الباء تدخل على التروك

  • جاء القرآن فانتهج
  • · فترك الاستدلال على نبوة النبي (ص)
  • ·· وحصر الدليل
  • وتناول من مقام الألوهية.
  • § ولكنه ادعى وبرهن

[2] أي الدليل الذي هو العمدة في التحدي وإن وجد غيره.

[3] أى حمل عليها مجالداَ لها بالحجة .

  •  كان يقرر أن للخلفة سنة.

[4] قولان اختار المؤلف في الدرس أولهما.

[5] الغلو في التجريد مذهب المعطلة منكرى الصفات، والدنو من مذهب المشبهة، وبينها مذهب السلف الوسط، وهو أن نصفه تعالى بما وصف به نفسه بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، ويقرب منه مذهب متكلمي الخلف الذين يمنعون التعطيل والتمثيل دون التأويل لبعض الصفات والأفعال.

* واصطدم الإسلام بأهله.

[6] اي وقعت الصدمة على الإسلام وعلى أهله الذين أحدثوا فيه فأثرت فيهم ولم تؤثر في القرآن الي كفل الله حفظه فبقى حجة عليهم.

* زيادة (في عهد مروان الأول).

** زيادة (على يد المهلب بن أبي صفرة)

[7] إنه يعني بهذه البقية: الأباضية الذين في طرابلس الغرب وصحراء الجزائر وزنجبار من أفريقية وفي عمان من جزيرة العرب.

* زيد هذا السطر الذي تحته خط.

[8] الصواب أمر بذلك أبا بكر محمد بن حزم الأنصاري مات سنة 120هـ.

[9] هم المعتزلة.

* وبدأ كما أنتهي.

[10] قال السيد رشيد: التحقيق أن كلا من القولين مبتدع فوصف القرآن بالقدم والأزلية لا أصل له من الكتاب والسنة ولم يقل به أحد من الصحابة ولا التابعين. وهذا الكلام الذي قال السيد رشيد قد نقله عن العلامة المقيلى في كتابه العلم المشايخ ولم يعزه إليه رحمهما الله.

* فرض التروض عليه.

[11] ولد سنة 270 ه وقيل سنة 260 وتوفى سنة 330ه ونيف وقيل سنة 324ه.

[12] أى نصرة هؤلاء بعد موته

[13] رواه مسلم من حديث أنس وعائشة بلفظ (بأمر دنياكم)

* (والثاني) روح الوقت.

[14] استئناف لبيان ثاني الأمرين وكونه أشامهما حاصلة أن الفلاسفة لو لم يخلطوا فنونهم بالدين، ويزجوا بأنفسهم فى المنازعات الدينية لتركوا وشأنهم فى البحث وإذاً لارتقت علومهم وارتقت بها الصناعة واتسع العمران. ذكره المؤلف فى الدرس وكان من رأيه أنه يجب أن لا تمزح الفلسفة والعلوم الدنيوية بالمسائل الدينية.

[15] اى اصطدموا مصاحبين لعلومهم بما انطبقت عليه أنفس الجمهور من المنازعات الدينية.

[16] الظاهر أن يقال وغيرها، أى الكتب أو غيرهما أى البيضاوي والعضد.

[17] يعني أن المتأخرين أساءوا اختيار كتب من قبلهم وكانت طريقتهم فى التدريس البحث فى ألفاظها وأساليبها، دون تحرير مسائل العلم وتحقيقها، وكان الأستاذ الإمام يقول فيهم: إنهم يتعلمون كتباً لا علماً وكان يسميهم علماء المتون.

[18] هكذا في الأصل

شاهد أيضاً

الجذور الإسلامية لفكرة الإصلاح الغربي

الصفحات التالية من كتاب “في نقد الحاجة إلى الإصلاح” لمحمد عابد الجابري* ما هي الجهة …

البدعة

الصفحات التالية دراسة للشيخ محمود شلتوت ضمَّنها الشيخ محمد الغزالي في كتابه المعنون: ” ليس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.