أخبار عاجلة
الرئيسية / الدراسات والأبحاث / عروض كتب / وجهة العالم الإسلامي

وجهة العالم الإسلامي

العنوان: وجهة العالم الإسلامي.

المؤلف: مالك بن نبي.

الطبعة: ط. 1.

مكان النشر: دمشق.

الناشر: دار الفكر.

تاريخ النشر: 2006.

الوصف المادي: 200ص.، 24 سم.

السلسلة: مشكلات الحضارة.

الترقيم الدولي الموحد: 1-039-57547-X. 

التعريف بالمؤلف: صاحب هذا الكتاب مُفكر استثنائي، وُصف بألقاب مُتعددة منها “فيلسوف الحضارة”، و “مُنظر النهضة الإسلامية”، و”شاهد القرن” هو المفكر الجزائري (مالك بن نبي).

وُلد مالك بن نبي عام 1905  في مدينة “قسنطينة” الجزائرية في أسرة بسيطة، وقد تأثر بالحركة الإصلاحية في المدينة أثناء طفولته، والتي كان “عبدالحميد بن باديس” أحد أعلامها، مما دفع مالك بن نبي للانطلاق في عالم الفكر الإسلامي.

ثم انتقل بن نبي إلى فرنسا، وهناك درس الكهرباء والميكانيكا، وفي باريس اتصل بن نبي باتحاد الشباب المسيحي، والذي حاول عبره التعرف على الحضارة الغربية، ثم تزوج من فتاة فرنسية بعد أن أسلمت، وكان لها أثر عظيم في تكوينه الفكري.

ومنذ كان في باريس اهتم بدراسة العالم الإسلامي وتفرغ لذلك، وكانت مُشكلة تقهقر العالم الإسلامي همه الأكبر، كما كان الاستعمار الفرنسي للجزائر عامل ضغط كبير على بن نبي فخطط للهجرة إلى الشرق، فسافر إلى مصر وتعرف على شخصيات فكرية جمعته بها اهتمامات مُشتركة. كان بيته مُلتقى الطلبة المسلمين من مختلف الجنسيات ونظم ندوات فكرية أسبوعية، ومن مصر ناضل ضد الاستعمار الفرنسي.

وبعد استقلال الجزائر عاد إلى وطنه، والتقى الرئيس “أحمد بن بلة” وشغل مناصب مختلفة منها مديرًا للتعليم العالي، ثم تفرغ بعد ذلك للكتابة والتأليف وصياغة أفكاره. توفي مالك بن نبي عام 1973.

اعتبر مالك بن نبي مُفكرًا حدد لُب مُشكلات عصره، وركزت مُجمل أعماله على الإجابة على إشكالات محورية عن أسباب تقهقر المسلمين وشروط نهضتهم. كما استطاع بن نبي أن يضع يده على أهم قضايا العالم المُتخلف ودرسها تحت عنوان “مُشكلات الحضارة”، ومنها الكتاب الذي بين أيدينا الآن.

مشكلات الحضارة: وجهة العالم الإسلامي

ينقسم كتاب مشكلات الحضارة إلى ست فصول:

الفصل الأول: مجتمع ما بعد الموحدين.

الفصل الثاني: النهضة.

الفصل الثالث: فوضى العالم الإسلامي الحديث.

الفصل الرابع: فوضى العالم الغربي.

الفصل الخامس: الطرق الجديدة.

الفصل السادس: بواكير العالم الإسلامي.

وفي السطور التالية سنعرض لأهم وأبرز الأفكار التي قام بطرحها “مالك بن نبي” في كتابه.

الفصل الأول: مجتمع ما بعد الموحدين ومرحلة النهضة

تحدث بن نبي في بداية هذا الفصل عما أسماه ب”الظاهرة الدورية” للحضارات والمُستلهَمة من نظرية ابن خلدون، حيث أن كل حضارة تكونة “فتية” ثم تكون في “أوج قوتها” ثم “تشيب” وتُهاجر الحياة إلى حضارة أخرى. وكل دورة حضارية محددة بشروط نفسية زمنية خاصة، وهي تركيبة فريدة من ثلاثة عناصر هم الإنسان والتراب والوقت.

والبناء الأصلي للحضارة الذي شاده الإسلام يقوم على أساس من التوازن بين العقل والروح، هذا التوازن الضروري لكل بناء اجتماعي أهل للخلود. وتعتبر الفضائل الخلقية القوة الجوهرية في تكوين الحضارات. وفي عصور الانحطاط تنقلب أوضاع القيم فينهار البناء الاجتماعي، إذ هو لا يقوى على البقاء بمقومات الفن والعلم والعقل فحسب، لأن الروح، والروح وحده، هو الذي يتيح للإنسانية أن تنهض وتتقدم، فحيثما فقد الروح سقطت الحضارة وانحطت، وأينما توقف إشعاع الروح يخمد إشعاع العقل. وعندما يبلغ مجتمع ما هذه المرحلة تكون نهاية (دورة) وهجرة (حضارة) الى بقعة أخرى، تبدأ فيها دورة جديدة طبقاً لتركيب عضوي تاريخي جديد.

ويؤرخ بن نبي لأول انفصال في التاريخ الإسلامي بين العقل والروح بمعركة صفين عام 38 للهجرة، حيث تصارعت الحمية الجاهلية مع الروح القرآني، وحلت السلطة العصبية مكان الحكومة الديمقراطية الخليفية. ولم يقو العالم الإسلامي على البقاء بعد تلك الأزمة إلا بفضل ما تبقى فيه من دفعة قرآنية حية قوية، وكان سر تماسكه رجال تجسدت فيهم الفضائل الإسلامية الفطرية العظيمة من أمثال عمر بن عبد العزيز وعقبة بن نافع وغيرهم.

ويشير بن نبي هنا أن الإيمان لم يفقد مطلقاً سيطرته في العالم الإسلامي، حتى في عهود الانحطاط، ولكنه يفرق بين الإيمان عندما يكون نزعة فردية تؤدي الى نجاة الفرد في آخرته، والدين عندما يكون مركباً اجتماعياً يعبر عن مرحلة الحركة والتشكيل الحضاري، وهو بذلك يعبر عن فكرة جماعية. وهنا يؤرخ الكاتب لأفول الحضارة الإسلامية بإنسان “ما بعد الموحدين”، حيث أصبح المسلم خاملًا ومتواكلًا، يؤمن بالخرافات ويزهد في العلم رغم أنه لم يتخلى قط عن عقيدته، فقد ظل مؤمنًا متدينًا، ولكن عقيدته تجردت من فاعليتها لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي، وعليه فليست المشكلة وفقًا لبن نبي أن نعلم أنّ للمسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي.

ويرى بن نبي أن العلوم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية تعد اليوم أكثر ضرورة من العلوم المادية، فمعرفة إنسان الحضارة وإعداده أشق كثيراً من صنع محرك، وإنسان ما بعد الموحدين في أية صورة كان فإنه تجسيد للقابلية للاستعمار، والوجه النموذجي للعصر الاستعماري، والبهلوان الذي أسند اليه المستعمِر القيام بدور المستعمَر.

الفصل الثاني: النهضة

يرى بن نبي أن إنسان أوروبا قام –دونما قصد- بدور “الديناميت” الذي نسف الصمت والتأمل والأحلام الذي عاش فيها إنسان ما بعد الموحدين، والذي وجد نفسه في إطار جديد لم تصنعه يداه، فاضطر الى البحث عن أسلوب في المعيشة يتفق وشرائط الحياة الجديدة في المجالين الخلقي والاجتماعي. ومن هنا تولدت الحركات التاريخية التي خلعت على العالم الإسلامي صبغته الراهنة، وهما حركة الإصلاح التي خطت طريقها في ضمير المسلم منذ عصر ابن تيمية والتي يمثل جمال الدين الأفغاني ضميرها، وحركة التجديد الأقل عمقاً والأكثر سطحية والذي تمثلها طائفة فكرية تخرجت من المدرسة الغربية.

ويعرض بن نبي في هذا الفصل ما قام به الأفغاني كبطل أسطوري للحركة الإصلاحية، ثم تحمُل محمد عبده قضية الإصلاح التي رأى أنها يجب أن تبدأ من الفرد اعتماداً على الآية الكريمة “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

ويتناول بن نبي هنا ما أسماه “بالحرفية”، فهو يرى أن العبقرية العربية قد أبدعت أجمل لغات الدنيا، ولكن هذه العبقرية كانت في موقفها مما أبدعت كالمثال الذي هام بتمثاله، ولكن الغرام بالكلمات أكثر خطورة فهو يؤدي الى أن يفقد الإنسان حاسة تقدير الأمور على وجهها الصحيح، وهو أمر ضروري لكل جهد إيجابي من أجل البناء. وهذه الآفة انتشرت –كما يرى بن نبي- في أولئك الذين حملوا الراية بعد محمد عبده، حيث ساد الجدل فغرق المفكرون في طوفان من الكلام، وساد هيام أحمق بالكلمات، فتحولت الحقائق الحية التي شكلت فيما مضى وجه الحضارة الإسلامية الى حقائق خامدة مدفونة في جمل رائقة، وفقد العلم دوره الاجتماعي.       

ثم يُكمل بن نبي نقده لثقافة إنسان ما بعد الموحدين فيقول أن الثقافة اكتسبت طابع الثقافة الأثرية بمدحها للماضي وعدم الاهتمام بالحاضر ومُشكلاته. كما غلبت عليها النزعة “الكمية” التي تقوِم فاعلية الشيء وقيمته من خلال الكمية والعدد، فأصبحنا لا نفرق بين الغث والثمين؛ مما أثمر بشكل أو بآخر سطحية أفكارنا.

ويرى بن نبي أن كل محاولة لإعادة بناء حضارة الإسلام يجب أن تقوم أولاً على أساس سيادة (الفقه الخالص) على (الواقع السائد)، وهذا يقتضي تنقية النصوص القرآنية من غواشيها الكلامية والفقهية والفلسفية.

وبعد عرض بن نبي لفكر حركة الإصلاح والواقع الثقافي الذي تواجهه قام بدراسة حركة التجديد التي يرى أنها ليس لها في الواقع نظرية محددة، وإنما الأمر لا يعدو أن يكون غراماً بالمستحدثات يجعل من المسلم (زبوناً) مقلداً –دون أصالة- للحضارة الغربية.

الفصل الثالث: فوضى العالم الإسلامي الحديث

ثم انتقل بن نبي للحديث عن الفوضى التي صبغت العالم الإسلامي، وقسمها إلى عوامل داخلية وأخرى خارجية. بالنسبة للعوامل الداخلية رأى بن نبي أن العالم الإسلامي اليوم عبارة عن خليط من بقايا موروثة من عصر ما بعد الموحدين، وأجزاء من ثقافات حديثة جاء بها تيار الإصلاح وتيار الحركة الحديثة، ونتج عن هذا الأمر وضع تلفيقي بين عناصر من عصور مختلفة وثقافات متباينة دون أي رباط طبيعي أو منطقي يربط بينها، فجاء العالم الإسلامي اليوم في صورة مُتضاربة، ومنطوِ على ألوان من التناقض والتنافر التي تجمعت وتراكمت في هيئة فوضى. وهذه الفوضى تكونت كما راّها بن نبي من عناصر لم تُهضم من قِبل المجتمع، بل تنفجر في صورة تنافر عنيف.

ويحاول بن نبي استخلاص عوامل هذا الوضع القلق الذي يواجهه الإنسان المسلم، فيرى أن هناك عاملين:

 أحدهما متصل بمسألة الاقتباس من الحضارة الحديثة، فهي مشكلة من طراز عضوي تاريخي، ذلك أن العناصر الاجتماعية التي تسم الثقافات المختلفة ليست كلها قابلة للتداول، مثلها مثل عملية نقل الدم التي لا تصلح الا بشروط وقواعد دقيقة.

والعامل الثاني متصل بموقف المسلم إزاء مشكلات الحياة الراهنة، فالمشكلة هنا نفسية منطقية تتمثل في العجز عن التفكير وعن العمل، وهو ما يدل على انعدام الرباط المنطقي بين الفكر ونتيجته المادية. فالفكرة والعمل الذي تقتضيه يمثلان كلاً لا يتجزأ، وعندما نحلل أي نشاط له علاقة بالحياة العامة نجده مبتوراً، فإما فكرة لا تتحقق، وإما عمل لا يتصل بجهد فكري.

أيضًا من المشكلات التي أدت الى جمود التفكير الإسلامي، هو الاختلاط بين جوهر الظواهر وأشكالها، وحدث ذلك في بداية الحركة الفكرية في المجتمع الإسلامي الحديث؛ فلم يكن العلم الذي قبسته من جامعات الغرب وسيلة (للإسعاد)، بل كان طريقًا إلى (المظهرية)، ولم يكن ذلك العلم (استبطانًا) لحاجة مجتمع يريد معرفة نفسه ليحدث تغييرها؛ أو(استظهارًا) لبيئة نبحث عنها لنغيرها.

ويرى بن نبي أن الحركة الحديثة والحركة الإصلاحية لم تستطع تعديل هذا الخلل وهذا العجز الذي طبع الحركة الفكرية، فهي لم تؤت النفس المسلمة (هزة القلب) كي ترتفع فوق الركود والعجز، فهي قد قامت بدفعها الى الحركة ورسمت لها مطامح، وخلقت اتجاهاً معيناً يهدف الى التقدم لكنها ظلت عقيماً لأنها لم تكن منظمة في نطاق فقه محدد لمعنى الفاعلية. فحدثت النهضة ولكن دون توجيه منهجي، فكانت تلك مأساة الحركة التي شاءت أن تتحرر من السكون، مأساة الفكر في نضاله ضد البلادة والقلق، مأساة الرجل الذي استيقظ ولم يعرف بعد واجبه.

وهذا العجز العضوي قد أدى الى شلل أخلاقي، فأصبح المسلم يأبى أن يحاسب نفسه، أو يعترف بخطئه، بعكس ما كان في الماضي، عندما كان “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه، يُحاسب نفسه ويبكي من ذنوبه رجاء أن يغفر الله له؛ في حين أن القادة والموجهين في المجتمع اليوم قد خيم عليهم شعور بالطمأنينة الأخلاقية، فلم نعد نرى أحداً يعترف بأخطائه. وانتقد بن نبي أيضًا التعالي والغرور الذي أصاب الإنسان المُسلم، حين اعتقد بأنه وبتأديته الصلوات الخمس قد بلغ ذروة الكمال، دون أن يحاول تعديل سلوكه أو إصلاح نفسه؛ وبذلك تختل حركة التقدم النفسي في الفرد والمجتمع، فإذا بالذين اطمأنوا لفقرهم الروحي ولنقصهم النفسي يصبحون قدوة في الخلق. وبسبب هذا الشلل الأخلاقي يعجز المجتمع الإسلامي عن زيادة جهده الضروري للنهوض. وما الشلل الفكري إلا نتيجة من نتائج هذا الشلل الأخلاقي، فالكف عن التكامل الخلقي ينتج حتمًا كفًا عن تعديل شرائط الحياة، وعن التفكير في هذا التعديل. وهكذا يتجمد الفكر ويتحجر في عالم لم يعد يُفكر في شيء، لأن تفكيره لم يعد يحتوي صورة الهم الاجتماعي. كذلك جاء “تقليد” الغرب ليجعل المجتمع الإسلامي يتخلى عن “الجهد الفكري” الذي كان الوجهة الأساسية للفكر الإسلامي في عصوره الذهبية.

ويرفض بن نبي الاعتذارات الشائعة عن هذا الوضع وهي بأننا فقراء وجاهلون، ويؤكد أن هذا الفقر وهذا الجهل ما هما الا نتاج نفسية الناس وأذواقهم وأفكارهم وعاداتهم، أي هما نتاج (قابليتهم للاستعمار).  

ثم ينتقل بن نبي  إلى دراسة العوامل الخارجية المتسببة في حالة الفوضى في مجتمعاتنا، وهي عامل الاستعمار، فالاستعمار يسحق بصورة منهجية كل فكرة وكل جهد عقلي أو محاولة للبعث الأخلاقي أو الاقتصادي. والمستعمر يخضع المستَعمَرون لقانونه، وهو القانون الذي أطلق عليه بن نبي (المعامل الاستعماري)، إلا أن هذا المعامل لا يؤثر في قيمة الفرد الأساسية، إذ إن هذه القيمة لا تخضع لحكمه، ومع ذلك نجد الفرد عاطلاً خاملاً حتى في الميادين التي لا يمكن أن تخطر فيها شبهة الضغط الاستعماري. وعليه فإن الاستعمار يمارس عمله وتأثيره عندما يكف نشاط الفرد، وهو يمارسهما بوصفه أسطورة عندما لا يكون سوى قناع للقابلية للاستعمار. إن الحركة التاريخية لا تبدأ بالاستعمار ولكن بالقابلية له، فهي التي تدعوه. والشعوب لا تدرك قابليتها للاستعمار إلا إذا استعمرت، وعندئذ تتحرك الشعوب للتحرر وتخلع عن نفسها قابليتها للاستعمار. ويظهر الاستعمار هنا –في رأي بن نبي- كضرورة تاريخية. فللاستعمار جانب إيجابي حين يحرر الطاقات التي طال عليها زمن الخمول، إلا أنه يمثل عاملاً سلبياً حين يتجه الى تحطيم هذه الطاقات بتطبيقه قانون (المعامل الاستعماري).  

وصف بن نبي الاستعمار الاستبدادي بأنه يُعد عُنصرًا جوهريًا في فوضى العالم الإسلامي، فهو لا يتدخل فقط بين الحاكم والمحكوم، وبين المستعمِر والمستعمّر، وإنما يتدخل أيضًا بصورة خفية في علاقات المسلمين بعضهم ببعض. كما حمَّل بن نبي الاستعمار “بسياسته الاستعمارية” مسؤولية فوضى العالم الإسلامي في الطراز المعماري الذي شيده المستعمر في البلاد الإسلامية، فإنه عمل على ضرب الذوق الإسلامي، ومحو الطراز العربي الجميل كما كان الحال في الأندلس.

كذلك ووفقًا لبن نبي فإن هذا الاستعمار يحول بين الشعب وبين إصلاحه لنفسه، حيث يضع نظامًا للإفساد والإذلال والتخريب، يمحو به كل كرامة أو شرف أو حياء، الأمر الذي يجد فيه الشعب الخاضع للاستعمار نفسه مُحاصرًا داخل دائرة مُصطنعة، يُساعد كل تفصيل فيها على تزييف وجود الأفراد.

وقد سعى الاستعمار لوقف سير الحضارة في البلاد المُستعمَرة، بزرع عناصر الإرجاف والتنافر، والحد من طموحه ومقدرته، والوقوف في وجه دُعاة التجديد، لوقف سير الشعوب نحو النور حفاظًا على مصالحه المادية. كما عمل على إعاقة الحياة الفكرية في البلاد ليعوق من تطورها، ويخلق جيل قانع مُستسلم لا يدافع عن حقوقه، ولا يعرف واجباته. كما عمل الاستعمار على هدم مقومات البلاد والحيلولة بينها وبين إعادة بنائها، خاصة في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي.

يقول بن نبي (ما فرض الاستعمار رقابته على الحياة الدينية، إلا لعلمه بأن الدين وحده هو الوسيلة النهائية لتصحيح أخلاق الشعب، الذي فقد في غمار أزمة تاريخه كل هم أخلاقي). ذلك أن الدين الإسلامي وفقًا لبن نبي هو وحده القادر على مداواة النفس الإسلامية، ودفعها الى تغيير ذاتها، والتخلي عن جمودها. ولذلك لم تفلت هذه القوة الباعثة “الدين الإسلامي” من هجوم الاستعمار، ففرض عليه أنواع القيود وأشكال الرقابات، حتى أصبح ميسورًا اليوم في البلاد الإسلامية أن تفتح ناديًا للميسر أو مقهى يُقدم الخمور، أكثر من أن تفتح مكتبًا لتحفيظ القراّن.

ولم ينس بن نبي أن يذكرنا بفكرته التي طالما صدح بها في أكثر من موضع، وهى أهمية التركيز على الواجبات بدلًا من المطالبة بالحقوق، فيقول “الأمر لا يحتاج إلى الخطابة عن حرية العبادة أو نشر التعليم، وإنما يحتاج إلى القيام بأعباء اجتماعية، وأداء واجبات مُلزمة”.

الفصل الرابع: فوضى العالم الغربي

يرى بن نبي أن الإشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب هو الذي يجعل من فوضاه الحالية مشكلة عالمية ينبغي أن نحللها وأن نتفهمها. فإذا ما أدرك العالم الإسلامي أن الظواهر الأوروبية ظواهر نسبية فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيها، كما سيتعرف على عظمتها الحقيقية. وبهذا تصبح الصلات مع هذا العالم الغربي أكثر خصباً.

إلا أن ضمير المسلم الحديث يعاني من اضطراب، فهو تائه بين حلين يبدو كلاهما باعثاً على الأسى، الحل الأول الفكر الغربي المتحرر، والحل الثاني عوائد الشرق المغلقة الثقيلة. ويبدو أن رجال الإصلاح يبحثون عن حل ثالث يوائم بين الإسلام وضرورات العصر. واضطراب المفكرين المسلمين في هذا الأمر يحدث وقفة في تطور الأفكار.    ويصف بن نبي حالة العالم الإسلامي بأنه يقف في منطقة (حرام) في التاريخ، ما بين فوضى ما بعد الموحدين من ناحية  وفوضى النظام الغربي من ناحية أخرى.

شرح بن نبي أيضًا كيف أن “مادية” أوروبا ونظامها الاستعماري قد شيد حاجزًا بينها وبين الثقافات الأخرى، إذ أن الواقع الاستعماري وإن كان قد أضر بحياة المسلمين إضرارًا بليغًا، فإنه قد أضر كذلك بالحياة الأوروبية ذاتها، لأن الاستعمار الذي يهلك المستعمَرين ماديًا، يُهلك أصحابه أخلاقيًا.

وعرض بن نبي لظاهرة مُشتركة في جميع الحضارات، وهي ظاهرة تخلف الضمير في نموه عن العلم وعن حركة الفكر. فكلما فقدنا اتصالنا المباشر بماضينا وتقاليدنا وعوائدنا فقدت ضمائرنا قدراً كبيراً من مكوناتها الأساسية، هذه هي مأساة الحضارة الحديثة في عمقها، فإن الضمير الحديث لم يتمثل بعد أغلب ما حققه العلم من مخترعات.

ويؤكد بن نبي أن هذا التخلف بين الضمير والعلم كان هو السبب المباشر في الانفصال الذي حدث في العالم الإسلامي في (صفين)، فالقرآن باعتباره نظاماً فلسفياً كان علماً يتجاوز في مداه آفاق الضمير الجاهلي، فنتج عن ذلك انفصال بين أولئك الذين تمثلوا الفكر القرآني الجديد، وأولئك الذين استعبدتهم حمية الجاهلية، وما كانت حركة الخوارج في الجانب السياسي، وحركة المعتزلة في ميدان الفكر إلا محاولات للجمع بين الفكر القرآني والضمير المتخلف الذي ما زال يتهرب من الحقائق المنزلة. والسبب وراء هذا الصراع كله ما يعانيه العالم الإسلامي من انفصال بين سلطانه الزمني وفكرته القرآنية.

كذلك قاد هذا الانفصال بين الضمير والعلم إلى الفوضى التي طبعت العالم الغربي، وذلك عندما حدث الانفصال الأول في مجال أخلاقها باسم الإصلاح، حيث ثبت أن الضمير المسيحي عاجز عن مواجهة الفجوة التي كانت تفصله عن النزعة العقلية الناتجة عن التطور العلمي. وحدث الانفصال الثاني في مجال سياستها بحدوث الثورة الفرنسية، تلك التي حطمت التوازن الاجتماعي التقليدي، وأحلت محله وضعًا قائمًا على المساواة بين الأفراد. لكن النظام لم ينجح بالشكل الأمثل وحدث إنفصال بين فئات الشعب. ومن ثم حدث الصراع بين الطبقة الرأسمالية (البورجوازية) والطبقة العاملة (البروليتاريا). وكان العالم الذي نتج عن هذا التطور المزدوج حافلاً بضروب التعارض، متهيئًا لتقبل صنوف الانفصال التي تصيبه.

وتوصل بن نبي إلى أن العالم الإسلامي لا يستطيع في غمرة هذه الفوضى أن يجد هداه خارج حدوده، بل لا يمكنه بأي حال أن يلتمسه في العالم الغربي الذي قتل عدداً كبيراً من المفاهيم الأخلاقية باسم النسبية والكم، ولكن عليه أن يبحث عن طرق جديدة ليكشف عن ينابيع إلهامه الخاصة. ومهما يكن شأن الطرق الجديدة التي قد يتبعها، فإن العالم الإسلامي لا يمكنه أن يعيش في عزلة، بينما العالم يتجه في سعيه نحو التوحد، فليس المراد أن يقطع علاقته بحضارة تمثل ولا شك إحدى التجارب الإنسانية الكبرى، بل المهم أن ينظم هذه العلاقات مع “الحضارة الأوروبية”

الفصل الخامس: الطرق الجديدة

أورد بن نبي هنا القول المشهور بأن الحاجة هي أول محرك للإنسان في علاقاته الاجتماعية، ويرى أن هذا تعريف نفعي يفسر التاريخ بعملية استهلاكية. فلا يكفي مجتمعاً لكي يصنع تاريخه أن تكون له حاجات، بل ينبغي أن تكون له مبادئ ووسائل تساعده على الخلق والإبداع. فمجتمع ما بعد الموحدين مثلاً كان يشعر ببعض الحاجات البدائية لكنه منذ سبعة قرون لم يخترع حتى يد المكنسة. ذلك لأن الحاجة لا تكون فعالة خلاقة الا حين يمنحها الضمير من روحه ما يحيلها عملاً ملزماً. وهذا العمل الملزم هو الذي يحيل أفكاره وحاجاته الى منتجات حضارة. أما إنسان ما بعد الموحدين فقد صار مجرد مستهلك غير منتج.  

ثم ينتقل بن نبي الى العلاقة بين الحق والواجب، ويرى بن نبي أن الواجب يجب أن يتفوق على الحق في كل تطور صاعد، إذ يجب أن يكون لدينا دائماً (فائض قيمة)، وهذا الواجب الفائض هو دليل التقدم الخلقي والمادي في كل مجتمع يشق طريقه الى النهضة. أما السياسة التي تقوم على الحقوق فهي ليست إلا ضرباً من الهرج والفوضى، وهي يد تطيل عمر الحياة الأميبية.

ويرى بن نبي أن على المجتمع في انتقاله من عصر ما بعد الموحدين الى عصر النهضة أن يخفف من نزوعه الى المطالبة بالحقوق لكي يفرغ لاستخدام الإنسان والتراب والوقت استخداماً فنياً لاستحداث تشكيل اجتماعي ينتج من تلقاء ذاته (الحق). كما عليه أن يقوم بتجديد النفس وإحياء القيمة القرآنية التي تتجلى بأثرها المباشر على الضمير باعتبار ذلك جوهر النهضة وشرط مادي ضروري لعملية التجديد.

الفصل السادس: بواكير العالم الإسلامي    

 يرى بن نبي أن العالم الإسلامي يمثل في رواية الإنسانية دورين يقوم بهما في وقت واحد، دوره كممثل، ودوره كشاهد، هذا الاشتراك المزدوج يفرض عليه واجب التوفيق بين حياته المادية والروحية وبين مصائر الإنسانية. ولكي يقوم بدور مؤثر وفعًّال في حركة التطور العالمي ينبغي أن يعرف العالم، وأن يعرف نفسه، وأن يعّرف الاّخرين بنفسه، فيشرع في تقويم قيمه الذاتية، إلى جانب تقويمه لما تمتلكه البشرية من قيم.

ويشير بن نبي الى بروز نزعة (المواطن العالمي) كنتيجة للعامل الصناعي الذي ألغى عنصر المكان، فلم يعد يفصل بين الشعوب مسافات سوى مسافات ثقافتها.

ثم يختم الكاتب بالحلول المقترحة للنهضة، وهي تحقيق التعادل بين الكم والكيف، بين الروح والمادة، بين العلم والضمير. إن الذي يقوم بالنهضة يجب أن يكون (إنساناً جديداً) قادراً على حمل مسئوليات وجوده مادياً وروحياً، ممثلاً وشاهداً. والإنسان المسلم، على الرغم من قابليته للاستعمار، قد احتفظ بمعنى جوهري، هو معنى القيمة الخلقية وهو ما ينقص الفكر الحديث الشائخ.

عرض:

أ. أحمد محمد علي*

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  باحث في العلوم السياسية.

عن أحمد محمد علي

شاهد أيضاً

الترف الخالد: من عصر المقدس إلى زمن الماركات

تأليف: أ. د. جيل ليبوفتسكي، أ. د. إلييت رو

ترجمة: أ. الشيماء مجدي

عرض: أ. أميرة مختار

يعرض هذا الكتاب مقالتين لكاتبين، وهما بمثابة إضاءتين الأولى تأويل سوسيو- تاريخي للترف، ووجهة نظر طويلة المدى، والأخرى مقاربة تسويقية وسيميائية للترف تركز على هوية الماركات وتدبيرها.

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

تأليف: أ. محمود محمد شاكر

عرض: أ.تقى محمد

رغم مرور أكثر من 45 سنةٍ على صدور كتاب "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" والذي يُعد مقدمةً لكتاب "المتنبي"، إلا أنه مازال إلى اليوم حاضرًا ومستحضرًا في حياتنا الثقافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.