أزمة أوروبا الروحية
حلقة من بودكاست Blogging Theology*
إعداد: أ. تقى محمد يوسف**
مدخل إلى اللقاء:
تعيش أوروبا الحديثة مفارقة تستحق التأمل؛ فمن ناحية، استطاعت أن تبني نموذجًا حضاريًا بالغ القوة والتأثير، ومن ناحية أخرى أخذت المرجعيات الدينية والتقاليد التي شكّلت وجدانها قرونًا تتراجع تدريجيًا عن مركز الحياة العامة. ومع هذا التراجع، لم تختفِ حاجة الإنسان إلى الإيمان والمعنى والانتماء، بل ظهرت في صور وأسئلة جديدة: ما معنى الوطن؟ ما الذي يجعل الإنسان منتميا لمكان ما؟ وهل يمكن أن يعيش الإنسان في عالم منزوع القداسة دون أن يفقد شيئًا أساسيًا من إنسانيته؟
وهنا يصبح الحديث عن الإسلام في أوروبا أوسع من الحديث عن جالية أو هجرة أو اندماج. فوجود الإسلام في هذا السياق يضع أمام أوروبا أسئلة تتجاوز المسلمين أنفسهم: هل يستطيع الإنسان الحديث أن يستعيد صلته بالدين دون أن يتخلى عن واقعه؟ وهل يمكن أن يقدم الإيمان رؤية للحياة لا تتعارض مع الحداثة، وإنما تعيد تفسير الإنسان والعالم من حوله؟
في هذا السياق، تبرز أهمية الحوار الذي أجراه بول ويليامز، صاحب قناة Blogging Theologyعلى اليوتيوب، مع الدكتور عبد الحكيم مراد لمناقشة كتابه الأخير Travelling Home: Essays on Islam in Europe.
الدكتور عبد الحكيم مراد (البروفيسور تيم وينتر) هو أحد أبرز المفكرين المسلمين في الغرب، وأحد أشهر البريطانيين الذين اعتنقوا الإسلام. ويشغل عددًا من المناصب الأكاديمية، من أبرزها: مؤسس وعميد كلية كامبريدج الإسلامية، وأستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة كامبريدج، وله إسهامات واسعة في التأليف والترجمة والفكر الإسلامي المعاصر، خصوصًا في القضايا المتعلقة بحضور الإسلام في الغرب، والعلاقة بين الهوية الإسلامية والمجتمعات الأوروبية.
وبول ويليامز هو باحث وكاتب بريطاني اعتنق الإسلام بعد رحلة بحث طويلة في الفلسفة واللاهوت المسيحي، ويُعرف باهتمامه بقضايا العقيدة المقارنة، والحوار الإسلامي المسيحي، واستضافة الشخصيات الأكاديمية والفكرية المؤثرة لمناقشة القضايا الدينية والفكرية المعاصرة في منصته Blogging Theology على موقع اليوتيوب، وهي قناة فكرية وحوارية باللغة الإنجليزية تهتم بمناقشة قضايا الدين والفلسفة واللاهوت، مع التركيز على بناء حوارات عميقة بين ممثلي التقاليد الدينية المختلفة والباحثين في الفكر المعاصر.
أما الكتاب الذي يناقشاه هو Travelling Home: Essays on Islam in Europe (العودة إلى الوطن: مقالات عن الإسلام في أوروبا)، والذي يعرض فيه عبد الحكيم مراد رؤية فكرية وفلسفية لمكانة المسلمين في أوروبا، ورغم أن الكتاب ينطلق من تجربة الإسلام في أوروبا، فإن الأسئلة التي يفتحها تتجاوز الحدود الأوروبية؛ إذ تمتد إلى معنى الوطن والانتماء، والهجرة، والعلاقة بين الدين والتقاليد، وتحولات الأسرة والمجتمع، ومستقبل الدعوة.
وانطلاقًا من أفكار هذا الكتاب، دار الحوار حول مجموعة من القضايا المركزية، منها: مفهوم الوطن والانتماء في التصور الإسلامي، والجذور التاريخية للعلاقة بين الإسلام وأوروبا، وواقع المسلمين في الغرب، ومستقبل الدعوة الإسلامية، والتحديات الفكرية والثقافية التي تواجه المسلمين في المجتمعات الغربية، والأهم موقع الدين والقداسة في المجتمعات الحداثية.
من هنا، يصبح عنوان اللقاء “أزمة أوروبا الروحية” له دلالة عميقة؛ حيث يثير تساؤلا حول مسار الإنسان المعاصر: ماذا يحدث حين تتقدم الحضارة، بينما يتراجع السؤال عن الغاية والمعنى والمقدس؟ وهل يمكن للإسلام، بما يحمله من توحيد وعبادة ورؤية للإنسان والطبيعة والحياة، أن يقدم إجابة عن هذا الفراغ؟
في السطور التالية، نستعرض أبرز أفكار هذا الحوار.
المسلم لا يشعر بالغربة:
بدأ بول ويليامز بسؤال عن فكرة طرحها الشيخ في كتابه ملخصها أن المسلم يجد في كل مكان وطنًا له ينتمي إليه، أما الملحد فيفقد أساس شعوره بالانتماء إلى المكان.
فقد كتب الشيخ في كتابه: “المسلمون -ويقصد هنا مسلمي أوروبا خصوصا والمسلمين عمومًا- يجدون أنفسهم في وطنهم في كل مكان. وشعور المسلم بالانتماء عميق بحيث يرتبط بالمكان ارتباطاً وجودياً يفوق بكثير ما يمكن لإنسان لا يؤمن بالدين أن يدركه أو يختبره؛ لأن فقدان الاتصال بالله يعني فقدان المرء لقدرته على الارتباط بمكان من صنع الله. إنه شعور المرء بتلاشي جذوره وهويته؛ فلا يمكن أن يوجد ملحد إنجليزي أو ألماني أو روسي أصيل من هذا المنظور الإسلامي. لينين لم يكن روسيًا، ودوغلاس موراي ليس بريطانيًا، وسام هاريس ليس أمريكيًا؛ يبدو كأنهم يقيمون في معسكر أجنبي، حتى لو كانوا رسميًا في بلادهم.
وعلى النقيض، فإن اعتناق الإسلام، أو القدوم من مكان إبراهيمي إسلامي، يعني الحفاظ على تلك الحساسية التقليدية التي تدرك آيات الله في كل مكان بوفرة فائقة، وبالتالي رؤية الأرض بفهم، ومن ثمّ البدء في غرس الجذور والانخراط في هذه الأرض وتزيينها. هذه، تقريبًا، هي النظرية الإسلامية للتنقل الإبراهيمي؛ فبخلاف بني إسرائيل الذين تاهوا في المنافي، وينتظرون تدخل المسيح المخلص ليحملهم إلى وطن أعظم من كل الأوطان، فإن المسلمين ينتقلون من وطن إلى آخر مساوٍ له، ولا يتوقون للعودة إلى أم القرى إلا كزوّار؛ إنهم يهاجرون هجرة إبراهيمية، وكل بلد بالنسبة لهم أرض موعودة”.
ويرى الشيخ هنا أن السيرة النبوية نفسها معجزة، فرغم أنها تضمنت فعل “هجرة”، لكنها تختلف عن كثير من القصص الدينية السابقة. فالإسلام الذي جاء متممًا لرسالة الأنبياء السابقين، لم يجعل شعبًا معينًا هو الشعب المختار، ولم يجعل أرضًا بعينها هي الأرض الوحيدة التي ينتمي إليها المؤمن. صحيح أن الرسالة بدأت في منطقة نائية وصحراوية لم تكن ذات شأن في نظر العالم آنذاك، لكن هذه البقعة أصبحت منطلقًا لدين عالمي.
ومن أعظم معجزات الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة أسس مجتمعًا لم يكن قائمًا على القبيلة أو العِرق أو القومية، بل أصبح المسجد أول مكان في الجزيرة العربية يجتمع فيه الناس دون أن تكون القبيلة هي معيار الانتماء. ففي المسجد كان يقف بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي؛ جميعهم يصلون جنبًا إلى جنب بلا تفاضل عرقي أو قومي. وهذا يعبر عن الطموح العالمي للإسلام.
فالهجرة في الإسلام ليست انتقالًا إلى وطن يحتكره قوم معينون، وإنما هي خروج إلى أرض الله الواسعة، ولهذا قال النبي ﷺ: «وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»؛ فالمسلم يستطيع أن يعبد الله في أي مكان من الأرض، وهذه إحدى المعجزات الكبرى للإسلام؛ إذ رغم أن السنة النبوية نشأت في بيئة محددة قبل أربعة عشر قرنًا، فإنها ما زال يمكن الاستلهام منها في بريطانيا واستراليا وماليزيا وسائر أنحاء العالم.
لذلك نجد القرآن يدعونا إلى التأمل في آيات الله في الكون، ويخبرنا أن الأرض كلها ملك لله، ومن هنا يمكن فهم الهجرة باعتبارها ليست انتقالًا من عالم إلى عالم، بل هي انتقال من مظهر من مظاهر خلق الله إلى مظهر آخر. ولهذا، أينما ذهب المسلم، فإنه إذا كان قلبه حيًا بالإيمان، وقرأ القرآن بعين المتدبر، فسيرى القداسة في المكان الذي يعيش فيه، فليس هناك مكان يغيب عنه الله.
فالمسلمين في أوروبا اليوم، وهم ينتقلون في الأرض ويتأملون آيات الله، هم أحق بالشعور بالانتماء إلى هذه البلاد من الملاحدة الذين يعيشون فيها لكنهم ابتعدوا عن الإيمان بقداستها.
إن الناس عاشوا آلاف السنين منذ العصر الحجري وهم ينظرون إلى العالم باعتباره عالمًا مقدسًا؛ ربما كانت عباداتهم خاطئة أو منحرفة، لكنهم كانوا يؤمنون بوجود غيب، وبقداسة الكون، وبأن للأرض سرًا ومعنى، وكان هذا هو الأصل في هوية هذه البلاد. أما الإلحاد الحديث فهو ظاهرة جديدة جدًا إذا قيست بتاريخ بريطانيا.
فعندما يتأمل المسلم الطبيعة، ويرى فيها آيات الله، فإنه يعيش الحالة نفسها التي عاشها الأسلاف في هذه البلاد وإن اختلفت العقيدة، أما الملحد فإنه ينظر إلى الطبيعة باعتبارها مجرد مادة بلا معنى.
وبالتالي، فإن المسلم الذي يتهمه البعض بأنه لا ينتمي لأوروبا -خصوصا من قبل اليمين المعادي للهجرة- هو في الحقيقة أقرب إلى الروح التاريخية العميقة لهذه البلاد من كثير من أبنائها المعاصرين. فحتى ويليام بليك وغيره من المفكرين الإنجليز كانوا يرون أن هوية إنجلترا مرتبطة بالله والبعد الروحي لا بالمادة وحدها.
هكذا يتضح أنه من منظور تاريخي أعمق، يمكن أن نعي أن المسلمين لهم حق عميق في الانتماء، وأنهم أصيلون حقًا مهما كان تكوينهم الجيني، في حين أن التفسيرات العلمانية والإلحادية والنفعية الجديدة يجب أن يُنظر إليها على أنها تحرم الناس فعليًا من حق الشعور بأنهم متجذرون ومنتمون لهذا البلد.
الإسلام وأوروبا:
يشير بول ويليامز إلى أن هناك أشخاص ربما يكونون ظاهريا ملحدين أو معادين للإسلام، لكنهم -كما يظهر في بعض خطاباتهم- يسعون إلى الإيمان والقداسة.
وهو ما يؤكده الشيخ مراد؛ فقد يكون هناك ما يُسمى “الجين الإلهي” كما يقول البعض. حتى إن صحيفة الدايلي تلغراف نشرت مؤخرًا مقالًا (به قدرا من التهكم) يشير إلى أن الإيمان جزء أساسي جدًا من التكوين البشري لدرجة أن الإلحاد ربما ينبغي تصنيفه كمرض عقلي! فهؤلاء الناس يدركون أنهم يفتقدون شيئًا، لكن المشكلة غالبًا أنهم -لأسباب نفسية أو قومية أو قَبَلية وأحيانًا عرقية- لا يستطيعون رؤية أين تكمن الحقيقة فعلًا.
ويتحدث الشيخ مراد عنما يسمى الكأس المقدسة (Holy Grail)، وهي أسطورة في التراث المسيحي الأوروبي، ويبحث عنها الأوروبيون منذ قرون، حتى أن النازيين كانوا يحفرون في الكهوف في جنوب فرنسا بحثًا عنها. ووفقًا لكثير من المؤرخين، فإن جذور أسطورة الكأس المقدسة تعود على الأرجح إلى الإسلام، لأنها الحجر الأسود في الكعبة، بل إن الأساطير الأوروبية في العصور الوسطى تدرك ذلك؛ حتى فاغنر نفسه يقول في رسائله: أليس مؤسفًا أن أساطيرنا الألمانية العظيمة تبيّن أنها من أصل سراسيني (إسلامي)؟.
فالكأس التي طالما بحث عنها الأوروبيون متاحة، وهي الحجر الأسود، أي أنه مخفي في العلن إن صح التعبير، لكنه في المكان الخطأ بالنسبة للغطرسة الأوروبية؛ لأن جوهر الحج هو التجسيد الظاهري للرحلة الباطنية التي تتمحور حول التغلب على الأنا، فالكبرياء المفرط هو أسوأ الخطايا المميتة، وغالبًا ما يكون كبرياء أوروبا على أشده حين تقول له: ‘يمكنك الوصول إلى معبد الكأس وتقبيلها إن أردت -الكعبة-، لكن عليك أن تقول سبع كلمات بالعربية للسماح لك بالدخول’!
فهذه الكأس تعبر عن الحنين التقليدي للروح الأوروبية التقليدية، لكن كبرياء أوروبا الحديثة هو ما يجعل من الصعب عليها حقًا أن تعتبر أن الله ربما يضع سرّه في عصرنا في المكان الذي اعتادوا على احتقاره.
هناك مفارقة أخرى لافتة، وهي أن المسيحيين الأوروبيين يتبعون نبيًا جاء من فلسطين قبل ألفي عام، ولم يكن أوروبيًا ولا أبيض البشرة ولا متحدثًا بالإنجليزية، بل كان يتحدث الآرامية وهي لغة قريبة من العربية والعبرية، وكان لديه قواسم مشتركة أكثر مع النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم من قربه إلى الثقافة الأوروبية الحديثة. ومع ذلك، يقبل الأوروبيون عيسى بوصفه جزءًا من تاريخهم، بينما يجدون صعوبة كبيرة في تقبل النبي محمد ﷺ، مع أن رسالته امتداد لرسالة الأنبياء السابقين.
السبب في ذلك كما يرى الشيخ مراد هو التحيز؛ فأوروبا عرّفت نفسها، عبر قرون طويلة، بأنها الطرف المقابل للإسلام.
لقد خرج الإسلام من تلك الوديان الصحراوية في الجزيرة العربية، ثم خلال أقل من قرن امتد من حدود الصين شرقًا إلى جنوب فرنسا غربًا، وشكل هذا التحول صدمة كبرى لأوروبا التقليدية. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت أوروبا ترى نفسها بوصفها “ما ليس إسلامًا”. وهذه الفكرة بقيت حاضرة في الوعي الأوروبي حتى بعد أن ضعفت المسيحية نفسها.
في هذا السياق، يروي الشيخ قصة تكشف جانبًا من هذا التاريخ؛ عن رجل بروتستانتي عاش في شمال ألمانيا في القرن السادس عشر، وكان يقول: “الأتراك هم أقوى دولة في العالم، وهم يعاملون المسيحيين معاملة حسنة، ويسمحون للطوائف المختلفة بالتعايش، بخلاف ما يحدث عندنا في ألمانيا. لذلك من الخطأ -دينيا- أن نقاتل الأتراك، لأن المسيحية تدعو إلى السلم”. بل وصل إلى القول: “لو دخل الأتراك بلادنا، فقد تكون المسيحية في حال أفضل مما هي عليه تحت حكم أمرائنا الكاثوليك والبروتستانت المتحاربين”. ولهذا السبب، تعرض لتعذيب مروع، ثم أُعدم، بل ورقص الناس فوق قبره بعد موته.
كما يتحدث عن كاتدرائية سانتياغو دي كومبوستيلا -أشهر مزار ديني في أوربا الغربية ويقع في إسبانيا، في وسطها يوجد تمثال ضخم للقديس يعقوب، ولقبه هو: “سانت جيمس ماتاموروس”؛ أي: “يعقوب قاتل المسلمين”. يصور التمثال القديس على حصانه الأبيض، يحمل سيفه، ويقطع رؤوس المسلمين ذوي البشرة الداكنة، بينما تطأهم حوافر الحصان. ولأن في أيامنا هذه أصبحت الكنيسة تشعر ببعض الحرج من هذا المشهد، فقد وضعت الزهور بطريقة تخفي المسلمين الملقى بهم تحت الحصان!
يرى الشيخ أن هذه الصور ليست مجرد أحداث تاريخية، بل أصبحت جزءًا من اللاوعي الأوروبي، ولهذا يصعب على كثير من الأوروبيين رؤية الإسلام بعيدًا عن صورة “العدو التاريخي”. حتى الأشخاص العلمانيون الذين لا يؤمنون بالمسيحية، ما زالوا يحملون آثار هذا الإرث الثقافي دون أن يشعروا، وهو ما يفسر مواقف شخصيات مثل دوغلاس موراي[1].
رغم كل ذلك، مازال هناك أشخاص، حتى من اليمين المتطرف في أوروبا، اعتنقوا الإسلام علنًا أو سرًا. لذلك، لا ينبغي اليأس تماما.
مصطلح الغواصات:
يقصد به أولئك الذين يدخلون الإسلام سرًا، دون أن يعلم أحد. وعدّد الشيخ بعض الشخصيات الذين يعلم أنهم أسلموا لكنهم يخفون إسلامهم؛ مثل الرجل اليهودي الذي أسلم وأخفى إسلامه، وقد شكت زوجته لأنه كان يستيقظ كل يوم في الرابعة صباحا ليصلي. وهناك أستاذ كبير في جامعة كامبريدج، أحيانًا كان يراه يصلي في المسجد، لكن معظم الناس لا يعلمون بإسلامه. وهناك أيضًا مستشار رفيع المستوى لأحد الوزراء في الحكومة البريطانية الحالية وهو مسلم ملتزم، لكن أحدًا في محيطه السياسي لا يعرف ذلك.
هناك الكثير منهم؛ لكنهم يخفون إسلامهم لأنهم أحبوا الإسلام نفسه، وصفاء التوحيد، وشكل الصلاة، لكنهم لا يريدون أن يتحملوا كل ما ارتبط بصورة المسلمين في الإعلام كفلسطين وأفغانستان والجدل السياسي والضغوط الاجتماعية، لذلك يؤثرون الصمت.
وهناك قادة أوروبيون من اليمين المتطرف يتواصلون مع الشيخ ويتحدثون بشكل إيجابي عن الإسلام، ولذلك يرى الشيخ أن المسلمين يرتكبون خطأً كبيرًا عندما يعممون أحكامهم وينظرون إلى هؤلاء الأشخاص وكأنهم آلات بلا روح يجب دفعهم بعيدا! فكل إنسان لديه روح، وكل إنسان كان حاضرًا يوم أخذ الله الميثاق من بني آدم، حين قال سبحانه: ﴿ألست بربكم﴾، فقلنا: بلى! بالتالي، في أعماق كل إنسان يوجد حنين وتعطش إلى الله، حتى وإن غطته الشهوات أو الكبر أو السياسة، ولهذا لا ينبغي أن نيأس من أحد.
وهذا يظهر في السيرة النبوية؛ فحتى عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يُضطهد ويتعرض أصحابه للتعذيب والقتل، لم يكن يدعو على جميع أعدائه بالهلاك، بل كان يقول: “اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين”؛ أي: إما عمر بن الخطاب، أو أبو جهل (عمرو بن هشام). فكان يدعو بهداية اثنين من أكبر أعدائه، وقد استجاب الله الدعاء في عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ففي واقعنا اليوم، هناك من يظن أن الرد على الإساءة يكون بالإساءة، وأن مواجهة الكراهية تكون بكراهية مضادة. لكن القرآن لا يعلمنا هذا، بل يقول: ﴿ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾، فهذا أمر إلهي، ولذلك لا ينبغي أن تتحول دعوتنا إلى مجرد معارك على وسائل التواصل الاجتماعي.
مصطلح الووكية (Wokeism):
يسأل بول ويليام عن مصطلح “الووكية” الذي يعكس شكلاً جديدًا من أشكال “الصوابية السياسية”، ثم أصبح أشبه بثورة ثقافية تركز على: الهوية الجنسية، والنوع الاجتماعي (Gender)، وتعريف الإنسان لنفسه، وإعادة صياغة الأسرة، وإعادة تعريف الزواج، ويتخلى عن التعريفات التقليدية للجندر. فقد أصبح من غير المقبول اجتماعيًا أن تقول: إن الرجل رجل، وإن المرأة امرأة، بل صار المطلوب أن يحدد الإنسان بنفسه هويته، وعلى المجتمع كله أن يتعامل معها باعتبارها حقيقة.
ويرى ويليام أن هذا يؤثر علينا جميعًا، وعلى المسلمين في الغرب -بريطانيا وفرنسا وأمريكا وغيرها- بشكل أكبر؛ لأن المسلمين محافظون تقليديون فيما يتعلق بقضايا الزواج، والأدوار الجندرية محددة بوضوح ومحتفى بها عندهم بدون تمييع. فقد أصبحت هذه قضية جدية للمسلمين، خصوصًا الآباء الذين يشعرون أن أبناءهم يتعرضون في المدارس لـ ‘غسيل الدماغ’ من قِبل معلميهم.
لكن عبد الحكيم مراد يرى أن هذه القضية لا تخص المسلمين وحدهم، بل هي قضية تمس كل من يريد الحفاظ على الفكرة التقليدية للطبيعة الإنسانية والتمييز بين الجنسين، والتي تبدو ضمنية في جميع الكتب المقدسة وحتى الديانات الشرقية؛ فجميع هذه التقاليد الدينية ترى الواقع ثنائيا، وأن الحياة نفسها تقوم على هذا التكامل بين زوجين -ذكر وأنثى.
وهناك كثير من المسيحيين يُضطهدون بسبب هذه “المعيارية الجنسية التقليدية” (heteronormativity)، ويتحدث الشيخ عن صديق له اسمه برنارد راندال، وكان يعمل قسيسًا ومدرسًا في مدرسة ذات تراث إنجيلي، وفي أحد الأيام قال ببساطة: “وفقا لكنيسة إنجلترا، الزواج هو بين رجل وامرأة”، فهو لم يقل رأيه الشخصي، بل نقل فقط التعليم الرسمي للكنيسة. ومع ذلك، تم فصله من عمله، ثم أُبلغت عنه الجهات المختصة بمكافحة التطرف (Prevent)، وكأنه أصبح مشتبهًا به في قضايا الإرهاب، إلا أن برنامج Prevent نفسه رفض البلاغ لأنه لا أساس له، لكن مجرد وصول الأمر إلى هذه المرحلة يبين حجم التحول الذي حدث في المجتمع.
الأكثر إحباطًا أن القسيس تواصل مع رئيس أساقفة كانتربري طالبًا دعمه، لكنه رفض التدخل، بل رأى أن الأمر معقد للغاية، و”علينا أن نستمع إلى جميع الأطراف…”. ومما يثير الاهتمام أن هذا رئيس الأساقفة نفسه الذي قال إنه يؤمن بحرية التعبير تعليقا على حادثة الرسومات الكاريكاتورية المسيئة في مدرسة باتلي[2].
هكذا تنكشف الأولوية التي يبدو أن قصر لامبيث (Lambeth Palace)[3] يتبناها الآن: يمكن إهانة التلاميذ المسلمين، لكن الطلاب الذين يؤمنون بالمعيارية الجنسية التقليدية يجب إسكاتهم.
يرى مراد أن الكنائس في الغرب، خصوصًا في أوروبا الغربية، أصبحت تتغير وتتراجع باستمرار لتواكب الثقافة السائدة، أما الإسلام، فما زال -في معظمه- محافظًا على تعاليمه الأساسية، وهكذا يصبح الإسلام هو الوجود التوحيدي الوحيد في أوروبا الذي مازال قائما حاليا.
فإذا دخلت كنيسة في أوروبا الغربية، فقد لا تعرف مسبقًا ماذا ستسمع، أو حتى ماذا ستجد من ممارسات، وقد تختلف الأمور كثيرًا من كنيسة إلى أخرى. في حين أنك إذا دخلت مسجدًا، في أي مكان تقريبًا في أوروبا الغربية، فستجد الصلاة التي تعرفها، وستسمع خطبة تقع -في الغالب- داخل الإطار العام للتراث الإسلامي. قد تختلف اللهجات أو الموضوعات، لكن العبادة نفسها لم تتغير.
هنا يرى الشيخ أن القضية أكبر من “المثلية الجنسية” و”الجندر” في ذاتهما، بل القضية الأعمق تتعلق بالتقاليد والشجاعة في الدفاع عنها.
فقضية المثلية في الإسلام عولجت تاريخيًا بطريقة مختلفة جدًا عن معالجتها في المسيحية، فلا يمكن حقًا تطبيق نفس التصنيف “رهاب أو ليس رهاب”، الأمر أعقد وأدق من ذلك، ونحن لا نندرج على ذلك الطيف أصلًا.
ثم يشير الشيخ إلى كتاب اطلع عليه مؤخرا بعنوان “الخروج الجماعي (Mass Exodus) لستيفن بوليفانت، والذي يتحدث عن انفصال الكاثوليك عن الكنيسة في بريطانيا وأمريكا منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، وسبب خواء الكنائس الكاثوليكية، وعدم رغبة أحد في أن يصبح قسيسًا بعد الآن، وإغلاق الكنائس وتحويلها إلى شقق سكنية أو مساجد أو أي شيء آخر.
وينتهي إلى أن السبب جزئيًا هو المجمع الفاتيكاني الثاني، وجزئيًا لأن الكنيسة لا تبدو محافظة بوضوح على قيمها التقليدية؛ ويشير إلى أن الشباب سيحترمون الدين أكثر إذا ظل واضحًا في تعاليمه، حتى لو لم يتفقوا معها، أكثر من احترامهم لدين مرن يتبع روح العصر في محاولة قلقة للحفاظ على اهتمام الشباب مهما كلف الأمر.
مع ذلك، هناك صعوبات كبيرة في الحديث عن بعض الموضوعات مثل المثلية ومعاداة الصهيونية في مساجد إنجلترا في خطب الجمعة، خوفا من اقتحام المسجد أو إدراج اسم الخطيب في سجلات الشرطة، لذلك يضطر كثير من المسلمين في مواقع حساسة للتعامل بحذر شديد.
ولذلك يجب أن نكون صادقين ونقر أنه لا توجد حرية تعبير كاملة في الغرب أو في أي بلد مسلم أيضًا، فليس الغرب وحده الذي يعاني من الحساسية المفرطة. لكن إذا كنت أقلية، عليك احترام المقدسات المحلية، وهذه المقدسات اليوم مختلفة تمامًا عما كانت تعترف به المسيحية تاريخيًا، لكننا لا نزال مسموحًا لنا بالوعظ في 99% مما هو مهم؟
الهجرة: هل ينبغي للمسلمين مغادرة الغرب؟
يطرح بول ويليام سؤالا مهما حول مسألة الهجرة التي أصبحت مسألة مهمة خصوصًا مع ازدياد الضغوط الثقافية والبيئة العدائية المتزايدة في الغرب على الأسر والأطفال؛ فكثير من المسلمين لديهم أطفال يتلقون هذه القيم ‘اليقظة’ المعادية للإيمان التقليدي.
ويشارك ويليام إجابة البروفيسور الأمريكي عبد الله علي، أحد الأساتذة في جامعة الزيتونة، الذي يرى أنه ليس من الضروري أن تغادر الغرب كله، بل ربما يكفي أن تنتقل من ولاية إلى أخرى أكثر محافظةً؛ فمثلا إن كنت في كاليفورنيا كمسلم، يمكنك أن تقوم بهجرة داخل أمريكا نفسها، إلى منطقة جمهورية حيث تُحترم القيم التقليدية، وكثير من هؤلاء المسيحيين الجمهوريين التقليديين ليسوا في الحقيقة معادين للإسلام كما تصورهم الصورة النمطية الإعلامية.
ولكن الشيخ مراد يرى أنه علينا أولًا أن نميز بين الدول؛ فأمريكا تختلف كثيرًا عن بريطانيا. ففي الولايات المتحدة توجد ولايات تختلف ثقافتها اختلافًا كبيرًا، وقد يكون الانتقال داخل البلد نفسه حلًا مناسبًا لبعض الأسر. أما في بريطانيا، فالأمر أصعب، فليس من السهل أن تجد منطقة تنجو فيها تمامًا من هذه التحولات الثقافية.
في أمريكا، يعتقد كثير من المسلمين أن الإنجيليين المحافظين أعداء لهم لأنهم مصمّمون على الصهيونية وتدمير المسلمين في كل مكان، إلا أن أغلبهم في الواقع عقلاء، فقد يختلفون مع المسلمين في العقيدة، لكنهم يحترمون الدين ويحترمون حق الإنسان في أن يربي أبناءه وفق معتقده. ومن هنا يرى أن هناك مجالًا لتحالفات أخلاقية بين المسلمين والمسيحيين المحافظين، بل وحتى مع بعض اليهود المحافظين، في القضايا المتعلقة بحرية الضمير والأسرة والتربية.
لكن لا يمكن فعل ذلك في أوروبا، إلا إذا أردت أن تذهب للعيش في المجر؛ فالمحافظة في أوروبا غالبًا ما تسير جنبًا إلى جنب مع رهاب إسلامي حاد وعدائي، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنها أقل تدينًا. وأعتقد أنه من المفارقات أنه من الأسهل علينا إقناع والتواصل مع “أهل الكتاب” من التعامل مع أشخاص علمانيين قوميين ملحدين عنصريين يؤمنون بنوع من الانتقاء الطبيعي الدارويني الذي جعل الرجل الأبيض في قمة التطور على مدى مليار عام، فمن الصعب التعامل معهم، على عكس التعامل مع من يشاركوننا جانبًا من التراث الديني، فهناك دائمًا أرضية للنقاش.
وبالنسبة للهجرة من الغرب إلى دول ذات أغلبية مسلمة، يطرح الشيخ مراد سؤالا مهما: إلى أين؟ ما هو البلد الإسلامي الذي يمثل وجهة جذابة في الوقت الحالي؟
يتحدث الشيخ عن نفسه كمثال؛ “ربما يمكن أن أذهب إلى إندونيسيا التي أحبها، لن أمانع العيش في قرية تقليدية صغيرة هناك، آكل المانجو وأسبح في البحر وأكون سعيدًا بالذهاب إلى المسجد، لكن ما الفائدة التي يمكن أن أقدمها هناك؟ إن تخصصي ومهاراتي دقيقة يحتاجهما المسلمون هنا، ولذلك بقيت في بريطانيا”.
لذلك، ينبغي أن يسأل المسلم نفسه سؤالًا مهمًا جدًا: “لماذا أنا هنا؟ ما الذي أبقاني في هذا البلد؟”
فمن اللافت أن أول حديث في صحيح البخاري هو حديث: “إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ..”، وهو في الوقت نفسه حديث الهجرة، وليس هذا مصادفة، فالنية هي التي تمنح الهجرة معناها؛ ” وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ”.
لذلك يحتاج المسلمون في الغرب “إعادة ضبط للنية”؛ لأن النية مهمة للغاية من حيث التوفيق الإلهي والصحة النفسية والروحية.
فإذا كان سبب وجودك في الغرب هو المال، أو الوظيفة، أو السيارة الأكبر، أو البيت الأجمل، أو مستوى المعيشة فقط، فهذا أمر خطير جدًا؛ لأن الدنيا ستبتلعك، وقد تبتلع أبناءك وأحفادك من بعدك. أما إذا كانت نيتك هي أن تكون رحمةً للناس، وأن تساعد جيرانك، وأن تعرّف الناس بالله، وأن تنشر الحق، وأن تخدم المجتمع، وأن تكون سببًا في هداية إنسان؛ فهذه نية مشروعة، وهنا يصبح بقاؤك في الغرب ذا معنى شرعي وروحي. فإذا أصبحت هذه هي نيتنا، فلن يكون بقاؤنا في الغرب مجرد إقامة، بل سيكون نوعًا من الدعوة، وحينئذٍ لن يكون هناك واجبًا عامًا يدعو المسلمين إلى مغادرة الغرب.
ماذا عن التعليم المنزلي كبديل:
كثير من الأسر تلجأ إلى التعليم المنزلي بالفعل لتجنب أسوأ تجاوزات التوجه المتطرف الحالي وما يفرضه من أيديولوجيات، لكن مع ذلك قد يمتد الضغط الحكومي مستقبلًا حتى إلى التعليم المنزلي؛ فقد يصرّ المفتشون المكلفون بمراقبة برامج التعليم المنزلي على غرس هذه المعتقدات الجديدة في الأطفال الصغار، لأنها أصبحت عقيدة راسخة بشدة في ثقافة ظلت محرومة من اليقين لفترة طويلة جدًا، وهكذا أصبحت نوعًا من الدين العلماني.
وقد بدأنا نرى بعض المؤشرات على ذلك، ففي دول مثل فرنسا، تم إيقاف التعليم المنزلي فعليا. وقد يكون هذا هو النمط الذي ستسلكه بلدان أوروبية أخرى مع تزايد تعصّب الليبرالية، وهو تعبير قد يبدو تناقضا، لكنه ما نشهده الآن؛ “ليبرالية قسرية” تفرض رؤيتها الأخلاقية، بدل الاكتفاء بالدفاع عن حرية الاختيار.
واقع الدعوة في بريطانيا:
ثم انتقل الحديث إلى توصيف المشهد الدعوي في المملكة المتحدة، وما إذا كان في حالة صحية.
وهنا يتحدث الشيخ عن جانبين للنظر لهذا الأمر:
الجانب الأول: أن هناك عطش بشري طبيعي للحقيقة والجمال والله، وهذا لايزال موجودا، رغم أن الجميع أصبحوا منشغلين دائمًا بالهواتف والرسائل وسرعة الحياة والتي تجعل من الصعب عليهم التأمل كما ينبغي، لكن حين يهدأ الإنسان قليلًا أو يمر بمحنة أو يفقد عزيزًا، يبدأ في طرح الأسئلة الكبرى. والإسلام يقدم توحيدًا واضحًا وبسيطًا وحياة لها معنى، بدون التعقيدات اللاهوتية التي تراكمت عبر التاريخ في بعض صور المسيحية، ولهذا يجد فيه كثير من الناس جوابًا لما يبحثون عنه.
على الجانب الآخر: حدث تحوّل في الكنائس من بعض الصيغ الكلاسيكية إلى شيء أقرب للتوحيد وشيء أكثر منطقية، ومما يؤكد ذلك، بعض المحادثات التي جرت بين الشيخ وبعض الأشخاص في الكنيسة والذين لديهم رؤى مقاربة للإسلام والتوحيد. لذلك، لا داعي للغضب والانفعال ضد الغرب والمسيحيين، فالغضب يوّلد غضبا بالمقابل، والعدوانية عادة ما تكون هدّامة لهدفها. وإذا عدنا إلى القرآن نجده يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وهذا لا يعني استخدام الألفاظ النابية في صناديق دردشة اليوتيوب، فهذا ليس السبيل لتليين القلوب، بل يزيد الأنا تصلبًا، وهو ما نحاول تجاوزه.
فالناس ينضمون للإسلام بهدوء؛ فلدينا حوالي تحول واحد أسبوعيًا مسجّل في مسجدنا الرئيسي في كامبريدج. وفي التعداد السكاني السابق، قدّروا وجود حوالي 100 ألف مُهتدٍ للإسلام في بريطانيا. بل ويتوقع الشيخ أن يكون الرقم أكبر في التعداد السكاني القادم.
وهذا يحدث فعلًا دون دعوة مباشرة، يحدث فقط لأن الناس يبحثون عن شيء ويجدونه في الإسلام؛ شيء يتعلق بخلوده، وشكل العبادة، وبساطة المساجد، وحقيقة أن المسلمين متحدون في التزامهم وعبادتهم كما في رمضان والصلوات الخمس اليومية، ففي الإسلام جدية تجعلهم يفكرون: هذا دين حقيقي، يبدو دين الله لأنه لا يتم تحريفه وتخفيفه باستمرار.
مستقبل المسلمين في أوروبا:
الجميع يتحدث عن أزمة الإسلام، ولدينا بالفعل أزمات كثيرة، لكن إذا كانت الكنيسة التي كان يعبد فيها أجدادنا في نورويتش أصبحت الآن مسجدًا، فأي دين في أزمة إذن؟
الحقيقة أن المساجد دائمًا مزدحمة أكثر من طاقتها، والمصلون فيها في الغالب من الشباب، بينما متوسط عمر المصلين في كنيسة إنجلترا أو الكنيسة الكاثوليكية عكس ذلك تمامًا؛ كثير منهم من الطاعنين في العمر. ففي صلاة الجمعة وليالي رمضان، يفيض المسجد بالحضور، ولا يوجد أي علامة على تراجع ذلك في أي مكان في أوروبا.
بالفعل، هناك أماكن تشهد بعض التراجع كما في ألبانيا التي خضعت لعلمنة قسرية شيوعية لعقود طويلة لدرجة أن الناس نسوا وظيفة المسجد، لكنها احتاجت لنهج “محاكم التفتيش” لتشهد هذا التراجع. فقد ساد الإسلام في إسبانيا بعد الفتح خلال مئة عام واعتنق معظم الناس الإسلام. لكن بعد استيلاء المسيحيين على إسبانيا، استغرق الأمر مئات السنين لاستئصال آخر معاقل الإسلام، واضطروا لاستخدام محاكم التفتيش بكل فظاعتها.
وهذا يعكس الصمود الذي يتمتع به الإسلام، فالإسلام يتمتع بقدرة عالية على البقاء والاستمرار؛ لأنه دين الفطرة. الناس يحبون فكرة التوحيد، وفكرة وجود إله واحد، والعبادة البسيطة الواضحة، والطقوس التي لم تتغير جذريًا، والدين الذي يعطي الحياة معنى، هذه الأشياء لها جاذبية إنسانية عميقة.
يمكن القول إنه ظاهريا، يوجد أزمات يعاني منها المسلمون مثل الإرهاب والحروب وطالبان وداعش، وهو ما يميل الإعلام الغربي لتغطيته. لكن في العمق وتحت هذا السطح هناك أمور فعالة بشكل كبير مثل: الأسرة المسلمة، والحي المسلم، ومكان العبادة، والتصور المنضبط لفكرة النوع الاجتماعي؛ هذه الأشياء لا تزال محفوظة رغم كل شيء.
لكن ما يحدث في الغرب هو عكس ذلك تماما؛ في الغرب كل شيء جميل ظاهريا، لكن تحت السطح هناك أزمات عميقة مثل: الأزمة الديموغرافية، والأزمة البيئية، وأزمة الوحدة، وأزمة الأسرة، وأزمة المعنى. هذا هو المجتمع الذي يُدعى المسلمون للاندماج فيه!
الجيل الثاني والثالث من المهاجرين المسلمين:
يطرح بول ويليام سؤالا مهما حول مستقبل ومصير الجيل الثاني والثالث من المهاجرين المسلمين؛ هل سيحافظ الأبناء والأحفاد على الإسلام، أم سيحدث لهم ما حدث لكثير من المسيحيين في أوروبا فيبتعدون عن الدين تدريجيًا حتى يختفي؟
يذكر الشيخ ما ناقشه في كتابه عن هذا الأمر؛ فوفقا لبعض الأبحاث والدراسات الإحصائية، فإن 26% فقط من أبناء الآباء المسيحيين المرتادين للكنيسة يُتوقع أن يظلوا مرتادين للكنيسة، بينما النسبة لدى المسلمين 71%، هذا بالإضافة إلى المسلمين الجدد والعائلات الكبيرة، بالتالي لا يُتوقع أن تصبح المساجد فارغة في أوروبا في المستقبل القريب.
مع ذلك، هناك مشكلة متعلقة بمساجد إنجلترا؛ وهي أن كثيرا من هذه المساجد تعكس الاحتياجات الثقافية واهتمامات الجيل الأول من المهاجرين، الذين جاؤوا ليس بالإسلام فقط وإنما أيضا بثقافتهم ولغتهم وعاداتهم، وهذا مناسب للجيل الأول.
لكن الجيل الثاني الذي ذهب إلى المدارس البريطانية، ونشأ في المجتمع البريطاني، وأصبح لديه -بالمعنى الثقافي- “روح بريطانية” قد لا يشعر بالانتماء والراحة في هذه المساجد، وقد لا تكون الخطبة متعلقة بأسئلته ومشكلاته، وهنا يكمن خطر حقيقي.
ففي الإسلام، فكرة العُرف معتبرة، العادات والثقافة المحلية مقدّرة ما دامت لا تخالف القرآن والسنة، لكن إن كان لديك عرف مكان آخر وتتوقع من شباب لهم عرفهم المحلي الخاص أن يتفاعلوا معه بانسجام، فستحدث حالة تنافر معرفي قد تؤدي إلى الانفصال. وهذه هي المشكلة الرئيسية: أن الناس يجدون المساجد فضاءات يُحافظ فيها على ثقافة جميلة، ولكن غريبة بدلًا من كونها أماكن تخاطب الأسئلة التي يطرحونها هنا في بريطانيا.
وتاريخيا، حيثما انتقل الإسلام، فإنه لا يستبدل آداب الشعوب، بل يحفّز ازدهارًا جديدًا في تلك الآداب. انظر مثلا إلى الأدب الفارسي: قبل الإسلام كان عبارة عن بعض الصلوات والتعويذات لملوك مختلفين، ثم جاء الإسلام وظهر حافظ ورومي وسعدي، والأمر نفسه مع الأدب التركي الذي لم يكن شيئًا قبل الإسلام، وكذلك كثير من آداب شبه القارة الهندية وغرب أفريقيا وغيرها. فالإسلام يُنمّي ويؤيد الثقافة المحلية.
هناك مبدأ في الإسلام وهو التمسك بالتوحيد وعدم التنازل عن أشكال العبادة الأساسية المقدّسة؛ فلا يمكن إدخال عادات محلية في صلاة الفجر مثلًا. لكن في الوقت نفسه، في الجوانب غير الرسمية من حياة الناس؛ كيف يلبسون، وماذا يأكلون، واللغة التي يستخدمونها، وكذلك في آدابهم وبعض طقوسهم غير الاقتصادية في سياق التصوف مثلًا، فهي مساحات متروكة للعُرف ويمكن أن تتغير.
فهناك قاعدة من قواعد الشريعة التي قررها العلماء تقول: ” المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً”، وهو ما قد يجده بعض الناس اليوم -بنظرتهم المحدودة إلى الإسلام- أمرًا مدهشًا.
وهذا الأمر يظهر بوضوح فيما يفعله القاضي في المحكمة الشرعية: سينظر في كتب الفقه، لكنه سينظر أيضًا في العرف المحلي، وإن كان هذا العرف لا ينتهك شيئًا معلومًا في الشرع -وإلا وجب أن يزول- فإنه يصبح جزءًا من الإسلام لأولئك الناس.
وهكذا فإن التحدي الذي نواجهه في الغرب هو: هل سنستخدم عُرف إندونيسيا في هولندا، أو عرف كردستان في السويد، وهل هذا هو المطلوب منا كمسلمين هناك، أم أن التكييف الثقافي التقليدي الذي أجادته الأمة دائمًا سيكون ممكنًا لنا في أوروبا الحديثة؟
فكيف ينبغي أن يبدو مسجد في السويد مثلًا؟ هل يجب أن يبدو كمسجد تركي أم مغربي أم كردي؟ ليس بالضرورة!
السؤال هنا هو: كيف سيبدو مسجد سويدي؟ وكيف سيرتدي إمام سويدي؟ وأي نوع من الشِّعر الإسلامي قد ترغب في كتابته مستخدمًا عبقرية اللغة السويدية وقوتها الخاصة؟
وليس بالضرورة أن يقود هذا الأمر -مراعاة العرف- المسلمين الجدد، والحقيقة أن التمييز الذي كان يُلاحظ بين المسلمين الجدد والمسلمين منذ الولادة في الثمانينيات والتسعينيات، بدأ يتلاشى.
ومع انتقال المساجد في الوقت الحالي من كونها ملاذًا لمجتمعات الجيل الأول -الدفاعية بطبيعة الحال، إلى شيء أكثر انفتاحًا وتوجهًا نحو الدعوة، فستجد أنه ليس فقط الجيل الأصغر يشعر براحة أكبر في المسجد، بل أيضًا ينجذب مزيد من غير المسلمين للمجيء إلى المسجد والتعرف على الإسلام كما هو. لذلك يعبر الشيخ عن تفاؤله على المدى الطويل.
ما المشاريع القادمة؟
تحدث الشيخ عن بعض المشاريع التي يعمل عليها، أحدها قد يكون كتابًا قصيرًا نسبيًا عن “مبدأ الحياة”؛ لأن جميع الافتراضات العلمية الأساسية حول أصل العالم وطبيعته ونشأته ولماذا هو على ما هو عليه ليست مسائل محسومة؛ بل هي مسائل غامضة وقابلة للنقاش.
فهناك أسئلة مثل: كيف بدأ الكون؟ من أين جاءت القوانين والثوابت الفيزيائية التي يقوم عليها الكون؟ من أين جاءت الحياة؟ ما الحياة أصلًا؟ من أين جاء الوعي؟ وما هو الوعي؟ هذه كلها ألغاز كبرى.
والدين يقدم إجابات لهذه الأسئلة بصورة أفضل بكثير من الموقف العلماني الذي ينتهي -في كثير من الأحيان- إلى نوع من اللاأدرية أو العجز عن تقديم تفسير.
فالحياة أحد الألغاز الكبرى، والقرآن فيه احتفاء كبير بالحياة، فهو لا يقول فقط “انظروا إلى السماء والجبال والنجوم”، بل يدفعنا أيضا للتأمل في الكائنات الحية أيضا، وهناك الكثير من الأحاديث عن الرفق بالحيوان والإحسان إلى المخلوقات، وهو ما لا وجود له في العهد الجديد.
فمما يميز الإسلام هو تقديره للعالم الطبيعي، فالطبيعة -بما فيها الإنسان نفسه- تدل على الله. وهذه السمة مهمة في التصور الإسلامي؛ لأن الإسلام لا ينظر إلى الطبيعة باعتبارها مجرد مادة خام، وإنما باعتبارها آية تشير إلى ما وراءها.
على سبيل المثال: يمكن تأمل الخلية،[4] فمشاهدة العمليات الدقيقة التي تحدث داخل الخلية أمر مذهل، خصوصًا عندما يتأمل الإنسان أن داخل كل منا مليارات من هذه البنى والآلات. هذا المثال يجعل الإلحاد هو أقرب لقفزة منطقية وأكثر اعتمادًا على الافتراض، بل ومدفوع بالأنا أكثر من التوحيد.
بل إن كل عضو في الجسد معجزة استثنائية، وهذا يدل على وجود مبدأ منظِّم، والأمر لا يحتاج كثيرا من الفلسفة كي ندرك أن مبادئ النظام الدقيق والمعقد لا يمكن تصورها داخل تصور يقوم على الفوضى والعدم. فإذا وجد الإنسان نظامًا شديد الدقة، بتعقيد هائل وقوانين منتظمة، فالسؤال عن المبدأ المنظم وراء ذلك يصبح سؤالًا مشروعًا.
لكننا للأسف نحن نعيش في عصر التطرف، ونواجه نوعًا من الغضب غير المتأمل؛ لأن كثيرا من الناس لا يريدون حقًا أن يُعرَّفوا بأنهم متدينون لأن ذلك ‘ليس أنيقًا’، ويعتقدون أنهم سيتعرضون للتجاهل والإلغاء الاجتماعي.
وهنا يذكر بول ويليام الفيلسوف البريطاني الشهير Antony Flew (أنتوني فلو)، الذي كان أكاديميًا بارزًا في أكسفورد، وقضى عقودًا طويلة يدافع عن الإلحاد ويناقش الحجج ضد وجود الله، لكنه في أواخر حياته، وبعد تأمله في الاكتشافات العلمية الحديثة، بدأ يرى أن الأدلة التي ظهرت أمامه تدفعه باتجاه الإيمان بوجود خالق. فـفلو نفسه رأى أن الدليل العلمي الذي كان يستخدمه طوال حياته ضد الإيمان أصبح في النهاية يقوده إلى الإيمان بالله.
ويعقب الشيخ أن القرآن عندما يتحدث عن الكفر والضلال، يتحدث عنهما من منظور الأهواء والشهوات والأنانية ونقص المعرفة التي تصل بالإنسان إلى الإيمان بأمور تافهة.
وبهذا، يمكن القول إننا نعيش في عصر أصبح المؤمنون فيه هم المتشككون الحقيقيون؛ لأنهم فقط متشككون في فكرة أن كل هذا النظام والجمال وتلك الثوابت الفيزيائية تظهر فجأة من العدم البدائي، بينما الملحدون هم من قفزوا قفزة الإيمان الأعمى.
ولذلك يعتقد الشيخ أن ما سيجعل الإسلام يسود في نهاية المطاف هو: عدم صمود هذه التفسيرات الساذجة للنظام الدقيق للكون لفترة طويلة، بالإضافة إلى عودة البعد التأملي للناس بعيدا عن الأنا وهو ما سيجعلهم يدركون جمال الإسلام، بالإضافة إلى تخلي المسلمين تدريجيا عن كثير من العادات السيئة الخفية والتي تسئ للإسلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أشبه بتفريغ لحوار أجراه بول ويليامز مع الدكتور عبد الحكيم مراد عبر قناة (Blogging Theology) على منصة اليوتيوب بعنوان
“Shaykh Abdal Hakim Murad on Europe’s Spiritual Crisis”، المنشور بتاريخ 12 يونيو 2026، على الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=ShQWE_YKMGc&t=743s
** باحثة في العلوم السياسية.
[1] دوغلاس موراي هو كاتب وصحفي بريطاني، ورغم أنه معادٍ للإسلام وتوصف آراؤه على أنها قريبة من اليمين المتطرف، إلا أنه تحدث بصراحة -في كتابه “انتحار أوروبا”- عن فقدان الإيمان الذي يميز الحداثة متحسرا من هذا الأمر.
[2] يشير هنا إلى حادثة مدرسة باتلي غرامر في إنجلترا عام 2021م، حيث أثارت مدرسة باتلي غرامر في مدينة باتلي البريطانية جدلًا واسعًا بعد عرض مُدرّس مادةً تتضمن رسومًا مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أثناء درس ديني، وقوبل الأمر باعتراضات واسعة من أولياء أمور وطلاب من المسلمين، وتحوّل إلى احتجاجات أمام المدرسة، قبل أن يعتذر المدرّس وإدارة المدرسة عن الواقعة.
[3] المقر الرسمي لرئيس أساقفة كانتربيري (الزعيم الروحي لكنيسة إنجلترا واختصاصياً رأس الطائفة الأنجليكانية في جميع أنحاء العالم) في العاصمة البريطانية لندن.
[4] أشار الشيخ إلى مقطع فيديو على يوتيوب بعنوان “الحياة الداخلية للخلية” من جامعة هارفرد،
https://youtu.be/6wGAVxe7cik?si=6ZXzJqBmNo0tO1Rx
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies