نظرية المقاصد والواقع*
يحيى محمد**
يبدو أن أول الداعين إلى فكرة المقاصد العامة للشريعة هم الأشاعرة. فأول مَن يُطلعنا ببحث ذلك هو الإمام الجويني، ثم تلميذه الغزالي، حتى يستكمل البحث غايته عند الشاطبي الذي اقترنت فكرتها باسمه، لكثرة ما أشبعها بالبحث والتفصيل بما لم يسبقه نظير من قبل. ولم يأتِ مَن يضيف إليه شيئًا ذا أهمية من بعده.
والمقاصد لدى علماء الأصول على عدة مراتب من المصالح. فقد سبق للجويني في (البرهان) أن حدّد المعاني المناسبة على مراتب بحسب قوتها، وهي خمْس، وذلك كالآتي:
- الضرورات
- الحاجيات
- المكرمات أو التحسينات مما يلوح فيه غرض في جلب مكرمة أو دفع نقيضها. والجويني يعتبر أنه يجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة الحدث وإزالة النجس.
- وهو يشابه القسم الثالث من حيث أنه لا يستند الى حاجة أو ضرورة، لكن ذلك القسم يعد خروجًا عن قياس كلي، في حين أن هذا القسم مصرح بندبه ابتداءً.
- التعبديات التي لا يلوح فيها للمستنبط معنى، كما في العبادات البدنية المحضة.
وجميع هذه المراتب عند الجويني ليس فيها ما يتممها، خلافًا لرأي مَن جاء بعده من الأصوليين كالغزالي والشاطبي. كذلك أن هذين العَلَمين قد حصرا المقاصد في ثلاثة فقط هي الضرورات والحاجيات التحسينات أو الكماليات، ولكل منها ما يتممها، الأمر الذي استقر عليه علماء المقاصد من الأصوليين.
المقاصد ومراتبها:
اعتقد علماء المقاصد من أمثال الشاطبي أن المراتب الثلاث للمصالح هي مستنتجة بالاستقراء وشاملة لجميع الأحكام، أي لا يوجد حكم إلا وينطوي ضمن مرتبة من هذه المراتب مع متمماتها. وهي كالآتي:
أ. الضرورات
ويقصد بها الحفاظ على ما هو ضروري للناس وبدونه تختلّ مصالحهم وتفسد. لكن اختُلف في تحديدها، والغالب في العلماء أنهم لم يجعلوها أكثر من خمس مع وجود اختلاف جزئي حول بعضها. فعند الغزالي هي عبارة عن المحافظة على الدين والنفس والعقل والنسل والمال[1]. وتابعه في ذلك الآمدي[2]، وكذا ما ذهب اليه الشاطبي[3]. والشوكاني[4]. وزاد بعض المتأخرين حفظ الأعراض، حيث (أن عادة العقلاء بذْل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم)[5].
وجاء في (تنقيح الفصول) للقرافي أن العلماء اختلفوا في عددها، فبعضهم يقول: الأديان عِوض الأعراض، وبعضهم يذكر الأعراض دون الأديان[6]. كما أن البعض يلحق النسل ضمن المحافظة على النفس كالأستاذ عبد الوهاب خلاف، وآخر يستقل بذكر النسل ويضع تحته الأعراض كالشيخ أبي زهرة متبعًا في ذلك الغزالي ومَن على شاكلته[7].
والأمثلة التي تذكر ضمن الضرورات هي كالاتي:
– الحفاظ على الدين: ويدخل فيه ما شُرّع لأجله من أحكام العبادات من الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد وغيرها، حيث الغرض منها إقامة الدين بما يُصلح المكلَّف في آخرته، إذ “لو عدم الدين لعدم ترتب الجزاء المرتجى”[8]. لهذا شرّع لحفظه العديد من الأحكام كالعقوبات الخاصة بالمرتدّ والمبتدع وما الى ذلك.
– الحفاظ على النفس: وينضوي تحته كل ما شُرّع لأجله من الأحكام التي تحفظ النفس من إيجاب المأكل والمشرب والمسكن والملبس، وكذا القصاص والدية وتحريم الإلقاء بها في التهلكة وما الى ذلك. وأضاف الاستاذ أبو زهرة الى ذلك؛ المحافظة على الكرامة الإنسانية رغم أنه عاود الذكر لها ضمن التحسينات[9].
– الحفاظ على العقل: وأهم ما شُرع لأجله تحريم المسكرات وعقوبة تناولها..
– الحفاظ على العِرض: ويدخل فيه ما شُرع لأجله الحدود الخاصة بالزنا والقذف وما الى ذلك.
– الحفاظ على النسل: حيث ألحق فيه ما يعود الى العِرض من الأحكام كعقوبة الزنا والقذف وما اليهما[10]. وربما كان الأولى أن يكون هذا الأصل داخلًا ضمن قسم الحفاظ على النفس.
– الحفاظ على المال: ولأجله يوجد عدد كبير من التشريعات من الأحكام الاقتصادية؛ كإباحة البيع وسائر العقود المالية والمبادلات التجارية، وحُرّمت لأجله السرقة والغصب والغش وإتلاف المال والربا والغرر وما اليها[11].
ب. الحاجيات
ويقصد بها تحقيق ما بحاجة اليه الناس من رفع المشقة وتيسير أمور حياتهم، مثل الرخص الشرعية كإفطار المريض والمسافر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية للمسافر والصلاة قعودًا لمَن هو عاجز عن القيام، ولزوم التيمم لمَن لم يجد الماء، وعدم المؤاخذة في الخطأ والنسيان والإكراه وغير ذلك من الرخص لرفع الحرج عنهم، كذلك إباحة السلم والعرايا والمساقاة والمزارعة وسائر العقود سدًا لحاجة الناس[12].
ج. التحسينات
أما التحسينات فهي تحقيق ما هو حَسن للناس على وفق ما عليه المروءة ومكارم الأخلاق، والتي يدخل فيها أحكام الطهارات وستر العورات وآداب المعاملات والندب والنهي عن المثلة والغدر وقتل الأعزل والنساء والصبيان والرهبان في الجهاد. وكذا حرّم لأجلها الغش والتدليس والتغرير والإسراف والتقتير، كما ونهى عن التسعير وبيع الإنسان على بيع أخيه[13].
د. المتممات
كما وشرّع الشارع أحكامًا أخرى تتمم تحقيق المقاصد في المصالح الثلاث، فمثلًا في الصلاة أن ما يتممها هو إقامتها جماعة وإعلانها بطريقة الأذان. وحيث حرّم الشارع الزنا لحفظ العرض فإنه تممه بتحريم الخلوة بالأجنبية سدًا للذريعة، وكذا جعل كل ما لا يتم الواجب إلا به واجبًا، ومثله كل ما يؤدي الى المحظور محظورًا، وغير ذلك من الأحكام المتممة[14].
العلاقة بين المراتب المقاصدية:
اعتبر الشاطبي أن المقاصد الضرورية في الشريعة هي أصل للمقاصد الحاجية والتحسينية، إذ لو فُرض اختلال الضروري لاختل كل من الحاجي والتحسيني؛ أما العكس فلا يلزم. وإن كان قد يلزم من اختلال التحسيني اختلال الحاجي بوجه ما، وكذا لو اختل الحاجي للزم عنه اختلال الضروري بوجه ما. وعليه لأجل المحافظة على الضروري لا بد من المحافظة على الحاجي، وكذا فإنه لأجل المحافظة على الحاجي ينبغي المحافظة على التحسيني، فالتحسيني يخدم الحاجي، والحاجي يخدم الضروري، وبالتالي فالضروري هو المطلوب. هكذا يرتب الشاطبي مطالب خمسة كالآتي:
- الضروري أصل لما سواه من الحاجي والتحسيني.
- اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقيين.
- لا يلزم من اختلال الباقين اختلال الضروري.
- يلزم من اختلال التحسيني أو الحاجي اختلال الضروري بوجه ما.
- ينبغي المحافظة على الحاجي والتحسيني لأجل الضروري[15].
نقد النظرية:
من الواضح أن لنظرية المقاصد أهمية كبرى في التشريع، وهي بصورتها المألوفة تحتاج الى مراجعة ونقد. لذا سنجعل نقدنا لنظرية المقاصد على قسمين، أحدهما يتناول المراتب الثلاث وعلاقاتها ببعضها، والآخر يقتصر على المرتبة الأولى لأهميتها.
- نقد التقسيم الثلاثي للمقاصد.
يمكن تقسيم هذا النقد الى ملاحظات اشكالية وأخرى تأسيسية كالآتي:
أ. النقد الإشكالي
1- يلاحظ من جانب أن الاصوليين وإن اتفقوا على تصنيف المراتب المصلحية الى ثلاث منذ الغزالي؛ إلا أنهم لم يتفقوا على أقسام هذه الأصناف، كما لم يتفقوا على ردّ الأحكام اليها، وظهر هناك العديد من الاختلاف في التوزيع والإدخال. ومن ذلك خلافهم حول قسم الأعراض؛ تارة بإبداله عِوض الاديان، وأخرى بإضافته مستقلًا، وثالثة بإلحاقه ضمن الحفاظ على النسل. وكذا مع هذا الأخير؛ تارة بجعله مستقلًا، وأخرى بإدخاله ضمن الحفاظ على النفس. وعلى هذه الشاكلة ما حصل من خلاف حول إلحاق مطلق البيع، فبعضهم يضعه ضمن الضرورات كالذي فعله الإمام الجويني وآخر يراه ضمن الحاجيات[16].
كذلك إن بعض الأحكام أُبعدت عما يناسبها من أقسام أو عناوين. فمثلًا أدخل الشيخ عبد الوهاب خلاف ما شرّعه الإسلام في الزواج للتوالد والتناسل وبقاء النوع ضمن المحافظة على النفس، وكان الأَولى أن يضع ذلك ضمن المحافظة على العِرض الذي جعل له استقلالية خاصة. ذلك أنه ليس فقط بالزواج يمكن الحفاظ على التوالد والتناسل وبقاء النوع، وبالتالي فما شُرِّع بخصوص الزواج هو لأجل الحفاظ على العِرض. وإن كان هذا لا يمنع من أن يكون تشريع الزواج محافظًا في الوقت ذاته على سلامة الأسرة وبث روح الحنان والطمأنينة بين أفرادها. الأمر الذي يجعل من التشريع سواء لهذا الباب أو لغيره قابلًا للعنونة بأكثر من عنوان واعتبار.
وأخيرًا نجد بعضهم يُداخل في بعض الأحكام بين المراتب بما يشير الى التردد والتذبذب، كالذي فعله الشيخ أبو زهرة بشأن المحافظة على الكرامة الإنسانية، حيث وضعها ضمن الحفاظ على النفس، لكنه عاد وضمّها ضمن التحسينات – كما أشرنا إلى ذلك من قبل-. وكذا ما فعله الأستاذ عبد الوهاب خلاف بشأن كل من الغش وإتلاف المال أو الإسراف حيث وضعهما ضمن ضرورة الحفاظ على المال، ثم عاد وألحقها تحت عنوان التحسينات.
2- يلاحظ في التحسينات أنها هجينة في أحكامها بين أن تكون دالة على التجميل والعادات الحسنة، وبين أن تكون أخلاقية حقوقية؛ بعضها يصل من القوة بما هو أعظم بكثير مما ذُكر من الأحكام ضمن الحاجيات، بل وأغلب أحكام الضرورات. فمثلًا أن النهي في الجهاد عن قتل الصبيان والنساء، وهو موضوع في التحسينات ليس أقل حُرمة من شرب الخمر الموضوعة ضمن أحكام الضرورات. وعلى العموم إن التحسينات بما يتصدرها عنوان مكارم الأخلاق، فيها من السعة ما تجمع بين الأخلاق الحميدة في العلاقات العادية وبين الحقوق العامة للأخلاق بما يرفعها الى قمة المصالح، وعلى رأسها العدل.
3- كذلك يُلاحظ أن الأحكام ضمن الحاجيات تتفاوت بين ألا يكون فيها معنى الحاجة وإن تضمنت معنى الرخصة، وبين غيرها التي هي موضع حاجة فعلًا. فمثلًا إن حكم التيمم عند فقدان الماء ليس معنيًا بالحاجة، ولا أن مصلحة الناس وحاجتهم متوقفة عليه، رغم أن تشريعه كان لأجل الرخصة ورفع الحرج التعبدي لا المصلحي بمعناه القابل للإدراك، وبالتالي فإنه لا يدخل ضمن هذا القسم ولا ضمن غيره من المراتب الثلاث.
كما قد يُقال إنه إذا كان إباحة الفطر للمسافر والمريض هي لرفع المشقة وبالتالي لتسديد ما بحاجة اليه الناس؛ فإن الأمر في قصْر الصلاة الرباعية للمسافر يختلف من حيث إنها لو كانت مجرد قضاء حاجة لرفع المشقة لعمّت المريض أيضًا مثلما هو الحال في الصوم، وبالتالي فإن ذلك الحكم لا يدخل ضمن قسم الحاجيات. لكن الصحيح هو أن هناك فَرقًا واضحًا بين ترتيب الصلاة والصوم بالنسبة للمسافر والمريض، فاذا كان المسافر يُقصر في كليهما للتيسير ودفع المشقة، فإن المريض وإن احتاج الى ذلك في الصوم لطول الوقت؛ إلا أن حاجته للقصْر في الصلاة قد لا تكون بالقدر الذي يحتاج اليه المسافر، وقد يكفيه من ذلك ما باستطاعته القيام به من الصلاة قعودًا أو استلقاءً أو غير ذلك مع العجز أو المشقة الكبيرة.
ب. النقد التأسيسي
1- أول ما يُلاحظ أن العدد المذكور للمراتب أو المصالح لا يفي بالمطلوب، فمن الواضح أن هناك نوعين من الأحكام لا يدخلان ضمنها: أحدهما ما أشار اليه الجويني من الأحكام التعبدية التي لا يُفهم غرضها ومصلحتها، فحيث أنها غير مفهومة لا يمكن وضعها ضمن أي من تلك المقاصد أو المراتب، لأن شرط معرفة المقصد إن لم يُصرّح به هو أن تعرف نوع المصلحة فيه. فمثلًا أنَّى لنا أن نفهم المصلحة في جعل الصلاة على الهيئة التي أمرنا بها الله سبحانه، وأنَّى لنا أن نفهم عِلة الالتزام بعدد محدد من الصلاة والركوع والسجود، وكذا علة الاختلاف في عدد الركعات بحسب نوع الصلاة، وما الى ذلك …؟!
أما النوع الآخر فذلك الذي نصطلح عليه بالمصالح الحقوقية، والذي لا تشير اليه تلك المراتب بالذكر على نحو الاستقلال، سواء العامة من هذه المصالح أو الخاصة. فأحكام هذا النوع تتوزع تارةً ضمن الضرورات الخمس، وتارةً ضمن الحاجيات، وثالثة ضمن التحسينات، وتارةً أخرى تستقل بنفسها دون أن تدخل في أي مما سبق، أو أنها تكون أقرب الى التمايز مما هي الى الانضمام والتداخل مع غيرها مما يصح إفرادها مستقلة، وذلك بأخذ اعتبار أن الحكم الواحد قد تشمل مصلحته أكثر من عنوان على ما ستعرف، ولا أقل من أن تكون قسمًا آخر من أقسام الضرورات، باعتبار أن بدونها تضطرب الحياة العامة ولا تستقيم.
فمثلًا إن مصلحة الفرد المتضرر بالسرقة أو الغصب في استرداد حقه؛ هي مصلحة حقوقية مهما كان حجم الجرم ضئيلًا، وكذا بغض النظر عن المصلحة المالية المترتبة عن الاسترداد والتي تدخل ضمن أحكام المحافظة على المال. المهم هو أن هناك مصلحة أخرى للحكم هي التي نطلق عليها بالمصلحة الحقوقية.
2- ليس بالضرورة أن يكون مقصد الحُكم ومصلحته متخِذة عنوانًا واحدًا من عناوين تلك المراتب الثلاث. فقد يكون له أكثر من عنوان ومرتبة، وذلك باعتبارات متعددة. فلا مانع من أن يكون الحكم من جهة يقع ضمن دائرة التحسينات، وأخرى ضمن الحاجيات أو الحقوق أو الضرورات. فمثلًا في العاقلة – أي القتل غير المقصود- من حيث إن الدية موزعة على أقارب القاتل فإن الحكم يُستفاد منه لمصلحة التخفيف ورفع الحرج عن القاتل فيقع ضمن الحاجيات، لكن من حيث اعتباره حقًا لا بد من إيفائه بغض النظر عن الجهة التي تقوم بدفعه فإنه يقع ضمن المصالح الحقوقية التي يستفيد منها أولياء المقتول. كذلك فإن جعل الدية على أقارب القاتل له مصلحة أخرى هو أنه يبعث على التضامن والتكافل فيقع ضمن دائرة التحسينات. وعلى هذه الشاكلة فإن المصلحة اللازمة عن الصلاة هي توثيق الرابطة بين العبد وخالقه، وهو مقصد أساس يقع ضمن دائرة الضرورات، لكنها من جانب تدعو الى النهي عن الفحشاء والمنكر مثلما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾، فتكون بهذا الاعتبار داخلة ضمن التحسينات بحسب التقسيم التقليدي، وكونها تؤثر على شخصية الإنسان الروحية فإنها تقع ضمن التحسينات أيضًا. كذلك إن تحريم الخمر قد يكون لمصلحة الحفاظ على العقل، وقد يكون لمصلحة الحفاظ على النفس، وكذا على سلامة المجتمع من الأضرار الاجتماعية التي يلحقها، فيدخل ضمن المصالح الحقوقية.
بهذا يتبين أن الحكم قد يفيد أكثر من مقصد ومصلحة بغض النظر عما يرِد من تفاوت بين مقادير هذه المقاصد والمصالح للحكم الواحد. فقد يطغى مقصد معين على غيره الأمر الذي يبرر وضعه منهجيًا في دائرة محددة من مراتب المقاصد وانواعها؛ إن لم يكن موضع التباس واختلاف في الأفهام المدركة للناظرين. لكن في جميع الأحوال إن كَون الحكم الواحد له قابلية على الانضمام الى أكثر من عنوان؛ فإن ذلك يجعل من توزيع الأحكام ضمن مقاصد محددة لا معنى له، ما لم نُقرّ بنسبيته ومنهجيته؛ فهو نسبيّ من حيث أن الحكم حُدّد بمقصد ما لاعتبار معين مع إغفال سائر الاعتبارات الأخرى التي تصلح بدورها لضمّ الحكم ضمن عناوينها المناسبة، وهو منهجيّ باعتبار أن التعويل على مقصد محدد مع إغفال غيره من المقاصد المناسبة لا يكون مبرَرًا ما لم يأتِ ذلك طبقًا لمُرجِّح منهجي يُضعف من قوة مصالح سائر المقاصد الأخرى مقابل المقصد المحدد دون نكرانها، ذلك أن نكران هذه المصالح أو المقاصد إنما يُخرج التوزيع عن طابعه المنهجي ليُضفي عليه طابعًا حقيقيًا أو إلزامياً. وهو الحال الذي توحي اليه كتابات علماء المقاصد من حيث توزيعهم للأحكام ضمن قوالب جامدة ومحددة، وكأنهم بذلك ينكرون النسبية ومن ثم الطابع المنهجي القائم عليها؛ مما يجعل طريقتهم غير صالحة ولا دقيقة.
3- إن إدراك المقاصد تارةً يكون عبر النص الخاص، وأخرى من خلال الاستقراء الشرعي، وثالثة عن طريق الواقع والعقل من جهة ما يُدركه هذا الأخير من المعاني المتفقة مع الأحكام الشرعية. وسواء في النهج الأول أو الثاني يُلاحَظ أن النتائج المترتبة عن ذلك تتفق مع مقررات الوجدان العقلي، أي أنها عقلانية وممضية لقرارات العقل وليست تعبدية او تأسيسية إلا على النحو النسبي[17]، فمثلًا يتفق العقل والسمع على قُبح السرقة وحرمتها، فمن هذه الناحية تكون الشريعة ممضية القرار الوجدان العقلي، لكن تحديد العقوبة بقطع اليد هو مما يعجز العقل عن إدراكه، وإن يُدرك فذلك إنما يأتي للردع كما يظهره الواقع، وفي هذه الحالة إن العقل يدرك المقصد وإن لم يفصح عنه النص، كما أنه يعلم أن ما اختاره الشرع من تحديد خاص للعقوبة هو أفضل إجراء من بين خيارات متعددة، لكنه مع ذلك قد يتوقف ليرى ما إن كان هذا الخيار هو مطلق يؤتَى به دائمًا، أو هو نسبي يتوقف على القصد وما يحدده من مطلب طبقًا لما يفرزه الواقع من تنوعات تتسق تارة مع الحكم المشار اليه وتختلف تارةً أخرى.
وما نريد التنبيه اليه هو أن نظرية المقاصد لا يمكن أن تستقيم إلا باعتبارين:
الأول: التسليم بقدرة العقل – المزوّد بخبرة الواقع – على إدراك المقاصد والمصالح مما لا يتضح من النص. الأمر الذي يُفضي بقبول قاعدة الحسن والقبح العقلية التي رفضها أغلب فقهاء أهل السنة ومنهم علماء المقاصد تأثرًا بالمذهب الأشعري. ويعتبر ابن القيم من الفقهاء القلائل الذين دافعوا عن تلك القاعدة ولم يتقبلوا منطق نظرية الأشاعرة حولها حيث إننا لو لم نسلّم بذلك لوقعنا في التناقض. فهم من جهة يعدون المصالح الحقيقية هي تلك التي تقِّرها الشريعة لا العقل، أي أنها تكون تأسيسية تعبُدية تستوي مع سائر العبادات كما صرح بذلك الشاطبي[18]. لكنهم من جهة أخرى ميّزوا بين الأحكام التعبدية التي لا يُدرَك معناها وبين الأحكام المصلحية المُدرَكة بالعقل، وسلّموا لهذا الأخير صلاحية تقدير التفاوت بين المصالح واختلاف رُتبها وأنواعها وما يرجع اليها من أحكام على ما سلف ذكره، أفلا يكون هذا تناقضًا؟!
الثاني: التعويل على السلوك بمنهج الاستقراء الشرعي في الوصول الى العديد من المقاصد التي قد لا تظهر واضحة بمجرد النص الخاص. وهو ما زاوله علماء المقاصد بلا أدني شك، لكنهم لم يربطوا بينه وبين قرارات الوجدان العقلي التي تطابق نتائجه، وذلك تبعًا لذات النهج من الاستقراء وحسابات الاحتمال. الأمر الذي يؤكد ما هم عليه من تناقض.
هكذا فإنه بدون هذين الاعتبارين تكون نظرية المقاصد عاجزة عن أن تقاوم النهج الحَرفي الذي اعتاد الفقهاء مزاولته بدقة وإتقان.
4- يُلاحَظ أن نظرية المقاصد إنما وُضِعت في الأساس وضعًا تبريريًا لما عليه أحكام الشريعة بإضفاء صيغة المقصد والحكمة عليها، ولم توضع لأجل تأسيس الأحكام وبنائها. أي أنها جُعلت لتبرير ما هو كائن، وليس لما ينبغي أن يكون.
- نقد نظرية المقاصد الضرورية
لو قصرنا الحديث عن المقاصد الضرورية باعتبارها أهم المقاصد جميعًا فسنرى أن التقسيم الآنف الذكر يواجه جملة من الإشكالات يمكن تقسيمها على نحوين: ملاحظات إشكالية وأخرى تأسيسية:
أ. الملاحظات الإشكالية:
1- إن اعتبار الدين قسيمًا لسائر أقسام الضرورات يُفضي الى الفصل بينه وبين سائر مجالات الحياة التي تُعبر عنها الضرورات الأخرى. لكن ما قصد اليه علماء المقاصد إنما هو الأمور العبادية لا غير، لذا فالأنسب أن يخصص اللفظ بالعبادة دون الدين الأعم منها؛ ويؤيده أن القرآن الكريم أشار صراحة إلى ذكر العبادة كمقصد أساس للخلق ومن ثم الشرع، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
2- إن المقاصد وردت بلفظ الحفاظ، وهذه اللفظة تبدي أن مبرر وجود الشريعة هو لتحافظ على أمر كامل في الأصل، لا أن هدفها تحقيق الكمال لأمر هو في الأصل ناقص أو غير موجود. ويشهد على ذلك أن الموضوعات في قضايا الضرورات ليست تامة الكمال على أرض الواقع حتى يُراد الحفاظ عليها، بل هي في جميع الأحوال ينتابها النقص والاحتياج. الأمر الذي يبرر الهدف الذي أُنزلت لأجله الشريعة، وهو السعي نحو تسديد الواقع وإكماله لا الحفاظ عليه، خاصة فيما يتعلق بالمصالح الحقوقية التي يترأسها مبدأ العدل، فهذا ما تشير اليه آية القسط وحديث إتمام مكارم الأخلاق، وكذا حديث التخلق بأخلاق الله، وغيرها من الآيات والأحاديث.
ب. الملاحظات التأسيسية:
1. المقاصد بين الضرورات والغايات:
كثير ما يرِدْ في الذهن السؤال الخاص عن نوع العلاقة التي تربط الحاجات المادية للإنسان بحاجاته الروحية. فهل هناك رابطة غائية بين الحقيقتين؟ وهل وُجِد الإنسان لأجل قضاء حاجاته المادية، أم للتنعم بإشباع حاجاته الروحية؟
هناك حقائق أولية لا بد ان نُلم بها قبل البت في الموضوع: فمن ناحية نعلم بأن الإنسان لا غنى له عن النوعين من الحاجات. كما ونعلم أن لكلٍ منهما تأثيرًا على الآخر سلبًا وإيجابًا. ذلك أن إشباع أحدهما يؤثر على حركة الآخر. فالإفراط في إشباع الحاجات المادية مثلًا يُضعف من حركة الإشباع الروحية، كما أن العكس صحيح أيضًا. ونعلم أيضًا أن الحياة البشرية يسودها نزاع مستمر بين إشباع النوعين، غالبًا ما لا يظهر، وإن كان في أحيان معينة يبدو ظاهرًا بقوة، وقد يتردد عندها المرء بأي منهما يأخذ وأي يدَعْ. لكن من ناحية أخرى تعلم أن إشباع الحاجات المادية مهما بلغ فإنه يظل محدودًا غير قابل للنمو والتطور إلا بالقدر الضئيل جدًا. في حين أن إشباع الحاجات الروحية في تزايد لا يقبل الانقطاع والتوقف. فإنك مهما تعلمت وتعقلت ترى نفسك بحاجة أكبر إلى التعلم والتعقل، وكذلك مهما تحررت وتخلقت تجد نفسك بحاجة أكبر الى التحرر والتخلق. ومهما أوثقت صلتك بالله فستظل بحاجة الى المزيد ما دمت حيًا. إذن الحاجات الروحية تُعبِر عن كنه الحياة الإنسانية وجوهرها، إذ أنها مردودة الى (المطلق) ونفخته الروحية، وأن الإنسان مهما سعى لإشباعها فإنه لا يحقق من ذلك إلا على قدر سعيه، فيظل متصفًا بالنقص والحاجة في قبال فيض المطلق. وعليه لولا هذه الحركة التطورية من الإشباع غير المنقطع للحاجات الروحية لما اختلف الإنسان عن البهيمة والحيوان. فهي التي تضفي عليه صورته الإنسانية وتجعل منه الكائن الوحيد بين المخلوقات الأرضية ذا قابلية مطاطة يتحول خلالها الى أطوار مختلفة من التكامل دون الوقوف عند حد، حيث تتجلى فيه الأبعاد الإلهية شيئًا فشيئًا حتى يظنه الواهمون إلهاً فيعبد بأشكال صريحة وفي حيث صريحة، مثلما يجري الحال مع الأنبياء والأولياء والقديسين.
فهذا هو سر حركة الإنسان وغاية خلقه ووجوده، والتي منها يتبين أن الحاجات الروحية هي حاجات مقصدية يستهدفها الإنسان في حركته الوجودية بما أنعم الله فيه من النفخة الروحية.
على هذا فإن إشباع الحاجات المادية ليس له غرض في ذاته، بل تنبع ضرورته من كونه شرطًا لتحقق تلك الغاية من الإشباع الروحي. فلولاه لما استطاع الإنسان أن يعيش ويحقق ما أمكن من غاية وجوده.
طبقًا لهذه المقدمة الإيضاحية إن علماء المقاصد لم يكن يهمهم البحث في الغايات الوجودية لخلق الإنسان؛ وذلك إما لاعتبارات نفي مبدأ الغرضية، أو لاعتبارات إبعاد العقل عن الممارسة الاستكشافية، أي تلك الممارسة التي تتضمن المماحكة مع الواقع. وفي كلتا الحالتين فاتهم توظيف ذلك في الكشف عن مقاصد التشريع، حيث توقفوا في البحث عند حدود الحفاظ على الضرورات مما ليس في ذلك لغة تغييرية للواقع ولا يُعد غاية تشريعية. فالجمود على دائرة الحفاظ لا يتناسب مع طبيعة المقاصد التي خُلِق لأجلها الإنسان. في حين يفترض منطقيًا أن تكون مقاصد التشريع تتسق مع غاية الخلق دون أن تختلف معها. والتشريع الذي لا يستهدف تحقيق هذه الغاية ولا يستهدي بهديها ليس له من معنى غير الشطط. وواضح أن الضرورات المطروحة في نظرية المقاصد من الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والعِرض والمال؛ كلها لا تعبر عن غاية الخلق من الإشباع الروحي غير المنقطع كما سبق ان بينا. وبالتالي فإن ما ذكره الأصوليون من مقاصد هي ليست مقاصد جوهرية وإن سُلِّم لهم بأنها من الشروط الضرورية لتحقيق المقاصد الحقيقية. أي أنها مقاصد شرطية هدفها تحقيق أخرى حقيقية هي غاية التشريع الذي يستهدف سعادة الإنسان. لذا نطلق عليها بالمقاصد الغائية، وهي كالآتي:
المقاصد الغائية: وهي تشتمل على مجموعة من القيم أبرزها ما يلي: التعبد، والتعقل، والتحرر، والتخلق، والتوحد، والتكمل، ولكل منها ظاهر وباطن، وذلك كالآتي:
التعبد: وهو من حيث الظاهر عبارة عن العمل بما أمر الله به من العبادات الظاهرة المعروفة، كالصلاة والصوم والحج وما اليها. أما من حيث الباطن فهو توثيق الصلة للنفس بين العبد وربه، وذلك بكثرة الذكر في القلب على الدوام، مثلما أشار اليه المولى جلّ وعلا بقوله: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾، وقوله أيضًا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ…﴾.
التعقل: وظاهره الممارسة الاستكشافية في اكتساب العلم والمعرفة لفهم الظواهر الوجودية ومنها طبيعة الانسان ومنشؤه ومصيره؛ لأجل توظيفها في صالحه، وذلك بنحو من التثبت والتيقن قدر الإمكان، أي العلم بالنظر والترجيح من غير هوى ولا تقليد. وهناك عدد كبير جدًا من الآيات التي تشير الى هذا المعنى من التعقل، يكفينا منها ذكرًا ما يلي: (ولا تقْف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا)، (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم)، (واذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه اباءنا، أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون)، (وبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب)، (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت، وإلى السماء كيف رُفعت، وإلى الجبال كيف نُصبت، وإلى الأرض كيف سُطحت).
اما باطن التعقل فهو عبارة عن الممارسة الاستكشافية المبنية على النظر الوجداني لمعرفة الحقائق ومعاينتها. وهي عملية تتأسس عليها ظاهرة التعقل الخارجي من حيث الأصل المعرفي، لكنها أيضًا تُكمل ما يبدأ به هذا التعقل ولا تلغيه، بل تعمقه بالإحساس الباطني والمعاينة المباشرة للمعرفة الإلهامية بنوع من التأمل والاستبطان. وبعضهم يشير الى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿… وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ…﴾.
التحرر: وظاهره التجرد عن كل ما يعيق حركة الإنسان الكمالية في الحياة من الاستعباد والاستغلال والكسل والاتكال والخمول واتباع التقاليد والأعراف المنحرفة أو التي لا خير فيها، وما الى ذلك. أما باطنه فهو التجرد عن الأحوال السيئة التي تستعبده وتستنفد طاقته بقطع الصلة عنها، كالأهواء المضِّلة والشهوات المميتة وحُجُب التقليد المانعة من معرفة الحق والسلوك اليه. ولا يأتي هذا التجرد إلا بالمجاهدة النفسية، وقد جاء في الأثر “أن أعظم الجهاد جهاد النفس”.
التخلق: وظاهره العمل بمكارم الأخلاق من العدل والرحمة والتسامح والتواضع والتواد وحسن التعامل مع الطبيعة وتسخير الأشياء وما اليها، وقد جاء في الحديث: “إنما الدين المعاملة”.
أما باطنه فهو العمل بما اصطلح عليه اهل الكشف والأحوال بالتخلية والتحلية. أي التخلي عن كل الطباع والصفات النفسية السيئة وإحلال محلها ما يقابلها من حُسن الطباع وطيب الصفات، وهو ما يشار اليه بالتخلق بأخلاق الله مثلما جاء في الحديث، واليه اشارت بعض تفاسير الآية (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها).
التوحد: وظاهره السعي نحو اقامة ما أمكن من رابطة الأخوة وتعميق العلاقات وسط أفراد المجتمع البشري، وذلك من خلال التعاون والتآلف لما فيه خير وصلاح الجميع. وقد جاء في حده الأدنى ما أشار اليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ…﴾. أما في حده الأعلى فقد جاء قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ…﴾، ويُشار اليه في بعض تفاسير الآية: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ…﴾.
أما باطنه فهو جعل مصادر الإحساس والشعور والإرادة قائمة على ميزان موحد من غير تضارب ولا تناقض. واليه الإشارة بما جاء عن الامام علي (ع): “اجعل نفسك ميزانًا فيما بينك وبين غيرك، فأحبب له ما تحب لها، وأكره لها ما تكره له”. كذلك اليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ…﴾.
تجدر الاشارة الى ان أغلب المذاهب الإسلامية ظلت – وللأسف- تعمل طوال تاريخها على خلاف هذا المقصد بالفُرقة ونفي الاعتراف بشرعية الآخر، توسعة وتضييقًا، سواء في عقائده أو عباداته الخاصة، متجاهلة أنها مذاهب اجتهادية على حد سواء. هذا من حيث الظاهر، أما من حيث الباطن فقَلّ ما تجد فيها مَن يعمل بميزان التوحيد لمصادر الإحساس والشعور والإرادة؛ بوضع حالها موضع الإنصاف مقارنة مع ما عليه الآخر.
التكمل: وظاهره إكمال جميع ظواهر الأحوال السابقة. أما باطنه فهو إكمال بواطن تلك الأحوال من غير حد ولا انقطاع. فمصدر التكمل هو إشباع الباطن وتحريكه، ومنه تنبعث حركة إكمال الظاهر. واليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ…﴾، ومنه يُعلم أن الحركة باتجاه الكمال غير منتهية، واليه يشار في بعض تفاسير الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾.
يُعلم مما سبق ما يلي:
1- ان العلاقة الهامة في كل ما سبق من الأحوال هي علاقة الباطن التي لها تأثيرها الفعّال على حركة الظاهر. فمع أن للحركة الأخيرة دورها المقابل في التأثير؛ لكن يظل أن العامل الحاسم في الحركة هو للباطن. وينطبق هذا الأمر حتى في حدود مجال التعقل، فلولا التعقل الباطني من الكشف لمصادر المعرفة الأولية لما أمكن تشكيل أي معرفة من التعقل الخارجي، كذلك أنه يُكمل ما يبدأ به هذا الأخير، على ما أشرنا اليه آنفًا.
2- إن الأحوال السابقة بعضها يؤثر على البعض الآخر بفعل الحركة الباطنية. أي
أن العلاقة بين الأحوال هي علاقة توظيفية بعضها يوظف البعض الآخر ويؤثر عليه.
3- إن حركة الإنسان بفعل تلك الأحوال يسعها أن تكون حركة تكاملية غير متناهية باعتبارها تتجه نحو المطلق أو الكمال.
2. المقاصد بين حق الله وحق الانسان:
مثلما رتب الأصوليون المقاصد بعضها على بعض، حيث اعتبروا الضرورات أهمها جميعًا؛ فإنهم كذلك فعلوا نفس الشيء مع أصناف الضرورات، فقدموا الدين على ما سواه، ثم بعده النفس فالعقل وهكذا. ومع أن تقديم الدين على النفس هي قضية لم تكن محسومة لدى كافة الأصوليين، حيث نجد البعض يرى العكس هو الصحيح[19]، إلا أن غالب العلماء ذهبوا الى تفضيل الأول على الثاني، ومن ثم على سائر المصالح الأخرى قاطبة، مستدلين على ذلك بالجهاد، حيث يُضحَى بالنفوس من أجل حماية الدين وحفظه[20]. فالجهاد واجب وحق لله ليس للإنسان فيه من خيرة؛ خاصة وأنه عبادة يلزم عندها تحقق نية القربة، على ما فيه من مصلحة فائقة للمجتمع.
والأصوليون حيث رجحوا الدين على غيره من المصالح إنما ينطلقون من نظرية “حق الله” المطلق في مقابل ما يُطلق عليه بحق العبد مجازًا، اذ لا حق له عندهم في واقع الأمر. ذلك أنهم يفرّقون شكليًا بين الحقين تبعًا لمسألة جواز الاختيار للعبد وعدمه. فبخصوص حق الله نجد هناك حالتين:
1- العبادات الدينية التي هي من حق الله لعدم جواز اختيار العبد فيها بسبب عدم معقولية المعنى. حيث إن المعنى هنا موقوف الاعتبار لا يجوز تجاوزه أو إجراء القياس عليه.
2- المصالح البشرية المقررة من قِبل الله في إلزام الناس على الامتثال لها من غير خيرة لهم في ذلك. فسواء العبادات أو المصالح البشرية التي لا خيرة للناس فيها؛ كلها تُعد بنظر الأصوليين راجعة الى حق الله. أما حق العبد فينحصر فقط في المصالح التي أُجيز له فيها الاختيار. فمثلًا إن ديون الأفراد بعضهم لبعض تُعدّ من حقوق العباد، اذ يجوز لهم إسقاطها والتنازل عنها، بينما الجهاد وعقود الربا والغرر هي من حقوق الله ولا اختيار للعباد فيها رغم أنها تتعلق بمصالحهم العامة.
على هذا يصبح تعريف حق الله – كما يذكر الشاطبي- بأنه عبارة عن كل (ما فُهم من الشرع أنه لا خيرة فيه للمكلف، كان له معنى معقول أو غير معقول). أما حق العبد فهو (ما كان راجعًا الى مصالحه في الدنيا)[21].
على أن عيب التقسيم الآنف الذكر ليس من حيث ما تضمنه في الفصل بين ما هو عائد الى أمر الله وما هو عائد الى اختيار البشر، وإنما الى مبرراته التي غلفته. ذلك أن إلحاق الحقوق البشرية التي لا خيرة للناس فيها وجمعها مع العبادات ضمن دائرة حق الله؛ وإن كان صحيحًا بحسب موجبات التقسيم ومبرراته، إلا أن خطأه يكمن في شكلية التقسيم، وذلك بنكرانه لأي حق من حقوق البشر في مصالحهم مطلقًا، سواء كان لهم في ذلك خيرة أو بلا خيرة، مما يتسق مع نظرية الحُسن والقبح الشرعيين التي أدلى بها الاشاعرة، إذ لا اعتبار للمصلحة إلا من حيث جعلها الله مصلحة لما يملكه من الحق المطلق، الأمر الذي يتساوى فيه التعبد مع المصالح البشرية بلا أدنى فرق، فكلاهما يصبحان من العبادات المقررة من قِبل الله وحقه المطلق، وبه ينتفي التقسيم من أساسه إذ لا يكون أحدهما قسيمًا للآخر وإنما قسمًا له وفرعًا عليه. وقد أكد الشاطبي هذا التصور، فهو يدرك ان الحَقَين المفترضين في التقسيم إنما هما عبارة عن حق واحد هو حق الله (لأن ما هو حق للعبد إنما ثبت كونه حقًا له بإثبات الشرع ذلك له، لا بكونه مستحقًا لذلك بحكم الأصل.. فأما ما هو لله صرفًا فلا مقال فيه للعبد، وأما ما هو للعبد فللعبد فيه الاختيار من حيث جعل الله له ذلك، لا من جهة أنه مستقل بالاختيار)[22].
هكذا طبقًا لهذا النظر تكون المصالح الإنسانية مجرد تعبدات ليس للعقل فيها حكم، بل المصلحة مصلحة بفعل اعتبار الشارع لا غير؛ على ما اشار الى ذلك الشاطبي بنفسه[23].
ودفعًا للإشكال الذي يرِد على هذه النظرية التي تُسقط العقل من الاعتبار وتتنكر للحقوق الإنسانية لتردها الى حقوق إلهية مطلقة … فإنا نُميّز بين الحقين الإلهي والإنساني لا بحسب مبدأ الاختيار كما في الطريقة السابقة، وإنما بحسب ما يناسبه من المرتبة الوجودية. فالحق الإلهي لا يتعدى التعبد الذي طالبَنا به الباري تعالى لما منّ علينا من النعم الوافرة. أما الحق الإنساني فينحصر في الطلب الذي به يحقق مصالحه الحقيقية المدركة بالعقل والمعنى، سواء كان مصدر إدراكها الشرع أو العقل أو الواقع. فالتقابل بين الحقَين هو تقابل بين ما يبرز فيه الأثر الحياتي الدنيوي بمعناه الإيجابي من جلب المصالح المعتبرة ودرء المفاسد وتقويم الحياة الإنسانية الفردية منها والاجتماعية تقويمًا صالحًا وسليمًا، وبين ما يبرز فيه الأثر الغيبي الأخروي وحق الطاعة من حيث إنه حق الله باعتباره الإله الخالق المُنعم. لكن يلاحظ حول ذلك الأمور التالية:
1- أن ما يُقصد بحق الله إنما هو حق طاعته وعبادته كما شاء أن يختار من غير حق للسؤال والاستشكال ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. أما ما يُراد بحق العبد فهو عبارة عن نفس تحقيق مصالحه وتسديد حاجاته التي تتناسب مع رتبة وجوده في الخلق. وبالتالي فإن التقابل بين ما يُسمى بحق الله وحق الإنسان هو ذاته التقابل المعبَّر عنه بحق الطاعة والمصلحة. ونحن إنما نريد بالمصلحة هنا هي مصلحته في الدنيا، باعتبار أن المصلحة الأخروية مقررة وثابتة بفعل الامتثال بالحقَين، أي حق الطاعة والمصلحة. وبعبارة أخرى أنه إذا كانت المصلحة الدنيوية تُعد قسيمة لحق الطاعة كما أوضحنا، فإن الحال مع المصلحة الأخروية شيء يختلف، باعتبارها تصبح محصّلة نتاج الامتثال لكلا القسمين حق الطاعة والمصلحة الدنيوية.
2- إذا كنا قد اعتبرنا المصلحة من الحقوق التي تعود الى الإنسان فلا يعني بذلك أن مطلق المصالح التي يتنعم بها الإنسان هي من حقه في قبال حق الله، ذلك أن أغلب المصالح الإنسانية إنما هي نِعم تكميلية من قبل الله تعالى شاء أن يمُنّ بها على الإنسان. لكن حيث أن فائدتها تعود الى الإنسان فقد اعتبرناها من حقه بنحو من المجاز تمييزًا لما هو عائد الى الله تعالى وحده، وهو التعبد أو حق الطاعة.
3- إن التقسيم الآنف الذكر منهجي ونسبي، أي قد يكون في الحكم الواحد ما يرجع في بعض جوانبه الى حق الطاعة، وفي الجانب الآخر إلى المصلحة. وعليه قد يطغى أحيانًا حق الطاعة على المصلحة أو العكس، تبعًا للاعتبارات النسبية. وأكبر شاهد على ذلك الصلاة، فهي عبادة وحق لله مفروغ منه، لكنها من جانب آخر غير معزولة عن تحقيق الكثير من المصالح المعتبرة في تقويم حياة الإنسان وسلوكه وما تبعثه من حِسّ للنهي عن الفحشاء والمنكر الذي يساهم في إصلاح المجتمع، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾، وورد في الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزد من الله إلا بُعدًا». الأمر الذي يجعل من الصلاة لیست مجرد عبادة صرفة، وإنما تهدف كذلك الى تحقيق المصالح التي يتطلع اليها الإنسان. والحال ذاته ينطبق على العبادات الأخرى مثل الزكاة والجهاد والحج والصيام، رغم أن بعضها يتجلى فيه الجانب المصلحي ويطغى مقارنة بالتعبد، كما هو الحال مع الزكاة والجهاد.
وعليه فالعلاقة بين الحقَين ليست علاقة تنافر وتضاد، طالما أن بينهما مداخلة نسبية تجعل أحدهما يدخل بنسبة ما في الآخر. فمصلحة الإنسان هي أيضًا حق يريده الله تعالى ويأمر به. أي أنها من هذه الناحية تدخل ضمن اعتبار حق الطاعة، وإن كانت في حد ذاتها مطلبًا إنسانيًا. وكذا بخصوص حق الطاعة الذي به تتحقق الفائدة في تقويم الإنسان وإصلاحه في الدنيا، الأمر الذي يجعل للأحكام الشرعية وجهين أحدهما عبادي والآخر حضاري. فحيث أنها دالة على أمر الله ومولويته ووجوب طاعته والامتثال لأوامره فإنها تكون من هذه الحيثية عبادية. لكن حيث أن غرضها مصلحة الإنسان وتسديد حاجاته لنيل الكمال وسعادة الدنيا – ناهيك عن الآخرة – فإنها تكون حضارية.
والملاحظ أن النصوص الإسلامية تارةً تؤكد على الحيثية الأولى، وتارةً على الثانية، وثالثة تجمع بين الحيثيتين. ففي قول المولى عز وجل: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، له دلالة على الحيثية الأولى. أما في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، فإن له دلالة على الحيثية الثانية. بينما في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ…﴾، وقوله: ﴿… فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، نجد الدلالة على الجمع بين الحيثيتين الآنفتين الذكر.
4- إن التقسيم الذي أقمناه يعكس صورة التعاكس المنهجي في السير المعرفي لفهم قضايا الإسلام، وذلك إن كانت المعرفة تُصاغ برسغ نازل من أعلى الى أسفل، أو العكس. فالنهج الأول يعوّل على فهم قضايا الإسلام والواقع من خلال النص باعتباره ظل الوحي. بينما النهج الآخر ينطلق من الواقع، ويرى فيه إمكانية لفهم النص وقضايا الإسلام ومن ثم حلّ الإشكاليات العالقة بهما. فكما يلاحظ أن اعتبارات التقسيم طبقًا للنظرية التقليدية هو تعويلها على النهج الأول بجعل النص هو المحدد المطلق لمجالات حقوق الله والعباد طبقًا لمبدأ جواز الاختيار وعدمه القاضي بالنهج النزولي من النص الى الواقع، أو تنزيل النص على الواقع فهمًا وتطبيقًا، مما يتسق مع نظرية الأشاعرة في التحسين والتقبيح كما علمنا. بينما في التقسيم الذي آثرناه يكون الواقع الذي يطلعنا على مصالح الإنسان – بغض النظر عن إشارات النص- ركنًا أساسياً في المنهج، حيث انطلاق الحركة الإدراكية هي في الأساس من تحت الى فوق، أي من الواقع الى النص. مع ما يلاحَظ أن حالات الصعود والنزول كليهما ضروري دون أن يُتخذ من ذلك قالب مذهبي جامد. لكن الحسم الأساس إنما يعود الى طبيعة ما يراه المنهجان المتعاكسان. وهما في الحقيقة يفضيان الى نتائج مختلفة.
لكن لو غضضنا الطرف عن الحسم الأساس لأي من المنهجين وما يفضيان اليه من نتائج متغايرة؛ نلاحظ أننا إزاء عمليتين إحداهما تُكمل الأخرى، هما ما نُطلق عليه بمقولتي “تديين الواقع” و”توقيع الدين”. حيث يُراد بالأولى أنها عبارة عن إضفاء صبغة الدين على الواقع، أو إنزال الغيب على عالم الشهادة. أما الثانية فهي على العكس عبارة عن إضفاء صبغة الواقع على الدين، وذلك بتصعيد عالم الشهادة الى فوق وجعل الواقع يتحول الى نوع من الديانة؛ فينشأ لدينا ما نصطلح عليه بـ «ديانة الواقع». والعمليتان مطلوبتان؛ فالأولى تريد أن تجعل من الدين واقعًا، بينما تريد الثانية أن تجعل من الواقع دينًا، والمصالحة بينهما لا تتم إلا عبر جدل التنزيل والتصعيد … أي تنزيل الغيب والدين من جهة، وتصعيد عالم الشهادة والواقع من جهة أخرى.
عود على بدء
على ضوء ما سبق تنقسم مقاصد الشريعة الى نوعين يتعاكسان منهجًا، لكنهما يؤطران السلوك التكليفي للإنسان بتمامه؛ أحدهما مقاصد الطاعة المعبّر عنها بحق الله، والآخر مقاصد المصلحة المعبّر عنها بحق العبد أو الإنسان. وتبعًا لما سلف ينبغي أن يتخذ منهج حق الله السلوك النزولى من النص الى الواقع، إذ لا يُدرَك هذا الحق إلا بوحي من النص. في حين يتخذ المنهج الآخر – وهو منهج المصلحة – السلوك المعاكس في الأساس بالصعود من الواقع الى النص، حيث يراعي دراسة الواقع ويقرر على ضوئها ما يتفق وحاجة الانسان. وقد دلّ الذكر الحكيم بإشارات الى كلا النوعين من المقاصد، ومن ذلك دلالة آيتين هامتين تكشفان عن بعض ما تضمنه النوعان. فقد جاء في أحداهما قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وكذا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا»[24]، وبه يُعلم أن الله تعالى استهدف حق الطاعة كمقصد من مقاصد الشرع والخلق معًا. أما في الآية الأخرى فقد جاء قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ…﴾، ويسنده ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الاخلاق»، وقوله أيضًا «إنما الدين المعاملة». ويُعلم من ذلك أن المصالح الحقوقية هي من المقاصد الأساسية التي نصت عليها الشريعة وراعتها بالاعتبار، وبالتالي فإن حق الطاعة والمصلحة كليهما يعدان مقصدين أساسيين نصت عليهما الشريعة بالإقرار والتوكيد.
على أن العلاقة بين المقصدين هي علاقة تكاملية لا يستغني أحدهما عن الآخر، لا كما كرسته نظرية الأشاعرة في رد المصلحة الى حق الطاعة، ولا كما آلت اليه نظريات الغربيين بنفي هذا الحق ونكرانه. ذلك أن إلغاء المصلحة لا يتسق مع ما عليه مجريات أمور الحياة وسنن الوجود. كذلك أن قطع الصلة بحق الطاعة يجعل من الحياة عبئاً ثقيلاً لا معنى له، لكونه يُفضي الى الانقطاع عن عالم الغيب وامداداته الروحية، الأمر الذي يشكل خطورة على مصالح الإنسان – وهو الحبل الآخر من المقاصد – وما يترتب عليه من الحرمان لتحقيق حد الإشباع للمقاصد الغائية السالفة الذكر. لهذا نجد الأحكام الشرعية تجامع وتداخل بين المقصدين، إذا ما استثنينا عددًا قليلًا من الأحكام التعبدية المحضة التي لا يُدرك معنى المصلحة فيها كليًا.
لكن مع أن المقصدين أحدهما يُكمل الآخر، إلا أنهما قد يتزاحمان عند مورد الامتثال للأحكام، فيكون أحدهما معارضًا للآخر. الأمر الذي يتطلب الإجابة عن أيهما أرجح عند التعارض في النظر الشرعي، فهل واضع التشريع رجَّح كفة الحق الإلهي على الإنساني، أم العكس هو الصحيح؟ وهل الشريعة قدمت البُعد العبادي على الحضاري، أم الحضاري على العبادي؟
وبدون شك أن الإجابة المبدئية عن السؤال المطروح لا تتحد إلا بمعرفة أي منهما أهم من الآخر؟ لهذا يصّح أن ينقلب السؤال المذكور الى صيغة أخرى مباشرة كالآتي: هل خُلق الإنسان لأجل العبادة بتوفية حق الطاعة، أو شُرعت العبادة لأجل الإنسان؟ وهل البشر في خدمة الوحي، أم العكس هو الصحيح؟ فهنا نلاحظ أن العلاقة بينهما تحولت الى رابطة الوسيلة بالغاية، وحيث أن الغاية أهم من الوسيلة، لذلك فإنها تتقدم عليها عند زحمة المتعارضات.
لكن مَن منهما الغاية ومَن الوسيلة؟ للإجابة عن ذلك لا بد من مراعاة النقاط الآتية:
1- يلاحظ أن أغلب الأحكام تصطبغ بالصبغة الحضارية، فيما تنحسر الأحكام العبادية في عدد قليل. فمِن ذلك حُرمة الاعتداء والكذب والغيبة والنفاق وإلحاق الضرر بالنفس والآخرين، ومكافحة الظلم وبسط العدل وفرض الزكاة وقمع الإجرام والقصاص وشرط العدل في الحاكم والقاضي والشهادة وسد الذرائع الى الفساد وحماية الحقوق ووجوب التراضي في العقود ومسؤولية الإنسان على فعله وتحريم الربا والقمار وبيع الغرر … الخ. وقد جعل الفقهاء – بهذا الصدد – جملة من نصوص الشارع كقواعد فقهية ثابتة، منها: (إنما الأعمال بالنيات)، (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)، (الولد للفراش)، (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، (المسلمون على شروطهم)، (القاتل لا يرث)، (لا يقضى القاضي وهو غضبان)، (لا ضرر ولا ضرار).. وغير ذلك مما يدخل في سلامة أمر العباد وتحقيق مصالحهم. يضاف الى وجود قواعد فقهية أخرى استخلصها الفقهاء من وحي الشريعة والتي منها قاعدة: العادة محكّمة، دليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه، الحاجة تنزل منزلة الضرورة، المشقة توجب التخفيف، دفع الضرر الأعظم عند التعارض واجب، الشرط خلاف ما يقتضيه العقد مبطل له، الأمور بمقاصدها؛ والتي يتفرع عنها قاعدة: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني … الخ[25].
2- كما يلاحظ ان أغلب المقاصد العامة للشريعة هي مقاصد حضارية، بما في ذلك المقاصد الضرورية والغائية، حيث – باستثناء- التعبد تجد سائر المقاصد الأخرى كلها تتضمن عنوان المصلحة. وهي بحسب المنهج الذي وضعناه لا تدخل ضمن دائرة مقصد حق الطاعة.
3- إن الجانب العبادي من الدين يرتهن فعله بشروط حضارية أو مصلحية؛ لولاها ما صح التعبد ولا قام. فمثلًا إن الصلاة والصوم والحج وغيرها من العبادات تسقط أو تُخفف عندما لا تكون هناك استطاعة أو يحصل منها الحرج والعسر الشديد. الأمر الذي يجعل من تلك الشروط مقدمة وحاكمة على غيرها من العبادات كما يشار الى ذلك بقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) التي هي حاكمة على سائر الأحكام الأخرى. أي أن الضرر لا يجتمع مع العمل بالعبادة فترجح مصلحة دفعه على بقية الأحكام، وقد جاء في قوله تعالى: ﴿… وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ…﴾، واشتهر على الألسن مقولة “مراعاة الأبدان خير من مراعاة الأديان”[26]. وإذا أضفنا إلى ذلك ما توصلنا اليه في بعض البحوث من شرعية تقديم المصلحة على سائر الأحكام المعارضة كما نبّه عليه الطوفي؛ فإنه لا يبقى شك في اعتبار المصلحة هي الغاية والأهم من حيث النظر الشرعي مقارنة مع حق الطاعة.
4- لكن قد يقال إن حق الطاعة مرجح على المصلحة بدلالة أن الشرع أجاز أن يُغفر للعبد كل ذنب، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، واستثنى من ذلك الشرك كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾. بمعنى أنه ألزم العبد بالإيمان بالتوحيد إلزامًا يفوق غيره من الواجبات والمصالح.
والجواب هو أن الإيمان بالتوحيد لا يدخل ضمن دائرة حق الطاعة، ذلك لأن هذا الحق ليس له من مبرر إلا الإيمان بالتوحيد ذاته، لذا فلو دخل الأول في الثاني لحصل الدور. يضاف الى أن من غير المعقول أن تتعارض المصلحة مع الإيمان بالتوحيد لينشأ من ذلك الترجيح، داعيك عن أن هذا الإيمان هو من العوامل الهامة التي تساهم في تحقيق مصالح الإنسان؛ كتحريره وتخليقه وتوحيده وتعقيله وتكميله[27]، فضلًا عن أن النظر الى الآيات التي تتوعد مرتكبي جرائم القتل والفساد في الأرض مما لها علاقة مباشرة بمصلحة الإنسان لا تقل صرامة عما توعدت به الآية السالفة عن الشرك.
هكذا تخلص أنه من زاوية نظر الشرع تُعدّ المصلحة أهم وأرجح من حق الطاعة. وهي نتيجة تخالف ما استقرت عليه الطريقة التقليدية، الأمر الذي جعلها لا تُبدي اهتمامًا بدراسة الواقع ومعالجة حاجاته ومتطلباته. فليست هناك إشكالية صريحة للواقع في الفقه وأصوله، بل إن الأمر يغيب حتى في علم الكلام الذي نعلم مدى تأثيره على الدراسات الفقهية والأصولية. اذ كان اهتمام العلماء لا يتجاوز في الغالب حدود منهج حق الطاعة. الأمر الذي يفسره استغراقهم العميق في البحث عن الشكليات الحرفية للنص وما يترتب عنها من اجتهادات لا علاقة لها بمساهمة الواقع؛ إلا عند الضرورة وضغط الحاجة.
هذا هو مسلك الفقهاء في دفاعهم عن الصور الحرفية للنص. وكذا هو حال التفكير السلفي طبقًا لمقولة “انما أُمِرنا أن نأخذ العلم من فوق”، ومثلها مقولة الأشاعرة الخاصة بالحُسن والقبح الشرعيين التي عززت القطيعة مع الواقع، بل الحال ينطبق حتى على الدوائر الأخرى التي عوّلت على القاعدة العقلية للحُسن والقبح، حيث لم تستثمر ذلك في الكشف عن الأبعاد الواقعية للحاجات الإنسانية، إنما وظفتها للأغراض الكلامية المعنية بإثبات التكليف ووجود الله وصفاته وما اليها. أما في الفقه فتكاد أن تكون هذه القاعدة عاطلة تجاه عمليات الاستثمار الموغلة في النص. الأمر الذي يكشف عن أن سلوك الطريقة التقليدية هو على خلاف ما استهدفته الشريعة من مراعاة المصلحة وتحقيق مقاصدها وغاياتها.
تقسيمات أخرى للمقاصد
مثلما سبق أن قسّمنا المقاصد الى نوعين يؤطران سلوك التكليف الإنساني هما مقاصد حق الطاعة والمصلحة؛ فإنه يمكن كذلك إجراء تقسيمات أخرى عليها، فتُقسم مثلًا الى مقاصد وسيلية وغائية وكذلك شرطية ضرورية، مع الأخذ في الاعتبار ما يكون بينها من حدود نسبية. فالأولى تُعد من جانب غاية لبعض الأحكام، لكنها من جانب آخر تعتبر وسيلة لغاية أخرى، وهذه الأخيرة قد تكون بدورها شرطًا ضروريًا لتحقيق غرض ثالث يتمثل بما سبق أن أطلقنا عليه بالمقاصد الغائية التي هي غاية التشريع قاطبة. فمثلًا أن القصد من أحكام الحدود هو الردع، وهذا الغرض ليس في حد ذاته مقصدًا غائيًا، بل إنه وسيلة لتحقيق مقصد آخر يشكل الغاية من الحدود، وهو حماية المجتمع وسلامته. لكن هذا الأخير بدوره يعتبر شرطًا ضروريًا لغاية أخرى بدونه يختل تحقيقها، وهي المسماة بالمقاصد الغائية.
ومن التقسيمات الأخرى للمقاصد هو أنها إما أن تكون خاصة أو عامة. فالأولى تختص بعدد محدود من الأبواب والأحكام، بخلاف الثانية التي تتشعب لتطل على عدد كبير منها، مثل مقصد العدل المُعَد من المقاصد الحقوقية. لذلك تندرج المقاصد الخاصة ضمن مقاصد الوسيلة لتحقيق الأغراض العامة. فمثلًا إن القصد من وجوب الضِعفية في شهادة المرأة مقارنة مع الرجل هو للتثبت من الشهادة، وهو مقصد خاص كوسيلة لتحقيق المقصد العام المتمثل بالحكم بالعدل.
المقاصد ودلالات الحكم الشرعي
لا يخلو أي حكم من أحكام الشريعة من أن تتحكم به بعض الدلالات المعرفية تحديدًا وتغييرًا. وهي على أربعة أنواع:
- الدلالة الحرفية للنص.
- دلالة العقل أو الوجدان.
- دلالة الواقع، سواء كان الواقع عامًا، أو خاصًا بالتنزيل، أي الذي فيه تم إنزال الحكم وقت عصر الخطاب أو الرسالة.
- دلالة المقاصد، سواء كانت خاصة أو عامة، وكذا إن كانت وسيلة أو غاية أو شرطية ضرورية.
ورغم تعدد هذه الدلالات الكاشفة عن طبيعة الحكم الشرعي، يلاحظ أن بعضها يكشف عن البعض الآخر، أي أن بإمكانها أن تلعب أدوارًا مختلفة من الكشف المتبادل. فالدلالات الحرفية في موارد كثيرة تسبق فهم الواقع في الكشف عن مدلولاته. كما أنها تنبه أحيانًا على الدلالة العقلية. وكذا بخصوص ما تعلن عنه بصدد المقاصد. لكن في المقابل لدلالة الواقع دورًا هامًا في فهم طبيعة ما يريده النص أو الدلالة الحرفية؛ وكذا الكشف عن المقاصد وما يقرر لدى العقل. ونفس الشيء بخصوص الدلالتين المتبقيتين العقلية والمقصدية ولو ضمن حدود، مثل فهمهما لمراد النص.
يضاف الى ما سبق فإن للدلالة الواقعية ميزة أخرى إضافية، وهي أنها تكشف عما يجري لبعض الأحكام من الضعف وعدم القدرة على الصمود أمام تغيرات الواقع، كما بإمكانها الكشف عما يصيبها من خلل وتضارب مع المقاصد، الأمر الذي يستدعي تغييرها تبعًا لمصلحة هذه المقاصد.
أ. الدلالة الحرفية للحكم
الدلالة الحرفية للنص، سواء من حيث المنطوق أو المفهوم، هي دلالة تتكشف من حيث الظهور اللفظي والسياقي للنص، مع الأخذ في الاعتبار الفحص والتفتيش فيما يمكن البحث عنه في سائر النصوص مما يعد من القرائن المنفصلة التي لها دورها في تأسيس الحكم. ذلك أن المسلَّم به لدى العلماء هو أن النص من غير تلك القرائن لا يفي بالغرض، حيث إن الشارع الحكيم لم يُنشئ مراده من الحكم في النص جملة واحدة، إنما سلك سبيل التفرقة من خلال النصوص الأخرى، الأمر الذي يكشف عن خطأ المسلك الذي يعوّل على حجية ظهور النص دون مراعاة أمر التفتيش عن التخصيصات والتقييدات وما إليها من الدلالات الأخرى المبثوثة في سائر النصوص. وعليه فقد نهى الأصوليون عن الأخذ بالظهور اللفظي إلا بعد الفحص عن القرائن المنفصلة، وتقررت القاعدة العامة التي تقول: “إن أصالة الظهور لا تكون حجة إلا بعد الفحص واليأس عن القرينة”[28].
هذه هي الدلالة التي شغلت أذهان الفقهاء والأصوليين من أجل الكشف عن الحكم الشرعي، حتى إنك حين تطلع على كتب الفقه والأصول تجد بوضوح حجم الجهد والاهتمام الهائل المصروفَين لأجل هذه الدلالة. فمباحث الظهور والعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ وغيرها كلها معنية بهذا الأمر. في الوقت الذي تجد إهمالًا كبيرًا لسائر الدلالات الأخرى، إذا ما استثنينا دلالة المقصد الخاص الذي له حيزه من البحث الأصولي والفقهي ضمن عنوان القياس. بل إن بعضها غاب وعياً عن البحث الأصولي والفقهي، كالدلالة الواقعية. أما الدلالات المتعلقة بالمقاصد العامة والعقل فإنها تكاد أن تخلو من الوظيفة والفاعلية في التأثير على الأحكام إنتاجًا وتغييرًا، وكأنها تبحث في الأصول لأجل التقرير لا للتحقيق والبناء. هكذا إن أصول الفقه معنية فعلًا بالأخذ في الاعتبار جميع الدلالات السابقة في الكشف عن الحكم الشرعي، وذلك لما في بعضها من تأثير على البعض الآخر، وبالتالي تحديد ذلك الحكم.
وواضح أن السبب الذي دفع العلماء إلى تكريس جلّ اهتمامهم بالدلالة الحرفية دون غيرها والتي جعلت طريقتهم يغلب عليها طابع الاستغراق في النص وتشقيق الكلام؛ إنما يعود إلى عنصر “القداسة” المضفاة على النص بما يعبر عن كلام الله وما يتفرع عنه، خاصة عند أولئك الذين اعتبروا هذا الكلام من الصفات الذاتية الأزلية. فعلى ذلك هيمن المنهج الذي أطلقنا عليه بحق الطاعة. بل أكثر من هذا يمكن اعتبار الجمع المتداخل بين عنصر القداسة والطابع الإجمالي للنص فضلًا عن حدوث ضغط الحاجة للواقع؛ هو من أهم العوامل التي ساهمت وأفضت الى زيادة تعدد فهم النص والتعمق به، الى درجة يصدق القول بأن العلاقة بين ذلك الجمع وبين تعدد الفهم والاستغراق به هي علاقة طردية؛ كلما اشتد الأول ازداد الثاني. الأمر الذي يفسر لنا علة وجود التضخم والتخوم التي احتواها تراثنا الإسلامي في تعلقه بفهم النص من غير أن يجد لذلك حدًا ولا نهاية. حتى إن الاهتمام بالجوانب اللغوية والبلاغية والنحوية وتقعيدها ما كان له ذلك الشأن لولا تعلقه بتلك القداسة. لهذا فقد جاءت هذه العلوم المساعدة متأخرة في نشأتها عن علوم النص، كالحديث والفقه والتفسير.
على أن هذا الحال أفضى بالفكر الإسلامي الى التعالي والتجريد. فلم يكن له من شاغل سوى الانخراط – في الغالب – تحت هيمنة منهج حق الطاعة وهو المنهج الملتصق بالشكل الحرفي من النص، والذي يجعل تحرك الذهن لا يتجاوز إطار هذه الحدود. الأمر الذي يبعد النظر عن التفكير في الواقع إلا في الضرورة التي تفرضها ضغوط الحاجة والاضطرار. وبهذا أُغمط حق الواقع، وكان الأَولى أن تكون الرؤية بعينين؛ أحدهما للواقع والأخرى للنص، مثلما جرى الحال في الدورة الأولى من الحضارة الإسلامية حيث الجدل بين الخطاب والواقع وكما هو معلوم من ظاهرة النسخ وما على شاكلتها.
ب. الدلالة المقصدية للحكم
المقاصد سواء الخاصة منها أو العامة تارة تستنبط من النص بالتصريح فتكون راجعة للدلالة الحرفية التي سبق الحديث عنها، وأخرى تُنتزع بالاستنتاج بفضل الدلالتين العقلية والواقعية. وفي بحثنا هذا نهدف الى بحث المقاصد التي لم يصرح بها والتي يُستعان بتحديدها عبر الدلالتين الأخيرتين.
ذلك أن للمقاصد – سواء الخاصة منها أو العامة- مكانتين، إحداهما تتخذ شكل المدلول الذي تدُل عليه بعض الدلالات الأخرى انفرادًا أو اجتماعًا. أما المكانة الثانية فهو أنه بعد إثباتها عبر هذه الدلالات تصبح بدورها دالة على الأحكام، إنتاجًا وتغييرًا، وذلك بفضل التنبيه الذي تمارسه بعض الدلالات الآنفة الذكر، خصوصًا الواقع الذي تتشكل منه عناصر موضوع الحكم. فعملية إنتاج الحكم وتغييره تتأسس على شرطية إدراك العناصر المؤثرة للواقع، أي تلك التي تصلح أن تكون عناصر لموضوع الحكم. لكن معرفة هذه العناصر وتمييزها عن غيرها من العناصر الأخرى للواقع إنما تتم عبر النظر الى طبيعة العلاقة التي تنشأ بينها وبين المقاصد؛ اتفاقًا أو اختلافًا. فلو أن العلاقة متفقة لكان الحكم نافذ المفعول لا يجد مبررًا لتغييره، طبقًا لثبوت عناصره المؤثرة. أما لو اختلفت العلاقة وتضاربت لكان يعني أنّ هناك مبررًا لتغيير الحكم، ولَعتبرنا ما حدث من اختلاف وتضارب ناتجًا عن تغير في عناصر الواقع المؤثرة، الأمر الذي يمكن فيه تشخيص هذه العناصر لوضع ما يناسبها من حكم على ضوء المقاصد حتى تتم حالة الوفاق والاتساق.
هكذا فللمقاصد ثلاثة أدوار بعضها يكمل البعض الآخر كالآتي:
- دور الوسيط الذي يستثيره الواقع وما يطرأ عليه من تغيرات، اتساقًا أو تضاربًا.
- دور المشخص للعناصر المؤثرة للواقع أو موضوع الحكم.
- دور التحكم، حيث إنها بفعل الوساطة وتحديد عناصر الموضوع يمكنها أن تتحكم في إنتاج الحكم وتغييره، أي كما أنها دالة على التأثير في المناط ببعض عناصر الواقع كما أشرنا إلى ذلك في النقطة السابقة فإنها كذلك دالة على مقتضى طبيعة الحكم الواجب امتثاله.
1. الدلالة الخاصة للمقاصد
سبق أن عرّفنا بأن للمقاصد مكانتين، إحداهما كمدلول والأخرى ككاشف أو دال. وبخصوص ما يُعنينا من المقاصد الخاصة هو تلك التي لم يُصرَّح بها بحسب الدلالة الحرفية للنص، أي أنها مقاصد غير ظاهرة في اللفظ، إنما بمشاركة عدد من الدلالات كدلالة النص مع الواقع أو العقل يمكن استكشاف طبيعة هذه المقاصد للأحكام بنوع من القطع أو الحدس أو الاطمئنان، مثل أحكام الحدود حيث تُعلم بدلالة الواقع بأنها للردع لما يلاحَظ من وجود الشدة في العقوبة، خاصة وأن بعضها نص عليه القرآن صراحة بأن تقام وفق إشهاد طائفة من المؤمنين، بقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
2. الدلالة العامة للمقاصد
وهي عبارة عن روح الشرع وأساس الحِكمة من وجوده؛ لذلك فمن الأهمية بمكان أن يُجاز لها الاعتبار في الكشف عن الحكم الشرعي. فبها يتبين إن كان الحكم على اتفاق معها أم لا، وبها يُحدد مجرى تغيير الأحكام، وذلك باعتبار أن المقاصد الخاصة لا تقوم لها قائمة ما لم تتسق معها. فمثلًا أن الحدود لها مقاصدها الخاصة من الردع كما علِمنا، وهي تتفق مع المقاصد العامة في حماية المجتمع وتأمين حياته وسلامته. وكذا الصلاة، حيث من مقاصدها الخاصة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، والغرض من هذا النهي سلامة المجتمع وصيانته من الانحراف والتحلل.
ج. الدلالة العقلية للحكم
من المعلوم أن للإدراك العقلي منظارين، أحدهما قبلي، أي بغض النظر عما عليه الموضوع الخارجي سواء كان نصًا أو واقعًا، والآخر بعدي يتأسس بما يتزود به من مادة الموضوع المُدرك؛ الأمر الذي تتداخل فيه الدلالتان العقلية والموضوعية، فيصبح بذلك مستنتجًا ومضيفًا. ففي العملية الاستنتاجية يقوم باستنساخ مفردات الموضوع ليؤلف منها ما يتسق والصورة المنطقية حسب مبادئ قبلية يرتكز عليها من غير أن يُبدي أي إضافة إخبارية قبلية كاشفة عن الموضوع الخارجي، إلا على نحو الإضافة “الحسابية” التي تؤكدها الدراسات المنطقية وذلك بتحويل درجة الاحتمال المتناهية القوة الى اليقين طبقًا للعملية الاستقرائية، حيث يتم فيها تصفية الحسابات الخاصة للقضية المدركة ضمن ضوابط منطقية، مثل إدراكاتنا التصديقية للقضايا الحسية وما يترتب عليها من نتائج خاصة، وكذا إدراكنا للنصوص الواضحة الصريحة التي لا تحتاج الى تأمل وحمولة عقلية، ولو على نحو الإجمال. فليس للحساب الاحتمالي أن يصل بذاته الى اليقين ما لم يتم ذلك بحسب الإضافة العقلية الخاصة. لكن تظل هذه الإضافة التصديقية غاية في الضآلة قياسًا مع ما يقابلها من قوة احتمالية، لهذا فهي غير محسوبة ومحسوسة إلا عند النظر المنطقي.
هذا فيما يتعلق بظاهرة الإدراك الاستنتاجي، أما ظاهرة الإدراك الإضافي فيلاحظ أن للعقل دورًا في الإضافة الإخبارية عند مداخلته للموضوع المدرَك، وهذه الإضافة تتفاوت ضعفًا وقوة، حيث تشترك مع المُعطى الموضوعي لتحديد النتاج المعرفي الإخباري. مع هذا ففي جميع الأحوال يكون المعطى الموضوعي ضعيفاً في الدليل لا يستغني عن تحكم مبادئ عقلية شاملة وثابتة هي التي تهيمن على عملية الاستدلال والإنتاج المعرفي، وهو أمر يَصْدق حتى مع القضايا الاستقرائية المستمدة من الموضوع الخارجي، حيث تتحكم مبادئ ومصادرات الاحتمال كقضايا عقلية تُفضي الى ترجيح القضية المستقرأة الى أكبر قيمة احتمالية ممكنة. لكن هذا التحكم ليس له علاقة بالإضافة العقلية الإخبارية التي تحدثنا عنها. فهو لا يعدو عن تحكم منطقي لا يكشف عما عليه الموضوع الخارجي. ولو أننا اعتبرناه ضمن هذه الإضافة لكانت جميع قضايانا هي قضايا عقلية. لهذا فإن المميز للإضافة العقلية الإخبارية إنما يتحدد بمدى علاقتها في الكشف عما عليه الموضوع بعيدًا عن الضبط المنطقي الذي يستهدف الكشف عما يستنتج من المعطى الموضوعي. فهي بالتالي عبارة عن إضافة حدسية كاشفة بدرجة من درجات التصديق بحيث تفوق ما عليه المعطى المنطقي. ومن ثم فحينما نواجه قضايا تشترك في الجمع بين الإضافة العقلية الإخبارية وبين المعطى الموضوعي؛ فإن النتاج المعرفي لهذا الجمع يُفضي الى تكوين نتيجة يمكن النظر اليها باعتبارين؛ أحدهما يفيد الدلالة العقلية، والآخر يفيد الدلالة الموضوعية؛ نصية كانت أو واقعية.
وحقيقة الأمر أن ما يعنينا في الدلالة العقلية هو الكشف عن أهميتها في فهم النص وتحديد الأحكام بما يتفق والمقاصد. فمن ذلك ما يستخدم في بعض القياسات الفقهية التي تتكشف خلالها هذه الدلالة لفهم النص وإنتاج الحكم.
د. الدلالة الواقعية للحكم
تنقسم هذه الدلالة الى الواقع الخاص بالتنزيل، أي ذلك المقترن مع نزول النص، والى الواقع العام المطلق. فالأول ضروري لفهم النص ومقصده الخاص. والثاني ضروري من جانب لفهم النص عمومًا، وبدونه قد تنقلب الكثير من موازين الفهم ويصبح النص الالهي برمته غير معقول ولا مقبول.
على أن للواقع أهمية أخرى في مجال إدراك الأحكام وتجديد النظر فيها أو تغييرها استنادًا إلى هدي المقاصد، فقد يتبين من الواقع العام وتبعًا للمقاصد أن الحكم المنصوص عليه إنما هو مقيد بالواقع الخاص بالتنزيل وما على شاكلته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* النص الكامل للمقال منشور سابقًا في:
يحيى محمد. (1999). نظرية المقاصد والواقع. مجلة قضايا إسلامية معاصرة. ع. 8. ص ص. 127- 174.
** باحث إسلامي عراقي.
[1]المستصفى، ج ۱ ص ۲۸۷.
[2]الاحكام، ج ۳، ص ٢٤٠.
[3]الموافقات، ج ۱، ص ۸۳ و ج ۲، ص ١٦. ص ٤٠٣.
[4]ارشاد الفحول، ص ٢١٦.
[5]ارشاد الفحول، ص ٢١٦.
[6]المقاصد العامة ليوسف العالم ص ١٦١.
[7]تاريخ المذاهب الاسلامية، ص ٣٠٩.
[8]الموافقات، ج ۲، ص ۱۷.
[9]انظر: تاريخ المذاهب الاسلامية لابي زهرة، ص ۳۰۸ و۳۱۲.
[10]تاريخ المذاهب الاسلامية، ص ۳۰۹.
[11]علم اصول الفقه الخلاف ص ۲۰۰-۲۰۱. كذلك: المستصفى، ج ۱ ص ۲۸۷.
[12]الموافقات، ج ۲، ص ۱۸۱۷. وعلم اصول الفقه الخلاف، ص ۲۰۳.
[13]الموافقات، ج ۲، ص ۱۱-۱۲. وعلم الاصول الخلاف، ص ٢٠٢-٢٠٤. ومصادر التشريع الخلاف، ص 57-59.
[14]علم أصول الفقه الخلاف ص ٢٠٤ – ٢٠٥.
[15]الموافقات، ج ۲، ص ١٦ – ١٧.
[16]حاشية الموافقات لدراز، ج ۲، ص9.
[17]لهذا نرى المحقق القمي من الامامية يعتبر المقاصد الخمسة للضرورات هي من احكام العقل الخالية من المفسدة لذلك صانها الشارع الإسلامي (عن: الاصول العامة للفقه المقارن لمحمد تقي الحكيم، ص 403.
[18]الموافقات، ج ۲، ص ٣١٥.
[19]حاشية الموافقات، ج ۲، ص ۱۰.
[20]الموافقات، ج ۲، ص ۲۹۹.
[21]انظر: الموافقات، ج ۲، ص ۳۱۹۳۱۸. كذلك: تهذيب الفروق الفرق الثاني والعشرون)، ج ۱، ص ١٥٧. وعلم اصول الفقه الخلاف ص ۲۱۰ وما بعدها. وحق الله وحق العبد المحمد جواد مغنية، رسالة الاسلام، ج۸، ص ٣٥٣ – ٣٥٥.
[22]الموافقات، ج ۲، ص ۳۷۸-۳۷۷.
[23]المصدر، ج ۲، ص ٣١٥.
[24]تهذيب الفروق، ج ۱، ص ١٥٧.
[25]الموافقات، ج ۲، ص ٣٠٦٣٠٥، والفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج ۱، ص ١٦٣ – ١٦٥، و ج ٢، ص ٩٦٠ وما بعدها. ونضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية، ص ٧٤ و١١٥ وما بعدها.
[26]حق الله وحق العبد المحمد جواد مغنية / رسالة الاسلام، ج ۸، ص ٣٥٤.
[27]هناك من يربط بين الشرك وبين التخلف الذي ساد زمنًا طويلًا دون استغلال الطبيعة علميًا، كما هو الحال مع المؤرخ ارنولد توينبي، مما يجعل طريقة القضاء على الشرك منطقية بهذا الاعتبار.
[28]اصول الفقه للمظفر، ج ۱، ص ١٥٧.
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies