الإنسان الصالح وتربية الفرد المسلم

«الإنسان الصالح»*

وتربية الفرد المسلم

أ. د. ماجد عرسان الكيلاني**

تبدأ أهداف التربية الإسلامية بإخراج الفرد المسلم. والفرد المسلم هو الإنسان العامل الذي يقوم بالعمل الصالح، ويتقنه، لأن العمل الصالح المتقَن هو علَّة الخلق والإيجاد، وهو مادة الابتلاء والاختبار في قاعة الحياة الدنيا ومقياس النجاح في الآخرة. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]

ولذلك قال الحسن وقتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿…إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ…﴾ [فاطر: ١٠]. لا يقبل الله قولاً إلا بعمل، مَن قال وأحسن العمل قبِل الله منه[1].

و «العمل» يتكون من حلقات ثلاث: عمل الإرادة، وعمل الفكر، وعمل الأعضاء. أي هو يبدأ «خاطرة» في النفس حيث تتحرك الإرادة نحو حاجة ما في لحظة معينة تحركاً إيجابيًا أو تحركاً سلبياً لإنجاز هدف معين. ثم يصبح «فكرة» حيث يتلقف الفكر الخاطرة ويأخذها بالتحليل والتركيب والتقويم حتى يبلور مخططاً لما يجب عمله ولطرائق التنفيذ وأدواته وزمنه ومكانه وغير ذلك، ثم يصبح «ممارسة» حيث ينتقل المخطط الفكري إلى الأعضاء لتحويله إلى ممارسات عملية.

والإنسان لا يتوقف لحظة من لحظات عمره عن العمل، ولكن تتفاوت حلقات العمل التي تُنجز. فبعض الأعمال يتوقف عند الحلقة الأولى: حلقة الإرادة، فيظل العمل أمنية. وبعضها يتوقف عند الحلقة الثانية: حلقة الفكر، فيظل العمل فكرة وبعضها يستمر حتى الحلقة الأخيرة: حلقة الأعضاء، فيصبح العمل إنجازاً ويستحق أن يوصَف بأنه «عمل».

وقد تكتمل كل حلقة من حلقات العمل الثلاث وتتكامل فيولد العمل ناجحًا، ولكن قد تتعرض بعض الحلقات للنقص فيولد العمل مشوهاً غير ناجح. وقد يولد العمل صالحاً أو يولد غير صالح. وفي الغالب يتقرر مسار العمل نحو الصلاح أو عدم الصلاح من خلال الحلقة الأولى: حلقة الإرادة، فإن كانت إرادة إيجابية صالحة امتدت صفة الصلاح إلى حلقتي الفكر والأعضاء، وإن كانت إرادة سلبية سيئة امتدت صفة السوء إلى الحلقتين المذكورتين. ولذلك أطلق الرسول ﷺ اسم «النية» على الحلقة الأولى في الحديث الذي صدَّر به البخاري صحيحه. وأضاف: «إن الأعمال بالنيات وأن لكل امرئ ما نوى، فَمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

والذي يقرر صلاح النية أو فسادها هو الخبرات الاجتماعية والكونية التي يكتسبها الإنسان من البيئة المحيطة، ابتداءً من بيئة الأبوين حتى بيئة الكون. فهذه الخبرات تتفاعل مع فطرة الإنسان التي يولد عليها لتشكل فيما بعد بِنيَة الحلقات الثلاث للعمل وتجعله عملاً صالحاً أو عملاً غير صالح. وانطلاقاً من تكوين العمل ونموه المشار إليه توجهت التربية الإسلامية لتربية حلقات العمل أي تربية: النفس والعقل والجسم.

ولكن مفهوم العمل الصالح لم يبق على شموله وأصالته، وإنما تعرَّض خلال عصور التعصب المذهبي والجمود والاستبداد السياسي والاضطراب الفكري للتجزئة وتشويه المحتوى حتى حصرته الاستعمالات الجارية في الوعظ والتأليف والتدريس الديني والمخاطبات العامة، في دوائر محدودة من العبادات والصدقات والأخلاق الفردية البسيطة.

لذلك لا بد من إعادة النظر في معنى «العمل الصالح»، وإعادة استعماله كما ورد في مصادر الإسلام الأساسية المتمثلة في القرآن والسنة.

معنى «العمل الصالح» في التربية الإسلامية[2]

ورد لفظ «العمل» في القرآن الكريم في (٣٥٩) موضعًا. أما في الحديث الشريف فيصعب حصر عدد المواضع التي ورد لفظ العمل فيها.

وفي جميع المواضع المشار إليها يلحق بـ “العمل” إحدى صفتين اثنتين: إما صفة الصلاح أو صفة السوء. فيوصف العمل بأنه «عمل صالح» أو «عمل سوء». و «العمل الصالح» هو الترجمة العملية والتطبيق الكامل للعلاقات التي حددتها فلسفة التربية الإسلامية بين إنسان التربية الإسلامية من ناحية، وبين كل من الخالق والكون والإنسان والحياة والآخرة من ناحية أخرى.[3]

ويقدم القرآن الكريم نماذج وأمثلة للعمل نذكر منها:

  • العمل العلمي والثقافي: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].
  • السياسات الظالمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ۲۱ – ۲۲].

﴿…وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ…﴾ [غافر: ٣٧].

﴿وَنَجّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم: ١١].

  • العمل الديني: ﴿…قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ۱۳۸، ۱۳۹]
  • العمل السياسي الشامل: فقد تحدثت الآيات الأخيرة من سورة الأنفال عن سياسات الأمة المسلمة الداخلية وعلاقاتها الخارجية ووصفتها بأنها عمل يُبصر الله ظاهره وباطنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].
  • والعمل الزراعي: ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ…﴾ [يس: ٣٥].
  • والعمل المهني: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ…﴾ [الكهف: ٧٩].
  • والعمل الصناعي ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا…﴾ [سبأ: 11].
  • والعمل الوظيفي: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا…﴾ [التوبة: ٦٠].
  • والعمل الفكري والتربوي: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا..﴾ [فصلت: ٣٣].
  • والعمل الاقتصادي: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٦، ٢٧٧].
  • العمل القضائي: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
  • العمل الاجتماعي: فقد تحدثت الآيات (٢٣۰ – ٢٣٦) من سورة البقرة – مثلاً – عن علاقات الرجل والمرأة وتنظيم الأسرة ومسؤولياتها، ثم ختمت الحديث بأمثال قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ﴿…وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
  • والعمل العسكري: ﴿…إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤].
  • والعمل الديني والأخلاقي والأمثلة على ذلك كثيرة جداً.
  • وأخيرا العمل بجميع مظاهره على المستويين الفردي والجماعي مثل:﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠]. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤].

ويمكن تصنيف جميع أشكال العمل المشار إليها في ثلاثة مظاهر هي: عمل ديني، وعمل اجتماعي، وعمل كوني. وتعريف «العمل» بهذا الشكل يقودنا إلى مبادئ خمسة تتصل بالعمل نفسه وهي:

المبدأ الأول: تكامل مظاهر العمل وعدم فاعلية أي منها دون الآخر: لأن العمل الديني يتضمن أهداف الحياة ومقاصدها، بينما يتضمن العمل الاجتماعي والعمل الكوني الوسائل المناسبة لتحقيق هذه الأهداف والمقاصد. ولذلك إذا وُجدت الوسائل ولم توجد الأهداف فإنه لا فائدة من الوسائل. وكذلك إذا وُجد العمل الاجتماعي والعمل الكوني ولم يوجد العمل الديني فإن العمل غير نافع ولا مربح، ولذا فهو غير مقبول ولا مُعتبر. وكذلك إذا وُجد العمل الديني ولم يوجد العمل الاجتماعي والعمل الكوني فإن العمل عقيم لأن الأهداف التي لا وسائل لها يستحيل تحقيقها والوصول إليها.

لذلك كله لا يتصور هناك مسلم – أو إنسان صالح – بدون عمل. فصورة المؤمن المتنسِك العاجز صورة غير إسلامية، وهي بعض رواسب تراث الكهانة التي سبقت الإسلام. ولذلك أيضاً لم يكن الزهد والورع والتقوى انقطاعاً عن العمل، وإنما هي بعض مواصفات «العمل الصالح» تكسبه طابعه وتميزه عن «العمل السوء». والحديث النبوي يقرر أن الزهد ليس بتحريم الحلال وإضاعة المال، وإنما الزهد أن يكون الإنسان أوثق بما في يد الله منه مما في يده، فيهون عليه البذل ولا يتردد في التضحية.

والمبدأ الثاني: أن «العمل الصالح» لا يقتصر على جلب الخير النافع وإنما يتعداه إلى محاربة الشر الضار. فالعمل الصالح إذن من حيث أثره ينقسم إلى قسمين: عمل هدفه جلب النافع للإنسان والمُرضي لله، وعمل هدفه دفع الضار بالإنسان والمغضب لله. والإنسان الذي يمارس القسمين من العمل يطلق عليه اسم (الصالح/ المُصلح)، والذي يقتصر على القسم الأول يُطلق عليه اسم (الصالح) فقط. والقيام بأحد القسمين لا يُغني عن الآخر، لأن القسم الأول يفيد في النماء والتقدم، بينما يفيد القسم الثاني في منع أسباب الفساد والتخلف والانحطاط.

والإنسان الصالح/المُصلح هو النموذج الذي تسعى التربية الإسلامية إلى إخراجه. ولذلك جاء في القرآن الكريم أن الخراب لا يلحق بالأمم التي تتكون من أفراد وجماعات صالحين/مصلحين: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ۱۱۷]. ولكن الخراب ينزل بالأمم التي تضم أفراداً وجماعات صالحين غير مصلحين: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ…﴾ [الأعراف: ١٦٨].

والمبدأ الثالث: إن «العمل الصالح» من حيث صفته ينقسم إلى قسمين: عمل أخلاقي، وعمل ناجح: واجتماع الصفتين أمر ضروري في التربية الإسلامية؛ لأن العمل إذا كان أخلاقياً ولكن غير ناجح لا يجلب منفعة ولا يدفع ضررًا، وإذا كان ناجحاً ولكن غير أخلاقي فإنه لا يجلب سعادة ولا أمناً. فإذا اجتمعت الصفتان فيه كان نافعاً غير ضار، جالباً للسعادة والاستقرار. وإلى صفة النجاح أشار علماء الإسلام باسم «الصواب»، وأطلقوا على صفة «الأخلاق» اسم «الإخلاص»، واشترطوا أن يكون العمل صائباً مخلصاً، فإذا كان صائباً غير مخلص لم يُقبل، وإذا كان مُخْلصاً غير صائب لم يثمر[4].

لذلك لا يُتصور أن يكون هناك «عمل صالح» غير ناجح. والذين يؤوِلون حديث: «إنما الأعمال بالنيات» تأويلًا يفْصِل بين العمل ونتيجته هم أناس يتأولون الحديث على غير معناه. والذين يبررون الأخطاء والارتجال والقصور بأمثال القول: ليس ضرورياً النجاح وتحقيق الأهداف وإنما المهم هو العمل هم أناس لا يرسخون في مفهوم العمل ولا يحيطون بقوانينه.

والمبدأ الرابع: مبدأ النفعية؛ أي أن العمل مقصود به منفعة العامل: فالتربية الإسلامية لا تتنكَّر لمبدأ النفعية أبداً، بل هي تشدّد عليه وتكرر هذا التشديد. وتتكرر الإشارة إلى مصطلح النفعية ومشتقاته في القرآن الكريم إيجاباً وسلباً في خمسين موضعاً. من ذلك قوله تعالى ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]. ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧].

أما في الحديث النبوي فيتكرر مصطلح النفع ومشتقاته في مئات المواضع، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع»[5].

والذين فصلوا بين العمل والمنفعة هم إما أناس مغالون في المثاليات التي يصعب على الإنسان أن يعيشها، أو أناس متأثرون بمفاهيم تعذيب النفس وإيرادها المشقات التي احتوت عليها الأديان والفلسفات السابقة للإسلام، أو أناس قصدوا أن يجردوا العمل الإسلامي من الدوافع التي تدفع إليه وترغّب به، أو مترفون قصدوا تخدير الكادحين وجعلهم يسكتون على الاستغلال والاحتكار.

ولكن النفعية التي توجِه إليها التربية الإسلامية نفعية أكثر اتصالاً بطبيعة الإنسان وفطرته، وهي أشمل تلبية لحاجاته المادية والنفسية والاجتماعية، وهي مرافقة له خلال الأطوار التي يمر بها خلال رحلته الأبدية عبر محطات النشأة والحياة والمصير، وهي جامعة لصفتي «العمل الصالح»: أي النجاح والسعادة. ولذلك كله فهي خالية من المضاعفات السلبية التي تفرزها نفعية الفلسفات الأخرى، كالبراغماتية الأمريكية التي توفر النفعية في ميادين وتفرز الضرر في ميادين أخرى من حياة الإنسان، أو تؤدي إلى النجاح ولكنها لا توفر السعادة. وبالتالي فالنفعية التي توجه إليها التربية الإسلامية لا تقتصر على فرد أو جماعة ثم تلحق الضرر بفرد آخر أو جماعة أخرى، ولا تقتصر على مرحلة الحياة أو بعض محطاتها وإنما تشمل مرحلتي الحياة والمصير. ويقدم القرآن الكريم أمثلة عديدة لمنافع «العمل الصالح» فيذكر منها: الأمن، والتمكين في الأرض، والحياة الطيبة، ووفرة الخير والبركة والدرجات العالية، والجزاء الحسن، والتمتع بنعم الله، والصحة النفسية والجسدية، والاطمئنان الاجتماعي، واليقين، ودخول الجنة، وغير ذلك. وفي المقابل يقدم القرآن أمثلة عديدة لمضار «العمل السوء» فيذكر منها: المعيشة الضنك والإجلاء من الأرض وتمزيق المجتمعات والأمم، وسقوط المنزلة والانهيار الاقتصادي، والدمار الاجتماعي، والسقوط الحضاري، والاضطراب النفسي والفكري، والشقاق والفرقة، والأمراض النفسية والجسدية ودخول جهنم، وغير ذلك. والأمثلة لكل من منافع العمل الصالح ومضار العمل السوء أكثر من أن تُحصى، منها قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ…﴾ [الجاثية: ٢١].

والمبدأ الخامس: هو ضرورة الإعداد والتربية والتدريب على العمل الصالح، وتوفير بيئاته ومؤسساته وأساليبه ووسائله وخبرائه: إذ لا يُتصور أن يُترك بروز العمل الصالح لجهود الأفراد وحدهم، أو للمحاولات التلقائية والخبرات السطحية الساذجة، أو للمؤسسات التقليدية والجماعات الآبائية والطرق والزوايا وأمثالها. ولذلك ورد «العمل الصالح» في القرآن مقروناً بالإيمان والعلم والحكمة والجهد المتواصل والتعاون الجماعي على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، بينما اقترن العمل السوء بالجهل والكسل وما يفرزانه من كفر ونفاق وترف.

عناصر الإنسان الصالح المولدة لـ «العمل الصالح»

والسؤال الذي نطرحه: كيف تعمل التربية الإسلامية على إخراج الإنسان الذي يقوم بـ «العمل الصالح» بكفاءة كاملة؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بد من أمرين: الأول: تعريف العمل. والثاني: كيف يتولّد العمل؟ أما عن الأمر الأول فإن التربية الإسلامية تطلق اسم العمل على كل حركة مقرونة بهدف: «إنما الأعمال بالنيات»[6]. ولما كان الهدف خاصاً بالإنسان فإن القرآن أطلق اسم «العمل» على حركات الإنسان الهادفة لجلب الخير ودفع الشر أو على العكس. أما الحركات غير الهادفة – كحركة الشمس والقمر والرياح – فقد سماها جريانًا.

فالعمل إذن هو: حركة وهدف. والقرآن يسمي الحركة المتوجهة نحو الهدف «إرادة». وتوصف الإرادة بالعزم والإخلاص، إذا تحركت إلى الدرجة التي تحقق الهدف. ويوصف الهدف ب«الصواب» إذا اتفق مع سنن الخلق وقوانينه، ويوصف ب«الخطأ» إذا خالفها ويسمى ثمرته «خطيئة».

ويقدم القرآن شخصيات الأنبياء والرسل كنماذج يتحقق في أعمالها عزم الإرادة وصواب الهدف. ومن أمثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]. ولقد خلص مفسرو جيل الصحابة والتابعين من أمثال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة إلى أن -أولي الأيدي- هم أولو القوة في طاعة الله. أما -أولو الأبصار- فهم أولو العقول التي تصيب الحق والفقه في الدين[7]. والقوة هي ثمرة «الإرادة»، أما الإبصار فهو ثمرة «القدرة» أي أن العمل هو: قدرة وإرادة. فإذا وجدت القدرة ووُجد إلى جانبها الإرادة يتولّد العمل.

 لكن ما هي القدرة؟ وما هي الإرادة؟ وكيف يمكن تنمية كل منهما كمقدمة لتزاوجهما بغية توليد «العمل»؟

الجواب: القدرة نوعان: قدرة بمعنى الطاقة، وهذه يشترك بها الإنسان والحيوان والجماد. وقدرة تسخيرية، وهي القدرة على تسخير طاقات المخلوقات في الكون طبقاً للقوانين التي تنظّم وجود هذه المخلوقات ولما تمليه حاجات الإنسان في البقاء والرقي. وهذه خاصة بالإنسان وهي التي يجري عليها التركيز في التربية الإسلامية، لأن إتقان هذه القدرة يهيئ للإنسان المسلم أن يستيقن من قدرة الله ومظاهر صنعه ونعمته، وأن يجسّد مكانته كخليفة في الأرض، وأن يستثمر قوانين الموجودات والأحداث من حوله لما فيه بقاؤه ورقيّه.

أما الإرادة: فهي توجه رغبات الفرد نحو هدف معين. وهي أيضًا مما يميّز الإنسان عن المخلوقات الأخرى. وتكون الإرادة سليمة حين تتوجه رغبات الفرد نحو حاجاته الأساسية والعليا بالقدر والأسلوب اللذين يجلبان له النفع ويدفعان عنه الضرر في حياته ومصيره[8].

من ذلك كله يمكن القول إن «العمل الصالح» الذي هو سمة الفرد الصالح هو ثمرة عدد معين من العمليات التربوية التي تتكامل حسب نسَق معين يمكن أن نوجزه في المعادلات التالية:

العمل الصالح = القدرة التسخيرية + الإرادة العازمة.

القدرة التسخيرية = القدرات العقلية الناضجة + الخبرات الدينية والاجتماعية والكونية.

وجميع هذه العناصر التي تشتمل عليها المعادلات المذكورة أعلاه تنمو وتنضج بالتربية والإعداد الخاص وإحكام تنميتها حتى تنتهي إلى «العمل الصالح» الذي هو الهدف الأخير للعملية التربوية.

وإحكام تنمية مكونات العمل الصالح وتنسيقها وإحكام التفاعل والمزاوجة بينها للوصول الى العمل الصالح هو طريق الحكمة في التربية الإسلامية، التي وجّه القرآن إلى ضرورة تكاملها مع كل من طريقة الوعظ الحسن وطريقة الجدال الأحسن.

تربية الفرد على تمثُّل المَثل الأعلى

المثل الأعلى في التربية الإسلامية يعني نموذج الحياة المعنوية والمادية التي يُراد للإنسان المسلم أن يحياها، وللأمة الإسلامية أن تعيش طبقاً لها في ضوء علاقات كل منهما بالخالق والكون والإنسان والحياة والآخرة. ومَثَل المثل الأعلى مثل النموذج أو المخطط الذي يصممه مهندس البناء ثم يدفعه لمن يحوّله لواقع ملموس طبقاً لقوانين البناء.

يمدّ المثل الأعلى الفرد بالأهداف التي يعيش من أجلها ويعمل على تحقيقها. وهو، أيضاً، يمدّ الأمة بالرسالة التي تجاهد من أجلها وتمنح وجودها المبرر والمكانة. وهو يعطي الحياة معناها وقيمتها ويمدها بأسباب الحركة والنمو والتقدم المستمر.

أنواع المثل الأعلى:

تقسم نماذج المثل الأعلى الى أربعة أنواع، هي:

  • مثل أعلى حق وتطبيق حق: وهذا النموذج يعطي نتائج إيجابية في حياة الإنسان. ومثاله نموذج المثل الأعلى الذي اعتمدته التربية النبوية. إذ استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم بالمثل الأعلى الذي حمَله، وبالتطبيق الصائب لهذا المثل أن يرفع إرادة الفرد المسلم الى درجة بذل النفس والمال في سبيل خدمة الرسالة التي جاء بها. كذلك شهدت ثمار التطبيق العملي وحقائق العلم لقيمة هذا المثل الأعلى وانسجامه مع طبيعة الإنسان وإسهامه في رقي النوع الإنساني.
  • مثل أعلى حق وجهل في التطبيق: وهذا يعطي نتائج أقل من سابقه. والنتائج الإيجابية التي يعطيها ترجع الى ما في المثل الأعلى من قوة ذاتية والى الاستمرارية المنحدرة من فترة التطبيق الحق (أ). وهذا ما حصل للأمة الإسلامية خلال عصور التحوّل من الخلافة الراشدة الى المُلك الجبري ثم الى عصر المُلك العضوض حتى انتهت الى ما هو قائم في واقع المسلمين المعاصرين.

وقد يُساء فهم هذه الظاهرة – ظاهرة تخلف المسلمين- فلا يُنسب هذا التخلف الى عجز التربية والتوجيه والإدارة القائمة في العالم الإسلامي عن بلورة “المثل الأعلى” وتطبيقه، بل يُظن أن السبب هو الإسلام نفسه. ومثل هذا الظن يوقع في بلبلة فكرية وتخبط، ويدفع كثيراً من أبناء المجتمعات الإسلامية الى البحث عن “مثل أعلى” آخر بين المذاهب الفكرية والفلسفات الأخرى.

ج- مثل أعلى باطل وتطبيق جيد: وهذا يُعطي نسبة عالية من النتائج. ومن أمثلته خارج إطار الحضارة الإسلامية ما هو قائم في الأقطار المعاصرة التي توصف بالتقدم في أوربا وأمريكا.

د- مثل أعلى باطل وتطبيق باطل: وهذا النوع من “المثل الأعلى” لا يأتي بنتائج قليلة أو كثيرة. ويمثل هذا النموذج كثير من المفاهيم الخاطئة في الإسلام، كالمذهبيات الضيقة والتصوف المنحرف وقيم العصبيات القبَلية والإقليمية.

وتلجأ الدول الكبرى الى تصدير نماذج باطلة من “المثل الأعلى” الى العالم الثالث أو بعث الحياة في نماذج باطلة قديمة من تراث الماضي كالفرعونية، ثم توجيه أبناء هذا العالم الى تطبيق هذه النماذج تطبيقاً قائماً على الحمية، لتكون ثمرة هذا التطبيق أنهم يخربون بيوتهم بأيديهم مما يناسب مصالح الدول الكبرى في الهيمنة والاستغلال.

تجديد المثل الأعلى:

يحتاج كل جيل أن يتبين نموذج المثل الأعلى الذي يبني مستقبله طبقاً له في ضوء الأصول التي يتضمنها القرآن والسنة، وفي ضوء حاجات العصر والتحديات القائمة. فالمثل الأعلى نتاج فقه بشري وإن كانت أصوله إلهية، لأنه هو فهم القائمين على التربية لنموذج الحياة التي يُراد بناؤها للجيل الناشئ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* منقول بتصرف من:

ماجد عرشان الكيلاني. (1997). أهداف التربية الإسلامية في تربية الفرد وإخراج الأمة وتنمية الأخوة الإنسانية. ط. 2: مزيدة ومنقحة. فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي. ص ص. 57 – 110.

** أستاذ التربية الإسلامية في عدد من الجامعات العربية، مفكر ومؤرخ وتربوي من الأردن له عدد من الأبحاث والكتب المنشورة.

[1]الطبري، التفسير، حـ ۲، ص ۱۲۱.

[2]لقد كان لما كتبه الأستاذ جودت سعيد في كتابه العمل، أثر كبير في رسم الإطار العام لهذا الباب وإبراز مكوناته.

[3]الموقوف على تفاصيل كل علاقة من العلاقات الخمس المذكورة، راجع كتاب فلسفة التربية الإسلامية، الطبعة الثانية للمؤلف.

[4]دكتور ماجد عرسان الكيلاني تطور مفهوم النظرية التربوية الإسلامية، المدينة المنورة دار التراث، ١٤٠٥ – ١٩٨٥)، ص ٢٠٧.

[5]صحيح مسلم (شرح النووى)، حـ ١٧ كتاب الذكر، ص ٤١.

[6]صحيح البخاري، كتاب الإيمان.

[7]الطبري، التفسير، حـ ۲۳، ص ١٦٩ – ١٧٠.

[8]البقاء والرقى هما المقاصد النهائية للتربية. والمقصود بالبقاء البقاء الأمن المعافى في الدنيا والآخرة. أما الرقى فهو الرقى ماديا ومعنوياً، ويبلغ قمته في تحقيق العبودية لله وحده والتحرر من عبودية الأشخاص والأشياء.

عن ماجد عرسان الكيلاني

شاهد أيضاً

مفهوم العمل الصالح لفضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله

الشيخ محمد الغزالي

"مفهوم العمل الصالح" مقطع من محاضرة منهج تطبيق الإسلام في مجتمعنا المعاصر.

Islamic Family

الأسرة في الإسلام

مركز خُطوة للتوثيق والدراسات

الأسرة المسلمة على طريق النهضة الحضارية

الأسرة المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة

الأسرة في مقاصد الشريعة

مناقشة ترابطية: النساء والأسرة في شرائع الأديان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.