الوحدة البنائية للقرآن المجيد*
د. طه جابر العلواني**
مقدمة
قراءة القرآن المجيد ليست قراءة عادية، فهي لا تشبه قراءة أي نص منظوم أو منثور، كما لا يرقى لمشابهة القرآن أي نص آخر. فقراءة القرآن هي قراءة خاصة تقتضي من القارئ أن يكون قد هيأ نفسه وعقله وذهنه وقلبه ووجدانه تهيئة تامة لتلقيه وتلاوته تلاوة تلائم مقام القرآن وتناسبه، بحيث يكون القارئ مدركًا تمامًا أنه يقرأ كلمات الله ووحيه إلى الإنسان الرسول النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قام بدوره بتلقي هذا الوحي ونقله إلينا قرآنًا عربيًا غير ذي عوج، ولا ريب فيه، وصرنا حين نقرؤه نقرؤه دون وسائط؛ خطابًا إلهيًا موجهًا إلينا بشكل مباشر، فكأنك وأنت ترتله تطوى الوحي الإلهي في ثنايا قلبك وعقلك.
وقد حذر القرآن المجيد من كثير من أنواع القراءات التي تكون حجة على القارئ، لا حجة له. ومن أبرز أنواع القراءات التي شدد النكير على أصحابها هي قراءة “المقتسمين”، (… المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) [الحجر: ۹۰، ۹۱] فـ”المقتسمون” وإن تعددت أقوال المفسرين فيهم[1]، فإننا نرجح أن يكون المراد أولئك الذين جعلوا القرآن مقسمًا، فما وافق ما لديهم قالوا بصحته مع دعوى اقتباسه منهم، وما خالف ما عندهم من تراث قالوا فيه ما يشاءون: “أساطير الأولين أو سحر أو كهانة أو شعر”. فقسموه وقالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض ليخدعوا البسطاء “بموضوعيتهم” أو علمية مواقفهم المضطربة التي لا دليل عليها. وليسهل عليهم ذلك الاقتسام جعلوه أعضاء: من “التعضية” بمعنى التفريق والتجزأة. وقد نُهينا عن مشابهة سائر أولئك الذين عضّوه تعضية، وفرقوه تفريقا، واتخذوا آياته شواهد لما يذهبون إليه بدلًا من أن ينطلقوا منه كله في كل ما يأخذون ويدّعون، ويقرؤنه باعتباره قرآنًا واحدًا لا يقبل التعضية ولا التفريق ولا التجزئة.
إن المسلمين حين قرءوا القرآن بطريقة التجزئة متشبهين بأولئك المقتسمين بوجه من الوجوه قد فقدوا الكثير من أنوار القرآن، وآثار آياته الموحدة التي أُحكمت فصارت كالكلمة الواحدة – كما قال أبو على الفارسي (ت: ۳۷۷هـ). وقراءة التعضية هي التي أورثتنا كثيرًا من المقولات الغثة التي لا يتقبلها الإحكام القرآني، بل يترفع عنها. من هنا يصبح تناول الوحدة البنائية للقرآن المجيد أمرًا في غاية الأهمية؛ لأن إدراك هذه الوحدة سوف يساعد الباحث المسلم على حسن القراءة والترتيل، ودقة التلاوة، ثم استقامة الفهم إن شاء الله. فهي ركن منهاجي، وليست مجرد فضيلة تضاف إلى فضائل الأسلوب القرآني التي لا تحصى.
بيان المراد بالوحدة البنائية
أما “الوحدة” فهي مقابل للكثرة والتعدد أيًا كان نوع الكثرة، وأيًا كان إطار التعدُّد. فكَون الشيء واحدًا يعنى به أنه ليس متعددًا، ولا قابلًا للكثرة أو التكرار. وفي “الوحدة” معنى الثناء، فإن قيل: “فلان واحد الدنيا”، أو “وحيد عصره” أريد به ذاك، فكأنه رغم انتمائه إلى البشر وكونه واحدًا منهم فإن له من الخصال والمزايا الحسنة ما يجعله كأنه انفصل عن جنسه الذي لا يتمتع بتلك الخصال منه غيره، فصار واحدًا.
والقرآن المجيد منفصل عن سائر الكتب المنزّلة وغير المنزّلة، متفوق عليها جميعًا بخصائصه ومزاياه، ونظمه وبلاغته وفصاحته. وهو في الوقت ذاته واحد في داخله بهذه المزايا والخصائص، تنتظم حروفه وكلماته وآياته وسوره في سلك واحد. والقرآن واحد في كونه متفردًا من تلك الحيثية، ومن حيث الأهداف والمقاصد والغايات والآثار حتى ليبدو في ذلك كله كما لو كان كلمة واحدة، أو جملة واحدة، لا يشاركه في خصائصه وصفاته ومنهجه كتاب آخر؛ لا منزّل ولا موضوع. وذلك هو مرادنا بـ «وحدته» من هذه الحيثية.
أما «وحدته البنائية» فقد أردنا بها أنه بكل سوره وآياته وأجزائه وأحزابه وكلماته يعتبر كأنه جملة واحدة.
وأما وصفنا لهذه «الوحدة» بـ «البنائية» أو إضافة هذه «الوحدة» إلى «البنائية» فقد أردنا به الإشارة إلى ما يدل عليه قوله تعالى: (… كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: ١]. فالإحكام هنا من إحكام البناء بحيث يمتنع أي اختراق له لمتانته وقوته. ويدل على ذلك قوله تعالى: (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ) [الحج: ٥٢]، بحيث يمتنع على الشيطان أن يبلغ شيئًا منها، فهي لتطمين البشرية أن هذا القرآن محفوظ ومغلق بإحكام أمام كل محاولات الاختراق. ويعضد ذلك قوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ) [آل عمران: ٤] أي ما لا يمكن أن تعرض فيه شبهة، أو يتطرق إليها عارض يتيح لأهل الفتنة والذين في قلوبهم مرض استثمار ذلك على وجه الحقيقة، لأن كل ما قيل أو يقال منهم ضد هذا القرآن إنَّما هو من قبيل الشغب واللغو. وعلى هذا يكون المراد بهذا المركب «الوحدة البنائية» للقرآن: أن القرآن المجيد واحد لا يقبل بناؤه وإحكام آياته التعدد فيه أو التجزئة في آياته، أو التعضية بحيث يُقبل بعضه، ويُرفض بعضه الآخر. كما لا يقبل التناقض أو التعارض وغيرهما من عيوب الكلام. فهو بمثابة الكلمة الواحدة أو الجملة الواحدة أو الآية الواحدة. وإذا كانت قد تعددت آياته وسوره وأجزاؤه وأحزابه؛ فذلك التعدد ضرورة لا غنى عنها في التعليم والتعلم والتنزيل لتغيير الواقع وإبداله. فلم يكن في مقدور الإنسان أن يستوعب قرآنًا جملة واحدة؛ بل عليه أن يأخذه أو يتبناه باعتباره ذا وحدة بنائية لا تختلف عن وحدة الكلمة في حروفها[2]، ووحدة الجملة في كلماتها وأركانها، ولو نزل مفرقًا لتثبيت الأفئدة به وليمكّن البشر من تعلمه وحسن تلقيه.
وهكذا يستوعب فضاؤه كل الحادثات، وسائر المستجدات، وجميع الثقافات والحضارات وحاجات وتطلعات وأشواق بنى الإنسان كافة.
ولولا هذه الوحدة البنائية لما استوعب القرآن «خبر ما بعدنا» حيث استوعب مستقبل البشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ببيان السنن والقوانين التي تقود هذا المستقبل وتصوغه وتبنيه. فهو لا يحقق ذلك بطريق التكهن والنبوءات والرؤى والمنامات كما زعمت أمم سابقة، ولا بطريق قياس المستقبل على الحاضر وقياسهما بعد ذلك على الماضي كما يتخيل الماضويون، بل بالكشف عن السنن والقوانين الحاكمة على البشرية وحركتها، والتاريخ وحركته، والغاية التي يتجه الخلق كله إليها وفقًا لتلك السنن والقوانين الصارمة. فهي قراءة علمية دقيقة للمستقبل، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا يتطرق إليها الشك. يضاف إلى ذلك أن القرآن يحمل القيم العليا الحاكمة والقواعد الدستورية والقانونية التي تقدم للبشرية مصدرًا واحدًا موحدًا يشتمل على حكم ما بينكم بحيث يقضى على جذور وأسباب قيام النزاعات والاختلافات ليصبح «العدل» قاعدة والانحراف عنه شذوذا.
كيف اكتشف العلماء الوحدة البنائية للقرآن؟
حين ننظر في تصنيف أجيال هذه الأمة فمن الممكن أن نعتبر الجيل الأول – الذي عاصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – وتتلمذ على يديه «جيل التلقي المباشر». فرسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- كان يتلقى القرآن من لدن حكيم خبير، وعنه – صلى الله عليه وآله وسلم – يتلقى الصحابة الكرام، ومنهم كتّاب الوحي وآل البيت وأمهات المؤمنين وسائر المؤمنين.
أما الجيل الثاني فقد كان «جيل الرواية» حيث انتهى عصر النص بوفاته – صلى الله عليه وآله وسلم- وكمُل الدين، وتمت كلمة ربك، وتوقف الوحي، وختمت النبوة، فكانت الروايات تُنقل عن الجيل الأول للبناء عليها في الأجيال التالية، واستمرت كذلك ليتسلم الراية «جيل الفقه» من التابعين وأتباع التابعين، والأجيال التالية لهم.
وفى هذا الجيل الثالث – جيل الفقه – انتشر تصور بأن أهم مقاصد القرآن وأغراضه هو بيان الأحكام الشرعية. ومع صحة ذلك من بعض الوجوه إلا أن الأحكام وحدها لا تمثل إلا واحدًا من مقاصد القرآن وأهدافه، فهناك مقاصد وأهداف أخرى خفتت عنها الأضواء؛ لأنها سلطت بجملتها على الأحكام، فبرز جانب من الدراسات القرآنية عرف بـ«أحكام القرآن»، حيث كتب الإمام الشافعي في ذلك، وجمع البيهقي ما كتب في كتاب مطبوع عرف بـ«أحكام القرآن» للشافعي. ونحا نحوه الرازي الجصاص وابن العربي وابن فورك والقرطبي وغيرهم. وهؤلاء حصروا آيات الأحكام بعدد محدد تراوح بين أربعين ومائتي آية إلى خمسمائة آية تم توزيعها بين العقيدة والشريعة من المعاملات والعبادات والعقوبات وأحكام النكاح والطلاق.. وما إليها.
فذكروا أن آيات الأحكام تقرب من خمسمائة لا تتجاوزها، وبعضهم جعلها أقل من ذلك؛ وقد اتبعوا طرقًا ومناهج مختلفة في اعتبار الآية من آيات الأحكام أو ليست كذلك، ولذلك اختلفت أرقام هذه الآيات قلة وكثرة عندهم لكن الجامع المشترك بينهم جميعًا هو النظر في الآيات التي يعدونها من آيات الأحكام نظرًا جزئيًا ومباشرًا، فهي آية منفردة، وأحيانًا جزء من آية قد يقتطع من سياقه ليؤخذ أو يُستنبط منه الحكم وفقًا لقواعد ذلك القائم بالتفسير، أو قواعد إمامه إن كان من المجتهدين في المذهب أو المقلدين.
ولذلك فإنه من الصعب أن نجد مفهوم «الوحدة البنائية» – في الإطار الذي نقدمه- دائرًا على ألسنة المتقدمين؛ فـ «جيل التلقي» من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلّم – شُغل بالتلقي والتطبيق. كما أن إيمانهم بتحدي القرآن المجيد، وظهور استحالة الإتيان بمثله، أو بعشر سور مفتريات من مثل سوره، أو بسورة من مثله، كان ذلك من المسلمات البديهية، فلم تبرز الحاجة في ذلك الجيل إلى النظر العقلي والفلسفي الذي لم يكن قد ولد بعد في الساحة الفكرية الإسلامية في قضية «التحدي» وحقيقته. فتلك أمور قد تأخر ظهورها والبحث فيها إلى القرن الثالث الهجري وما تلاه.
أما «جيل الرواية» الذي تسلّم الراية من «جيل التلقي» فقد استغرقه البحث عن الروايات وتتبعها وجمعها، فذلك هو التحدي الأكبر الذي واجه ذلك الجيل، وهو تحدّ لم يكن أقل خطورة من تحدي جمع الأمة كلها على مصحف واحد إمام؛ ذلك لأن القرآن المجيد كان مدونًا محفوظًا في الصدور والسطور وسائر الوسائل المتاحة التي سخرها منزّل القرآن الذي تكفّل بحفظه. كما تكفّل بإقرائه لرسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وإقراره في صدره؛ فلا ينسى ولا يضيع ولا يخترق، كما تكفل بجمعه وقرآنه.
أما «جيل الفقه» فقد انشغل بإنتاج الفقه، وتقعيد أصوله للاستجابة لمستجدات الحياة المتسارعة، وإعطاء الأحكام المناسبة للنوازل والوقائع لئلا تبقى واقعة من الوقائع دون حكم فقهي مكتسب ومستفاد من الأدلة الشرعية التفصيلية.
كما أن هناك مَن انشغل فيما عرف آنذاك بـ«الفقه الأكبر» الشامل لأصول الدين (علم الكلام) و(أصول الفقه) إضافة إلى (الفقه) ذاته. لأن الفكر الفلسفي والمستجدات بدأت تفرض نفسها وتستدعي البحث والدراسة والتحديد، وجُلّ تلك البحوث كانت تستدعي النظر في الدليل الجزئي التفصيلي، لا في القرآن كله باعتباره مصدرًا منشئًا بكليته ودليلًا كليًا. ولم يكن خافيًا أن أهم طرائق النظر فيه هي تلك التي تردّ الجزئي إلى الكلي، وتنظر في الكلي نظرًا مفاهيميًا وتحليليًا لتحقيق الاستفادة القصوى منه، ثم تربط ذلك ببيان السنة وتطبيقاتها، وبالكون وسننه انطلاقًا من منهاجية «الجمع بين القراءتين»[3]. لكن الوعي بهذا لم يأخذ حظه من التفعيل في تلك المرحلة، ثم تنبّه العقل المسلم بعد ذلك إلى أن تفعيل هذه الرؤية أساس لا يُستغنى عنه في فهم القرآن وحسن تفسيره، ودقة تأويله.
ويتناول «الجمع بين القراءتين» الجمع بين القرآن والسنة الثابتة من ناحية، ثم بينهما وبين الكون من ناحية أخرى. وأن هذه الوحدة البنائية خطوة منهجية ضرورية وحلقة من سلسلة من المحددات والقواعد المنهاجية التي لو أهملت أو أهمل بعضها فليس من الممكن أن نتلو القرآن حق تلاوته.
وعن النظر الفقهي المحدد شاع وانتشر النظر الجزئي في آيات الكتاب الكريم. والنظر الجزئي لا يمكن أن يؤدي إلى إدراك المناسبات والروابط وشبكات العلاقات بين الكلمات في إطار الآية، ولا بين الآيات في إطار السورة، ولا بين السور في إطار القرآن كله. كما لا يساعد ذلك النوع من النظر على الكشف عن العلاقات بين السور في المحيط القرآني كله، وبالتالي فقد غاب التفكير في «الوحدة البنائية» أو لم تسلط عليها أضواء كافية يمكن أن تلفت الأنظار إليها بمثل القوة التي تلتفت بها إلى الدليل الجزئي المباشر.
ويمكن أن يضاف إلى ما تقدم من دوافع النظر الجزئي عجلة المفتي ورغبته في الإفتاء فيما يُعرض عليه من أسئلة دون تأخير تجعله يسرع إلى الدليل الجزئي؛ أي الآية التي يراها كافية في تمكينه من الإجابة على السؤال. فإذا فعل فإنه قد لا يلتفت إلى ما لا علاقة مباشرة له بموضوع السؤال. لذلك فإنه حين جاء لبحث «الدلالات»، فإنه لم يضع شيئًا يشير إلى ضرورة النظر في سائر آيات الكتاب الكريم، بل حصر ذلك في أحوال النص المفرد. فبحث الخاص والعام، والمطلق والمقيد، واللفظ الموضوع لمعنى واحد أو متعدد، والأمر والنهي، وصيغ العموم وصيغ الخصوص، ومقتضى اللفظ والمفهوم، والمشترك والمؤول، والنص الظاهر والمفسر، والدال بالعبارة والدال بالإشارة، والدال باقتضاء النص، وكذلك مفاهيم الموافقة والمخالفة، والشرط والغاية[4]، وكل هذه مباحث تتعلق بالألفاظ المنفردة، أو دلالاتها وسائر العوارض الذاتية المتعلقة بها، وهي لا تنبه إلى ضرورة قراءة القرآن كله.
المنطق الأرسطي وآثاره
ثم جاءت الحدود والتعريفات، ودخل المنطق الأرسطي سائر العلوم والمعارف الإسلامية، بل هيمن عليها الى أن صار في نظر إمام مثل أبي حامد الغزالي (٥٠٥ هـ) «معيار العلم» و«القسطاس المستقيم»[5].
وبذلك بدأ الأصوليون والفقهاء يتسابقون لتوظيف الحدود والتعاريف والأقيسة المنطقية لإثبات أو نفي ما يذهبون إليه. فيكفي أن تبني مقدمة شرعية واحدة وتضع بجانبها مقدمة أخرى عقلية أو لغوية أو غيرها لتصل إلى نتيجة تكون نسبة خبرية تامة؛ أي حكمًا فقهيًا ملزمًا. فإذا أردت التدليل على تحريم شراب ما – مثلًا – فلك أن تقول: هذا شراب يخامر العقل؛ فهو خمر. وكل ما يخامر العقل فهو حرام (أي: لأنه خمر)؛ فهذا الشراب حرام. فالعبارة الأولى مقدمة صغرى، والثانية مقدمة كبرى، والثالثة هي النتيجة، وهذه النتيجة حكم فقهي يلتزم به المجتهد ومقلدوه. ولو عکست فقلت: هذا شراب لا يخامر العقل (مقدمة صغرى) وكل شراب لا يخامر العقل فهو حلال (مقدمه كبرى)، فهذا الشراب حلال (النتيجة). وهنا تدخل عمليات عقلية أخرى كالاستقراء والسبر والتقسيم أو الحذف والإضافة.
وحين شاع القول بـ«القياس» وبقية الأدلة المختلف فيها كان الأخذ بهذا المنطق من أهم أسباب الاختلاف الفقهي وتكريسه. فأين ومتى يمكن الالتفات إلى الوحدة البنائية للقرآن المجيد، والناس مستغرقون في التصورات الجزئية، وهذه التصورات هي التي تتحكم في مناهجهم في قراءة القرآن واستنباط الأحكام منه؟!
فإذا تجاوزنا هذا الفريق من العلماء إلى المفسرين، فمع أن معظمهم يقولون بأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وكان من الممكن أن يقود هذا الخيط الرفيع إلى الكشف عن «الوحدة البنائية» لو جرى الإمساك به وتتبعه، لكن ما حدث جاوز ذلك، وصار الحديث فيه حديثًا يضاف إلى فضائل القرآن، لا إلى محدداته المنهاجية.
«التفسير» اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن، وما يستفاد منها باختصار أو توسع. ولذلك فقد اعتبروا موضوع التفسير «ألفاظ القرآن»؛ من حيث البحث عن معانيه، وما يستنبط منه. وذلك كله تكريس للتصورات الجزئية؛ لأن الأمر يدور على تفسير ألفاظ القرآن، وذلك يعد من قبيل «دلالة الالتزام» المنطقية العقلية؛ ولذلك اختلف العلماء في اعتبار التفسير علمًا، واعتبروا وضعه بين العلوم خاصة علوم المقاصد تساهلًا.
ما نود بيانه هنا أنه وإن كان الانشغال بالتفسير قد يؤدى إلى تكوين ملَكة لدى المفسر يُدرك صاحبها بها أساليب القرآن ودقائق نظمه، لكنه رغم ذلك لم يؤد إلى الكشف عن الوحدة البنائية للقرآن المجيد؛ وذلك لتحديد موضوعه في تفسير الألفاظ، والبحث عن الأحكام.
هذا، علمًا بأن التفسير يعدّ أول العلوم الإسلامية ظهورًا؛ إذ ظهر الخوض فيه في عصر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم -، حيث كان بعض الصحابة يسألون عن بعض معاني القرآن فيجيبهم عليه الصلاة والسلام. وحين دخل في الإسلام أقوام من غير العرب، ومن الذين لم تكن العربية لسانهم الأصلي اشتدت الحاجة إلى التفسير لبيان معاني القرآن لهؤلاء. ومع انتشار التفسير وكثرة المفسرين، تنوّع التفسير بعد ذلك إلى أنواع؛ ليكون تفسيرًا بالأثر، وتفسيرًا عقليًا، ثم ظهر التفسير الإشاري. إلا أننا لا نجد حديثًا يذكر عن «الوحدة البنائية» في مدارس التفسير؛ ومنها مدارس التفسير الموضوعي حيث عُني الفقهاء بجمع وتحديد آيات الأحكام المتعلقة بقضية محددة أو موضوع واحد. لكن لم يلفت ذلك الأنظار إلى الروابط المتينة بين ذلك الموضوع وآيات وسور الكتاب الكريم الأخرى.
كما أن تفسير القرآن بالقرآن لم يؤد إلى بروز «نظرية الوحدة البنائية» مع أنه منهج في التفسير بدأه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم – في نحو ما رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال: “لما نزلت هذه الآية: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ…) [الأنعام: ۸۲]، شقّ ذلك على أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم – وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم! فقال: ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان لابنه: (… إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]”[6]. وأخرج البخاري “أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فسّر مفاتح الغيب في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ…) [الأنعام: ٥٩]. فقال – صلى الله عليه وآله وسلم-: (مفاتح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنزِلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٍ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ…) [لقمان: ٣٤]”[7]. ولو أن هذا المنهج النبوي ساد وانتشر وتبناه جيل الرواية وجيل الفقه لبرزت الوحدة البنائية وحظيت بالاهتمام اللازم منذ تلك العصور.
تأثير أهل الكتاب
كما أننا لا نستطيع أن نغفل دور بعض أهل الكتاب في ذلك؛ حيث تواصوا على إظهار الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر ليقيموا الدليل على موضوعيتهم وعدم تحيزهم: (… أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ…) [البقرة: ٨٥]، ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تؤتَوه فاحذروا…) [المائدة: ٤١]، وقد تجاوب معهم تلامذتهم المشركون الذين قال تعالى فيهم: (كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر: ٩٠- ٩٣].
فالمقتسمون هم الذين تقاسموا وتحالفوا على الصدّ عن سبيل الله، والصدّ عن تمكين الناس من الاستماع إلى القرآن واللغو فيه، وتقاسموا شُعَب مكة ليصدوا مَن يريد لقاء رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – من الوفود، وتحالفوا على الكيد لرسول الله، وجعلوا القرآن عضين أي مفرقًا، فقالوا عن بعضه: كهانة، وعن بعض آخر: أساطير الأولين. إلى غير ذلك مما وصفوه به. وقيل: معنى «عضين» ما قاله تعالى: ((… أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ…) [البقرة: ٨٥]. لا فيمن قال فيهم: (وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ) [آل عمران: ۱۱۹]. هذا الذم الشديد للتعضية واعتبارها سلوكًا لبعض أهل الكتاب وللمشركين، أو منهجًا من مناهجهم في التعامل مع القرآن كان كافيًا في الدفع إلى اكتشاف منهج لقراءته واحدًا غير معضّى، واكتشاف أنه يتمتع بـ«وحدة بنائية» تشكل منهجًا أساسًا لقراءته وفهمه. لكن طريقة المفسرين جعلت أنظار القارئين تتجه إلى فهم التعضية بتلك الصورة التي لم تساعد على الكشف عن الوحدة البنائية للقرآن المجيد.
البلاغيون وأصحاب التفسير البياني
من الواضح أننا لم نجد ضالتنا في الكشف عن الوحدة البنائية لدى الفقهاء، ولا عند الأصوليين وعلماء الكلام، كما لم نجد شيئًا من ذلك عند جمهرة المفسرين بالرغم من وجود مؤشرات قرآنية، وموجهات نبوية إليها. ولكننا سنجد بذورها وبراعمها الأولى لدى البلاغيين وأصحاب البيان الذين التقطوا تلك الموجِّهات القرآنية، والأضواء النبوية، وإشارات وأفهام بعض الصحابة ليبنوا عليها «نظرية النَّظم» و«فلسفة التحدي». وسنتتبع تلك الولادة العسرة «لنظرية الوحدة البنائية» والنشأة البطيئة المتثاقلة لها في كنف «نظرية النظم» و«فلسفة التحدي»، و«النظر الموضوعي و«فقه اللغة» و«فلسفة النحو» و«دلائل الإعجاز» و«خواص القرآن ومزاياه». فتلك التخصصات أو الأقسام هي التي تحتضن بذور «الوحدة البنائية» وتأخذ بيد الباحث إليها[8].
أما كتب التفسير فهي ذات مشارب مختلفة – كما تقدم – فمنها ما يشبع القول في مسائل الأحكام والقضايا الفقهية، ومنها ما ينشغل في الدقائق الكلامية، ومنها ما يفيض القول في شئون البلاغة والبيان والبديع وقضايا النحو واللغات، ومنها الصوفي المنحى في فهم الدقائق وفهم الإشارات، ومنها التفاسير العقلية والتفاسير المذهبية… إلى غير ذلك من ألوان وأنواع. لكنها – جميعًا- لا يجد الباحث – فيما اطلعنا عليه منها – ضآلته في بيان «الوحدة البنائية» نظرية ومحددًا منهاجيًا أو ما يساعده على انعكاسات هذه الوحدة على الجوانب المعرفية المختلفة.
لذلك وجدتنى مضطرًا للتركيز على تفسير القرآن بالقرآن ألتمسها فيه، ثم تفسير القرآن بالسنة – وهو قليل – لعلني أجد بعض بذورها فيه، ثم التفسير البياني والتفسير الموضوعي؛ بحثًا عن أصول لنظرية الوحدة البنائية.
لقد بحثت عن جذور هذه النظرية عند ابن عباس وأمير المؤمنين علي وغيرهما من قراء الصحابة، فكنت أحس بها وأشعر بوجودها في العقول والقلوب، ولكن لم تجربها الألسنة، ولم تتحرك بها الأقلام. ثم تخليت عن المصطلح وقلت في نفسي: إن «جيل التلقي» جيل فطري مطبوع، كان يُعرب سليقة قبل أن يُخلق النحاة ويؤسسوا قواعد النحو، وأدركوا حجم التحدي الذي قام القرآن به، ولا بد أنهم فكروا في كل ما يمكن افتراضه وقوله في تفرد القرآن وعجزهم عن الإتيان بمثله، أو بعشر سور أو بسورة واحدة، وتحديه للإنس والجن معًا في أن يفعلوا، فلم يفعلوا ولن يفعلوا، أفلا تصلح «الوحدة البنائية» أن تكون وجهًا من هذه الوجوه التي في القرآن، تنبئ عن تفرده، وتندرج تحت ما جرى التحدي فيه؟! فلِم لم تذكر، ولِم لم يتحدثوا عنها؟ لكن ذلك شأن المطبوعين الذين تنشأ القواعد والقوانين والنظريات بعد أجيالهم. فهم لا يشعرون بالحاجة إلى ذلك لوجود السليقة التي يغلب أن تجعل إدراك ذلك أقرب إلى الإدراك الوجداني، تتذوقه ولا تشعر بالدافع إلى شرحه للآخرين.
فالعرب قد عرفت الكثير من أوصاف الكلام؛ نثرًا ونظمًا وشعرًا وسجعًا، وهو دليل على إدراكها لمزايا الكلام وعيوبه، و«الوحدة البنائية» من أهم محاسن الكلام ومزاياه، فلا تغلق على وجدانهم ولا تغيب، وهي إن غابت عن البعض فلن تغيب عن الكل، وإن لم يصرحوا بها.
ولقد كانت وحدة المبنى أو «الوحدة البنائية» للكلام مع تعدد الأغراض وتنوع المخاطبين واختلاف أزمنتهم وأماكنهم قمة مطمح البلغاء، وميدان تنافس الفصحاء؛ ولذلك كان تأكيد نحو ابن عباس وابن الخطاب وعلي – رضى الله عنهم – وغيرهم على اللجوء إلى لسان العرب ولغاتهم وشعرهم لفهم ألفاظ القرآن طلبًا له وجاهته. لكنهم كانوا يدركون أن لسان العرب يقف عند تفسير اللفظ وحده، أما المعاني والفوائد الجمة التي تستفاد من تراكيب الألفاظ وسياقها فلعلها «الفهم» الذي عناه أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه وأرضاه ـ بقوله: «أو فهمًا»[9]؛ ولذلك فإن مَن جاء بعد جيل التلقي من أهل جيل الرواية سرعان ما اكتشفوا قواعد «البيان» وما يتحلى القرآن المجيد به منها، وأدركوا البذور الأولى لـ«نظرية النَّظم» و«التفسير الموضوعي» الذي برز حين بدأ النظر فيه على أيدى الفقهاء الذين حددوا أعداد آيات الأحكام بخمسمائة أو نحوها وبأحاديث الأحكام نحو ذلك[10]. ومهما يكن فإننا لا نستهدف هنا تحديد العدد الدقيق، ولا مناقشة الفكرة ذاتها لأن همنا هنا منصرف إلى التدليل على ولادة فكرة البحث الموضوعي في القرآن تفسيرًا أو أحكامًا. ولنا أن نتوقع ما يمكن أن يؤدى إليه ظهور هذه الفكرة من تداعيات؛ فإن كثيرًا من الأفكار المهمة تبرز – في بعض الأحيان- في إطار أفكار أخرى، وبذورها قد تنبت في غراس تلك الأفكار.
وأما «النظم» الذي تبلور حتى صار نظرية مهمة فيما بعد، فإن بذوره الأولى تبدو في إطار البحث في تأثير القرآن بالذين آمنوا به، أو أولئك الذين صدّهم عن الإيمان به ما كانوا يدعون من دون الله تعالى. فقول الوليد بن المغيرة المخزومي، وقصة إسلام عمر باستماعه وقراءته لبعض الآيات، وقصة أبي سفيان والأخنس بن شريق وأبي جهل وكيف كانوا يتسللون تحت جنح الظلام، وكل منهم يحسب أنه وحده، ليستمعوا إلى قراءة أبى بكر للقرآن، واتفاق قريش على الحيلولة بين الناس وبين الاستماع لآي القرآن: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [فصلت: ٢٦]، كل تلك الأمور المستفيضة يمكن أن تملأ مجلدات؛ حيث لم يخل عصر من العصور أو جيل من الأجيال من وقائع وأحداث ترتبط بتأثير القرآن في سامعيه وقارئيه تأثيرًا لم تعرف البشرية ما يقاربه منذ بدء الخليقة. ولا شك أن هذا التأثير لم يحدث عن حروف مقطعة، أو كلمات مفردة منفصلة[11]، بل عن آيات منتظمة كانت تنزل نجومًا بحيث يُضمّ النجم إلى النجم لتتشكل السورة. فالتأثير الحاصل يتأتى من ذلك التناسق والنظام الرابط للآيات الكريمة، فتبدو -آنذاك – فصاحة الكلمات، وبلاغة الآيات، ودقة المناسبات، وروعة النظْم التي تبهر البلغاء وتتحدى الفصحاء. لكن ذلك التأثير لم يعبر عنه جيل التلقي بما عرف بعد ذلك من أوصاف تتحدث عن النظم والتناسب ووحدة الموضوع أو وحدة السورة وما إليها بحيث تشكل نظريات علمية في فهم القرآن، وحسن إدراك مقاصده ومغازيه، أو تنتج على الفور علومًا بلاغية مثل المعاني والبيان والبديع ونحوها.
وحدة السورة
يقول ابن العربي: “ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني، علمٌ عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل سورة البقرة، ثم فتح الله لنا فيه، فلما لم نجد له حَمَلة، ورأينا الخلق بأوصاف البَطَلة، ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه”[12]
ويقول الإمام الرازي: “… مَن تأمل في لطائف نظْم السور وبديع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه، فهو أيضًا معجز بسبب ترتيبه ونظم آياته… “[13]، ويقول الإمام – أيضًا -: “… أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط. “
ومع ذلك فإن العقول تتفاوت في مواقفها واستنتاجاتها، وبعض الناس أشد إحساسًا بهذه الأمور الدقيقة من البعض الآخر، وأسرع في التفطن لها، والكشف عنها. كما أن الإنسان مخلوق تؤثر في حركته الدواعي والصوارف؛ فحملات الطعن على القرآن والاعتراض عليه التي واجهه بعض أهل الشرك بها كانت من الدوافع للبحث الدقيق في دفاعات القرآن عن نفسه، والكشف عن سائر مطاعن أهل الشرك فيه ودحضها وتفنيدها لإثبات سلامة النظم القرآني وتنزهه عن الاختلاف والتناقض والخلل؛ ليثمر البحث في سلامة النظم، ودقة التناسب، ووحدة الموضوعات، واتجاهات الأفكار نحو «الوحدة البنائية»؛ بحيث يقول ابن العربي في القرن الخامس: “… ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني، منتظمة المباني علم عظيم… “، كما ذكرنا أنفا.
في الوقت نفسه نجد نماذج أخرى من العلماء تكونت لديهم الصوارف عن النظر في «وحدة القرآن» بل وحدة السورة الواحدة فنفوها عقلًا ووقوعًا…، فالعز بن عبد السلام يتطرق لذلك ويتبنى موقف النافين فيقول: “… علْم حَسَن، لكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد، مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط، ومن ربط ذلك فهو متكلّف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك، يصان عن مثله حَسَنُ الحديث فضلًا عن أحسنه. فإن القرآن قد نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة، شُرعت لأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض”[14].
ويأتي الدكتور محمد عبد الله دراز بعد العز بقرون كالمعتذر له ليبين أن هناك ما قد يسوغ ما ذهب إليه نحو العز بن عبد السلام مِن نفى «الوحدة البنائية»، فيعرض – رحمه الله – الأسباب التي اجتمعت على القرآن بحيث كان يمكن أن تجعل نظْم السورة القرآنية مفككًا أو غير مترابط بشكل يسمح بالقول «بوحدة السورة»، فضلًا عن القول «بالوحدة البنائية» على مستوى القرآن، فذكر ثلاثة أسباب ه:
1 – أن القرآن بما امتاز به أسلوبه من اجتناب سبل الإطالة، والتزام جانب الإيجاز صار أسرع الكلام تنقلًا بين شئون القول؛ فهو ينتقل من وصف إلى قصص إلى تشريع إلى جدل إلى ضروب شتى من فنون الكلام، وهذا أمر يجعل الحفاظ على تناسب المعاني وتلازمها أمرًا عسيرًا.
2- أن القرآن لم يكن ينزل بهذه المعاني جملة واحدة، بل كان ينزل بها أحادًا متفرقة على حسب الوقائع والدواعي المتجددة المتنوعة، وهذا الانفصال الزماني بينها، والاختلاف الذاتي بين دواعيها كان -بطبيعته- مستتبعًا لانفصال الحديث عنها على ضروب من الاستقلال لا يدع منزعًا للترابط والوحدة.
3- هو تلك الطريقة التي اتبعت في ضم نجوم القرآن بعضها إلى بعض، وفي تأليف وحدات السورة من تلك النجوم.
ومع ذكره – رحمه الله – لهذه الأسباب الثلاثة المنافية للوحدة، أو المانعة من القول بها فإنه قد عقّب عليه بقوله: “.. لو عمدنا إلى سورة من تلك السور التي تتناول أكثر من معنى واحد – وما أكثرها – وتتبعناها مرحلة مرحلة، وتدبرناها كيف بُدئت وكيف خُتمت كيف تقابلت أوضاعها وتعادلت، وكيف تلاقت أركانها وتعانقت… لو تدبرنا ذلك لوجدنا ائتلافًا وتناسبًا بين المعاني والمباني، ولبدت لنا السورة وكأنها نزلت في نجم واحد”[15]. فأنت تراه مع ملاحظته لما يصلح اعتراضًا مستدلًا عليه من النافين، إلا أن النتيجة التي بلغها كانت مغايرة. ثم بيّن لنا التناسب والترابط والائتلاف في أطول سور القرآن وأكثرها نجومًا، وأغناها تنوعًا في الموضوعات – وهي سورة البقرة.
ثم يعزز ما قرّره في ذلك الفصل القيّم من كتابه بما نقله عن الأئمة أبي بكر النيسابوري، وفخر الدين الرازي، وأبي بكر بن العربي، وأبي إسحاق الشاطبي، وبرهان الدين البقاعي بقوله: “إن السورة وإن تعددت قضاياها في كلام واحد يتعلّق آخره بأوله وأوله بآخره، ويترامى بجملته إلى غرض واحد، كما تتعلق الجمل بعضها ببعض في القضية الواحدة. وإنما لا غنى لمتفهم نظم السورة عن استيفاء النظر في جميعها، كما لا جملة واحدة. غنى عن ذلك في أجزاء القضية” يريد القضية المنطقية، وهي عبارة عن جملة واحدة.
ولنعد للتدليل على ما بدأناه من التوكيد على أن «الوحدة البنائية» ليست مزية تتحلى بها كل سورة لوحدها وبحسبها فقط، بل هي قضية قائمة بالقرآن كله. فالقرآن – كله – كالكلمة الواحدة، والجملة الواحدة، في كل سوره وأجزائه، يتسع حتى يصبح كونًا يعادل الكون كله بل يستوعبه ويضمه تحت جناحيه، ويدق حتى تراه كأنه كلمة واحدة لكنها عين جارية لا تتوقف ولا تغيض ولا تغور ولا تنضب في المعاني التي تشتمل عليها، والصور الرائعة المثيرة التي ترسمها في ذهن السامع والآثار المهمة التي تتركها في نفسه.
لقد كان السلف الذين نزل فيهم القرآن الكريم عرب الألسن، يعرفون حق المعرفة الطاقات اللغوية للسانهم، ويعرفون حدودها معرفة سحرة فرعون الحدود سحرهم وطاقاتهم فيه، والمدى الذي يمكن أن يبلغوه، ولذلك كان السحرة أول المؤمنين لأنهم أدركوا أن ما تحداهم موسى علام به يتجاوز كل مستويات السحر التي عرفوها، وبالتالي فليس هو بسحر وما ينبغي أن يكون سحرًا. وكذلك الحال بالنسبة للقرآن الكريم وبلاغته وفصاحته وسلامة نَظمه.
لقد كان أبناء الجيل الأول – جيل التلقي – كثيرًا ما يرجعون إلى شعر العرب ونثرهم في الجاهلية وفى صدر الإسلام فيستأنسون به في فهم بعض الكلمات والأساليب القرآنية، ولكنهم كانوا يدركون في الوقت نفسه الفروق الشاسعة بين لسان القرآن واللسان العربي، وهناك العديد من الشواهد البيانية التي أُثرت عن أمير المؤمنين عمر وأمير المؤمنين علي وابن عباس – رضي الله عنهم – وغيرهم حفلت بها كتب كثيرة، منها «الكتاب» لسيبويه (۱۸۰ هـ)، والخصائص لابن جنّي (۳۹۲هـ)، «ودلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» للجرجاني (٤٧١ هـ) ونحوها، وكلها تدل على مدى إدراكهم للبون الشاسع بين أرقى ما في اللسان العربي من مستويات البلاغة والفصاحة والنظم وبين لسان القرآن.
عصر التدوين ونظرية النَظم
حتى إذا جاء عصر التدوين وبدأت المعارف والعلوم تتمايز إذا بنا نجد هممًا عالية كثيرة قد انصرفت إلى القرآن المجيد متجاوزة فنون التفسير، وضروب التأويل، وقضايا الأحكام، ومسائل القراءات إلى بيان القضايا البيانية، والمحسنات البديعية، وضروب المعاني، والقواعد اللغوية، والمسائل النحوية، فكانت هذه المعارف والعلوم من القرآن الكريم تصدر، وإليه تعود. وقد كتب أبو عبيدة معمر بن المثنى (٢۰۹هـ) كتابه الشهير «مجاز القرآن» في مجموعة مؤلفات أخرى مهمة، لكن (المجاز) بقي أهمها وأشهرها. وأبو عبيدة لم يعن بالمجاز قسيم الحقيقة، بل عني به: الآية التي يجتاز أو يتجاوز ما دلت عليه بصريح لفظها فيغيره إلى معنى لم يدل اللفظ عليه مباشرة ولأول وهلة، بل جرى العبور به أو منه إلى سواه بعد التأمل في العبارة، وربما دراستها وتحليلها – كما نقول اليوم- وبذلك وضع أبو عبيدة اللبنة الأولى في صرح الدراسات البلاغية القرآنية[16]. وإذا كان مجاز أبي عبيدة لم يكن كافيًا لولادة نظرية «الوحدة البنائية»، فإن ما قدمه قد أثار قضايا بقيت تتطور حتى جاء عبد القاهر الجرجاني ليبلور نظرية النظم من منطلقات فكرية أو شعرية.
صحيح أن الكُتَّاب في تاريخ العلوم القرآنية اعتبروا الجاحظ مؤسسًا للدراسات الخاصة بنظْم القرآن، لكن مَن بلورها وبنى عليها كان عبد القاهر الجرجاني. فالجاحظ (٢٥٥هـ) قد خصّ القرآن المجيد بمؤلفات مهمة أهمها كتاباه: «نظم القرآن» و«آي القرآن»، وكلا الكتابين مفقودان، لكنه لحفاوته بهما قد أورد كثيرًا من نصوصهما المقتبسة في كتبه الباقية.
وقد عظَّم ابن الخياط – في «الانتصار» للمعتزلة – شأن كتب الجاحظ، وفي مقدمتها ذكر «نظم القرآن»، فقال: “.. ومن قرأ كتاب عمرو الجاحظ في… نظم القرآن علم أن له في الإسلام غناءً عظيمًا، لم يكن الله – عز وجل – ليضيعه عليه، ولا يعرف كتاب في الاحتجاج لنظم القرآن، وعجيب تأليفه، وأنه حجة لمحمد على نبوته غير كتاب الجاحظ”. وإشارات ابن الخياط تنبه إلى أن الكِتاب في الإعجاز القرآني أو أن الإعجاز بعض متناولاته، وجزء من قضاياه. ولعل الجاحظ في هذا الكتاب قد ربط الإعجاز بالنظم وبخصائص بيانية أخرى يقف النظم في مقدمتها. وفي كتب الجاحظ المتداولة المطبوعة «البيان والتبيين» و«الحيوان» و«الرسائل» الكثير من النصوص المنقولة عن كتبه المفقودة أو المنبهة لبعض ما فيها من حديث عن نظم القرآن، وآي القرآن، وألفاظ القرآن، وفصاحة كلمات القرآن، وبلاغة الكلام، وأسرار أساليب التعبير القرآني من الحذف والذكر، والإيجاز والإطناب، وجمال التصوير، وحسن التشبيه، والكنايات، والاستعارات. وقد تحدث عن ألفاظ القرآن وثراء معانيها ومناسبتها لتلك المعاني، حديثًا يجعلك تتصور الكلمة كائنًا حيًا ذا نفس سائلة؛ بحيث يمكن أن يوصف بالخفة والثقل، والسمو والهبوط، والرقى والنزول، فيقول: “… وقد يستخف الناس ألفاظًا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها؛ ألا ترى أن الله – تبارك وتعالى – لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب، أو في موقع الفقر المدقع، والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة. وكذلك المطر؛ لأنك لا تجد القرآن يلفظ الغيث في موضع الانتقام، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث. ولفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سماوات لم يقل الأرضين، ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين، ولا السمع أسماعًا، والجاري على أفواه العامة غير ذلك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال.. “[17]
الألفاظ والمعاني
وإذا كانت الكلمة تصلح في مكان فقد تفسد في مكان آخر، وقد تدل على معانٍ مشتركة في موقع لتدل على معنى واحد في موقع آخر، وقد تكون في أصل الوضع اللُّغوي لا تدل على معنى مفرد، فيراد لها أن تدل على معان عديدة. والكلمة في تعبير ما تساعد في رسم صورة بيانية معينة، وهي في تعبير آخر تشارك في رسم لوحة مغايرة، وهي في موضع تبدو غنية بالمعاني، وفى موضع آخر تبدو فقيرة متواضعة تعطي المعنى الواحد والمعنيين. ولذلك كانت العرب تتبارى في التعبير عن المعاني الكثيرة بالألفاظ المحدودة المعدودة، فكثرة معاني اللفظ وتنوع دلالاته في السياق الواحد ميدان بلاغة وفصاحة تشرئب إليه أعناق البلغاء وعقول الفصحاء. فاختيار الخطيب أو الشاعر الألفاظ ذات دلالات واسعة بحيث تكون بمثابة دار عامرة فيها غرف مبنية وفضاء وفناء ومرافق ومنافع يتفيؤ القارئ ظلالها، ويستمتع بكل جوانبها – هو أمر- في غاية الأهمية لوصف الكلام «بالبليغ المحكم». وقابلية الألفاظ لذلك تكون أحيانًا بطبيعة الوضع اللغوي كما في الألفاظ التي عرفت «بالمشتركة»، وأحيانًا بطبيعة النظم والتركيب والسياق، أو الهيئة التي رُكِّب الكلام عليها. فالمعاني أعم من أن تكون الدلالة عليها بالبناء اللفظي وحده، أو أن تكون مفهومة بالفحوى، والمفهوم بأنواعه، أو مما يستلزمه اللفظ ويستدعيه بطريقة عقلية، أو يرمز إليه رمزًا، ويشير إليه إشارة بلحن الخطاب وإشارته، انطلاقًا من المفردات أو من التركيب أو السياق أو الأسلوب.
وأيًا ما يكون الأمر، فإن قدرة المتكلم على إثراء معاني أقواله يتوقف على قدرة فائقة على اختيار الألفاظ، ومهارة في تركيب الجمل، وبناء الأساليب، ودربة كبيرة على صياغة التراكيب، وحسّ شفاف بالتناسب، وملَكَة في حسن التنسيق بين الجمل ونَظْمها، وعلم بما يريد إيصاله إلى المخاطب، ووعي بالأفكار التي يهدف إقرارها في نفسه، والصور التي يريد رسمها في ذهنه، والدواعي والدوافع التي يريد غرسها في عقله ووجدانه. فلا غرابة أن يقول تبارك وتعالى في كتابه العزيز: (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: ١].
وقد خصّ ابن قتيبة ذلك في كتابه القيّم «تأويل مشكل القرآن» بجملة فصول كرّسها لبيان مزايا مفردات القرآن؛ ففي (باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة) تناول ألفاظ: الأمة، والدين، والعهد، والهدى، والضلال، والظلم….، ومفاهيم قرآنية كثيرة أخرى، تناولها فيما يزيد عن خمسة وأربعين صفحة كانت بمثابة مشروع معجم لمفاهيم القرآن أو مصطلحاته أو مفرداته. وقد يكون الراغب الأصفهاني – الذي جاء بعده بما يزيد على قرنين من الزمن- قد استفاد فكرة كتابه الفريد «المفردات» من فعل ابن قتيبة ذلك. ولكن ابن قتيبة وأستاذه الجاحظ، وأستاذ الجاحظ النظّام كانت قصارى جهودهم أن يثبتوا أن القرآن المجيد نزل بأساليب العرب، وحاكى أوجه كلامهم وإعرابهم عما يريدونه، وتفوّق عليها وجاوزها بمراحل. ويمكننا القول بأننا إذ نسلم بأن القرآن جاء بأساليب العرب في كلامها، لكنه قد استوعب تلك الأساليب وتجاوزها.
ولقد كتب الجاحظ عن نظْم القرآن ما جعله موضوعًا لقضية الإعجاز. واقتفاه أبو بكر بن أبى داود السجستاني، وأبو زيد المبلجي (۳۲۲هـ)، وأبو بكر بن الإخشيد (٣٢٦هـ)، وكل هؤلاء قد تحدثوا عن هذه القضية: قضية الإعجاز في كتب حملت عنوان «نظم القرآن»؛ وهو العنوان الذي أسس له الجاحظ. حتى جاء أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي (٣٠٦ هـ) فعالج هذه المسألة تحت عنوان: «إعــجــاز القرآن»، ومنذ ذلك الحين وأكثر المؤلفين في هذا الموضوع جعلوا عنوانهم المفضل «إعجاز القرآن»؛ فقد ارتضاه الرماني (٣٨٦هـ) والخطابي (۳۸۸هـ) والباقلاني (٤٠٣ هـ) وكثير غيرهم[18].
الوحدة البنائية ونظرية النظم عند الجرجاني
عبد القاهر الجرجاني يُعد المتربع على القمة في الدراسات البلاغية من غير منازع. ومنذ بدأنا دراساتنا النقلية في مدارس المساجد واسم عبد القاهر الجرجاني والبلاغة يستدعي كل منهما الآخر، كما يستدعي المنطق اسم أرسطو، واسم أرسطو المنطق، وكما يستدعي اسم الإمام الشافعي أصول الفقه، واسم الأصول اسم الشافعي. ودراسات الجرجاني دراسات عالم متكلّم أشعري فيلسوف نحوي، وبتلك العقلية اكتشف أن علم النحو قد انحرف المشتغلون به حين قصَروا دوره على أواخر الكلِم، وجعلوا موضوعه ذلك وحده. في حين أن عبد القاهر كان يرى أن مهمة علم النحو الأولى أن يؤدى بمَن يمهر فيه إلى المعرفة الصحيحة بتركيب الجمل، وبناء أساليب الكلام، وترابط المعاني، وأن فائدته الأساس تبرز في تمكين الكاتب من الإتيان بالتعبير المُحْكم المتماسك من غير ضعف أو تفكك، وأن العناية بأواخر الكلم وضبطها بالإعراب والبناء بأنواعهما هي وسيلة من الوسائل المهمة لتحقيق ذلك[19].
لكن الأصل هو أن يكون «النحو» وسيلة للكشف عن إعجاز النظم القرآني؛ ذلك أن عبد القاهر قد قام باستقراء لكل ما كان معروفًا في عصره من وجوه أو دلائل – كما سماها – تصلح أن تكون موضع الإعجاز في القرآن، فذكر كل وجه يحتمل أن يكون له دور في الإعجاز، وناقشه وعقَّب عليه؛ ليمارس عملية «سبر وتقسيم» في تلك الدلائل، «فبدأ يتساءل عن الكلمات المفردة في القرآن: هل يكمن فيها سر الإعجاز؟»[20]، ثم حذف ذلك بعد أن قرَّر أن الكلمات ملك مشاع للناس كافة، لا يعجز أحد عن أن يأتي بمثلها، فمن المحال أن تكون هذه الكلمات المفردات موضع السر لهذا الإعجاز[21].
ثم انتقل إلى تركيب الحركات والسكنات في الجمل القرآنية، ونفى أن يكون لذلك أثر كبير في هذا الإعجاز[22]. وقد سخر الجرجاني سُخرية مُرّة ممن قال ذلك؛ إذ قال فيمن جعل المفردات مجال الإعجاز: «فلو كان هناك شيء أبعد من المحال لكانت هذه الكلمات بمعانيها موضع السر لهذا الإعجاز». وقد كانت سخريته أكبر وأمرّ فيمن رأى أن سر الإعجاز يكمن في الحركات والسكنات، فقد قال فيمن جعل سر الإعجاز في الحركات والسكنات في الجمل القرآنية: إن مسيلمة وغيره قد تعاطوا ذلك في بعض ما عارضوا به القرآن فما انتهوا إلى شيء.. »[23].
ثم تناول المقاطع والفواصل في الآيات، فبيّن أن الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر، وقد قدر العرب على روائع القصيد دون أن يستطيعوا الإتيان بسورة من مثل القرآن. فإذا لم تكن الفواصل والمقاطع سر الإعجاز فلن تكون أيضًا الاستعارة والمجاز؛ لأن الاستعارة لا تشمل جميع الآيات، والقرآن معجز جميعه. ثم بلغ غايته حين بلغ مرحلة القول بـ«النظم وكاد يحصر سر الإعجاز فيه، قال: «وكما يُفتح لك الطريق إلى المطلوب لتسلكه، وتوضع لك القاعدة لتبنى عليه.. وجدت المعوّل على أن ها هنا نظمًا وترتيبًا، وتأليفًا وتركيبًا، وصياغة وتصورًا، ونسجًا وتحبيرًا»[24].
والرجل لا يترك الأمر عائمًا، بل يبيّن لنا مراده بـ «النظْم» بشكل دقيق: «ثبت الآن أن لا شك ولا مزيّة في أن ليس النظم شيئًا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم. ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه، وموضعه ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها، غار نفسه بالكاذب من الطمع، ومسلّم لها إلى الخدع، وأنه إن أبى أن يكون فيها كان قد أبي أن يكون القرآن معجزًا بنظمه، ولزمه أن يثبت شيئًا آخر يكون معجزًا به، وأن يلحق بأصحاب «الصرفة»، فيدفع الإعجاز من أصله»[25].
لقد حمل الجرجاني بشدة على أولئك الذين اهتموا بالألفاظ ونسبوا الإعجاز إليها في مواضع كثيرة من كتابه. «فالألفاظ عنده خدم المعاني، وتابعة لها، ولاحقة بها. وأن العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق»[26]. فـ «الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي الفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلمات مفردة؛ لأن التفاضل من حيز المعاني، دون الألفاظ. وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك، وتستعين بفكرك، وتُعمِل رويّتك، وتراجع عقلك، وتستجد في الجملة فهمك»[27].
ويزيد في بيان مراده بـ«النظم» فيقول: «لما كانت المعاني إنما تتبين بالألفاظ وكان لا سبيل للمرتِّب لها، الجامع شملها، إلى أن يعلمك ما صنع في ترتيبها بفكره إلا بترتيب الألفاظ في نطقه، تجوّزوا فكنّوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالألفاظ بحذف الترتيب، ثم أتبعوا ذلك من الوصف والنعت ما أبان الغرض، وكشف عن المراد، كقولهم: (لفظ متمكن) يريدون: أنه بموافقة معناه لمعنى ما يليه [صار] كالشيء الحاصل في مكان صالح يطمئن إليه. و(لفظ قلق ناب) يريدون: أن معناه غير موافق لما يليه [فصار] كالحاصل في مكان لا يصلح له، فهو لا يستطيع الطمأنينة فيه، إلى سائر ما يجيء صفة في صفة اللفظ»، وساق هناك أمثلة ونماذج كثيرة، وتحليلًا وافيًا لدقائق بلاغية رائعة[28].
مسيرة النظم والوحدة البنائية
لقد كان المفهوم العام لدلالة النظم القرآني على الإعجاز في الأجيال الأولى التي منّ الله – تعالى- عليها بأن تكون في جيل التلقي ثم جيل الرواية، معنى قائمًا في العقول والقلوب والنفوس، لم يُتداول بحيث يتم إنضاجه ووضعه في إطار المصطلحات والمفاهيم الفنية – شأنه شأن سائر الأمور المعرفية الكبرى- حتى جاء الجاحظ ليقع على مفهوم «النظم»، ويكتب رسالة في «النظم القرآني» لم تصل إلينا، ولكن ضمَّن بعض كتبه الأخرى المتداولة شذرات منها، وبعض الإشارات إليها. وتتابعت بعد ذلك الجهود لتبدو ناضجة سوية على عهد عبد القاهر في كتابيه التأسيسيين: «الدلائل» و«الأسرار». وإذا كان عبد القاهر لم ينص على مفهوم «الوحدة البنائية» فإن جهوده في بناء «نظرية النظم» قد شقت الطريق إليها، وأعطى كثيرًا من الدلائل الدالة عليها، وقدم المعالم الموصلة إليها، ولحكمة الرجل وبُعد نظره أطلق على كتابه المفصل لنظرية النظم اسم «دلائل الإعجاز»؛ فهي في نظره «دلائل» على أوجه الإعجاز، كما أكد الشيخ محمد الفاضل بن عاشور[29].
يمكن القول إذن أن «وحدة القرآن البنائية» وأنه كله كالسورة الواحدة كانت أمرًا معروفًا ومتداولًا في القرن الخامس الهجري، وأنها كانت بحيث يستفاد بها في التفسير والتأويل، وتوجيه بعض النصوص. وأن الحديث عنها لا ينحصر في دائرة بيان فضائل القرآن فحسب، بل هي مدخل منهاجي في التفسير والتأويل، وتوجيه النصوص التي تثار حولها إشكالات لغوية ونحوية. هذا، علمًا بأن هذا المنهج القائم على النظر إلى القرآن في وحدته هو ما علَّمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كل ما أثير من أسئلة واستشكالات في عهده، والتي عرفت بعد ذلك بـ «تفسير القرآن بالقرآن».
وعلوم القرآن – مثل غيرها من علومنا ومعارفنا الإسلامية – أصابها التوقف بعد تلك المرحلة، فلم تأخذ مداها واستمراريتها التي كان من الممكن أن تمنحها الامتداد والتوسع، واستيعاب العصور اللاحقة كما استوعبت ما سبقها. و«الوحدة البنائية» للقرآن المجيد لو أتيح لها مَن يبلورها في تلك المرحلة، وما يمكن أن تنعكس عليه من أمور لفتحت من العلم الإسلامي أبوابًا كثيرة، وعادت عليه وعلى علوم القرآن – خاصة- بفوائد منهاجية جليلة، ولحسَمت كثيرًا من الغبش الذي دار حول التنزيل، وأصلحت كثيرًا من الخلل.
فما يستقيم مع القول بالوحدة البنائية التسليم بأي نوع من أنواع «النسخ» لمناقضته للوحدة البنائية، ولا يقبل القول بوجود أو جواز وقوع تعارض عقلي أو واقعي بين نصوص الوحي بحيث تستدعي استخدام أسلحة الترجيح. لو أُخذت الوحدة البنائية للقرآن مأخذ جد لما كانت علوم التفسير واتجاهاته أخذت الأشكال التي ورثناها على ما فيها، ولما أصاب العقل المسلم الكسل عن التدبر والتعقل والتفكر والترتيل والتلاوة حق التلاوة، ولما سقط هذا العقل في دركات الهجر للقرآن ليشابه أولئك الذين حُمِّلوا التوراة فلم يحملوها حق حملها، ولأدرك أنه قد حُمّل القرآن، وأنه مسئول عن حسن حمله، والتمسك به. ولكن قدّر الله وما شاء فعل، والعلم أرزاق للأجيال مقدّرة كالأقوات ينزلها الله – تعالى – للبشر بقدر.
علومنا بعد القرن الخامس الهجري
إن نهاية القرن الخامس الهجري قد آذنت بانحدار العلوم العربية والدراسات الإسلامية إلى درك التقليد والترديد؛ فاختفت لوامع الابتكار، وتوقفت بوارق الإبداع، وأفلت شمس الاجتهاد، وصار قصارى جهد الخالف أن يعيد ويردد ما تركه السالف.
إن «نظرية الوحدة البنائية نظرية لا تقل أهمية وخطورة عن نظرية النظم، وهما – أعنى نظرية الوحدة البنائية، ونظرية النظم – يشكلان حجر الزاوية في المنظومة الداخلية التي أودعها الله هذا الكتاب لحفظه وجمعه من داخل، وعصمته من أي تغيير أو تحريف أو إضاعة أو نسيان. وأما الوسائل الخارجية من حفظ في الصدور وفي السطور وكتابة وما إليها، فإنها وسائل معضِّدة معزِّزة تقدم مزيدًا من وسائل الحفظ والتوثيق.
وقد انفرد القرآن المجيد من بين سائر الكتب المنزَّلة بهذه الخصوصية، فالكتب السابقة استُحفظ عليها أهلها من ربانيين وأحبار بعد أنبيائها 🙁بِمَا اسْتَحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شهداء) [المائدة: ٤٤]، فما حفظوها حق حفظها. فدخلها التحريف والحذف والإضافات، واعترتها عوامل الضياع والزيادة والنقصان مع أنها كانت ـ حين أُنزلت ـ هدى ونورًا، وفيها حكم الله – تعالى- ربما كان ذلك لاختصاصها بمن أنزلت إليهم ولتتابع النبوات. واختلف الأمر بالنسبة للقرآن، فهو رسالة الله إلى العالم كله، وبه خُتمت الرسالات فلا كتاب بعده ينزل، وبرسول الله محمد – صلى الله عليه وآله وسلم- خُتمت النبوة كلها؛ فلا نبيّ بعده.
وقد يكون ذلك لأنه الكتاب الوحيد الذي ضم بين دفتيه رسالة الله – تعالى – إلى البشرية كافة، وفى إطارها الكامل من لدن آدم ونوح وإبراهيم حتى محمد، عليهم الصلاة والسلام؛ فكان مصدِّقًا وكان مهيمنًا، وكان معصومًا بحفظ إلهي من داخله ومن خارجه، ليتم – صلى الله عليه وآله وسلم – مهمته في تلقي القرآن الحكيم، وتبليغ آياته، وإتمام رسالته، واتباع ما أُنزل إليه من وحي حتى تمامه بإكمال الدين، وترك الناس على المحجة البيضاء، وترك هذا القرآن فيهم نبيًا دائمًا ورسولًا مقيمًا إلى يوم الدين.
آثار “الوحدة البنائية”:
للوحدة البنائية باعتبارها محددًا منهاجيًا من محددات منهجية القرآن آثار على جانب كبير من الأهمية على سائر العلوم والمعارف النقلية. وحين يجري توظيفها بشكل منهجي دقيق فإنها سوف تقدم للمنشغلين بهذه العلوم والمعارف وسيلة من أكثر الوسائل فاعلية في مراجعة ونقد التراث الإسلامي كله؛ وفى مقدمتها ما يعرف بعلوم المقاصد وهي: التوحيد – أو الكلام – والتفسير، وأصول الفقه، وعلوم الحديث، والفقه.
وفى هذه الفقرة من البحث سنحاول تقديم أمثلة ونماذج وجيزة تمثل إشارات لتلك المراجعات، القائمة على إدراك الوحدة البنائية لعلها تكون معالم تُعين الباحثين على مواصلة تلك المراجعات لتنقية التراث وتصحيح المسار.
التوحيد والوحدة البنائية
علم التوحيد الذي صار يعرف بـ«علم الكلام» كانت مهمته الأولى أن يهتم ببيان حقائق الإيمان – كما جاء القرآن المجيد بها ـ وأركانه ودقائقه، وكيف يجمع بين الإيمان والعمل، وتعليم المؤمن كيف يصون هذا الإيمان، ويجعله راسخًا يقينيًا على الدوام، ويقيم على أساس منه متين تصوره بسائر مقومات الإيمان وخصائصه، ويؤسس على قواعد الإيمان رؤيته الكلية وفرقانه: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانَا وَيُكَّفِرْ عنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الأنفال: ٢٩]. فالإيمان هو القاعدة والمنطلق الذي يفرق به بين الخير والشر، والحق والباطل، في كل شأن.
كما يفترض لهذا العلم أن يحرس أركان العقيدة القرآنية من أن يتسرب إليها ما ليس منها من تراث الأولين أو ما إليه، فتتحول إلى إطار مفتوح يدخله اليقينيّ، وما ليس بيقينىّ فتَخْفت أنوارها، ويضعف تأثيرها، وتفقد فاعليتها؛ ذلك لأن للعقيدة الفاعلة المؤثرة خصائص عديدة في مقدمتها أن تكون أركانها قطعية لا يتطرق الظن أو الاحتمال إلى شيء منها، وأن تكون محدودة جدًا وواضحة جدًا، وفى متناول الجميع مهما اختلفت مستوياتهم وقدراتهم على الاستيعاب. وفى الوقت نفسه لا بد لها أن تكون عامة شاملة قادرة على الإجابة عن جميع الأسئلة أو ما يطلق عليها «الأسئلة النهائية»[30]، أو ما أطلق عليه الفلاسفة الأوائل «العقدة الكبرى»؛ ذلك لأن الإجابات الشافية عن هذه الأسئلة هي التي تحرر وجدان الإنسان وعقله ونفسه من سائر أنواع الحيرة والضغوط التي تعيق حركته، وتقيّد إرادته، وتشل فاعليته وتجعله تائهًا في غابات متشابكة من الأفكار والرؤى والمعضلات والتفسيرات.
كما أن من شأن العقيدة الفاعلة أن تقدم حلولًا، لا أن تفرز مشكلات. ولقد كان هذا شأن القرآن حين قدم للبشرية الإيمان، ودعاها إلى التوحيد. لقد استعمل القرآن المجيد لتأييد دعواه تلك مجموعة من الأدلة التي يفهمها الناس على اختلاف مستوياتهم في الفهم والإدراك والثقافة والخبرة والتجربة، وهي أدلة تستفز سائر قوى الوعي والإدراك في الإنسان وفي مقدمتها «دليل الخلق» ثم «دليل العناية» ثم «دليل الإبداع» و«دليل التمانع»، وما إلى ذلك من أدلة تزخر آيات الكتاب الكريم بها. وكان القرآن يقدم دعاواه، ويقدم الأدلة على صدقها، ويتحدى المخاطبين أن يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى أي من هذه الأدلة بمعاول هدم أو معارضة أو ممانعة. فإذا فرغ من ذلك، وجرَّد معارضيه من أسلحتهم، ذكر شبهاتهم وحرَّرها بأقوى ما عُرضت به من أساليب، ثم كرَّ عليها لتفنيدها بأساليب لا تُبقي لها أثرًا يذكر؛ بل إن طريقة عرضها، ثم تفنيدها تصب على الدوام في صالح القرآن المجيد؛ لأن المعارض ينبهر بطريقة القرآن في الإحاطة بكل ما صدر عنه، أو حاك في نفسه، أو زوره في خاطره، ويأتي جواب القرآن بأساليبه المتنوعة ليجد المعارض نفسه في حالة اندهاش تام، بحيث لا يملك إلا الانقطاع أو الاستسلام أو الانسحاب بهدوء مذمومًا مخذولًا. فإذا حاول بعد ذلك أن يداري هزيمته بشكل أو بآخر فإنه لن يجد إلا الشغب الصريح الذي يتحول إلى سلاح ضده لا له.
فلما انتهى جيل التلقي، وبدأت نحل وملل تظهر بأسماء لم يألفْها القوم بعد ظنوها نحلًا جديدة، تطرح شبهات محدثة، وما هي بمحدثة. ولو تدبر الناس القرآن الكريم لوجدوه قد ناقش ذلك كله وفنده، وقال في سائر تلك النحل بما فيها النحل المعاصرة كلمته، وحسم أمرها.
ولكن القوم ظنوا أنها لحداثتها تحتاج إلى أساليب وفنون أخرى لمناقشتها وتفنيدها وحماية العقائد الإسلامية من أضرارها وأخطارها، فتطور «علم التوحيد القرآني» إلى «علم الكلام»، وصار يُعنَى بالمنطق اليوناني ووسائله لبناء التصورات والتصديقات، وطرائقه في إقامة البراهين، ويُعنى بالفلسفة اليونانية كذلك بمدارسها المختلفة ليواجه بها تلك الشبهات، فآل «علم التوحيد» إلى «علم كلام» مهمته إيراد الشبهات المختلفة ومناقشتها بأساليب الفلسفة وطرائق المنطق؛ باعتبار أن الخصم لا يؤمن بالقرآن فلا يمكن إقامة الحجة على الخصم بما لا يؤمن به، ولا يلتزم بمقولاته. ولم يلتفت جل علماء الكلام إلى أن الفلسفة اليونانية وغيرها من الفلسفات لم تحسم أية قضية من القضايا المثارة، وبقيت تلك المسائل في دائرة الثنائيات المتصارعة حتى يومنا هذا.
كما أن فريقًا منهم ظنوا أن الجدل في «قضايا الغيب وعالم الأمر» التي تشكل جوهر القضايا الكلامية قد لا يختلف كثيرًا عن الجدل في القضايا الفقهية فلم يجدوا حرجًا في استعمال الأساليب ذاتها في تلك القضايا الخطيرة التي حسمها القرآن كلها وبلغ بها الغاية، وأوصل المهتدين بها إلى برد اليقين. ولعل هؤلاء ومن إليهم، هم الذين عناهم الإمام الشافعي بقوله: «لا تتجادلوا في الكلام؛ فإنكم إن تجادلتم في الكلام كفَّر بعضكم بعضًا، فإن كنتم لا بد فاعلين فتجادلوا في الفقه، فإن قصارى ما تبلغونه أن يخطئ بعضكم بعضا».
لكن الكثيرين قد استمرئوا ذلك الجدل، فإذا بكل تلك اليقينيات القرآنية تصبح مادة جديدة للجدل، دون استثناء، وتحولت موضوعات الفلسفة اليونانية والمقولات الإنسانية المندثرة إلى هذا العلم الجديد، وفي مقدمتها ما يتعلق بالذات الإلهية، والصفات العلية، وحقائق النبوات والجبر والقدر، ومصادر الفعل الإنساني، بل حقيقة الفعل الإنساني: ما إذا كان فاعله الحقيقي هو الله تعالى، والإنسان مجرد مظهر وشكل يقع الفعل منه ظاهرًا، في حين أنه لا فعل له في الحقيقة والواقع، أو أنه هو المنشئ لفعله؟ كما اختلفوا في الأسباب والعلل: أهي أسباب على سبيل الحقيقة أم هي مجرد أشكال ظاهرة لا تأثير لها، والمؤثر الحقيقي يختفي وراءها؟ وقعوا في الخلط بين المشيئة الإلهية والمشيئة الإنسانية، وبين الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية.
وهكذا فكك علم الكلام الأمة التي بناها القرآن المجيد ليجعل منها فِرقًا وشيعًا وأحزابًا، واستُعملت الأحاديث الموضوعة والضعيفة مثل حديث «افتراق الأمة» للتأصيل لتلك الأحوال الشاذة، فرَوت الفرق كلها حديث افتراق الأمة وتداولته حتى منحته شهرة لا يستحقها؛ لأن كل فرقة وجدت فيه ضالتها لتستدل به على أنها الفرقة الناجية والأمة كلها هالكة، والحديث ضعيف لا يمكن العثور له على سند صحيح، ولكن المنشغلين بهذه الأمور أقاموا على ذلك الحديث (الذي لا يصمد له متن ولا سند أمام معاول النقد العلمي الدقيق، ووفق قواعد المحدثين أنفسهم)،علمًا قائمًا بذاته سموه «علم الملل والنحل» مازالت الكليات والجامعات المعنية بالعلوم والمعارف النقلية تقيم له الأقسام، وتمنح دارسيه الذين يتلقونه بالقبول شهادات الماجستير والدكتوراه والأستاذية .
وكل قضايا «الكلام والملل والنحل» يقتطع المتناحرون فيها آيات من كتاب الله – تعالى- عن سياقاتها، ويبترونها من نظمها ووحدتها ونسقها ليجعلوا منها موضع شاهد فقط لما يذهبون إليه، ولا يعدم كل فريق وسيلة لحملها على ما يريد، وتفسيرها بما يجعلها شاهدًا ملائمًا لمذهبه، مؤيدًا لوجهة نظره. وما أُنزل القرآن العظيم ليُتخذ شواهد لمقولات القائلين؛ ولذلك شاعت تلك المقولة الخطيرة ورددها المرددون – وهي: “أن القرآن حمال أوجه”، ونسبوا ذلك إلى الإمام علي – كرم الله وجهه، ورضي عنه- وما كان لمثله أن يقول ذلك. وعنه رُويَ حديث القرآن باعتباره المخرج من الفتن كما أخرجه الترمذي وغيره. كما أشيعت مقولة أخرى؛ هي: أن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية[31]؛ ليسوغوا لأنفسهم وضع مرجعيات أخرى إلى جانب القرآن المجيد. ففي مجال الكلام أعطوا لـ«المنطق» سلطة غير عادية حتى سماه الغزالي «معيار العلم» و «القسطاس المستقيم»، وصرح بأن من لا يتقنه لا يُعتد بعلومه. وكتابا الغزالي بهذين العنوانين مطبوعات متداولان.
كل ذلك وكثير غيره – مما يحتاج تتبعه وبيانه إلى دراسات مفردة مستقلة – قد حدث لأن هذا النوع من المعرفة ما كان ينبغي أن يؤخذ من غير القرآن في وحدته، لا في تعضيته وتقطيعه.
فإذا أردنا التخلص من بعض هذا التراث المصاب، وتنقية ما يبقى منه، وتطهيره مما علق به وتخليص العقل المسلم والوجدان المسلم من تلك الآثار الخطيرة فلا نجاة لنا إلا بعرضه كاملًا على القرآن في وحدته البنائية، ومراجعته ونقده والتصديق عليه في نور القرآن المجيد وهدايته، وإعادة بناء التوحيد والإيمان على القرآن، ويومئذ يفرح المؤمنون بالخروج من حالات التمزق والاحتراب إلى حالة الألفة التي كان القرآن قد أوصلهم إليها: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بنعمته إخوانا) [آل عمران: ۱۰۳].
هذا الذي أجملناه هنا يمكن لأساتذة علوم العقيدة وطلبتها وأقسامها أن يفصلوه في بحوث ودراسات تكشف عن تلك الإصابات الخطيرة التي تجعل الباحث يَعْجَب كيف استطاعت هذه الأمة أن تعيش كل هذا الزمن الطويل رغم إصابتها بكل تلك الأمراض الخطيرة؟! إنه لا يغنى عن الأمة شيئًا أن ينشغل أساتذة هذه الأقسام وطلابها بتحقيق المخطوطات، وتوكيد تلك المقولات وبعثها وإحيائها وهم يعلمون أنها لو كان فيها خير لنهضت بالأمة من قبل، ولما كان حال الأمة هذا الذي هي عليه اليوم. إن هذه الأقسام مطالبة أكثر من غيرها بعمليات المراجعة لذلك التراث كله وعرضه على هداية القرآن الكريم الموحد للتصديق عليه بالقرآن والهيمنة عليه به، وإنقاذ الأمة وتطهير عقولها وقلوبها من إصاباته.
التفسير والوحدة البنائية
فإذا انتقلنا إلى التفسير وما يمكن للوحدة البنائية أن تحدثه فيه، فسنجد أنها سوف تدخل عليه تغييرات جوهرية. فالتفسير يُعدّ أول المعارف الإسلامية حيث بدأ بعض الصحابة يمارسونه في عهد رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وقد سنّ رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – لهم في ذلك حين كان يفسر لهم القرآن بالقرآن ذاته، أو يقوم بتنفيذ وتطبيق ما يوحى إليه ليبين لهم.
وقد كان ينبغي أن يتخذ ما قدمه رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – منهاجًا لا يحيد المفسرون عنه، بل يبنون عليه، وإذا كان لا بد من إضافة شيء فليكن من القرآن ذاته، أو ينبغي أن يُربط بالقرآن الكريم ربطًا مُحْكَمًا. فسائر القضايا اللُّغوية كان ينبغي أن يكون الحكم فيها للقرآن ذاته ولغته وأساليبه، فلا يفسر القرآن بدواوين الجاهلية، ولا بتراث بنى إسرائيل، ولا بلغة البدو، بل تكون لغته هي المهيمنة على اللغة العربية، وتكون اللغة العربية تابعة للغته؛ يبني لسان القرآن قواعدها كلها انطلاقًا من لغته. ومن الطريف أن نذكر نموذجًا يوضح ما حدث. لقد وضعوا أحكام النحو والتصريف والاشتقاق وغيرها وفقًا للغة العرب، بل إن معاني الكلمات والعبارات قد حُددت وفقًا لمراد العرب بها، فهذه الكلمة يحدد معناها العرف القرشي، وتلك يحدد معناها لسان بنى تميم وتلك لهجة هذيل… إلخ. ولو أن لغة القرآن الكريم كانت مثل لغات هذه القبائل مبنى ومعنى، فأين هو الإعجاز؟ ولِم انبهروا به، وكيف أدركوا تفوقه وعجزوا عن الاستجابة لتحديه المتكرر؟ إن الاتفاق في المباني، واستيعاب المعاني وتجاوزها، والسمو بها إلى تلك الآفاق التي جعلت من مفردات القرآن مفاهيم تتجاوز كل ما تعارفوا عليه في لغتهم ذات المعاني المحدودة محدودية آفاق فكر العربي آنذاك والبسيطة بساطة حياته وبيئته، هى التي جعلتهم يجدون في آيات القرآن أمورًا لم يألفوها، ومعاني لم تخطر لهم قبل نزول القرآن على بال، ولذلك قالوا في البداية: إنَّه شعر، ثم قالوا: إنه سحر، ثم قالوا: إنه شيء يفوق طاقاتنا، ويُستغرب أن يأتي على لسان واحد منا، فهو إما كلام كُهّان أو سحرة، أو تنزلت به الشياطين أو أنها من تعليم بشرمن غيرنا…
والله – تبارك وتعالى – قال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبين لهم) [إبراهيم: ٤]، فلو كان القرآن نازلًا بلغات العرب – كما هي حقيقتها – مبنى ومعنى لما احتاجوا إلى بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
إن العرب قد رأت في الكتاب الكريم مثل ما رأته في رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلَّم – فهو منهم يعرفون نسبه وحياته وأسرته وسائر التفاصيل المتعلقة بذلك، ولكن انفصاله عنهم فيما يستحيل عليهم أن ينالوه بكسبهم البشري؛ وهو النبوة والرسالة وتلقي الوحي عن الله ـ تعالى – سبَّب لهم الصدمة، ودفعهم إلى كل تلك التساؤلات والحيرة حتى أدرك مَن آمن منهم إمكان ذلك، فآمنوا بأنه بشر رسول. وهكذا صار القرآن بالنسب عربيّ اللغة، ولكنه وحي إلهي وكلماته تجمع بين سمات اللغة ومضامين الوحي. بل إن الوحي قد أعاد إنتاجها – إن صح التعبير- فالكلمة المستعملة فيه لم تعد كلمة قريش أو تميم أو هوازن أو هذيل، بل هي كلمة الله – تعالى-. ولذلك فإنَّنا نستطيع أن نجد أمثلة كثيرة جدًا لمفردات استعملها القرآن، وطوَّر معانيها، وفتح الكلمة على آفاق من المعاني ما كانت معروفة أو مستعملة لدى العرب.
وهذا لا يعني إحداث قطيعة بين لسان القرآن واللسان العربي، فالنص على عربيّة القرآن لا يحتمل التأويل، إن المراد أن يعرف تفوق لسان القرآن على اللسان العربي المألوف. كما لا يعني ذلك أن نهمل سائر المعاني اللُّغوية التي كانت متداولة أو معروفة وقت النزول، بل علينا أن ندرك كيف كانت تلك المعاني بسيطة ساذجة معبرة عن مستوى فكر العربي في تلك المرحلة، فجاء القرآن ليشحنها بمعانٍ لم تكن معهودة من قبل، ولا تندرج تلك المعاني تحت الفكر الإنساني وقدراته.
فكل الكلمات الشرعية مثل: «الإيمان والصلاة والزكاة والصيام والحج، والكفر والشرك والنفاق…، وما إليها»، كانت لها معان بسيطة في الاستعمال العربي الجاهلي، فقام القرآن بتنقيتها وشحنها بالمعاني التي أراد لها أن تحملها وتشتمل عليها، فتطويع تلك الكلمات لكل تلك المعاني بعض من أوجه إعجاز القرآن الكريم.
الحقيقة والمجاز
ولم تكن قضية «الحقيقة والمجاز»، بأن يقال: الإيمان – مثلًا – حقيقة في التصديق، مجاز في كذا، حلًا ملائمًا لهذا الاختلاف، ولا القول بأنها في المعنى الفلاني حقيقة لغوية، وفى المعنى الفلاني حقيقة شرعية، فهذا لا يُشكل حلًا لهذا الأمر. بل كانت الكلمة كلمة بسيطة المعنى في استعمال أهلها، فأعطاها القرآن المعاني التى أراد مُنزل القرآن – سبحانه – أن تحملها، وتتسع لها؛ وبالتالي فإن الصلة بينها وبين المعنى اللغوي تصبح صلة محكومة بالمعاني القرآنية التي حملتها المفردة بعد انضمامها إلى أسرة مفرداته.
الكلمة العربية مثل كائن حي حين نلاحظه وحده فإننا نجده بمثابة عضو أو عنصر يبحث عن كيان ينضم إليه، ليكون جسمًا أو معنى أو شيئًا مذكورًا يمكنه أن يؤدي في الحياة دورًا ما. فالحمأ المسنون قبل تسوية الله – تعالى – له ونفخه فيه من روحه لم يكن شيئًا مذكورًا، لكنه بعد ذلك صار بشرًا سويًا، فالكلمة – بحد ذاتها – هي كعضو لا يكتسب صفته ولا يؤدى دوره إلا إذا انضم إلى الجملة، واتخذ موقعه منها، وبذلك يُعرف، وتُحدد هويته. وفي الاستعمال القرآني تتحول الكلمة إلى مفهوم خالد. وقد حالف البلاغيين التوفيق حين أطلقوا على أركان الجملة: مسندًا ومسندًا إليه. أما الركن الخفي الذي يربط بين المسند والمسند إليه فقد سموه بالإسناد؛ والإسناد هو الذى يحمل المسئولية كاملة عن ضم المسند والمسند إليه في جملة فيحكم عليه أو له، ويحاسب عندما يبدو أي عيب من العيوب في الجملة يُخلّ بتركيبها أو بمعناها أو بفصاحتها أو ببلاغتها. ويستوعب الإسناد ويتجاوزه – في لسان القرآن – «النظم».
ويبدو أن المناطقة لاحظوا ما لاحظه البلاغيون – أيضًا بطريقتهم – والتفتوا إليه فأطلقوا على ركنىّ الجملة أو القضية: «محكومًا» بدلًا من مسند، و «محكومًا عليه» بدلًا من مسند إليه، و«حكم»؛ وهو ما يقابل الإسناد عند البلاغيين. فكلا الركنين: «المحكوم» و«المحكوم عليه» خاضعان للحكم، وكل منهما موضع تأثيره، وهو في الوقت نفسه قائم عليهما.
أما آيات القرآن المجيد فهى جمل وعبارات تشكل نجومًا يمثل النجم أو الآية منها وحدة صغرى، وحين يتم تسوير مجموعة من النجوم أو الآيات بسور تتكون «السورة»، وذلك يعنى أن وحدة كبيرة قد تشكلت من هذه الوحدات الصغرى. والقرآن الذى ضم بين دفتيه تلك الوحدات الكبيرة – السور- يشكل الوحدة الكبرى والإعجاز القرآني، والسياق والتناسب والترابط، والنظم ووحدة الهدف والمقصد والغاية، ووحدانية المخاطب، وواحدية المتلقي ووحدة المخاطب. كل ذلك وكثير غيره يجعل القرآن كله كآية واحدة، ويجعل من الآية الواحدة ممثلًا لجملة القرآن المجيد ونموذجًا له. فإذا ذُكرت الآية ذُكر القرآن، وذِكر القرآن يستدعي آياته وسوره والمعاني الغزيرة التي اشتمل القرآن الكريم عليها حتى صار تبيانًا لكل شيء، ومعادلًا للكون وحركته؛ بحيث يستوعب هذه الحركة ويتجاوزها؛ فيمنح الإنسان القدرة – بالجمع بين القراءتين -على الإحاطة بها، واستيعابها وتجاوزها. وهذه الطاقة اللغوية قد جاءت والله أعلم – من ذلك التركيب المعجز، والبناء المحكم للقرآن العزيز بآياته وسوره: (الر كتابٌ أُحكُمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: ١]، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْم اللَّهِ) [هود: ١٤]
الإمكانات المعجزة للنص
ولذلك كان القرآن المجيد معبرًا عما يقصد ويستهدف بنَظمه وأسلوبه وسياقه ومواقع كلماته من آياته ومواقع آياته من سوره، و مواقع سوره منه، وهكذا يتضافر كله على تحقيق ما هو مطلوب به. ولغة القرآن المجيد – وإن كانت عربية – بَيْد أنها فوق أي نوع من أنواعها، فالأصوليون والفقهاء تتبدّى لهم لغة تشريعية، والمفسرون يرون فيها لغة تأثيرية وجدانية، من غير إخلال أو تعارض مع الاتجاه التشريعي في لسان القرآن، واللغويون يستنبطون منها مناهج عقلية منطقية، ومناهج تأثيرية وجدانية، والبلاغيون يرون فيها قمة في مراعاة مقتضى الحال، وتقديم الصور الفنية البديعية المعجزة، والمؤرخون يرون فيها تاريخ الخلق والكون والنبوات في غاية الأمانة والدقة، مع ملامسة الوجدان بحيث يتمثل التاريخ واقعًا قائمًا بأحداثه وأشخاصه ودروسه وعبره، فهو ينقلك من منطق عقلي حاسم قد يؤدى بك إلى الحكم على تلك الوقائع وأهلها، إلى حكم أو منطق وجداني يهيئك للاعتبار وتلقي الدروس.
وأمام كل تلك الطاقات الهائلة المتنوعة للغة القرآن وجد المفسرون أنفسهم يبحثون عن نوع من الحماية من تلك الشلالات الهائلة المتدفقة بالمعانى الغزيرة المتنوعة؛ فاتجهوا نحو الكلمات يلتمسون معانيها ويحتمون بها بدلًا من «السياق والنَظم والوحدة» التي تشكل الإطار لتلك الكلمات، وصوّروا لأنفسهم أن الآيات والجمل والسور كلها مؤلفة من وحدات بسيطة متعددة هي الكلمات يُضم بعضها إلى بعض لتعطي من مجموع معاني المفردات معنى مركبًا. وربما تصورت جمهرتهم أن الثبات على ذلك والانطلاق من المفردات سوف يؤدي إلى الثبات على ظاهر اللفظ والاحتماء به، وبذلك اتخذوا منه منهجًا لحماية الذات من مغامرة السياحة في محيطات «السياق والنظم والوحدة البنائية». ورأوا أنهم بذلك لا يحمون أنفسهم فقط، بل يحمون النص كذلك من أية إصابات قد تؤثر فيه تأثيرًا سلبيًا، وهم في ذلك متحوطون. قد يكون من بعض ما استهدفوه غلق المنافذ أمام أولئك الذين يرون أن من حق أي مقارب للنص مهما كان أن يفهم منه ما يريد، وذلك عبث لا بد من حماية النص القرآني منه، فحماية النص حماية للحياة التي جاء النص ليعطيها مضمونًا وهدفًا وغاية، وحماية للإنسان الذى نزل القرآن ليرشد مسيرته في الأرض فيعطي الأمانة حقها، ويقوم بمهمة الاستخلاف، وينجح في اختبار الابتلاء. فمَن شاء أن يقرر شيئًا من عنده فليقرر ما يريد بعيدًا عن النص؛ إذ أن القرآن المجيد أُنزل ليُقرأ وأمرنا بقراءته مرتين في أول خمس آيات أنزلت منه، ولكل نوع من نوعي القراءتين المأمور بهما منهج وسبيل، والقارئ الحقيقي لأي منهما هو ذلك الذي يقرأ ويصغي لما يقرأ متجردًا مفتقرًا فيسمع من النص ما يريد النص أن يفصح عنه، وله بعد ذلك أن يحاور النص، ويستنطقه كما يشاء، ويثوِّره كما يريد، ويقلبه على مختلف أوجهه، ولكن من أجل أن يَنطق النص نفسه، لا من أجل أن يُنطق النص بما يريد، أو يضع على لسان النص ما يشاء.
والنص القرآني ليس كأي نص؛ إذ هو نص لن يبلغ قارئه منه ما يريد دون أن يتخلى عن سائر موانع فهمه؛ وفي مقدمتها الهوى والعجب، وتكوين آراء وأفكار وأحكام بعيدًا عنه ثم الذهاب إلى النص القرآني للبحث عن شاهد يشهد لما ذهب إليه من آياته، أو العناية بالألفاظ المجردة حسب استعمالات العرب لها.
فهذا النوع من المقاربات لا يمكن أن يفتح لها القرآن أبوابه؛ فأبوابه لا تفتح إلا لأولئك الذين يخضعون له، ويقاربونه ضارعين مفتقرين، مدركين لعظمته. فالقرآن المجيد وعاء النبوات، ومستودع الرسالات، ومستقر خبرات الأنبياء والرسل وتجاربهم مع أممهم: تُقبل على القرآن لتقرأ فيه ومنه، أو لتصغى إليه وتستمع، فأنت بحاجة لأن تشعر بأنك مُقبل على مواكب حاشدة من النبيين والمرسلين تشكل – بجملتها – أمة واحدة عبر تاريخ البشرية كلها، وأنك حين تعايش القرآن تكون بين أيدى هذه الأمة من النبيين والمرسلين من أولهم إلى خاتمهم – صلى الله عليه وآله وسلم – تتعلم الكتاب والحكمة، وتتزكى وتتطهر في قلبك وعقلك ووجدانك وحواسك، وقد تتألم وتتحسر لمعاناتهم، وقد تفخر بصبرهم وجهادهم، وتقتدى وتتأسى بهداهم؛ فتتغلغل الحكمة في أعطافك، وتفيض أنوار النبوات على قلبك وعقلك ونفسك ووجدانك.
إن البحث في القرآن ليس بحثًا في اللغة وحدها؛ إذ هو بحث في اللغة، وفي تدافع الحق والباطل عبر تاريخ البشرية كلها منذ خلق آدم إلى يوم الدين، وبحث في الإنسان والنفس الإنسانية، وبحث في الطبيعة وسننها وقوانينها وجدلها مع الغيب والإنسان، وبحث في عالم الدواعي والدوافع التي تدفع الإنسان نحو الحركة، وبحث في حركة الإنسان وكدحه وطبيعتها، ومن أين وكيف تستمد قيمتها، وكل ذلك تصل إليه بكلمات القرآن، ونجومه، وآياته، وسوره، وبه كله.
إن علماءنا قد نبهوا إلى أن للحقائق أو الأشياء وجودًا لفظيًا، وآخر ذهنيًا، وثالث واقعيًا. فاللفظي تدل عليه اللغة، والذهني يخضع لعالم الأفكار، أو يخضع عالم الأفكار له، والثالث يخضع الإنسان وما يصدر عنه لتقييم شرعي أو عقلي أو منطقي؛ كل بحسبه. ومع ذلك فهو كل لا يتجزأ، ووحدة لا تتكثر.
الوحدة البنائية على مستوى السورة
إن جمهرة المعنيين بالدراسات القرآنية سلموا بالوحدة البنائية على مستوى السورة؛ فالسورة وحدة، لها عمود يقوم بناؤها عليه، وذلك العمود هو موضوعها الأساس. والموضوعات الأخرى موضوعات معضدة ساندة تدور حول ذلك العمود، وكأنها أوتاد معضدة ومعززة للعمود الأساس. والقرآن – بجملته- يقوم على أعمدة ثلاثة: أولها التوحيد، وثانيها التزكية، وثالثها العمران. فـ«التوحيد» شكَّل العمود الأساس لمعظم سور القرآن المجيد، وتدور حوله أوتاد أخرى تتناول التزكية والعمران. وقد يكون عمود السورة «التزكية»، وتُربط بالتوحيد والعمران. وقد يكون عمودها «العمران» ويربط بالتزكية والتوحيد. وإذا سُلّم بهذا فإنّه يصبح من اليسير التسليم بوحدة القرآن البنائية.
سورة الفاتحة
فسورة الفاتحة – مثلًا – عمودها ومحورها «توحيد الربوبية»؛ وهو ظاهر في الآيات الثلاث الأولى، لتأتي الآيتان الرابعة والخامسة في «توحيد الألوهية»، ثم التلقين بالدعاء بالهداية (أي أن يكون القرآن هدى إلى الصراط المستقيم) وسلوك سبيل الموحدين، الذين تزكت أنفسهم بالتوحيد، وصاروا مؤهلين للاستخلاف، لا أولئك الذين غضب الله عليهم لكفرهم وشركهم، ولا الذين أخطأوا سبيل التوحيد فضلّوا.
سورة البقرة نموذجا
سورة البقرة – مع كونها أطول سورة في القرآن – فإن عمودها الأساس هو التوحيد كذلك، وحول هذا العمود قامت سائر الأوتاد الأخرى التي تتكون السورة من نجومها. وأول هذه الأوتاد تصنيف الناس بحسب مواقفهم من التوحيد؛ وهذا التصنيف يؤدى مهمة أخرى، وهي تفصيل ما أُجمل في الآيتين السادسة والسابعة من سورة الفاتحة. وينتهى الوتد الأول بالآية العشرين. ليبدأ الثاني بدعوة الخلق إلى العبادة؛ موظفًا في حضهم على القيام بها «دليل العناية» الذي يؤكد باستمرار على توحيد الربوبية. ويأتى الوتد الثالث ليؤكد كل ما تقدم صحته وصدقه بالتأكيد على صدق الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم –وحجية الرسالة والتحدي بها، واتخاذ عجزهم وعجز شهدائهم عن الاستجابة لذلك منطلقًا لتحذيرهم من رفضه ورده دون حجة أو دليل، وقرن ذلك بالبشارة للمؤمنين.
ثم يأتي وتد آخر ينبه إلى أهمية الأمثال التي يضربها الله لعباده بقطع النظرعن أركان المثال: بعوضة فما فوقها. ففي سورة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يسلبهم الذُّبابُ شَيْئًا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ۷۳]، فالمثل يضع أولئك الذين يشركهم المشركون – بنسبة الألوهية والربوبية لهم – في وضع يجعلهم في غاية الضعف بحيث لا يمكن لعاقل أن ينسب أية قدرة أو طاقة يمكن أن تؤهلهم إلى أي مستوى من مستويات القدرة، فضلًا عن مستوى الربوبية والألوهية؛ فهم لا يستطيعون خلق ذبابة ولو حاولوا ذلك مجتمعين، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقرر أن الذباب إذا سلبهم شيئًا لا يستطيعون استعادته منه، فأى سفه بعد ذلك يمكن أن يوصف به هؤلاء الذين يشركون مع الله هذه الآلهة المزعومة العاجزة والضعيفة. إن هذا المثل – وإن وظّف الذباب بكل ضآلة شأنه- لكنه لا شيء آخر يمكن أن يؤدى دور الذباب في رسم هذه الصورة؛ لذلك فإن الله – تعالى- لا يستحي أن يضرب مثل هذه الأمثلة لآلهتهم التافهة الحقيرة لتتضح لهم أوجه ضعفهم وسفاهتهم وتهافت تفكيرهم.
ثم يوجه لهم استفهامًا استنكاريًا يستنكر كفرهم، مع وجود كل ما يدعو إلى الإيمان، بل يحمل عليه. ويوصل ذلك بقصة الخلق: خلق البشر؛ ليوضح بها ضرورة الإيمان للبشر الذين كانوا أمواتًا فأحياهم الله، والإيمان حياة لقلوبهم لا يستكملون صفات الأحياء بدونه. فكأن آيات الخلق تفصيل لهذا الإجمال، إضافة إلى خلق السماوات والأرض.
وبعد أن بيّن كيف أزل الشيطان آدم وزوجه بالمعصية فيما دون الكفر، وبيّن رحمة الله بهما، والتوبة عليهما، بدأ بذكر فصيل مهم من ذريته؛ وهم بنو إسرائيل الذين أشبهوه في المعصية، ولم يشبهوه في التوبة مع توافر كل وسائل الهداية والصلاح لهم من النبوة والشريعة. ويتناول بتفصيل مناسب كيف منَّ الله – تعالى- عليهم بسائر وسائل الهداية والكتاب، والآيات، والتسخير، وأعطاهم سائر الوسائل التي تعينهم على الاستقامة على الطريقة لو شاءوا، ومع ذلك فقد انحرفوا وضلوا حتى فقدوا صلاحيتهم لأن يكونوا من المصطفين الذين يصلحون أن يكونوا نموذجًا لأمم العالم. فنُسخت آية اصطفائهم، وأُبدلوا بخير منهم؛ أمة أخرى تصلح أن تقدم للبشرية نموذجًا ومثالًا يقتدى به، ويُلتف حوله؛ وبذلك نبلغ الآية (١٠٦). ثم يأتي نجم أو وتد آخر بذكر تفاصيل أخرى عن انحرافات بني إسرائيل مع تحذير الأمة البديلة لهم، أو أصحاب الآية التي مثلّت خيرًا منهم ومن الآيات التي جاءتهم، من أن يسلكوا سبيلهم. هذا، حتى تبلغ السورة قصة سيدنا إبراهيم الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل ويزعمون أنهم ورثة رسالته، وحين بشره الله – تعالى – بإمامته للناس سأل إبراهيم ربه – جل شأنه ـ أن تكون في ذريته من بعده، فقال تعالى: (لَاْ يَنَاْلُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة: ١٢٤]، وفيه إشارة إلى أولئك الذين تلبَّسوا بما ينافي التوحيد عدة مرات؛ منها: اتخاذهم العجل ودعوتهم موسى ليجعل لهم إلهًا كالمشركين، وقولهم: عزير ابن الله…، فإذًا لا ينال عهد الله – تعالى – هؤلاء حتى لو انتسبوا إلى إبراهيم بانتسابهم إلى إسحاق ويعقوب أو «إسرائيل».
وإذ نُسخت آيتهم، وجرى تجاوزهم بعد كل ما فعلوا، يبدأ إعداد الملة الحقيقية لإبراهيم، الملة الموحدة، وذلك بالتحول إلى ذرية إسماعيل، والإعداد للتخلي عن القبلة، وسائر الرموز والتشريعات التي ارتبطت ببني إسرائيل. ويبيّن أن هذا البيت الحرام هو بيته الذي أمر إبراهيم وإسماعيل ببنائه في الأرض الحرام، وهي أهم وأفضل من الأرض المقدسة، وهذا البيت أفضل وأهم من المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، والبركات التي حلت به بدعاء إبراهيم أكثر مما أصاب أهل المسجد الأقصى. وأكد على أن هذه الأمة هي البديل الشرعي لتلك الأمة التي نسخت آياتها؛ فهي الأوثق صلة بإبراهيم، وهي الأحق به والأولى بميراثه، وأن بعثة رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – هي الاستجابة الإلهية لدعوة سيدنا إبراهيم. وبيّن كيف انحرف بنو إسرائيل عن وصية إبراهيم، ووصية يعقوب الذي عاهده بنوه عند موته أن يعبدوا إلهه وإله آبائه، فلم يوّفوا بعهدهم ودعا اليهود منهم إلى اليهودية وزعموا أن إبراهيم كان يهوديًا، ودعا النصارى منهم إلى النصرانية وزعموا أن إبراهيم كان نصرانيًا، وتجاهلوا ملة إبراهيم التوحيدية، وأنكروا رسالة محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وآله وسلم -.
ثم أُمرت الأمة البديلة أن تعلن إيمانها بجميع الأنبياء والرسل وأن تكون أمة مسلمة موحدة.
ثم يبدأ الجزء الثاني بمناقشة اعتراضاتهم على تحويل القبلة، ويبيّن أن هذه الأمة قد احتلت موقع الخيرية والوسطية، واستحقت منصب الشهادة على الناس، وورثت الكتاب وتراث النبوات، فلْتستقبل بيت الله الذي أمر إبراهيم وإسماعيل برفع قواعده وبنائه. ثم يأتى التعليل لاتخاذ قبلتهم في بادئ الأمر، وأنه لم يؤدِ إلى تفهمهم لرسالة رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ولا لصلته بإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والمرسلين، وإرثه لذلك كله. وانتقال القبلة من المقدس إلى المحرَّم انتقال له دلالات كبيرة، خاصة بعد طيّ صفحة بني إسرائيل، إنه انتقال عن استقبال ما هو أدنى بما هو أعلى، إنه دليل على أن بني إسرائيل حالة ميئوس من استجابتهم الرسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -مهما حدث؛ ولذلك فإن عليه ألا يلتفت إليهم، وعليه أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام في كل وقت وفي أي مكان كان.
وبعد أن يفرغ من قضية القبلة تأتي نجوم وأوتاد أخرى في «التزكية» من جوانب مختلفة؛ فيها إنشاء توجيهات وأوامر للأمة الوسط، وتحذيرات ضمنية مما وقع فيه السابقون، وتدخل فيها فرائض كثيرة وأحكام تتعلق بالأفراد وبالأمة وبالأسرة حتى تصل السورة إلى الآية (٢٤٢)؛ لتنتقل – مرة أخرى- إلى بني إسرائيل حيث خرج ألوف منهم من ديارهم حذر الموت فأماتهم الله ثم أحياهم؛ ليريهم أنه خالق الموت والحياة، وليشكروا الله أن أحياهم لعل ذلك يساعدهم على استدراك ما فاتهم. وتأتى إشارة في الآية اللاحقة إلى أن القتال ليس سبيلًا إلى الموت، بل هو سبيل إلى الحياة ما دام في سبيل الله تعالى.
ثم يأتى الحث على الإنفاق في سبيل الله، فالقتال إنفاق الأرواح، والزكاة والصدقة إنفاق الأموال في سبيل الله، وما دامت في سبيل الله فكأنّها قرض يُقرضه المتصدق لله – تعالى – وأعظم بها مرتبةً أن يكون المتصدق بمكان المقرض لله – تعالى-. ثم تعود الآيات إلى بني إسرائيل، وهذه المرة يكون الحديث عن الملأ منهم، وموقفهم من القتال في سبيل الله، الذى أمر المؤمنين به في الآية (٢٤٤)، وبعد أن أبدوا استعدادهم للقيام به إذا تولى أمرهم ملك، وأكدوا ذلك بذكر الأسباب التي تحملهم على القيام به من إخراجهم من ديارهم، والتفريق بينهم وبين أبنائهم. ثم نكصوا وتولوا عن القتال إلا قليلًا منهم. وحين احتجوا بعدم وجود الملك الذي يجتمعون عليه ويقاتلون تحت قيادته، أخبرهم نبيهم بأن الله قد بعث لهم طالوت ملكًا، فبدأوا يظهرون تبرمهم، ويؤكدون أنه لم يكن المَلك الذي كانوا يطمعون أن يُملَّك عليهم، فأُعطوا آية ومعجزة لتحمَلهم على القبول به؛ هي التابوت.
ثم يذكر الله – تعالى – عصيانهم لمَلكهم وهم متجهون لقتال عدوهم، ثم جُبنهم إلا عددًا قليلًا منهم عن ملاقاة عدوهم. ومع ذلك فقد كان النصر حليف القلة الصابرة الصامدة؛ ليرى الله تلك الكثرة الكافرة بنعمه أن النصر من عند الله وأن الهزيمة حين تقع فبِجُبن الناس وترددهم، وضعف إيمانهم وذنوبهم. وتُبيّن خاتمة قصة هؤلاء أن القتال من قبيل دفع الله الناس بعضهم ببعض لئلا يعُمّ فساد المفسدين وظلم الظالمين الأرض كلها.
ثم تؤكد الآية (٢٥٥) أن كل ما تقدم آيات من آيات الله تُتلى على رسوله بالحق مع التأكيد على أنه من المرسلين؛ فنفي هؤلاء لرسالته وجحودهم بها لا يغير من هذه الحقيقة شيئًا. ثم يُبيّن له التفاضل بين الرسل، وكيف فضّل الله بعضهم على بعض، واختص الله بعضهم بفضائل لم يعطها لآخرين منبهًا إلى تفضيل رسول الله على من سبقه، وهو الرسول الأخير وخاتم النبيين.
ثم يعيد التأكيد على الإنفاق في سبيل الله بصيغة مغايرة للصيغة التي وردت في الآية (٢٤٥)؛ إذ في هذه الآية (٢٥٤) يغلب جانب التحذير الشديد من عدم الإنفاق، لا جانب الترغيب، تعقبها آية الكرسي التي تعود لتوكيد التوحيد بشكل في غاية القوة: فالله لا إله إلا هو، والله هو الحي القيوم الذى لا يشبه عباده أو خلقه في شيء؛ فلا تأخذه سنة ولا نوم، وكل ما في السماوات والأرض ومن فيهن له، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه؛ إذ حين ذكر تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض قد يتوَهم بعض أتباعهم أن شفاعة أنبيائهم لهم سوف تخلصهم وتنجيهم من عذاب الله، حتى لو لم يؤمنوا بخاتم النبيين، أو أنها ترفع عنهم مسئولية ما صنعوا، فنفي الشفاعة عن الجميع إلا بإذنه؛ ليدرك هؤلاء أنه سبحانه إليه يُرجع الأمر كله، وأن هؤلاء الأنبياء لا يحيطون إلا بما شاء الله، وأن كرسيه – سبحانه- قد وسع السماوات والأرض، وأن حفظهما لن يصعب عليه ولن يثقل. ومع ذلك فلن يكون هناك إكراه منه لأحد على التوحيد وعلى الدين، فللناس الحرية بأن يؤمنوا بالله ويكفروا بالطاغوت، أو يعكسوا ذلك، لكن عليهم أن يدركوا الفرق بين الاثنين. وبيَّن توليه للمؤمنين ورعايته لهم؛ فهو يخرجهم من الظلمات إلى النور، في حين أن أولئك الذين اختاروا الطاغوت سيخرجونهم من النور إلى الظلمات، ويكون مآلهم الخلود في النار
ثم يورد مثالًا ونموذجًا لحجَاج بين نموذج ومثال إيماني عال ونموذج للطغاة، وكيف ينهزم الشرك والكفر أمام منطق الإيمان في جدل حول تحكم ظاهري في مصير الإنسان، وعجز كامل عن التأثير في مسار الطبيعة. ففي عالم الإنسان قد يتمكن الطغاة من مصادرة الإرادة وحرية الاختيار، أما في الطبيعة المسخَّرة فإنهم لا يملكون تغيير قوانينها وسنتها.
ثم يأتي مثال آخر يدور حول ذلك الذي رأى قرية مواتًا فأبدى استبعاده أن تعود لها الحياة، ولعلاقة هذا الاستبعاد بقضية البعث أماته الله مائة عام ثم بعثه ليكون لنفسه ولمن خلفه آية، وليرى الكيفية التي يتم بها البعث، وإعادة الحياة في المخلوقات. ثم يأتي مَثل آخر لمؤمن يتمتع بتمام الإيمان بالبعث، لكنه كان يريد أن يرى الكيفية التي يتم البعث بها ليطمئن قلبه مع الإيمان المجرد؛ برؤية الكيفية ومشاهدتها، ذلكم هو سيدنا إبراهيم السلام.
ثم ينتقل المشهد إلى عمل من أعمال البرّ التي تعزز الإيمان، وتنمى التوحيد، وهى الإنفاق في سبيل الله. فالإنسان لا يتصور أنه يستطيع العيش بدون المال، ولذلك فهو من أهم ما يتعلق الإنسان به، ويحرص عليه، فمطالبته بإنفاقه اختبار من الله لإيمانه ولتوحيده، وتحرير له من الشُّح، فتقدم لنا الآيات من (٢٦١) إلى (٢٧٤) ترغيبًا كبيرًا وحثًا شديدًا على الإنفاق في سبيل الله – تعالى- وبيانًا لآداب ذلك الإنفاق، وتقدم صورًا غاية في الروعة لمن يُنفق في سبيل الله دون أن تشوب إنفاقه شوائب المنّ والأذى وما إلى ذلك من خصال تُعبّر بشكل أو بآخر عن إحساس داخلي بعدم الرغبة في الإنفاق، وغياب الإحساس بأنه مستخلف في هذا المال، لا مالك له على سبيل الحقيقة، ولا على سبيل الخلق والتسخير؛ ليظهر الفرق بينهم وبين أولئك الذين ينفقون من طيبات ما كسبوا وبنفوس طيبة باذلة تدل على أنهم تخلصوا من الشح، وخرجوا من دائرته، وآمنوا بالمالك الحقيقي. وخلال ذلك ينبّه إلى أن الشيطان هو الذى يأمر الناس بالبخل والإمساك عن الإنفاق، أو إنفاق “الخبيث” إذا لم يستطع الحيلولة بين الإنسان والإنفاق، وهو الذي يصور الإنفاق سلوكًا لسبيل الفقر. فالأمر إذًا دائر بين طاعة الله وطاعة الشيطان، بين الإيمان بالله، وبين الإيمان بالجبت والطاغوت.
وبعد أن يفرغ من بيان الإنفاق في سبيل الله: حقيقته وضرورته وآدابه، وعلاقته بالتوحيد وسائر ما يتعلق به؛ ينتقل إلى ضده وهو «الربا»؛ فالمنفق المتصدق يعطي المال في سبيل الله لا يبتغي إلا ثوابه ورضاه، والمرابي يستغل حاجة المحتاج ليزيده حاجة وفقرًا حينما يدفع إليه مالًا ليربو في ماله، فيبيّن القرآن بشاعة هذه الصورة بذات القدر الذي بيّن فيه جمال صورة الصدقة والإنفاق في سبيل الله. وبعد أن يبلغ الغاية في تقبيح الربا والتنفير منه، وبيان مضاره في الدنيا والآخرة، يعلن الحرب على أولئك الذين سيستمرون في تعاطيه، ولا يتخلون عنه، ويختم ذلك بالتذكير بيوم الرجوع إلى الله؛ حيث توفى كل نفس ما كسبت بجزاء عدل يتناول الذرة وما دونها.
لينتقل السياق بعد ذلك إلى «الدَين» الذي هو مظنة التنازع بين الناس والاختلاف حوله؛ لتزكية النفوس وتطهير المجتمع من عامل من أهم عوامل النزاع والاختلاف، فتقدم الآية (آية الدَين) مجموعة من الضوابط والآداب المتعلقة بكتابة الدَين والإشهاد عليه، ومنع الإضرار بالشهداء والكاتبين، ثم تُختم الآية بأمر بالتقوى حيث إن بعض جزاء ذلك أن يتواصل تعليم الله – تعالى- لكم ما ينفعكم، وما أنتم في حاجة إليه؛ فعِلمه لا ينفذ، وهو بكل شيء عليم. وهذا الربط بين الصدقة والربا والدَين يقدم أروع الصورعن الطرق المتبعة في تداول المال وعلاقاتها بالتوحيد، والإيمان بأنه – تعالى – المالك الأوحد لكل شيء.
ثم تقدم الآية الأخرى بعض البدائل عما تقدم في آية الدَين من وصايا في حالة السفر، وهو الرهن «المقبوض»، وتؤكد على سائر الأطراف أن لا يفرط أي جانب في ثقة من ائتمنه، وألا يكتم شاهد الشهادة، فمَن فعل فإن قلبه سوف يكون الآثم، ولعل فيه إشارة لطيفة إلى عذاب الشاهد النفسي إذا كتم الشهادة، وفوّت ذلك الكتمان الحق على من يستحقه، ومنحه مَنْ لا يستحقه. وفى هذا التعبير- أيضًا- كثير من الحِكم البالغة؛ إذ أن تخصيص القلب بتحمل الإثم دليل على أن تأثير المخالفة لهذه الوصايا سوف يصيب الإنسان في أخطر عضو فيه؛ ألا وهو القلب، والإثم إذا أحاط بالقلب فذلك هو الذي سوف يحجبه عن الرؤية، ويحول بينه وبين أدائه لوظائفه في استقبال الهداية والقدرة على الاستبصار وما شاكل ذلك.
ثم تأتي خاتمة هذه السورة الكريمة لتؤكد على التوحيد مرة أخرى مع التحذير من محاسبة الله لعباده عما يظهرون وعما يخفون في حنايا الضمائر، وأنه المتفرد – سبحانه – بأمر المغفرة والعذاب، في إطار مزيج من الحث والحض والترغيب والترهيب. فإذا بلغت حالة الرهب والتوتر مداها تأتي خواتيم السورة لتؤكد مرة أخرى على الإيمان والتوحيد، وأن المؤمن مصاحَب ومرافَق، حين يؤمن للرسول المؤمن – صلى الله عليه وآله وسلم – الذى هو قدوة المؤمنين بالإيمان، ولجميع مواكب المؤمنين منذ بدء الخليقة، فهو لن يقف -وحده- معزولًا مهما حاصره الكافرون والمشركون، بل هو ذو نَسَب في المؤمنين عريق. ويذكّر بأركان الإيمان الذي آمن بها الرسول والمؤمنون جميعًا؛ وهى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر الذي ورد ذكره في العديد من آيات السورة؛ ومنها الآية التي سبقت هذه – آية الحساب (٢٨٤). وبعد أن دفعت آية الحساب المتقدمة درجة التوتر والخوف والترقب إلى أعلى مدى جاءت الآية الأخيرة لتعالج ذلك، فتزيل التوتر والقلق والخوف، واليأس من الوصول إلى النجاة من ذلك الحساب الدقيق لتعلن انتفاء التكليف بما لا يُطاق، فأنتم مطالبون بالتقوى، ولكن (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ…) [التغابن: ١٦]، وأنتم محاسبون عن كل شيء ولكن في حدود وسعكم وطاقتكم، ولن يحمل أحد منكم من المسئولية إلا ما قام به.
ثم تعلمنا الآية الدعاء وسيلة إلى إنقاذنا من تبعات نسياننا وأخطائنا، وسبيلًا إلى إزالة الإصر عنَّا – الذى حمله بعض من سبقنا-، ثم التضرع إليه – تعالى- بألا يُحمّلنا من الفرائض والتبعات والمسئوليات إلا مانطيق، وأن يعفو عنا، ويغفر لنا ويرحمنا؛ لأنه ولينا ومولانا، وأن ينصرنا على القوم الكافرين الذين يصدوننا عن سبيله ويحاربوننا فيه، وينصرون الكفر على الإيمان.
فعمود السورة ومحورها الأساس إذن هو التوحيد، وكل ما ورد فيها كأنه وضع بين حاصرتين: الأولى بدايتها من (١ – ٥) التي بينت أهم ما يسلك الإنسان في عداد المهتدين المتقين، والثانية خاتمتها التي أكدت أن الوصول إلى ذلك لا يكفي فيه إرادة الإنسان وحده أو عمله المجرّد فهو مظنة الخطأ والنسيان، فلا بد له من الاعتماد على الله – تعالى- والاستعانة به والتضرع إليه والاتكال عليه والإكثار من ذكره ودعائه.
وهكذا تبدو لنا السورة بناءً ضخمًا يقوم على عمود واحد أساس؛ هو التوحيد، ومجموعة كبيرة من الأعمدة المساعدة أو الأوتاد الساندة والمعضدة تدور حوله. والله أعلم.
*******
خاتمة
وبعد: فإن الوحدة البنائية» ما تزال في حاجة إلى جهود يقوم بها متخصصون في مختلف فروع المعارف الإسلامية واللغوية لتستوي على سوقها، وتبرز فضائلها ومزاياها، وتأخذ موقعها المهم بين المحددات المنهاجية التي تتألف منها “منهجية القرآن المعرفية”؛ سائلين العلي القدير أن يوفق ويعين على استكمال هذه البداية، ويرزقنا السداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
*******
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* منقول بتصرف من:
طه جابر العلواني. (2006). الوحدة البنائية للقرآن المجيد. ط. 1. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية. (دراسات قرآنية؛ 3). 116 ص.
** أستاذ أصول الفقه في عدد من الجامعات العربية والإسلامية، شارك في تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
[1] انظر اختلافهم الشديد في تحديد المراد بهم في التفسير الكبير للفخر الرازي (۲۱۱/۱۹) والتحرير والتنوير لابن عاشور (١٤ / ٨٤).
[2] يرجى أن لا يفهم من هذا أننا ندعى إعجازًا في الألفاظ المفردة، وهو ما سنأتي إلى توضيحه فيما سيأتي، بل نريد أن نؤكد أن تلاحم الكلمات في الآيات وتناسبها، وتلاحم الآيات مع نظيراتها، ثم السور مع أمثالها شبيه بتوافق الأحرف داخل الكلمة الواحدة، ولا فرق من حيث التناسب والتوافق والانسجام.
[3] راجع الحلقة الثانية من هذه السلسلة الجمع بين القراءتين.
[4] كل هذه مصطلحات المباحث أصولية، قد ترد في مباحث علوم القرآن في المطولات منها.
[5] أسماء كتب ألفها أبو حامد في المنطق وبيان محاسنه.
[6] رواه البخاري في استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين، رقم: ٦٥٣٨، ومسلم في الإيمان، باب صدق الإيمان وإخلاصه، رقم: ١٢٤
[7] رواه البخاري في تفسير القرآن باب وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو)، رقم: ٤٣٥١.
[8] نظرية النظم ” من أهم النظريات التي فسر المتقدمون به عجز البشر وغيرهم عن الإتيان بمثل هذا القرآن. وقد اختلفوا في بيان المراد بها بعد اتفاقهم – جميعًا – على أن «إعجاز النظم القرآني» من أهم وجوه الإعجاز إن لم يكن أهمها بإطلاق. وهي نظرية تلتقي عندها علوم اللغة بسائر فروعها، وعلم الكلام كذلك. بحيث صار للأشاعرة ومن إليهم تصور خاص النظرية النظم» يقابله تصور آخر للمعتزلة، ومن وافقهم. وسنبحث تفاصيل هذه النظرية، وما دار حولها في الحلقة الخاصة بالإعجاز من هذه السلسلة. ومن أراد أن يعجل لمعرفتها فليرجع إلى كتابي الجرجاني دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة» وكتاب الباقلاني: «إعجاز القرآن، والجزء السادس عشر من كتاب القاضي عبد الجبار المغنى في أبواب العدل والتوحيد، وكتاب مصطفى صادق الرافعي إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، وكتاب شوقي ضيف «البلاغة تطور وتاريخ وكتاب أخينا محمد جابر العلواني نظرية النظم، وكتاب أحمد أبو زيد مقدمة في الأصول الفكرية للبلاغة وإعجاز القرآن، وكتابه الآخر المنحى الاعتزالي في البيان وإعجاز القرآن.
[9] في إشارة إلى الحديث الوارد عند البخاري في الجهاد والسير، باب فكاك الأسير، رقم: ۲۸۸۲، ونصه: «عن أبي جحيفة -رضي الله عنه- قال: قلت لعلى – رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه، إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر».
[10] ينظر – مثلا – كتاب عمدة الأحكام في أحاديث خير الأنام للإمام المقدسي حيث بلغ تعداد الأحاديث الواردة فيه أربعمائة وثلاثين حديثًا اقتصر فيها على الوارد في الصحيحين.
[11] ) يقول عبد القاهر الجرجاني: «… فقد اتضح اتضاحًا لا يدع للشك مجالًا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ، ولا من حيث هي كلم مفرد…» دلائل الإعجاز، ص ٥٠. ولم يوضح لنا ابن العربي من أراد بذلك العالم وربما أراد نفسه، ولم نطلع على ما كتبه حول سورة البقرة لنقارن بينه وبين جهد دراز وغیره.
[12] عن: أسرار ترتيب القرآن، ص ٣٩، ٤٠. وراجع: إعجاز النظم القرآني، التناسب البياني، أحمد أبو زيد، ص ٦، منشورات كلية الآداب في الرباط، ۱۹۹۲. والإتقان السيوطي / ۱۰۸۲.
[13] للإمام الرازي كتاب نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز» تبنى فيه نظرية النظم ومع ذلك فإنه سار فيه على نهجه في كتبه الأخرى التي ألف أن يستعين فيها بالمنطق والطرق الفلسفية والتفريع على أصول المسائل والاستطراد الكثير. فلم يلتفت بقدر كاف إلى ما يتعلق بجمال النص وروعة النظم، وإعجاز أساليب التعبير، وهو جوهر قضية النظم. وكذلك فعل في تفسيره حيث رأيناه يتجه الوجهة ذاتها.
[14] الإتقان السيوطي، ۲/ ۱۰۸ ولابن عاشور تحفظ قريب من هذا، راجعه في المقدمة الثانية (١/ ٢٧).
[15] راجع: النبأ العظيم عبد الله دراز، فصل: القرآن في سورة سورة منه الكثرة والوحدة – ص ١٤٢ – ١٦٣. وقد قدم – رحمه الله – في هذا الفصل منهجًا للكشف عن وحدة السورة قدم به لدراسته للوحدة البنائية في السورة التي اختارها نموذجا تطبيقيا كشف به عن الوحدة في سورة البقرة. وراجع مقارنا التناسب البياني في القرآن، د. أحمد أبو زيد، ص ٤٩ – ٥١ لتجد قراءة د. أبو زيد لجهود د. دراز وتلخيصه لمنهجه التطبيقي كما برز في سورة البقرة.
[16] انظر: خطوات التفسير البياني، د. محمد رجب البيومي. (۳۳) انظر: رسائل الجاحظ، ص ١٤٨.
[17] راجع: البيان والتبيين، الجاحظ، / ٣٣١. ويعتبر الجاحظ مؤسس “نظرية النظم” وفقًا لأصول المعتزلة. ومذهبهم في صفة الكلام.
والجمع بين مذهب الفريقين الأشاعرة والمعتزلة في مال النظرية. وما يستفاد بها ليس بالأمر المتعذر.
[18] خطوات التفسير البياني، مصدر سابق، ص ١٢٤.
[19] راجع مقدمة: دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، وقد أكد على أن «النظم ليس سوى تعلق الكلم ببعضها، ثم شرح ذلك بإسهاب ودلل عليه. فنظرية النظم عنده قائمة على النحو، منشقة عنه.
[20] خطوات التفسير البياني، مصدر سابق، ص ٢٠٦.
[21] انظر مناقشته لشبهات من جعلوا الفصاحة للألفاظ: دلائل الإعجاز، مصدر سابق، ص ۲۹۹ وما بعدها. وقارن بتحليله الدقيق الدور المفردات في ص ٣٣ وفي ص ٣٤١.
[22] المرجع نفسه: ص ۲۱ وما بعدها.
[23] المرجع نفسه: ص ٣٩-٤٤.
[24] المرجع نفسه: ص 25. والمراد بالصرفة» أن الله – تعالى – صرف العرب عن معارضة القرآن الكريم ولازم هذا القول: أن المعارضة ممكنة لولا هذا الصرف الإلهي عنها.
[25] المرجع نفسه: ص ٣٣٣.
[26] المرجع نفسه: ص ۳۸.
[27] المرجع نفسه: ص ٤٣.
[28] المصدر نفسه: ص ٤٣.
[29] انظر التفسير ورجاله: محمد الطاهر بن عاشور، ص ٤٩. وكون الجاحظ من المعتزلة لا يقلل من أهمية جهوده وريادتها في هذا المجال. حتى وإن استهدف بذلك الانتصار لمذهبه الكلامي. وكون عبد القاهر من الأشاعرة وأنه أراد بذلك الانتصار لمذهبهم لا يقلل من أهمية إبداعه في هذا المجال. وكل منهما قد شيد جانبًا من جوانب النظرية أو أخذ بواحدة من عضادتي الباب.
[30] تطلق «الأسئلة النهائية على مجموعة من التساؤلات الإنسانية -التي تجيب العقيدة عليها – وهي: مَنْ أنا، من أين جئت، وإلى أين أنا ذاهب، وماذا بعد؟! وهي أسئلة ناجمة عن قلق تدفع الفطرة الإنسان إليه ليبحث ويأخذ طريقه إلى معرفة خالقه سبحانه، وهي ذاتها التي كان الفلاسفة الأوائل يطلقون عليها «العقدة الكبرى».
[31] عبارة شاعت في كتب الأصول، خاصة في مباحث الاستدلال لحجية القياس» ورددها بعض الكلاميين كذلك. وعلماء الفرق.
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies