قواعد في فقه الموازنات
دراسة تطبيقية على نماذج مختارة من الفتاوى*
د. محمد الدَّرداري**
مقدمة:
الحمد لله المنعم بالخير على عباده، المدبر شؤونهم بحكمته وأقداره، المسبغ عليهم بنعمه وأفضاله، والصلاة والسلام على مَن اصطفاه من الخلق، ورفع قدره بالحق محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه وبعد؛
إن كل من يستقرئ نصوص الشريعة، ويتدبر سياقاتها المتنوعة، يوقن أنها ما جاءت إلا لمصلحة العباد، فكل ما في الشريعة لا يخرج عن أن يكون من المصالح التي حقها الجلب، أو المفاسد التي تُدرأ وتُمنع، وليس فيها ما يخرج عن ذلك. فما أمر به الشرع ورغب فيه هو مصلحة، وفاعلها محمود، وما نهى عنه أو ذمه فهو مفسدة، ومقترفها مذموم. يشهد لذلك الكثير من نصوص الكتاب والسنة منها قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾[1]، وقوله أيضاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾[2]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾[3].
وإذا تقرر أن مبنى الشريعة على مصالح العباد؛ فإن هذه المصالح ليست نوعاً واحداً، ولا هي على مرتبة واحدة، بل هي أنواع كثيرة، وهي تبعاً لكثرتها على مراتب، وهي تتفاوت بحسب قوتها وعمومها ومآلاتها ولزومها وحدودها وغيرها من الاعتبارات. ويحصل أن يعارض بعضها بعضاً، وعند ذلك نحتاج إلى الموازنة بينها، وترجيح بعضها على بعض، وهذا مسلك شائك لا يقدر عليه إلا الحُذاق الأذكياء الذين ارتووا من علوم الشريعة كلها معقولها ومنقولها.
والمفاسد كما المصالح ليست على درجة واحدة، فمنها المفاسد العامة والخاصة، والكبرى والصغرى، والقطعية والظنية، والحقيقية والمتوهمة، واللازمة والمتعدية وغيرها، والنظر فيها بالموازنة والترجيح يكون بحسب ما تقتضيه مصلحة المكلفين. ومعلوم أن فعل أهون المفسدتين مصلحة، وإلا لَحِق المكلف بارتكاب أعظمها ضرر في نفسه أو ماله أو عرضه… فإذا أمكن دفعه بفعل مفسدة أخف جاز، وهذا من صميم فقه الشريعة المحمدية الخاتمة.
وهنا تبرز حاجة الفقيه إلى نوع خاص من الفقه، وهو فقه الموازنات، فهو سلاحه في دفع التعارض خاصة حينما تتعارض المصالح مع بعضها البعض، ويتعذر الجمع بينها، فهو يصير إلى الترجيح. وفي هذا المقام وضع العلماء جملة من القواعد الضابطة التي تسدد عمل الفقيه، وتضبط عمله الاجتهادي الترجيحي، ومن هذه القواعد: “إذا تزاحمت مصلحتان قدم أهمهما”[4]. وفي سياق الموازنة على الفقيه أن يُمعن النظر في تلك المصالح لمعرفة حجمها وأثرها وقوتها ومقدار أهميتها، ثم يشرع في الترجيح بينها، فيقدم ما يقبل التقديم، ويؤخر ما من شأنه التأخير، وهو في ذلك كله متجرد للحق، وقَّاف عند حدود الشرع.
إن الموازنة بين المصالح فيما بينها، وبين المفاسد فيما بينها، وبين المصالح والمفاسد هي من صميم العمل الفقهي الجاد والمثمر، وهي أحد أنواع الاجتهاد. والموازنة بين هذه المتقابلات وغيرها – مما هو مسطر في كتب أصول الفقه- مسلك لا يتفوق فيه إلا الصفوة من العلماء، الذين جمعوا إلى الفقه بأحكام الشريعة الفقه بأحوال الناس وأعرافهم وعاداتهم وأوضاع معيشتهم. وبهذه النظرة الكلية فإن الفقيه لا يكتفي فقط بتحصيل الحكم الشرعي من مظانه؛ وإنما ينتقل إلى النظر في حدود وإمكانيات تنزيله على الوقائع والحوادث بما يحقق الخير والنفع للناس في دنياهم وآخرتهم.
وهذا ما نجده عند عامة الفقهاء من زمن الصحابة إلى اليوم. فمعظم مَن تصدر للفتوى والقضاء كانوا يضعون نصب أعينهم هذا النوع من الفقه المصلحي. فنجد منهم من يفتي في بعض المسائل على خلاف ما تقتضيه بعض المصالح، وبالنظر فيها نجد أن تلك المصالح المعدول عنها لا ترقى إلى مستوى مصالح أخرى أهم وأرجح، إما لكونها مصالح عامة، أو قطعية، أو متعدية… وعليه فلا اعتبار عندهم للمصالح الخاصة أمام المصالح العامة، ولا للقاصرة أمام المتعدية، ولا للظنية أمام القطعية… كما أنه لا اعتبار لمصلحة إذا كان مآلها وعاقبتها إلى مفسدة أو خسارة أعظم منها وهكذا.
والجانب التطبيقي لفقه الموازنات كان محل اهتمام العلماء قديماً وحديثاً، فإذا كان علماء الأصول قد اهتموا بضبط المفهوم وحصر التقسيمات وتقعيد القواعد؛ فإن الفقهاء قد غلب على عملهم المنحى التطبيقي، ذاك ما يجده الباحث جلياً في فتاويهم واجتهاداتهم. وهذا المنحى لم يتفرد به إمام دون آخر، أو مذهب على غيره، ففقهاء الإسلام من جميع المذاهب كانوا يراعون هذا الفقه حتى قبل أن يظهر المفهوم ويستقر محرراً كما هو عليه الحال اليوم.
وسأقف هنا مع بعض القواعد المرعية في باب الموازنة بين المصالح فيما بينها، وبين المصالح والمفاسد، مع ذكر تطبيقات لها من فتاوى بعض الأئمة المالكية، الذين عُرف عنهم مراعاة البعد المصلحي في فتاويهم، وهذه القواعد كثيرة جدا سأقتصر على خمسة منها وهي:
- المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.
- المصلحة القطعية تقدم على المصلحة الظنية والمتوهمة.
- تقديم المصلحة المتعدية النفع على القاصرة.
- النظر الى المآلات عند تقدير المصالح والمفاسد.
- درء المفاسد أولى من جلب المصالح.
* * * * * * *
القاعدة الأولى: المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.
أولاً- مفهوم القاعدة وبعض صيغها:
المصلحة العامة ما كان نفعها عاماً، فهي تعم كل الناس أو أغلبهم بجلب مصالحهم ودرء المفاسد عنهم، أما المصالح الخاصة فهي التي ينحصر نفعها في فرد معين أو فئات محددة.
وكلا المصلحتين يُعمل بهما في موضعهما، وإنما يصار إلى الترجيح بينهما حال التعارض “فإن تعارضت المصالح رجحنا أقواها أثراً، وأعمها نفعاً، وأكثرها دفعاً للمفسدة. وإذا تعارضت مصلحة فرد أو فئة مع المصلحة العامة قدَّمنا المصلحة العامة”[5].
وهذه القاعدة من أكثر القواعد تداولاً على ألسنة العلماء وفي كتبهم. غير أن العلماء يعبرون عنها بصيغ مختلفة منها:
– تقديم مصلحة العموم على الخصوص أولى[6].
– إذا تعارض أمر كلي وأمر جزئي فالكلي مقدم[7].
– لا ترجح مصالح خاصة على مصالح عامة[8].
ثانياً- أدلة القاعدة:
يشهد لهذه القاعدة نصوص شرعية كثيرة منها:
– قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾[9]. وجه الاستدلال بالآية أن الله تعالى حرَّم الخمر لما تُلحقه من أضرار ومفاسد بعموم الأمة، فهي تصد الناس عن ذكر الله وعن الصلاة، وتُوقع بينهم العداوة والبغضاء، وتضر بصحتهم، وتتلف مالهم. وهذه كلها مفاسد عامة لا تعتبر بجانبها أي منفعة خاصة كالمنافع المالية المحصلة من صنعها أو نقلها أو بيعها. ومثل هذا يقال في آيات الربا والقمار والسرقة وغيرها من الأعمال الخبيثة المؤذية لعموم الأمة وإن كان فيها مصالح لفئات خاصة.
– ومن السنة النبوية الأحاديث الناهية عن تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي، ومنها ما روي عن أبي هريرة: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ التَّلَقِّي لِلرُّكْبَانِ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ)[10]. يقول الإمام النووي في شرح الحديث: “إن الشرع ينظر في مثل هذه المسائل إلى مصلحة الناس، والمصلحة تقتضي أن ينظر للجماعة على الواحد لا للواحد على الواحد، فلما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع جميع أهل السوق واشتروا رخيصاً، فانتفع به جميع سكان البلد؛ نظر الشرع لأهل البلد على البادي، ولما كان في التلقي إنما ينتفع المتلقي خاصة وهو واحد في قبالة واحد، لم يكن في إباحة التلقي مصلحة. وينضاف إلى ذلك علة ثانية وهي لحوق الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم بالرخص، وقطع المواد عنهم وهم أكثر من المتلقي، فنظر الشرع لهم عليه”[11].
– ومن ذلك أيضاً أحاديث النهي عن احتكار السلع، وحجبها عن الناس إلى أن يزيد ثمنها ثم عرضها عند الحاجة إليها بثمن أعلى، وفي ذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يَحْتَكِرُ إِلاَّ خَاطِئٌ)[12]. وجه الاستدلال بالحديث أن في احتكار السلع وبيعها عند اشتداد الحاجة إليها مصلحة خاصة للمحتكر لما يحصِّله من ربح مضاعف، لكن لو تُرك هؤلاء التجَّار وشأنهم لقلت السلع، وغلا ثمنها، ولحق الناس من جراء ذلك حرج عظيم، لهذا نهى الشرع عن الاحتكار، واعتبره خطيئة مراعاة لمصلحة العموم.
ثالثاً: تطبيقات القاعدة من فقه النوازل:
من ذلك نازلة بشأن إحداث المراحيض على المياه. فقد سُئل ابن رشد – رحمه الله- “جوابك – أعزك الله- في ماء جار في جنات وعليه أرحى، وأهل الجنات يسقون به ثمارهم، ويصرفون ما يحتاجون منه لمنافعهم وشربهم، فبنى بعضهم عليه كرسياً للحدث، واحتج بأن ذلك لا يغيره لكثرته، وحجة الآخرين أنه وإن لم يغيره، فإنه يقذره، ويعيفه، وربما رسبت الأقذار في قراره وبغدره، وأن ذلك مما ينغصه علينا، فهل يباح له ما فعل أو يغير عليه؟ وما القدر الذي يجوز من ذلك في الماء الجاري إذ ما دعاه إلى تقذره فيه مضرة على من ينتفع به؟
فأجاب: الحكم بقطع هذا الضرر واجب، والقضاء به لازم، قام بذلك بعض أهل الجنات أو من سواهم بالحسبة، وعلى الحاكم أن ينظر في ذلك إذا اتصل به الأمر وإن لم يقم عنده به قائم، بأن يبعث إليه العدول، فإذا شهدوا عنده به قضى بتغييره لما في ذلك من الحق لجماعة المسلمين خارج الجنات، على ما ذكرته في السؤال الواقع أسفل ظهر هذا الكتاب، ولا يسعه السكوت عن ذلك، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له”[13].
وشبيه به ما سُئل عنه أحد فقهاء سبتة في غلام من أهل الدعارة والفساد، له جنة يأوي إليها مع أترابه، فيقترفون آثاماً يتأذى منها جيرانهم، فعاقبه القاضي وأخرجه منها، ثم أظهر التوبة والندم فعاد أشد مما كان من الفساد، فأفتى أنه من الواجب بيعها عليه وإخراجها من ملكه حتى ينقطع الضرر عن جيرانه[14].
ففي فتوى ابن رشد تضاربت مصلحتان، أما الأولى فتخص فئة من أصحاب الدور القريبة من مجاري المياه، الذين أحدثوا عليها مراحيض، وجعلوا تصريفها على المجاري المائية التي يستعملها الناس في شؤونهم من الشرب وسقي الزروع والثمار وغيرها من المنافع. أما الثانية فعامة بجماعة المسلمين الذين يطالهم الأذى والضرر مما يلحق الماء من القذارة، ولما كانت مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد عند التعارض أفتى الإمام ابن رشد بوجوب قطع هذا الضرر العام، وأوكل ذلك إلى الحاكم أو القاضي.
ومثله ما نجده اليوم من أنواع التلوث الذي تحدثه المعامل والمصانع بما تلقيه من مخلفاتها الكيميائية السامة في الأودية والأنهار، وكذا المعامل والمصانع التي تشيد قرب التجمعات السكنية فيتأذى من ريحها وغبارها وضوضائها الناس، وهذه أضرار عامة لو نُظر إليها بعين الفقه لما أجازها، ولحكم برفعها بالرغم من المنافع الجزئية التي تعود على أصحابها أو من يشتغلون فيها، إذ لا عبرة بهذه المنافع ما دام الضرر المتحصل منها يطال جماعة الناس لا فرداً بعينه.
وهذا المنحى نجده واضحاً أيضاً في جواب الفقيه السبتي، فلا بقاء لأهل الفساد والدعارة بين جماعة المسلمين، إذ القرب منهم ذريعة لمتابعتهم، وانتهاج سبيلهم، والتشبه بهم، فضلاً على أن مجاورتهم والاطلاع على حالهم يضعف النفوس ويجعلها تألف الخلاعة والمجون؛ لأجل ذلك اقتضت المصلحة العامة إخراجهم من دورهم وبيعها عليهم – إن لم يصلحوا حالهم- دفعاً لضررهم عن عامة الناس.
القاعدة الثانية: المصلحة القطعية تقدم على المصلحة الظنية والمتوهمة.
أولاً: مفهوم القاعدة وبعض صيغها:
المصلحة القطعية هي ما يجزم بحصول المصلحة فيها[15]، أو يظن ذلك ظناً راجحاً، أما الظنية فما لا جزم فيها، بل يحتمل الوقوع ويحتمل عدمه، مع تغليب جانب العدم. وعليه فالمصلحة القطعية بهذا المعنى تقدم على الظنية؛ لأن المصلحة القطعية كما يقول نور الدين الخادمي: “متفق عليها من قِبل الجميع، ومضمونة الوقوع في الغالب والراجح، أما المصلحة الظنية فإنها محل خلاف ونظر من قبل الناس، ولأنها غير مضمونة الوقوع، فيحتمل وقوعها كما يحتمل تعطلها، وما كان متحقق الوقوع يقدم على محتمله ومضمونه”[16].
وبالرجوع إلى كتب الأصول نجد أن المصالح الظنية ليست في مرتبة واحدة، فمنها المظنونة ظناً راجحاً، وهي قريبة جداً من القطعية، فهذه يُعمل بها، ولها في الشرع اعتبار، إذ أغلب أحكام الفقه من هذا القبيل. ومنها المظنونة ظناً مرجوحاً، فهذه يتحرى في أمرها ولا يصار إليها إلا في حالات خاصة واستثنائية مع مراعاة ألا يفضي ذلك إلى معارضة ما هو قطعي أو راجح من المصالح. وهناك مرتبة ثالثة يكون الظن فيها أقرب إلى الوهم، وهو غالباً ما يُفضي إلى اللعب بآيات الله والعبث بأحكامه.
وعليه – وفي ضوء ما مر- فإن المصالح القطعية تقدم على الظنية بنوعيها، والظنية ظناً راجحاً تقدم على الظنية ظناً مرجوحاً، وهذا الترجيح لا يصار إليه إلا عند التعارض بينها.
وقد تنوعت عبارات الفقهاء في التعبير عن معاني هذه القاعدة، ومما نقل عنهم في ذلك:
– القطعي لا يترك بالظني[17].
– ترك اليقيني بالظني ترجيح للمرجوح على الراجح[18].
– لا عبرة بالظن البيّن خطؤه[19].
ثانياً: أدلة القاعدة:
من هذه الأدلة قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾[20]. والآية الكريمة وإن كان ورودها في شأن المشركين وما يعتقدونه في آلهتهم؛ إلا أنها تفيد بعمومها ذم مَن تركوا قطعيات الأمور وانشغلوا بالظنون والأوهام. يقول محمد سيد طنطاوي في التفسير الوسيط: “المراد بالظن هنا ما يخالف العلم واليقين، والمراد بالحق العلم والاعتقاد الصحيح المطابق للواقع. أي إن الظن الفاسد المبني على الأوهام لا يغني صاحبه شيئاً من الإغناء عن الحق الثابت الذي لا ريب في ثبوته وصحته”[21]. فالظن المقصود هنا ما كان مخالفاً القطع واليقين، والذي يؤول في النهاية إلى الوهم والتخرص.
ومن السنة ما روي أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر، فنهاه أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: (إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ)[22]. وجه الاستدلال بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التداوي بالخمر لما فيها من الأذى والضرر، وعليه فترك الخمر فيه مصلحة قطعية، أما التداوي به فمصلحته مظنونة أو وهمية، ولما تعارضت المصلحتان قدمت المصلحة المقطوع بها على المظنونة أو المتوهمة.
ومثله يقال في الربا، فهو محرّم بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، ولا يشك عاقل أن المصالح المترتبة على منعه قطعية ويقينية، عكس ما يزعمه البعض أن فيه منافع اقتصادية واجتماعية جمة، فتلك مصالح لا اعتبار لها لأنها وهمية ولا حقيقة لها.
ثالثاً: تطبيقات القاعدة من فقه النوازل:
من ذلك نازلة عن إحداث الأرحى على الجنات. فقد سُئل ابن الحاج رحمه الله: “جوابك- وفقك الله- في أصحاب جنات قاموا بعقد أثبتوه مُضَمَّنُهُ أن إحداث الأرحى على الجنات ضرر لكثرة ما يأوي إليها من أهل الفساد والشر، وأنهم يتسلطون بسكناها على أذى الجنات وسرقتها، هل ترى لهم في ذلك حجة يمنع بها من إحداث الأرحى؟ أم يغلب أحد الضررين من منع الإنسان منفعته بملكه على ما في أصولنا في ذلك من الخلاف؟ بينه موفقاً إن شاء الله.
فأجاب: تأملت السؤال، ولا يمنع من إعطاء الماء، ومن إقامة الأرحى من أجل ما ذكرت، وعلى مَن إليه النظر في أمور المسلمين – وفقه الله- أن يمنع أهل العدوان والسرقة وكف أذاهم عن أصحاب الجنات وعن سواهم”[23].
يفهم من سؤال النازلة أن بعض أصحاب الجنات نازعوا في إحداث أرحية في الأماكن المحاذية لزروعهم وبساتينهم، لما يخشى من تسلط أهل الشر والفساد عليها وسرقتها، وهذا الاعتراض – على ما يفهم من سؤالهم – فيه مصلحة لهم، إذ به تُحفظ أموالهم، وتصان جناتهم. غير أن ابن الحاج في جوابه لم يعتد بهذه المصلحة، ونظر إلى مصلحة أخرى أهم وآكد، وهي منوطة بوجود الأراحي لحاجة الناس اليها، فالناس دوماً في حاجة إليها لطحن غلالهم التي منها يعتايشون، وبفقدها أو نقصها فإنهم يقعون في حرج شديد. وبالموازنة بين المصلحتين نجد أن مصلحة إقامة الأرحية متيقنة، فنفعها متيقن ومقطوع به، وهذا النفع لا يختص بأربابها فحسب، بل يعم كافة الناس. أما مصلحة أصحاب الجنات فهي مظنونة، أي لا جزم فيها، فقد تحصل وقد لا تحصل. لأجل ذلك أذِن ابن الحاج في إحداث الأراحي لأن مصلحتها قطعية كما ذكرت سابقاً، أما ما ادعاه أصحاب الجنات من الضرر اللاحق بهم فظني، والقطعي لا يترك بالظني.
وعلى العموم فهذا هو منهج العلماء في تحرير المسائل، فالفقيه الحق لا يجمد على المنقولات، ولا ينصرف عن المقطوعات للمظنونات، بل هو الذي يقلب نظره فيما يعرض عليه من المسائل والدعاوى، فيوازن بين المصالح مع بعضها البعض، وبين المفاسد مع بعضها، وبين المصالح والمفاسد، فيقدم ما يستحق التقديم، ويؤخر ما يستحق التأخير، وذلك وفق رؤية شرعية متوازنة تروم إقامة شرع الله في أرضه، حتى تتحقق إرادته، ويعبده الناس على علم وبصيرة.
والخطأ في الموازنة بين المصالح القطعية والظنية، والخلط بينها هو أحد الأسباب المفضية إلى الشذوذ في الرأي والفتوى، وهو مدخل من مداخل الشطط والزلل، ليس في مجال التشريع والاجتهاد فحسب؛ بل يظهر أثر ذلك في كافة المجالات كالدعوة، والتربية والتعليم، والسياسة، والاقتصاد، وغيرها.
القاعدة الثالثة: تقديم المصلحة المتعدية النفع على القاصرة.
أولاً: مفهوم القاعدة وبعض صيغها:
المصلحة المتعدية هي التي تتعدى في نفعها إلى الغير، أما القاصرة فهي التي لا تتجاوز في نفعها فاعلها[24].
فالمصلحة المتعدية إذن هي ما تعدى أثرها ونفعها إلى الغير أيا كان، فهي مقدمة لهذا الاعتبار، أما القاصرة فأثرها محدود لا يتعدى فرد بعينه، أو فئة أو جماعة، لأجل ذلك رجّح العلماء من المصالح ما كان متعدياً لعموم نفعها، وحاجة الجماعة إليها، وهذا عين الفقه الذي جرت به عادة الشرع.
ومن الصيغ الأخرى للقاعدة:
– المتعدي أفضل من القاصر[25].
– الأجر على العمل المتعدي إلى الغير أجران[26].
– القربة المتعدية أفضل من القاصرة[27].
– الحسنة المتعدية أفضل من القاصرة[28].
ثانياً: أدلة القاعدة
تستند هذه القاعدة إلى مجموعة من الآيات والأحاديث، منها قول الله تعالى في كفارة اليمين: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾[29].
وجه الاستدلال بالآية أن الله تعالى ابتدأ في كفارة اليمين بالإطعام والكسوة والعتق، وعند العجز يلزم التكفير بالصوم. والمكفرات الثلاثة الأولى نفعها متعد إلى الغير، عكس الصيام فإن أثره لا يتجاوز صاحبه، وفيه إشارة إلى أن المنافع المتعدية أعلى مرتبة وأعظم شأناً من المنافع القاصرة، وإلا لما كان لهذا التقديم والتأخير معنى. وقد علمنا من دلالة الوحي أن الشرع منزّه عن اللغو والعبث، فهو لا يقدم إلا ما ينبغي له التقديم، ولا يؤخر إلا ما حقه التأخير، ولا يتصور أن يخرج منه شيء عن ذلك.
ومثله في كفارة القتل والظهار وانتهاك حرمة رمضان. قال العز بن عبد السلام: “تقديم العتق في كفارة القتل والظهار وإفساد الصيام على صوم شهرين متتابعين؛ فإن مصلحة البدل قاصرة عن مصلحة المبدل منه”[30].
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: (يَا أَبَا ذَرٍّ، لأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَة)[31]. وجه الاستدلال بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد أبا ذر إلى تعليم الناس، وجعل ذلك أفضل من الصلاة (صلاة النافلة) لأن تعليم العلم مصلحته متعدية، وهو خلاف التطوع بالنوافل، فنفعها في الغالب لا يجاوز المصلي.
وعن سلمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رِبَاط يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّان)[32]. وجه الاستدلال بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وازن بين الرباط ونوافل الصيام والقيام، وجعل الرباط خيراً وأفضل، لأنه يتعدى نفعه صاحبه، ويستفيد منه عموم المسلمين في أمنهم وسلامتهم، بخلاف الصيام والقيام فهي أعمال قاصرة لا يتعدى نفعها في الغالب صاحبها، وهذا يفيد أن العبادة المتعدية خير من العبادة القاصرة[33].
وما ذُكر أعلاه من تقديم المصالح المتعدية على المصالح القاصرة إنما يصار إليه عند التفاضل، وإلا ففي الكل خير، وكل يعمل به في نطاقه، ولا ينبغي أن يُفهم من تقديم بعض الأعمال العادية على بعض العبادات (كالصوم والصلاة والحج وغيرها) أنها أفضل منها، فمجال هذا التفاضل فيما عدا الفرائض، أما الفرائض فينظر فيها من جانب آخر وهو التعبد والامتثال، وهو المقصد الأسمى من بعثة الرسل وإنزال الكتب.
ثالثاً: تطبيقات القاعدة من فقه النوازل:
ومن تطبيقات هذه القاعدة في كتب النوازل مسألة وُجهت للفقيه أبو اسحاق التونسي في شاب له رغبة في العلم، ويحفظ منه ما هو ضروري لإقامة شرائع الدين، غير أن نفسه تعلقت بطلب العبادة ومخالطة الصالحين، وقلة خلطة أهل الأسواق لما يرى فيهم من الفساد في بيعهم وسائر معاملاتهم. فأجاب – رحمه الله-: “الأسلم في وقتنا الاشتغال بالعبادة والنظر في حال مأكله وقلة مخالطة الناس؛ فإن الزمان فسد، ولا يأمن على نفسه الفتنة في مخالطتهم… إلا أن يكون هذا الفتى ذا فهم طائل واقتدار على الدرس، وممن يرجى لهذا الأمر، وينتفع به المسلمون إذا درس، ويأمن على نفسه الفتنة، أو يغلب على ظنه ذلك، فلا درجة أفضل من طلب العلم لمن صحت فيه نيته، ويكون أكله مما يبيحه العلم، وأن يوسع فيه بأمر لا حرج فيه، فالعلم أفضل من العبادة من غير أن يدخل عليه حرام في معيشته”[34].
وتقديم العلم على العبادة ليس على إطلاقه، فهو يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. يُفهم ذلك من جواب الفقيه في المسألة المعروضة أعلاه، فقد ميز – رحمه الله- بين من عُرف بالاشتغال بالعلم وكان ذا فهم وكياسة وفطنة، وبين عامة الناس ممن لا نظر لهم فيه ولا اعتبار، أما الفئة الأولى فحري بها التفرغ للعلم مدارسة وتدريساً، لما يرجى منها من نفع الناس وانتشالهم من وهدة الغفلة والجهل، وهو مقصد من مقاصد البعثة المحمدية. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾[35]. أما مَن كان مِن العامة، وخاف أن يلحقه الفساد من مخالطة الناس لكثرة الفساد بينهم، فالأولى به اعتزالهم والتجرد للعبادة.
وفي جواب الفقيه ملمح مهم له صلة بالنازلة المسؤول عنها، وهو ما يمكن اعتباره استثناء من القاعدة المدروسة في هذا الموضع. فقد اشترط – رحمه الله- في تقديم الاشتغال بالعلم أن يكون ذلك بنية صحيحة، وأن يعلمه للناس ولا يختص به، وأن يكون القُوت الذي يعتاش به محصل بطريق مباح شرعاً. فإذا انخرم واحد من هذه الصفات فعلى المفتي أو الفقيه رد الأمر إلى مبدئه، والنظر فيه من جديد بحسب ما تقتضيه أحكام الشريعة ومبادئها ومقاصدها.
القاعدة الرابعة: النظر إلى المآلات عند تقدير المصالح والمفاسد
أولاً- مفهوم القاعدة وبعض صيغها
ومقصود القاعدة أن المجتهد في تقديره للمصالح والمفاسد مُلزَم بالنظر إلى ما تؤول إليه أفعال المكلفين وتصرفاتهم، فيحكم على ذلك بالمشروعية أو عدمها في ضوء ما تستجلبه تلك الأفعال من مصالح، أو تدفعه من مفاسد.
ومما يجلي مفهوم هذه القاعدة قول الإمام الشاطبي – رحمه الله- “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً؛ كانت الأفعال موافقة أو مخالفة. وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعاً لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك”[36].
وقد عبّر العلماء عن هذه القاعدة بعبارات متنوعة ومتقاربة منها:
– الأمور بعواقبها[37].
– الأشياء إنما تحل وتحرم بمآلاتها[38].
– العبرة للمآل لا للحال[39].
– المتوقع كالواقع[40].
– الوسيلة إذا لم يحصل مقصدها سقط اعتبارها[41].
ثانياً- أدلة القاعدة:
ورد في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الكثير من الشواهد الدالة على اعتبار مآلات الأفعال والتصرفات، منها قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾[42]. وجه الاستدلال بالآية أن اللَّه تعالى نهى عن سب آلهة المشركين – مع أن سبها مشروع- لكون ذلك يُفضي إلى سبّ الإله الحق وهو الله تعالى.
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تُقْطَعُ الأَيْدِي فِي الغَزْوِ)[43]. قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: “فهذا حَدٌّ من حدود اللَّه تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى اللَّه من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبًا”[44].
ومن الشواهد كذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (يا عائشة لولا أنَّ قومَك حديثُ عهدٍ بجاهلية لأمرت بالبيت فهُدمَ، فأدخلت فيه ما أُخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، فإنّهم قد عجزوا عن بنائه، فبلغتُ به أساسَ إبراهيم عليه السلام)[45].
قال النووي: “وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام؛ منها إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بُدئ بالأهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم عليه السلام مصلحة، ولكن تُعارضه مفسدة أعظم منه وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريباً، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيماً، فتركها عليه الصلاة والسلام”[46].
ثالثاً- تطبيقات القاعدة من فقه النوازل:
سُئل القابسي عن مسألة حاصلها: مَن الأفضل الغني أم الفقير؟ فأجاب: الغنى صفة لموصوف بها، والفقر صفة لموصوف بها، فمن كان صلاحه في الغنى فالغنى أفضل له، ومن كان صلاحه في الفقر فالفقر أصلح له. إنما يقع التفاضل فيما بين الموصوفين، فمن كان في فقره على ما أمره الله تعالى أن يكون فيه من القناعة والرضى والصبر على أداء الطاعة ومجاهدة النفس عندما يعروها من المعارضات فأكرم به من مقام. ومَن كان في غناه على ما أمره الله به من تنظف المكسب وصواب المنفق من غير سرف ولا مخيلة وقد وقاه الله شح نفسه فلم يمنع المال من حقه في تواضع واستحقار وتذلل واحتقار فأكرم به أيضاً من مقدم. هذا شكر ما أنعم الله به عليه، وهذا صبر عما نهاه عنه مع إمكانه منه، والآخر صبر على ما أمره الله به وابتلاه به وشكر ربه على ما وفقه إليه وأعانه عليه، وكلاهما حينئذ ممن أنعم الله عليه، وأجورهما إلى الله الواحد القهار”[47].
في جواب هذه النازلة نجد القابسي ينظر إلى أحوال كل من الغني والفقير من حيث ما يثمره فيهما الغِنى أو الفقر من الصلاح أو الفساد، فالغِنى أفضل لصاحبه إذا كان صلاحه في غناه، وكان المال عوناً له على البر والإحسان من الإنفاق والتصدق وعرفان النعم وشكرها، والثناء بها على المنعم. وقد يكون الفقر أصلح لصاحبه إذا كان صلاحه في فقره، بأن كان ذلك عوناً له على الشكر والتسليم والتعفف، فيتلقى الإنسان ذلك بالصبر والاحتساب مع سلامة النفس وطهارة القلب والروح. فليس أحد الحالين بمُقدّم على الآخر إلا بما يفضي إليه من الخير والصلاح أو الشر والفساد. لأجل هذا علق المفتي جوابه بهذا المآل، فالعبرة عنده ليست بالأوصاف أو الأشخاص، بل بالأحوال المنوطة بهما.
ومن المعاني المجلية لهذه الحقيقة قول ابن مسعود: (الفقر والغنى مطيتان ما أبالي أيهما ركبت، إن كان الفقر فإن فيه الصبر، وإن كان الغنى فإن فيه البذل)[48]. وعليه فلا يمكننا امتداح الفقر أو الغنى لذاتهما، بل المدح أو الذم منوطان بحال الإنسان وما يؤول إليه أمره معهما من الخير أو الشر.
والحكم على الأفعال والتصرفات بالنظر إلى مآلاتها نجد له شواهد كثيرة جداً في كتب النوازل[49]، وإنما اكتفيت بهذه المسألة فقط تجنباً للإطالة. وفي ذلك دلالة واضحة على أن اعتبار المآل أصل معتبر، وهو أحد المسالك الاجتهادية المتبعة عند الفقهاء، والحاجة إليه ماسة في أكثر المسائل الاجتهادية، وفي مختلف مراحل النظر فهماً واستنباطاً وتنزيلاً.
القاعدة الخامسة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
أولاً- مفهوم القاعدة وبعض صيغها.
المفاسد هي أنواع المضار التي تلحق بالإنسان في نفسه أو بدنه أو ماله… فتفوت عنه نفعاً مشروعاً، أما المصالح فعكسها، وهي مجموع المنافع المتحققة والمشروعة.
وموضع تطبيق القاعدة حال تزاحم مصلحة ومفسدة، فإذا اجتمعتا قُدم درء المفسدة. وليس الأمر على إطلاقه، فالتعارض بينهما له مستويات، فقد يتعارضا وتكون المصلحة غالبة، فتقدم المصلحة لغلبتها، وقد يتعارضا وتكون المفسدة غالبة أو مساوية للمصلحة فهنا نُعمل القاعدة فنُقدم الدرء على الجلب[50].
وقد أورد العلماء في كتبهم هذه القاعدة بعبارات متنوعة ومنها:
– لا مصلحة مع مفسدة راجحة عليها أو مثلها[51].
– اعتناء الشارع بدرء المفاسد أكثر من اعتنائه بجلب المصالح[52].
– دفع الضرر أولى من جلب النفع[53].
– درء المفاسد إنما يترجح على جلب المصالح إذا استويا[54].
ثانياً- أدلة القاعدة:
ومن أدلة هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم: (مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم)[55]. وجه دلالة الحديث “أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الأمر باجتناب المنهيات، واجتنابها يعد من قبيل درء المفاسد، وعلَّق الأمر بفعل المأمورات على الاستطاعة، وفعلها يُعدّ من قبيل جلب المصالح، وهذا يفيد بأن اعتناء الشارع بترك المنهيات أشد من اعتنائه بفعل المأمورات، وهو شامل لحالة التساوي”[56].
ومن السنة أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: (لولا أنَّ قومَك حديثُ عهدٍ بجاهلية لأمرت بالبيت فهُدمَ، فأدخلت فيه ما أُخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، فإنّهم قد عجزوا عن بنائه، فبلغتُ به أساسَ إبراهيم)[57]. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يود لو أنه يعيد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، وفي هذا مصلحة عظيمة، وهي رد البيت إلى ما كان عليه في زمن الخليل، غير أن هذه المصلحة عورضت بمفسدة أكبر منها وهي خوفه عليه الصلاة والسلام من أن تفتتن قريش بذلك، خاصة وأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، فقد كانوا يقدسون الكعبة ويعظمونها؛ لأجل ذلك لم ينظر النبي صلى الله عليه وسلم لتلك المصلحة لما قد تفضي إليه من مفسدة أعظم، وهي ارتداد قريش وخروجهم من الإسلام.
ثالثاً- تطبيقات القاعدة من فقه النوازل:
سُئل أبو عبد الله محمد بن حسون بن أيوب المزجلدي عن مساجد بلدة اتخذها قوم يُعلِّمون فيها الصبيان، وبعض هذه المساجد لا يستطاع الصلاة فيها لكثرة مَن بها من الصبيان، لا يصلي فيها جماعة في سائر الصلوات، ومن الناس مَن يقف عن الصلاة لما يتقي أن يصيب الحصر من النجاسات، فهل ترى لهؤلاء المعلمين سعة في تعليمهم في المساجد؟
فأجاب: لم يجعل الله تعالى المساجد ليكتسب فيها الأرزاق، والذي سألت عنه ووصفته الواجب على أهل تلك البلدة أن يمنعوا مساجدهم من مثل هذا… فليوعظ المعلمون وآباء الصبيان ليخرجوا من المساجد، ولا يضروا بالمسلمين…”[58].
وقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح واضحة في هذه النازلة، فقد أفتى الفقيه المزجلدي بمنع تعليم صبيان المسلمين في المساجد مع ما في التعليم من المصالح الجمة، إلا أن الفقيه لم ينظر إلى تلك المصالح لأنها مرجوحة بعدد من المفاسد ومنها: تنجيس الحصر، والتشويش على المصلين، وقد أفضى ذلك ببعض الناس إلى ترك الصلاة جماعة في معظم الأوقات.
ومن الأمثلة أيضاً: ما جاء في مسائل ابن رشد. فقد سُئل -رحمه الله-: جوابك -رضي الله عنك- فيمن لم يحج من أهل الأندلس في وقتنا هذا، هل الحج أفضل له، أم الجهاد؟ وكيف إن كان قد حج حجة الفريضة؟. فأجاب: تصفحت رحمنا الله وإياك سؤالك هذا، ووقفت عليه، وفرض الحج ساقط عن أهل الأندلس في وقتنا هذا لعدم الاستطاعة التي جعلها الله شرطاً في الوجوب؛ لأن الاستطاعة هي القدرة على الوصول، مع الأمن على النفس والمال، وذلك معدوم في هذا الزمان، وإذا سقط فرض الحج لهذه العلة، صار نفلاً مكروهاً لتقحم الغرر فيه”[59].
فبالرغم مما في الحج من معاني الانقياد والتزلف والقربى إلا أن ابن رشد – رحمه الله- أفتى بسقوط الحج عن أهل الأندلس لفقد أمن الطريق الذي هو شرط في الحج، فالحج مع فقد الأمن يجعل المسلم عرضة للآفات في نفسه وماله وعرضه، لذلك قدم -رحمه الله- درء هذه المفاسد على مصلحة الحج مع ما فيه من معاني العبودية والامتثال.
خاتمة:
بعد هذا العرض الموجز حول قواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد وتطبيقاتها في فقه النوازل أخلص إلى ما يلي:
- إن المقصد الأعلى لشريعة الإسلام هو جلب مصالح الخلق ودرء المفاسد عنهم.
- إن المصالح المرعية في الشريعة كثيرة، وهي مع كثرتها تتفاوت في الدرجة والقوة، ففيها المصالح العامة والخاصة، والقطعية والظنية، والمتعدية والقاصرة…
- الأصل في المصالح أن يوافق بعضها بعضاً، فإذا تزاحمت وتعذر الجمع قدم الأعلى منها على الأدنى، فتقدم العامة على الخاصة، والقطعية على الظنية وهكذا.
- إن الترجيح بين المصالح فيما بينها وبين المصالح والمفاسد قد فعله العلماء عبر مختلف العصور، وهو أمر ثابت بنصوص الوحي، وباستقراء مقاصد الشريعة.
- إن إعمال قواعد الموازنة أثمر اجتهادات وفتاوى أغنت الفقه، وجعلته قادراً على التأقلم مع نوازل الوقت.
- إن ميدان الفتوى هو الميدان الأنسب لبحث مدى تطبيق قواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد.
والحمد لله رب العالمين.
* * * * * * * * *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أصل المثال منشور في:
محمد الدَّرداري (2023). قواعد في فقه الموازنات: دراسة تطبيقية على نماذج محتارة من فتاوى مالكية الغرب الإسلامي. مجلة المسلم المعاصر. (178 – 179). ص ص. 95- 118.
** الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين جهة طنجة – تطوان – الحسيمة. eddardari1984@gmail.com.
[1] (النحل: 89).
[2] (النحل: 90).
[3] (الأعراف: 55).
[4] ابن حجر، فتح الباري، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة – بيروت، لبنان، دون طبعة، 1379هـ. (9/123).
[5] عياض بن نامي بن عوض السلمي، أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله، دار التدمرية، الرياض – المملكة العربية السعودية ط/1، 1426هـ – 2005م. (209).
[6] بلقاسم بن ذاكر بن محمد الزُّبيدي، الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية، منشورات مركز تكوين للدراسات والأبحاث، ط/1، 1435هـ – 2014م. (309).
[7] الشاطبي، الموافقات، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط/1، 1417هـ/1997م. (1/498).
[8] العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة، بدون طبعة، 1414هـ – 1991م. (2/191).
[9] (المائدة: 92).
[10] مسلم، صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه، وتحريم النجش، وتحريم التصرية، حديث رقم: (1515).
[11] النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، ط/2، 1392هـ (10/163).
[12] مسلم، صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم الاحتكار في الأقوات، حديث رقم: (1515).
[13] ابن رشد، مسائل أبي الوليد، تحقيق: محمد الحبيب التجكاني، دار الجيل، بيروت – لبنان، ط/2، 1414هـ – 1993م (2/1189) تنظر النازلة أيضا في مذاهب الحكام في نوازل الأحكام للقاضي عياض وولده محمد (ص: 90، 91) وفي المعيار (8/395، 396).
[14] القاضي عياض، مذاهب الحكام في نوازل الأحكام، تحقيق: محمد بن شريفة، دار الغرب الإسلامي، ط/2، 1997م (88).
[15] شمس الدين البرماوي، الفوائد السنية في شرح الألفية، تحقيق: عبد الله رمضان موسى، مكتبة التوعية الإسلامية للتحقيق والنشر والبحث العلمي، الجيزة – جمهورية مصر العربية، ط/1، 1436هـ – 2015م (5/48).
[16] نور الدين الخادمي، تعليم أصول الفقه، مكتبة العبيكان – الرياض، ط/2، 1426هـ ـ 2005م (212، 213).
[17] ابن أمير حاج الحنفي، التقرير والتحبير، دار الكتب العلمية – بيروت، لبنان، ط/2، 1403هـ – 1983م (2/229).
[18] صفي الدين الأرموي الهندي، نهاية الوصول في دراية الأصول، تحقيق: صالح بن سليمان اليوسف وسعد بن سالم السويح، المكتبة التجارية – مكة المكرمة، ط/1، 1416هـ – 1996م (7/2863).
[19] السيوطي، الأشباه والنظائر، (157).
[20] (يونس: 36).
[21] التفسير الوسيط للقرآن الكريم، محمد سيد طنطاوي (7/69).
[22] صحيح مسلم، كتاب الأشربة، باب تحريم التداوي بالخمر، حديث رقم: (1984).
[23] العلمي، النوازل (2/122).
[24] الأصول المصلحية في المذهب المالكي وتفعيلها في نوازل العصر، بركاني يونس، مجلة النوازل الفقهية والقانونية، العدد:1 دجنبر (159).
[25] الاشباه والنظائر، السيوطي، السيوطي، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط/1، 1411هـ – 1990م (ص: 144).
[26] ابن العربي، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي (ص: 76).
[27] المقري، القواعد، تحقيق: أحمد بن عبد الله بن أحمد، المملكة العربية السعودية جامعة أم القرى معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي مركز إحياء التراث الإسلامي – مكة المكرمة، دون طبعة ولا تاريخ (ص: 411).
[28] المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير، المكتبة التجارية الكبرى ـ مصر، ط/1، 1356هـ (3/466).
[29] (المائدة: 91).
[30] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام (66).
[31] ابن ماجه، السنن، كتاب الإيمان وفضائل الصابة، باب فضل من تعلم القرآن وعلمه، حديث رقم (219)
[32] مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله U، حديث رقم: (1913)
[33] عبد المجيد بن صالح المنصور، الأعمال المتعدية والقاصرة (قاعدتها وتطبيقاتها الفقهية)، مجلة العلوم الشرعية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد: 22، محرم: 1443هـ (ص: 215).
[34] الونشريسي، المعيار (11/298- 299).
[35] (الجمعة: 2).
[36] الشاطبي، الموافقات (5/177).
[37] السرخسي، المبسوط، دار المعرفة – بيروت – لبنان، بدون طبعة،1414هـ – 1993م. (13/131) ينظر أيضًا: فصول البدائع في أصول الشرائع، شمس الدين الفناري (2/428).
[38] الشاطبي، الموافقات (3/566).
[39] السرخسي، المبسوط (24/23).
[40] ابن الملقن، الاشباه والنظائر، تحقيق ودراسة: مصطفى محمود الأزهري، دار ابن القيم للنشر والتوزيع، الرياض- المملكة العربية السعودية، ط/1، 1431هـ- 2010م. (2/521) ينظر أيضًا قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1 /107).
[41] القرافي، الفروق، عالم الكتب، الرياض – المملكة العربية السعودية، بدون طبعة وبدون تاريخ. (2/154).
[42] (الأنعام: 109).
[43] الترمذي، سنن الترمذي، أبواب الحدود، باب ما جاء أن لا تقطع الأيدي في الغزو، حديث رقم: (1450).
[44] ابن القيم، إعلام الموقعين، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان، ط/1، 1411هـ – 1991م (3/13).
[45] البخاري، صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، حديث رقم: (1586).
[46] النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (9/89).
[47] الونشريسي، المعيار (11/93، 94).
[48] ابن القيم مدارج السالكين، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي – بيروت، ط/2، 1416هـ – 1996م. (2/212).
[49] يوسف حميتو، أصل اعتبار المآل في البحث الفقهي، منشورات مركز الموطأ للدراسات والتعليم أبو ظبي، مسار للطباعة والنشر، ط/2، 2018م. (ص: 193) وما بعدها.
[50] وذهب بعض العلماء إلى القول بالتخيير عند التساوي، ومن هؤلاء العز بن عبد السلام، وفي ذلك يقول: “فإن اشتمل فعل على مصلحة ومفسدة فالعبرة بأرجحهما، فإن استويا فقد يخير بينهما”. شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، العز بن عبد السلام (12).
[51] صفي الدين الأرموي، الفائق في أصول الفقه، تحقيق: محمود نصار، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط/1، 1426هـ – 2005م. (2/268).
[52] بدر الدين الزركشي، تشنيف المسامع بجمع الجوامع، تحقيق: سيد عبد العزيز وعبد الله ربيع، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث، مصر – ط/1، 1418هـ – 1998م (2/621).
[53] العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/81).
[54] تاج الدين السبكي، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية – بيروت، لبنان، ط/1، 1411هـ- 1991م (1/105).
[55] مسلم، صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره r، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع، ونحو ذلك، حديث رقم: (1337).
[56] رائد بن حسين بن إبراهيم آل سبي، قواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد وتطبيقاتها على آثار جائحة فيروس كورونا المستجد، مجلة علوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد: (83) ديسمبر (2020م) (524).
[57] سبق تخريجه.
[58] الونشريسي، المعيار (7/36).
[59] ابن رشد، مسائل أبي الوليد ابن رشد (2/903).
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies