العنوان: معركة النص مع التحريف المعاصر للأحكام والمفاهيم الشرعية.
المؤلف: فهد بن صالح العجلان.
مكان النشر: الرياض.
الناشر: دار رسالة البيان للنشر والتوزيع.
تاريخ النشر: 2018.
الوصف المادي: 294 ص.؛ 24 سم.
الترقيم الدولي الموحد: 1-9-91142-603-978.
في ظل المعارك والجبهات المتعددة التي يحارب ويهاجم منها الإسلام وأهله لم يكن النص الشرعي بمعزل عن هذه الصراعات المتوالية. وإن كان الله عز وجل قد حفظ النص بحفظه فلم يستطع المتربصون أن ينفذوا إليه بتحريف مباشر فإنهم يحاولون تجاوز سياج الحفظ والولوج إلى تحريف النص عن طريق التأويل مع ادعاء أن النص يحتمل أوجه تأويل مختلفة. ومن هذا الباب تبث الشبهات بين المسلمين ويُتعرض لمحكمات الدين بالتأويلات المنحرفة بغير علم صحيح أو منهج قويم، بل ببغض للحق أو اتباع للهوى أو بالتماهي مع سلطة الثقافة الغالبة.
وفي هذا السياق يأتي هذا الكتاب للدكتور فهد بن صالح العجلان (مواليد 1980)، الدكتور بقسم الدراسات الإسلامية جامعة الملك سعود، وهو من الكتب المعاصرة التي اعتنت بهذه المعركة التي يخوضها النص الشرعي قرآنًا وسنة مع التحريفات المعاصرة للأحكام والمفاهيم الشرعية مع إيراده لأقوال الفقهاء والعلماء أثناء مناقشته قضايا الخلل المنهجي المختلفة. ويتناول الكاتب هذا الموضوع من خلال أربعة محاور، كل محور يضم مجموعة من المقالات، حيث يناقش في كل مقال فكرة أو قضية مرتبطة بالانحراف الفكري في التعامل مع النص الشرعي، وينطلق في ذلك من أمثلة ونماذج واقعية.
المحور الأول يقدِم الكاتب من خلاله مجموعة من القواعد والأسس المنهجية. أما المحور الثاني فيبين فيه قواعد الاستدلال وأصوله. والثالث يتناول فيه بعض المفاهيم والأحكام الشرعية. وأخيرًا يتحدث في المحور الرابع عن أسلمة العلمانية كنتيجة ومآل يمكن أن تصل إليها المجتمعات الإسلامية عندما تبتعد عن المنهج الصحيح في التعامل مع النصوص الشرعية.
مقدمة الكتاب
يستعرض المؤلف في مقدمة كتابه نقده للإشكالية التي يتمحور حولها الكتاب وهي تلك الظاهرة الفكرية المعاصرة التي تتمثل في طرح أفكار تخالف الأحكام الشرعية، لكن في إطار يبدو ظاهريًا منسجمًا مع النصوص، إذ يحرص أصحاب هذه الطروحات على التأكيد أنهم لا يعارضون النص الشرعي، وإنما يخالفون بعض التفسيرات الفقهية له.
ويبيّن المؤلف أن هذا المسار جاء نتيجة إدراك خصوم الشريعة لصعوبة الطعن الصريح في النصوص، لما لها من مكانة راسخة في نفوس المسلمين، فاتجهوا إلى خطاب جديد يركّز على مفاهيم مثل “مقاصد الشريعة” و ”روحها” و ”مراعاة المتغيرات”، بل وقد يصل الأمر إلى الادعاء بالحرص على الشريعة والدفاع عنها.
كما يحذر المؤلف من خطورة هذا التوجه، لأنه يسعى إلى إضعاف الحاجز الذي يحمي النصوص في وعي الناس، مما يفتح المجال للتأويلات المنحرفة التي قد تؤثر في القيم والمفاهيم دون انتباه. وفي المقابل، يشير إلى إشكال آخر يتمثل في تضييق مساحة الاجتهاد المشروع ورفض الخلاف الفقهي المعتبر، وهو ما يزيد من حالة الالتباس لدى الناس.
ويؤكد في ختام المقدمة على أهمية ترسيخ الأصول الشرعية، وبيان المنهج الصحيح في فهم النصوص، والتمييز بين الاجتهاد المقبول وغير المقبول، بما يسهم في حماية فهم الشريعة من الانحراف والاضطراب.
المحور الأول
قضايا وأسس منهجية
يناقش الكاتب في هذا المحور عدد من القضايا والأسس المنهجية من خلال مجموعة من المقالات التي من خلالها ينقد بعض صور التحريف المعاصر للنصوص، وما يقف ورائها من أفكار ودوافع.
مدخل التحريف المعاصر
في هذا المدخل يرصد الكاتب خطًا شائعًا في تناول الأحكام الشرعية، يتمثّل في ربط صحة الحُكم بمدى قدرة الناس على الاقتناع به، بحيث يُقوَّى القول أو يُضعَّف بناءً على سهولة إقناعه للناس. ويؤكد أن هذا خلط منهجي؛ إذ إن مهمة البحث الشرعي هي أولًا الوصول إلى الحكم الصحيح من خلال الأدلة، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة إقناع الناس به، لا العكس. فالانشغال بكيفية الإقناع قبل تحرير الحكم يؤدي إلى ترجيح ما يسهل تسويقه لا ما تدل عليه النصوص.
ثم يناقش شبهة مفادها أن الحكم الشرعي لو كان صحيحًا لكان مقنعًا للعقول، ويبيّن أن هذا مبنيّ على توهّم أن اقتناع الناس هو ذاته الدليل العقلي، بينما الحقيقة أن الإقناع يتأثر بعوامل كثيرة غير عقلية، كالمهارات الشخصية، والظروف النفسية، والاجتماعية، والثقافية. فعدم اقتناع الناس قد يرجع إلى ضعف في العرض أو وجود عوائق خارجية، لا إلى خلل في الحكم نفسه.
وفي هذا السياق يؤكد الكاتب على أن موافقة الشريعة للعقل لا تعني أن كل فرد سيدرك حكمتها فورًا، بل قد يخفى ذلك على بعض الناس، وأن جعل قبول الأفراد معيارًا للحكم هو في حقيقته تقديم لآرائهم على الشرع، ومن هنا ينتهي إلى ضرورة الفصل التام بين معرفة الحكم الشرعي ووسائل إقناع الناس به، لأن القناعات الجماهيرية ليست دليلًا عقليًا معتبرًا، بل تتداخل فيها مؤثرات متعددة قد تحرِّف الحكم إن جُعلت أساسًا له.
وفي سياق الخطاب الإسلامي المعاصر، ينتقد الكاتب اتجاهًا يسعى إلى تكييف الأحكام لتوافق المزاج الإعلامي الغربي أو التيارات الليبرالية، معتبرًا ذلك مسلكًا يفرّط في الثوابت، بدل من الاجتهاد الحقيقي الذي يجمع بين الثبات على الأحكام وتقديمها بأسلوب مقنع.
هذا مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يلزم المسلم أن يُبلِّغ الأحكام الشرعية لجميع الناس في كل زمان ومكان، فمن يدخل في الإسلام حديثًًا لن يُبلَّغ بجميع الأحكام الشرعية؛ لأنَّ هذا قد يكون سببًا في تنفيره عن الإسلام، وحين تدعو كافرًا إلى الإسلام فليس من الحكمة أن تشرح له كثيرًا من تفاصيل أحكام الإسلام، فهذه أحكام شرعية ثابتة لا إشكال فيها، إنما قد يأتيها زمان أو مكان أو حالة معيَّنة تقتضي ألَّا يظهر الحكم خشية المفسدة. ولهذا قال الصحابي الفقيه عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه–: (ما أنت بمحدِّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة). وقال الخليفة الراشد علي بن أبي طالب – رضي الله عنه–: (حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله).
ففعالية الإقناع يُراعى فيها الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والأشخاص. فهي حالة منفكَّة تمامًا عن تحديد الحكم الشرعي، فالحكم لم يتغيَّر عن حقيقته، وإنما قد لا تستطيع في تلك الظروف أن تُقنع فئة من الناس به.
بالإضافة إلى ذلك يحذر الكاتب من خطورة الانشغال بإرضاء تلك الفئة القليلة ذات المزاج الليبرالي الحداثي مع إهمال عامة الناس الذين يقبلون الحكم إذا تبيّن لهم أنه من الشريعة.
وفي ختام المدخل يؤكد على أن إقناع الناس غاية مهمة ينبغي السعي إليها بكل الوسائل المشروعة، لكن بشرط أن يكون ذلك قائمًا على بيان الحكم لا تغييره، لأن الخضوع لضغوط الواقع أو محاولة كسب الاستحسان الخارجي قد يؤدي إلى تحريف الشريعة، ولو بحسن نية.
ضغط اللحظة الراهنة
بعد أن قدّم الكاتب لهذا المحور المتعلق بالقضايا والأسس المنهجية، بدأ بمناقشة أولى هذه القضايا والأسس وهو ما يتعلق بضرورة الانفكاك عن ضغط الواقع أثناء التعامل مع النصوص والانطلاق من ثوابت الدين ومحكماته إلى الواقع لا العكس.
ويذكر هنا مثال مسألة المعجزات التي كانت تثير في وقت ما إشكالًا للعقل الغربي الحداثي ونتج عن ذلك موجة إلحاد كبيرة، حتى أدى ذلك إلى تأثر البعض في أوساط المثقفين المسلمين بهذا الإشكال ورأوا أنه من أجل حماية الإسلام عليهم أن يجعلوا الإسلام مقبولًا أكثر عند الغربيين ولو بتجاوز النصوص الواضحة، ظنًا منهم أن هذا سيفتح قلوب الغربيين للإسلام وسيحمى الشباب المسلم المعاصر من موجات الإلحاد. ومن ذلك كتاب محمد حسين هيكل الشهير (حياة محمد)، حيث جرَّد فيه سيرة النبي عليه الصلاة والسلام من كلِّ الآثار والسُّنن الواردة في معجزاته عليه السَّلام، وجعل معجزته الوحيدة هي القرآن فقط.
فقد تجاوز الروايات الصحيحة في اثبات معجزات النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه يرى أنها مضرة، وفي هذا السياق يقول في كتابه: “مَضرَّة الروايات التي لا يقرُّها العقل والعلم مَضرَّة قد أصبحت واضحة ملموسة، فضرورة الواقع تفرض تجاوز مثل هذه الأخبار”. ويقول أيضًا: “ولو أنَّهم – أي رواة الحديث – عاشوا إلى زماننا هذا ورأوا كيف اتَّخذ خصوم الإسلام ما ذكروه منها حجَّةً على الإسلام وعلى أهله لالتزموا ما جاء به القرآن”.
وعلى هذا المنوال جرى الكلام على بقيَّة المعجزات الواردة في القرآن، وتبع ذلك تأويل عدد من المغيبات التي لا يتقبَّلها المزاج الماديُّ الغربيُّ؛ كتأويل الملائكة بأنَّها قوى وأرواح مودعة في الكائنات الحيَّة وهي قوى الطبيعة، وتأويل الشيطان بأنه ما يدفع إلى الشر، وينتج عن ذلك بطبيعة الحال تأويل وإنكار أخبار الدجَّال والسِّحر ونزول عيسى وأشراط الساعة وغيرها.
ثم يبين الكاتب أن هذه الموجة وما أثارته من إشكال يتعلق بأمر المعجزات والمغيبات، ذهب الآن وهجها ولم يعُد لها ذلك الأثر، وبدأت تليها إشكالات أخرى. وهنا يؤكد على ذلك الأصل المنهجي، وهو ضرورة التمسُّك بالمُحْكمات الشرعيَّة والثبات المنهجي في فهم الإسلام، وعدم الخضوع لضغط الواقع أو المزاج العام لأنه بطبيعته متقلب ومتغير ولأنَّ العبرة باتِّباع الحق لا بمجاراة الناس، مؤكدًا على أنَّ المنهج الصحيح للمسلم هو البحث عن مراد الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، والسير خلف الدليل الشرعي، مع السعي للتخلُّص من المؤثِّرات التي تصرف عن الحق.
وفي هذا السياق يؤكد الكاتب أيضًا على أنَّ الدفاع عن الإسلام، وأهميَّة تقديم صورة حسنة له، وضرورة حماية الشباب من الانحراف، هي مقاصد نبيلة وغايات شريفة، لكنَّها لا تسوغ التهاون في تحريف أيِّ حكم شرعيٍّ، كما أنَّ التحرُّز من ضغط اللحظة الراهنة لا يعني إهمال الاجتهاد المبنيِّ على المنهج الفقهيِّ في الوقائع المتجدِدة للنَّظر في متغيِّراتها وما يطرأ عليها من ضرورة أو حاجة.
الأوعية الفارغة
ينتقل الكاتب لمناقشة إشكالية منهجية أخرى وهي توظيف القواعد الشرعية توظيفًا خاطئًا لإنتاج أحكام تخالف النصوص والإجماع. وفي هذا السياق يبدأ بعرض نماذج من أحكام معاصرة تخالف الشريعة، كإباحة تولّي المرأة الرئاسة العظمى، وإنكار حدّ الردة، وإجازة الربا، مبينًا أن أصحاب هذه الأحكام استندوا في حكمهم إلى قواعد شرعية صحيحة في ذاتها. فعلى سبيل المثال يقول البعض لا بأس بأخذ الربا من المصارف المعاصرة إذا كان بهدف التجارة؛ لأنه يحقق مصالح عظيمة للفرد، والشريعة إنما تقوم على المصالح فلا يمكن أن تمنع ما فيه مصلحة.
وهنا يبين الكاتب أن سبب رواج هذه الأقوال هو ظنّ الناس أنها قائمة على أصول فقهية صحيحة، فيتعاملون معها كخلاف فقهي معتبَر دون إدراك حجم الخطأ فيها. ويفسّر ذلك بما يسميه “الأوعية الفارغة”، حيث إن كثيرًا من الناس يعرفون أسماء القواعد الشرعية دون فهم حقيقتها وحدودها، فتتحول هذه القواعد في أذهانهم إلى أوعية قابلة لأن تُملأ بأي معنى يُطرح عليهم، فيقبلون الأحكام المنحرفة لثقتهم بالأصل لا بصحة التطبيق. ثم يبين الكاتب الخطأ المنهجي الكامن وراء مثل هذه الأحكام، ففي مثال الربا يبيّن الكاتب أن المصلحة المعتبرة هي المصلحة الشرعية وما حرّمته الشريعة فليس مصلحة حقيقية.
بعد ذلك يشير المؤلف إلى أن هذا الخلل استُغلّ من قِبل بعض التيارات العلمانية التي تدعو إلى توظيف القواعد الشرعية لإضفاء الشرعية على أفكار مخالفة. ويختم ببيان أن كثيرًا من الناس يتأثرون بهذه الطروحات دون وعي بسبب اعتمادهم على مصادر غير متخصصة، وأن بعض المفكرين الذين يتصدرون نقد التراث يعانون من ضعف في فهمه ومع ذلك أصبحوا مرجعًا للشباب، مما يساهم في انتشار الأخطاء.
وخلاصة القول كما يوضح الكاتب أن المشكلة ليست في القواعد الشرعية نفسها، بل في الجهل بحقيقتها وحدودها، مما جعلها أدوات مرنة تُستخدم لتمرير أفكار مخالفة للشريعة، خاصة مع تأثير الخطاب المعاصر غير المتخصص.
سيد الضمانات الفكرية
ينتقل الكاتب هنا للإشارة إلى أحد الأسباب والإشكالات المنهجية التي تجعل بعض الناس يتأثر سريعًا بالانحرافات الفكرية والشبهات التي تثار ضد الإسلام، حيث يبيّن أن ذلك يرجع بشكل كبير لغياب مفهوم “الأناة” عند الكثير ممن يتأثرون سريعًا بالشبهات. ومفهوم “الأناة” هو ذلك المفهوم الذي جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وثنائه لأشج عبد القيس “إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة”.
وهنا يطرح الكاتب مفهوم “الأناة” بوصفه “سيِّد الضمانات الفكرية” والقاعدة المنهجية الأهم لحماية المسلم من الانحراف الفكري؛ حيث يوضح الكاتب أن الخلل الحقيقي لا يكمن في وجود الشبهات أو التساؤلات -فهي طبيعة بشرية ناتجة عن الجهل أو النقص- وإنما في كيفية إدارتها والاستعجال في اتخاذ مواقف انقلابية حيالها. فالعقل الحقيقي ليس مجرد استجابة شعورية أو نظرية، بل هو “إدراك وتريث” يمنع الإنسان من هدم أصوله الكلية الراسخة لمجرد ورود إشكالات جزئية عارضة، تمامًا كما لا يُهدم بناء متماسك لخدوش يسيرة في جدرانه.
وبالتالي فإن غياب التريث والأناة يفتح الباب أمام الضغوط النفسية والآنية لتقود قناعات الإنسان بدلًا من البحث العلمي الرصين، مما يفسر ظاهرة “سرعة التحول” غير العقلانية التي نراها لدى البعض لمجرد تعرضه لبعض القراءات المحدودة التي أثارت بعض التساؤلات.
فالأناة تجعل الشَّخص يستطيع أن يوازن بين القضايا المعروضة بين ناظريه، فيعرف المصالح والمفاسد، ثم يوازن بينها، ثم يوازن بين الخيرين فيختار أخيرهما، وبين الشَّرين فيدفع أشرَّهما، وهو مستوى عالٍ من الإدراك والوعي لا يمكن أن يصل إليه المتعجل. كما أن الموازنة في الإشكالات تجعل الشَّخص يميز بين الأصل والإشكال، فإن ورد عليه إشكال جزئيٌّ على أصل كليٍّ متقرِّر لديه، فمن العقل ألّا يهدم الأصل لوجود إشكال عارض عليه، لأنَّ الإشكال في هدم الأصل سيكون أعظم، بل من العقل أن يحفظ الأصل كما هو، ويبقى هذا الإشكال شبهة يبحث عن حلِّها.
ومما يضاف إلى ذلك أن الأناة تعد كالجسر الذي يصل العبد بربه من خلال “الدعاء والافتقار”، اعترافًا بأن النفس متقلبة وأن الهداية ليست معادلة رياضية جافة، بل هي توفيق إلهي يُطلَب بالصدق والتؤدة والالتجاء إلى الله لتبين الحق وسط ركام الاختلاف وفي ذلك تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يلجأ لربه سائلًا الهدى فقد كان من دعائه عليه السلام: (اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
البقع السوداء
يذهب الكاتب إلى إشكالية أخرى يعاني منها البعض وهي ظاهرة يمكن وصفها بأنها نوع من التستر بالخلاف الفقهي لتمرير انحرافات فكرية معاصرة، حيث يوضح الكاتب أن هناك فئة تستغل المسائل الفقهية الخلافية ليس من باب البحث العلمي المتجرد، بل كمنصة لتسويق أجندات فكرية غريبة وبعيدة عن روح الشريعة.
ويضرب الكاتب مثالا لذلك بخلاف الفقهاء في غطاء الوجه كاشفًا عن ما يسميه “بقع سوداء”. فهم يتجاوزون حدود الترجيح الفقهي إلى الإشادة بالسفور واعتباره رمزًا للتحضر والثقة، بل ويصل الأمر ببعضهم إلى السخرية من النقاب والمطالبة بسَن قوانين تحاربه وتجرم القائمين به، وهو مسلك لم يقل به فقيه قط عبر التاريخ. كما يُبرز النص تناقض هؤلاء في حماستهم لإشهار الرخص الفقهية، مقابل صمتهم وتجاهلهم لمظاهر التبرج والتعري المجمع على حرمتها في القنوات والمجتمعات. وفي الختام، يشدد الكاتب على أن هذا النقد المقصود من الحديث فيه هو تسليط الإضاءة النقدية على ممارسات المنحرفين في التستر خلف بعض الاختيارات الفقهية، وليس غضًا من قول فقهي، ولا طعنًا في فقهاء أجلاء، أو لمزًا لمن يختار هذا القول الفقهي أو ذاك في أي بحث فقهي معتبر لاجتهاد يثاب عليه في كل حال.
الاستدلال الأعمى
في سياق مناقشة الكاتب لعدد من الإشكالات المنهجية التي يقع فيها بعض المنحرفين فكريًا في تعاملهم مع النص الشرعي ينقد الكاتب المنهجية “المجتزأة” في الاستدلال بالقرآن والسنة، مبينًا أن مجرد الاستشهاد بنص شرعي صحيح لا يكفي لشرعية القول ما لم يوافق أصول الاستدلال الكلية التي تقتضي الجمع بين كافة النصوص وعدم ضرب بعضها ببعض.
ويضرب الكاتب مثالًا بمن يدعون من المعاصرين إلى التعايش الإنساني بين الأديان وتقديم صورة متسامحة عن الإسلام، ويصححون في سبيل ذلك سلوك أيِّ طريقٍ لعبادة الله ولو لم يكن طريق الإسلام ويستدلون بقول الله تعالى “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” [البقرة: ٦٢]. متجاهلين نصوصًا قطعية أخرى توجب الإيمان بالرسول واتباعه وأن الدين المقبول عند الله هو الإسلام وأنه يقتضي الإيمان بجميع الأنبياء. ويرجع الكاتب هذا الخلل إلى قصور في الاطلاع الشرعي والوقوع تحت ضغط المنظومات الفكرية المعاصرة كالليبرالية، مما يدفع البعض لمحاولة تطويع الشريعة لتكون مجرد “هامش” يوافق الأفكار الغربية بدلًا من تقديمها كمنظومة مستقلة ومتكاملة.
يؤمنون بالشريعة إلا قليلا
يعالج الكاتب هنا إشكالية منهجية في التعامل مع النصوص الشرعية، تتمثل في اشتراط بعض الناس قبول الأحكام بموافقتها لما يرونه عقلًا ومصلحة. ويبيّن أن هذا المسلك لا يعكس تسليمًا حقيقيًا للشريعة، بل يجعلها تابعة لمعايير مسبقة يضعها الإنسان من خلال فهمه المحدود، فيقبل من النصوص ما يوافقها، ويردّ أو يؤوّل ما يخالفها.
وفي المقابل، يطرح المنهج الصحيح القائم على الانطلاق من الإيمان بأن الشريعة وحيٌ إلهي، فيسعى المسلم إلى فهم مراد الله ورسوله عبر النصوص وأقوال السلف وأهل العلم، ثم يوقن بأن ما جاءت به الشريعة هو عين العقل والمصلحة، لا أن يجعل العقل حاكمًا عليها ابتداءً.
كما يلفت إلى أن “العقل” الذي يُحتكم إليه في هذا السياق ليس معيارًا ثابتًا، بل هو إدراك نسبيّ متغير، يتأثر بالبيئة والتجارب والمعرفة، مما يجعل تعليقه بالشريعة مضطربًا، وقد يؤدي إلى تعطيل الأحكام بسبب قصور الفهم الإنساني.
ويؤكد الكاتب أن كمال العقل يتحقق في التسليم للوحي، وأن جعل العقل قيدًا على النصوص يحرم الإنسان من الهداية، بينما الواجب أن تكون الشريعة هي الحاكمة على العقل والموجِّهة له. ويخلص إلى أن الفارق الجوهري بين الفريقين هو أن أحدهما يؤمن بالشريعة إيمانًا مطلقًا لكونها حقًا، بينما يجعلها الآخر إيمانًا مشروطًا، وهو ما يناقض حقيقة التسليم.
البيئة الحاضنة للانحراف
يتناول الكاتب هنا أحد أسباب الانحراف الفكري والديني، وهو وجود الإنسان في بيئة تغذي فيه الانحراف، مؤكدًا أن الإنسان ليس في مأمن من الفتنة، لكن الفارق يكمن بين مَن يسعى إلى الثبات بالأسباب الشرعية فيُهدى ويُحفظ، وبين من يفتح على نفسه أبواب الشبهات فيُخشى عليه من الضلال.
ويبيّن أن الانحراف لا يرجع إلى سبب واحد، بل هو نتيجة عوامل متعددة، غير أن العامل الأبرز هو وقوع الإنسان في “بيئة حاضنة للانحراف”، تعمل على تغذية الشبهات وزعزعة الأصول الفكرية، حتى يفقد الإنسان توازنه المعرفي.
وفي هذا السياق يحدد الكاتب خصائص هذه البيئة في ثلاثة محاور رئيسية:
أولها: التزهيد في اليقين وتعظيم الشك، حيث يُصوَّر الشك على أنه علامة ذكاء وتميّز، مع أن حقيقته حالة نقص في المعرفة يجب أن يتخلص منها الإنسان إلى اليقين.
ثانيها: تفكيك الأصول الفكرية المستقرة، عبر إغراق الشباب بسيل من الشبهات التي تضعف ثقته بثوابت دينه، وتوقعه في حالة من الحيرة تجعله متذبذبًا بين الإقرار النظري والتخلي العملي.
ثالثها: الانفتاح الفوضوي على مختلف التيارات الفكرية دون تأصيل علمي، مما يجعل الشاب عرضة للتأثر بها، خاصة مع وجود انبهار نفسي بأصحابها، فيتلقاها دون تمحيص.
ويخلص الكاتب إلى أن هذه العوامل الثلاثة تمثل الإطار العام الذي تتكوّن فيه الانحرافات المعاصرة، خاصة لدى الشباب، لما تسببه من زعزعة لليقين وإضعاف للمرجعية الشرعية.
الحلقة المفقودة
يعالج الكاتب هنا ظاهرة التوسّع في استخدام مفاهيم مثل “الخلاف”، و”الظنّ” و”المتغيّرات”، لتبرير تجاوز الأحكام الشرعية، حيث يلجأ البعض إلى استخدام هذه المصطلحات كوسيلة جاهزة لدفع أي اعتراض، دون تحرٍّ علمي أو مراجعة منهجية، مما يؤدي إلى إضعاف الإلزام بأحكام الشريعة وتحويلها إلى مجال مفتوح للاختيار الشخصي.
ويبيّن أن وجود الخلاف والظنّ في بعض مسائل الشريعة أمر حقيقي، لكنه لا يعني سقوط الإلزام أو إباحة الانتقاء، بل إن في الشريعة أيضًا قطعيات ثابتة لا تقبل هذا التوسّع، كما أن التعامل مع المسائل الخلافية له منهج منضبط يقوم على الاجتهاد للوصول إلى الراجح وفق الأدلة، والرجوع إلى الكتاب والسنة، لا اتخاذ الخلاف ذريعة للتفلّت.
ويكشف الكاتب كذلك عن ظاهرة تبنّي أقوال شاذة أو دخيلة لا تنتمي إلى البناء الفقهي، يتم استدعاؤها لتبرير تصورات مسبقة متأثرة بضغوط فكرية معاصرة، ثم يُبحث لها عن مخارج داخل التراث ولو بتأويلات متكلّفة، مما يوقع في اضطراب منهجي أكبر.
ويخلص إلى أن الإشكال الجوهري في كثير من هذه الطروحات ليس في النتائج فقط، بل في “غياب المنهج” أو اضطرابه، وهو ما يمثّل الحلقة المفقودة في التعامل مع القضايا الخلافية والظنية، ويؤدي إلى الانحراف في فهم الشريعة وتطبيقها.
التسربات الفكرية
يعرض الكاتب هنا نموذجين شائعين في الواقع المعاصر: النموذج الأول يتمثل في من يدخل في نقاش الشبهات بدافع الغيرة على الدين، ولكن يناقش بناء على أصول خاطئة، ونموذج آخر يتمثل في من يعرض نفسه للشبهات ونقاشاتها بدافع الفضول فقط، لكنّ كليهما قد يتأثر تدريجيًا حتى يتبنّى بعض الأصول الفاسدة دون أن يشعر.
ويركّز الكاتب على خطأ يرتكبه الكثير من قليلي العلم في مسألة مناقشة الشبهات، أو من يعرضون نفسهم لها وهو التسليم بمقدّمات وأصول خاطئة أثناء الحوار، حيث ينشغل المحاور أو القارئ بدفع الشبهة فيقبل افتراضات غير صحيحة، ثم يبني عليها دفاعه، دون أن تكون هذه الأصول مستمدة من القرآن أو السنة أو من منهج علمي راسخ، بل من ضغط الجدل وإلزام الخصم.
ويبيّن أن هذه المشكلة قديمة، وكانت سببًا في نشأة انحرافات عقدية، مثل ما وقع للجهم بن صفوان حين بنى تصوّره العقدي تحت تأثير شبهة عجز عن ردّها. ثم يذكر أمثلة معاصرة، كمن يتبنّى مفاهيم علمانية كحرية الرأي المطلقة تحت ضغط من يتهمون الإسلام بأنه يقيد الحريات، أو من يقدّم العقل على النقل عندما يتهمه الخِصم بأن الإسلام ضد العقل والعلم فيسرع بانهزام نفسي بالرد بأن الإسلام يعلي من شأن العقل وأن العقل مقدم في الإسلام على كل شيء، ظنًا منه أنه يدافع عن الإسلام، بينما هو في الحقيقة يُدخل أصولًا تهدمه من الداخل ويرد الخطأ بخطأ مثله.
ويخلص الكاتب إلى أن الحل ليس في ترك الدفاع عن الإسلام، بل في التسلّح بالعلم الشرعي قبل خوض النقاشات، والرجوع إلى العلماء وعدم الاستقلال بتقرير الأصول، مع الحرص على أن تكون الإجابات صحيحة لا مجرد ردود جدلية؛ لأن البناء على أصول فاسدة يفضي إلى الانحراف وضعف الحجة معًا.
كاسر النسبية
يناقش الكاتب هنا مسألة ضعف معيارية الشريعة على المستوى العملي، حيث يقرر أنَّ قاعدة “الرجوع إلى الكتاب والسنة بوصفهما معيار الحق” قاعدةٌ متفقٌ عليها نظريًا، لكنها كثيرًا ما تضعف في التطبيق العملي، إذ تزاحمها معايير أخرى حتى تفقد أثرها الحقيقي في توجيه الأحكام والمواقف.
يبيّن الكاتب أنَّ الالتزام بهذا المعيار ليس مسألة معرفية مجردة، بل هو ثمرة إيمانٍ وخضوعٍ وانقياد، ولذلك فإن ضعفه في الواقع يرجع إلى عوامل تضغط عليه حتى تكسره. ويركّز على عاملين رئيسيين في هذا السياق، خاصة في القضايا السياسية الشرعية:
أولًا: كاسر النسبية، ويتمثل في الاعتراض المتكرر: “الشريعة على فهم مَن؟”، الذي كثيرًا ما يستخدمه البعض لتفكيك مرجعية الشريعة، بحيث تُصبح غير قادرة على الحسم في القضايا بدعوى تعدد الفهوم. ونتيجة لذلك، تُفرغ الشريعة من مضمونها العملي، ويُستعاض عنها بمعايير بشرية أو علمانية، بدعوى عدم اليقين والنسبية، مما يفضي إلى الشك، أو الإعراض، أو ضعف الالتزام، حتى في القضايا القطعية الواضحة.
ثانيًا: كاسر مساواة الحق بالباطل، حيث يُرفض تطبيق بعض الأحكام الشرعية بحجة أنه يلزم منها إقرار مثلها للآخرين، وبهذا المنطق يرفض أن تقول بمنع نشر الكفر والضلال؛ لأنك تشرع لهم أن يمنعوا نشر الخير والإسلام، ويرفض أن تدعم إخوانك المسلمين المضطهدين؛ لأنك تشرع للآخرين أن يدعموا إخوانهم في أوطان المسلمين وهكذا يسوى ًاصحاب هذا المنطق بين الحق والباطل. وفي هذا السياق ينتقد الكاتب هذا التصور، مبينًا أنه يقوم على أخطاء عدة، منها: إهمال المرجعية الشرعية، وتوهم أن الآخرين يبنون مواقفهم بناءً على أفعال المسلمين، وإغفال حقيقة استحالة الاتفاق الكلي بين البشر في المفاهيم، وأخيرًا الخلط بين العدل والمساواة المطلقة، إذ العدل يقتضي التفريق بين الحق والباطل لا التسوية بينهما.
ويخلص الكاتب إلى أنَّ معيار الكتاب والسنة يبقى نظريًا ما لم يُفعَّل عمليًا، وأنَّ ضغط المفاهيم الغربية والإعلامية قد يضعف هذا المعيار في نفس المسلم، فينحرف أو يضعف، أو يزداد تمسكًا وإيمانًا بحسب قوة يقينه.
بين صورتين
يقارن الكاتب هنا بين عزوف كبار علماء وأئمة الأمة عن للتعرض الشبهات والحذر منها والنأي بأنفسهم عنها وذلك على سعة علمهم بالشريعة في مقابل انغماس الشباب المعاصرين في التعرض للشبهات بشكل منفتح تمامًا رغم قلة العلم وضعف الأدوات، ويعزو الكاتب هذا الحذر الذي كان عند السلف من الشبهات ومواردها إلى عمق فقههم، فهم لم يتحاشوها لقلة علمهم أو لقوة الشبهة أو لضعف أدواتهم في الحجاج، فقد تجلت عبقريتهم في هذا المضمار عندما رأوا أن هناك مصلحة في خوضه، أما فيما سوى ذلك فقد كانوا ينأون عنها لتعظيمهم لكلام الله وكلام رسوله، فكانت نفوسهم تنفر من أي كلام يقدم بين يدي كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك لتمام يقينهم بأنهم على الحق والصراط المستقيم، ولمعرفتهم بحقيقة الشبهات فهم يدركون أنها ليست مجرد معلومات يقبلها الإنسان إن شاء ويتركها إن شاء بل قد تؤثر في قلبه حتى وإن كان كاره لها، ولأنهم كانوا أهل جد في الحياة يبحثون عن العمل والطاعة والعبادة وما فيه نفع في الدين والدنيا.
الخصم الأكبر
يناقش الكاتب في هذا الجزء الرأي القائل بضرورة تقديم خطاب عقلاني برهاني لدعوة الناس إلى الإسلام، وهو رأي سديد بلا شك وينبغي الاعتناء به، وهو منهج قرآني من حيث الأصل لكنه يشير إلى بعض الأمور التي ينبغي أخذها في الاعتبار في هذه المسألة. فيبين أن دخول الناس في الإسلام من عدمه لا يتوقف فقط على وضوح الدليل العقلي فهناك الكثير من الأسباب تحول بين الإنسان وبين الهداية للإسلام؛ منها الإعراض عن الحق، الحسد، حب الدنيا، الكبر والتعصب للآباء. هذا بالإضافة إلى أن الهداية والتوفيق وانشراح الصدر للإسلام بيد الله عز وجل.
فأمر الهداية ليس قضية عقلية صرفة بل يدخل في الأمر أهواء وأدواء النفوس، فدور الدليل العقلي أن يبيّن الحق للشخص وليس أن يدخله في الإسلام، وحين لا ينشرح صدر الشَّخص للإسلام فإنَّه قادر على المجادلة وإثارة الملفات المختلفة إلى ما لا نهاية.
بين الأصل والاستثناء
يعرض الكاتب هنا نقدًا لمنهجٍ شائع في الطرح الفكري المعاصر، يتمثّل في الخلط بين الأحكام الشرعية الأصلية التي تُقرَّر في حال السعة والاختيار، وبين الأحكام الاستثنائية التي تُرخَّص في حالات الضرورة والحرج. ويبيّن الكاتب ذلك من خلال بعض الأمثلة كالقول بأن الحجاب ليس واجبًا على المرأة، لأنَّه يسبِّب لها عددًا من المضايقات والاعتداءات المختلفة، أو أن حرية الرأي مكفولة في النظام السياسي، فمن حقِّ أيِّ أحد أن يعبِّر عن أيِّ رأي مهما كان ما دام أنَّه لم يعتدِ على أحد؛ لأنَّنا لا نستطيع أن نمنع الآراء، ولو أردنا المنع فالخاسر هو الدعاة إلى الإسلام.
ويؤكد أن المنهج الصحيح يقتضي أولًا تقرير الحكم الشرعي كما جاء في النصوص، ثم النظر بعد ذلك في الوقائع الاستثنائية التي قد تستدعي رخصًا مؤقتة، مع ضرورة التمييز الواضح بينهما. أما جعل الواقع هو الذي يفرض الحكم، ثم البحث له عن أدلة، فهو قلبٌ للمنهج. ويذكر الكاتب أن هذا الطرح أكثر ما يستخدم في المجال السياسي.
ويُبيّن أن هذا الخلط يؤدي إلى عدة إشكالات خطيرة، منها تحريف المفاهيم الشرعية بإدخال ما ليس منها فيها، وتغيير مسار الإصلاح بحيث يصبح الواقع هو الحاكم بدل الشريعة، ومخالفة فقه الضرورات الذي يقيّد الاستثناء بقدره وزمانه ومكانه، إضافة إلى إدخال مفاهيم جديدة في بنية الفقه لم تكن معروفة من قبل حتى تُعرض كأنها من أصول الشريعة.
وفي المقابل، لا ينفي الكاتب أهمية مراعاة الواقع والاجتهاد في النوازل، بل يقرر أن الصواب هو الجمع بين الأمرين: الالتزام بالأصل الشرعي من جهة، والنظر الاجتهادي في المستجدات من جهة أخرى، دون خلطٍ بين الأصل والاستثناء أو تعطيلٍ لأحدهما.
هوس التفسير السياسي
ينتقد الكاتب ظاهرة الهوس بالتفسير السياسي للتراث، حيث يُسلّط الضوء على الصرامة المنهجية لأئمة السلف في اعتزال السلطة ورفض الدخول على السلاطين، معتبرًا أن هذا الموقف لم يكن مجرد زهدٍ شخصي، بل تمثّل في كونه “صيانة ربانية” حمَت الشريعة من التبعية السياسية. وينتقد الكاتب بشدة “التفسير السياسي” السائد في الدراسات العلمانية والاستشراقية المعاصرة، والتي تحاول اختزال التراث الفقهي والنصوص الشرعية في صراعات السلطة، واصفًا هذا المنهج بالهشاشة والسطحية؛ بدليل وقوع أصحابه في أخطاء تاريخية فادحة (مثل ادعاء تعاون الإمام الشافعي مع الأمويين رغم ولادته بعد زوال دولتهم). ويخلص إلى أن هؤلاء الباحثين ركزوا على “دواعي الكذب ” المتمثلة في شهوة التقرب من السلطان، وأغفلوا تمامًا “موانع الكذب” المتجذرة في ديانة العلماء وعدالتهم، وقوة منظومة “الجرح والتعديل” التي جعلت من اختراق السياسة لبنية العلم الشرعي وروايته أمرًا مستحيلا.
السلفية منهج أم جماعة
في نهاية هذا المحور يتناول الكاتب ظاهرة تصاعد الهجوم الإعلامي على السلفية، مؤكدًا أن هذا الهجوم ليس طارئًا أو موسميًا، بل هو مستمر يتجدد بحسب الظروف، ويستهدف في حقيقته المنهج الإسلامي عمومًا، لا مجرد جماعة بعينها، وهو ما يفسّر عدم تمييز كثير من المنتقدين بين السلفية كمنهج والسلفية ككيانات أو جماعات.
ويبيّن الكاتب أن السلفية في أصلها منهج يقوم على فهم الإسلام وفق ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، باعتبارهم الأعلم والأفقه بالدين، وأن الانتساب إليها يتحقق باتباع هذا المنهج، لا بالانتماء إلى جماعة محددة. لذلك فالسلفية ليست كيانًا تنظيميًا له ممثل رسمي، بل هي طريقة في الاستدلال والفهم، يُحاكم إليها الأفراد والجماعات، لا أن تُحاكم هي إلى أحد.
المحور الثاني
قواعد الاستدلال وأصوله
يتطرق الكاتب في هذا المحور لعدد من قواعد وأصول الاستدلال والتي يتناولها بصورة غير مباشرة من خلال تسليطه الضوء على مجموعة من صور ونماذج الانحراف الفكري في المنهج الاستدلالي لدى بعض العلماء.
الشاطبي المفترى عليه
يعرض الكاتب صورةً نقديّةً لكيفيّة توظيف بعض المنحرفين لفكر الإمام الشاطبي، مبيّنًا أنَّه من أكثر العلماء الذين شُوِّهت صورتهم، إذ جُعل اسمه ومشروعه المقاصدي ذريعةً لتبرير التأويلات التي تُهوِّن من النصوص الشرعيّة الجزئيّة بدعوى المصلحة أو العقل أو الكليات، وزُعم أنّه أحدث قطيعة مع منهج الأصوليين منذ الشافعي، وأنّه قدّم المقاصد على النصوص.
لكنّ الرجوع إلى كتاب الموافقات يكشف زيف هذه الصورة، ويُظهر أن الشاطبي على منهج السلف في تعظيم النصوص، وتقديم الدليل الشرعي على العقل والمصلحة، وأن مشروعه المقاصدي لا ينفصل عن النصوص الجزئية، بل يؤكّد التكامل بينها وبين الكليات. فالعقل عنده تابع للنقل لا متقدّم عليه، ولا يُعتدّ به إلا في إطار ما يقرّره الشرع، كما أنّ النصوص الجزئيّة لها مكانة عظيمة، ولا يجوز إهدارها بحجّة المقاصد، بل الخطأ يقع سواء في إهمال الجزئي للكلي أو العكس، وقد قرّر أن كل دليل شرعي – كليًا كان أو جزئيًا – يُعد أصلًا معتبرًا.
ويؤكّد الشاطبي كذلك على خطورة اتباع الهوى، وأن مقصد الشريعة إخراج المكلّف من داعية هواه، لذلك شدّد على منع تتبّع رخص الفقهاء، وأوجب على المفتي ترجيح القول الأقوى وعدم فتح باب التخيير الذي يفضي إلى اتباع الشهوات، لأن ذلك يناقض أصل الشريعة.
كما يركّز على أن العلم الشرعي وسيلة للعمل والتعبّد، ويرفض الاشتغال بمباحث لا تثمر عملًا، وينتقد التأويلات التي تصرف النصوص عن ظاهرها، معتبرًا أن هذا المسلك يؤدّي إلى إبطال الشريعة وتحريف معانيها. ويحذّر من الجرأة على تفسير كلام الله دون تثبّت، لأن ذلك قول على الله بغير علم.
وفي النهاية يبرز أن الشاطبي يقدّم المصالح الدينيّة على الدنيويّة مطلقًا، وأن مشروعه في المقاصد يسدّ الطريق أمام محاولات التلاعب بالأحكام، حتى إن بعض المعاصرين دعوا إلى تجاوزه؛ لأن التزامه الصارم بالنصوص يمنع توظيف المقاصد لخدمة الأهواء.
بين مقاصد الشريعة ومقاصد النفوس
ينتقد الكاتب توظيف بعض المعاصرين لمفهوم “المقاصد الشرعية” لتبرير تجاوز النصوص والأحكام الشرعية. ويبيّن أن المقاصد عند فقهاء الإسلام كـالجويني والغزالي والعز بن عبد السلام وابن تيمية والشاطبي تختلف جذريًا عن هذا الاستخدام المعاصر؛ فهي عندهم قواعد كلية مستنبطة من استقراء النصوص، ولا يجوز أن تُستعمل لنقض حكم شرعي جزئي ثابت. بل مِن أهم أصولها أنه لا يصح ردّ النصوص والأحكام بدعوى مخالفتها للمقاصد.
كما يؤكد أن المنهج الصحيح يقتضي الجمع بين الكليات والجزئيات، فلا يُهمل أحدهما لصالح الآخر، وإذا ظهر تعارض ظاهري فالمطلوب التوفيق بينهما لا إلغاء النصوص. ويحذّر من أن هذا المسلك يؤدي إلى نسف الشريعة وتعطيل أحكامها، حيث يمكن ردّ أي حكم بربطه بمقصد عام كالتيسير أو الرحمة أو الحرية، وهو ما أدى بالفعل إلى إنكار كثير من الأحكام كالحجاب، والحدود، وتحريم الربا، وغيرها.
ويخلص إلى أن هذه المقاصد المزعومة ليست إلا تعبيرًا عن أهواء شخصية ومصالح دنيوية، بخلاف المقاصد الشرعية الحقيقية التي تهدف إلى تحقيق مصالح الدين والدنيا معًا كما دلّت عليها نصوص الكتاب والسنة.
مع نظرية المصلحة عند نجم الدين الطوفي
يناقش الكاتب مقولة “تقديم المصلحة على النص” المنسوبة لنجم الدين الطوفي – رحمه الله – وهو من فقهاء وأصوليي الحنابلة (ت،716 هجري)، مبيّنًا أنها استُخدمت في العصر الحديث كأداة لتبرير تحريف الأحكام الشرعية وتجاوز النصوص، رغم جهود العلماء في شرحها وبيانها.
ويشرح الكاتب أن الطوفي وإن كان لم يوفق في صياغة هذه المقولة إلا أنه لم يقصد إطلاق تقديم المصلحة على النص، بل وضع لذلك ضوابط دقيقة، منها: عدم تقديم المصلحة على النصوص القطعية، ولا على أحكام العبادات والمقدرات، وأن تكون المصلحة معتبرة شرعًا، وألا يُلجأ إلى تقديمها إلا عند تعذّر الجمع بينها وبين النص، وأن ذلك يكون من باب تخصيص العموم لا إلغاء النص. ومع ذلك، فإن صياغته أسهمت في سوء استخدامها.
كما يؤكد الكاتب أن الطوفي لا يقصد المصلحة العقلية أو الدنيوية المجردة، بل المصلحة الشرعية المستندة إلى النصوص، ويرى أن التعارض الحقيقي بين النص والمصلحة غير متصوَّر؛ لأن النصوص جاءت بأكمل المصالح، وإنما يقع التعارض الظاهري بسبب فهم خاطئ للنص أو توهّم مصلحة غير حقيقية.
ثم يبيّن الفروق الجوهرية بين منهج الطوفي ومنهج المعاصرين الذين يستندون إليه؛ وأول هذه الفروق أنهم يعرّفون المصلحة تعريفًا دنيويًا صرفًا متأثرًا بالرؤية العلمانية، ويشككون في دلالة النصوص، ولا يفرّقون بين أبواب الشريعة، كما يعتمدون منهجًا يقوم على تقديم الواقع والرغبات ثم تأويل النصوص لتوافقها.
ويخلص إلى أن هذا المسلك يجعل النصوص عبئًا تابعًا للمصلحة المتوهمة، في حين أن الحقيقة أن النصوص الشرعية جاءت لتحقيق أعظم المصالح في الدنيا والآخرة، وأن التعارض ليس بين النص والمصلحة، بل بين المصلحة الشرعية الحقيقية وأهواء النفوس التي تُلبس لباس المصلحة.
مصارع المغرقين
يؤكد الكاتب في هذا الجزء على حجية السنة النبوية وبيان منهج السلف في تعظيم السنة النبوية الصحيحة، حيث يؤكد أن منهج فقهاء الإسلام قائم على القبول التام لحديث النبي – صلى الله عليه وسلم- إذا صحّ، ولم يكن أحد منهم يرده عمدًا، وإنما ما وقع من ترك بعض الأحاديث كان لأعذار معتبرة؛ كعدم بلوغ الحديث، أو تأويله، أو اعتقاد معارضته لما هو أقوى.
ويبيّن أن هذا هو منهج الصحابة والتابعين، في مقابل بعض المناهج المعاصرة التي تنكر السنة أو تعاني من ضعف التسليم للسنة، حيث يضع أصحابها قيودًا وشروطًا تؤدي عمليًا إلى تعطيلها، كالاكتفاء بالقرآن فقط، وهي دعوى متناقضة؛ لأن الإيمان بالقرآن يستلزم الإيمان بالسنة، بل إن الواقع يكشف أنهم يرفضون حتى بعض قطعيات القرآن إذا خالفت التصورات العلمانية المعاصرة، مما يدل على أن الدافع الحقيقي هو التخفف من التكاليف الشرعية.
كما ينتقد اشتراط بعضهم التواتر في قبول السنة، أو رفض أحاديث الآحاد في العقائد والقضايا الكبرى، مبيّنًا أن هذه شروط محدثة لم يعرفها السلف، وأن أصحابها يتناقضون؛ إذ يقبلون ما يوافق أهواءهم ويردّون ما يخالفها، ولو كان أقوى سندًا.
من السلامة إلى الغل
في الجزء الأخير من هذا المحور ينتقل الكاتب إلى الحديث عن مكانة الصحابة، وفي هذا السياق ينتقد على وجه الخصوص من يخوضون بلا علم ولا حاجة في مسألة الفتنة التي وقعت بين الصحابة – رضي الله عنهم-، ويبين الكاتب أن الموقف الإسلامي الصحيح تجاه ما وقع بين الصحابة من خلافات (الفتنة) يرتكز على توقير مكانتهم التي أثبتها القرآن الكريم والسنة النبوية، وليس على محاولة إخفاء التاريخ أو الجهل به. وتتخلص دوافع هذا المنهج في ست نقاط أساسية:
أولًا- تنقية التاريخ من الروايات المكذوبة التي وضعها الخصوم والمبتدعة، والتي يفتقر الكثير من الباحثين للأدوات العلمية لتمييزها.
ثانيًا- الإدراك بأن الخوض في هذه التفاصيل لا تترتب عليه ثمرة فقهية أو عملية تمس أصول الدين.
ثالثًا- الحذر من غياب الإنصاف، فالحكم عليهم يتطلب ميزانًا دقيقًا يوازن بين حسناتهم العظيمة واجتهاداتهم التي قد يخطئون فيها، وهم في ذلك بين أجر وأجرين.
رابعًا- الحاجة إلى رؤية شمولية تدرك سياقات الأحداث ودوافعها بدلًا من قراءتها منقوصة مما يوغر الصدور.
خامسًا- التأكيد على أن الصحابة ليسوا معصومين، لكن أخطاءهم مغمورة في بحار فضائلهم وسوابقهم في الإسلام.
سادسًا- أن الغاية من دراسة هذه الحقبة – لمن ملك الأهلية- يجب أن تكون استنباط الدروس الأخلاقية والشرعية الرفيعة التي تجلت حتى في أحلك ظروف القتال، مع سد الذرائع أمام الغل والضغينة التي لا تخدم إلا أعداء الأمة. وبذلك تكون وصية العلماء بـ “الكف عما شجر بينهم” هي نصيحة منهجية لحفظ سلامة القلب والديانة، لا هروبًا من الحقائق التاريخية.
المحور الثالث
المفاهيم والأحكام الشرعية
الانقياد المشروط
يبين الكاتب أن بعض أصحاب التوجهات المنحرفة عن النص الشرعي يلجؤون إلى تتبع الأقوال الفقهية القديمة والحديثة التي توافق آراءهم، فيجمعونها ليجعلوا منها وسيلة لتجاوز الاعتراضات على آرائهم. فإذا ذُكّروا بالنصوص الشرعية من القرآن والسنة احتجوا بوجود خلاف فقهي في المسألة، وزعموا أن وجود هذا الخلاف يمنع التضييق على الناس أو إلزامهم بحكم معين.
ويرد الكاتب على هذا المسلك بأن الله تعالى قد حسم هذه القضية في قوله: “فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ”، فمرجع الخلاف في الأحكام الشرعية هو كتاب الله وسنة رسوله – عليه الصلاة والسلام-، لا مجرد اختلاف الفقهاء. أما جعل الخلاف الفقهي ذريعة لترك العمل بالنصوص فهو قلب للمنهج الصحيح؛ إذ يجعل حكم الله ورسوله تابعًا لأقوال الفقهاء، بينما المنهج السليم هو أن تُعرض أقوال الفقهاء على النصوص، لا العكس. وهذا ما اتفق عليه الفقهاء أنفسهم، إذ كانوا يرون أن أقوالهم تزول إذا ظهر دليل الوحي.
ومن المفارقات التي يشير إليها الكاتب أنهم إذا وجدوا حكمًا أجمع عليه فقهاء الإسلام ولا يوافق أهواءهم المعاصرة، انتقلوا إلى التشكيك في أصل الإجماع نفسه، فيثيرون الشبهات حول حجيته أو إمكانية تحققه، أو يدّعون استحالة الجزم بعدم وجود قول مخالف.
أين الثوابت والمتغيرات؟
ينتقد الكاتب استخدام البعض مصطلح “الثوابت والمتغيرات” ليس لخطأ في المصطلح ذاته وإنما لما يترتب عليه من تصورات منحرفة لدى البعض. وفي هذا السياق يبيّن أنه مصطلح حادث في الفكر الإسلامي، وليس من المصطلحات التراثية، ويذكر أن تفسيرات المعاصرين له تدور حول ثلاث صور: الثوابت هي القطعيات مقابل الظنيات، أو المجمع عليه مقابل المختلف فيه، أو الأصول مقابل الفروع. وهذه كلها ترجع في حقيقتها إلى معنى واحد، وهو أن الثوابت هي الأصول القطعية المتفق عليها، وما عداها فهو دون ذلك.
ويؤكد أن الإشكال ليس في تعريف المصطلح، بل في الآثار والنتائج التي تُبنى عليه؛ إذ إن بعض الناس يستعمله استعمالًا صحيحًا، بينما يبني عليه آخرون تصورات فاسدة. ومن أبرز الأخطاء جعل الثوابت وحدها هي الأحكام الملزمة، واعتبار المتغيرات خارجة عن الشريعة، يجوز الأخذ منها وتركها بحسب المصلحة والواقع.
ويفند الكاتب هذا التصور ببيان أن ما يُسمى بـ “الظنيات” هي أيضًا أحكام شرعية ثابتة وملزمة، وإنما وُصفت بالظن من حيث درجة الدليل لا من حيث الإلزام، فهي داخلة في الشريعة ويجب العمل بها، وإن تفاوتت مراتبها قوة وضعفًا. كما يبيّن أن الخطأ نفسه يتكرر في دائرة “المختلف فيه”، حيث يُجعل كل ما فيه خلاف غير ملزم، وهذا قلب لمنهج الشريعة؛ إذ الأصل ردّ النزاع إلى الكتاب والسنة، لا جعل حجية الحكم متوقفة على الإجماع.
ثم يخلص إلى أن التعامل الصحيح مع هذا المصطلح يكون بأحد طريقين:
- إما استعماله دون ترتيب أحكام عليه، فيكون مجرد بيان لدرجة الحكم لا لإلزامه.
- أو – وهو الأصح– تفسيره تفسيرًا منضبطًا، بحيث تكون الثوابت كل ما ثبت بدليل شرعي (قطعيًا كان أو ظنيًا، مجمعًا عليه أو مختلفًا فيه)، وتكون المتغيرات هي الأحكام الاجتهادية المرتبطة بالأعراف والمصالح التي تتبدل بتغير الزمان والمكان.
ويؤكد أن الأحكام الظنية والخلافية ليست متغيرة، بل ثابتة من حيث أصلها الشرعي، وأن الخلاف فيها يدور حول فهم الدليل، لا حول إلغائه. ويختم بالتنبيه إلى ضرورة ضبط هذه المصطلحات؛ لأن شيوعها دون تدقيق قد يجعلها وسيلة لتمرير تصورات منحرفة تحت عناوين مقبولة.
التسامح الفقهي
يسعى الكاتب هنا إلى بيان المنهجٍ الصحيحٍ لفهم الحوارات الشرعيّة والفكريّة في فضاء الإنترنت، حيث يبرز أنَّ من مزاياها إتاحة الاطلاع على مختلف أطراف المسألة، مما يمكّن القارئ من تكوين صورة شاملة عنها، بشرط أن يكون الحوار جادًّا قائمًا على العلم. ومن هنا يقرّر قاعدة مهمّة، وهي ضرورة الانتباه إلى ظاهرة “تداخل الموضوعات” و”اختلاط الملفات”، إذ إنَّ كثيرًا من الخلل في الفهم ينشأ من التعامل مع قضيّة مركّبة وكأنها مسار واحد، بينما هي في الحقيقة تتكوّن من عدّة ملفات ينبغي فصلها وتحليلها كلٌّ على حدة.
ويطبّق الكاتب هذه القاعدة على موضوع “التسامح الفقهي”، فيقسّمه إلى خمسة ملفات رئيسة:
أولها: أخلاقيّات الحوار، كحسن الأدب مع المخالف، والعدل، وترك تتبّع النيات، وهي قيم عظيمة أكّدتها الشريعة. لكن مع ذلك لا ينبغي الخلط بينها وبين الحكم على صحة الأقوال؛ فحسن الأسلوب لا يعني صحة الفكرة، وسوء الأسلوب لا يستلزم بطلانها.
ثانيها: مسألة تأثيم المجتهد، حيث يقرّر أنَّ خطأ المجتهد لا يوجب فسقه ولا مؤاخذته إذا اجتهد واتقى الله، وهو ما رجّحه عدد من العلماء، وعلى رأسهم ابن تيمية.
ثالثها: الإنكار في مسائل الخلاف، وهو مرتبط بالنصوص الشرعيّة لا بمجرد وجود الخلاف، فلا يمنع الخلاف من الإنكار، لكن يجب أن يكون ذلك بحكمة ومن غير تعدٍّ أو تأثيم، مع التوازن بين مبدأ الإنكار والتسامح.
رابعها: الاختيار بين الأقوال الفقهيّة، وفيه يرفض طرفين متقابلين: فرض قول واحد على الناس، وفتح باب التخيّر المطلق للأيسر. ويقرّر أنَّ القادر على الترجيح يلزمه اتباع ما يراه راجحًا، وغير القادر يسأل أهل العلم دون تتبّع الرخص.
خامسها: التسامح مع الانحرافات العقديّة، ويؤكد أنه ملفٌّ مختلف عن التسامح الفقهي، إذ لا يجوز إدخاله فيه أو تمييعه، لأن هذه الانحرافات تصادم أصول الشريعة، ويقع الخطأ حين يُخلط بين الحكم على القول والحكم على قائله أو بينه وبين أخلاقيات الحوار.
ويختم الكاتب بالتأكيد على أنَّ مشكلة اختلاط الملفات ليست خاصة بهذا الموضوع، بل هي ظاهرة عامة، وأن المنهج الصحيح هو التفصيل والتمييز، فلا يُقبل الكلام بإطلاق ولا يُردّ بإطلاق، بل يُقبل ما فيه من حق ويُردّ ما فيه من باطل بعد تحليل دقيق لكل جزئية.
جامعة الانحرافات الفكرية المعاصرة
يناقش الكاتب هنا مجموعة من الانحرافات الفكرية المعاصرة مثل إنكار البعض حد الردة في الإسلام، حيث يبين أن هذا الحكم قد اجتمع فيه من أسباب الانحراف ما تفرق في غيره، فالبعض ينكره لأنه منكر للسنة، أو من يعطل الشريعة بدعوى الخلاف الفقهي، أو المصلحة، أو من يرى أنه لا يروق للثقافة الغربية الغالبة.
ثم بعد ذلك قدم الكاتب مناقشة تفصيلية للجدل الفقهي حول هذه المسألة ليبين حدوده ومدارسه واتجاهات القائلين به، ليصل إلى نتيجة مفادها أن ليس هناك أي جدل فقهي في هذه المسألة من حيث الأصل وإنما أثير الجدل حول هذه القصية في زمننا المعاصر بعد هيمنة الثقافة العلمانية الغربية.
لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه
يناقش الكاتب هنا استدلال البعض بحديث “لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه” في تعطيل الكثير من الأحكام الشرعية بحجة أنها ستنفر الناس من الإسلام. ويبين الكاتب عدد المرات التي صح فيها هذا الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم-، كما وضح الملابسات والظروف التي أحاطت بكل موقف قال فيه النبي – صلى الله عليه وسلم- هذه المقولة حيث كان ذلك موجهًا للمنافقين، حيث امتنع النبي عن قتل المنافقين لاعتباراتٍ شرعيةٍ وسياسية، أهمّها: أن المنافقين كانوا يُظهرون الإسلام ويُخفون الكفر، فالحكم عليهم كان مبنيًّا على الظاهر لا على ما في القلوب، إضافةً إلى خشية وقوع لبسٍ عند الناس فيظنّوا أن النبي يقتل أصحابه، مما ينفّرهم من الدخول في الإسلام.
وبناءً على ذلك يوضح الكاتب أن ترك النبي – صلى الله عليه وسلم- معاقبة المنافقين كان له سببان: الأخذ بظاهر حالهم، ووجود شبهةٍ تُخفي حقيقة جرمهم عن عامة الناس. كما يبيّن أن المجاهرين بالنفاق لم يُعاقبوا أيضًا إما لعدم وضوح كفرهم الصريح، أو لوجود مفسدة أعظم تتمثل في تشويه صورة الإسلام.
وعلى الرغم من ذلك فإن الكاتب يحذر من التوسّع الخاطئ في هذا الفهم، مؤكدًا أنه لا يجوز تعطيل الأحكام الشرعية بدعوى تنفير غير المسلمين، بل الواجب هو بيانها والدفاع عنها. كما يضع ضوابط دقيقة لتطبيق ما يقرره هذا الحديث الشريف، منها: وجود شبهة حقيقية، ووقوع مفسدة عظيمة عامة، وألا يؤدي ذلك إلى إلغاء الحكم أصلًا.
ويستثني من ذلك الأحكام الواضحة التي لا شبهة فيها، ويؤكد أن المفسدة المعتبرة يجب أن تكون قوية ومشابهة لما وقع في عهد النبي عليه السلام، لا مجرد اعتراض أو استنكار.
وأخيرًا، يبرز الكاتب جملة من الآثار التربوية لهذا الفهم، مثل: العناية بصورة الإسلام، ومراعاة عقول الناس في الخطاب، وتجنب طرح ما قد يسبب فتنة لهم، وتعزيز قاعدة درء الحدود بالشبهات، وضرورة إقامة الأحكام عبر سلطة شرعية منظَّمة تضمن تحقيق مقاصدها دون تشويه أو إساءة.
الغلو في التكفير واستباحة الدماء
انتقل الكاتب هنا لمناقشة صورة من صور الانحراف تقف على طرف النقيض لما سبق مناقشته من صور الانحراف التي ساقها حيث إن غالبيتها تعود إلى التهاون مع الأحكام الشرعية، إلا أنه هنا يسوق الوجه الآخر لنفس العملة وهو الغلو والتشدد خصوصًا فيما يتعلق بالتكفير واستباحة دماء المسلمين، وهذه ظاهرة جديدة لكن أصولها وجذورها قديمة حيث بدأت منذ ظهور الخوارج. ويحذر الكاتب من خطر هذه الظاهرة وخطر ًاصحابها الذين يغالون في التكفير حتى طال ذلك تكفير بعض علماء الأمة الكبار. ويبين الكاتب أن خطورة هؤلاء تكمن في أنهم يرون أنفسهم في ذلك هم أصحاب الحق وحاملين لواء الإسلام. ويعدد الكاتب أسباب هذه الظاهرة ويرجعها إلى خمسة أسباب رئيسية، وتتلخص في: العلم الإجماليُّ بالقواعد الشرعيَّة الكلية من دون علم بتفصيلاتها وحدودها، والإعراض عن محاكمة أفعالهم بصرامة إلى قيود الشَّريعة ثقةً بنيَّاتهم، والتقليد الذي يعطِّل فيه الإنسان عقله وعلمه وديانته تبعًا لغيره، والخصومات الحزبية التي تتبخر فيها قيود الشَّريعة من جرَّاء حرارة الخصومة، وتضخُّم الاستثناء عن موقعه الطبيعيِّ.
فاحكم بينهم أو أعرض عنهم
يشير الكاتب هنا إلى ضرورة جمع النصوص في المسألة الواحدة قبل الحكم عليها مبينًا أنَّ الاستدلال بنص شرعي واحد لا يكفي ما لم يُضمَّ لجميع النُّصوص في الباب، حتى يتضح مراد الله ومراد رسوله.
وأن الكثير من الأحكام المخالفة للشريعة نتجت عن مخالفة هذه القاعدة، وقد طبق ذلك على من يستدلون بالآية 42 من سورة المائدة “فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” على أن الحكم بالإسلام لا يلزم من لا يريده، حتى لو كان مسلمًا، وهذا خطأ بيًن عند جمع النصوص.
ولذلك يؤكد الكاتب على أن مسألة جمع النصوص ضرورية لصيانة أحكام الشَّريعة من التفسيرات العاجلة التي يدفعها ضغط واقع معين أو حاجة ماسَّة، فيجد المسلم نفسه يتقبَّل كثيرًا من الأقوال والتفسيرات متخففًا من الأصول المنهجيَّة والقواعد العلميَّة في النظر والاستدلال، لأنَّ ثَمَّ قوَّة دافعة تستحثه أن لا يقف عندها كثيرًا.
جناية الغلاة على تحكيم الشريعة
يعود الكاتب مرة أخرى لمناقشة جانب من قضية الغلو في الدين وخطرها حيث ينتقد رفض البعض نقد مثل هذه الظاهرة بحجة أننا في زمن يكثر فيه التهاون بالشريعة فلسنا بحاجة أن نوجه النقد لأهل الغلو، ويبين أن هذا الرأي ليس سديدًا وقد حذر النبي – صلى الله عليه وسلم- من الغلو في الدين، وصحّ عنه أحاديث كثيرة في التحذير من الخوارج. فكما أن التهاون في محْكمات الدين أمر يجب إنكاره كذلك الغلو يجب انكاره والتحذير من خطورته؛ لأن كِلا الأمرين مخالف لشريعة الله عز وجل ولدينه. فالقول بعدم الحاجة لنقد الغلاة وَهْمٌ كبير يخالفه ما جاء في الشريعة من التحذير من الغلوِّ ومن تخصيص فرقة الغلاة دون غيرها من الفرق الحادثة بهذا التحذير، وكذلك هو جهل بالواقع وما يحدث من تجاوزات كبيرة بسبب أفعال الغلاة. ولئن كان ثَمَّ تفريط وتجنٍّ ظاهر على الشريعة، فإنَّ هذا الموقف المنحرف الذي يجب التحذير منه والتفطُّن له يجب ألّا نبني عليه موقفًا خاطئًا آخر يتهاون في موضوع الغلوِّ.
ثم يقدم حالة تطبيقية لخطورة الغلو وهي تعامل الغلاة مع مسألة تحكيم الشريعة، ويبيّن كيف أن هذا الغلو يضعف مفهوم تحكيم الشريعة ويعيق تطبيقه ويعدد في هذا مجموعة من الإشكالات التي يثيرها الغلو:
أولها أن الغلو بطبيعته منفرٌ للناس، لما يتسم به من شدة وغلظة وسوء ظن، مما يؤدي إلى تفريق الأمة بدل جمعها، ويجعل أصحابه عاجزين عن بناء مجتمع أو قيادة نظام، كما يفتح أبواب النزاعات ويغلق سبل الوصول الواقعي لتطبيق الشريعة.
وثانيها أن الغلو يحمّل الناس ما لا يطيقون، إذ يقوم على التشدد والمبالغة، بينما طبيعة النفوس تميل إلى التدرج والرفق، ولذلك فإن أي تطبيق للشريعة لا يراعي هذا الجانب يكون مآله الفشل ونفور الناس.
وثالثها أن الغلو يدفع إلى ممارسات غير شرعية يُظن أنها من مظاهر الالتزام، مثل التسرع في التكفير واتهام المخالفين، وتحويل تحكيم الشريعة إلى ساحة مزايدات، مع تطبيقات متعجلة ومشددة نحو بعض الأخطاء والمعاصي المنتشرة في المجتمع تؤدي إلى تشويه صورة الشريعة وتنفير الناس منها، بل وتحويل المسائل الاجتهادية إلى قضايا قطعية يُكفَّر المخالف فيها.
أما رابع الإشكالات فهو التوسع في التكفير والحكم على الناس بالردة لمجرد المخالفة، وهو من أخطر آثار الغلو.
وخامسها ضعف فهم الواقع لدى الغلاة، مما يؤدي إلى رفض الوسائل المعاصرة النافعة، والعجز عن تقديم خطاب مناسب يقنع الناس ويخدم المشروع الإسلامي.
وسادسها أن الغلو في حقيقته دليل على الجهل بالشريعة، لأن الفهم الصحيح يقتضي مراعاة المصالح والمفاسد، والقدرة والإمكان، وهي أمور يهملها الغلاة، فيقعون في تطبيقات خاطئة وإن ظنوا أنهم يحكمون بما أنزل الله.
وخلاصة ذلك أن الغلو لا يخدم تحكيم الشريعة، بل يعيقه ويشوّه صورته، ويحول دون تحقيق مقاصده في واقع الناس.
المحور الرابع
أسلمة العلمانية
في الطريق إلى العلمانية
يركز هذا المحور على نقد العلمانية وعدد من صور تجلياتها في واقع مجتمعاتنا الإسلامية. وفي هذا السياق يبدأ الكاتب بمناقشة خطورة فكرة أن الدين شأن خاص بين الإنسان وبين ربه وأنه ليس نظامًا حاكمًا على المجتمع والجماعات، مبينًا أن الإسلام نظام حاكم على مجتمع وعلى السلوك العام.
علمنة الأحكام الشرعية
يرى الكاتب أنّ الدراسات المعاصرة، رغم اختلافها في تعريف العلمانية، تتفق على أنّ جوهرها هو إبعاد الدين عن الحياة بدرجات متفاوتة؛ فبينما يصل بعضها إلى إقصاء الدين كليًّا، يكتفي بعضها الآخر بحصره في المجال الفردي دون أن يؤثر في النظام العام. ويرى أن الإشكال الحقيقي ليس في التصور المتطرف، بل في التصور “الأخف” الذي يُبقي على الدين شكليًا مع تعطيل أثره في التشريع والحكم.
ويشير إلى أنّ جهود العلماء أسهمت في رفع وعي المسلمين بخطر العلمانية، حتى أصبح كثير من المنتسبين إليها يتحاشون هذا الوصف. لكن الخطر الأعمق يتمثل في تسرب المفاهيم العلمانية إلى داخل الخطاب الشرعي نفسه، من خلال إعادة تقديم الأحكام الفقهية بطريقة تجعلها مقبولة ضمن الإطار العلماني، خاصة عبر التفريق بين ما له أثر عام (كالقوانين والحدود) وما هو فردي (كالعبادات).
ويبيّن أن هذا التوجه أدى إلى تفريغ الأحكام الشرعية من خاصية الإلزام والمنع، فجُعلت مجرد توجيهات أخلاقية تُمارس عبر النصح دون سلطة. وفي هذا الإطار أُعيد تفسير تطبيق الشريعة باعتباره ناتجًا عن اختيار ديمقراطي لا عن كونه وحيًا ملزِمًا. كذلك أُعيد تعريف بعض الأحكام، مثل الربا والعلاقات بين الجنسين، بما يتوافق مع المعايير القانونية المعاصرة، مع تهميش الضوابط الدينية الأصيلة.
فأصحاب هذا التوجه بوعي أو دون وعي يغيّبون الضوابط الدينية، فيركزون على المنفعة والمضرة التي تقررها القوانين المعاصرة. فعلى سبيل المثال يجعلون الضوابط الشرعيّة التي يلزم النظام حفظها في العلاقة بين الرجل والمرأة هي محاربة الابتزاز وتجريم التحرّش الذي تقرّره القوانين المعاصرة لما فيه من تجاوز وتعدٍّ، مع إضعاف أو تغييب للضوابط الدينيّة المحضة كالخلوة والتبرّج وغضّ البصر والخضوع في القول والمزاحمة وغيرها.
ويرى الكاتب أن هذه المعالجة تُبقي على أسماء الأحكام الشرعية لكنها تنزع عنها حقيقتها، لتجنب الصدام مع الفكر العلماني. ويحذر من أن هذا المسلك، وإن حقق قبولًا مؤقتًا، يفضي ضمنًا إلى الإقرار بوجود نقص في الشريعة، ويفتح باب الطعن فيها، إذ يمكّن للمخالف أن يحتج بأن الفقهاء السابقين أقرّوا بخلاف ذلك.
ويخلص إلى أن هذا الاتجاه يمثل تأويلًا يُباعد بين الأحكام ومقاصدها والنصوص الشرعية، حتى لو صدر عن حسن نية واجتهاد، مؤكدًا أن احترام القائل لا يمنع من بيان خطأ هذا المسلك والتنبيه إلى آثاره.
قصة العلمانية بين التشويه وإعادة الترميم
يناقش الكاتب في هذا الجزء سؤال إمكانية إعادة ترميم العلمانية من خلال أسلمتها، وبيّن أن العلمانية لها جانبان:
الجانب الأول: علمنة الدين الإسلاميِّ كله وجعله مجرد علاقة روحيَّة بين العبد وربِّه وليس له أيُّ شأن بالأحكام الدنيويَّة. وهذه علمانيَّة يرى الكاتب أنها شوهت وعي المسلمين، بل ويهرب من التلبس بها كثير من العلمانيين المعاصرين، فلا إمكان لإعادة أسلمتها من جديد.
الجانب الثاني: العلمانية في جانبها السياسيِّ القائمة على فصل الدين عن النظام السياسيِّ وعدم خضوع الأحكام السياسية الملزمة لأيِّ رؤية دينيَّة، يرى الكاتب أن هذه الرؤية يمكن أن “تُؤسلَم” ويتصالح معها بعض “الإسلاميين”، موضحًا أن العلمانيين لا يرفضون الدين مطلقًا، بل يعترضون على حضوره في النظام السياسي تحديدًا، انطلاقًا من سببين رئيسين: الأول إنكار وجود فهم ديني قطعي، واعتبار كل التصورات اجتهادات، مما يجعل فرض أي رؤية دينية نوعًا من الاستبداد. والثاني اعتبار الدولة الحديثة كيانًا مدنيًا مستقلًا يقوم على العقل والخبرة، وأن إخضاعه للدين يهدد الحريات وحقوق الأقليات.
وفي ضوء هذا يقرر الكاتب أن العلمانية السياسية قابلة للانتشار، خاصة مع تسلل بعض أفكارها إلى أوساط إسلامية، حيث يُعاد طرح مضامين علمانية بصياغات إسلامية، مدعومة أحيانًا بنصوص شرعية. وبذلك تصبح الإشكالات نفسها – كإنكار القطعية الدينية وفصل الدين عن طبيعة الدولة الحديثة- حاضرة، ولكن بدرجات متفاوتة عند بعض الإسلاميين، مما يؤدي إلى تقديم رؤى “تجديدية” للنظام السياسي تقترب كثيرًا من النموذج العلماني، حتى لو اختلفت المقدمات، فإن النتيجة النهائية تكاد تكون واحدة.
وفي هذا السياق سيستعرض الكاتب مجموعة من هذه الرؤى التجديدية التي يقدمها بعض المعاصرين ويقارنها بالمفهوم العلماني ليقف على أوجه الاتفاق والاختلاف.
المشاريع المعاصرة لأسلمة النموذج العلماني
- حصر الإسلام في مبادئ عامة دون تشريعات تفصيلية:
يرى الكاتب أن هذا الطرح يفرغ الشريعة من مضمونها؛ لأن المبادئ العامة (كالعدل والحرية) مشتركة بين جميع النظم، بينما الخلاف الحقيقي في التفاصيل، وإلغاء الجزئيات يعني عمليًا إلغاء الحكم الشرعي.
- حصر دور الدولة في حماية الحريات دون فرض الدين:
يعتبره إعادة صياغة للعلمانية، لأن جوهر الخلاف ليس في السماح بالدين، بل في إلزام أحكامه.
- رفض فصل الدين عن الدولة بدعوى تأثير المجتمع المسلم:
يراه الكاتب تحريفًا لمحل النزاع، لأن القضية ليست في التأثير الشخصي، بل في إلزام القوانين بالدين.
- اشتراط الشرعية السياسية للأحكام الشرعية (قبول الناس):
ينتقده باعتباره يجعل الشريعة مجرد قانون مدني خاضع لإرادة الناس، بينما في التصور الإسلامي المشروعية واحدة مصدرها الوحي، ودور الناس التنفيذ لا التشريع.
- التفريق بين المعصية والجريمة (عدم تجريم كل محرم)
يراه مطابقًا للفكرة العلمانية التي تحصر العقوبة في الآخرة وتنفي الإلزام الدنيوي إلا وفق القانون الوضعي.
- ربط الأحكام الشرعية بظروف تاريخية انتهت:
يعدّه أخطر الطروحات؛ لأنه يؤدي إلى إلغاء الشريعة بدعوى تغير الزمن، ويقوم على فكرة “تاريخية النص” التي تقصر فاعلية الدين على زمنه.
- اعتبار تصرفات النبي – عليه الصلاة والسلام- السياسية غير تشريعية، بل مصلحية دنيوية:
ينفي وجود تشريع ملزم في النظام السياسي، ويجعل ما ورد مجرد تجربة تاريخية قابلة للتجاوز.
ثم يطرح الكاتب سؤالًا محوريًا: ما الفرق الحقيقي بين هذه التصورات والنموذج العلماني؟ ويخلص إلى أن الفارق ذاتي شكلي لا موضوعي، إذ تتشابه النتائج النهائية رغم اختلاف الصياغات.
وفي ختام طرحه، يؤكد أن هذه المشاريع تمثل محاولات لـ“أسلمة العلمانية”، لكنها تصطدم بالأحكام الشرعية الملزمة، فبدل التسليم لها يُعاد تأويلها أو تحريفها لتوافق الواقع المعاصر. ويرى أن المنهج الصحيح هو تعظيم النصوص والانقياد لها، مع الاستفادة من أحكام الضرورة والحاجة عند التعذر، دون تغيير المفاهيم الشرعية أو تحريفها.
نظرية القرافي في التصرفات النبوية والتوظيف المعاصر
في سياق نقد الكاتب لمحاولات التقريب بين العلمانية والإسلام يناقش الكاتب فهمًا معاصرًا خاطئًا لنظرية الفقيه المالكي شهاب الدين القرافي حول تصرّفات النبي عليه السلام، ويهدف إلى تصحيح هذا الفهم من خلال بيان ما قاله القرافي فعلًا، وكيف فسّره بعض المعاصرين، ومدى صحة هذا التفسير.
يقرر القرافي أن تصرّفات النبي عليه السلام تختلف بحسب صفته؛ فما صدر عنه باعتباره مبلِّغًا ومفتيًا فهو تشريع عام لجميع المسلمين، وما صدر عنه باعتباره إمامًا فهو تشريع خاص بالأئمة كقيادة الجيوش وتوزيع الغنائم، وما صدر عنه باعتباره قاضيًا فهو أحكام قضائية خاصة بالقضاة. ومع ذلك، فكل هذه التصرفات تُعدّ من التشريع، لكن منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص بجهة معينة، وليس لكل أحد أن يقوم به.
غير أن بعض المعاصرين فهموا كلام القرافي على نحو مختلف، فاعتبروا أن الأحكام السياسية التي وردت عن النبي عليه السلام ليست ملزمة، بل هي مرتبطة بالمصلحة في زمانه، ويجوز للحكام بعده أن يضعوا ما يناسب زمانهم، بخلاف العبادات والمعاملات التي تبقى ملزمة.
ويرى الكاتب أن هذا الفهم غير صحيح، وأن الخطأ جاء من جهتين: الأولى أنهم عمّموا كلام القرافي، إذ كان يتحدث عن تصرّفات محددة بوصف الإمامة، فجعلوه يشمل جميع الأحكام السياسية، وهذا تحريف. والثانية أنهم أخرجوا هذه التصرفات من كونها تشريعًا ملزمًا، بينما القرافي يعدّها تشريعًا، لكنها خاصة بالإمام أو القاضي، وليست مجرد قرارات مصلحية متغيرة.
ويؤدي هذا الفهم المعاصر إلى نتيجة مفادها أن السياسة تصبح مجالًا قائمًا على مبادئ عامة ومصالح متغيرة دون أحكام شرعية ملزمة، مما يفتح الباب لتجاوز كثير من الأحكام التفصيلية.
ثم يطرح الكاتب سؤالًا عن الفرق بين هذا الطرح والعلمانية، ويذكر أن محاولات التفريق والمبررات التي يقدمها أصحاب هذا الفهم (كالقول بالالتزام بالمبادئ العامة أو التمييز بين علمانية معتدلة ومعادية) غير مقنعة؛ لأن المبادئ العامة يمكن أن يقبلها الجميع، كما أن الاعتماد على المصلحة دون أحكام ملزمة هو أصل في الفكر العلماني. ويخلص إلى أن هذا التفسير يؤدي عمليًا إلى تقارب كبير مع العلمانية، إذ يتم إبعاد الأحكام الشرعية التفصيلية عن النظام السياسي، والاعتماد بدلًا منها على المصلحة المتغيرة، مما يُفرغ النظام السياسي الإسلامي من خصوصيته التشريعية.
تطبيق الشريعة بعدم تطبيق الشريعة
يعرض الكاتب موقف الاتجاهات العلمانية من قضية تطبيق الشريعة، مبينًا أن كثيرًا منها لا يصرّح برفض الشريعة، بل يؤكد أنه يدعو إلى تطبيقها “تطبيقًا حقيقيًا”، مما يثير التساؤل حول حقيقة هذا الموقف: هل هو تحول فعلي أم مجرد تغيير في الخطاب؟ وللإجابة يعرض نموذج محمد عابد الجابري الذي يرفض العلمانية بصيغتها الغربية القائمة على فصل الدين عن الدولة، لكنه في الوقت نفسه يطرح فهمًا خاصًا لتحكيم الشريعة؛ إذ يشكك في المرجعيات الفقهية التراثية ويرى أنها متأثرة بالظروف السياسية، ويدعو إلى تجاوزها والرجوع مباشرة إلى فقه الصحابة.
وعند تحليله لفقه الصحابة، يقرر الجابري أن المبدأ الحاكم لاجتهادهم هو “المصلحة”، وأنهم قد يقدّمونها على النصوص، حتى لو كانت صريحة، ومن ثم يدعو إلى جعل المصلحة العامة أساسًا لتطبيق الشريعة في كل زمان ومكان، مع اعتبار أن تحديدها شأنًا بشريًا متروكًا للاجتهاد المعاصر. كما يرى أن مصطلح “العلمانية” قد شُوّه، ويقترح استبداله بمفاهيم مثل الديمقراطية والعقلانية، مؤكدًا أن المجتمعات الإسلامية لا تحتاج إلى فصل الدين عن الدولة، بل إلى فصل الدين عن السياسة بمعنى تجنب توظيفه في الصراعات والمصالح المتغيرة.
غير أن التحليل النقدي لكلامه – كما يوضح الكاتب- يخلص إلى أن هذه الرؤية تجعل المصلحة حاكمة على الشريعة، حتى لو خالفت النصوص القطعية، وهو ما يلتقي في جوهره مع الطرح العلماني الذي يرفض تطبيق الشريعة بدعوى مخالفتها للمصلحة، إلا أن الفرق أن الجابري يقدم ذلك تحت شعار تطبيق الشريعة لا رفضها. كما يبيّن الكاتب أن الجابري يتعامل مع التراث بوصفه وسيلة لتأصيل المفاهيم الحديثة وإضفاء الشرعية التاريخية عليها، لا بوصفه مرجعًا موضوعيًا، وهو ما يعترف به صراحة، إذ يجعل قراءته للتراث موجهة لخدمة أهداف معاصرة.
ويأخذ الكاتب على منهجه عدة إشكالات؛ منها إسقاطه للمرجعيات الفقهية مع أن الوصول إلى فقه الصحابة لا يكون إلا من خلالها، وتحريفه لطبيعة اجتهاد الصحابة الذين كانوا يراعون المصلحة ضمن ضوابط الشريعة لا بمعزلٍ عنها، إضافة إلى تأويله للنصوص القطعية لتوافق الرؤية الحديثة، وقلبه لمنهج المقاصد بجعل المصالح المعاصرة أصلًا تُبنى عليه مقاصد الشريعة، بدل أن تكون المقاصد مستنبطة من نصوصها.
وينتهي الكاتب إلى أن هذا الاتجاه لا يمثل تحولًا حقيقيًا نحو القبول بالشريعة، بل هو مسلك جديد يقوم على تفريغها من مضمونها وإعادة تفسيرها بما يتوافق مع القيم الحداثية، بحيث يتم الإبقاء على شعار “تطبيق الشريعة” مع تعطيل حقيقتها في الواقع.
كيف يعلمن الإٍسلام (قانون زواج المسلمة من كافر أنموذجًا)
في نهاية هذا المحور يقدم الكاتب نموذجًا تطبيقيًا لمحاولات التلفيق بين الإسلام والعلمانية، وهو ما يتعلق بقانون زواج المسلمة من كافر، حيث يقدم الكاتب نقد لطرح معاصر يُقر بحرمة زواج المسلمة من غير المسلم شرعًا لكنه في الوقت نفسه يعتبره حقًا شخصيًا لا يجوز للدولة منعه بدعوى حرية الاعتقاد والضمير. ويرى الكاتب أن هذا الطرح ليس جديدًا، بل هو محاولة مريحة للتوفيق بين الانتماء للإسلام والضغط الليبرالي عبر الفصل بين الحكم الديني والحكم القانوني
وهنا يميز الكاتب بين فريقين؛ الأول يروج لهذا الزواج باعتباره جزءًا من التحرر والتحديث وهؤلاء في نظر الكاتب خارج الإطار الإسلامي أصلا. أما الثاني وهو محل النقد فيعترف بالتحريم الشرعي لكنه يرفض تدخل الدولة في منعه ما يعني عمليًا اعتباره حقًا مكفولًا.
يؤكد الكاتب أن هذا الموقف هو في حقيقته إعادة إنتاج للعلمانية، لأن العلمانية تقوم على فصل الدين عن المجال العام وجعله مجرد قناعة شخصية، وهو ما يفعله هذا الطرح حين يحوّل المحرمات الشرعية إلى حقوق دستورية يحميها النظام، حتى لو خالفت الشريعة.
ويرى أن محاولة الجمع بين الالتزام بالإسلام وتبني المفاهيم الليبرالية ليست موقفًا وسطًا، بل انحيازًا فعليًا للنموذج العلماني لأن القناعة القلبية بالتحريم لا أثر لها ما دام المجال العام يدار وفق مفاهيم مغايرة للشريعة.
ثم يرد على هذا الطرح بأصول شرعية منها أن الشريعة لا تكتفي بالاعتقاد القلبي بحرمة المنكرات، بل توجب منعها عبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الطاعة في الإسلام مقيدة بالمعروف فلا اعتبار للقوانين المخالفة للشرع، وأن الشريعة تقرر إبطال مشروعية الأنظمة التي تقوم على مخالفة صريحة للدين، وأن وجود العقوبات الشرعية يدل على أن المنكرات لا تُترك كخيارات فردية، بل تمنع ويعاقب عليها.
ويخلص الكاتب إلى أن مقولة “هو حرام دينيًا لكنه حق قانوني” هو تصور علماني خالص لا ينسجم مع الإسلام لأنه يحوّل الدين إلى شأن خاص ويجعل النظام العام قائمًا على غير أحكامه، كما يؤكد أن فكرة عدم تدخل الدولة ليست حيادًا، بل هي فرض ضمني لمنظومة علمانية تُلزم المجتمع بقوانين تخالف الشريعة مع تغليفها بشعار الحرية.
عرض:
أ. يارا عبد الجواد*
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* باحثة في العلوم السياسية.
مركز خُطوة للتوثيق والدراسات Khotwa Center for Documentation& Studies