أخبار عاجلة

من كلام العقيدة إلى عقيدة الكلام

من كلام العقيدة إلى عقيدة الكلام

  قراءة في جدلية التأريخ والتجديد*

أ. د. الحسان شهيد**

تمهيد: في سؤال الدراسة

تنظر هذه الدراسة في مسار علم الكلام، وترصد سياقه التاريخي، بقراءة معرفية منطلقة من فرضيةٍ مفادها: أن علم الكلام مثل باقي العلوم الكلية الكبرى، كالتفسير والحديث واللغة والفقه، لم يثبت على وزان واحد، ولا على صورة واحدة، بل شهد منعطفات تاريخية، بفعل عوامل سياقية وعلمية أسهمت في تغير مساراته، لتكشف الدراسة من منظور “إبستمولوجي” أن هذا العلم منذ نشأته الأولى عرف مخاضاً معرفياً ومنهجياً، عادة ما ينتهي بولادة علم آخر، أو بنسخة مباينة للعلم نفسه، يحظى بأولوية في المشهد المعرفي، لكن بتسمية مختلفة، وعنوان متعين، وانشغالات مخصوصة، ومقاصد مغايرة. فلزم على ضوء ذلك، تحرير النظر في تلك المتغيرات التاريخية لمسار هذا العلم، لتيسير أي مقاربة تتقصد تجديد أنظار وأفهام علم الكلام في سياقه المعاصر. 

وبناءً عليه، ستحقق الدراسة النظرَ في أسئلة فرعية من أهمها: ما هي المنعطفات المفترضة التي مر بها علم الكلام؟ وما خصائصها، وأهم تجلياتها وآثارها؟ وما هي انعكاساتها المفترضة على النظر التجديدي المعاصر، أو ما يسمى بتجديد علم الكلام؟ ووفق ذلك، ما هي إمكانات ذلك التجديد؟ وأين ترسو حدوده؟ وما مقتضياته؟.

ولتقريب جوابات عن تلك الأسئلة، تقترح الدراسة مطالب مختصة، وهي كالآتي:

المطلب الأول: من العقيدة إلى علم العقيدة

المطلب الثاني: من علم العقيدة إلى كلام العقيدة  

المطلب الثالث: من كلام العقيدة إلى عقيدة الكلام

المطلب الرابع: من عقيدة الكلام إلى مقاصد العقيدة

المطلب الخامس: نتائج التأريخ ومقدمات التجديد

على سبيل الختم.

*  * * * * * *

المطلب الأول: من العقيدة إلى علم العقيدة

لا يختلف مسار العقيدة عن مسار باقي العلوم العملية التي تمثلها صحابة رسول الله r في بداية الرسالة، كالفقه والحديث والتفسير واللغة؛ فقد استصحبها المسلم في حياته تمثلاً واعتقاداً، انطلاقاً من الفهم القرآني والتوجيه النبوي، فاتخذ العلم بها مسلكاً في التلقين والبيان والشرح، لأن “هذه أمهات العقائد الإيمانية معلَلة بأدلتها العقلية، وأدلتها من الكتاب والسنة كثير، وعن تلك الأدلة أخذها السلف وأرشد إليها العلماء، وحققها الأئمة”[1]. وأقصد بالعقيدة -هنا- ذلك التمثل العملي للإيمان في مواقع الوجود الإنساني للمسلم، قبل أن تتحول إلى صناعة علمية وفنّية، تمَّ نعتها بعد ذلك بعلم العقيدة، الذي تكفّل بشرح العقيدة وتفهيمها، وترسيم أركانها ومباحثها، وبيان تجلياتها ومقتضياتها، تدويناً وتنظيماً وترتيباً.

حيث إن مطالب القراءة المعرفية للنص القرآني، بناء على علم التفسير وشرح الحديث وفهمه، تتشوّف إلى المعاني المطلوبة بالقصد الأصلي من خلق الإنسان ابتداءً، وتستعين في فقه القضايا العقدية والإيمانية للإنسان التي تيّسر سبل العبادة والتدين، فكان لزاماً من تأسيس العلم المخصوص بذلك، وهو علم العقيدة. الذي كان مضمراً في تضاعيف التطبيق العملي للإيمان، يقول أبو إسحاق الشاطبي في هذا السياق: “وأما الإيمان، فإنه عمل من أعمال القلوب، وهو التصديق، وهو ناشئ عن العلم، والأعمال قد يكون بعضها وسيلة إلى بعض، وإن صح أن تكون مقصودة في أنفسها، أما العلم فإنه وسيلة، وأعلى ذلك العلم بالله، ولا تصح به فضيلة لصاحبه حتى يصدق بمقتضاه، وهو الإيمان بالله”[2].

وإذا تم قيام العقيدة على التمثلات العمَلية للإيمان، واستخلاصه من نصوص الخطاب الشرعي، فإن علم العقيدة سيكون مثار بحث ونظر لمباحثه العلمية وقواعده الأصولية، مما يعني أن علم العقيدة المقصود -هنا- ليس هو علم الكلام، بما هو “علم الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، ويسمى أصحابه بالمتكلمين أو متكلمي الإسلام”[3]، لأن ذلك يمثل نسخة علمية متجددة أو متحوّرة لفنِّ العقيدة كما بدأ أول مرة، لم يستقل بها علم الكلام عن مجاله الأصلي بعد.

ولا تنفك الاستعانة بعلم العقيدة عن الشروط الموضوعية لنشوء علميّ الفقه والتفسير، لكونه يملأ فقرة مهمة في الحضور الإنساني المتكامل للاستخلاف، ويتمثل ذلك في جانب التوحيد، والعبودية للخالق الواحد، وهي المهمة التي أسندت لهذا العلم منذ بداياته الأولى. وعليه، فإن قضايا الإيمان والتوحيد والربوبية، وبيان مباحث العقيدة الجديدة اعتُبرت جوهرية في ترسيخ مبدأ التعبد الإنساني. يقول ابن خلدون في ذلك “واعلم أنّ الشّارع وصف لنا هذا الإيمان الّذي في المرتبة الأولى الّذي هو تصديق، وعيّن أموراً مخصوصة، كلّفنا التّصديق بها بقلوبنا واعتقادها في أنفسنا مع الإقرار بها بألسنتنا، وهي العقائد الّتي تقرّرت في الدّين. قال r حين سُئل عن الإيمان فقال: «أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه»[4].

المطلب الثاني: من علم العقيدة إلى كلام العقيدة

قصدي بكلام العقيدة -هنا- الدلالة اللغوية لمفردة الكلام، أي التكلم في قضايا العقيدة بأركانها ومباحثها، وتجلياتها ومقتضياتها، وقواعدها وأصولها، لا بالمعنى الاصطلاحي الاستئنافي. لأنه لما تقادم الثبات على قيم الإيمان الملقنة سلفاً، تخلفت القلوب عن الوفاء بحاجاتها العقدية، إثر قصور النظر في البيان العقدي وورود شبهات فيه حتى احتدام الخلاف والجدل في أصول المسائل العقدية، وذلك ما نبَّه إليه الإمام الأشعري عازماً على التأليف في قواعد تؤصل لعلم العقيدة، فقال: “فإنه لا بد لمن أراد معرفة الديانات، والتمييز بينها من معرفة المذاهب والمقالات، ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النِحل والديانات، من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين معتمد للكذب الحكاية إرادة التشنيع على من يخالف…”[5]، فتطلب ذلك كله من العقل المسلم التفكير في إرساء قواعد علمية، وأصول نظرية تضبط الشأن الإيماني والعقدي، فظهرت معالم علم أصول العقيدة، ممثلاً في علم أصول الدين، وهو ما سميناه بكلام العقيدة. أي كلام يجري داخل علم العقيدة ومباحثه الأصلية، من حيث تأصيل أركانها، وتقعيد مبادئها.

وإذا عدنا إلى التعريف المختار لهذا العلم، ألفينا حضور تلك المؤشرات فيه، حيث قيل بأنه “العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسب من أدلتها اليقينية”[6]. أي أنه علم أصولي تقعيدي، وهو تعريف مصوغ على منوال تعريف علم أصول الفقه، الذي هو: “العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية”[7]. ولا غرو أنه سُمي لهذا الغرض بعلم أصول الدين، أو علم أصول العقيدة، على غرار أصول الفقه، وهما العلمان اللذان ينعتان بالأصلين, ليكون بذلك “مقصود هذا العلم إقامة البرهان على وجود الرب تعالى، وصفاته وأفعاله، وصدق الرسل”[8]، ليتقوى بها المؤمن على حماية تدينه، وتجنيبه الزلل عن حقيقة العقيدة السليمة، ويكشف أبو المظفر في “تبصيره” عن بدايات التصنيف في علم أصول العقيدة، مميزاً بين الإنتاج المتفاوت بين أهل السنة والجماعة، وغيرها من الفرق، قائلاً: “إن لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة التفرد بِأَكْثَرَ من ألف تصنيف فِي أصُول الدّين، مِنْهَا مَا هُوَ مَبْسُوط يكثر علمه، وَمِنْهَا مَا هُوَ لطيف يصغر حجمه، فِي أعصار مُخْتَلفَة من عصر الصَّحَابَة، إِلَى يَوْمنَا هَذَا فِي نصْرَة الدّين، وَالرَّدّ على الْمُلْحِدِينَ، والكشف عَن أسرار بدع المبتدعين”[9]

والثابت في مناط أصول العقيدة في مقتضياتها وأدلتها، هو الضبط والتصحيح والتقويم، لما باتت عليه العقيدة في تمثلات الناس وتصرفاتهم، واعتقاداتهم، وهذا ما دفع الغزالي إلى القول في “اقتصاده”: “اعلم أن الأدلة التي نحررها في هذا العلم تجري مجرى الأدوية التي يعالج بها مرض القلوب. والطبيب المستعمل لها إن لم يكن حاذقاً ثاقب العقل، رصين الرأي كان ما يفسده بدوائه أكثر مما يصلحه”[10]. فاعتبر بذلك وجهة ضرورية في الإصلاح، ودافع التمكن من ناصية السبيل السوي والقوي في تصحيح الاعتقاد.

المطلب الثالث: من كلام العقيدة إلى عقيدة الكلام

بعد البناء الكلي لقضايا العقيدة، وقيامها على أصول وقواعد يفزع إليها حين ضرورة الفهم، وحاجة التفسير، وزمن الخلاف، تمدّد وجود الفرق العقدية -خصوصاً- بعد انتشار الإسلام في ربوع مختلفة، ودخول أقوام بثقافاتهم ومللهم الجديدة تحت ظلاله، فكانت التربة العقدية الخلافية خصبة لظهور الخطاب الكلامي في التفاصيل العقدية، يقول ابن خلدون مؤرخاً لهذا التحول: “إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد، أكثر مثارها من الآي المتشابهة، فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر، والاستدلال بالعقل وزيادة إلى النقل، فحدث بذلك علم الكلام”[11]. فتلك العقائد الإيمانيّة انتقل بها النظر من التقرير في علم العقيدة إلى الحجاج الاستدلالي، اصطُلِح عليه بعلم الكلام، حيث سيكون له التمكين في هذا المساق، وهذا المعنى هو الذي أراده الفارابي لما عرَّف علم الكلام بقوله: “وصناعة الكلام يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء، والأفعال المحدودة التي صرّح بها واضع الملة، وتزييف ما خالفها من الأقاويل”[12]، فأضحت مسائل العقيدة وقضاياها تُبحث استدلالاً وجدلاً وتناظراً، وهو المفهوم الذي قصده ابن خلدون بقوله أيضاً: “وهذه هي العقائد الإيمانيّة في الذّات والصّفات، وأمور الحشر والنّعيم، والعذاب والقدر. والحجاج عن هذه بالأدلّة العقليّة، هو علم الكلام”[13].

فما حدث لعلم العقيدة من تحول لا يباين تحولات باقي العلوم من الطبيعة التأسيسية إلى الصيغة الجدلية، خصوصاً حول تلك الأصول، بأبعادها النقدية والحجاجية، فكما نجد الحِجاج في الأصول، وجدنا الخلاف في أصول النحو، وألفينا الجدل في الكلام، فاعتُبر بذلك ظهور علم الكلام في هذا السياق، مؤشراً على احتدام النزاع الكلامي بجدلياته وصراعاته، حيث “إن للكلام من حيث الوظيفة والمقصد والغاية طبيعة “نضالية” و”حمائية” و”دفاعية”، وهو بذلك يقتضي أن يُدرج في مقام “الصراع العقدي” سواء أكان الصراع صراعاً بين معتقدين، أم كان صراعاً بين طائفتين، أم كان صراعاً بين “ملتين””[14]. وعلى هذا التقدير، فإن ظهور ما عُرف بعلم الكلام يعد مِفصلاً أساساً في تاريخ علم العقيدة، لما سيشكله من خطين:

الأول- خط تناظري:

ويمثله الجدل بين الفرق العقدية بالملة، وهو جدل كلام داخلي حول أصول الاستدلال على صحة العقيدة، وسلامة الاعتقاد، كما بدأت بادئ الأمر ونضجت، وكما تأسست مع المرحلة النبوية خصوصاً. وفي هذا المعنى يندرج تعريف ابن خلدون لعلم الكلام حيث قال: “هو علم يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانيّة بالأدلّة العقليّة، والرّدّ على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السّلف وأهل السّنّة. وسرّ هذه العقائد الإيمانيّة هو التّوحيد”[15]. إنما هذا التناظر والتجادل لم يطل الأصول الكبرى للعقيدة، بل مسّ جوانب فرعية منها، وهذا “الْخلاف لَا يكون خطراً إِلَّا إِذا كَانَ فِي أصُول الدّين، وَلم يكن اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك، بل كَانَ اخْتِلَاف مَن يخْتَلف فِي فروع الدّين”[16]. لكن الإشكال الذي واجه هذه النسخة المعرفية لعلم الكلام عبر الزمن، وهو ما سيعمق من جراحات العقل الإسلامي، يتفرع إلى مسألتين:

أولاهما: انتقال الخلاف الكلامي إلى الأصول، وهذا يدل على امتداد الجدل في مسائل العقيدة وأركانها الأساسية. وفي التفاتة مبكرة يعتب ابن قتيبة على علماء الشأن العقدي مُباعَدتهم للوفاق، في مثل تلك المسائل التي من المفترض اتفاقهم عليها، وردها إلى أصولها، حتى اعتبر الخلاف قد لحق ما هو في عداد الأصول، ومسالك الاستدلال عليها، يقول في باب (الاخْتِلَافُ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ فِي الأُصُولِ): “ولو كان اختلافهم في الفروع والسنن، لاتسع لهم العذر عندنا، وإن كان لا عذر لهم، مع ما يدعونه لأنفسهم كما اتسع لأهل الفقه، ووقعت لهم الأسوة بهم. ولكن اختلافهم في التوحيد، وفي صفات الله تعالى، وفي قدرته، وفي نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، وعذاب البرزخ، وفي اللوح، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي إلا بوحي من الله تعالى. ولن يعدم هذا من رد مثل هذه الأصول إلى استحسانه ونظره، وما أوجبه القياس عنده، لاختلاف الناس في عقولهم وإراداتهم واختياراتهم. فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين، حتى يكون كل واحد منهما، يختار ما يختاره الآخر، ويرذل ما يرذله الآخر، إلا من جهة التقليد”[17]

إن التناظر الذي شهدته أصول العقيدة، دعا المتكلمين إلى الاستعانة بعلوم تسعف العقل الكلامي في كسب مناظراته. وهذا ما يفسر الاستناد إلى العلوم العقلية، سواء تعلق الأمر بالفلسفة، وفق قضاياها ومقاصدها، أو بالمنطق وفق آلاته ومناهجه. وفي هذا السياق يدخل بيان أبي حيان التوحيدي لوظائف علم الكلام العلمية والمنهجية، التي حصرها في استثمار العقل على مستويات النظر، والتحسين والتقبيح، والتقويم للآراء الكلامية المخالفة، يقول: “وأما الكلام، فإنه باب من الاعتبار في أصول الدين، يدور النظر فيه على محض العقل، في التحسين والتقبيح، والإحالة والتصحيح، والإيجاب والتجويز، والاقتدار والتعجيز، والتعديل والتجويز، والتوحيد والتكفير”[18]. ورغم تباين الاستثمار بين المشرق والمغرب حسب خالد زهري، الذي ميّز بين السياقين بقوله: “لقد صار الكلام عند المغاربة مرتبطاً بالمنطق لا بالفلسفة”[19]، مدعماً رأيه بنص ابن الحاج السلمي الذي قال فيه: “أعلى العلوم الشرعية علم الكلام (..) وهو مفرع عن علم المنطق. إذ حاصل علم الكلام استدلال خاص بالله تبارك وتعالى، وبرسله عليهم الصلاة والسلام، وعلم المنطق يبحث عن مطلق الاستدلال، فصار أعم”[20]. إنما استثمار المنطق عند المتكلمين بقدر ما وُفِّر للاستدلال التأسيسي على القضايا العقدية، اعتمد عليه في البناء الاستدلالي والجدلي بين الفرق الكلامية أيضاً. إذ استُثمرت الفلسفة باعتبارها فقهاً للكلام، والمنطق استدعي بحسبانه أصولاً للكلام. وقد ذكر ابن تيمية ما يؤكد هذا المنحى لما قال: “وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره أحد”، ثم استطرد في أهم ما حصل من مناظرات كلامية بين المتكلمين والفلاسفة، فقال: “وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في كتاب “مقالات الإسلاميين” عنهم من المقالات ما لم يذكره الفارابي وابن سينا، وأمثالهما، وكذلك القاضي أبو بكر بن الطيب في “كتاب الدقائق”، الذي رد فيه على الفلاسفة والمنجمين، ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب على منطق اليونان، وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة وغيرهم، في ردهم على الفلاسفة ذكروا أنواعاً من المقالات وردوها..”[21].

ثانيهما: آفة التعصب الكلامي: المتمثل في الركون إلى المذهب العقدي إما اعتباراً للظن بأنه الحق، أو استتباعاً بالتقليد، دون الانتصار بالبحث عن الصواب وتحرّيه، لتتلبّس العقيدة في هذا السياق بلبوس الكلام، ويضْحَى النظر الكلامي والمذهبية الكلامية مرجعاً عقدياً مختاراً لكل فرقة، ومسلكاً في التقليد. يقول الماتريدي: “فَإنَّا وجدنَا النَّاس مختلفي الْمذَاهب فِي النَّحْل فِي الدّين، متفقين على اختلافهم فِي الدّين على كلمة وَاحِدَة أَن الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ حق، وَالَّذِي عَلَيْهِ غَيره بَاطِل، على اتِّفَاق جُمْلَتهمْ من أَن كلاً مِنْهُم لَهُ سلف يُقَلّد، فَثَبت أَن التَّقْلِيد لَيْسَ مِمَّا يعْذر صَاحبه لإصابة مثله ضِدّه، على أَنه لَيْسَ فِيهِ سوى كَثْرَة الْعدَد، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون لأحد مِمَّن ينتهي القَوْل إِلَيْهِ حجَّة عقل، يُعلم بهَا صدقه فِيمَا يدعى، وبرهان يقهر المنصفين على إِصَابَته الْحق”[22].

وقد أشار الغزالي إلى هذا التحول العميق الذي حصل في الخطاب العقدي، وهو يتابع قصة رحلته العلمية بين دروب الشك واليقين، إذ قال: “ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورًا مخالفة للسنة، فلهجوا بها، وكادوا يشوِشون عقيدة الحق على أهلها. فأنشأ اللَّه تعالى، طائفة المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتّب، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة، على خلاف السنة المأثورة، فمنه نشأ علم الكلام وأهله. فلقد قام طائفة منهم بما ندبهم اللَّه تعالى إليه، فأحسنوا الذبّ عن السنة، والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة، والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة، ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم، واضطرهم إلى تسليمها، إما التقليد، أو إجماع الأمة، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار، وكان أكثر خوضهم في استخراج تناقضات الخصوم، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم، وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئًا أصلًا، فلم يكن الكلام في حقي كافيًا، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيًا”[23].

الثاني- خطٌّ جدلي:

 وهو جدل كلامي خارجي، يدور بين الفرق العقدية والملل والنحل المخالفة، سواء اتصل الجدل بأصول الاستدلال، أو بالمباحث العلمية، أو بما يعرف بالمقاصد العقدية. وهذا اتجاه آخر في علم الكلام اختصت به أقلام، خلَّفت مصنفات لا تقِل أهمية عن الأولى، يقول الاسفراييني: “وقيّض اللَّه تَعَالَى فِي عصرنا، فِي كل إقليم من أقاليم الْعَالم سادة من أَعْلَام أَئِمَّة الدّين صنفوا فِي نصْرَة الدّين، وتقوية مَا عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَالرَّدّ على أهل الْبدع فِيمَا زوروه من الشّبَه، مثل القَاضِي الإِمَام أبي بكر الأَشْعَرِيّ، وَله قريب من خمسين ألف ورقة من تصانيفه، فِي نصْرَة الدّين وَالرَّدّ على أهل الزيغ والبدع، لا تكَاد تندرس إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، مثل كتاب الْهِدَايَة، وَكتاب نقض النَّقْض، وَكتاب التَّقْرِيب فِي الأُصُول، وَالْكتاب الْكَبِير فِي الأُصُول، يشْتَمل على عشرَة آلاف ورقة، وَكتاب الْكسْب وَكتاب التَّمْهِيد، وَغير ذَلِك من التصانيف الَّتِي لا يكَاد يتَّفق مثلهَا إِلاَّ لمن وَافقه التَّوْفِيق..”[24].

ومما يؤرخ لهذا المسار الجدلي الخارجي لعلم الكلام، ما رواه أبو عمر أحمد بن محمد بن سعدي المالكي عند وصوله إلى القيروان من ديار المشرق، “وكان أبو عمر دخل ببغداد في حياة أبي بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري، فقال له يوماً: هل حضرت مجالس أهل الكلام؟ فقال بلى، حضرتهم مرتين، ثم تركت مجالسهم ولم أعد إليها. فقال له أبو محمد: ولِم؟ فقال: أما أول مجلس حضرته فرأيت مجلساً قد جمع الفِرق كلها؛ المسلمين من أهل السنة والبدعة، والكفار من المجوس، والدهرية، والزنادقة، واليهود، والنصارى، وسائر أجناس الكفر، ولكل فرقة رئيس يتكلم على مذهبه، ويجادل عنه، فإذا جاء رئيس من أي فرقة كان، قامت الجماعة إليه قياماً على أقدامهم حتى يجلس فيجلسون بجلوسه، فإذا غص المجلس بأهله، ورأوا أنه لم يبق لهم أحد ينتظرونه، قال قائل من الكفار: قد اجتمعتم للمناظرة، فلا يحتج علينا المسلمون بكتابهم، ولا بقول نبيهم، فإنا لا نصدق بذلك ولا نقر به، وإنما نتناظر بحجج العقل، وما يحتمله النظر والقياس، فيقولون: نعم لك ذلك. قال أبو عمر: فلما سمعت ذلك لم أعُد إلى ذلك المجلس، ثُم قيل لي ثَم مجلس آخر للكلام، فذهبت إليه، فوجدتهم على مثل سيرة أصحابهم سواء، فقطعت مجالس أهل الكلام، فلم أعد إليها. فقال أبو محمد بن أبي زيد: ورضى المسلمون بهذا من الفعل والقول؟ قال أبو عمر: هذا الذي شاهدت منهم”[25].

وعلى أي حال، فهذه الرواية وغيرها كثير، تفيد أن الجدل الكلامي قد استحكم ناصية الدرس العقدي، فلم يقتصر بحثه على النظر في المطالب العقدية ومقاصدها، بل طال تلك الأصول والقواعد المنظمة له، فانحرف سبيله عن المقصود الذي بدأ لأجله، للخوض في مسائل نأت به أغراضه، وزاد الخلاف. يقول الغزالي: “نعم، لما نشأت صنعة الكلام، وكثر الخوض فيه، وطالت المدة، تشوَّق المتكلمون إلى محاولة الذب عن السنة، بالبحث عن حقائق الأمور، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها. ولكن لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق”[26].

وعلى هذا الأساس سُمي الخلاف في العقائد بالجدل الكلامي على غرار الحجاج الأصولي، وهو العلم الذي عدّهُ الباجي في “المنهاج في ترتيب الحجاج” في بابه الأصولي: “السبيل إلى معرفة الاستدلال، وتمييز الحق من المحال، ولولا تصحيح الوضع في الجدل لما قامت حجة ولا اتضحت محجة، ولا عُلِم الصحيح من السقيم، ولا المعوج من المستقيم”[27]. ولمّا تعلق الحجاج بتقويم طرق الاستدلال الأصولي ومسالكه، اعتبر المتكلمون الجدل مسلكاً في مراجعة ونقد طرق الاستدلال الكلامي ومناهجه. ويؤكد ابن خلدون ذلك بقوله: “فموضوع علم الكلام عند أهله، إنّما هو العقائد الإيمانيّة بعد فرضها صحيحة من الشّرع، من حيث يمكن أن يستدلّ عليها بالأدلّة العقليّة فتُرفع البدع، وتزول الشّكوك والشّبيه عن تلك العقائد، وإذا تأمّلت حال الفنّ في حدوثه، وكيف تدرّج كلام النّاس فيه صدراً بعد صدر، وكلّهم يفرض العقائد صحيحة، ويستنهض الحجج والأدلّة، علمت حينئذ ما قرّرناه لك في موضوع الفنّ، وأنّه لا يعدوه”[28].

المطلب الرابع: من عقيدة الكلام إلى مقاصد العقيدة

كانت الغاية من تطور علم العقيدة إلى انعطافة الجدل الكلامي هي الدفاع عن العقيدة السليمة الصحيحة، إزاء الغارات الثقافية من الملل والنحل المجَاورة والمحَاورة للعقيدة الإسلامية، أو الحجاج والاستدلال الداخلي الذي حمي وطيسه بين الفرق الإسلامية نفسها، طلباً لحجية الأصول التي يستند إليها في البيان العقدي.

لكن هذا الخلاف العقدي على مستويي الاستدلال والحجاج، أحس فيه العقل الإسلامي بأنه قد نأى بعلم العقيدة وأصولها عن أصالتها المنهاجية، فلم تجد بُدّاً من البحث في المشتركات العلمية مسلكاً في إعادتها إلى صواب الطريق وسوائه. وقد وجدنا الغزالي قد ألمع إلى هذا الملمح، لَمَّا بيَّن مقصوده من علم الكلام، فقال: “وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها عن تشويش أهل البدعة، فقد ألقى الله تعالى، إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق. على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار”[29]. فالتمس علم الكلام مثل باقي العلوم الأخرى في النظر المقاصدي، الذي يبحث في أحكام العقائد، ومطالبها وأسرارها وغاياتها، سبيلاً إلى ذلك. وفي هذا المعنى يقول ابن الوزير: “علمت بالتجربة الضرورية فِي نَفسِي وغيري، أَن أَكثر جهل الْحَقَائِق إِنَّمَا سَببه عدم الاهتمام بتعرفها على الإِنْصَاف،لا عدم الْفَهم، فَإِن الله وَله الْحَمد قد أكمل الْحجَّة بالتمكين من الْفَهم، وَإِنَّمَا أَتَى الأَكْثَر من التَّقْصِير فِي الاهتمام، أَلا ترى أَن المهتمين بمقاصد المنطقيين والمتكلمين يفهمونها، وَإِن دقَّتْ، مَعَ الصَّبْر وَطول الطّلب، فَكيف لا يفهم طَالب الْحق مَقَاصِد الأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ، وَالسَّلَف الصَّالِحين مَعَ الاهتمام بذلك، وبذل الْجهد فِي طلبه وَحسن الْقَصْد، ولطف أرْحم الرَّاحِمِينَ لمن هُوَ كَذَلِك بالنصوص والاتفاق، وَلا يَنْبَغِي أَن يصغي إِلَى من يصده عَن كتب الله، وَمَا أنزل فِيهَا من الْهدى والنور رَحْمَة للْمُؤْمِنين ونعمة على الشَّاكِرِينَ”[30]. ويمكن التلميح إلى التوجه المقاصدي في الدرس العقدي بالملامح الآتية:

الملمح الأول- تدوين كتب مخصوصة: ومن أدق تجليات ذلك، تدوين كتب تنظر في غايات الدرس العقدي بدل تفكيكه والمبالغة في الجدل حول قضاياه ومباحثه. ومن ذلك نذكر كتاب: “الإعلام بمناقب الإسلام” لأبي الحسن العامري، ثم “الاقتصاد في الاعتقاد”، و”المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى” لأبي حامد الغزالي، وكذا “شفاء العليل”، و”مفتاح دار السعادة” لابن قيم الجوزية.. وغيرها كثير من المصنفات المندرجة في هذا الباب.

الملمح الثاني- العناية بالأخلاق والقيم: ولعله من وجوه النظر المقاصدي في باب العقائد، اشتغال علماء العقيدة بالأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة. وقد اعتبر أحد المهتمين بعلم الكلام المعاصرين، وهو محقّ في ذلك، أن التخليق أحد خصائص المذهب الأشعري، ويرى أن من أهم تجليات ذلك مستويان، الأول مستوى العمقُ العرفاني، ثم مستوى مقاصد الاعتقاد[31]، “إذ توجد وراء كل عقيدة من العقائد الأشعرية قيمة أخلاقية يتحلى بها العبد، ويتخلق بها، خاصة صفات الباري سبحانه وتعالى”[32]. وبالبحث والتقصي لا نعدِم حضور تلك الخصائص، واشتراكها بين أغلب الفِرق العقدية الكبرى، وعنايتها بالتقصيد العقدي، وظهور هذا المنحى الحِكمي والمعنوي في مدوناتها العقدية ومضامينها الكلامية، إنْ بروزاً أو خفوتاً.

الملمح الثالث: العناية بمبحث التوحيد: فعلى الرغم من اشتداد الخلاف العقدي بين الفرق الكلامية، فإن مآب نزاعها حول قضايا تتصل بمسألة التوحيد الإلهي، ومهما ظهرت مذاهبها في ذلك، فإن غايتهم هي تنزيه الذات الإلهية ونفي النقائص. وقد نبّه القاضي عياض إلى ذلك لما اعتبر أن ذهول بعض الناس عن مسلك اللغة، أدخله في مهاوي عقدية تعذَّر معها فقه مقاصدها، حيث قال: “ومَن لم يفهم مقاصد العرب وكلامهم ممن غلبت عليه العُجَمةُ تاه فى هذه الْمهمة، فمن بليد محضٍ أجرى الأمر على ظاهره، فقال بالتجسيم والتشبيه، وممن خضرَم في النباهَة استهول ظواهرَها، ولم تتضح له وجوهها لجهله بكلام العرب ومنازعهم، فإمَّا كَذَّب بالأصل كالمُعَطِّلة، أو كذَّب بهذه الآثار وأطرَحها، وجهَّل نقلتها، كالمعتزلة”[33]

كما كان للجدل الديني بمقارباته، أي بين الأديان، فضلٌ بيِّن في الاشتغال على البُعد المقاصدي للعقيدة، حيث اجتهد عدد من العلماء في إبراز محاسن العقيدة الإسلامية، وفضلها على غيرها، ومن ذلك ما دوَّنه شمس الدين القرطبي من كتاب عنوانه: “الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن الإسلام”، يقول فيه: “وَمن أَرَادَ أَن يتَبَيَّن محَاسِن شريعتنا على التَّفْصِيل، فَلا يصل إِلَى ذَلِك إِلاَّ ببحث كثير وَتَطْوِيل، فَإِن وقف فأمعن النّظر، وأسْتَدَّت مِنْهُ الْفكْر قضى من عجائبها كل عجب، وَعلم على الْقطع والبتات أَنَّهَا حق من الله، من غير شكّ وَلَا ريب، وَأَن الَّذِي جَاءَ بهَا لا يجوز عَلَيْهِ الْغَلَط، وَلا الْكَذِب، فها نَحن معشر الْمُسلمين قد أرصدنا شريعتنا للاستعراض، ونادَينا عَلَيْهَا فِي سوق الاعتراض، لِئَلاَّ يعْتَرض أحد أَو يُعَارض، فيدمغه ناقد لقَوْله وحافظ، وَلم نكل حكايتها إِلَى غبي غافل عَن مَقَاصِد شرعنا جَاهِل. وَقد آن أَن نذْكر مَا اعْترض بِهِ النَّصَارَى على ديننَا، ونتصل عَنهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَعند ذَلِك يتَبَيَّن صميم جهلهم، وَسُوء صنيعهم وفعلهم”[34]

ومن العلماء الذي نبّهوا إلى هذا النحو التوفيقي بناء على الغايات العقدية، النظار أبو اسحاق الشاطبي الذي يقول “مِنْ أَشَدِّ مَسَائِلِ الْخِلافِ – مَثَلاً- مَسْأَلَةُ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، حَيْثُ نَفَاهَا مَنْ نَفَاهَا، فَإِنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَقَاصِدَ الْفَرِيقَيْنِ، وَجَدْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَائِمًا حَوْلَ حِمَى التَّنْزِيهِ، وَنَفْيِ النَّقَائِصِ، وَسِمَاتِ الْحُدُوثِ، وَهُوَ مَطْلُوبُ الأَدِلَّةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِلافُهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَذَلِكَ لا يُخِلُّ بِهَذَا الْقَصْدِ فِي الطَّرَفَيْنِ مَعًا، فَحَصَلَ فِي هَذَا الْخِلافِ الشبه الْوَاقِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخِلافِ الْوَاقِعِ فِي الْفُرُوعِ”[35].

وقد أشار الشوكاني إلى ذلك المقصد العقدي، حتى اعتبره أحد المقاصد القرآنية جملة، يقول: “وَأما مَقَاصِد الْقُرْآن الْكَرِيم الَّتِي يكررها، ويورد الأَدِلَّة الحسية والعقلية عَلَيْهَا، وَيُشِير إِلَيْهَا فِي جَمِيع سوره، وَفِي غَالب قصصه وَأَمْثَاله، فَهِيَ ثَلاثَة مَقَاصِد، يعرف ذَلِك من لَهُ كَمَال فهم وَحسن تدبر، وجودة تصور وَفضل تفكر، الْمَقْصد الأول: إِثْبَات التَّوْحِيد، الْمَقْصد الثَّانِي: إِثْبَات الْمعَاد، الْمَقْصد الثَّالِث: إِثْبَات النبوات”[36].

ولا شك أن الذهول عن المقاصد، والعناية بالجزئيات ذات المعاني المغايرة لها، الصارفة عن الطريق، والنائية عن اليقين، كل ذلك أدخل الفكر العقدي في دوامة من الخلاف والمراء، مما استوجب إرجاعه النظر في غاياته ومقاصده. يقول ابن الوزير اليمني: “فَإِن الَّذِي وسَّع دَائِرَة المراء والضلال هُوَ الْبَحْث عَمَّا لا يعلم، وَالسَّعْي فِيمَا لا يُدْرك، وَطول السّير وَالسَّعْي فِي الطَّرِيق الَّتِي لا توصل إِلَى الْمَطْلُوب، والاقتداء بِمن يظنّ فِيهِ الإِصَابَة وَهُوَ مُخطئ، والاشتغال بالبحث عَن الدقائق، الَّتِي لا طَرِيق إِلَى مَعْرفَتهَا، وَلا يُوصل الْبَحْث عَنْهَا إِلَى الْيَقِين وَلا إِلَى الْوِفَاق، وَلا ظَهرت للخوض فِيهَا مَعَ طوله ثَمَرَة نافعة لا بِالْيَقِينِ صادعة، وَلا للافتراق جَامِعَة، وَلا رُوِيَ عَن أحد من الأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلام، وَلا صَحَّ عَن أحد من السّلف الْكِرَام، وَرُبمَا انْقَطع هَذَا الْعُمر الْقصير فِي تِلْكَ الطّرق الْبَعِيدَة قبل الْبلُوغ إِلَى الْمَقْصُود بهَا، وَهُوَ معرفَة الْحق الْوَاجِب من الْبَاطِل المهلك، وَمَعْرِفَة المحق من الْمُبْطل، وَلَيْسَ الطّلب لكل علم بمحمود، وَلا كل مَطْلُوب بموجود، أما الثَّانِيَة فوفاقية، وَأما الأولى فعقلاً وسمعاً…”[37].

المطلب الخامس: نتائج التأريخ ومقدمات التجديد

بناء على ما سبق، من رصد للسياق التاريخي والمعرفي لعلم العقيدة، وما تطور إليه من علم الجدل الكلامي، إلى ما أضحى عليه من بُعد مقاصدي، نستعرض جملة أسئلة ضرورية:

أولها: عن أي تجديد نتحدث؟ عن تجديد العقيدة؟ أم تجديد علم العقيدة؟

ثانيها: وهل نريد تجديد علم الكلام أم التجديد الكلامي؟

ثالثها: ما هي أوجهه وإمكاناته ومناطاته وما هي طرق تحقيقها؟.

للجواب عن تلك الأسئلة، نقترح مقدمات مرتّبة عن نتائج المطالب السابقة.

أولاً: مَا أعتقد أن تواتر مفردات مختلفة في النسق العقدي تحمل نفس الدلالات عند المختصين، فمصطلح الإيمان ليس هو العقيدة، وهي ليست أصول العقيدة، وليست هي علم الكلام، وليس هو علم التوحيد…، تماماً كما نستحضر فروقاً بين الفقه وعلم أصول الفقه وعلم الحجاج والمقاصد. صحيح قد يحصل تقاطع وثيق بين تلك المسميات، إنما ليس على وزان واحد، وهذا يتطلب بحثاً دقيقاً في تاريخ تطور علم العقيدة، هذه الورقات لامست بعض جوانبه، وإن لم يُسعفها المجال لكفاية إنجازه، واستيفاء النظر فيه. 

ثانياً: إذا تبين أن العقيدة هي ما اعتبر سلوكاً عملياً، وتختلف عن علم العقيدة باعتباره صناعة معرفية، فهل يصح القول بإلحاق التجديد بالأولى أم بالثاني؟ أي هل نقول بتجديد العقيدة؟ أم بتجديد علم العقيدة؟ ولا شك أن بينهما فرقاً ظاهراً، وبوناً شاسعاً؛ لأن العقيدة في أصالتها الإيمانية، بأركانها ومقتضياتها لا يسْلم القول بتجديدها من معارضات وتحفظات، إلاّ إذا وصلنا الجهد التجديدي بطرق ومسالك تنزيلها وتمثلها وتفعيلها، بعكس صحة القول بتجديد علم العقيدة، على الأقل في مستوياته التدوينية والنسقية، ونطاقاته البيانية والتأصيلية. وهذه النتيجة تنسجم مع ما انتهى إليه خالد زهري حين تحدث عن خصائص “التطور” في الخطاب العقدي بضرورة التمييز بين مصطلحيّ “تطور المذهب العقدي” و”تطور العقدية”، حيث تسامح مع القول بـ”تطور المذهب العقدي”، في مقابل تحفظه الشديد من القول بـ “تطور العقدية”، “لأنها في العبارة الأولى تفيد التطور على مستوى البناء الفكري المؤسس على العقيدة، وهو مطلوب، بل يُعد ضرورة حضارية، وأما استعماله في العبارة الثانية، فإنه يفضي إلى القول بحصول التغير والتطور في الثوابت العقدية، والأصول التوحيدية، وهو باطل”[38].

ثالثاً: ولما ظهر أن علم العقيدة يختلف عن علم الكلام من حيث المعنى، باعتبار الأول قائم على التأصيل، والثاني على الاستدلال، ومن حيث القصد، إذ إن الأول يتقصد العمل، والثاني يستهدف النظر، فهل نريد تجديد علم العقيدة أم علم الكلام؟ لأن التجديد في الأول مطالبه الجوانب العملية السلوكية، ومداركه العلمية والصناعية، لدى المؤمن من الخواص أو من العوام. وأما التجديد في علم الكلام، فمطالبه تطال الجوانب الاستدلالية والنظرية، لدى العلماء الخواص دون العوام. أي بقول إجمالي: يتطلب الأمر تحديد غايات التجديد وبيان مقاصده، وهذا لا يتم إلا بعد تعيين مناط التجديد، حتى تتبيّن بعد ذلك أوجُهُه، وإمكاناته، يعني؛ هل نريد به التجديد العلمي أم التجديد العملي؟.

فينتج عن ذلك مقدمة أساسية: وهي أن للتجديد مستويان: الأول: المستوى العلمي، أي التدويني التأسيسي، والثاني: التجديد العملي على المستوى الاجتماعي والتمثلي. فالأول يتعلق بتقريب القضايا الإيمانية وإفهام المسائل العقدية، والثاني يتصل بإصلاح التمثلات العقدية والسلوكية في البيئة الاجتماعية، وحفظ الكليات العقدية، سواء من جانب الوجود، أو من جانب العدم، كالقضايا الشركية، والبدع، والمحدثات، ومسائل الابتلاء، وامتحان الإيمان وتمحيصه خلال الأزمات والحروب.. وما شابه ذلك.

رابعاً: لقد ثبت أن الجدل الكلامي لحق نطاقين، ليفرز لنا بذلك نوعين منه، وهما: الجدل الكلامي الداخلي، والجدل الكلامي الخارجي، فنحن إذا أردنا أن نبحث في مسألة التجديد الكلامي، فيلزم أن نحدد نطاقه، فعن أي نطاق تجديدي نتحدث؟ وما هي مقتضياته ومناطاته ومطالبه؟. فإن تحدثنا عن الجدل الكلامي الداخلي، فهذا له لوازمه ومقتضياته ومناطاته، وإن أريدَ به الخارجي، فذاك أيضاً له ما له. فالأمر مختلف في حيثياته. بل إن من القضايا القمينة بالنظر في هذا المساق، وهي شبه غائبة في التداول العلمي والبحثي المعاصر، هي: كيف نربط التجديد الكلامي بالواقع التكليفي وفق مواقع الوجود الإنساني؟، ومآب هذا بالأساس إلى ما درج عليه الأمر من وصل للبحث العقدي بالبعد النظري وكذا المجال القلبي، أكثر من العمل ومواقع الوجود البشري، لأنه “ما تخلف علم الكلام إلا بعد أن ابتعد عن الواقع، وانخرط في سلك العلم غير النافع، أي الذي لا يجيب عن الإشكالات المستجدة، ولا يعالج القضايا المستحدثة”[39].

فينتج عن هذه النتيجة مقدمة أساسية للنظر في التجديد: وهي أن الحديث عن التجديد الكلامي الداخلي يختلف عن الخارجي، معنى ومبنى ومغزى، إذ لكلٍّ نطاق خصوصيته. ثم إن حقيقة التجديد لا يصح أن تبقى حبيسة الجدل النظري بين المتكلمين وأهل الكلام، دون أن يكون لهذا الجدل صلة بالواقع الإنساني، استجابة لحاجاته العلمية، وإجابة عن أسئلته الواقعية، وتحريراً لإشكالاته المنهجية بما يعزز الإيمان ويصحح الاعتقادات.

خامساً: مما توصلت إليه الدراسة، أن البحث العقدي لم يفارقه النظر المقاصدي، وجوهره التعليلي للأحكام العقدية، وإنْ تمنّعت عنه بعض الفرق الكلامية، لأسباب وعلل جدلية بحتة، لها امتدادات “كلامية” أي مذهبية. وأما بالعودة إلى النصوص الشرعية الخالصة، فيظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن التقصيد العقدي له حضور جليّ وواضح، وهو ما ظهر بقوة مع كتابات كثيرة، ذكرنا بعضها في هذه الدراسة.

فينتج عن هذه النتيجة مقدمة أساسية في النظر التجديدي، وهي: أن القول بالبحث في المقاصد العقدية يُعد مدخلاً موفّقاً في التجديد الكلامي المعاصر. لما له من أثر قوي في سد ذرائع الامتداد الجدلي، بل في التوفيق الكلامي، وجمع الكلمة العقدية بين الفرق العقدية. كما سيتحقق بربط الإيمان بالمقاصد والعقيدة بالمصالح تيسير لفهم الاعتقاد الإيماني السليم، وتقريب المؤمنين من معرفة خالقهم ومعبودهم أشد المعرفة، بما اعتقدوه فيه سبحانه من أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وحكَمه العظمى.

سادساً: وهذه النتيجة لها صلة بما قبلها، حيث إنه لما ظهر بتتبع تاريخ الخطاب العقدي، ومساره العلمي، تباين واضح بين علم العقيدة وعلم الكلام، فإن البحث المقاصدي ينبغي أن يتم فيه التفريق بين مقاصد العقيدة ومقاصد الكلام، لأن اختلاف الحقل العلمي يترتب عنه تبايناً في المقاصد، لما يستتبع ذلك من تباين في المطالب والمباحث، ومن ضمنها بالضرورة طبيعة الأسئلة والإشكالات. فالبحث في مقاصد العقيدة يراد به: الحِكم والمعاني التي أرادها الله تعالى من الإيمان بالأركان العقدية الستة المعروفة، أي أن الحديث يختص بمقاصد الأمر بالإيمان بالعقائد، والنهي عن الكفر بها، أي الحِكم والفوائد من الإيمان بالله سبحانه، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. وأما ما خلص إليه بعض الفضلاء من مقاصد، كالتنزيه والتوحيد والمعرفة والإيمان، فلا يعدو ذلك في نظري إلا مقاصد خاصة بعلم الكلام لا العقيدة. أو قد يراد بها مقاصد موضوعية، إذ جرى وسم مباحث العقيدة بالمقاصد، كما سمى الغزالي كتابه بـ “مقاصد الفلاسفة” وهو يقصد مباحث المتكلمين، والتفتازاني الذي نَعَتَ كتابه بـ “المقاصد في علم الكلام و”شرحها”، بل إني أجزم أن إضافة مفردة “علم” إلى “مقاصد” قد يغير المعنى، فمقاصد العقيدة ليست هي مقاصد علم العقيدة. 

ونتيجة ذلك كله، أن البحث في التقصيد العقدي أو الكلامي، ينبغي أن يتم التفريق فيه بين النطاقات المختلفة التي بحثها علماء العقيدة والكلام، درءاً للتداخل والاختلاط، لأن مقاصد العقيدة تتشوف إلى معرفة: ما المقصد من التوحيد انتهاءً؟ وتطلب إدراك الحكمة من الإيمان بالأركان تفصيلاً؟ وبحث الفائدة من تنزيه الله تعالى؟ أي ما القصد من أمر الله تعالى لنا بذلك؟. ولا شك في أنه عند العودة إلى الخطاب الشرعي قرآناً وسنة، سنجد من النصوص ما يُفيدنا في جني ثمار تلك المقاصد ويحرر الإشكال. 

سابعاً: إن كل ما حصل من تحولات طارئة عبر التاريخ العقدي، يمكن نعته بأنه نوع من التجديد في سياقه العلمي، قد ينعكس أو لا ينعكس على المستوى العملي السلوكي، والاجتماعي العمراني. إنما للأسف نعيش اليوم لحظة أخرى مغايرة، هي لحظة الكلام عن الكلام، تأريخاً وتفسيراً ومعرفةً، أو في أحسن الأحوال لحظة الكلام في الكلام، استعادة للنفَس العلمي التاريخي بمباحثه وقضاياه، رغم تباين الأسيقة والمناطات. بعبارة أخرى، لا لحظة “الاستدلال على إثبات العقائد الدينية”، بل لحظة “الكلام والاستدلال على إثبات صحة آراء المتكلمين”، ومذاهب الفرق الكلامية، بما يطغى عليه من تعصب للمرجعية العقدية، وجمود على الآراء والمواقف الكلامية. وبين المنزلتين فرقٌ يربو عن الفرق بين الفرق الكلامية نفسها.

فينتج عن هذا بالضرورة العملُ على استرجاع الغرض الأساسي لعلم الكلام في زماننا، بما هو: “علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه”، كما قال العضد الإيجي، أي تأصيلاً ومناظرةً. وعليه فإنا “نجد أن المسلمين اليوم بحاجة ملحة إلى قيام علم يقوم بمهمة حراسة العقائد الإسلامية، على الوجه الذي قام به علم الكلام في عصر النشأة”[40] وإن كان لا بد من الالتزام بمذهب عقدي معين، وهذا لا يستقيم إلا بعد تحرير الأدلة على سبيل القطع والجزم بما قام عليه، فينبغي أن يكون ذلك سلّما إلى البحث والنظر في قضايا التجديد الاجتماعي والعلمي.

على سبيل الختم:

انطلقت هذه الدراسة: “من كلام العقيدة إلى عقيدة الكلام، قراءة في جدلية التأريخ والتجديد” من رصد مسار علم الكلام، منذ بداياته الأولى وتأسيسه التاريخي، لغرض تحرير إشكاله التجديدي المعاصر، فجعلت من  الحديث عن العقيدة في صيغتها “العملية الإيمانية”، إلى تحولها “صناعة علمية” سؤالاً لمطلبها الأول، ثم توقفت في مطلبها الثاني عند تحول “الصناعة العلمية للعقيدة إلى الكلام”، في تأصيلها وتقعيدها، درءاً للجدل المتنامي حولها، لينتقل بها الرصد إلى تتبع نهاية ذلك التقعيد والتأصيل، إلى التمسك بعقائد الكلام الناتجة عن تمكن الفرق الكلامية، وتحولها إلى عقائد مسيّجة بسياج النظر والاستدلال، وهو ما عالجْته في مطلبها الثالث: المعنون بـ”من كلام العقيدة إلى عقيدة الكلام”، ليرسو ذلك الاقتفاء والرصد عند العناية بالمقاصد، سواء في بعدها العقدي، أو الكلامي، وذلك في المطلب الرابع: “من عقيدة الكلام إلى مقاصد العقيدة”.

وبذلك تكون الدراسة قد مهدت بنتائج هذا الرصد التاريخي، للنظر في مقدمات التجديد الكلامي المعاصر على ضوئها، وما كشفت عنه من قضايا ومسائل، يستوجب النظر استحضارها في سياق التجديد، وهو ما اشتغَلت به في المطلب الخامس الأخير: “نتائج التأريخ ومقدمات التجديد”. نبهت فيه إلى جملة قضايا معتبرة في أي رؤية نهضت بالبحث فيما يسمى بعلم الكلام الجديد.

* * * * * * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* النص الكامل للمقال منشور في:
الحشان شهيد. (2024). من كلام العقيدة إلى عقيدة الكلام. مجلة المسلم المعاصر. ع. 182- 183. ص ص. 51 – 75.

** أستاذ التعليم العالي، كلية أصول الدين، تطوان.

[1] ابن خلدون، عبد الرحمن. (808هـ)، المقدمة. بيروت، لبنان، دار الجيل. ص 513.

[2] الشاطبي، أبو إسحاق. الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق: عبد الله دراز. بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، 1414/1994. ص44/45.

[3] النشار، علي سامي. نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام. دائرة المعارف، ط9، 1995. 1/48.

[4] رواه مسلم، باب معرفة الإيمان والإسلام، رقمه (8) و(1)، والترمذي، رقمه (2796)، وابن ماجه، رقمه (63).

[5] الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين، تحقيق: أحمد جاد، دار الحديث القاهرة، 1430/2009، ص8.

[6] التفتازاني، سعد الدبن، شرح المقاصد، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، بيروت، لبنان، ط2، 1998. 1/163.

[7] ابن الهمام، كمال الدين، التحرير في أصول الفقه (الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية)، مطبعة الحلبي، القاهرة، مصر، ط1350، 1/27.

[8] الغزالي أبو حامد (505هـ)، الاقتصاد في الاعتقاد، تحقيق: عبد الله محمد الخليلي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1424/2004، ص13.

[9] الإسفراييني، أبو المظفر (471هـ) التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، تحقيق: كمال يوسف الحوت، عالم الكتب – لبنان، ط1، 1403/1983م، ص 193.

[10] الغزالي أبو حامد (505هـ)، الاقتصاد في الاعتقاد، مصدر سابق، ص14.

[11] ابن خلدون، المقدمة، مصدر سابق، ص 513.

[12] الفارابي، أبو نصر، (339هـ)، إحصاء العلوم، تحقيق: عثمان أمين، مكتبة الأنجلو، مصر، ط3، 1968.

[13] ابن خلدون، المقدمة، مصدر سابق، ص 550.

[14] النقاري، حمو، من أجل منطق لعلم الكلام، ندوة الاتجاهات الكلامية في الغرب الإسلامي، تنسيق: علي الإدريسي، منشورات محمد الخامس، كلية الآداب، الرباط، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 2005، ص 265.

[15] ابن خلدون، المقدمة، مصدر سابق، ص 580.

[16] الإسفراييني، التبصير في الدين، مصدر سابق، ص20.

[17] الدينوري، ابن قتيبة، (276هـ)، تأويل مختلف الحديث، المكتب الإسلامي، مؤسسة الإشراق، ط2، 1419/1999، ص63.

[18] التوحيدي، أبو حيان، (414هـ) ثمرات العلوم، تحقيق: أنور محمود زناتي، محمد عالب بركات، دار سحر للنشر، تونس، د: ط/ت، ص24.

[19] زهري، خالد، الفقه المالكي والكلام الأشعري، دار الرشاد الحديثة، البيضاء، المغرب، ط1، 1432/2011، ص53.

[20] السلمي، ابن الحاج محمد الطالب، الأزهار الطيبة النشر فيما يتعلق ببعض العلوم من المبادئ العشر، تحقيق: جعفر بن الحاج السلمي، منشورات جمعية تطاون أسمير، سلسلة= =تراث، (12) مطبعة الخليج العربي، تطوان، المغرب، ط1، 1428/2007، 2/205، عن زهري، خالد، الفقه المالكي والكلام الأشعري، ص53.

[21] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. الرد على المنطقيين، تحقيق: محمد حسن إسماعيل. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 2003/1424، ص276.

[22] الماتريدي، أبو منصور (333هـ)، التوحيد، تحقيق: فتح الله خليف، دار الجامعات المصرية، الإسكندرية، ص3.

[23] الغزالي، المنقذ من الضلال، مصدر سابق، 123/124.

[24] الإسفراييني، التبصير في الدين، مصدر سابق، ص193.

[25] الميورقي، أبو عبد الله بن أبي نصر (488هـ)، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، الدار المصرية للتأليف والنشر، القاهرة، د ر ط، 1966م، ص110.

[26] الغزالي، أبو حامد. المنقذ من الضلال. تحقيق: جميل صليبا، وكمال عياد. طبعة دار لأندلس، د، ت. ص 123/124.

[27] الباجي، أبو الوليد. المنهاج في ترتيب الحجاج. تحقيق: عبد المجيد التركي. دار الغرب الإسلامي، ط1، 1420/2000. ص15.

[28] ابن خلدون، المقدمة، مصدر سابق، ص 591.

[29] الغزالي، أبو حامد. المنقذ من الضلال، مصدر سابق، ص121.

[30] ابن الوزير، محمد بن إبراهيم (840هـ)، إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، دار الكتب العلمية، بيروت ط2، 1987، ص29.

[31] زهري، خالد، الفكر العقدي للمذهب الأشعري، خصائصه ومقاصده، مع تحقيق متون عقدية أشعرية، دار الرشاد الحديثة، البيضاء، المغرب، ط1، 1444/2023، ص154.

[32] انظر: زهري، خالد، الفكر العقدي للمذهب الأشعري، مصدر سابق، ص32.

[33] السبتي، أبو الفضل عياض (544هـ)، شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاض المُسَمَّى إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، تحقيق: يحْيَى إِسْمَاعِيل، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، ط1، 1419/1998، 1/539، مع التحفظ على ما جاء من أحكام بالغة في هذا الكلام، لتحقيق القول في هذا يمكن النظر في: بزا، عبد النور، نظرية التعليل في الفكرين الكلامي والأصولي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا، و م أ، ط1، 1432/2012.

[34] القرطبي، أبو عبد الله محمد (671هـ)، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن الإسلام، تحقيق: أحمد حجازي السقا، دار التراث العربي، القاهرة، ص447.

[35] الشاطبي، أبو إسحاق. الاعتصام. عناية مكتب تحقيق التراث، وفهرسة رياض عبد الله عبد الهادي، ط1، 1417/1997، 3/118.

[36] الشوكاني، محمد بن علي (1250هـ)، إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات، تحقيق جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1، 1404/1984، ص3.

[37] ابن الوزير، إيثار الحق على الخلق، مصدر سابق، ص11.

[38] زهري، خالد، الفكر العقدي للمذهب الأشعري، خصائصه ومقاصده، مع تحقيق متون عقدية أشعرية، دار الرشاد الحديثة، البيضاء، المغرب، ط1، 1444/2023، ص32.

[39] زهري، خالد، الفقه المالكي والكلام الأشعري، دار الرشاد الحديثة، البيضاء، المغرب، ط1، 1432/2011، ص52.

[40] فرغل، يحيى هاشم، عوامل وأهداف نشأة علم الكلام في الإسلام، جامع الأزهر، مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة، مصر، ط1، 1441/2020، ص410.

عن الحسان شهيد

شاهد أيضاً

نحو علم للقواعد الاعتقادية الشرعية

أ. د. حسن الشافعي

أحاول في هذه الدراسة الإجابة عن سؤال علمي مضمونه: هل يمكن قيام علم - أو فرع من فروع البحث والدرس الكلاميين - للقواعد الاعتقادية الشرعية؟

العقائدية وتفسير النص القرآني

العنوان: العقائدية وتفسير النص القرآني: المناهج- الدوافع- الإشكاليات- المدونات: دراسة مقارنة. المؤلف: ياسر بن ماطر المطرفي. Post …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.