أخبار عاجلة
الرئيسية / الدراسات والأبحاث / بحوث ودراسات / بحوث محكمة / الأولاد في القرآن الكريم: رؤية كلية حاضنة

الأولاد في القرآن الكريم: رؤية كلية حاضنة

الأولاد في القرآن المجيد: رؤية كلية حاضنة*

أ. مدحت ماهر الليثي**

مقدمة:

القرآن المجيد هو كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنـزيل من حكيم حميد، فيه: خبر السابق ونبأ اللاحق وحكم الحاضر، وبيان الحقائق، والوعظ بالرقائق، نزل على النبي الإنسان الكريم، الذي عاش به ومشى به حتى كان قرآنا يمشي على الأرض، فأوقع مراد الكتاب على واقع الإنسان والحياة الدنيا أيما إيقاع، وانتفعت بهداه أمة الخير أيما انتفاع.

ولقد كان للنبي الكريم –عليه أفضل الصلاة والتسليم- شأن عظيم في معاملة غير المكلفين عامة والأطفال خاصة، فأرسى قيما حاكمة ومقاصد حافظة وأحكاما فاصلة، وطرائق حياة مع الصغار وبهم، جديرة بالتدبر فيها وأن يستفاد منها فقهٌ للحياة فاعل، لا يقتصر فقط على حال النـزاع والسعي إلى الفصل فيه كما هو سائد في فقه الأحكام، ولا يكتفي باستنباط الحكم العام المجرد بل ينتقل إلى قيم موجِّهة ومقاصد محدِّدة، وسبل ميسِّرة ومسيِّرة للحياة.

ولم يكن النبي الكريم -في ذلك- ببعيد عن ترجمة الهدي القرآني وتطبيقه في أجلى درجات التطبيق، بالمثل كما أنه –ﷺ- يقف في أعلى درجات الاتباع والعبودية والإنسانية. وإذا كان هذا البحث يضع تطبيق النبي –ﷺ- في بؤرة الاهتمام بغية الوقوف على فقهه –ﷺ- في تسيير الحياة بموجبات النص وفهمه، فإن التقديم للموضوع محل التطبيق –وهو الطفولة وإطارها الأوسع المتمثل في علاقات الأبوة والبنوة- من معين القرآن المجيد هو من الأهمية واللياقة بمكان؛ حيث إن القرآن هو النص المطلق المتجاوز لما هو زماني وما هو مكاني، بينما السنة أو السيرة هي النسبي المحدد بالزمان والمكان وهي التطبيق الأمثل لهذا المطلق القرآني، ومن ثم فإن الجمع بينهما في هذه الدراسة هو القضية الأساس التي نبتغي منها استخلاص المنهاج العام للتنزيل والتطبيق.

ومن تدبر الآيات الكريمة التي ورد فيها ما يتصل بالأولاد والأطفال، ومن خلال مقارنة طبيعتها العامة الجامعة النموذجية بما في السُّـنّة وفي السيرة من تفاصيل وجزئيات، يتكشف الدور الأساس للكتاب الحكيم في بيان الرؤية الكلية والمبادئ العامة للنظر والعمل والتعامل.

فالقرآن العظيم يشتمل على النظرية العامة المحيطة بالطفل الذي لم يبلغ الحُلُم وما يسبقه من مراحل وما ينتظره من أطوار، ويبين للناس الرؤية الكلية الحاضنة لمسألة “الوالد وما ولد”: بمفاهيمها الأساسية، وما يتصل بها من اعتقادات وتصورات تتعلق بالخالق -جل وعلا- ومخلوقاته سيما الإنسان، وتتعلق بأقدار الإنسان في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة: (التصور القرآني للطفل).

كذلك تتضمن هذه الرؤية الكلية الحاضنة عالم “العلاقات” بين والد وما ولد؛ بدءا من الفطرة (المنطلق) وما يتصل بها من جبلة وغرائز وتسوية إلهية؛ أي ممن خلق فسوّى وقدّر فهدى: (العلاقة الفطرية). مرورا بأثر منظومة الإيمان على علاقات الأبوة والبنوة بنماذجها المختلفة: (العلاقة الإيمانية)، ثم ما يعرض له القرآن من أحكام وتكليفات تتجه بالأساس إلى المكلفين والبالغين وتتعلق بالأبناء والأطفال، وما تشتمل عليه هذه الأحكام من حيز معنوي أصيل تشغله أصول من القيم والمقاصد القرآنية: (العلاقة التشريعية). وهي نظرية ثلاثية الأبعاد قد تطرح إمكانيات لتعميمها في مقامات وموضوعات أخرى.

هذه الرؤية القرآنية الكلية –بمجالاتها الثلاثة: الاعتقاد والفطرة والتشريع- تكشف عن إمكانات واضحة لإعادة بناء العقل والوجدان والمجتمع والأمة من مدخل تجديد النظر إلى الأبناء -أبناء الفرد وأبناء الأمة- وتصحيح المسار في معاملتهم.

فعلى مستوى الاعتقاد مثلًا سنجد أن حقيقة انتفاء الولد عن الله تعالى –على سبيل المثال- والتي تاهت بالتكذيب بها أمم وخلائق جمة، جديرة –إذا أحسن فهمها- أن تعيد تعريف الإنسان وتحدّ له حدوده ومقاماته التي تتدرج فيها إنسانيته من واقع البنوة والأبوة الإنسانيتين (ووالد وما ولد).

وعليه تفترض الدراسة –وبعد البحث والدرس الجماعي الذي تم لهذا الموضوع- أن تصور الطفل -باعتباره هبة من الله تعالى ورزقا وعطاء ونعمة وتقديرا- والاعتقاد في أقداره التي لا يملكها إلا الله تعالى، والوعي بسنن المعاملة والتربية التي تتفاعل مع التقدير الإلهي، وكذلك النظر إلى الطفل باعتباره إنسانا آخذا في النمو والاكتمال ومن ثم يحتاج إلى الإعداد للقيام مقام المكلف في اعتقاده وعباداته ومعاملاته وما إليه، والانتباه إلى داعي الفطرة عند الطفل وتجاهه ..كل ذلك نفترض أنه جدير بأن يفتح بابًا إلى تجديد الأمة وإنسانها.

فعلى الرغم من عدم وضوح تحديدات عمرية للأطفال أو الصغار في النماذج القرآنية (خاصة القصص)، فإن هذا الطابع التعميمي ذاته -مع كثرة نماذج العلاقات والتفاعلات مع الأبناء والأطفال- هو نفسه الذي يتيح لنا استخلاص أطر قيمية وتربوية حاكمة تكوّن عناصر “النظرية” القرآنية المشار إليها.

هذه النظرية قوامها أن الطفل مخلوق إنسان يترقى في مراحل النمو نحو التمييز فالتكليف، وهو في ذلك مرتبط بشبكة من العلاقات الحاكمة لأمرين: أمر النظر إليه وتصوره، وأمر التعامل معه، هذه الشبكة تربط الطفل بالمكلفين بثلاث علاقات عميقة، تتضح منها المبادئ العامة الحاكمة للتصور والمعاملة، ويمكن إجمالها ابتداء –قبل التفصيل في عرضها- وذلك على النحو التالي:

  • علاقة فطرية (نظرية الإعداد):

تنطلق الرؤية القرآنية لعالم الطفل من أن الطفل إنسان خلقه الله –تعالى-، فأعطاه وجوده (وهذا هو المبتدأ: الإيجاد[1])، ثم سوَّاه على كيفٍ معين وأعطاه قابلياته للخير والشر (وتلك هي الثانية: التسوية والإعداد)، ثم يسره لما يشاء بعد ذلك وفق سابق علمه ورحمته (وهو الإمداد). ومن ضمن “الإعداد أو الحلقة الثانية” أن الله –تعالى- فَطَرَ الناس على فطرة، وأنزل في نفوسهم غرائز من حكمته ورحمته، فبها يأكلون ويشربون، وبها ترحم الأم ولدها، ويميل الإنسان إلى خير نفسه وينفر مما يضيره، ويميل إلى أمه التي ولدته وأبيه الذي رعاه..

هذه الفطرة لا تتعارض مع حقيقة أن الطفل (الإنسان الصغير) يأتي إلى هذا العالم لا يعلم شيئا مما يُنسب إلى “العلم”: {اللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل: 78)، فهو لا يقدُم صفر اليدين من غرائز وجبلة يجبله الخالق عليها، من هنا عرف الإنسان معنى العقل الجبلي ومفهوم “الفطرة”. وفي العلاقة بين والد وما ولد تقوم الفطرة بدور الدافع والمحرك، والمعيار الموجه، والحبل الحافظ للرباط الوجداني.

  • علاقة إيمانية (بين القدر وأصول الاعتقاد):

يبين الكتاب الحكيم بوضوح شديد أن هذا الطفل (الإنسان النواة النامية) مكتنَف بعلاقة ربانية عميقة ومحيطة، صناعةً وتنميةً: نرى ذلك –على سبيل المثال- في موسى (عليه السلام) طفلا: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * –إلى قوله- وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} (طه: 17: 41). كما قد نراه في يوسف الغلام –عليه السلام- الذي اجتباه ربه وأوحى إليه في الجُبّ وكان بما يصنع السيَّارةُ به عليما، والصبي يحيى بن زكريا الذي آتاه الله تعالى الحكم صبيا، والفتى إبراهيم الذي آتاه رشدا مبكرا وكان به عليما، والغلامين اليتيمين صاحبي الكنز، … وغير ذلك من نماذج نتعرض لها لتكشف عن الكنف الإلهي والقدري بالإضافة إلى ما يبدو من تدافع مقتضيات الإيمان ومقتضيات الغريزة في العلاقة بين الوالد وما ولد خاصة عند اختلاف درجاتهما من الإيمان والتدين.

 (ج) علاقة تكليفية (التشريع للمعاملات): وهي تشتمل على جانبين:

الأول والأساس- التشريع للمكلفين تجاه الأطفال أو للآباء تجاه الأبناء. والثاني- التأهيل بالتكليفات التربوية أو التدريب على التكليف للأطفال. وفي هذين الجانبين تتكشف قيم أساسية حاكمة لهذه العلاقات في بواطنها وظواهرها، كما تتكشف قواعد عامة حاكمة لعمليات الاجتهاد في معاملة الأطفال بما تكتمل معه عناصر الإطار القرآني العام في هذا الصدد. قدم القرآن العظيم نماذج لهذه العلاقة وما يرتبط بها من أحكام، غير أن التفصيل الأكبر كان محله السيرة والسُّنة بما ينهض عليه مبحث تالٍ.

وبناء على ذلك يتم تقسيم هذا الجزء من الدراسة إلى قسمين: يتناول أولهما التصور القرآني للطفل وعناصر الشبكة المحيطة به من عالمي الغيب والشهادة وتفاعلهما. بينما يتناول القسم الثاني البيان القرآني لعالم علاقات الطفل بالمحيط في ضوء النظرية ثلاثية الأبعاد المتعلقة بالفطري والعقدي والتشريعي.

أولًا- التصور القرآني للطفل

(1) بشرية الإنسان في وَلَديته ووالِديته: نفي الولد والوالد عن الرب (جل وعلا):

الولد منفي عن الله تعالى مثبت للإنسان من الرسل وغيرهم؛ ومن ثم صارت البنوة والوالدية ذات اعتبار عقدي جوهري؛ حيث لا تجد قوما إلا ونسبوا لله تعالى شيئا من ذلك: اليهود والنصارى والمشركين، وفي هذا فإن المعتقد الإسلامي يشتمل على منظومة نفي وإثبات، وتنزيه وإنعام، تتبين فيها العلاقة بين الخالق والمخلوق، والغني الرازق والفقير المرزوق، ومن عناصرها:

  • تقديس الله تعالى عن الولد أو البنت، أو ما قام مقامهما.
  • بيان أنه الخالق الرازق المسير المسخِّر المقدر المصرف كما يشاء والجميع عبيده –سبحانه- وملك له، وأن الفارق ضروري بين الخالقية المالكية وبين الوالدية، وإن كان في كل منهما معنى رعاية وتصرف وعلو وتعطف.
  • نفي الشريك؛ إذ الولد يكون من متناسبين وهو –سبحانه- لا شريك له ولا نظير ولا صاحبة.

إن الإنسان الذي ألحد في ذات الله تعالى وصفاته ونسب إليه سبحانه من بشريته الفقيرة يقع بين غلوين: إما تأليه الإنسان أو جنس ما، وإما أنسنة الصفات الإلهية بغية محو المسافة والفارق بين المخلوق والخالق. إن ادعاء اليهود والنصارى البنوة لله تعالى -ولو بمعنى مجازيّ- مخالفٌ للفطرة التي تستشعر مع المقام الأعلى غير ما تستشعره مع الآباء، وقياسٌ على صلتين وعلاقتين من غير ذات الجنس، ومن هنا جاء الرد موافقا لمقتضى الفطرة المشتركة بين سائر بني الإنسان: الأب لا يعذب أبناءه، ولا يدعهم يخطئون وهو قادر على منعهم: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (المائدة: 18). إن الاختيار والأمانة التي حملها الله تعالى للإنسان والتسوية على إلهام التقوى والفجور والاستعداد للمُضيّ في طريق هذا أو ذاك هو من حكمة وعلم وميزان غير ذلك الذي يحكم الميل العاطفي عند الآباء.

وجعلوا له “أسرة”: صاحبة وولدا، فكفرهم به أصلا: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ…} (المائدة: 73). إن “الأسرة” هي من عالم المخلوقات لحاجة أعضائها إلى بعضهم البعض، أما الألوهية فلا تكون إلا لله الواحد الأحد سبحانه. إن الأسرية مناسبة للنقص والفقر البشري للاجتماع والتعاون بما لا يليق بالله تعالى الغني المغني. ونسبة الأسرة إلى الرب جل وعلا دمار في العقيدة وباب للاختلاق والافتراء لا يمنع من الزيادة والتزيد فيه إلا الوعيد والتهديد والنهي الواضح عن هذا الخوض: {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (المائدة: 73).

وبمفهوم الفارق بين المخلوق والخالق، فإن بني الإنسان يتشابهون وكسائر المخلوقات يأتي منهم الزوجان، ومن الزوجين يأتي البنون والبنات، وتصبح صفة الوالدية والمولودية من الخصائص الأساسية لمفهوم “الإنسان”: أي القابلية لذلك، وإن لم يقع الولد أحيانا لمانعٍ ما: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} (الفرقان: 54). إن التأكيد القرآني على بشرية الرسل ونفي الملائكية عنهم فضلا عن الألوهية، يتجلى في التأكيد على نسبة الأزواج والذرية للرسل -عليهم السلام-: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} ( الرعد: 38). وهذا يشير إلى ما للبنوة من اتصال بالبشرية كأنها من أخص خصائصها: إن البشر هم الذين يتناسلون: سلالة، وخلائف يخلف بعضهم بعضا.

وبالإجمال: إذا سألت عن نسبته سبحانه فالجواب الخالص: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (سورة الإخلاص).

وهذه سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن المجيد لاشتمالها على بيان جوهر العقيدة الإسلامية: الاعتقاد في رب العالمين بخمس صفات مجتمعات: الأحد، الصمد، لا يولد، ولا يلد، وليس له من كفؤ. والملاحظ أن مسألة “الأبوة والبنوة” التي نعنى بها في هذا المقام تقع في قلب الوصف الأسمى؛ فقد نزلت السورة –كما تذكر الروايات- إجابة عن سؤال يقول لرسول الله ﷺ: انسب لنا ربك[2]. ومنها رواية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ﷺ): (لكل شيء نسبة، ونسبة الله {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ}[3].

والسورة عمدة في بيان عقيدة النَّسَب والوالد وما ولد، ووجوب انتفائها عن “الأحد” الذي ليس له كفؤ من شبيه ولا عدل ولا مِثل، وامتناعها عن الصمد الغني عن ولد يعينه، الباقي، وما من مولود إلا يموت وما من ميت إلا يُورث، والله تعالى لا يموت ولا يورث؛ إذن لا يلد ولا يولد.

وهذا شأن مهم جدًّا: أن التصور الإسلامي –كما يعرضه القرآن المجيد وتؤكده السنة المطهرة- لا يرصد الإنسان حال فرديته وانفراده، ولا حال انعزاله وانفصاله، بل حال نسبته واتصاله، وحال إنباته وإثماره: تصور يتسم بالحركة والتفاعلية والتواصل بين أجزاء المنظومة المخلوقة. فالإنسان هو “الزوجي المتشابه”، الفقير المفتقر، يلد ويولد، وله كفؤ وأكفاء: فرد في جماعة، قادم من جيل ومنتج لجيل. والولد هنا ليس ذاتا وحسب بل هو أيضا فكرة وقضية من أهم قضايا الاعتقاد. ومنه نفهم كيف يعبر عن البشر جميعا بالذرية: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} يس: 41)، فالخلق كلهم ذرية، والأجيال القادمة محمولة في أصلاب الأجيال الحاضرة.

ومن هنا يُستشفُّ للطفل تصور لا يعزله عن مقامات حِلّه وترحاله، منذ تحقُّق إرادة خلقه في الرحم الموصول بالرحمن، إلى تقلبه خلقا من بعد خلق، إلى أن يتقلب في عالم “ما تبصرون” من ضعف في اتجاه قوة، ومن مقام عِوَز تامٍّ بلا عطاء، وجهلٍ بلا علم، وخلوٍّ من تمييز أو تقدير أو تدبير، إلى مقامات كسب وفهم وعلم واستغناء وعطاء، في انتظار عودة الضعف حتى لا يعود يعلم -من بعد علم- شيئا، منكَّسا في الخلق لا يقدر على حمل نفسه إلا بشق الأنفس، ويغدو مفتقرا إلى جماعته (كما بدأكم تعودون).

(2) تجليات الربوبية في أحوال الأبوة والبنوة وتفاعلاتها:

أساس الإيمان الإسلامي في تصور أصل “الإنسان” وخصائصه يقوم على تحقق مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته الحسنى فيه: إيجادا وإعدادا وإمدادا على نحو ما سلف، وذلك جارٍ على كل حالات الإنسان ومنها طفولته، كما يسري على علاقاته ومنها العلاقات بين “والد وما ولد”.

فقد تجلى الله –تعالى- بربوبيته على الإنسان حين فطره على التوحيد، وأشهده على ذلك شهادة حال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ} (الأعراف: 172)؟: ألست خالقكم وفاطركم، بارئكم ومصوركم، مبدئكم ومحييكم؟ كما يشهد به الحال قبل القال؟ {قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (الأعراف: 172). ولعل إيراد هذا في الكتاب المجيد على هذا النحو إزالة للغفلة وزيادة توكيد وتنبيه، فالكلام شاهد منفصل غير الجبلة التي قد يدعي المخلوق غفلته عنها. ولكن الشبهة الأكبر على الميثاق ليست الغفلة، إنما فتنة الأبناء بالآباء: {أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} (الأعراف: 173). فأعلمهم وغرس فيهم أن الآباء ليسوا معصومين؛ فقد يُشركون بل سيشرك منهم فريق، وهذا الميثاق التنبيهي للحذر من اتباعهم في ذلك بحجة (البعدية): “ذرية من بعدهم”، إن الإيمان ثورة على التقاليد العمياء بلا بصيرة من الله تعالى، فكل نفس بما كسبت رهينة.

وفي كل أطوار الطفل يتشكل الإيمان وتتجلى أسماء الله تعالى وصفاته على نحو عجيب:

فيتبدى -أولا- تقديره سبحانه وإرادته مع حكمه وحكمته، وقدرته سبحانه البارئ الفاطر المبدئ المصور للطفل في أي صورة ما شاء سبحانه: فالطفل إنسان قادم من عالم غُيِّبَ عنا ولا يخفى على الله؛ هو عالم المشيئة الإلهية: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران: 5، 6). فمسألة الصورة أو التصوير للطفل -والتي تبدأ في الأرحام ثم تستكمل نموها في عالم الشهادة- مرتبطة بوثاق المشيئة الإلهية؛ ومن ثم تعامل معاملة عالم المشيئة بالرضا والتسليم وعدم التجاوز إلى محاولات التغيير في خلق الله –تعالى- أو الفرح المذموم بها (ابن كثير 2/4)؛ ذلك من المفترض أن ينتبه إليه الكبار المكلفون كي ينقلوه إلى الصغار ويجنبوهم مغبات العيش في الصورة والشكل في غفلة عن مصور الصورة وحكمته وعزته.

ثم يتراءى مشهد الخالقية للطفل ولما هو منه: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ } (الواقعة: 58، 59). فالأصل الخلقي للطفل موجود عند أبويه، فهما واسطة لا مصدر، أو مصدر غير أولى؛ فهو مخلوق من مخلوق من مخلوق، والله هو الخالق الرازق السابق أولا غير المسبوق، اللاحق الآخر فليس بعده بعد. وسوف يتجلى لنا في السنة المحمدية مصداق ذلك عبادةً ودعاءً متصلًا بمقام طلب الولد تارة، وطلب حفظه من الشيطان ورجاء صلاحه تارة أخرى، وتحري الحلال في ذلك، كما في دعاء إتيان الرجل أهله.

ثم يتجلى مقام الرعاية بالعلم والإحاطة والتقدير: فهذا الطفل لا يكون ولا تحمل فيه أمه ولا يتقلب في بطنها بين زيادة ولا نقصان إلا بعلم الله تعالى وإحاطته وتقديره لكل ذلك. يقول تعالى: {اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} (الرعد: 8). ويقول جل شأنه: (…وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ…} (فصلت: 47).

هو سبحانه الأعلم بالإنسان قبل حمله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (فاطر: 11) وحال حمله جنينا: {…إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} النج: 32})، يخلق الطفل خلقا أوليا ثم يخلقه في الرحم خلقا من بعد خلق، ويدبر شأنه في ظلمات لا يراه فيه أبوه ولا أمه: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (الزمر:6).

وحين يخرج من بطن أمه هنا يُدعى طفلا؛ خلقه الله تعالى طفلا ثم يرسله ليبلغ أشده ويكمل الطريق تحيط به صفات الجمال من الرحمة والكرم والإيواء والإغناء والإحسان تحفه وتهبه أما حانية وأبا رحيما أو من يقوم مقامهما، وصفات الربوبية من الرعاية والرقابة والتربية والتعليم تمده بزاد البقاء والارتقاء بما فيه آيات لقوم يعقلون: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (غافر: 67).

{وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ}: هذا مقام تجلٍّ لعلم الغيوب والتقدير الإلهي العظيم؛ ففي وفاة الطفل صغيرًا إظهارات لكمال الفعل الإلهي من إحياء وإماتة ومنح واسترداد. إن الله تعالى يفعل ما يشاء وليس في فعله إلا الرحمة والمصلحة والعدل والحكمة، ولا يراجِع العبد المحدود في علمه وحكمته وتقديره ربَّه العظيم مطلق العلم والحكمة والتقدير؛ فالله يعلم وهم لا يعلمون.

ما تقدم هو بعض من صور تجليات الربوبية على أحوال النشأة للطفل وهي تستكمل ذاتها من تتبع كيف صُوِّر الطفل في الكتاب الحكيم وأبرزت خصائصه، بالنسبة لذاته وبالنسبة لوالديه، وتتبع موقع هذا الإنسان (النواة النامية) من سائر عناصر الإيمان.

(3) والدية الرسل وأبوتهم للمؤمنين:

الإيمان بالرسل من أصول الاعتقاد الإسلامي، ولا يكون إلا بالإيمان بصفات الرسالة فيهم؛ ومنها البشرية التي كانت أجلى علاماتها -غير أكلهم الطعام ومشيهم في الأسواق- أن الله تعالى جعل لهم أزواجا وذرية. ولكن اجتماع صفة البشرية مع صفة الرسالة في النبيين عليهم السلام يلفتنا إلى اجتماع مقامي أبوة فيهم: مقام أبوتهم (الخاصة) لأبنائهم من النسب والدم والتي تعرضنا لنماذج راقية منها، ومقام أبوتهم (العامة) لأتباعهم في الدين والإيمان. هذا، وقد اجتمع المقامان في آدم ونوح عليهما السلام؛ إذ البشر اليوم من ذريتهما نسبا، والمؤمنون حقا من أتباعهما ملةً ودينا.

ثم كان للأنبياء أبٌ؛ هو إبراهيم -ﷺ، وهو في القرآن ابن عظيم وأب كريم، ثم هو أبٌ لعامة المؤمنين من بعد، يقول الله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ …} (الحج: 78). فللملة أبوة، وإبراهيم أبٌ في الملة، وهو من سمَّى أبناءه بتلك التسمية العظيمة: “المسلمين” التي هي سابقة عند الله تعالى وأقرها –سبحانه- على إبراهيم. واتباع إبراهيم حقا لا يكتمل إلا باعتقاد المرء في أبوته عليه السلام وقياس الاتباع عليها: أبوّة ملّة واتباع على بصيرة.

فحين يقول يوسف عليه السلام: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} (يوسف: 38)، يصعب أن يفهم منها فقط أبوة النسب والدم المجردة وإلا لتساوت الحجة مع الذريعة الشائعة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} (المائدة: 104). إنما هي اشتراك في الاختيار كما بيَّنَ قوله: {مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ}.

ثم تأتي الوالدية الخاتمة والدية محمد رسول الله ﷺ وأبوته لأمته التي هي جملة العالمين من بعده:

{مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ …} (الأحزاب: 40)، هو –صلى الله عليه وآله وسلم- {أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ …} (الأحزاب: 6) ؛ ومن ثم فهو ليس أبا لرجل معين على سبيل التبني؛ إنما هو -ﷺ- أبٌ للجميع، ليس بالوالد من النسب والدم، بل الأب في الدين والإيمان: ومن هنا وجبت محبته -ﷺ- أصلا من أصول الدين، وأن تقدم محبته على محبة الوالد من الدم والولد والناس أجمعين بل على النفس، بالضبط كما يجب في تقديم اتباعه ﷺ. فهو الذي رفع الله –تعالى- له ذكره: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} (الشرح: 4)، وجعله أبًا لأمة بأسرها يقتدون بأمره ويهتدون بهديه؛ ومن ثم كان حقا أن يقول له ربه جل وعلا فيمن أبغضه وافترى عليه انقطاع الذِّكْر والأثر: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} (الكوثر: 3).

وتقدم السيرة النبوية -كما سيرد في القسم الثاني من هذه الدراسة- منظومة واقعية رائقة وأرقى ما تكون لهذا المعنى الأبوي في النبي محمد (ﷺ) الشفيق الرءوف الرحيم بأمته، والذي ما يترك مناسبة يكون الأطفال طرفا فيها إلا ويستثمرها في بناء نواة المجتمع-الأمة وإرساء دعائمه على قاعدة من الحقوق والواجبات التعاهدية من جهة، ومن الفضل والإحسان والمعروف والبر والإكرام والتكافل من جهة أخرى.

وعليه فالوالد –في هذا السياق القرآني- والدان: والد النسب والدم؛ وهو الوالد المطلق أو الوالد بالوكالة كالجد والخال والعم والأخ الأكبر وغيرهم؛ وتجمعهم صلة النسب أو الدم والرحم وتترتب عليها في الكتاب ولاية وأحكام: {وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إلى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} (الأحزاب: 6)، ووالد في الدين أو ما شابه الدين، ومنه والدية النبي (ﷺ) أو أبوته، وأبوة الإمام والمعلم والمربي والراعي والكافل وما شابه.

وفي الصلة بينهما؛ فإن أبوة الدم لا تكتمل حتى تنال من أبوة الدين والتربية والرعاية قسطا معقولا وحدًّا أدنى؛ بحيث إذا فُقد أو نقص عن حده أثر ذلك في المعاني المصاحبة لأبوة الدم، وهذا مقام حرج: مقام انفصال الأبوة المعنوية عن الأبوية المادية. ومنه نذهب إلى أن الأبوة المادية لا تكتمل وتستوي علاقة صحيحة إذا فقدت معاني التربية والتعليم والرعاية، ومنه نفهم: (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول)، ونفهم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)؛ وذلك في الوالد والوالدة سواء، وكل بحسبه.

ومن ذلك أيضا نفهم كيف أن أكثر مشاهد الحركة الصاخبة في علاقات البنوة والأبوة في القرآن المجيد هي تلك التي يكون أحد أطرافها من قبيل البشر الكُمَّل: أي نبيًّا، ابنًا كان أو أبًا، فيما ينبغي أن يكون درسا أساسيا اليوم في تربية الآباء والأبناء من أمة محمد (ﷺ) واستبيان سبيل المشاكلة بين الاتباع وبين البنوة في الدين –وعلى منوالها الأخوة الدينية والأبوة المعلِّمة- على نحو ما بيَّنه القرآن المجيد أيَّما بيان. وفي مثال يوسف عليه السلام المشار إليه أعلاه دلالة على هذا، أضف إليه مَثَل أبي الفداء إسماعيل مع أبيه وقوله: (يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين).

(4) لـمَّات الملائكة ولـمَّات الشياطين:

والإيمان بغيبيات من قبيل الملائكة الكرام المكرمين والشياطين الأعداء المعادَيْن، هو من الأركان ذات الاتصال بالذرية والأطفال. فالملائكة هم المبشِّرون بالأولاد كما ورد في مواقف إبراهيم عليه السلام: {وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى… إلى قوله تعالى… وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ} (هود: 69: 71). وقال جل شأنه: {…وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} (الذاريات: 28)، وكما في حالة زكريا عليه السلام حين دعا بالولد: {فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى …} (آل عمران: 39)، وحالة مريم عليها السلام: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ …} (آل عمران: 45). فالملائكة بحصول الولد لبني آدم مبشرون؛ فهم الذين وقعوا للأب من قبل ساجدين، ويحفون الأبناء بالسكينة والبركة والرحمة، ثم هم من بعد يدعون للمؤمنين وذرياتهم: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (غافر:  8)، ويرحبون بالجميع في جنات الخلود: ({َدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ} (الرعد: 23) {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد: 24).

وعلى الجانب الآخر، تقف الشياطين المردة تتربص ببني آدم؛ فأبو الشياطين عادى أبا البشر منذ البداية وأشهر سيفه في وجه خليفة الأرض وذريته حين خاطب الرب تعالى جراءة وكفرًا والرب يحلم وينظر: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلًا} (الإسراء: 62). فاحتناك الذرية من قبل الشيطان ركن ركين في العداوة، ولعل أعظم ما عنده أن يهدم السياق الصحي للأبناء؛ وهو الأسرة كما يفعل أولياؤهم من أهل السحر والكفر {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ…} (البقرة: 102)؛ وبضرب الحِمى الأسري يسهل على الشيطان احتناك الذرية؛ أي الاستيلاء عليهم وإضلالهم.

إن للشيطان مهامًا التزمها وأتاحها الله تعالى له، وفيها مما يتصل بالأولاد مما ينبغي الوعي به والاحتراز منه ومواجهته؛ فقد قيل له قدرا: {وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشّيْطَانُ إِلاّ غُرُورًا} (الإسراء: 64)[4]. وفعلا، يسعى الشيطان لمشاركة الوالدين في ابنهما منذ أول وهلة[5].

والتماس البركة في الولد يكون من لحظة تمنيه واللجوء إلى الله تعالى في حصوله، وقد يصاحب ذلك أو يعقبه معاهدة لله تعالى لأفعلن كذا إن وهب الله تعالى لي كذا؛ نذرا لله تعالى كما تبينه قصة امرأت عمران وهي أم مريم عليها السلام. وقوله إخبارًا عن أم مريم أنها قالت {وِإِنّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيّتَهَا مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ}؛ أي عوذتها بالله عز وجل من شر الشيطان، وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى عليه السلام، فاستجاب الله لها ذلك، وتقبل ابنتها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا وكفلها رجلًا صالحًا ونبيًّا كريمًا[6]. أحاط هذا المعنى –من اللواذ والعياذ- بالطفل في كل مظان حصوله. وتجلي سيرة النبي الخاتم وسنته هذا المعنى -كما سترد- كما في توجيهه الكريم فيما يروي البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِىَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ».

إن هذه المظلة القرآنية الوارفة وما تغرسه من الإيمان بالغيب هي التي تمهد العقل والنفس لقبول الأحاديث الشريفة المتعلقة بعالم الشيطان والجن من قبيل قوله ﷺ: «إِذَا اسْتَجْنَحَ {اللَّيْلُ} – أَوْ كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ – فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ فَحُلُّوهُمْ …». وفي رواية: «وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، …» ولهذا كَانَ النبي ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ».

وليس المقصود من ذلك تهويل المقامات سواء للملائكة أو الشياطين؛ فالأولون إن هم إلا رسل يصطفيهم الله تعالى لأوامره؛ وينبه بني آدم إلى محبتهم والتماس بركتهم: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 80)، والآخرون مخلوقات معادية ترانا ولا نراها: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ …{7/27})، ولكن لا سلطان لها علينا إلا حين نواليها: {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف: 27)، {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ( النحل: 99)، {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} ( النحل: 100). أما المؤمن فهو –بتحقق إيمانه- قاهر للشيطان، كما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة (رضي الله) عنه أن رسول الله (ﷺ) قال: «إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر» ينضي أي يأخذ بناصيته ويقهره، وذلك بالاستعاذة بجناب الله تعالى من شر الشيطان للنفس والولد، وباستدامة الذكر فهو الحصن الحصين.

(5) اليوم الآخر وانقلاب في العلاقة: مشاهد كاشفة:

الإيمان باليوم الآخر وما يتصل به من حقائق هو من أركان العقيدة الإسلامية التي ينهدم بناؤها إذا افتُقد هذا الركن؛ وهذا المعنى مبثوث جلي في الكتاب المجيد بما لا يحتاج إلى استشهاد. وقد قرن الكتاب بين الإيمان بالرب جل وعلا والإيمان باليوم الآخر، وكذلك بين انعدام هذين الإيمانين، قِرَانًا متينا يثير الانتباه[7]. وبالطريقة الإلهية القرآنية في إثبات الإيمان والإثبات به والبناء عليه في التوجيه والترشيد، نجد الآخرة قد أُثبتت وشُرحت ورُسخت ووُظِّف الإيمان بها بالاعتماد على مخاطبة حواس الإنسان ووجدانه وعقله ووصله بالزمان والمكان وبالأكوان وسائر ما يطاله إدراكه وفهمه، في تركيبة واسعة احتلت مسألة العلاقة بين والد وما ولد مساحة مهمة منها.

فأهم ما في اليوم الآخر أنه آت لا ريب فيه، وأنه هائل مفزع للقلوب والأبصار والأسماع، وأنه يوم العدالة المطلقة حيث الحساب والجزاء بقسطاس مستقيم، وفيه للصالحين بشرى ومغفرة من الله ورضوان، وفيه للمجرمين حزن وعقاب، وأنه انقلاب أوجبت رحمة الله تعالى التنبيه الشديد لخطره، فقام الكتاب يصور هذا الانقلاب من كل طريق، ومنه أن الولدان الأبرياء كما نراهم في الدنيا يشيبون هولا: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} (المزمل: 17)، ومنه أن روابط الدنيا المعتادة والتي غرست في دواخل النفوس واعتادتها الناس تنفرط وتزول آثارها بمجرد نفخة البدء: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ} (المؤمنون: 101). يوم القيامة لا أنساب بينهم عند الاختلاف العقدي؛ فالأنساب ساعتئذ ملحقة بالإيمان أو عدمه، ولكن أيضا نجد مشاهد تبين كيف تزول “الأسرة” وتميد الأرض من تحتها، وتحل محلها فرديةٌ فازعة ذاهلة عن أقرب الأقربين، ويصبح لسان حال كل امرئ يقول: نفسي نفسي!! وهذا متصل ببيان هول المطلع الأخروي، يقول تعالى:

{يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ…} (الحج: 2)، ويقول سبحانه: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}(عبس: 34: 37)، ويقول تعالى: {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى} (المعارج: 11: 15).

فالانقلاب الكوني وتبدل الأحوال يوم الأهوال، وشدة الوطأة تحرك الإنسان في عكس الاتجاه المألوف، وعلاماته هنا ذهولُ المرضعة عن رضيعها، ووضعُ الحامل حملها، وفرار الولد من الوالدة والوالد: فرارًا بعد قرار، وبخلًا ونكرانا بعد إحسان وعطاء. كذلك يفر الوالد –وتفر الوالدة- من الأبناء (أو البنات الرقيقة)، وهما اللذان طالما أحاطاهم بالرعاية وكانا على أتم الاستعداد أن يفدياهم بالنفس. ينقلب الأمر من الفداء إلى الافتداء. ومن ثم فحين تبحث عن علامات للساعة فلك أن تنظر في هذه العلاقة وما آلت إليه، فإذا رأيت ذهول المرضعة عن الرضيع، وافتداء الوالد نفسه بمن ولد، وجحود الأبناء وشيوع شعار: (نفسي نفسي) داخل الكيان الأسري، فانتظر الساعة.

وفي هذا يتبدى لنا أيضا أن تقريب الكتاب الحكيم لأهوال القيامة باستعمال مشاهد منقلبة لهذه العلاقة، هو مما يؤكد اعتبارها “ثابتًا” فطريًّا متينًا مجمعًا عليه، وهكذا هي. كما يؤكد أن القوانين الشرعية التي يمكن للإنسان أن يخالفها في الدنيا عندما ستتحول إلى قوانين قدرية لا ترد في الآخرة سيكون من أثر ذلك المعاقبة بالفصل (بين الآباء والأبناء) بعد الوصل: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (الممتحنة: 3)، فالذين كفروا: {لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون}َ (المجادلة: 17)، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} (آل عمران: 10)؛ وذلك أنهم لم ينتفعوا بنعمة الأولاد في الدنيا فحُرموا منها في الآخرة. فبعد أن كان الولد يقال فيه (عسى أن ينفعنا)، وكانت القربى فيها مودة: (إلا المودة في القربى)، نجد اليوم أنه لا الأرحام تنفع ولا الأولاد ما لم ينفع النفس إيمانها وعملها.

وفي الآيات فائدة أن الأولاد متميزون عن غيرهم من ذوي القربى الذين عبر عنهم بالأرحام، فليس شيء مثل ما بين والد وما ولد. وفيها فائدة سبق تأكيدها مرارا: أن الكفر مانع من إغناء الوالد عن ولده يوم القيامة، وهو متصل بالتكليف بالبراءة وعدم المواداة في الدنيا لمن حاد الله ورسوله: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ}- (المجادلة: 22).

وفي المقابل فإن العوض ببقاء الوُصْلة مع ذرياتهم وآبائهم في اليوم الآخر هو من بشاراته سبحانه للمؤمنين جزاء وفاقا:{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ} (الرعد: 23). فمقام المحابّ -وهو الجنات- يستعيد موجبات الفطرة من حب القربى مع ذوي القربى والذرية. فإنه ما إن تهدأ الثائرة حتى تعود للفطرة مكانتها ويسأل الناس عن ذرياتهم: أين أبي؟ أين ابني[8]؟!! وتبدأ الاستشفاعات والتشفعات. واتصالًا بذلك تبين السنة الشريفة كيف ينبغي أن نصل بين مقام تربية الأبناء والبنات وبين الإيمان باليوم الآخر برجاء الجنة وتوقي عذاب النار، فسنراه ﷺ حين يرى إيثار الأم بنتيها على نفسها يقول:َ «مَنْ ابْتُلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بشيء فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ».

ثم إن الأبناء الدالين –في مشاهد علاقاتهم بالآباء- على اليوم الآخر وبعضٍ من سماته، يحتاجون إلى معرفة هذا اليوم الآخر والإيمان به؛ بما يغرس في نفوسهم الإيمان بحكمة الله تعالى وعدله وقدرته سبحانه، ويزرع فيهم المسئولية والمحاسبة والمراقبة والتقوى وحب الخير وكراهية الضير والتواضع لله والتوازن في معاملة الدنيا والآخرة؛ الأمر الذي تلمح إليه السنة الكريمة حين تربط بين القلم أو الحساب وبين بلوغ الصبي وتمييزه كما روى عن عَلِىٌّ -مرفوعًا إلى النبي r: رُفِعَ القلم عَنْ ثَلاَثَةٍ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ. كما إن الأبناء يحتاجون إلى وقايتهم يوما كان شره مستطيرا، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: 6). وبيان ذلك في الحياة المحمدية يرويه أَنَس – رضى الله عنه – قَالَ: كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِىٌّ يَخْدُمُ النبي ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النبي ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ «أَسْلِمْ». فَنَظَرَ إلى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ. فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النبي ﷺ وَهْوَ يَقُولُ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ».

فوقاية الولد من النار من مقتضيات الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر. وإن الضعف الشائع المشهود في الإيمان بالغيب واليوم الآخر، وطغيان الوثوق بالدنيا وما فيها من مقامات، قد أورثَنا ذلك آباء حريصين على وقاية أبنائهم من ذل المعايش والافتقار للناس في الدنيا، حريصين على المسابقة بأبنائهم إلى مقامات العلو في الأرض والمكانة الاجتماعية والسياسية لأنفسهم ولأبنائهم: لأبنائهم من خلال أنفسهم، ولأنفسهم من خلال أبنائهم: توريثًا للمكانات والمقامات، وإيثارًا للحياة الدنيا (الدنيا) لا الآخرة التي هي خير وأبقى. فيأتي الشرع وأصول الإيمان الواجبة والتذكير بها لتلفت الانتباه إلى ذلك.

(6) أصل العلاقة الفطرية بالابن:  

إن أصل الرباط الوجداني بين الوالد -أبا وأما- والولد –ابنا وابنة- يعود إلى أصل خلق الإنسان وتسوية نفسه البشرية، وإلى أن هذه حقيقة أكدها الوحي وأرشد إلى فوائدها وكيفية الإفادة منها. وكما يشير الكتاب الحكيم، فقد بُغِض إلى النفوس –كل النفوس- أشياء وزُين إليها حُبّ أخرى، وكان الولد من أعظم هذه المشتهيات التي زينت للناس كافة، فقال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (آل عمران: 14).

وهذه الآية الكريمة أصل في بيان المقصود بالغريزة التي تختلط بالفطرة، فالنفس تحب الزينة بإطلاق، وقد وضع الولد ثابتا لا يتغير في خانة الزينات، تارة مع الزينات السبع السابقة، وتارة مع المال كما في قوله تعالى:{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} (الكهف: 46). وتارة يقرنه بالأزواج زينةً وسكنا للعين لا تقر إلا به كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان: 74}.

نعم، قد يكون “حب الولد واشتهاؤه” للتفاخر والزينة الفاتنة.. وقد يكون لتكثير النسل وتكثير الأمة ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث:(تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)[9]، لكن ما معنى غرز هذا الحب والرباط فيما بين والد وما ولد في المسلم وغيره على حد سواء؟

اقتضت حكمة الخالق تعالى خلق هذا الإنسان واستخلافه في هذه الأرض ذرية يخلف بعضها بعضًا، ومنحه من الخصائص ما يحقق الحكمة البالغة؛ ومنها الزوجية والوالدية. ومن ذلك فُطر الإنسان على اشتهاءٍ ونفورٍ، كما سويت نفسه على تقوى وفجور. وكان حصول “الولد” من أهم تلك الشهوات، وفيه نعمة وفيه ابتلاء، ذلك تقدير العزيز العليم. ولا يزال هذا الرباط يشد الإنسان ويؤثر في أفكاره واعتقاداته وأفعاله حتى يوافيه أجله.

والقرآن الحكيم -حين يشير إلى هذه الحقيقة المركبة- لا يعرضها مجردة من فوائدها في الوعي بالفطرة والسعي بمقتضاها، فيقدمها عبر نماذج واقعية بما تقوم عليه من أصول وما يترتب عليها من آثار، في منظومة متماسكة لا يمكن أن توفيها التفسيرات كمالها فتحل محلها، ومواقف الأنبياء في هذا كما يعرضها القرآن الكريم تمثل نماذج مثلى جامعة: (نوح وابنه، إبراهيم وأبوه ثم ابناه، يعقوب وبنوه، زكريا ويحي..). وفي هذه المنظومة تقع الفطرة في موقع الأرضية الثابتة المؤثرة في الأفراد والعلاقات والأفعال، ويقابلها الوحي كاشفا –من ناحية- لحقائق الفطرة ولمزيفاتها، وضابطا إلهيا –من ناحية أخرى- لآثار الفطرة وللأعمال المتصلة بها، من قبيل بيان ما يتبع فيه الأبناء آباءهم وما لا يصح من ذلك، وديمومة المصاحبة بالمعروف على كل حال. فحق في هذا المقام أن يقسم الكتاب الحكيم هذا القسم: (ووالد وما ولد).

وفي مقام تصور الطفل فطريا يشير القرآن المجيد إلى حقيقة أن “الولد امتداد للوالد” وجدانيا؛ أي أن الوالد يجد في نفسه ميلا تلقائيا إلى ولده باعتباره قطعة منه لا تستقل عنه استقلالا مطلقا. هذا، وإن كانت العقيدة تستدرك على ذلك بأنه ليس امتدادًا حتميًّا من الناحيتين الفكرية والسلوكية، خاصة كلما نضج الولد واكتملت إنسانيته، وتخير سبيله وتبنى موقفا من ربه تعالى. ومن ثم فينبغي اعتبار الأحوال الثلاث: الوجدان الذي نبعه الفطرة، والفكر والعمل اللذين توجههما العقيدة والشرعة.

والفطرة تُعِدّ الوجدان الإنساني لاشتهاء الولد قبل مجيئه ويظهر اشتداد ذلك كلما تأخر أو استُبعد إمكانه، ومنه يتضح عظم البشارة الربانية بالولد إذا وهب على هذه الحال، كما جرى في حالة زكريا وحالة سارة عليهما السلام: ففي حالة زكريا يقص الكتاب دعاءه: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} (مريم: 5- 8). ونداءه: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} (الأنبياء: 89).

وفي حالة سارة يقول تعالى: {… فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ…} (هود: 71- 72).

تدفع الفطرة الوالد لرجاء نفع الولد وصلاحه لذاته ولوالديه، وطلب الخير له كما يراه الوالد، وبالمثل تهيئ الولد للاتصال بالوالد والميل له وحب القرب منه والشفقة من الابتعاد عنه، تلك المعاني التي يفصح عنها القرآن في قصصه وأمثاله على نحو فريد، ويعتمد عليه توظيفا لتوجيه التصورات والسلوكيات إيجابيا من أقرب طريق. ومن جهتها تقدم السنة المحمدية تجسيدا عميقا لهذا الرباط الفطري ومقتضياته، كما في حديث سليمان عليه السلام وقضائه بين المرأتين، الذي سيبين لنا كيف أن الفطرة أصل معتبر، حتى في الإجراءات القضائية، وإثبات النسب. كما ستكشف الأحاديث –في الجزء التالي من الدراسة- والتي تتعلق بمخالطة النبي ﷺ وشفقته ومداعبته للصغار بالقول الرفيق، والبشاشة لهم وتقبيلهم وضمهم (المعانقة والتقبيل) مع الدعاء، والحوار، والتعبير عن الإعجاب، ستكشف كيف أن هذا الإفضاء مما يتسق مع الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها.

(7) خصائص الطفل في القرآن:

الطفل خلق آخر، ويدعى “طفلا” عند ولادته لا قبلُ كما أشارت الآية السابقة: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ..{40/ 67})، وهو المشار إليه في قوله تعالى: {… ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (المؤمنون: 14). وسبحانه أحسن الخالقين؛ فهذا الخلق الآخر بالضرورة حسن الصورة إذ ينتمي إلى عالم الإنسان المكرم والمفضَّل على كثير من مخلوقات الله تعالى تفضيلا؛ ولهذا قال تعالى متفضلا: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ} (الانفطار: 7، 8): سويًا مستقيمًا معتدل القامة منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال.

والطفل إنسان ضعيف لا يقدر على شيء، كما يشير إليه قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} (الروم: 54)، فيبدأ القدوم إلى هذه الحياة بلا قدرات جسمية تعينه حتى على حمل نفسه أو نقلها أو الوقوف على قدميه فضلا عن المشي والسعي، ويقدم غير قادر على التعبير عن نفسه ولا فهم غيره، ويبدأ ضعيفا أمام العلل والأسقام، ويبدأ كلًا على غيره في غذاه وشرابه وحفظه وتنميته. ثم بجعل إلهي عجيب –عضويا واجتماعيا- ينمو ويتحول من الضعف التام إلى قوة متزايدة حتى يبلغ أشده. ولكن طالما هو طفل فهو يعاني ضعفا يتناسب عكسيا مع الزمن.

والطفل يقدم محدودا من الناحية الذهنية، فيبدأ بلا علم: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} (النحل: 78)، ولكنه يمتلك وسائل العلم والتعلم التي تبدأ شبه صفرية ثم لا تلبث تعمل بطاقة عجيبة: {وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل: 78)، حتى يصير إنسانا فاهما لما يقال، ومعبرا عما يريد، وحافظا لعدد كبير من الأسماء والكلمات في سنوات قليلات. ومن شكر الله تعالى في الذرية تمكينهم من الشكر باستعمال ما رزقهم الله تعالى من وسائل للعلم والمعرفة.

والطفل بداهة غير مكتسب لأفعاله عن عمد وكمال عقل؛ ومن ثم فهو في إشارات القرآن العظيم “نفس زكية” طاهرة على نحو ما يتسق مع عقيدة الفطرة، ومن ذلك مراجعة موسى للعبد الصالح وإنكاره عليه تلقاء وبغير صبر بل بصبر فارغ حين رآه يقتل طفلا: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا} (الكهف: 74). هذا على الرغم من أن هذا الطفل قد يحمل قلبا مآله الطغيان والكفر على ما جاء في تأويل هذه الحادثة: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} (الكهف: 80، 81).

فماذا عن تصور الطفل بالنسبة لوالديه؟

إنه الرزق والإمداد من الله تعالى يأتي فتنة وابتلاء كما يأتي ثوابا وجزاء، وهو البشرى، وهو الزينة وقرة العين على نحو ما سبق طرف منه.

فيقول تعالى على لسان رسله في معرض المن بفضله تعالى والتنبيه على حق مقامه سبحانه: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ } (الشعراء: 132، 133)، فالمد بالولد نعمة تستحق الشكر بالإيمان والتقوى، ومن اتقى واستغفر وأناب يعده بالإحسان بأن: {يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا * مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} (نوح: 11: 14).

ويقول الله تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} (النحل: 72)، فالبنون والحفدة نعمة للآباء تستحق الشكر والإيمان لا الجحود والكفران. إن هذا المعنى الجليل حقيق ببثه بين المسلمين اليوم لكي يتبين أن شكر المنعم يكون بحفظ النعمة، فكيف تُحفظ نعمة بغير اعتراف بفضل المنعم؟ بل كيف تكيف الذرية باعتبارها نعمة إذا جحد المنعم؟

ومن تصور الطفل رزقًا لأبويه نفهم الربط القرآني الدائم بين الطفل وعالم المال: المال والبنون، بأموال وبنين، أموالكم وأولادكم، … ويفيدنا هذا الربط أن نجمع هذين العنصرين في مقامات: التوكل عند طلب الرزق، والصبر عند انقباضه، والشكر عند توسعته؛ على نحو ما اجتمع في قصة زكريا عليه السلام المشار إلى بعض أوجهها أعلاه. فحين رأى زكريا عند مريم –كلما دخل عليها- رزقا، وذكرته أن (الله يرزق من يشاء بغير حساب): {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء} (آل عمران: 38). وتأمل كيف أنه من منطلق الإيمان بدخول مسألة “الرزق بالطفل” في عالم المشيئة الربانية جاء دعاء: (هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ): هذه “اللدنية” تجاوزت لدنية “العلم” إلى لدنية “الفعل” من الله تعالى، وهذا مقام –رغم علوه- لا يزال بفضل الله تعالى شائعا بين عامة الناس: مقام طلب يعلمهم الإيمانَ بالله تعالى ومشيئته ويغرسه فيهم، ومن ثم لابد من التزام التكليف الموائم: الدعاء لسميع الدعاء.

ثم الله تعالى يبشر الإنسان بابنه: الابن بُشرى في القرآن عند حصوله، والبشرى مرتبطة بنفعه أيضا ومستقبله الواعد (من الصالحين، ذرية طيبة). وهذه جهة مهمة لتصور الطفل في القرآن العظيم: {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} (الحجر: 53: 56). وقال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} (هود: 69) … إلى قوله تعالى… {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ} (هود: 71). وقال جل شأنه: {…وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} (الذاريات: 28) {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} (الذاريات: 29)  {قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} (الذاريات: 30).

وهكذا تكون البشارة بالغلام أعظم إذا صحبه وصف طيب لهذا الغلام: عليم، أو حليم، أو صالح، أو سيد حصور، أو من الصالحين،..، إلى آخر ما ورد من أوصاف في هذا المقام.

ومن اللطيف في هذا السياق التفرقة بين البشرى “بالمجيء” لابن ما أو حصوله -وهو مما تتعلق به النفس الوالدة- وبين البشرى بالابن نفسه وصفته؛ فالنفس تميل إلى حصول الولد بكل حال وتعدها لازمة غريزية لا فكاك منها، وذاك مشهود، ولكن كثيرا ما يطغى هذا الجانب على جانب التفكر في صفة الطفل المرجو؛ وهذا مما سما عليه أنبياء الله عليهم السلام: فهذا إبراهيم يتمنى فيدعو فيجاب بالبشرى وراءها بشرى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} (الصافات: 100) {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} (الصافات: 101) … إلى قوله تعالى {…وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} (الصافات 112، 113).و من بعد دعا بذلك زكريا: {هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً}، وسائر عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان: 74).

وإشارة إلى ما سيأتي من السنة، فإنها ستجلي هذه المعاني من كون الطفل بشرى ورزقًا ومحوطا بعناية الله تعالى، هذا بالإضافة إلى ما تضفيه السيرة من روح حية على هذا التصور بحيث تصور الطفل متجسدا ناميا يمر بدرجات من النمو رغم أن صفة الصغر مشتملة عليه، وتجده في تفاعل دائم، فتراه ﷺ يناديه: يا بنيّ، يا غلام، يا أبا عُمير، يا أنيس.. ويسأل عنه ويسأله ويدعوه ويدعو له… إلخ، على ما سيرد من بعد.

(8) سنن ونواميس تحيط بالطفل:

السنن الإلهية في القرآن الكريم هي مظهر القدرة والحكمة، وهي مجال الإيمان بالقَدَر والفعل الربّاني في هذه الحياة الدنيا: أحداثها ونظمها وعلاقاتها، ومنها علاقة الوالد وما ولد. فالقرآن المجيد يربط بين صلاح الوالدين أو طلاحهما وبين حال الأولاد جزاء وفاقا، كما يفصل بفاصل حرية الإرادة البشرية للطفل حال تمييزه وتمكين الله تعالى له لما يشاء: أن يؤمن أو يكفر، وكذلك يشير الكتاب المجيد إلى سنة امتداد الفساد الاجتماعي والسياسي إلى الذريات من جملة المستضعفين، وضرورة الوعي بذلك لتحصين أبناء الأمة من مغبات الأقدار بل السعي نحو رفع البلاء من خلال البذرة الصالحة وتربيتها، ومنه سنة الافتتان بنعمة الأبناء من قبل الآباء حتى يصير منهم للآباء عدو، وفتنة الأبناء بسبل الآباء والميل العام للاقتداء بهم ولو كان الآباء لا يعقلون ولا يهتدون.

هذه الأقدار والسنن تتدافع –كما سبقت الإشارة- مع الفعل البشري من جهة المكلفين، بما يمكن أن ينتُج عنه حفظٌ إلهيّ وعطاءٌ سخيّ، وفيما يلي نماذج قرآنية من ذلك:

(8/أ) سنة امتداد الصلاح أو الطلاح: الاستمرارية والتغير

الصلاح هنا هو الإيمان والاستقامة بدرجاتهما، ويضاده الفساد أو الفسوق الذي هو خروج عن حد الإيمان أو الاستقامة بدركات مقابلة.

وتشتمل سنة الامتداد الصالح أو الطالح من الآباء إلى الأبناء على الوجهين المذكورين: الاستمرارية والتغير، والمتابعة والانقلاب؛ بحيث يكون الأصل هو امتداد حبل الاستمرارية لكن مع عُقَدٍ من التغير تُحدِث منعطفات وطفرات وتحدث دورات وتكرارات على آماد واسعة. فالأب الصالح يلد ابنا صالحا كما قال جل شأنه: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ}، والفاجرون الكافرون يأبون إلا أن يضلوا غيرهم {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}. ونعلم من الحقيقة الإسلامية أن من صلاح الأب إصلاحَه ولدَه وتمكينَه لولده أن يرث صلاحه ويرقى فيه، وأنه ليس صالحًا بحقٍّ أبٌ يترك ولدَه سدى تواكلا أو إهمالا. والاستمرارية هنا هي امتداد حال الأب إلى ابنه. ولأن الأصل في الاجتماع الإنساني هو الاستمرارية والامتداد؛ وهو معلوم مشهود، فإن الكتاب الحكيم يركز على “التغير” المتعلق بإرادة كل من الأب وكذلك الابن حال تمييزه واختياره، ومن ثم تبرز في القرآن أمثال ومواقف للتغير والانقلاب مع تقريرات للأصل الاستمراري.

ففي الخليفة الأول آدم -عليه السلام- تتضح هذه الحقيقة المركبة من الاستمرارية والتغير؛ فرغم صلاح الأب المقتضي لصلاح الأبناء إلا أن مساحة الاختيار التي قد يعمل فيها الشيطان وتجنح فيها النفس الأمارة بالسوء قد تشهد انحرافا ما. يقول الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (المائدة: 27: 30).

إنه موقف عظيم الدلالة فيما نحن فيه: فالأب واحد والأبناء شتان شتان، بين متَّقٍ لا يبسط يده للقتل وإن قُتل، ومتطاول يهدد ويتوعد بالقتل، ويسقط تحت تسويل النفس وتطويعها فيخسر. ومنه تنتقل الآيات التالية لهذا السياق نقلة واسعة إلى نموذج “بني إسرائيل”: بني النبي الذي جاء منه أنبياء كثر وصالحون، وجاء منه اليهود والنصارى ومن عبدوا العجل والصليب وغير ذلك. إنها القابليات التي ينبغي التنبه لها وزيادة الاعتبار لها؛ فصلاح الأب لا يعني بالضرورة صلاح البأأبناء. كما رأينا ذلك بوضوح أيضا في حالات: ابن نوح، ومن وصموا بالظلم من ذرية إبراهيم، وأبناء يعقوب حال كانوا خاطئين[10]، وغلام الخضر الذي قتله و…، فيجب ألا يكتفي الصالحون بصلاح أنفسهم حتى يحرصوا على نقل الصلاح لأبنائهم ومعالجة النفس التي تطوع لهم الحرام والانحراف.

وكذلك لا يعني فساد الآباء أن يفسد الأبناء بالضرورة ولو كان أولئك الآباء هم المجتمع بأسره أمام فتى يافع (مراهق) وحيد؛ كما جرى مع إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- إذ رأى الفساد في أبيه وقومه فقال {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيْمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} (الأنعام: 74)، وكما رأينا من فتية الكهف الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى: {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} (الكهف: 14، 15).

وبالجملة فالذرية التي بعضها من بعض أساس، لكنها تتعرض لمسار جامع بين الاستمرار وبين التحول، يقول تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد: 26). فإبراهيم ونوح رسولان كريمان: صبرا صبرا جميلا فجعل الله تعالى في ذريتهما: النبوة والكتاب. ومع ذلك ليست كل ذريتهما صالحة مهتدية، وليست كلها منقلبة منفلتة: فمنهم مهتد سائر على طريق الأبوين الكريمين، ومنهم كثيرون مرقوا وفسقوا عن سبيل الهداية. وسوف تبين السنة –خاصة من خلال حديث الفطرة- أثر الوالدين في مسار ولدهما: إما أن يحفظا عليه فطرته التي فطره الله تعالى عليها، أو يطمسانها وينحرفان بها: «كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»، كما تبين السيرة كيف أن الامتداد ليس حتمًا ولا جبرًا خاصة بعد أن يبلغ الصغير ويصير عاقلًا لأمر نفسه ولعلاقاته بالله تعالى والكون والحياة والناس.

(8/ب) سنن الفساد السياسي والاجتماعي وأثره على الطفل

يقول الله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (القصص: 4).

نظام سياسي نموذج للفساد والاستبداد والطغيان، صار –من بعد- صفة تلحق بالنظم الشبيهة: يستضعف الرجال، ويستحيَى النساء، ولا ينسى الأطفال: يستأصل شأفتهم ويبيدهم، ولا يُبقي منهم إلا من يدخره للاستعباد. إن التفكير في الأطفال ضمن دوائر التربية والاجتماع والارتزاق ينبغي ألا يَغفَل عن الأثر الخطير للفساد في المجالات (السياسية) العليا على اغتيال الطفولة، ورسم مسارات الطفولة المستعبدة نفسيا، والطفولة المقهورة عقليا، والطفولة المحتلة والمستنزفة ماديا. في هذا المعنى المؤكد مرارا في الكتاب الحكيم: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} (البقرة: 49): إشارة مهمة إلى الشبكة الاجتماعية التي يقع منها الأطفال موقعا ذا بال.

بل ربما نجد أن أول ما يتبادر إلى عقلية الطغيان والاستكبار ونفسية الكيد والانتقام هم المستضعفون وأولهم الأبناء: {فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (غافر: 25). ويقول تعالى: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} (الأعراف: 127).

فالقهر السياسي الديني لابد أن يطال الذرية. إن الذين يبكون وينوحون متعجبين مشدوهين مما يفعله الكافرون في أطفال المؤمنين في بقاع الأرض اليوم لم يتعلموا هذا الدرس جيدا: ففرعون لن يذر موسى يتحرك في الأرض بدعوته، بل لن يذره هو نفسه باقيا ولا قومه: (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ). وقتل فرعون أبناء المؤمنين هذه المرة (بعد الدعوة) مختلف عن سابقتها (التي سبقت دعوة موسى)، وإن كانت تجمعهما منظومة القهر والاستكبار، ففي الأولى كان القتل للمنع، وفي هذه الأخيرة للدفع، لكنها تبدو كالسُّنة في النظم المستكبرة: التوجه إلى الأبناء بالاستئصال.

ثم إذا عم الاستكبار، فمن أي هذه الحلقات المستضعفة يمكن أن يؤتى هذا النظام المستكبر؟ إنه الطفل أيضا: يعد من مهده لكي يحمل الراية ويحقق الغاية: {وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} القصص: 7، 8).

ولاحظ العناية الإلهية بالطفل في كل الأفعال (إيواء، كفالة، إرضاع..) التي ننسبها نحن إلى المكلفين (من أب أو أم أو أخ أو أخت أو عدو أو صديق..) أو إلى الظروف والمجتمع والأسباب الظاهرة مجردة أو ما إلى ذلك: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (القصص: 9: 13).

وفي السيرة المحمدية بيان كيف كانت الجاهلية –ولا تزال- اغتيالًا لمعاني الطفولة ومقتضيات الرحمة اللازمة في التعامل مع الأبناء، حين يكون شعار الأب الذي يحسبه رجولة وهيبة ووقارًا: (إِنَّ لِى عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا)، وهو الأقرع بن حابس حديث العهد بالإسلام. فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ».

(8/ج) سنن الابتلاء بالأبناء وبالآباء: بين النعمة والفتنة

{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ} (المؤمنون: 55، 56).

هذه حالة عامة غالبة أشبه ما تكون بالسُّنة المطردة؛ أن معظم الناس في غفلة عما في الخيرات الدنيوية -ومنها الولد الكثير أو الانتساب لأب عظيم- من الفتنة، فليس المد بالولد مسارعة بالخيرات بالضرورة، بل الولد والغنى -مع فساد القوم- قد يكون نقمة وانتقاما، وهم لا يشعرون ولا يعلمون ما يخبأ لهم من الأقدار. والعادة التاريخية الغالبة اغترار الأقوام بكثرة الولد ولم يشعروا أن الأولاد رزق يبسطه الله تعالى ويقدره لمن يشاء، والأولاد لا يقربون والدهم من الله تعالى إلا بشرط الإيمان والعمل الصالح: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} (سبأ: 34: 37). ويقول تعالى ميبنا غلبة هذه الحال كالسنة: {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ …} (التوبة: 69)، وينبه المؤمنين: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (الأنقال: 28). فالأولاد الذين يستمتع الناس بهم خلاق ونصيب ورزق لابد أن نتعامل معه وفق إرادة المعطي سبحانه، وكثرتهم لا تغني شيئا إن لم تكن في مرضاة الله تعالى، وهذا ضابط لدعوة التكاثر والندب النبوي الكريم إليها، فهي مصحوبة بلوازم من الصلاح والمنافسة للأمم بالخير في الدنيا والآخرة.

وكما ضل آباء بفتنة الأبناء، فالأمر بعكسه أيضا، يتبع الأبناء الضلالة لا لشيء إلا لاعتقادهم أنها ملة الآباء، سنةً غالبة على الأمم مهما بدت في حضارة ورقي مادي: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} (المائدة: 104). ومن ثم كان لابد أن يتدخل الإيمان لتعديل الصورة بتعظيم مقام الله تعالى وأمره (الحق) على كل ما عداه من النفس والوالد والولد، والإيمان بالفارق بين المخلوق والخالق وبمخلوقية الجميع من آباء وأبناء ونقصهم:.{لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ}

ومن ناحية أخرى يشير القرآن إلى أن اتباع “ملة” الآباء على بصيرة غير مجرد اتباع “الآباء” على غير بصيرة: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} (يوسف: 38)، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا معيار حاكم في مسألة الاتباع والتبعية والإمعية، إن بر الوالدين والأمر المشدّد به لم يُعْنَ مطلقا إلغاء الشخصية أو الإرادة عند الابن، إنما هو اتباع المنهج أو بالتعبير القرآني ها هنا: الملة. وفي هذا اتصال بما أُمر به محمد رسول الله –صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من اتباع “ملة” أبيه إبراهيم لا اتباع إبراهيم لذاته أو لأُبوته، بل من هذا الحيث تتألف أبوة إيمانية يعبر عنها القرآن المجيد بهذا اللفظ: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ….} (الحج: 78).

ومن السنن الخطيرة المتصلة بهذا أن فساد الآباء (خاصة في جانب اعتقادهم وعلاقاتهم بالباري سبحانه) ينعكس عليهم بسلب نعمتي المال والولد وتحولهما إلى سبب هلاك وخسارة، وحسرة وندامة، وقد ضرب القرآن الكريم في ذلك مثلا بليغا: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} (الكهف: 32: 44). هذا حين لا ينطق قلب الجاحد بـ (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) إنما يقول: (أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا).

ولقد شهدن فترة حياة النبي ﷺ وما بعده نماذج تؤكد وتصدق على هذا المعنى، منها نموذج الوليد بن المغيرة: {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ } (القلم: 14: 17)، هذا غير نماذج أبي جهل والعاص بن وائل ويهود المدينة بل الفرس والروم أيضا، وغيرهم ممن فتن بالأولاد والأموال في حياة النبي ﷺ.

(8/د) أثر الدعاء في أقدار الحفظ وسنن النماء

هذه السنن الثلاث السابقة بعض من السنن الإلهية التي يعرض لها الكتاب الكريم وتتعلق بعالم الأبناء والآباء وعلاقاتهم ببعضهم البعض، وهي سنن من مستوى كليٍّ أكبر وأوسع من مستوى الفعل البشري الجزئي، فهل من مفتاح للإنسان يلج به هذه الساحة بفعل أو دور محدد؟ هل يمكن أن يغني حذر من قدر، أو يدفع فعل بشري قدرًا إلهيًّا؟

الجواب أن الفعل البشري حين يُرى على أنه لا يقع إلا بإذن الله تعالى ومن ثم فهو جزء من القدر، فما لم يشأه الله تعالى لا يكون، عندئذ نفهم أن فعلا بشريا قد يرد البلاء كما قال نبي الرحمة ﷺ: “إن الدعاء والبلاء يعتلجان إلى يوم القيامة، ويقول: لا يرد القدر إلا الدعاء” [11]. فالدعاء مؤثر في أقدار الأولاد، وليس أدل على ذلك من دعاء الجماع، ومن تعويذ رسول الله لسبطيه بالمعوذتين، ودعائه لابن عباس وأسامة وأنس وعبد الله بن الزبير وغيرهم.

ومصداق ذلك في الكتاب الكريم ما مررنا به من أدعية النبيين والصالحين لذرياتهم: دعاء إبراهيم بل أدعيته وإسماعيل، ودعاء زكريا، ودعاء أم مريم. ويقابله دعاء الولد لوالديه وأثره ليس فقط في القدر الدنيوي بل في الحال بعد الممات. فعلى الآباء والأمهات أن يدعوا لأبنائهم بأدعية القرآن: أن يكونوا ذرية مسلمة: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك)، مقيمين الصلاة: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء)، وأن يكون الولد رضيا: (واجعله رب رضيا)، وأن يعوِّذوا أبناءهم وأحفادهم من الشيطان والشرور: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم). وكذلك يدعو الأبناء للآباء (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا {17/24})، ودعاء الابن الصالح كما يرد في الفقرة التالية.

 (9) نموذج مقارن بين الابن الصالح والابن الضال:

يقول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإنسان بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ * وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} (الأحقاف: 15: 18).

مقامان عظيمان جمعهما القرآن: أبناء الإيمان والإحسان قبالة أبناء العقوق للوالدين والكفران بالرحمن: بين الحامد المحمود وبين الآبق الجحود. وبعد الوقوف على سنن العلاقات المتعلقة بالابن عامة والطفل خاصة نلحظ –من هذا السياق- أن الإنسان الابن الموصَّى بوالديه يقع على متصل بين طرفين اثنين:

طرف يمثله ابن مستجيب للوصية صغيرا ويافعا، تبقى الوصية ماضية معه وهو يمضي في الحياة قدما، حتى إذا بلغ البلوغ الأكمل (أشده: أربعين سنة) ووقف بين والده وبين مولوده، عرف مقامات نفسه بين العبودية لخالق رازق، وبين مسيس حاجته إليه في كل أمره حتى في تمكينه من الشكر على النعمة المتصلة من الوالدين إلى هذا الابن الصالح، وبين الرجاء من الله تعالى اتصال النعمة في صورة العمل الصالح، وفي إصلاح الذرية متوالية مباركة: صلاح من صلاح إلى صلاح.

ويقابله الابن الذي قال لوالديه: “أف لكما” وخالف وصية الله تعالى بالإحسان، وقرن بذلك كفرا وجحودا بالله تعالى وبالبعث.. طلاح بعد صلاح: حيث يأمر الوالدان بالإيمان: “ويلك آمن إن وعد الله حق”، ويأبى ولدهما إلا أن تحقَّ عليه كلمة الخسران: “إنهم كانوا خاسرين”، سنة الله تعالى في الأمم: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلْإنسان إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى * وَأَنَّ إلى رَبِّكَ الْمُنتَهَى} (النجم: 38: 42).

 

ثانيًا- الطفل بين الفطرة والإيمان والتشريع

سبقت الإشارة إلى أن النظرية القرآنية المتعلقة بعالم الطفل تشتمل على مداخل ثلاثة تشكل فيما بينها منظومة، مهدت لبناء التصور القرآني عن الطفل كما سبق عرضه أعلاه، كما تتيح دراسة الطفل في عالم علاقاته بالمكلفين، الأمر الذي نفصله فيما يلي.

(أ)- الفطرة ودورها في بناء العلاقة بين والد وما ولد

مقدمة: الفطرة مفهوما وخصائص ووظيفة

للفطرة في القرآن المجيد مجال وسيع: مفهوما وخصائص ووظيفة. أما عن المفهوم فيمكن تمييز موارد كلمة “الفطرة” ومشتقاتٍ لها في الكتاب الحكيم على ثلاثة أنحاء يتضمنها اثنا عشر موضعا:

(أ) الأول- هو الأصل العقدي الذي خلق الله –تعالى- الإنسان عليه: وترجمه العلماء[12] بـ “الإسلام” أو “الإيمان” أو “الدين” أو “المعرفة الأصلية والوجدانية بالله تعالى”، أو “البراءة الأصلية من الشرك وأدرانه”، وهي التي يدل عليها قوله (جل شأنه): {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم:30).

وهذه هي الآية العمدة في الكلام عن الفطرة بالمعنى العقدي الإيماني، ويوافقها حديث عمدة تتلى الآية عنده؛ هو ما جاء في البخاري: فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النبي ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- (فِطْرَةَ اللَّهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الآيَةَ.- رواه البخاري.

(ب) المعنى الثاني هو اِلْفَطْر؛ أي خلق الإنسان على “السوية الأصلية” التي يرضاها الله تعالى، من الميل إلى الخير والانصراف عن الشر، وفيها جاءت آيات عديدات منها قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}. (الزخرف: 27)، وقوله تعالى: {أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا} (الإسراء: 51)، وقوله تعالى: {وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. (يس: 22).

والمعنى البادي هنا يشير إلى معنى الخلق “الأصلي” و”على السوية”، وكما عبرت الآية عنه {الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، فالفَطْر هنا كالفطرة من حيث إنه “أول مرة”، أو متعلق بأصل وأصالة، وليس كخلق من بعد خلق.

(ج) الثالث– هو خلق الله تعالى للسماء والأرض إبداعًا أو شقًّا وفتقا لرتقهما أو نسيجهما، أو انشقاق هذه الكائنات العظمى لخوف أو غضب أو أمر آخر. يشير هذا إلى الفصل والشق -ومن ثم الاشتقاق- عن “أصل”؛ لتكون كل الدلالات متعلقة بمادة “الأصل الأول السويّ”.

فمفهوم الفطرة أنها المكون الإنساني الناتج عن التسوية الإلهية للإنسان على السوية. ويشترك معها مفهوم الغريزة من حيث أصل الإعداد الإلهي، غير أنهما تفترقان في عادات الوصف؛ فتوصف الفطرة غالبا بالتوازن والخيرية، فيما توسم الغريزة عادة بالجنوح وفي بعض الأحيان بالدونية.

ومن ناحية ثانية، تتكشف لهذه الفطرة خصائص أهمها: اشتمالها على جانبي الثبات والتغير. فالثابت– هو ما عبر عنه قوله تعالى: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}، وقول رسوله (ﷺ): (كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟): فكل مرة يأتي إنسان إلى هذا العالم يأتي مسوًّى على هذه الفطرة، ولا يمكن لأحد أن يغير هذا الحال: “المجيء الأول بالفطرة” التي هي الدين القيم: معرفة الله تعالى وتوحيده والميل إليه (حنيفا)، وهذا المعنى هو الذي لا ينتابه تغيير. أما المتغير– فهو الاستجابة لداعي الفطرة وإطلاق أثرها في العُمر أو المدة التي يعيشها الإنسان؛ أي إخراج الفطرة من عالم القوة والإمكان إلى عالم الفعل والتمكين. فهذا يتغير بأمرين: خارجي (المجتمع والقوم اللذان يمثلهما -بدايةً- الأبوان بالنسبة للطفل)، وداخلي (وهو الاختيار والإرادة عند البلوغ وبعده)، وعلى هذا الداخلي الذاتي يعول ويكون الحساب.

ومن النظر في الفطرة وخصائصها تستبين وظيفتها في بناء وتوجيه العلاقات بين الخالق جل وعلا ومخلوقيه: الإنسان والكون: فالله تعالى هو فاطر الإنسان والأكوان، فطْرًا على السوية، وفِطرةً على الميل إليه وإلى معرفته وطاعته سبحانه وتعالى، منظومة يهمنا منها في هذا المقام التركيزُ على عالم الإنسان–النواة وتصوراته وعلاقاته.

ومن هنا يمكن الانتقال للقول بأن ((معاني مفهوم الفطرة هذه تمهد أرضية الرؤية القرآنية لشبكة علاقات الطفل))؛ بالوقوف –أولًا- عند كيف ينشق وينفطر من الإنسان إنسان آخر على البيضاء الطيبة، إلا أن فطرته هذه تقع بين ثابت (لا تبديل لخلق الله) ومتغير (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ). وعليه، فإن اكتمال صفات ذات الطفل وخصائصها، وتمام الإرادة والعلم المحددين لأعمالها، لا يزالان يحتاجان إلى “إمداد” رباني، ثم إلى رعاية “أبوية” تحفظ هذه الفطرة وتنميها لتنتقل من عالم الجبْل والخلق إلى عالم الكسب والإرادة.

والقرآن الكريم يحيط الطفل بعلاقات غريزية تقع موقع الضرورة فوق الإرادية، هي من آثار الرحمة الإلهية: علاقات مع الوالدين والأقربين والمجتمع والأمة والإنسانية، بل الأكوان من عالم الأشياء.

فالطفل (بمراحله التي كشفت عنها السنة النبوية) محوط بعلاقة فطرية وغريزية مع المكلفين، فيما غُرز في الآباء -ومن هم في مقامهم- من حب الولد واشتهائه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ} (آل عمران: 14)، ومن السكن به والقرار: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} (القصص: 9)، وبما غُرز في المكلفين المميزين من الخوف علي الطفل ورجاء صلاحه: {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (الأعراف: 189)، ومن أحوال متعددة أقرَّ الكتاب الكريم فيها هذه المشاعر وأقامها على صراط. وعرضَ القرآنُ الحكيم لطبائع هذا المحدّد (الفطري/ الغريزي)، ومحدداته الواجبة، وقابلياته للامتداد بعيدًا عن حياضه، وحدوده التي ينبغي ألا يتعداها، ونبّه على إيجابيات ذلك وسلبياته في نماذج دالة أيمَّا دلالة ترد في الأسطر التالية.

والدلالات القرآنية المتعلقة بالفطرة وعلاقات الأبوة والبنوة تشتمل على بيان أصل العلاقة الفطرية بين والد وما ولد، وكيف تحرك الفطرة للاستجابة لداعي الإيمان ومطالب التشريع، أو تتدافع مع ذلك، وفيما يلي تفصيل هذه العناصر.

الفطرة محركا لعمليات إيجابية: لصالح الإيمان والتشريع

مزج الكتاب الحكيم بين المطالب التشريعية وبين التحفيز عليها من باب اتفاقها مع الفطرة أو بيانها بما للفطرة من وضوح في النفس البشرية سيما في العلاقة السوية القائمة بين والد وما ولد، فهذا أمرٌ قرآنيٌّ بذكر الله تعالى ذكرا كثيرا قد تتساءل النفس عن حدِّه الذي لا يجوز أن يقل عنه، فيكون التمثيل بما هو قائم في كل نفس من ذكر الآباء (ومنهم الأمهات): {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} (البقرة: 200).  فالفطرة مسلَّمة ومبدأ يبنى عليه التحفيز ويقاس عليه، بالمثل كما أن معرفة الأبناء صارت معيارا لدرجة معرفة علماء أهل الكتاب بكتابهم: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة: 146).  

الفطرة مسلمة بمعنى أنه لا يهم في القرآن البرهنة عليها أو إثباتها، بل يتم تجاوز ذلك إلى استعمالها وتحريك نوازعها وتشغيل مفاتيحها للالتزام بالتكليف سيما التكليف المعتاد استصعابه على النفوس. وما أصعب التكليف –مثلا- بنبذ الرياء وتحقيق الإخلاص الذي هو الوصلة المحورية بين الإيمان والتكليف، فليس أفضل من تحريك مكامن الميل إلى المال والأبناء والحرص عليهم لتفعل هذا المفعول، يقول تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} (البقرة: 266).

الذرية الضعفاء هم الأطفال الصغار[13]، هم المحتاجون إلى الأب، غير القادرين على حفظ أنفسهم ولا يغنون عن مال أبيهم حال احتراقه شيئا.. والاستفهام دال على ما ذهبنا إليه من توظيف الفطرة محركا، لا الوقوف عند إثباتها. ومثله النهي الشديد التالي ومعه دفع بنفس الاحتمال: ترك ذرية ضعفاء يخاف عليهم: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا} (النساء: 9).

حتى في أحرج المواقف (الموت) لا تجد مثل غلبة الفطرة ما يمكِّن من التكليف بالوصية للأقربين وعلى رأسهم الوَالدان والوِلدان: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (البقرة:180).

كذلك توظف الرابطة الوثيقة بين والد وما ولد في مسائل الإيمان خاصة عند العسف أمام البرهان والدليل العقلي والمحاجاة بالباطل: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} (آل عمران: 61). فاستعمال الأبناء في هذا الأمر العقدي ذو دلالة مهمة، فحين تعطل قوى العقل تحرك نوازع النفس، وهذا نهج قرآني فريد، والولد خير مقام لبيان ذلك.

وفي النماذج النبوية الكريمة، دفعت العلاقة الفطرية التي بين والد وما ولد إلى حسن اللجوء إلى الله تعالى ودعائه دعاء حقيقيا مخلصا وحمده وشكره بالمسارعة في الخيرات، فهذا زكريا يذْكُره الكتاب ويذكِّر به في غير ما موضع ليبين كيف يكون الشوق إلى البنوة مقاما لتحقق الإيمان والالتزام وبروز آثارهما: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء * فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} (آل عمران: 38: 40). فالولد هبة من الله تعالى (من لدنك) الذي يفعل ما يشاء مهما تعجب الناس ومهما استيأسوا.

ومنه أن الولد لأبيه ولـيٌّ وارث وهو أولى من يحب أن يورثه تركته: مادية كانت أو معنوية: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} (مريم: 6)؛ لذا فالميت عن غير ولد هو “الكلالة”، والحي بلا ولد هو “فرد” مهما كان رهطه وعشيرته: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} (الأنبياء: 89)، ومع أنهم قدموا ذلك فإن منحهم الولد مقام لا يمر إلا بشكر وذكر: {… وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} (آل عمران: 41).

ومما يتصل بذلك الالتفات إلى مخاطبة الله –تعالى- يحيى الصبي (كما أوحى إلى يوسف الغلام من قبل وكما رعَى موسى -طفلًا- ليُصنع على عينه سبحانه)، يخاطب يحيى في سياق ينتقل من الأب إلى الذرية لتتجلى فيه وصلة (والد وما ولد)، وتتصل فيه دواعي الحنو والتزكية الربانية بالتقوى والتكليف بالالتزام القوي: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} (مريم: 12: 15).

إشارات جليلة إلى استعمال الفطري في التحفيز على الإيمان والتقوى والتمسك الشرعي بالكتاب بقوة ولو كان المخاطب صبيا.

والفطرة تتدافع مع مقتضيات الإيمان والتشريع

قد توهم أصالة الفطرة ونقاء أصلها بصفاء العلاقة بين (والد وما ولد) من كل كدر، حتى يغفل الناس عما فيها من اختبار وفتنة، فيقال لهم: (اعْلَمُواْ). لأن عمق الغريزة قد يحجب حقائق مهمة فوجب التنبيه: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (الأنفال: 28).

وكذلك قد تصنع الغريزة حالة من الركون إلى متابعة الهوى في الأولاد، بل ذلك هو الغالب في أوضاع الناس عبر عصورهم إلى درجة ربما تبلغ “السُّنة الماضية” التي علمها الله تعالى من خلقه فأكثرَ من إرشادهم وإنذارهم مغبتها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (الأنفال: 9). ومن هنا نجد تأكيدا قرآنيا كثيرا على ضرورة تعديل الميزان المائل بالجذب نحو مساحة أخرى: الآخرة والأجر العظيم عند الله (تعالى): {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الحديد: 20).

فمن خصائص الدنيوية والركون إلى الدنيا دون الآخرة التكاثر سواء بالمال أو بالأولاد تحولا من الفطرة المتزنة إلى الشهوة المختلة، وذلك له صفة مهمة لابد من اعتبارها وغالبا ما تختفي وراء شدة الشهوة: إنها صفة الزوال، فالنبت يعجب الناسَ أولُه لكنه ينتهي حطاما لا يبالَى به: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الحديد: 20).

إن الأمر جد: الغريزة والتكليف يتعالجان على هذه الأرض وفي هذه الدنيا كما يتعالج الدعاء والقضاء بين السماء والأرض، تعالجا وتدافعا قد يصل إلى حد المعاداة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (التغابن: 14: 16).

فكم من والد غرَّه ولدُه وكثرتُهم أو جمالهم أو قوتهم، وغالبا إذا ما اجتمع مع ذلك مال ومكانة، فيخرج عن حدود إنسانيته، ويطغى ويستغني، ويغادر محل عبوديته كِبْرا وبطْرا: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } (القلم: 13: 15) فلا يلبث أن يخيب أملُه. ومن هنا النهي المزدوج عن الفخر بالآباء والأجداد، وعن الالتهاء بالتكاثر بالأولاد والأحفاد، على ما ورد بيانه في محور الاعتقاد.

ثمرة هذا التدافع -كما يعرضه الكتاب الكريم- هي تجلية الحدود والميزان الذي ينبغي ألا تتجاوزه النفس باسم الفطرة أو الغريزة، وفي نفس الوقت كشف المساحة التي تتاح للفطرية والغريزية أن تعبر فيها عن وجودها وفعلها. وعادة ما يكون في قصص الكُمّل من البشر وعلى رأسهم الأنبياء ما يجلو ذلك ويؤكده.

فهذا إبراهيم -الابن الحليم الأواه الرشيد- يقف موقف الداعية لقومه ومنهم أبوه، لكن حظَّ الفطرة أو الغرز الخاص بين والد وما ولد استقضى مجالا أرحب لدعوة الأب ومحاولات استنقاذه خوفا عليه أن يمسه عذاب من الرحمن. فعلى هذه الأمة أن تذكر هذه المواقف وتذكر –بأمر القرآن المجيد- إبراهيم الصديق النبي: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} (مريم: 42: 45).

وإذ نحن أمام أب شارد وابن راشد، فإن النداءات ودلالاتها الوجدانية تختلف: فـ (يا أبت) هنا غير تلك التي قالها الغلام يوسف لأبيه النبي يعقوب، وإن كان الوجدان حاضرا في كلٍّ، لكن حال تدافع الفطرة والإيمان غير حال تضافرهما. ومنه تجد الجواب مختلفا بين حالة يوسف وجواب الأب: (يا بني) وهو نداء ناسِبٌ واصل، وبين جواب الأب في الحال الإبراهيمية هذه إذ يجيب بالاسم الفاصل لا الواصل: (يا إبراهيم).

وهذا التدافع له آدابه المتناسبة مع المقامات: فسؤال الابن المؤمن تلطفي رقيق، والحيثيات تسبق المطالب، والنهي لوالد ممن وَلَدَ يكون مشفوعا بالتسبيب مباشرة، وعلى كلٍّ فإن العاطفة المؤلفة من الحب والخوف معا لابد أن تأخذ مجراها، والإيمان لا يبتر الفطرة بل يغذيها ويفسح لها، والاختلاف في هذا الإيمان لا يلغي الآداب مطلقا؛ فما نجده من غلظة الأب الشارد لا تقابل إلا بالسلام والدعاء والكلم الطيب: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} (مريم: 46، 47). كل هذا ولا تطغى الفطرة على مقتضى المفاصلة الإيمانية والتمييز قلبا وقالبا على نحو ما ورد سابقا في الرؤية الإيمانية.

وفي المقابل يأتي نموذج نوح وابنه: بين الأب الصالح والابن الطالح، وكيف يتعالج الإيمان مع الغريزة الفطرية في قلب نوح عليه السلام إلى الدرجة التي ألجأته إلى الاعتذار إلى ربه تعالى عن سؤاله إلحاق ولده به على أنه من أهله على ما فهمه من قوله تعالى (احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك). ففسر المجمل بالمعنى الأقرب إلى نفسه: (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي)، ولم يعلم ان ابنه كامرأته ممن سبق عليه القول، فيأتيه الجواب الإلهي الفصل: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (هود: 46). مقام فصل بين والد وما ولد حال اختلاف الصفة والحال بالنسبة للإيمان: {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح}، فها هنا الأهل بالأهلية والعمل، لا بمجرد نسب الدم بلا اختيار[14].

إن الخبر الإلهي هو التقرير الجامع بين موازين الفطرة والإيمان والتكليف في حدود الطوق وإن كان عند أقصى هذه الحدود، فالحق هو التسليم للمقام الأعلى والحكم العدل الأحكم: وهذا هو الدرس المطلوب مهما تدافعت الفطرة ونوازعها مع الإيمان ولوازمه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} (هود 47).

إن في هذا لعبرا، وإننا اليوم أحوج ما نكون لتدبر ذلك وتفهمه، في سبيل التربية على ميزان للحياة يضع النفس في نصاباتها: وجدانا وسلوكا، إيمانا والتزاما.

(ب) الإيمان ودوره في بناء العلاقة بين والد وما ولد

يكشف القرآن العظيم أن الطفل ليس وحده في هذا العالم، وليس متروكا بالكلية لأيادي الآباء والمجتمع تعبث به إن شاءت، بل هو يُصنع بدايةً على عين الله تعالى وينمو في كنف سلطانه، ثم إن ابُتلي بمجتمع مريض قد انطمست فطرته فإنه لا يزال همس الفطرة في هذا الإنسان النامي يجذبه نحو الحقيقة التي هي عين الفطرة: {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا”}!

وعلاقة الأبوة-البنوة تنعكس عليها مجالات الإيمان الستة: بالله تعالى ربوبية وألوهية وأسماء وصفات وأفعالا، وبالكتاب دستورا حاكما، وبالرسول نبيا وقائدا وقدوة، وبالغيبين: الملائكة، والجن، وباليوم الآخر (ومنه تصور طبيعة الحياة الدنيا وعلاقتها بالآخرة)، وبالقدر خيره وشره؛ بما يخلص المؤمن منه إلى تصور واضح للإنسان والوجود والحياتين. وضمن إطار هذه الشبكة وبينياتها يمكن ملاحظة أن علاقة الأبوة-البنوة الإيمانية في الكتاب الكريم تبرز في أمرين أساسيين:

أولهما– الإيمان بالأقدار والسُّنن الإلهية الحاكمة للعلاقات مع “الصغار” من أبناء الشخص أو أبناء الأمة والمجتمع المسلم. وثانيهما– أثر التوافق أو الاختلاف العقيدي على الجانبين الفطري والتكليفي، على نحو ما عرضنا لجانب منه من قبل.

فبالنسبة إلى الإيمان بالأقدار والسُّنن الإلهية، فإن الإيمان بالقدر –كما يفهم من الكتاب الحكيم- يقدم للأحوال والوقائع البشرية والكونية وجهين: وجها ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مما يراه الناس “رأي العين”، ويظنون إحاطتهم به وقدرتهم عليه، ووجهًا آخر غيبيًّا تتحرك فيه الإرادة الإلهية وتفعل فيه مفعولاتها، والناس لاَ يَعْلَمُونَ، ولاَ يَشْعُرُون.. وهذا البُعد الغيبي يجد له شواهد من عالم الشهادة، تبرزها الرؤية المنظومية والسُّننية تجاه الأمور، والتي تؤشر على مساحات فاعلة لا يدَ للتخطيط البشري ولا الإعداد ولا التغيير أو التأثير البشري فيها، وينسبها الملحدون إلى “آخَر” غير أنفسهم يسمونه تارة “الطبيعة” أو “طبيعة الأمور” ويسمونه تارة “الاتفاق”، أو “الصدفة”، أو “الـ هكذا..”، فيما ينسبه أهل الأديان -وهم أكثر أهل الأرض- إلى ذاتٍ فاعلة مفارقة؛ ذات لها إرادة وعلم وقدرة وحياة وفعل.

وهذا الجانب السُّنني يعرض له القرآن الكريم عدة نظريات؛ منها على سبيل المثال: نظرية “الطفل مشروع مفتوح بين الإيجاب والسلب”: ومفادها في قوله تعالى: {…آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعا} (النساء: 11). فالطفل مشروع “عسى” أن يكون “نافعًا”: {عَسَى أَن يَنفَعَنَا}(القصص: 9)، مشروع “يراد” منه الخير والزكاة والرحمة: {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا }(الكهف:81)، مشروع “بّر” بوالديه ومجتمعه: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ } (مريم: 14)، أو مشروع لأصناف الخير، الأمر الذي يتطلب تصورات وتكليفات معينة. والطفل –كذلك- مشروع “فتنة”، ومشروع “إلهاء”، ومشروع “عداوة”، أو من سائر مشروعات الضير كما سبقت الإشارة، فيما يتطلب تفويضًا عقديًّا يصدِّق قولَه تعالى: {لاَ تَدْرُونَ}، ويستلزم اجتهادًا سلوكيًّا من الأبوين صلاحا وإيمانا: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}، {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ}، {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ}. إن النظرية القرآنية الحاكمة لعلاقات الأبوة- البنوة تتكامل مع بيّنات السُّنة النبوية والسيرة في بيان سُنن ونواميس أخرى حاكمة لنماذج العلاقات؛ منها:

  • سُنة العدل والميزان في كون “الجزاء من جنس العمل” بصفتها أساسًا؛ {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}، {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}،{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ}.. فالابن امتداد لفعل الأب. ولكن هل هذا حتم دائم؟ الأظهر من القرآن الكريم أن ذلك من باب السنة الغالبة لا الحتمية.
  • فلا يتحتم في المؤمن أن يكون ابنه كذلك مؤمنًا؛ بما يقتضي انتباهًا تربويًا دائمًا من قبل الجماعة المؤمنة إلى أبنائها واحتمالات شذوذ بعض أفرادها، وحرصًا على وعظهم ودعوتهم إلى سفينة الإيمان: {ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ}.. كما يقتضي ذلك تفويضا وتوكلا من جهة أخرى. فالمسألة التربوية مسألة غير حتمية من حيث ارتباطها بالأسباب المباشرة، فليس متصورًا أن يكون كل ابن للصالح صالحًا ولا كل ابن للطالح طالحًا.. والقاعدة مركبة من مزيج من القدر الإلهي الغالب والكسب البشري..
  • ومنها سنة الميل الإنساني والتاريخي إلى الافتتان بالأبناء وكذا بالآباء، فتكرار هذه النماذج التاريخية في القرآن يوحي ويشير إلى غلبتها باعتبارها سُنّة غالبة لا حتمية مستحكمة على طبائع البشر والحياة البشرية.
  • ومنها سُنة التغيير من خلال “البذور-الجذور” أو الأبناء: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ مُوسَى…} (القصص: 5: 7) .. فالحال الفاسد قد تبدأ بذور تغييره في عالم الصغار الذين لا يؤبه لهم.

من ناحية أخرى يتضح هذا الجانب الإيماني في معاملة غير المكلفين في آثاره على جانب الفطرة ثم جانب التكليف، وحكمه عليهما وتوجيهه لهما توجيها أساسيًّا. فالإيمان واصل وفاصل كما سبقت الدعوى: واصل بين الأبناء والآباء وإن اختلفت دماؤهم، وفاصل بين أبناء الدم وآبائهم حال افتقاد الإيمان، بما يصنع حدودًا على آثار وامتدادات الانفعال الفطري تجاههم. والإيمان بالرحمن وبرحمته هو نفسه الذي يغذي هذا الجانب الفطري ويحفظه من حالات الشذوذ: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}، وهو الذي يحول دون العقوق المتبادل تقوىً لله وتقربًا إليه واستقامة مع الفطرة {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.

كذلك فإن الإيمان -حين يحوط التكليفات تجاه الأبناء أو الآباء- ينقل العلاقات من مجرد عالم الفطرة إلى قلب عالم الفكرة، ومن منطلق عالم الانفعال إلى جوهر الفعل والكسب والوعي.. ويصنع إطارًا مختلفًا بين حال الاتفاق في العقيدة وحال الاختلاف فيها. فالاختلاف -وإن لم يقطع الأرحام والمصاحبة بالمعروف- إلا أنه يحول دون استواء التواد والحب، والموالاة والنصرة، ويحرّك عناصر أولية من الشفقة من المصير، وحين اليأس يحرك عناصر أمل ورجاء في البديل: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ}، {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي }.

ومن الدلالات القرآنية المتعلقة بالإيمان:

أن الإيمان والفطرة يتعالجان:

وإذا كانت الفطرة فيما سبق أحدثت في العلاقة الإيمانية ما يشبه التحرج كما في نموذجي إبراهيم ونوح عليهما السلام وكما سبق بيانه، فإن الإيمان بدوره يدفع الفطرة أحيانا ألا تتجاوز أصوله ومقتضياته، ويضع لها حدودا. فيقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ…} (التوبة: 23، 24).

فالموالاة للأقارب -سيما الآباء والأبناء- من مقتضيات الفطرة ودواعي الغريزة، إلا إن حكم المخلوقية والعلاقة بالله تعالى ومقتضياتها أعلى من حكم العلاقة بين المخلوقين ولوازمها، أو ينبغي أن تقدم تلك على هذه، هذا مقتضى العقل الإيماني، ومقتضى العدل الإيماني. وهذا ليس قطعا للأنساب، فلم يقل: لا تتخذوهم آباء أو أبناء، بل أولياء، وهو قطع للازم النسبة لا للنسبة نفسها. فالحب على مقتضى الإيمان والاختيار مقدم على الحب على مقتضى الغريزة والخِلقة، وهذا تشريف للإنسان: أن يقدم له ما اختار على ما ما لم يختره.

والأصل ليس قطع الموالاة مع الأقربين فقط، لكن لأنهم أولى من يحتج ويعتذر بهم، وللعلم بالعروة الوثيقة بين المؤمن وأقاربه سيما الوالد وما ولد، قيس عليها الأبعد من باب أولى.

إن المحبة الفطرية لا تستوي سليمة حتى تتظلل في مظلة المحبة الإيمانية لله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} (البقرة: 165، 166). فلا تجعل لله تعالى في الحب أندادا، ولا لرسوله ﷺ في مقامه منافسا، كما قال عليه الصلاة والسلام: (حتى أكون أحب إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين)، وقال: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)– البخاري.

هذا ضابط إيماني مهم في محبة الأولاد ومعاملتهم: وجوب وأصلية المظلة الإيمانية وأسبقيتها. ومنه نفهم الأحكام الفاصلة بين المؤمن وأولي القربى أحياء وأمواتا، كما في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة: 113). ويقول الله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة:22).

فاتصالا بغلبة الرابطة الإيمانية على الرباط الفطري أو الغريزي بين الأبناء والآباء وضبطها له، وابتلاءً للمؤمنين في ذلك، نُهي عن الاستغفار للأب المشرك رغم دافع الصلة، كما وُعظ في الدعاء للابن الكافر والمخاطبة فيه… كم هي مؤلمة هذه العملية الجراحية التي جعلت رسول الله يبادر بالاستغفار لعمه حتى نُهي، ويبحث عن مخرج للمنافقين كي يستغفر ربَّه تعالى لهم حتى مُنع، والتي جعلت إبراهيم يستغفر لأبيه ولا يتبرأ منه إلا بعدما تبين له أنه عدو لله، ولم يمنع ذلك من المصاحبة في الدنيا بالمعروف، وربما كانت صعوبة تصور هذه التكليفات إنما مصدرها صعوبة تمثل الإيمان الخالص.

تعليم الولدان الإيمان من الأصول والأركان:

إن الكتاب العزيز الذي علم الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه، والإيمان بالغيب وأثره واتصاله بعالم الشهادة، وبيَّن التصور الحق للطفل ذلك الإنسان-النواة النامية، واستعمل علاقة (والد وما ولد) في ذلك أحكم استعمال، ما كان ليُغفل الإرشاد لإنبات الطفل على مقتضى فطرته، وتربيته على الإيمان والتوحيد، وتزكية نفسه بالتشريع المشتمل على الفضائل والآداب: إن من مقتضيات الإيمان الدعوة إلى الإيمان.

وفي الدعوة للإيمان والإسلام لله تعالى أشرنا إلى حرص النبيين على إيصال ذلك إلى الأبناء والآباء كما في وصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام لأبنائهما: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 132، 133). وفي مبحث التشريع القرآني للعلاقة بين الولد والوالد سوف نتعرض للتعليم والتربية على الإيمان، وواجب الآباء في ذلك نحو الأبناء والذي سيكون المثل اللقماني مشهدا كاشفا لدلالات الوجوب على المكلف، والأسلوب الأمثل في القيام بهذا الواجب، والشبكة التشريعية التي ترتبط بهذا الجانب التربوي الأساس.

لكن الذي نلفت النظر إليه في ختام هذا المبحث هو “التربية الإيمانية القرآنية” نفسها؛ بمعنى تربية الأطفال على القرآن وبه ومنه: استحفاظًا واستظهارًا، ومدارسة واستذكارا، ومعايشة ليلا ونهارا؛ بحيث يكون من أهم غايات التربية إخراج “طفل قرآني” وإعداده ليكون لبنة في صرح “جيل قرآني جديد ومتجدد ومجدد للدنيا بالدين”. فبهذا يعلم القرآن الولدان معاني الإيمان ويرشدهم إلى مستلزماته التي شرعها الله تعالى في العبادات والمعاملات، في خطاب رفيق يتوجه به رب حكيم. ومن هذا يمكن أن ننتقل إلى الإطار التشريعي الذي يحوط به القرآن الحكيم علاقة (والد وما ولد). وفي السيرة المطهرة نماذج الطفل القرآني (ابن عباس) الذي قرأ المحكم وهو ابن عشر سنين وعلمه الله تعالى التأويل بدعاء النبي ﷺ، والطفل الذي نظر قومه فلم يجدوا من هو أكثر قرآنا منه فقدموه بين أيديهم يؤمهم في الصلاة وهو ابن ست أو سبع سنين: (عمرو بن سلمة)، وسائر الأطفال يحضرون الصلوات ويسمعون القرآن يتلوه النبي بنفسه أو من يتلوه من صحابته، ويقرأ بين أيديهم في البيوت من مجتمع قرآني فريد.

(ج) التشريع والتكليف ودورهما في بناء علاقات (والد وما ولد):

تدفع الفطرة باتجاه الرشد والخير، ويوجه الإيمان إلى التعلق بالله تعالى وأمره، لكن تفصيل ذلك مع معاركة الفطرة والإيمان لوساوس الشيطان وتسويلات النفس وشبهات الحواس وشهوات الدنيا قد تجنح بوعي الإنسان وإرادته ذات اليمين وذات الشمال، وتجعل لداعي الهوى سلطانا يضل الإنسان عن سبيل الله تعالى؛ ولهذا أُنزل الكتاب بالحق لبيان شرعة الله تعالى ومنهاجه، وللحكم بذلك دون الأهواء، يقول سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا.. } (المائدة: 48).

وإفراد التشريع الإلهي بالاتباع -في مقامه- مصداق للتوحيد ونفي للإشراك: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الشورى: 21). وقد اكتملت الشريعة ومعها الدين الإسلامي بما يغني عن اتباع أهواء شرقية أو غربية في مناحي الحياة الإنسانية، فليس فيها نقص ليستكمل، ولا فائض عديم الجدوى فيُهمل، ووجب على المسلم إعمالها في خاصته لأن بها قيام الدين وعدم التفرق فيه: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ …} (الشورى: 13)، ووجب على الأمة الحكم بها في عامة أمرها؛ فهي الحق وما دونها الهوى والهاوية: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (ص: 26).

وقد نظمت الشريعة علاقات الإنسان بربه جل وعلا وبعوالم الغيب والشهادة، وبالأكوان والأفكار والأقدار والأحداث، كما هدت لسواء الصراط في علاقات الإنسان بسائر الناس: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89)، ومنها علاقات والد وما ولد.

والركن الأساس في التشريع الإلهي وحجيته –وهو أن الله يعلم وأنتم لا تعلمون وهو الأعلم بمصالح خلقه وهو اللطيف الخبير- يتجلى في كل مساحات التشريع، ويؤسس كذلك لقناعة المسلم –والدا وولدا- لاتباع هذا الهدي في بناء علاقات سوية يتخللها المعلوم للإنسان والموكول علمه للرحمن. ومن هنا تأتي هذه القاعدة في مقام بيان المواريث: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعا}، واتصالا بمقام الرضاعة قاعدة أساس: {… وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ..} (البقرة: 232، 233)، وغير ذلك. ومن ثم فنحن نريد أن نعلم ما أراد الله تعالى أن يعلمنا إياها كي نعمل به فنحقق مراده تعالى منا، ويرضى عنا ويصلح بالنا وأمرنا.

وحيث إن هذه الدراسة أُعدت بالأساس لبحث الاجتهاد في تنـزيل النص القرآني على الواقع عبر نموذج “غير المكلفين” وبالتحديد الأطفال أو الصغار، وحيث إن مسائل التكليف وعدمه، تتعلق بالطفل بطريق المباشرة وطريق غير المباشرة، فسوف نحاول استكمال تبين الرؤية القرآنية للأطفال ومعاملتهم ضمن دائرة “الفطرة والإيمان والتشريع”؛ وذلك بتتبع الدلالات القرآنية التشريعية المتعلقة بذلك.

والدلالات القرآنية المتعلقة بالتشريع وعلاقات الأبوة والبنوة فيها جانبان: توجيه المكلفين عند معاملة الأبناء والأطفال، وتكليف الأطفال بما يطيقون تدريبا وتربيةً.

(أ) في توجيه المكلفين عند معاملة الأبناء والأطفال:

الأطفال غير مكلفين شرعا لنقصان أهليتهم، وهم محتاجون إلى من يأخذ بأيديهم ويحفظ عليهم نفوسهم وأجسامهم وعقولهم وما قد يكون لهم من مال موروث أو موهوب. ولأن عامة الناس عبر العصور يبادرون إلى حفظ الجوانب المادية من الجسد ومستلزماته بالنسبة للأبناء، غافلين عادة عن بناء النواحي الجوانية وتزكيتها، فقد وجَّه القرآن المجيد المكلفين من الآباء والأمهات -أو من يقوم مقامهم- أن يعلموا أن لأولادهم حقًّا في التعليم والتربية والحفظ. فأمرهم بتعليمهم الإيمان ومعاملتهم بمقتضاه، وبنسبتهم لآبائهم وتمييز المكفولين من غير ذوي الدم والرحم عمن سواهم اسما وإن ساووهم معاملة، وحفظ النسل في الأرحام وبعد ولادتهم، ورعايتهم في الرضاعة والنفقات، والرحمة بضعفهم وحاجتهم بل الجهاد في سبيل استنقاذ المستضعفين المظلومين منهم، وفتح المجال أمام الطفولة السوية تقول وتفعل، وتجد وتلعب، وتطوف على الناس بلا حرج ولا تضييق، وتنظيم حياتهم، مع زيادة اعتناء بفاقد الأب أو الأبوين من اليتامى واللقطاء والمشردين.

كانت الفطرة كفيلة بالدفع إلى مثل هذه القيم والتشريعات القيِّمة، وكان الإيمان حقيقا بأن يوجه تلقاءً إلى روحها، لكن تفصيل الرحمن الرحيم بالتشريع والتكليف الواضح يحيل المسألة من عالم الاحتمال إلى عالم القطع، ويقطع السبيل على أيادي الهوى والنفس الأمارة بالسوء والعدو الشيطاني، وكذلك يعوض نقص المعرفة المستولي على الإنسان. 

(1) البر بالنسل وحفظه من الهلاك:

إن البر بمعناه الجامع لابد أن يتصل بعالمي الإيمان والإحسان: الإيمان بالغيب والإحسان إلى عالم الضعفاء وذوي القربى ومنهم الأطفال والأبناء وعلى رأسهم اليتامى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى …} (البقرة: 177) اليتامى “الذين لا كاسب لهم وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب[15]. هذا هو مقتضى الإيمان، ولكن في المقابل فإن التولي عن الحقيقة الإيمانية –بالنفاق وما شابه- يقترن بالضرورة بالفساد والإفساد: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} (البقرة: 205). إن فقدان الإيمان أو تشوهه يقترن به تزيين الشركاء والشياطين لقتل الأولاد ليكون انقطاع النسل والعمران؛ ومن ثم يعد من الصلاح والإصلاح الواجب في الرؤية القرآنية والمرتبط بأصل الملة والأمة: حفظ الذرية الذي جعله العلماء من المقاصد الخمسة العالية للشريعة، بحيث يعد المتهاون في ذلك واقعًا في حمى المقاصد انتهاكًا وإهدارًا. والناس بالغريزة يخافون على أبنائهم مضرَّات الأقدار، ولكنهم قد يغفلون عما تقدمه أيديهم هُم في هذا.

(2) ائتمان الآباء والأمهات على أولادهم:

وإذا كانت أغلب التكليفات الموجهة إلى المكلفين لصالح الأطفال تعم كلًا من الأب والأم، فإن ثمة مواقف تُستحفظ فيها الأم على ابنها دون أبيه، كما أن هناك مواطن يتوجه التكليف فيها إلى الأب أساسا أو وليه. ومن الواجبات المتعلقة بالأم خاصة ائتمانها على الولد (أو البنت طبعا) حال كونه جنينا في رحمها أو وليدا رضيعا في حجرها، يقول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ….} (البقرة: 228). كما أن الآخرين مطالبون بمنع أذاهم عن الجنين كما سيرد في حديث المرأتين اللتين “اقْتَتَلَتَا، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَأَصَابَ بَطْنَهَا وَهْىَ حَامِلٌ، فَقَتَلَتْ وَلَدَهَا الذي في بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إلى النبي ﷺ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ مَا في بَطْنِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَة،….”.

فالذي في الأرحام ليس شيئا ميتا جاء نتاج تفاعل كيميائي أو بيولوجي بحت، إنما هو ناتج عملية إلهية هي عملية “الخلق في الأرحام: مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ “، ومن هذا التأسيس العقدي تأتي حجية التكليف بعدم الكتمان لما في الأرحام([16]). إن النساء مؤتمنات على ما في أرحامهن {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}؛ لأنه لا يُعلم إلا من جهة المرأة ويتعذر إقامة البينة غالبا على ذلك. إن هذه المساحة التي يُبتلى فيها الآباء والأمهات فيما يخص أطفالهم بلا رقيب دنيوي، هي من أظهر أحوال التربية على الإيمان بالغيب وخشية الله تعالى بالغيب، وهي أساس في التربية المؤمنة المنشودة.

والأم لا تقتل ولدها لا ماديًّا ولا معنويًّا، فطرة وإيمانا وتكليفا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الممتحنة: 12). وبالمثل لا يقتل والد ولده؛ فذلك خسران وسفه وجهل وافتراء على الله وضلال لا اهتداء معه، كما يبين قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} (الأنعام: 140): منظومة تبدأ من ضلال وسفه الحال وتصل إلى خسران المآل، خسروا في الدنيا أولادا وأموالا (أو موارد بلغة العصر)، وخسروا في الآخرة انفسهم؛ ذلك بافترائهم على الله سبحانه. وهذا في القتل الحقيقي المادي الذي هو إزهاق الأرواح طاعة لافتراءات وأساطير ثقافية أو اجتماعية، لكن القتل المعنوي المشابه بإلغاء الشخصية أو بالتضييع الاجتماعي يستحق وقفة أمام حاله ومآله:

إن الواقع الراهن يشهد صورًا عديدة للقتل المعنوي للأولاد على أيدي الآباء والمجتمع: فالضلال العقدي يورَّث في صور من التخبط في الشبهات وتوابعها، والسفه الخلقي يورَّث في صور من فيضانات الشهوات المغرقة، والنتيجة شباب محروم حائر غاو، ولسان حال الآباء والمجتمع يقول: {فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} (الصافات: 32). وما أفقه ابن عباس حين يجعل ذلك المقام هو معيار الجهل عند جاهليي العرب[17].

وكذلك يقع القتل المادي للأولاد من منظومة المحرمات موقعا متقدما، فمن أعظم الذنب أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك؛ لاجتماع السوءتين في الاعتقاد والفطرة معا؛ الأمر الذي يبدو من قائمة الوصايا العشر وما فيها من نواهٍ: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ …} (الأنعام: 151)، وكما في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} (: الإسراء: 31). وهذه الآية دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده؛ لأنه نهى الآباء عن قتل الأولاد، ووجههم إلى طلب الرزق في الأولاد لا في الإطاحة بهم[18].

إن القرآن العظيم يدلنا على استعدادات الفطرة للانتكاس إلى الدَّرَكة التي يقتل فيها الآباء أبناءهم من إملاق أو خشية إملاق؛ ومن هنا ننتبه إلى منظومة المؤثرات في الفطرة: الكفران بالرحمن؛ بما يؤول إلى كفران النعمة وتحريم الرزق سفهًا، ومنه الأساطير الثقافية والاجتماعية بالافتراء على الله تعالى، والخضوع لآثار الحالة الاقتصادية وأساطيرها المضادة لعقيدة الرزق. وفي سيرة النبي ﷺ الداعي إلى التزاوج والتناسل: (تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة..)[19]، والمغلظ لقتل الأولاد ووأد البنات دروس ودلالات مهمة تتضافر مع هذه المقاصد القرآنية والتشريعات الربانية.

فإذا لم يكن من التوجيه والبيان نتيجةٌ، لزم الوعيد الشديد حين يُستنطق كل شيء، فلا يُسأل القاتل عن ذنبه الشنيع، بل يسأل المقتول: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} التكوير: 8، 9): سؤال الموؤودة شدة نكير على الوائد.

(3) مسئولية المولود له عن الرضاعة ونفقات الحامل والمرضع

من بركة الطفل الإنسان (المولود على الفطرة) أن أجل أمه الحامل أن تضع حملها، فطالما الطفل متصل بأمه فالعلاقة بالأب-الزوج قائمة، ولا تزال أمه رغم طلاقها في عدتها ولو مكثت على ذلك الأشهر ذوات العدد؛ ذلك عسى أن يكون في مراحل نموه المحسوسة ما يؤدم بين أبويه ويعيد المياه إلى مجاريها، وما أن ينفصل عن جسم أمه حتى ينتهي التعليق للعلاقة ويصير مسوغا اتخاذ القرار النهائي في مصير هذه الأسرة وطفلها: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} (الطلاق: 4).

والحمل والرضاع والاسترضاع أحوال للأم، وللزوج الوالد علاقة بها، وفي قلب هذه الأحوال وأحكام تنظيمها يقف الطفل (الجنين والوليد) محفوفا برعاية الشرع ونظره: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} (الطلاق: 6، 7) فالطفل هاهنا سبب في زيادة حال تطلبت زيادة مقال، واستلزمت اعتبارا يتعلق بالإنفاق والتشاور والائتمار بالمعروف والبحث عن بدائل في حالة التعاسر بين الوالدين.. كل ذلك حفظا للضعيف أن يضيع في متاهات الخلافات الأسرية، وأن يكون هو الضحية المعتادة للاختلالات الممكنة.

والمرأة الأم أحق من غيرها بإرضاع أبنائها، وليس ذلك من باب الإلزام لها([20]) إذا كان المولود له (الوالد) حيًّا موسرًا، فهي لها الأجرة على إرضاع ولدها، وإن تعاسر الوالدان أي اختلفا فسترضع له أخرى كما سبق، فلم يوجب عليها فرضا رضاع ولدها: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (البقرة: 233).

والحولان الكاملان حد فاصل أقصى إذا اختلفا، وعلى الأب رزق المرضع وما لابد لها منه من المطعم والملبس، وبدون أذى بل بـ “المعروف”؛ بمثل معهود المجتمع أو أمثال الوالد على تفاوت الناس في ذلك. ومع المعروف الاحتراز من حرام يقع فيه كثيرون؛ هو “الإضرار أو المضاراة”: أن تأبى الأم إرضاع ولدها ليشق على أبيه، ولا يضار الوالد بولده فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها. فلا ينتزع الولد منها إذا كانت راضية بما كان مسترضَعًا به غيرها. ونهيت هي لأن تقذفه إلى أبيه ضرارا. وإن تعاسرا بما يمكن أن يضيع الولد معه انتقل التكليف إلى إمام المسلمين أو المجتمع بما يصلح حال الولد إما مع أمه أو مع أبيه، إن اشتركا في تعمد الإضرار ببعضهما البعض[21].

إن الأمر يستدعي استكمال الصورة بمتابعة حالات ضعف الصبي أو انعدام حوله؛ وهو حين يكون والده متوفى: إن أمره ينتقل إلى الأقرب به رحما: الوارث الأقرب، أو على الوصي إن كان الولد المولود هو الوارث حال وفاة أبيه: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}.

إن إرضاع الولد ما استحق كل هذا التفصيل إلى حد الاسترضاع من أخرى إلا لما ينبه عليه القرآن العظيم من احتمالات واقعية لانسداد مجاري الفطرة حين تدخل عليها تعسرات الحياة بين الأب والأم، هنا لابد أن يتدخل التكليف والتشريع ليجعل الأوضاع –وليس بالضرورة الأشخاص والأفكار- أقرب إلى حال الفطرة وفعلها. إنه تشريع تسري فيه القيم والأخلاق مسرى الروح: الإرادة، المعروف، الإصلاح ونفي الإضرار، المسئولية المشتركة والمتدرجة والمتحولة، ومراعاة الوسع والطاقة، التشاور والتراضي، رفع الجناح والحرج، والتقوى ومراقبة إبصار الله تعالى لخلقه وأعمالهم.

(4) الرحمة بضعفهم واستضعافهم والجهاد في سبيلهم

الأطفال من الضعفاء، فلا جهاد (بالمعنى المضيق: القتال للكافرين) عليهم حتى يقووا عليه: {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (التوبة: 91)، وإن كانت تربية الأبناء على الميل للجهاد وطلبه إلى درجة تعجله قبل أوانه والإقدام عليه لا الإحجام –كما تكشف عنه السيرة الشريفة- هي من مقدمات الواجب التي لا يتم الواجب إلا بها. لكن من جهة أخرى يحتاج الأطفال إلى الجهاد في سبيلهم، يقول تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} (النساء: 75).

ونحتاج إلى وقفة قصيرة مع الضعف والضعفاء والاستضعاف والمستضعفين:

فالضعف صفة لازمة والاستضعاف متعدٍّ، وهو حالة تجمع بين قويٍّ مستقوٍ ومتضعِّف أو مستضعَف، وما بينهما علاقةٍ على مقتضى اختلال ميزان القوى. ولا يكون ذلك الخلل في ميزان العلاقات الاجتماعية أو السياسية الداخلية أو العلاقات الدولية إلا حال الظلم والعلو من البعض في الأرض بغير الحق والفساد والمحاداة لأمر الله تعالى: (كما ذكر القرآن عن: فرعون، وقريش، وعابدي العجل وحالهم تجاه هارون، قوم صالح كما في الأعراف..)، فالاستضعاف يقابله الاستكبار كما بدا في الحوار بين الضعفاء والذين استكبروا وعرضته سورة سبأ.

والمستضعفون في غالب القرآن جماعات إزاء جماعات الاستكبار، والقضية غالبا دينية سياسية (تتعلق بالإيمان وأصوله وبموازين القوى الاجتماعية العليا..)، والمستضعفون في ذلك يُعنى فيهم بالبالغين من الرجال ثم النساء، إلا أن الولدان –وهم بالأصل ضعفاء- يستضعفون على المستويين: الأول- السياسي الإيماني ضمنا كما أدرجتهم آيات سورة النساء ضمن قائمة المستضعفين والدعوة إلى خلاصهم بالهجرة (الآيتان: 97-98) أو بالقتال في سبيلهم (الآية: 75)، والمستوى الثاني- هو المستوى الاجتماعي البحت الذي عنيت به السورة منذ مبتدئها {ويستفتونك في النساء…} إلى قوله تعالى.. {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ}، فالولدان هم الذرية الضعفاء كما في البقرة (الآية: 266)، وهم الذرية الضعاف كما في النساء نفسها (الآية:9)، وهم المرحلة الأولى للإنسانية التي خُلقت من ضعف (الروم:30)، وهم يستضعفون اجتماعيًّا من آباء قساة أو حين يفقدون الآباء في مجتمع بلا قلب ولا صلات قربى.

من هنا يوصيكم الله تعالى في أولادكم، ويستنفر الخطاب القرآني أمة الإسلام إلى التنبه للأولاد واستخراجهم من الاستضعاف بالتمكين في الأرض والقيام لهم بالقسط، وقدر من التحريج فيهم وفيما يملكون، والإصلاح لهم، والاستجابة لداعي الفطرة ومدِّه من الأبناء المخصوصين بصلة الدم القريبة إلى سائر الأبناء المستضعفين في السياقات الظالمة سياسيًّا واجتماعيًّا (فوقيًّا وتحتيًّا). لابد من تأهيل الأبناء خارج دائرة الانضعاف والقابلية للاستضعاف، وعدم الركون إلى أرض الذلة، وأن يجتهدوا إلى الخروج من الاستضعاف بكل حيلة وسبيل، كما تشدد الآيات: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (النساء: 97: 99).

فالولدان أقرب إلى عدم الحيلة أو معرفة السبيل المخلص من الاستضعاف الديني الإيماني، ومن هنا تتضاعف مسئولية المسئولين: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، والولد ينبغي أن يربى على طلب البيئة الصحيحة لإيمانه، وعلى السعي الدؤوب للتخلص من الذلة لا القابلية لها.

(5) ولليتيم خاصةً مقام معلوم: حفظ وإكرام وإصلاح

للطفل في هذا الدين وكتابه المبين مقام عظيم، كما دلت عليه الآيات الكثيرة، وقد وصى الله تعالى الناس في أولادهم، ووصاهم بهم، وغرس في نفوسهم من فطرة المحبة والحرص عليهم ما يكفل للطفل رعاية ما تحفظ عليه وجوده ونموه. بيد أن ثمة طفلا يوجد بلا أب حامٍ يأوي إليه أو أمٍّ حاضنة تحنُّ عليه؛ وهو اليتيم، فما مقامه في هذا الدين؟

إن لليتيم في الإسلام –وفي القرآن تحديدا- مقاما مهيبًا كالبيت الحرام؛ فرعايته من أصول الدين ومن علامات الإيمان بالجزاء الإلهي الواقع يوم الدين، وظلمه تكذيب بهذا الدين، يقول تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} (الماعون: 1، 2): تكليف متصل بالإيمان، فدعُّ اليتيم هو قهره وهضم حقه، فلا إطعام ولا إكرام؛ وهذا من عادات الأمم الظالمة التي يشنِّع القرآن المجيد عليها: {كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا} (الفجر: 17: 19)، الذين لا يقتحمون العقبة ولا يخوضون في الحسنة؛ والحسنة فك رقبة وعتقها، {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ} (البلد: 14، 15). وهذا اليتيم ذو المقربة قد اجتمعت فيه مكرمتان: اليتم والقربى، وكل منهما بالإحسان جديرة.

إن مما يبين خطر مقام اليتيم أن يذكر الرب الجليل حبيبه محمدًا (صلى عليه وسلم) بمنة الإيواء بعد يتم، ليعده للنهي عن قهر اليتيم، يقول تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} (الضحى: 6: 9).

ولليتيم حقوق عامة يشترك فيها مع الآخرين أو يميز فيها عن غير اليتيم، كما له حقوق خاصة شدد القرآن على مراعاتها ورهَّب أشد الترهيب في تجاوزها، وخاصة الحق في الملك والميراث أو الحقوق المالية التي جعلها الله تعالى قياما للناس.

فمن الحقوق المشتركة حق اليتيم في المال العام: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى …} (الأنفال: 41). فلليتامى نصيب في كل مال عام: هذه الزاوية تصور المجال العام باعتباره مجال تمكين وتحسين لحال المستضعفين، وكل مال غلب فيه عطاء إلهي على تكسب إنساني ظاهر (مثل الفيء..)، فإنه أولى بالله تعالى ومن يخصهم بكفالته: الفقراء والضعفاء ومنهم اليتامى، بل هم من أخص المستحقين سيما إذا اجتمع على يتمهم فقر وافتقار ومسكنة. هذه هي السياسة الشرعية التي يصير فيها الإمام قاسما للأرزاق وفق مراد الرزاق سبحانه، ويصير من مهماته تعرف اليتامى وإيصال الأرزاق إليهم، وتفقد أحوالهم؛ لمعرفة الأولى منهم بالعطاء.

ولليتيم في أموال الأغنياء نصيب ورزق مما تطيب به النفوس، يقول الله تعالى:{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا * يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ …} (النساء: 8: 11)[22].  وفيها تكليفات مشددة: بدفع أصحاب الأموال والوارثين لمراعاة اليتيم تخويفا من ملاقاة مثل حال اليتيم: أي ترك ذرية ضعاف يخاف عليهم، فالصيانة للابن الذي قد يطاله اليُتم وهو صغير تكون في: تقوى الله تعالى برعاية اليتيم الحاضر وأن يقول الآباء له قولا سديدا. وفيه اتصال بمال اليتيم: أي كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذرياتهم إذا وليتهم. إن أكل مال اليتيم من السبع الموبقات كما رواه البخاري، وفيما روي من جزائه الأخروي تهديد أي تهديد[23].

فمال اليتيم حرم أحرام، عليه منظومة من التكليفات كفيلة –حال التزامها- بتربية المجتمع على التورع والاستقامة والكثير من القيم الرفيعة، يقول تعالى: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ …} (النساء: 2، 3). فاليتيم له أمواله: تُسمى وتُحدد وتحفظ وتصان وتنمى وتثمر وتدفع إليهم حال البلوغ. فغالبا ما يقف اليتيم الذي لا أب له في المجتمع، مستضعفا معرضا للهضم والظلم، ونزعة حب المال أشد من الرحمة باليتيم {كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا} (الفجر: 17: 19)، وذلك من طبائع الاجتماع وسُننه، فلابد من التكليف الشديد المقرون بالوعد والوعيد والتحريج في معاملة اليتيم: بالتبدّل للخبيث بالطيب أو الأكل: إنه الحوب أي الإثم والظلم الكبير. إنها (أموالهم): فلكم أموالكم ولهم أموالهم. إن في المال لليتيم بعضَ عِوض عن غيبة الوالد الراعي، وسندٌ في الحياة، وأكلُه عليه تضييع أي تضييع.

يقول تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ …} (الأنعام: 152). وفي هذا تحريم للاقتراب من مال اليتيم إلا في ظل قيمة عليا غير مجرد الإصلاح لهم والتعفف والمعروف؛ إنها أقصى الإحسان التي عبر عنها الكتاب الحكيم بقوله: {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وهي التي أوضحها في سورة النساء ثم يأتي بيانها الأخير في سورة البقرة تخفيفا على الأوصياء وتحقيقًا للاعتدال. فحفظ مال اليتيم موقوت ببلوغه الحلم أو الرشد، وهذا يقتضي ابتلاء اليتامى أو اختبارهم لذلك، فيقول الله تعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا} (النساء: 6).

وابتلاء اليتيم عملية اجتماعية راقية. عند الفقهاء والمفسرين وأهل القضاء لها مظاهر ومؤشرات واقعية وجزئية محددة لمعنى بلوغ النكاح: الحلم أي الاحتلام أو الإنبات أو السن (15 سنة)، لكن تعبير (آنستم) بعد (وابتلوا) وعبارة (رشدا) بعد (النكاح)، وهي تناظر تعبير (أشده) في سورة الأنعام، هذان التعبيران يضفيان ظلالا على التحديد القضائي لفكِّ الحجر والوصاية عن اليتيم، ظلالا تملؤها التقوى التي افتتحت بها السورة واحتشدت التشديدات عليها في عامة آياتها.

فالرشد هو الصلاح والصلاحية والعمل بالمصلحة، في أمر الدين والدنيا: فلا تبذير ولا فسوق، وحفظ للمال فلا غفلة ولا تبديد، والأفعال هاهنا والسلوكيات اجتماعية تحتاج للإيناس والمتابعة لا مجرد المؤشرات الصماء أو الخرساء والعلامات الخَلقية التي لا دليل مشترك على اتصالها بمناط المسألة: “الرشد”. ويكون الاعتبار فيها للمؤانسة والتقوى والله حسيب المرء فيما يصنع، فمن اتبع الظاهر مع علمه بكامنٍ مؤثِّر مخالفٍ لم يكن لله تعالى مطيعا، ومن ادعى باطنا من سفهٍ أو تأخُّر رُشد عن وقت الظاهر على خلاف ما يعلم كان ظالما، (وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا).

ومن هذه التشريعات صار أمر اليتامى أمرا حرجا يستلزم من المؤمنين السؤال الملِحّ، خاصة فيما لهم من الحقوق وتحريج الشرع في الأكل منها أو الإنقاص أو الإهمال أو التضييع أو الإفساد، إن وليَّهم هو الله وضامنهم عند تضييعهم، لكن هذا التحريج قد يؤدي إلى التكليف بما لا يطاق أو يتعسر معه جريان الأمور على يسرها، فكان لابد من الرد إلى مبدأ وسيع ضابطه الضمير ومراقبة الله تعالى: هو مبدأ “الإصلاح”: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة: 220).

إن مخالطة اليتامى هي استدراك على اعتزالهم ومجانبتهم حرجا مما توحي به الإنذارات الكثيرة السابقة. إن مخالطة اليتيم في نفسه وماله إنما هي تكليف أو نُدبة تحكمها مصلحة اليتيم نفسه ومقاصدُ الشرع في حفظه وما يتعلق به؛ وعلى الأخص نفسه و”نفسيته” ضمن المجتمع؛ ليحيا اليتيم بين تفضل “إخوانه” عليه دون عوض يؤخذ من ماله، وبين مخالطته في ماله وتحميله بعض التكاليف بدلا من إهماله وعزله. ومن ثم يكون اليتيم في المجتمع قرينا وندًّا (أخًا) كما عبرت الآية الكريمة السابقة، “والإخوان يعين بعضهم بعضا ويكنف بعضهم بعضا”[24].

ومن ناحية أخرى ينبغي أن ننتبه إلى أن اليتم استضعاف مركَّب، فالطفل مستضعف بحكم تعريفه حتى وهو بين يدي أبويه وذوي رعايته، فكيف باليتيم؟ ولذا فالتكليف تجاههم مناسب: القسط (لا إنقاص) وفعل الخير (بالزيادة)، وهذا يقابل التخويف من الضد! يقول تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ …} (النساء: 127). إن التفاعل بالخير مع الأطفال والمستضعفين -واليتامى منهم خاصة- مما قد لا يعلمه الناس ولا تجد جزاءً دنيويا عليه؛ لذا قال تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا…} (النساء: 127).

وثمة فتوى أخرى يفتي فيها رب العالمين، وهي تتعلق بشبكة العلاقات الدفيئة والتي تقابل حالة اليتم، وبالمقابلات تتميز الأشياء، يقول تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} النساء: 176).

والكلالة (ليس له ولد) التي هي مقابل اليتم (فالولد عديم الأب يقابله الأب عديم الابن) تستعوض بمزيد من القربى لكي ترعى الابنة والزوجة من قبل الأقربين، فهي منظومة تكافلية يسدد بعضها بعضا، ويحل القريب فيها محل الأقرب حال فقده، ويسد مسده، ذلك داعي الفطرة: الميل إلى القريب، وما خالف ذلك من قواعد فهو مخالف لفطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، وبذلك ابتدأت سورة النساء وإليه عاد الختام: من الأرحام وإلى الأرحام: بيانا من الله تعالى وحتى لا يضل المؤمنون في تنظيم هذا الأمر المعقّد والذي لا يحيطون به علما: {وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

وفي ختام هذا المقام المتعلق بالتشريع الموجه للمكلفين بما يصب في صالح غير المكلفين (وبالأخص الأطفال والولدان)، ننوه بطرف من دلائل إعجاز هذا التشريع القرآني المجيد فيما يتعلق بالميراث، وتداخل مسائل المال والبنين. فالله تعالى يقول: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ…} (النساء: 12)- الآيات.

وفي هذا يتصل المال بشبكة القربى، ويقف الولد محكًّا للزيادة أو الإنقاص من النصيب، ويفتش المرء عن الحكم الكامنة وراء هذه العلاقة: هل هي من باب التصرف في مال الرجل أو المرأة حال موته بما تمليه “الفطرة” التي فُطر عليها ودفعا لما قد يكون اعتراها غالبًا من حيْدات عن صراطها، فيرتب: الابن، فالبنت، فالزوجة، فالوالدين، والأقربين؟ أم المراعاة للمنظومة الاجتماعية التي سيقودها الولدُ فيما بعد ويرث فيها الولد مقام أبيه من أعباء وتكليفات ومزايا وخلافه ينتظم بها المستقر والمتاع إلى حين؟

إن منظومة الميراث التي شرعها لنا ربنا (جل وعلا) تكشف عن مراعاة عالية للإنسان مهما كان صغير السنّ (وإن كان جنينًا في بطن أمه)، وعن استحقاق الصغير فيها للمِلك وإن مُنع تصرفه فيه؛ وبهذا يتجلى فهم جميل لتقديم حديث اليتامى على حديث المواريث في سورة النساء؛ وهي السورة التي فُصِّل فيها في الأمرين تفصيلا. وتداخُلُ هذين الموضوعين (المال والولد) إلى هذه الدرجة القصوى ذو دلالة على أن الصغير مرعيٌّ في المال وغيره، وأن فقْدَ الوالد لا يرتب ميراثا فقط، بل يرتب على المجتمع (الأقرب فالقريب، فالأمة ومؤسساتها المسئولة) تكليفات تحقق مقصد الرعاية والحفظ (الإيجابي والسلبي) للصغير وبالأخص فاقد العائل. إن حديث الضعفاء هذا يتناسب أعلى تناسب مع إدراج قضايا النساء ومعاملتهن في نفس السياق وإفرادها في بعض المواضع. إنه النهج القرآني الفريد في الرعاية الجامعة لمعنيي العموم والخصوص.

إن في الولد عوضًا ما عن أبيه بالنسبة لأمه أو لزوجة أبيه حين يكون ثمَّ مجتمع سوي؛ فيكون ما يأخذه -بوجوده- مما كانت تستحقه الأمُّ بفقده (من الربع إلى الثمن) مظنة العودة عليها إن احتاجت بهذا المعنى. ونفس الأمر بالنسبة للأب الضعيف عن الكسب أو زوج الأم، والوعي بهذا البيان يعدِّل كثيرًا من الانطباع والتأثر بالصورة الواقعية الراهنة التي تغلبت فيها المادة فأورثتنا نظرة للميراث على أنه بالضرورة الشيء محل النـزاع بل الصراع، لا التراحم والتواصي والتكافل.

ومن ثم نجد أن الاتجاهات المادية المعاصرة حين تتدخل فاصلة بين الأب وابنه، وحين لا تبالي أن تقطع صلات القربى، والأفكار التي ترى الإنسان فردا لا شريك له ولا نسيب ولا قريب، كل هذه.. إن هي إلا محاولات شيطانية لتغيير خلق الله تعالى وإعادة بناء الإنسان على فطرة منكوسة وملة معكوسة.. فلننتبه!!

وحين نطالع السيرة النبوية في معاملة الأطفال بعامة نجد بينهم أطفالًا يتامى لا نشعر بيتمهم لما اكتنفهم من صلات تفاعلات حاضنة، وذلك من مثل أنس بن مالك الذي نجده كالابن لرسول الله (ﷺ) وكذلك لزوج أمه أبي طلحة بما ينقل إلينا صورة مجتمع ناضج يحتوي مثل هذه الحالات ذات الخصوصية؛ الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل يمكن تحسين أحوال اليتامى في المجتمعات المعاصرة وهي على حالاتها الراهنة من القصور الإيماني والتشريعي والفطري؛ أي في التصور والالتزام والمشاعر؟

(ب) في تكليف الأطفال ما يطيقون تدريبا وتربية:

تبين مما سبق أن العهد من الله تعالى سارٍ من الآباء إلى الأبناء، كما صرحت به مواقف إبراهيم وإسماعيل وذريتهما، ويعقوب وبنيه، وأشارت إليه النداءات الناسبة الأقوام لآبائهم من قبيل: (يا بني آدم)، و(يا بني إسرائيل) إلى هذه الصلة والتذكير به وبمقتضاها، فيقول تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} (البقرة: 40). نداء يأتي –كما يقول ابن كثير- “مهيجا لهم بذكر أبيهم إسرائيل وهو نبي الله يعقوب عليه السلام، وتقديره يا بني العبد الصالح المطيع لله كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول يا ابن الكريم افعل كذا، يا ابن الشجاع بارز الأبطال، يا ابن العالم اطلب العلم ونحو ذلك، ومن ذلك قوله تعالى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} (الإسراء: 3)، وقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (الأعراف: 27، 28).

التذكرة بالأب في الآيات الأخيرة مناسبة للحال أي مناسبة، فالعلاقة العدائية مع الشيطان بدأت بالأب الأول: آدم عليه السلام، وكانت الفتنة. ووعظُ الأبناء بما كان من الآباء مناسب للغاية، لما في الأبناء من ميل لاتباع سنن الآباء، فجاء التكليف ليعدل هذا الميل ويردّ دعوى {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا}.

وكأنه لا يمكن للإنسان أن يتصور هذا العدو ويتعاطى معه من باب العداء إلا بتذكر ما فعله بأبيه: إنه استصراخ للأبناء أن يعادوا عدو الأبوين: {أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا}، وذلك كما في قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (يس 60، 61). فالبنوة لآدم تقتضي المعاداة للشيطان وخاصة البنوة الكاملة: دمًا ومبدءًا، والمبدأ هنا هو العهد والميثاق.

وفي تكليف الأبناء –ونخص منهم الأطفال- يغلب أن يأتي التكليف غير مباشر؛ أي من خلال وعظ الآباء وتربيتهم لهم، ونكاد لا نجد في الكتاب الكريم من التكليفات المباشرات أهمَّ من الوصية بالمربِّي المعلم المتفضل؛ وهو الأبوان. فمن خلال هذا المعلِّم يوقف القرآن المجيد الأطفال على أعتاب التكليف بالإيمان بالله تعالى والغيب واستصحابه، وأداء العبادات اللازمة (كالصلاة والصبر) والمتعدية (كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، على نحو ما سيرد في المثل اللقماني الجامع، وكذلك القضاء المشدد بالبر بالوالدين: إحسانا وإكراما وطاعة ودعاء.. وبالأم خاصة، والتوجيه للأدب مع الوالد غير المسلم والكبير عامة، وللعمل والخدمة مع الكبار، وشكر المربي والكافل أبًا كان أو غيره، وشكر النعمة المتصلة بالوالدين المتعدية إلى ولدهما، والاستئذان وحفظ العورات ومراعاة حدود الملابس الشرعية المهذَّبة، وتعلم آداب المعاملة من العفة والتواضع وخفض الصوت، والمشاركة والمبادرة الشجاعة بالقول والفعل. وقد تعرضنا فيما سبق لكثير من ذلك ونجمل ما تبقى في عبارة متصلة بلا فواصل، مراعاة لعدم التكرار.

يقول تعالى آمرا أمرًا مبرمًا ببر الوالدين والإحسان إليهما سيما حال كبر أحدهما أو كلاهما: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء: 23، 24). تلك تربية “ربانية” للأبناء تؤكد أن تخلية المجال بين الأبناء والقرآن المجيد كفيلة بتربيتهم تربية قرآنية خالصة قوامها: الإحسان بالوالدين قضاءً من الله تعالى لا من عادات اجتماعية منقطعة ولا من قيم مصطنعة قابلة للتبديل والتحويل، خاصة عند كبرهما، وذلك لأحدهما أو كلاهما، والتشديد على الامتناع عندهما عن قولة السوء أو رموزها من تأفف أو نهر أو ما شابه، فللوالدين القول الكريم. بل لا يقتصر القول على الصوت -رمزا أو تصريحا- ففي المعاملة الصامتة إحسان مطلوب يعبر عنه القرآن بأبلغ تعبير: خفض جناح الذل من الرحمة؛ والدعوة لهما بالرحمة: الرحمة التي من جنسها كانت رحمتهما وتربيتهما لي صغيرًا.

فللأبوين مقام مخصوص، لا يصح للولد أن يساويهما بغيرهما، ولذا رأينا كيف آوى يوسف إليه أبويه دون إخوته، ورفع أبويه على العرش: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ…} (يوسف: 99، 100).

ويقول تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (العنكبوت: 8). فهذه توصية إلهية بالوالدين -حتى لو أشركا- تُقابِل الأمر بالتبرؤ الإيماني منهما، وفيها مراعاة لشدة الميل الغريزي. والكلام في تأكيد القرآن على بر الوالدين مما لا يتسع له مجال، لكن الذي ينبه إليه في هذا المقام هو جماع ما انتهت إليه هذه الدراسة من أن بر الوالدين بولدهما هو من أهم أسباب بر الولد بوالديه من بعد، وأن سنن الله ماضية: من أَهمل أُهمِل، ومن زرع حصد!!

وإذا كانت الوالدة هي التي ولدت كما في قوله تعالى: {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ …} (المجادلة:2)، فهذا مقام حدود الله التي يقف عندها المسلم، وتوضع الأمور الحياتية في نصابها، فالأم –بالمعنى المطلق- هي التي وَلدتْ. لكن الأم والأب أيضا لا تكتمل صفتهما إلا بالقيام بكمال الأبوة والأمومة، وإلا شاركهما من خلفهما فيما تركا في الصفة؛ فللمربِّي حق على الولد ولو لم يكن والده، ذلك ما نفهمه من إشارة: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} (الشعراء: 18). فالتربية محل منة وخاصة إذا استمرت سنين.

والشكر على النعمة متصل وجوبه من الأبوين إلى الولد كما فعل سليمان حين نظر فيما ورثه وأعطاه الله تعالى من فضل: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} (النمل: 19). فالنعمة متصلة لابد من شكر النعمة على الوالدين لا مجرد النعمة الذاتية.. ومثله أمر الله تعالى لعيسى بشكر النعمة على الوالدة: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} (المائدة: 110).

ومن الشكر المعاونةُ للأبوين وخدمتهما أو الرعاية المتبادلة، كذا مع المعلم والكبير عامة. وفي قصة الرجل الصالح (حَمِي موسى) من العبر في ذلك ما يستحق الاعتبار، يقول تعالى على لسان بنتيه تبريرًا لموقفهما: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ *  فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إلى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ….} (القصص: 23: 27). ففيها خروج البنتين للرعي حال شيخوخة الأب وكبره، وعدم تعارض ذلك مع الحياء، وأن الناس عادة لا يراعون مثل هذه الضعيفات، وأن البنتين تميزتا باستواء العلاقة مع الوالد، فقد قصَّتا عليه ما كان من أمر موسى، ثم جاءته إحداهما عن أمر أبيها تدعوه، ثم اقترحت إحداهما على أبيها استئجار هذا الرجل ووصفته وصفة الفاحص الخبير فاستجاب الوالد، فمن أين للأنثى الصغيرة كل هذا؟

حتى لو كانت هذه الفتاة أو المرأة كبيرة السن عن أن توصف بالصبا أو الصغر، لكن أليست قد تربت على ما أهَّلها لمثل هذه النفسية القوية والعقلية الراجحة؟ إن في ذلك لذكرى للمؤمنين. ونلاحظ كذلك كيف يسعى أبو البنات لتزويجهن ويتخير لهن، وكل ذلك من باب الرعاية المتبادلة.

(ج) رفع الحرج عنهم في الحركة وتعليمهم الاستئذان:

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النور: : 58، 59).

هذا خطاب موجه للكبار المكلفين ليتوجهوا به إلى الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم؛ كي يعلموهم جملة من القيم والآداب والأحكام تبني فيهم روح الالتزام الشرعي وتتيح لهم الحركة الحرة داخل حدود الله تعالى ودون تعدٍّ عليها. فبعد عموم النهي عن دخول بيوت أجنبية قبل الاستئذان والاستئناس والسلام على أهلها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا} (النور: 27)، وهو نهي عام للكبير والصغير، يأتي أمر للصغير خاصة ومن يقوم مقامه من الطوافين الخادمين وأهل بيت الرجل، لكي يستأذن في أوقات معينة مراعاة لقيم: الستر، والتعفف، والحرمة، وراحة الآخرين ومراعاة مشاعرهم، والخصوصية، والحدود الشرعية في داخل البيت المسلم، والنظام([25]).

وفي هذا التشريع الرحمة بالأطفال الذين لم يبلغوا الحلم؛ حيث يشق عليهم الدخول في النهي العام السابق وبالتالي وجوب الاستئذان في كل الأوقات؛ فخُصُّوا بهذه الأوقات الثلاثة، ثم لا جناح عليهم بعدهن. ونلاحظ ارتباط هذه الأوقات –ليس فقط بأحوال الراحة والتخفف والتكشف- لكن أيضا بأوقات الصلوات؛ وفيه دلالة لطيفة: أن برنامج اليوم عند المسلم مرتب على أساس العبادات وخاصة الصلوات: الفريضة اليومية؛ ومن ثم تترتب الأعمال والراحات عادة عليها، وتترتب مراسم الزيارات والدخول والخروج على أساس من أوقات الصلاة. وفي ربط الأطفال بهذه الدلالة تربية لأعماقهم على ربط الحياة واليوم بالصلاة عمادا للدين والدنيا معًا.

ومن الملاحظ أن الأمر موجَّه إلى المكلفين بتكليف غير المكلفين وأمرهم بذلك توجيها وتعليما. وفيه رفق بغير المكلفين وتوصية للآباء بمراعاتهم، وتكريم لهم أن يرتب الله تعالى لهم حركتهم بما يحقق حريتهم ويربيهم على عدم التعدي على حريات الآخرين ولا على حرماتهم. ومن ثم فعلى من يقع الجُناح أو الإثم المرفوع في غير الأوقات الثلاثة المذكورة في حال المخالفة؟ هل من جناح على الطفل؟ البادي أنه نعم؛ لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ}، لكنه ليس بالذي يُكتب بالقلم بالضرورة؛ إذ القلم عنهم مرفوع ما داموا غير راشدين، ولكنه جُناح يرشَّد بالقول والتربية الرفيقة؛ إذ المقصود الطفل المميز من دون البلوغ، وبقدر ما يكون عنده من تمييز بقدر ما يستحق المزيد من المراعاة والتعليم[26].

وحين يبلغ هذا الطفل الحلم ينقل إلى معاملة الكبير في الاستئذان في عموم الأوقات. وهذا نموذج مهم جدا في مراعاة التدرج في الأحكام فيما يتعلق بغير المكلفين: تدريبا على التكليفات وتربية وتعليما، ثم تزداد معدلات الإلزام إلى أن يعاملوا مثل الكبار. وقد أُمر المكلفون بمراعاة مثل هذه الأحوال مع الأطفال، خاصة النساء، فقد أُمرن بإخفاء زينتهن عن الكافة عدا ما ذكر الله ورسوله، ومنهم الأطفال غير المميزين، يقول تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور: 31)[27].

فقد استُثني الأطفال من هذا التحريج لانتفاء الشرط ولوقوع المانع من الاطلاع على عورات النساء والوعي بها، وأيضا -وهو الأهم- لوجود الحاجة التي تنـزل أحيانا منزل الضرورة في مخالطتهن للنساء. وهذا من دلائل عظمة التشريع الإلهي الذي هو من لدن من يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، حيث يرعى الطفل وحالته وحاجته.

المثل اللقماني: النموذج التربوي في القرآن الكريم

فيما سبق عرضنا لإشارات من الدلالات الإيمانية للعلاقة بين (والد وما ولد) ولتصور الطفل في الرؤية القرآنية. وفي التربية على الإيمان وتعليمه للأبناء يتجلى المثل والنموذج اللقماني الشهير الذي يشتمل على خطاب إلهي غير مباشر للأبناء عبر لسان أبوي حكيم، ويتألف من بناء إيماني وتشريعي فيه من الدلالات ما يستحق التدبر والتفكر على مكث ومهل.

ويبدو البدء في إعداد الأب على ما يتقضيه مقام الأبوة وما يستلزمه من الحكمة وحسن الصلة بالله تعالى إيمانا وشكرًا لا جحودًا وكفرًا. كأنه لا يمنح الإيمان ويربي عليه فاقدٌ له، ولا يُحكِم السفينة ويسيطر عليها غيرُ حكيم. وتربية الآباء على الحكمة وتأهيلهم للأبوة هي من وظائف المجتمع المسلم التي ربما عرضت السيرة المحمدية -وحضور المعلم الإنسان الأعظم بين الناس- وجوها مهمة لها، لكنها باتت مفقودة اليوم وتقتضي إحياءها في وسائط عدة: مسجدية وتعليمية وتثقيفية وإعلامية، والتنبيه على التمرن عليها كما يتمرن الناس اليوم على تعلم لغات العصر المختلفة. يقول تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (لقمان:  12).

فماذا فعل لقمان بهذه الحكمة التي من يؤتاها فقد أوتي خيرا كثيرا؟ لقد توجه بها إلى ولده واعظا ومحذرا أول شيء من الشرك بالله تعالى، يقول تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} (لقمان: 13: 16).

فلقمان يعلم ولده ويعلمنا كيف نعلم أولادنا: الإيمانَ وعدم الشرك وأن يتم تبرير ذلك بما فُطر عليه الولد من كراهية الظلم ورفضه، ويعلمه الإيمان بمطلق القدرة والعلم والإحاطة لله رب العالمين، وفي ذلك يتم استعمال الوعظ الرفيق (يَا بُنَيَّ) وتوظيف المثل القريب: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ..} لغرس الإيمان في النفس الصغيرة. ونلاحظ تخلل الوعظ الأبوي بتوصية إلهية غالية ببر الوالدين والشكر لهما خاصة الأم، وأنه عند تعارض إيمان الأبناء مع رضاء الآباء يُحفظ الإيمان والإحسان معا؛ بحيث لا يكون الاتباع إلا على هدى من الله ونور، في تضافر عجيب بين العظة والوصية تمنح المقام جلالا وجمالا باهرين.

ولا تكتمل التربية على الإيمان إذا اقتصرت على الجانب المعرفي والبياني، حتى تتحقق في مقتضاها العملي المتمثل أولًا في العبادات: من الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى، وثانيا في المعاملات: من التواضع، والقصد في المشي، والغض من الصوت.. وما هو من جنس ذلك؛ ومن هنا يستطرد لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (لقمان: 17: 19).

هذه تربية على الإيمان قولا وعملا، تتم على يد أب حكيم قدوة، يحفظ وينمي، ويخوِّف ويطمئِن، ويدعو ويعلل ما يدعو إليه بتقريرات واضحة تتسق مع العقل الفطري والإيماني: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ .. مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ .. إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ .. إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ .. إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ .. إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}.

وبعد…،

إن العطاء القرآني المتجدد يؤكد أن الاجتهاد ماض والتجديد في هذه الأمة لا انقطاع فيه. لقد تبين من هذا التتبع كيف أن للطفولة مقامًا كبيرًا في كتاب الله تعالى، خصائصها مقررة وبينة، تحوطها فطرة معزّزة لعلاقاتها، وسُنن إلهية قاضية ماضية.

هذا ما تبدَّى لنا من معالم المنظومة القرآنية لعلاقات “الأبوة والبنوة” والتي تمثل الإطار الحاوي لقضية “الطفولة” تصورا ومعاملة. وقد تبين منها فعالية عالية لثلاثية “الفطري-الإيماني-التكليفي” في قراءة علاقات الطفولة بصفة خاصة، بالإضافة إلى إشارات قوية لإمكان تفعيل هذه النظرية في تناول سائر العلاقات الإنسانية بعامة: فهما وتفسيرا، وبناء وتسييرا وتغييرا.

وقد صدّق القرآن المجيد على هذه الفرضية بتأكيدات وشواهد قوية، انبنى عليها تصور عالم “الطفل” من الجذور العقدية العميقة المتعلقة بالذات الإلهية المقدسة وصفاتها الحسنى، حيث تتجلى ألوهية الرب تعالى في انتفاء الولد عنه والوالد، وتتأصل بشرية الإنسان من وقوعه في دائرة (وَالِدٍ وَمَا وَلَد)، وبالمثل معنى بشرية الرسل.

إن الغيب –بدرجاته- يتصل بعالم الطفل اتصالًا جديرًا بالانتباه له والتعامل على أساس من الإيمان به؛ فصفات الربّ تعالى فاعلة مطلقة في عالم الطفل وجديرة بمراعاة مقتضياتها في تربية الأبناء، والملائكة عن اليمين والشمائل حافظون، وكذا شياطين الجن ومردته المترصدون، بين لـمَّات الرحمة والنعمة والبركة ولـمَّات الخبث والنقمة واللعنة. وكذلك تتبدى معالم كثيرة لليوم الحق الآخر في تدبُّر أحوال الطفولة وعلاقاتها وتصور معاني الانقلاب فيها.

كما أن هذه النظرية (الفطري-الإيماني-التكليفي) تؤسس لبنيان متماسك من التشريع لعالم الطفل؛ سواء الموجَّه إلى المكلفين من الآباء وذوي القربى والولاة وكل راعٍ؛ لكي يراعوه في معاملة الأطفال والأبناء، أو التشريع الموجه للطفل نفسه يؤدبه مع والديه وفي حركته ومعاملاته النامية. لا يقتصر التكليف على (افعل ولا تفعل) حتى يمهد لها بمهاد وثير من القيم المتصلة بالفطرة وبالإيمان، والمقاصد المظللة للتشريع والتكليف، والسنن المؤسَّسة على الإيمان بالغيب وفاعليته وانتظام الخلق وحركته تأسيسا على حقيقة التوحيد. ومن هنا جاء المثل اللقماني جامعا بين نداء الإيمان، ودافع الفطرة، والاستقامة على التشريع.

والخلاصة أن البيان القرآني لقضية الطفولة وعلاقات (والد وما ولد) قد كشف عن مساحات منهجية شديدة الأهمية في التربية بل في الاجتهاد الشرعي أيضا ربما تعرضت لكثير من الإغفال؛ الأمر الذي يصب في تصديق دعوى هذه الدراسة ودعوتها إلى توسيع باب الاجتهاد في طرائق الاجتهاد نفسها؛ بغية الوقوف على معالم فقه مكمل للفقه الحالي؛ فقهٍ يسيِّر الحياة ويوجهها من منطلق قيم واضحة إلى آفاق مقاصد جلية، ولا يكتفي فقط بالحكم على الأفعال وبيان المقبول منها والمرفوض، الأمر الذي تجليه وتفصِّل فيه قراءة منهجية للسيرة النبوية المطهرة التي تمثل عماد هذا المشروع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أصل المقالة عبارة عن الفصل الأول من كتاب:

شريف عبد الرحمن (2011). نحو تأصيل لفقه الحياة: الطفولة نموذجًا/ شريف عبد الرحمن، مدحت ماهر الليثي، منال يحيى، هبة مشهور، مهجة مشهور؛ إشراف علي جمعة. القاهرة: نهضة مصر. ص ص. 15- 100.

** باحث دكتوراة في العلوم السياسية، والمدير التنفيذي لمركز الحضارة للدراسات والبحوث.

[1]– أشار ابن القيم رحمه الله إلى هذا المعنى في أفعال الله تعالى من (الإيجاد والإعداد والإمداد) في مواضع من كتبه وبالأخص كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل. ترجمة، تحقيق: صالح أحمد الشامي، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، 2001.

[2]– أخرج الترمذي والحاكم وابن خزيمة من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ انسب لنا ربك فأنزل الله قل هو الله أحد إلى آخرها وأخرج الطبراني وابن جرير مثله من حديث جابر بن عبدالله فاستدل بها على أن السورة مكية وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن اليهود جاءت إلى النبي ﷺ منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب فقالوا يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك فأنزل الله قل هو الله أحد إلى آخرها وأخرج ابن جرير عن قتادة وابن المنذر عن سعيد بن جبير مثله فاستدل بهذا على أنها مدنية ك وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال قال قتادة قالت الأحزاب انسب لنا ربك فأتاه جبريل بهذه السورة. انظر تفسير الجلالين وأسباب النزول. ومسند أحمد 5/ 133، وانظر: الترمذي: تحفة الأحوذي 9/ 299 .. متصلا ومرسلا.ً

[3]– الرواية للطبراني، راجع: تفسير ابن كثير: 8/298.

[4]– وفي هذا قال ابن كثير: (قال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال كل مولود ولدته أنثى عصى الله فيه بتسميته بما يكرهه الله أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله أو بالزنا بأمه أو بقتله أو غير ذلك من الأمور التي يعصى الله بفعله به أو فيه فقد دخل في مشاركة إبليس فيه مَن وُلِد ذلك الولد له أو منه لأن الله لم يخصص بقوله {وشاركهم في الأموال والأولاد} معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى فكل ما عصي الله فيه أو به او أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة. وهذا الذي قاله متجّه، وكل من السلف -رحمهم الله- فسر بعض المشاركة؛..).انظر ابن كثير:

[5] – (كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله «ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مسه إياه، إلا مريم وابنها» ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}، أخرجاه من حديث عبد الرزاق،…). . انظر: ابن كثير: المرجع السابق.

[6] – انظر: ابن كثير، المرجع السابق.

[7]– مثل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (البقرة: 126)، وقوله تعالى {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}، وقوله تعالى: {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 232)، {كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (البقرة: 264)، {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا} (النساء: 38).

[8] – ويسأل إبراهيم عن أبيه حتى ليروي البخاري (في كتاب أحاديث الأنبياء) أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة فيقول له أبوه: يا بني اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: أي رب ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون؟ وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: يا إبراهيم انظر ما وراءك؟ فإذا هو بذيخ متلطخ [ذكر ضبع، إشارة إلى أبيه] فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار. انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري / كِتَاب تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ: باب (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ).

[9]– أخرجه أحمد وابن حبان وأبو داوود والحاكم، انظر تفسير ابن كثير: 2/12.

[10] – كما في قوله تعالى: {قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} (يوسف: 97).

[11]روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله ﷺ: لا يغني حذر من قدر. والدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة. وفيه أيضًا من حديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء. وفيه أيضًا من حديث ثوبان عن النبي ﷺ: لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. راجع الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، بتحقيق الأستاذ بشير محمد عيون، دار البيان بدمشق، الطبعة الثالثة عام 1422.

[12] – راجع تفاسير: الطبري والقرطبي وابن كثير والرازي لهذه الآية: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30).

[13] – انظر تفسير أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تفسير الطبري: جامع البيان،  3/ 75.

[14] – راجع تفسير الرازي.

[15] – راجع تفسير: ابن كثير1/271.

[16] – ونخص هنا تفسيره بالحَبَل والوَلَد. راجع تفسير ابن كثير.

[17] – وعنه يرويه البخاري في كتاب مناقب قريش: راجع: ابن كثير3/214-215.

[18] – فكما سبقت الإشارة: المال والبنون بينهما علاقة جدلية: يجتمعان نعمة (إمدادا وزينة و..)، أو يجتمعان فتنة وابتلاء، أو يأتي الولد بلا مال، أو العكس. وفي الحالة الثالثة قد يكون فقد المال أي الفقر حالًا أو متوقعا، وربط ذلك بالولد على سبيل السبب هو من العماية البالغة؛ ومن هنا يأتي النهي عن قتل الأولاد لأي علة مدعاة خاصة تلك المتصلة بالفقر حالا (كما في الأنعام) أو مآلا (كما في الإسراء)، فللآباء رزق، وللأبناء رزق، والله تعالى هو الكفيل بهذا الأمر. بل يأتي الأمر بالسي لهمحى يقول النبي (ﷺ): كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول.

[19] – أخرج الحاكم وغيره أنه ﷺ قال:”تناكحوا، تناسلوا تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة” وعند أحمد من رواية أنس رضي الله عنه “تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة”.

[20] – ويشار في ذلك إلى ما تؤكده المشاهدات الحياتية والنظريات التجريبية من أن الأم التي ترضع كارهة أو قسرا يؤثر ذلك سلبا على الرضيع.

[21] – انظر تفسير الطبري، مرجع سابق، 2/ 499.

[22] – وقد تكلموا –الجمهور والأربعة وأصحابهم- في النسخ وعدمه واختلفوا، وروايات النسخ عن ابن عباس ليست بقوة روايات الإحكام، وإلا لتم نسخ “القول المعروف”، وكذلك المعاني العظيمة البارزة. انظر: تفسير ابن كثير لهذه الآيات من النساء.

[23] -انظر: تفسير ابن كثير، المرجع السابق، 2/134-135.

[24] -انظر: تفسير الطبري: مرجع سابق، 2/369-375.

[25] – يقول ابن كثير: (هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أحوال (الأول) من قبل صلاة الغداة، لأن الناس إذ ذاك يكونون نيامًا في فرشهم {وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة} اي في وقت القيلولة، لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله {ومن بعد صلاة العشاء} لأنه وقت النوم، فيؤمر الخدم والأطفال أن لا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال ….

ولما كانت هذه الآية محكمة ولم تنسخ بشيء وكان عمل الناس بها قليلًا جدًا، أنكر عبد الله بن عباس ذلك على الناس. كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} إلى آخر الآية، والآية التي في سورة النساء {وإذا حضر القسمة أولو القربى} الآية، والآية في الحجرات {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. …)، تفسير ابن كثير، المرجع السابق.

[26] – ولهذا قال {ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن} أي إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال، فلا جناح عليكم في تمكينكم من ذلك إياهم ولا عليهم إن رأوا شيئًا في غير تلك الأحوال. لأنه قد أذن لهم في الهجوم، ولأنهم طوافون عليكم أي في الخدمة وغير ذلك. ويغتفر في الطوافين ما لا يغتفر في غيرهم،..)، تفسير ابن كثير، المرجع السابق.

[27] – يقول ابن كثير: (وقوله تعالى: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك: فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقًا، أو قريبًا منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال «إياكم والدخول على النساء» قيل: يا رسول الله، أفرأيت الحمو ؟ قال «الحمو الموت».