البعد الاجتماعي للنقود

البعد الاجتماعي للنقود*

في عام 1994 صدر باللغة الإنجليزية كتاب لعالمة الاقتصاد فيفيان زليزير Vivian Zelizer بعنوان The Social Meaning of Money “البعد الاجتماعي للنقود”، وقد ساهم هذا الكتاب في تجديد مجال الاقتصاد الاجتماعي، وفتح آفاق جديدة للباحثين تتقاطع فيها المجالات المعرفية المختلفة: التاريخ وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد والأنثروبولوجيا، وقد ألهم الكتاب جيل جديد من الباحثين الذين أعادوا النظر في الحدود الفاصلة بين المجالات المعرفية المختلفة، فقاموا بإدخال موضوعات في المجال الاقتصادي المنضبط كانت لا تعتبر حتى ألآن جزءً منه.

تم ترجمة كتاب Vivian Zelizer إلى اللغة الفرنسية في عام 2005. وقد عقدت أخيرًا في فرنسا ندوة تحت عنوان “قضية القيمة في الحياة الاقتصادية” جمعت مجموعة من الباحثين المنتمين إلى مجالات معرفية مختلفة، والعاملين على تحليل القواعد الاجتماعية والقيمية للظواهر الاقتصادية.

أثبتت دراسات عديدة من بينها دراسة فيفيانا زيليزر Viviana Zelizer، وجود اتجاه اقتصادي مقاوم لاتساع دائرة السوق على حساب القيم، وهو أمر لم يكن واردا من قبل في علم الاقتصاد.

العمل الذي قامت به فيفيانا زيليزر حول الدلالة الاجتماعية للمال أنهت على فكرة ظلت لوقت طويل من المسلمات عند عدد كبير من الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية والاقتصادية، ألا وهي أن قدرة المال ستصبح بلا حدود في اتجاه تحويل العلاقات الاجتماعية إلى مصالح وحسابات. ولكن بالنسبة لزليزر، هذه النظرية خاطئة، فهي تتجاهل قدرة العلاقات الاجتماعية على المقاومة وعلى تحجيم تيارالتحول إلى المادية، واستتبع ذلك تحليلًا آخر، يضع تصورا لهياكل اجتماعية وثقافية متفاعلة وخلاقة، قادرة على الحفاظ على هويتها والتصدي لتغول المنطق المادي النقدي.

فقد جاءت النظرية الحدية في الاقتصاد لتؤكد على أن كل شئ نافع يحمل بالضرورة قيمة اقتصادية.

فعلى سبيل المثال يناقش كينيث آرو Kenneth Arow  في مقال له صادر بتاريخ 1972، كتابا لريتشارد تيتموس Richard Titmuss، كرسه عن الدم الآدمي باعتباره سلعة اقتصادية، فيقرر كينيث بدون أي تردد أو وازع من ضمير، أن الدم يدخل في نطاق السلع.

فبالنسبة لمفكري النظرية الحدية فإن مبدأ المنفعة الشخصية يفسح المجال أمام  تقييم اقتصادي مادي لا يخضع لأي اعتبارات أخلاقية. هذه المواجهة بين القيم والاقتصاد ظهرت جليا فيما كتبه ليون وارلاس Léon Warlas:

“أعتبر أن الأشياء مفيدة إذا لبت احتياج ما وأشبعته، … ليس هناك  اعتبارات أخلاقية لهذا الاحتياج. ففي حالة بحث الطبيب عن مادة ما لعلاج مريض، أو بحث قاتل عن نفس المادة ليسمم عائلته، فهذا لا يعنينا في شيء، رغم كونها مسألة غاية في الأهمية من وجهات نظر أخرى. فالمادة ذات فائدة في الحالتين، وقد تكون فائدتها أهم في الحالة الثانية عن الأولى.”

إذن فموضوع الاقتصاد يدور حول مفهوم المنفعة بعيدًا عن أي حكم قيمي. وهنا يأتي التحليل الاجتماعي الذي تقدمه فيفيانا زيليزر، ليؤكد على أن البعد الأخلاقي موجود بالفعل، وهو ما يحول دون اتساع دائرة السوق، التي تواجه بالفعل مقاومة اجتماعية بأشكال متنوعة. وإذا كان الاقتصاديون لا يهتمون بذلك الأمر، فهذا يرجع لاقتصار نموذجهم على مجال التبادلات التجارية. وبالتالي لا يكون هناك مكان للقيم الأخلاقية حيث تسود القيمة الاقتصادية المادية.

ويؤيد هذا الرأي أيضا ماكتبه مايكل ساندل Michael Sandel في كتابه “ما لا يمكن شراؤه بالمال”. وموضوعه الأساسي أن المنطق التجاري يواجه اعتراضين جوهريين: اعتراض يخص العدالة، وآخر يخص الفساد: “هذان النوعان من الحجج يخيمان على كل المناقشات الخاصة بما يمكن أن يشتري بالمال وما لا يمكن شراؤه.

ويضيف ساندل، أن المسائل المتعلقة بالأخلاق والآداب تقع في القلب من هذه الاعتراضات، فيقول في مجتمع (تراعى فيه العدالة تماما) سوف تظل هناك أشياء لايمكن شراؤها بالمال، لأن الأسواق ليست مجرد مجموعة آليات بسيطة، بل إنها تمرر بعض القيم، وهي قيم السوق التي تطغى أحيانا على المعايير غير التجارية التي ينبغي الحفاظ عليها.” (ص.184)

بالتالي لا يمكن التقليل من أثر صراع القيم في المجال الاقتصادي، وهو ما يجعل نظرية القيمة الحدية محل دراسة من جديد، ذلك أننا نلاحظ أن مفهوم المنفعة يتجاوز مساحة مفهوم القيمة الاقتصادية، فلا يستلزم وجود المنفعة وجود سلعة ما.

ولشرح ذلك يمكننا طرح مثال الأعضاء البشرية التي توهب من الأصدقاء أو الأقارب، أو الخدمات التي يقدمونها دون مقابل، بل حتى عطاء الطبيعة لنا، كل ذلك يحمل لنا منفعة، ولكنه ليس سلعة، ولا يحمل قيمة اقتصادية. ويجب الاعتراف بأن مفهوم المنفعة عند الاقتصاديين يفتقر إلى كثير من الأبعاد الواقعية، ولا يصلح أن يكون نقطة الانطلاق لتحليل اقتصادي، ولا أن يكون جوهر التبادل التجاري. ولنأخذ مثال طالما تم دراسته وهو الأرض؛ ففائدتها لا جدال عليها منذ أقدم العصور، وليس ضروريا أن تتعلق بقيمة اقتصادية. ولكي تصبح الأرض ذات قيمة اقتصادية وتدخل في دائرة البيع والشراء استلزم ذلك تحولات اجتماعية جذرية وواسعة، وهي تحطيم علاقات مجتمعية كانت تنظم استغلالها، وذلك من أجل إنشاء الملكية الخاصة.

ولا يمكن لوجهة نظر الفائدة الحدية أن تتفهم هذه الحقيقة التاريخية، لانها تهتم فقط باندراج الأرض ضمن السلع التي تقابل بالمال. ومن المناسب طرح مشكلة التسويق التجاري؛ فالموقف الذي تغير بالنسبة للأرض يتكرر اليوم بالنسبة للملكيات الطبيعية، والملكية الفكرية. والمقصود هي التحولات التي تُدخل هذه الملكيات في دائرة البضائع التي تقدر بالمال. فالمال يجعل المادة خاضعة لهيمنة النقد: وهو بمثابة التنازل عن أي تفضيل لشخص المشتري لصالح قدرة المال غير المحدودة . وهكذا يسود النقد، ولا يقتصر على دوره الوظيفي، أو تحديد قيمة السلعة، ولكنه يتحول إلى أن تكون الرغبة في المال هي المحرك الأساسي وراء الصفقات التجارية، وهو ما نرفضه.

وفي الختام يجب التأكيد على أن المفهوم البديل للمنفعة سيؤدي بالضرورة إلى تراجع لهيمنة المال في الاقتصاد.

ترجمة

أميرة مختار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشرت هذه الدراسة على موقع La Vie des idèes بتاريخ 19 يناير 2016 تحت عنوان المال والقيمة l’ argeat et la valèur.

وقامت الأستاذة أميرة مختار بترجمة هذه الدراسة بتصرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.