أخبار عاجلة

الطفولة في السيرة النبوية

الطفولة في السيرة النبوية*

د. شريف عبد الرحمن**

مقدمة:

جرت العادة أن ترد الإشارة إلى موضوع الأطفال في كتب الفقه الإسلامي في سياق الاستثناء على الأصل العام:(الحكم)؛ وهو خطاب الشرع إلى المكلفين، فمن شروط التكليف العقل والبلوغ، وهذا ما لا ينطبق على هؤلاء. مما حجب عين الاهتمام بدرجة كبيرة عن هذه الشريحة الهامة من شرائح المجتمع المسلم.

ورغم هذا، فإن سيرة النبي ﷺ تحفل بالعديد من المواقف التي يتجلى فيها الاعتناء بهذه الفئة، وبدورها المستقبلي، وتبرز من خلالها ملامح التربية السليمة والتنشئة النموذجية، والتي تركز على بناء شخصية الطفل وإعدادها لتحمل أعباء الدعوة والقيام بأحمال الديانة، وذلك في ثنايا مواقف وتفاصيل قد لا تندرج في كتب الحديث أو الفقه تحت باب “تربية الأبناء”، ولكنها متى عولجت من منظور اجتماعي شامل أمكن الوقوف على ما تشتمل عليه من دروس تربوية هامة.

وتتطلب هذه المعالجة قراءة السيرة وفق منهج كلىٍّ؛ يقوم على تسليط الضوء على ما تتضمنه من تفاصيل حياتية ومواقف اجتماعية موحية، قد لا تنضوى بالضرورة على إشارات قضائية أو مشاهد حكمية، ولكنها رغم ذلك تعرض لمضامين تربوية وسلوكية هامة، باتت الحاجة تستدعيها، في وقت يتكاثف فيه البحث عن أسس تشيّد عليها المنظومة المجتمعية المعاصرة على نحو أعمق اتصالًا بالجذور التي تمثلها الخبرة الإسلامية في مرحلتها الذهبية.

وليس التوقف عند الجوانب الحياتية في سيرة النبي ﷺ من قبيل الانحياز للمواقف أو الأحوال على حساب “الأحكام” و”الأقضية”؛ لأن هذه الجوانب التي يتم إعادة التأكيد عليها هي أجزاء لا تتجزأ من الآثار الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول. ولذا يمكن اعتبار هذا النوع من البحث في السيرة النبوية بمثابة تنويع على نمط القراءة السائدة لها، فهو نظر في النص الحياتي الذي تمثله سيرة النبي الكريم بغرض استكشاف بعض من خصائصها، واجتناء بعض من ثمارها، وذلك من خلال متابعة آثار النبي ﷺ في تفاعله مع واقع شهد تنزل الوحي وعاصر امتشاج حال الأرض بخبر السماء، ولذا جاء فريدًا في سماته، غنيًا في تفاصيله، مركبًا في دروسه.

ومن ناحية أخرى، يبدو أن المقاربات الفقهية للسيرة قد وصلت لمرحلة من التشبع واكتمال الصورة، وبقي أن يتم التعامل مع ما أنتجته في كلياته لاستكشاف التفاصيل الحياتية للسيرة النبوية، وكذا لاستلهام الطريقة التي تفاعلت بها هذه التفاصيل لكي تنتج الطابع المميز للحقبة النبوية التي يتزاوج فيها فقه الأحكام وفقه الحياة، مع تطبيق ذلك على موضوع الأطفال والطفولة في السيرة النبوية. لذا سوف نهتم بالإشارة إلى انعكاسات الرؤية القرآنية بطابعها المطلق (كما عرضنا لها في الفصل السابق) على السيرة النبوية؛ في محاولة لتوضيح كيف طبق ﷺ النص المطلق على الواقع النسبي المعيش.

حول منهج التعامل مع الأحاديث النبوية:

إن مراجعة سريعة للمادة المتوافرة حول الطفولة والأطفال في السيرة النبوية تظهر تنوعًا في الأوصاف المستخدمة للإشارة إلى كل من هم دون البلوغ. ومن هذه الأوصاف على سبيل المثال لا الحصر: (طفل، صبي، غلام، فتى، ولد، بنت، جارية، إلخ..) مما يظهر تنوعًا لغويًا ثريًا يراعي ما لكل مرحلة من خصائص وسمات. ولكن نظرًا لصعوبة استخلاص تحديدات دقيقة[1] يمكن على أساسها رسم حدود بين هذه الصفات، فإنه سوف يتم الاقتصار على وصف “طفل” للإشارة إلى كل من هم دون البلوغ[2].

أما عن منهج التعامل مع الأحاديث النبوية فقد تمثل في ترتيبها في سياقات زمنية، واستخراج الدلالات التي تنطق بها على نحو مباشر أو ضمني، مع جمع هذه الدلالات إلى بعضها البعض لرسم صورة حية للبرنامج التربوي الذي اختطه شخص النبي ﷺ من خلال مفردات هذه الدلالات.

وبناء عليه يتدرج عرض المادة التربوية النبوية حول الأطفال والطفولة مع تدرج المراحل العمرية التي يترقى في إطارها الطفل نحو الشبيبة والرجولة؛ مما قبل الولادة إلى الولادة إلى الرضاعة إلى مرحلة ما قبل التمييز ثم مرحلة التمييز، مع إشارة سريعة لمرحلتي البلوغ وأول الشباب. وفى داخل كل مرحلة يتم ترتيب الأحاديث وفقًا لتدرج أولويات التربية، ففي مرحلة ما بعد الولادة -على سبيل المثال- تقدم النفقة على الملاعبة؛ لأن احتياج الطفل إلى النفقة منذ لحظة ولادته آكد من احتياجه للملاعبة؛ لأن في النفقة حفظًا مباشرًا لحياة الطفل، ثم تأتى الملاعبة مع ما فيها أيضًا من حفظ للسلامة النفسية للطفل وخصوصًا في مراحله التكوينية المبكرة.

وفى سياق هذا التصور المتدرج، لوحظ غلبة قيم معينة على كل مرحلة من المراحل التي يترقى في إطارها الطفل المسلم؛ فتغلب على مرحلة ما قبل التمييز قيم الحنان والرحمة مصحوبة بالزجر الهين، أما في إطار مرحلة التمييز، فيزداد ولوج الطفل عالم المكلفين، وتتميز هذه المرحلة بغلبة قيم المشاركة والمعايشة والتربية بالاصطحاب والتدريب على أفعال التكليف.

كما يسلط هذا العرض الضوء على خصائص التفاعل الاجتماعي الذي يمثل الأطفال طرفًا فيه، فيبين طبيعة تصور دور الطفل وقدره في المجتمع المسلم، ويبين الكيفية التي تعامل من خلالها مجتمع المكلفين مع هذه الشريحة من شرائح المجتمع.

كما التزمت الدراسة بتوظيف اقتراب كلي ينظر إلى الأطفال على أنهم جزء من المجتمع، ولكنه جزء يحوي كلًا في داخله. فالطفل ما هو إلا تصغير لصورة مجتمع كامل؛ إذ يمكن أن نرى في الطفل صورة مصغرة لقيم وسلوكيات المجتمع الذي نشأ في إطاره، ومن خلال هذه الصورة يمكن أن نتوقع هذا المجتمع في مستقبله من حيث القدرات والإمكانات.

وبطبيعة الحال، كان ثمة عسر يواجه العمل في بعض الأحيان متمثلا ً في صعوبة تصنيف عدد من الأحاديث التي لا يتضح من سياقها الإطار الزمني الذي يمكن أن تصنف في إطاره. وهنا كان يتم الاستعانة بأسلوب التغليب؛ أي إدراج الحديث في المرحلة التي يغلب الظن أنه ينتمي إليها.

أما عن أسلوب عرض الأحاديث الشريفة في هذه الدراسة فقد أخذ قالبًا واحدًا؛ وهو تصدير كل مرحلة بأحاديث الصحيحين متبوعة بأحاديث بقية كتب الحديث، ثم استعراض الدلالات التي انطوت عليها الأحاديث مجتمعة. ويأتي هذا الالتزام بأحاديث الصحيحين في تحديد المحاور الأساسية للعملية التربوية، اعترافًا بخطورة هذه العملية وتأثيرها البالغ على حياة المجتمع المسلم بشكل عام.

وقد مُيِّز قول النبي ﷺ، عما حكاه الصحابة عن فعله ﷺ بوضع خطين تحت قول النبي ﷺ ووضع خط واحد تحت رواية الصحابي، أما قول الصحابي نفسه فقد ميز بوضع نقاط تحته.

هذا وقد صُدِّرت الدراسة بحديث يلتقط مشهدًا للنبي وهو في مرحلة الطفولة يصوره ﷺ وهو يلعب مع الغلمان. وهذا الحديث رغم أنه يعكس دلالة عابرة في حياة النبي ﷺ -إلى درجة أنه لا يصنف في أى من كتب الحديث وفقًا لهذه الدلالة- وهي أنه قد مارس اللعب مثل جميع الأطفال، إلا أن هذا الحديث يضع حجر الأساس لنظرية كاملة في الإعداد والتربية، فضلًا عن أنه يبين أن بناء الأفراد والأمم إنما يبدأ من هذه المرحلة المبكرة: مرحلة الطفولة؛ الأمر الذي يعطى لهذه الدراسة مسوغها ويلقي الضوء على جزء من أهميتها.

النبي ﷺ طفلًا ونظرية الإعداد:

عن أنس بن مالك (رضي الله عنه)، أن رسول الله أتاه جبريلﷺوهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة. فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعني: ظئره – فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.

ينقل إلينا المشهد الذي يعرضه الصحابي الكريم أنس بن مالك حال النبي ﷺ وهو يجتاز مرحلة طفولته، فهو ﷺ -طفلًا- يلعب كما الغلمان ويلعب مع الغلمان. وهذا المشهد الحياتي المعتاد إنما يكتسب دلالته من كونه منسوبًا إلى النبي المعصوم من قبل بعثته ومن بعد، فهو النبي الذي صُنع على عين الله تعالى منذ اللحظة الأولى لمجيئه إلى هذا العالم، بل قبل أن يأتيه بجسده الشريف، عندما كان نطفة تنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، هذا النبي شاءت عناية الله ألا يحرم مما يمارسه الأطفال من لهو بريء، وأن يجتاز -على عين الله- المراحل العمرية المبكرة على نحو ما يجتازها أقرانه، فيعيشها طفلًا، يفرح بما يفرح به الأطفال، ويمارس ما جبلوا على ممارسته.

فلا ريب أن مرحلة الطفولة هي استهلالة مؤسسة ومشكّلة لما بعدها، فهي ليست بالفترة الهامشية أو العارضة في حياة الإنسان بقدر ما هي جسر يؤدي إلى دروب الرجولة السليمة بكافة تفاصيلها ومساراتها وأعبائها، وليس أدل على أهمية هذه المرحلة من أنه فيها كانت بداية تواصل وحي السماء بآخر أنبياء الأرض. ففيها بدأ الإعداد، ومنها تحددت الوجهة والمقصد. وهذا أصل عام في حق الطفولة من حيث هي مرحلة تكوين وتأسيس، كما نلحظه في حق سائر أنبياء الله فضلًا عن رسولنا الكريم. فالحاصل أن إعداد الله لأنبيائه بدأ من مرحلة طفولتهم، نجد شاهدًا لذلك من كتاب الله في حال أنبياء الله إبراهيم وموسى وعيسى ويحيى ويوسف صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. واعتبار صفة الطفولة بحق أنبياء الله (صلوات الله عليهم) وبحق النبي ﷺ هو مما يضفى على دراسة هذه المرحلة أهمية أصيلة، ويبرر تركيز الضوء على هذه الشريحة المعتبرة من شرائح المجتمع، وهذه المرحلة الهامة من مراحل النمو الإنساني.

لا يقدح في ذلك المعنى العام كون الإعداد الذي تعرض له النبي في غمار هذه المرحلة إعدادًا خاصًا ومتجاوزًا لتفاصيل الإعداد الذي يمكن أن يسري في حق البشر العاديين، (استخراج حظ الشيطان من قلبه ﷺ)، فالأصل أن يؤهَّل الطفل بالعُدة التي تمكنه من تجاوز عقبات الحياة المستقبلية -المادية والمعنوية. والإعداد الذي تلقاه النبي طفلًا، متى جرد من صفته الخارقة -والتى تتفق وخصوصية النبي- أصبح مما يمكن القياس عليه، وذلك بأن يحصّن الطفل منذ صغره ضد كل ما من شأنه أن ينبت في قلبه غرسًا شيطانيًا، وأن يهيأ نفسيًا وقلبيًا بحيث يصير تربة صالحة لتلقى أوامر الله سبحانه ونواهيه.

ما قبل الحمل بالطفل

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ بِهِ النبي ﷺ قَالَ «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِىَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ».

وعن أبى ذر عن النبي ﷺ أنه قال…. وفي بضع أحدكم صدقة... قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»[3].

تبدأ العناية بالطفل وفق التصور الإسلامي من مرحلة مبكرة وذلك من خلال تخير الزوجة الصالحة والزوج الصالح، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: “تخيروا لنطفكم، فانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم”[4]، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول ﷺ قال: “من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني[5]. وعن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله ﷺ: “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد. قالوا: يا رسول الله! وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات”[6] .

كما تتبلور هذه العناية من خلال التوصية بأداء أفعال معينة ذات تعلق بالمولود نفسه كالتسمية والاستعاذة فيما قبل الجماع، الذي هو مظنة حدوث الولد، وذلك حرصًا على تحصيل البركة بالتسمية، وتحقيق الوقاية من كيد الشيطان بالاستعاذة؛ لحماية وحفظ الولد منذ اللحظة الأولى لتكونه المادي المتجسد.

ويظهر الطفل في الحديث الأول على أنه رزق إلهي، فهو قادم من عالم الغيب، لا يأتي إلا بقضاء الله، ولا يزال الغيب يكتنفه بين مظان السوء والضرر (من جانب الشيطان) وبين موئل العوذ والهداية (جناب الله تعالى). ويتضمن الحديث تحفيزًا سلوكيًا على الدعاء، بما يستدعي قيم التوكل والتفويض، فالفعل الإنساني هنا يقوم مقام الشرط الضروري: (من قال….لم يضره)، ولكنه فعل ليس بكاف في ذاته، نظرًا لكونه من باب الطلب الذي يمثله الدعاء، فهو طلب لتدخل الغيب في توجيه الواقع وجهة جلب النفع وتجنب الضرر. ونلحظ هنا تداخل الدافع الفطري مع كل من الوازع الايماني الغيبي والأمر التشريعي على غرار ما ورد في النظرية القرآنية من ضبط الايمان والتشريع للفطرة والسمو بها وتهذيبها.

ويمثل هذا التوجيه النبوي تعبيرًا نموذجيًّا عن رؤية الإسلام للإنسان، طفلًا كان أو بالغًا، ومكانه ودوره في هذا الكون. ففي مثل هذا الموضع الذي اختزلته الحضارة الحديثة إلى مجرد “فعل شهوة” ليس من ورائه غرض سوى الاستمتاع الجسدي، يعلمنا النبي أن نبدأ بذكر الله، وأن نستحضر نية طلب الولد، وأن نتلمس له النجاة من كيد الشيطان. وبهذا يتحول الفعل الجسدي المادي إلى فعل تعبُّدي، يدمج ما بين عمل الجوارح وغائية العقيدة، ويحقق معنى الاستخلاف، ويربط بين عالمي الغيب والشهادة، ويستبطن الدور الذي جاء الإنسان إلى هذا العالم لتحقيقه.

وفى الحديث الثاني الذي رواه أبو ذر t يبين النبي ﷺ أن البُضع الحلال صدقة متقبلة؛ لأنه وضْع لبذرة الخلق في موضعها الذي أحلَّه الله. ولما كان المولود هو ثمرة هذا البُضع الحلال فإنه يكون قد جاء إلى الدنيا على إثر عبادة مأجورة، لا مجرد عملية التقاء جنسي تحركها الشهوة. ولذا وصف النبي ﷺ في موضع آخر[7] الجماع الحلال بأنه “من أماثل الأعمال”: (إن من أماثل أعمالكم إتيان الحلال)، فهو ليس بالفعل الذي يُستحى منه، وليس بنقيصة في حق الجنس الإنساني المكرم، وإنما هو -حال صونه بالقيم الربانية- يعد مظهرًا من مظاهر الكمال الإنساني.

وفى هذا ما يدفع باتجاه العمل على تغيير النظرة -التي صار لها الغلبة- إلى الجماع “الحلال”، والتي تدرجه تحت بند الأعمال الحيوانية -ربما بفعل الطريقة التي صدرته إلينا بها الحضارة الغربية المعاصرة، وغفلت عن أنه من هذا المدخل يلج الإنسان المكرم إلى هذا العالم. ومن خلال هذا الفعل تبث روح الله إلى جسد أرضي فتكسبه حرمة وشأوًا، طالما ظل الأمر كله مظللًا بشريعة الله، مصانًا بحدود الله، ملتزمًا بأوامر الله.

وفى سياق التنويه بأهمية هذه الضوابط وبركة الالتزام بها روى أن أبا الأسود الدؤلي قال لبنيه: أحسنت إليكم كبارًا وصغارًا وقبل أن تكونوا.

قالوا: أحسنت إلينا كبارًا وصغارًا، فكيف أحسنت إلينا قبل أن نكون؟

قال: لم أضعكم موضعًا تستحيون منه.

وفى هذا الحديث أيضًا بيان لمعاني البركة المرتبطة بتزاوج عالمي الغيب والشهادة. فالنية الصالحة التي تصل الإنسان المسلم بعالم الغيب، وتشدّه إلى التصور الإيماني كفيلة بصيانته وحفظه من الوقوع في براثن المادية المعاصرة، التي تكفر بالغيب، وتكفر بالآخرة، وتكفر بالإنسان نفسه؛ ولا تؤمن إلا باللذة والمنفعة والجسد؛ إذ هي لا ترى في الإنسان سوى جسد متحرك يسعى، كسائر الكائنات الأدنى، لإشباع رغباته، ويعمل بفعل طاقة كامنة، تفنى فيموت ويختفي صاحبها. أما المسلم فيظل -حتى وهو يأتي شهوته- موصولًا بالحقيقة التي منها خُلق وإليها يرجع. ولا ينخلع بفعل لذة الجسد عن الإيمان بعالم الروح، ولا تصرفه متعة اللحظة عن التطلع إلى عالم الخلود. إن هذا التزاوج بين عالمي الغيب والشهادة .. وهذا الاستحضار للغيب ومعاني البركة إنما هو تطبيق للنهج القرآني الذي عرضناه في المبحث السابق عند الحديث عن لمات الملائكة ولمات الشياطين، والذي يفعِّل مساحة الغيب في حياة المسلم ويضبطها دون تهويل أو تجاهل، كما يفعّل الدعاء ويوظّفه باعتباره من السنن الإلهية التي تحيط بالطفل؛ كما رأينا في دعاء إبراهيم لذريته، ودعاء زكريا، ودعاء أم مريم: {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (آل عمران 36).

أثناء مرحلة الحمل

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى في امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ اقْتَتَلَتَا، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَأَصَابَ بَطْنَهَا وهي حَامِلٌ، فَقَتَلَتْ وَلَدَهَا الذي في بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إلى النبي ﷺ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ مَا في بَطْنِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ[8]،.

ضمن الإسلام حفظ النفس الإنسانية، واحتاط لها منذ مرحلة جدّ مبكرة، وغلظ عقوبة من يتعرض لها أو من يمتهنها. وجعل حولها سياجًا منيعًا لا يخترقه إلا مفرّط، وعدّ حفظها من أول مقاصده. فإذا ما تكوّن الجنين نطفة في رحم أمه فإن الإسلام قد أثبت له وجودًا وحقوقًا واجبة في النفقة والميراث والدّية. قال تعالى: {…وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ…} (الطلاق6). كما حفظ الشرع للطفل وهو في بطن أمه حقه إن كان من أصحاب الإرث. فإذا مات رجل وترك زوجته حُبلى فإن الميراث لا يوزَّع حتى يتبين ما تضع، فإن الولد الذي في بطنها يرث ويورث إذا استهل صارخًا. ففي الحديث الذي رواه أبو داود أن رسول الله ﷺ قال: “إذا استهل المولود ورِّث”. وفى حديث أبى هريرة ما يدل فوق ذلك على أن للجنين دية إذا ما قتل وهو في بطن أمه ولم يلج إلى عالم الناس بعد.

وكما أثبت الشرع حقوقًا للطفل فإنه قد منع من التعرض له بأي أذى، كتنفيذ حدٍّ مهلك على والدته، لقول رسول الله ﷺ للغامدية التي زنت وجاءت تطلب من رسول الله إقامة الحد عليها: “اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه”، وفى رواية أخرى أنه قال: “لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه”[9]. كما رخص الشرع الحكيم الفطر في رمضان للأم إذا خافت على نفسها أو ولدها أثناء مرحلة الحمل، فعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: “إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم”[10].

ونظرية الحقوق في الإسلام لها أبعاد كثيرة بحاجة إلى تحرير لكي تعكس الشكل المتضام والمتكامل للمجتمع المسلم، فهي بالأحرى نظرية للحقوق المتبادلة؛ للجنين حق وهو في بطن أمه، وللوالدين حق على ولدهما، كما للولد حق على والديه، ولكلاهم حق على مجتمعهم، وللمجتمع المسلم حق على الجميع.

وفى سنن الدارقطني من حديث سلمان الفارسي أنه أوصى أبا الدرداء بقوله: “إن لجسدك عليك حقا ولربك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ……أعط كل ذي حق حقه”، فلما أخبر أبو الدرداء النبيَّ ﷺ بما جرى بينه وبين سلمان، صدّق ﷺ قول سلمان، وأقره على ما أوصاه به أخوه.

وفى هذا السياق تبدو ثمة خطورة في الحديث عن “حقوق الطفل” من منطلق تجزيئي ينظر إلى الأطفال باعتبارهم شريحة مستقلة عن نسيج المجتمع الأوسع الذي يعيشون فيه وينخرطون في تفاعلاته، وذلك جريًا على الدرب الذي اختطه النسق الغربي حول الحقوق والواجبات، والذي يرى أن أصل الحقوق ومصدرها هو “التعاقد الاجتماعي” الذي وقفت فيه شرائح المجتمع موقف المتخاصمين والمتنازعين قبل أن يحصل كل طرف على حقوقه بإزاء الآخرين. ففي ذلك تفتيت للكلّ الاجتماعي، وفصل للطفل وللفرد عمومًا عن الوسط الطبيعي الذي ينتظر منه أن يترعرع ويتفاعل من خلاله.

وفى هذا الصدد نقرأ في ديباجة اتفاقية الأمم المتحدة حول حقوق الطفل “أنه ينبغي إعداد الطفل إعدادًا كاملًا ليحيا حياة فردية في المجتمع”. وهذا ليس حال المجتمع المسلم الذي هو كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ولا تُعلى فيه قيم الفردية على ما سواها، ولا يصلح له أن تنفرد فيه كل طائفة بحقوق وواجبات تجاه بقية الطوائف وفق تصور انعزالي تجزيئي تخاصمي. بهذا المعنى فإن يافطات من قبيل “حقوق المرأة” و”حقوق الطفل” و”حقوق النوع الاجتماعي” هي مما يصعب ترويجه في إطار التصور الإسلامي عن المجتمع المسلم المتكامل والذي لا يقيم فصلًا بين شرائحه وأعراقه وألوانه وطوائفه، ولا يتصور الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان على الطريقة “الهوبزية”، ولا ينظر إلى الآخرين بوصفهم الجحيم على الطريقة “السارترية”.

وتبقى الإشارة إلى أن الهدي النبوي رسم صورة المجتمع المسلم على أنه جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وأنه مجتمع متكافئ الدماء والأعراض والحرمات، وأنه مجتمع الأرحام الموصولة، والوالدية المبرورة، وأنه مجتمع صلاح ذات البين، وأنه مجتمع فيه كل المسلم على المسلم حرام، وفيه يسلم كل امرئ من ألسنة الآخرين ومن أيديهم، ويصان فيه وقار الكبير، ويرحم فيه ضعف الصغير. إن مجتمعًا بهذه الصفات لا تحتاج فيه كل طائفة أو جماعة أن تبادر برفع لواء الحقوق الأنوية المهضومة أو المساواة الغائبة، إلا إذا كان ذلك على سبيل التحريض أو التحريك العمدي لكوامن مغرضة.

الولادة على الفطرة ومسئولية الوالدين في الحفاظ عليها

عن أبى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النبي ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – (فِطْرَةَ اللَّهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الآيَةَ.

بين النبي ﷺ في هذا الحديث حقيقة استواء الخلق التي أنعم الله بها على بنى آدم كافة، كما بين أن الفطرة هي الأصل الذي يشترك فيه الأحياء كلهم لحظة القدوم إلى هذه الحياة الدنيا، وعلى أن هذا الأصل الفطري قد يطاله التشويه، بفعل الكسب الإنساني، بما ينحرف به عن مجراه السوي. وذلك قياسًا على استواء الخلقة، فالخلق النفسي أو الاستعداد الفطري يبدأ مكتملًا -على غرار الخلق الجسماني- فإما أن يحافظ عليه صاحبه وإما أن يرتد به القهقري، فينمو الجسد، وتنخسف الفطرة.

وفى الحديث أيضًا بيان للمسئولية التربوية الخطيرة الواقعة على عاتق الوالدين، فالابن -بنص الحديث- من عمل أبويه، فهو كالمادة الخام التي يشكلها الأبوان، ويصنعانها صناعةً قبل أن يجنيا ثمارها في الدنيا والآخرة، وبهذا المعنى يكون الأبوان مسئوليْن مسئولية مباشرة عما يلقّناه لابنهما من تصورات واعتقادات، لا ينجو من أسرها -إن كانت اعتقادات مضلّة- إلا من هيأ الله سبحانه له أسباب النجاة.

وقد بينت أحاديث أخرى للنبي هذا المعنى (معنى كون الابن من عمل أبويه). ففي مسلم من حديث أبى هريرة “أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”. فهذه أبرز ما يخلف المرء من عمله.

وهنا نلحظ أنه رغم أن ما يتبع المتوفى من الخير قد لا ينحصر في هذه الثلاثة (فقد يخلف المرء زوجة صالحة تدعو له أو صديق بار يذكره بخير)، إلا أن هذا وتلك ليسا من “عمل” المرء، ولذا لم يعدّهم الحديث الذي اقتصر على ما يتبع الإنسان من “عمله”. وفى القرآن الكريم وصف لابن نبي الله نوح عليه السلام بأنه ليس من أهله لأنه “عمل غير صالح” فهو ليس من جنس عمل نوح الذي يصبغه الصلاح؛ ولذا انقطعت صفة النسب بانقطاع صفة العمل. يقول تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (هود 45- 46).

حقه في الحياة

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ النبي ﷺ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ «وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ «أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ».

عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ قَالَ النبي ﷺ «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ».

عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ -رضى الله عنه- أَخْبَرَهُ أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ في بَعْضِ مَغَازِي النبي ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.

عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ، إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: «اغزوا بسم الله، في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا،….»[11].

جاء الرسول بالإسلام رحمة للعالمين، و”العالمون” هم كل ما خلا الله سبحانه، ولم تقصر رحمة الله عن أيٍ من خلقه، وقد تمثلت إحدى مهام بعثة النبي ﷺ في الكشف عن هذه الرحمة وإفساح الطريق أمامها لكي تأخذ مكانها بين البشر الذين أفقروا حياتهم وجردوا معاملاتهم منها. وفى هذا السياق جاء النهى عن قتل الولد لأي من الأسباب التي يمكن أن تدور بمخيلة الإنسان والتي يضخمها له خياله المحصور في الحياة الدنيا، فتسول له ارتكاب هذه الكبيرة من وأد البنات مخافة الفضيحة، وقتل البنين مخافة الفاقة.

وقد كان النهي عن قتل الولد في صدارة ما حمله رسول الله ﷺ من تعاليم السماء إلى أهل الأرض، ففي مسلم عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ بايع أصحابه في مستهل الدعوة بقوله: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم»[12].

وقد بين الشرع أن قتل الولد من أكبر الذنوب عند الله. لذا فإنه ينبغى أن يؤخذ المعنى الذي ينطوي عليه في الاعتبار عند تحديد دلالة قول النبي ﷺ: «لا يقتل الوالد بالولد»[13]…فليس في قول النبي ﷺ هذا ما يفيد الاستهانة بحياة الأبناء، وليس فيه رخصة بقتلهم. فإذا تبين أن الأب القاتل قد تعمد قتل ولده عن إصرار وروية وجب القصاص منه، وهذا ما ذهب إليه الإمام مالك. أما إذا مات الولد خطئًا حال قيام أبيه بتأديبه فإن الشرع ألا يقتل الوالد بولده. والغالب على جرائم قتل الأبناء التي يشهدها زمننا الحاضر أنها تصدر عن أقوام انطمست فطرتهم وشذوا عن منطق الفطرة السليمة وضيعوا ما أمر الله بحفظه من غير تورع أو تعظيم؛ الأمر الذي يسوغ تغليظ العقوبة في حقهم اتساقًا مع تشديد الرسول ﷺ على حفظ حياة الولد وصيانتها.

وفى حديثي عبد الله بن عمر وابن بريدة ما يدفع باتجاه إقرار ومباركة أية قواعد لإدانة استهداف النساء والأطفال ومن يلحق بهم من الضعفاء في الحروب والأعمال العسكرية، والعمل على توفير أجواء آمنة لحمايتهم في غمارها، وقد كان لهذا الأمر النبوي أثره القويم في كافة الحروب التي خاضها المسلمون فيما بعد، والتي يشهد التاريخ أنها كانت الأقرب إلى منطق الإنسانية السليمة التي لا تقتل لمجرد القتل، ولا تستبيح الدماء البريئة، ولا تستهدف من ليسوا بطرف في العدوان من الأطفال والشيوخ والنساء والمنقطعين للعبادة.

وقد سار على هذا الهدي الراقي صحابة رسول الله ﷺ من بعده، فقد روى البيهقي في سُننه عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر رضي الله عنه كان يوصي جيوش المسلمين بقوله: أوصيكم بتقوى الله، اغزوا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله، فإن الله ناصر دينه، ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تجبنوا ولا تفسدوا في الأرض ولا تعصوا ما تؤمرون،……..ولا تغرقن نخلا ولا تحرقنها ولا تعقروا بهيمة ولا شجرة تثمر، ولا تهدموا بيعة ولا تقتلوا الولدان ولا الشيوخ ولا النساء، وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له…..

وفي هذا التعظيم لذنب قتل الولد –وقد اجتمع فيه انتكاس الفطرة والإيمان معًا- انعكاس جلي للنظرية القرآنية الثلاثية؛ التي تجعل التشريع متفاعلًا مع الفطرة والإيمان في علاقة الوالدية؛ مزكيًا للسوية فيهما وضابطًا للانتكاس الذي قد ينال أيًّا منهما. فالفطرة مثلًا إن تطرفت نحو الحب والتدليل المبالغ فيهما ضبطها التشريع_ كما نرى في موقف نوح عليه السلام مع ابنه “إنه عمل غير صالح “..، وإن تطرفت في الجانب الآخر نحو الشدة أو زادت إلى حد القتل قوّمها التشريع وعاقب عليها (كما جاء في الموقف من الوأد والقتل)، وإن استوت واستقامت بين الجانبين المتطرفين زكى التشريع تلك السوية (من خلال الإثابة والوعد بالخير)، وسوف نرى نماذج عديدة لتلك العلاقة على طول استعراضنا للسيرة.

كذلك تعكس تلك الأحاديث-المتعلقة بحق الطفل في الحياة- بوضوح التصور القرآني العام المتعلق بالطفل: سواء من جهة كونه ضعيفا لا يقدر على شيء فيجب أن تحفظ حياته، أو رزقًا من الله يستوجب الشكر والايمان، أو وديعة يؤتمن عليها الوالدان. وهي المعاني التي عرضت تفصيلا في المبحث السابق.

حقه في إثبات نسب له.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَمًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «فَمَا أَلْوَانُهَا». قَالَ حُمْرٌ. قَالَ «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ». قَالَ إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا. قَالَ «فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِرْقٌ نَزَعَهَا. قَالَ «وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ». وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ في الاِنْتِفَاءِ مِنْهُ.

وَقَالَ «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. وَقَالَتِ الأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحَاكَمَتَا إلى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ. فَقَالَ ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى لاَ تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى».

من أعظم ما أثبتته السنة المطهرة من حقوق للطفل حقه على أبيه في إثبات نسبه إليه بوصفه ثمرة لزواج شرعي صحيح. ولذا جاء في مسند الإمام أحمد من حديث ابن عمر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من انتفى من ولده ليفضحه في الدنيا، فضحه الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد قصاص بقصاص». وقد أكدت السنة على أهمية البعد عن الشبهات والاحتياط للأنساب، والزجر عن تحقيق سوء الظن فيها. فهذا القول من الرجل بدا كتعريض بالريبة، كأنه يريد نفي الولد عن نفسه، فحكم النبي ﷺ بأن الولد للفراش، ولم يجعل خلاف الشبه أو اللون دلالة يجب الحكم بها، وضرب له المثل بما يوجد من اختلاف الألوان في الإبل، ولقاحُها واحد. فالأنساب أمرها شديد والتنصل منها من أعظم المحرمات. وقد جاء في سنن أبي داود من حديث أبى هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية المتلاعنين: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله شيء ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رءوس الأولين والآخرين».

ذلك في مقام إثبات الأنساب بالقرائن المعتادة والتي عمادها قوله ﷺ: “الولد للفراش”، أما عند تساوي القرائن -كما في حديث سليمان عليه السلام- فإن سُنة النبي ﷺ تُظهر أن الفطرة أصل معتبر، وأن لقيمة الرحمة تأثيرَا حتى على الإجراءات القضائية، ففى الحديث استدلال بالرحمة باعتبارها معيارًا لإثبات النسب؛ فقد استدل سليمان بقرينة الرحمة والرأفة التي في قلب الصغرى، وعدم سماحتها بقتل الوليد، وسماحة نفس الأخرى بذلك (لتصير الصغرى أسوتها في فقد الولد)، على أنه ابن الصغرى. وبهذا تظهر الرحمة بصفتها أصلًا وأساسًا في عالم الطفل. فهي بنص الحديث شاهد على قضاءٍ من أخطر الأقضية وهو القضاء بالأمومة. وفى حكي النبي ﷺ لهذا الموقف -كما يقول ابن القيم في زاد المعاد- دليل على إقراره له، وعلى حثِّه لأمته على العمل بمقتضاه، وليس مجرد التعجب من فطنة سليمان وتفوقه على والده في الاستنباط.

حقه في الرضاعة

عن الْبَرَاءَ t قَالَ لَمَّا تُوُفِّىَ إِبْرَاهِيمُ – عَلَيْهِ السَّلاَمُ – قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا في الْجَنَّةِ».

ورُوى عن الزهري أنه قال: نَهَى اللَّهُ أَنْ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الْوَالِدَةُ لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ. وهي أَمْثَلُ لَهُ غِذَاءً، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْبَى بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا (أى الزوج) مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ (الزوج) أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ وَالِدَتَهُ، فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ ضِرَارًا لَهَا إلى غَيْرِهَا. ولاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَسْتَرْضِعَا عَنْ طِيبِ نَفْسِ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ.

بلغ من قيمة ومكانة الرضاعة الطبيعية التي تستقيم بها صحة المولود أن جُعل لابن النبي ﷺ مرضع في الجنة، فهي بركة من لم يستوفها في الدنيا جعل له عوض عنها في الآخرة. ومن لم يستوفها من أمه جعلت له أم بالرضاع تكتسب صفتها هذه مما تسكبه من لبنها في دمه وعصبه.

وللرضاعة سر في تكوين الشخصية، إلى الحد الذي جعلها الله سبحانه تقوم مقام النسب، وتتحدد على أساسها أنواع القرابات، فالمرضعة أم وأبناؤها أخوة وزوجها أبٌ بالرضاع. فما الذي يفعله لبن الأم المرضعة في تكوين ابنها؟ وكيف يتغلغل ليشكل هويته، ويجعله أخًا وابنًا وقريبًا حتى لمن هم ليسوا له بأقارب من زاوية النسب؟ إن الأمر على اليقين وليس على الشك، فالرضاعة ليست مجرد طعام يتقوى به المولود، ولكنها هوية وشخصية وطبع وصفات يكتسبها الصبي وتتغلغل في عروقه وتجرى مع دمائه، فتصنع له خريطة نسب جديدة، وتربطه بأقارب جدد.

ومن هنا كان للرضاعة مكانتها في التصور الإسلامي، من المنظوريْن القضائي والحياتي، فلم تترك أحكامها هملًا ليتصرف فيها كل أحد بما شاء، وإنما قررت أحكامها على مستوى عالٍ من الدقة، لبيان أهميتها وخطورتها في حياة المسلمين وحياة أبنائهم، وذلك في قالب قيمي يظهر حرص الإسلام على تعميق الروابط وإنشائها بين الناس إنشاءً.

وهذا حق عظّم من شأنه العلم الحديث… فتحديد الإسلام لفترة الرضاعة المثلى قد عكس حقيقة علمية أثبتتها الأبحاث الطبية المعاصرة بعدما ثبتت العلاقة بين تمام الرضاعة وبين كفاءة الجهاز المناعي والقدرة على مقاومة الأمراض؛ حيث أثبتت الأبحاث أن كفاءة الجهاز المناعي لا تصبح في أمثل صورة إلا عند عاميْن، أما قبل ذلك فيكون الرضيع في حاجة إلى مناعة مكتسبة في صورة أجسام مضادة تنتقل إليه من خلال لبن الأم[14].

حقوق ما بعد الولادة (التأذين والحلق والفداء والتحنيك)

عَنْ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – قَالَتْ كَانَ النبي ﷺ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيَدْعُو لَهُمْ، …..

وعن سَلْمَانُ بْنُ عَامِرٍ الضَّبِّىُّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَعَ الْغُلاَمِ عَقِيقَةٌ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى».

وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ t أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ قَالَتْ فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَنَزَلْتُ قُبَاءً فَوَلَدْتُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعْتُهُ في حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ في فِيهِ فَكَانَ أَوَّلَ شَىْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ في الإِسْلاَمِ، فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا، لأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ الْيَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلاَ يُولَدُ لَكُمْ.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رضى الله عنه – …..أن أَبُا طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ….فَقَالَ (النبي) «أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا». فَوَلَدَتْ (امرأة طلحة) غُلاَمًا، …فَأَتَى بِهِ النبي ﷺ وَأَرْسَلَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَأَخَذَهُ النبي ﷺ فَقَالَ «أَمَعَهُ شَيْءٌ؟». قَالُوا نَعَمْ تَمَرَاتٌ. فَأَخَذَهَا النبي ﷺ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا في في الصَّبِىِّ، وَحَنَّكَهُ بِهِ.

تعرض هذه الأحاديث لمشاهد إنسانية حميمة تعكس تداخل التفاصيل الدقيقة لحياة الصحابة رضوان الله عليهم مع حياة النبي الكريم ﷺ، في تلقائية تكتسب دلالتها من تصور حجم النبوة وطبيعة قدرها، وعبر مواقف تعكس التلاحم الإنساني والتفاعل في مستوى أدق التفاصيل الحياتية.

فالنبي ﷺ يبارك الصبية المولودين، ويحنكهم، ويدعو لهم، ويختار لهم الأسماء الصالحة. ويظهر هذا على أنه فعل متكرر، يحرص جميع الصحابة على ألا تفوتهم بركته، ويطاوعهم النبي الكريم ﷺ عليه من غير ضجر به، أو تنصل عنه، في رحمة تنساب لتظلل المجتمع الذي تسمه هذه الروح السمحة.

كما تحمل هذه المشاهد معاني زائدة؛ ألا وهي إيلاء العناية بالتفاصيل البسيطة والأحداث المتكررة، لتبين أن ليس شيء “روتيني” في حياة هذا الجنس الإنساني المكرَّم، فهذا التصور الذي يعكس احتفاءً بقدوم الإنسان إلى هذه الحياة بوصفه عطاءً سماويًا ومنحة ربانية، وحرص المسلمين على أن يستقبلَ أولادَهم الصالحون من أولى العلم والفضل هو أبعد ما يكون عن ذلك الذي يعتبر الولد منتجا جانبيا لعملية قضاء الوطر، ويعتبر أن مقدمه إلى هذه الدنيا هو حدث طبيعي بيولوجي، لا يحوي معنى متجاوزًا.

وقد أقرت السنة النبوية المطهرة عددًا من الحقوق التي تثبت للمولود بمجرد ولادته مثل استقباله بالأذان في أذنه ليكون أول ما يسمع من كلام الدنيا، ومثل العقّ عنه، والتصدق بزنة شعره. وقد جاء تفصيل ذلك في عدد من كتب الحديث: فعن ابن عباس أن النبي ﷺ أذن في أُذن الحسن بن علي يوم ولد فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى[15]. وعن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه أنه قال: وزنت فاطمة بنت رسول الله شعر حسن وحسين وزينب وأم كلثوم فتصدقت بوزن ذلك فضة. وعن أم المؤمنين عائشة أنها قالت قال النبي ﷺ: «كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق ويسمى»[16]، وعن أم كرز قالت قال رسول الله ﷺ: «في العقيقة عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة»[17].

أما عن الحِكَم المتضمنة من وراء هذه الأفعال فكثيرة، بعضها ظاهر وبعضها موكول للغيب. فحكمة التأذين أن يكون أول ما يقرع سمع المولود كلمات الأذان المتضمنة لكبرياء الله وعظمته وتوحيده، فيكون هذا بمثابة تلقينه لشعار الإسلام عند أول دخوله إلى الدنيا كما يُلقَّن كلمة التوحيد عند خروجه منها. وغير مستنكر أن يصل أثر التأذين إلى قلبه فيتأثر به، مع فائدة أخرى تتمثل في هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو المترصد له حال ولادته، ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: كل بني آدم يَطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب[18].

وقد أورد المختصون ما لحلق رأس الطفل من فوائد صحية وبدنية: لأنه في إزالة شعر المولود تقوية له وفتح لمسام الرأس وتقوية لحواس البصر والشم والسمع، فضلًا عن الفائدة الاجتماعية المتمثلة في تحقيق ظاهرة التراحم والتكافل الاجتماعي وذلك بالتصدُّق بوزن شعره فضة على أهل الحاجة[19].

أما العقيقة فمن فوائدها التقرب إلى الله بها عن المولود وابتغاء مباركة الله له. كما هي فدية له من المصائب كما فدى الله إسماعيل من مصابه، فصارت سُنَّة في أولاده من بعده. ولا يستنكر أن يكون هذا حرزًا له من ضرر الشيطان بعد ولادته كما كان ذكر الله عند وضعه في الرحم حرزًا له من ضرر الشيطان. والعقيقة من مظاهر بر الوالدين بولدهما وهي مقدمة لشفاعة المولود لهما، كما أن فيها تقويةً لروابط الألفة والمحبة بالاجتماع على موائد الطعام ابتهاجًا بقدوم المولود الجديد، ولإرساء قواعد التكافل الاجتماعي والتي يتحين الإسلام كل مناسبة ليدعّمها ويمحو ظواهر الفقر والحرمان والفاقة[20].

أما التحنيك فهو مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي ودَلْك حنكه به، يُصنع ذلك بالصبي ليتمرن على الأكل ويقوى عليه، وكانوا يحنِّكون الصبيان بتمرٍ فإن لم يوجد فبحلوٍ يشبهه. ويتولى ذلك من أولياء الصبي من يُرجى خيره وبركته.

وللتحنيك منطلقان؛ أحدهما- إيماني: فذلك فعل الرسول ﷺ ومن الإيمان اتباعه والسير على نهجه، سواء أدركنا الحكمة من فعله أم لم ندرك، ولا ريب في أن ملامسة ريق الرسول ﷺ خير وبركة عظيمة، وقد يكون في ملامسة ريق أحد الأبويْن أو الرجل الصالح لفم المولود خير وبركة بإذن الله.

وثانيهما- إن في تحنيك الطفل وفرك منابت الأسنان بالتمر المعجون تهييجا غريزيا لآلية البلع في فم الطفل مما يهيئه لتلقي الثدي وتقبل اللبن والرضاعة. وفى التحنيك معجزة طبية أيضًا؛ فالطفل بعد ولادته وانفصاله جسديًا عن أمه ولحين إفراز اللبن من ثدي والدته ينقطع سبيل الغذاء الجاهز إليه فيلجأ للاعتماد على ما استطاع جسمه تخزينه من الطعام أثناء حمله في رحم أمه وهذا ليس بالكثير، فتنخفض تبعًا لذلك نسبة السكر في دم الطفل، ويؤدى تحنيكه بالتمر حال ولادته إلى المحافظة على مستوى السكر في دمه، ومن هنا تتضح الأهمية العظمى للتحنيك في تغطية هذه الفجوة في تغذية المولود بين ولادته وبدء رضاعته من ثدي أمه[21].

مرة أخرى نلمح ذلك الانعكاس للنظرية القرآنية الثلاثية في الأفعال النبوية من خلال تقرير مساحة الغيب والإيمان وتوظيف التشريع في ضبطها؛ فهذه الأعمال التي أمرنا رسول الله بفعلها للمولود -ذلك الغيب عالمه ومستقبله- هي من الأعمال المتعلقة بالغيب، ولكنها تشريع باعتبارها أمرًا من رسول الله (ﷺ) يأتيها المسلم إيمانًا فلا ينكر دور الغيب والبركة، ولا يتعدى إلى ما وراءها إيمانًا أيضًا فيسقط في عالم الخرافة ويترك عالم الشهادة.

كما تُظهر هذه الأوامر النبوية التداخلَ في مجالات الحقوق الخاصة بالولد على والده مع تلك الخاصة بالوالد على ولده؛ ذلك أن الطفل قد يحبس عن خير يراد به إذا ما أحجم أبواه عن العقوق عنه، وهذا يترتب حقا للطفل على أبيه، من دون مطالبة، ثم يأتي الدور على هذا الغلام بالغًا لكي يرد الحقوق إلى أصحابها، فيفي بحق والديه -شيوخًا. ولغياب حَوْلِ الطفل وقوته، يصبح والداه هما مصدرَ الحول والقوة له، فإذا ما بلغ وشبَّ هذا الغلام أصبح هو قوة والديه وسمعهما وبصرهما. ويصير مسار الحقوق والواجبات بمثابة هبة أو نعمة تعطى في آن وترد في آن لاحق من خلال منظومة تكاملية تكافلية مستمرة.

وعمومًا فإنه بمثل هذه الأفعال يتقرر مكان الغيب في حياة الإنسان المسلم. فليس العقل هو الرائد الأوحد في تبرير ما يأتي الإنسان وما يذر، وإنما تتدخل الشريعة لترسم للعقل حدوده ومعالمه، ولتقرر على المسلم أفعالًا حق عليه أن يأتيها سواء أصاب فهم كل مغزاها أو لم يصبه.

حقه في التسمي بالأسماء المباركة

 ومنها “عبد الله”

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رضى الله عنه – …..أن أَبُا طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ….فَقَالَ (النبي) «أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا». فَوَلَدَتْ (امرأة طلحة) غُلاَمًا، …فَأَتَي بِهِ النبي ﷺ …، فَأَخَذَهُ النبي ﷺ….. وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ.

ومنها اسمه الشريف (ﷺ)

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ – رضى الله عنهما – قَالَ وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا مِنَ الأَنْصَارِ غُلاَمٌ، فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا – قَالَ النبي ﷺ «سَمُّوا بِاسْمِى، وَلاَ تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِى، فَإِنِّى إِنَّمَا جُعِلْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ».

وعَنْ جَابِرٍ أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ الْقَاسِمَ فَقَالَ النبي ﷺ «سَمُّوا بِاسْمِى وَلاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى».

ومنها “إبراهيم”

عَنْ أَبِى مُوسَى – رضى الله عنه – قَالَ وُلِدَ لِى غُلاَمٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النبي ﷺ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إلى، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِي مُوسَى.

ومنها “عبد الرحمن”

عَنْ جَابِرٍ t قَالَ وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلاَمٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ فَقُلْنَا لاَ نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ وَلاَ كَرَامَةَ. فَأَخْبَرَ النبي ﷺ فَقَالَ «سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ».

ومنها “المنذر”

عَنْ سَهْلٍ قَالَ أُتِىَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِى أُسَيْدٍ إلى النبي ﷺ حِينَ وُلِدَ، فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَأَبُو أُسَيْدٍ جَالِسٌ، فَلَهَا النبي ﷺ بِشَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَمَرَ أَبُو أُسَيْدٍ بِابْنِهِ فَاحْتُمِلَ مِنْ فَخِذِ النبي ﷺ فَاسْتَفَاقَ النبي ﷺ فَقَالَ «أَيْنَ الصَّبِىُّ». فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ قَلَبْنَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «مَا اسْمُهُ». قَالَ فُلاَنٌ. قَالَ «وَلَكِنْ أَسْمِهِ الْمُنْذِرَ».

ومنها “يوسف”

وعن يوسف بن عبد الله بن سلام قال “سماني النبي ﷺ يوسف”[22].

إن الاسم بالنسبة للطفل حق من حقوقه على والديه، ….فهو ركن هام وأساسي لبداية انتمائه لمجتمعه وتوصيفه بين أقرانه؛ لذا يتعين أن يحسنا اختياره له، ويجب على الوالدين تجنب اختيار الأسماء القبيحة أو الأسماء التي تنضوي على تشاؤم أو التي تستدعي التطير. والإساءة في اختيار اسم الطفل عقوق له، قد يدفعه إلى عقوق والديه حال كبره، فالاسم غير المناسب عادة ما يتسبب في الكثير من المشاكل النفسية لصاحبه، “فالطفل الذي يُستهزأ به بسبب اسمه المستهجن من قبل سائر الأطفال يخسر نشاطه ويسير دومًا إلى اضمحلال في الشخصية، فهو يتجنب الألعاب الجماعية للأطفال، وقد يورث هذا أحقادًا وضغائن وعقدًا نفسية وعزلة انطوائية لا تحمد عقباها. وهذه بلا شك تترك أثرها في الطريقة التي يتعامل بها المرء مع والديه اللذيْن كانا السبب في هذه الإساءات[23]. وفى هذا المعنى روى الترمذي من حديث أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها أن النبي ﷺ “كان يغير الاسم القبيح”. وروى الترمذي وابن ماجة عن عمر أن ابنة لعمر كان يقال لها عاصية فسماها رسول الله ﷺ جميلة.

وقد أبدى النبي ﷺ عناية باختيار الأسماء الحسنة، وأوصى باختيار أسماء الأنبياء. كما في سنن أبي داود والنسائي عنه ﷺ “تسموا بأسماء الأنبياء”. وعند ابن القيم أنه “لو لم يكن في ذلك من المصالح إلا أن الاسم يذكِّر بمسماه، ويقتضي التعلق بمعناه، لكفى به مصلحة، مع ما في ذلك من حفظ أسماء الأنبياء وذكْرها، وألا تُنسى، وأن تذكِّر أسماؤهم بأوصافهم وأحوالهم. ولما كانت الأسماء قوالب للمعاني، ودالة عليها، اقتضت الحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب، وقد أمر النبي بتحسين أسمائهم، وأخبر أنهم يدعون يوم القيامة بها، وفي هذا -والله أعلم- تنبيه على تحسين الأفعال المناسبة لتحسين الأسماء، لتكون الدعوة على رؤوس الأشهاد بالاسم الحسن، والوصف المناسب له. فعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم».

ولما كان بين الأسماء والمسميات من الارتباط والتناسب والقرابة، ما بين قوالب الأشياء وحقائقها، وما بين الأرواح والأجسام، عبر العقل من كل منهما إلى الآخر، كما عبر النبي ﷺ من اسم سهيل إلى سهوله أمرهم يوم الحديبية، فكان الأمر كذلك، وكان ﷺ يستحب الاسم الحسن، وأمر إذا أبردوا إليه بريدًا أن يكون حسن الاسم حسن الوجه. وندب جماعة إلى حلب شاة، فقام رجل يحلبها، فقال: ما اسمك؟ قال: مرة، فقال: اجلس، فقام آخر فقال: ما اسمك؟ قال: (أظنه) حرب، فقال: اجلس، فقام آخر فقال: ما اسمك؟ فقال: يعيش، فقال: احلبها. وكان يكره الأمكنة المنكرة الأسماء ويكره العبور فيها، كما مر في بعض غزواته بين جبلين، فسأل عن اسميهما فقالوا: فاضح ومخز، فعدل عنهما، ولم يجز بينهما.

وتأمل كيف اشتق للنبي ﷺ من وصفه اسمان متطابقان لمعناه، وهما أحمد ومحمد، فهو لكثرة ما فيه من الصفات المحمودة محمد، ولشرفها وفضلها على صفات غيره أحمد، فارتبط الاسم بالمسمى ارتباط الروح بالجسد، وكذلك تكنيته ﷺ لأبي الحكم بن هشام بأبي جهل كنية مطابقة لوصفه ومعناه، وهو أحق الخلق بهذه الكُنية، وكذلك تكنية الله عز وجل لعبد العزى بأبي لهب، لما كان مصيره إلى نار ذات لهب، كانت هذه الكنية أليق به وأوفق، وهو بها أحق وأخلق.

ولما قدم النبي ﷺ المدينة، واسمها يثرب لا تعرف بغير هذا الاسم، غيَّره بطيبة لما زال عنها ما في لفظ يثرب من التثريب بما في معنى طيبة من الطيب، استحقت هذا الاسم، وزادت به طيبًا آخر، فأثر طيبها في استحقاق الاسم، وزادها طيبًا إلى طيبها. ولما كان الاسم الحسن يقتضي مسماه، ويستدعيه من قرب، قال النبي ﷺ لبعض قبائل العرب وهو يدعوهم إلى الله وتوحيده: “يا بني عبد الله، إن الله قد حسن اسمكم واسم أبيكم” فانظر كيف دعاهم إلى عبودية الله بحسن اسم أبيهم، وبما فيه من المعنى المقتضي للدعوة.

ولما كان الاسم مقتضيًا لمسماه، ومؤثرًا فيه، كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه، كعبد الله، وعبد الرحمن، فعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أحب أسمائكم إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن». (انتهى ما أورده ابن القيم ملخصًا).

هذا ويمكن قياس العديد من الحقوق على حق الطفل في الاسم المناسب، فكل ما من شأن غيابه أن يتسبب في مشاكل للطفل -حقًا كان أو غيره- على الوالدين أن يسارعا بتوفيره للطفل؛ ومن ذلك تسجيله فور ولادته، وتحديد جنسية له، إلخ…..

حقه في النفقة

عَنْ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – قَالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَىَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا قَالَ «خُذِى أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ».

وعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار ينفقه على عياله»[24].

وعن ثلاثة من ولد سعد، كلهم يحدثه عن أبيه: أن النبي ﷺ دخل على سعد يعوده بمكة…. فقال سعد: يا رسول الله! إن لي مالا كثيرًا، (و) إنما يرثني ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا. قال: فبالثلثين؟ قال: لا. قال: فالنصف؟ قال: لا قال: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة، وإنك أن تدع أهلك بخير -أو قال: بعيش-، خير من أن تدعهم يتكففون الناس»[25]. وقال بيده.

عن عياض بن حمار المشاجعي أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني، يومي هذا،.…. وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال»[26].

بينت السنة أن النفقة على الذرية حق لهم يتم تحصيله ولو عن طريق الحيلة، فمتى نكص الأب عن القيام بما عليه من الإنفاق على من يعولهم أُخذ من ماله وإن سرًا… فعن وهب بن جابر قال: كنت عند عبد الله بن عمرو في بيت المقدس لليلتين مضتا من شعبان فقال لوكيل له: خلفت لأهلك رزقهم؟ فقال لا. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت»[27]. وفى البخاري من حديث أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول. وعن مسلم بن يسار رفعه أن رجلًا كان يخدمه في سفر فقال له رسول الله ﷺ: هل في أهلك من كاهل فقال: لا ما هم إلا صبية صغار. قال: «ففيهم فجاهد»[28].

ويظهر حديث عائشة أهمية مراعاة المقاصد الشرعية من وراء الأحكام، وتغير ترتيبها من حال لحال. ففي هذا الحديث اجتمعت مقاصد ثلاثة: النفس والمال والنسل. فالأب هنا يحرص على حفظ ماله -وإن على نحو فيه شح، مراعاةً لحظ نفسه -وليس درءًا لمكروه أو دفعًا لأذى عنها، مع احتمال أكيد بتضييع ذريته -التي هو مسؤول عن إعاشتها، من هنا كانت الرخصة النبوية بالأخذ من ماله سرًا، من باب أكل المال بالحق، ومراعاةً لمقصد من مقاصد الدين أحق مما حرص الأب الحريص على حفظه. فبخل الأب هنا له أثر متعد متمثل في تضييع الذرية، ولذا لم يأبه لحرمة ماله، وأخذ منه ما يكفي لحفظ من هو مسؤول عن رعايتهم والإنفاق عليهم.

أما عن مفهوم “الأخذ بالمعروف” فقد روى أن امرأة سألت ابن عباس، فقالت: ما يحل لي من بيت زوجي؟ فذكر الخبز والتمر، ونحو ذلك، قالت: فالدراهم؟ قال ابن عباس: أتحبين أن يأخذ حليك؟ قالت: لا. قال: فلا تأخذي من دراهمه. وسألت امرأة عائشة فقالت لها: إن أهلي فقراء أفآخذ من بيت زوجي، فأبعث إليهم؟ فقالت لها عائشة: ما يشعر زوجك؟ قالت: ما يشعر بكل ما أبعث به إليهم. قالت لها عائشة: استأمريه فإن أذن لك فابعثي إليهم غير مسرفة، ثم قالت: ما يضر إحداكن من بيت زوجها سرقت أم من بيت جارتها .

ومما يستفاد من الحث النبوي على الإنفاق على من تلزم نفقتهم (كما في حديثي ثوبان وسعد) أهمية العرض التربوي لمسائل الفقه، وعدم الاقتصار على بيان الحكم الشرعي (المتمثل في وجوب النفقة على الأهل) من دون إيعاز بالمردود الاجتماعي والإنساني من ورائه. فالنفس الإنسانية مجبولة على الاستجابة لمنطق الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب. لذا فقد بشر الرسول ﷺ المنفقين على أزواجهم وأهليهم، بأن ما ينفقونه عليهم من أفضل النفقات. كما جاء في الحديث عن أبي المخارق، أنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فظلعت ناقة له فأقام عليها سبعا، فمر عليه أعرابي شاب شديد قوي يرعى غنيمة له فقال: لو كان شباب هذا وشدته وقوته في سبيل الله عز وجل؟ فقال رسول الله ﷺ: «إن كان يسعى على أبوين كبيرين له ليغنيهما فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على صبيان له صغار ليغنيهم فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه ليغنيها ويكافئ الناس فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى رياء وسمعة فهو للشيطان»[29].

هذا وتتمثل أحد الأبعاد الأساسية في العملية التربوية في عدم الاكتفاء بأداء الواجبات (النفقة على العيال) وتعديها إلى فعل المستحبات (التوسعة) والتي هي في حالة التعامل مع الأطفال تجري مجرى الفطرة والسليقة، وقد سمى النبي ﷺ التوسع في النفقة «صدقة متقبلة»، وعدّها من أفضل ما ينفقه المرء من ماله. وكأنها وفق هذا الوصف النبوي تعد تصديقًا على الإيمان.

ولكن العيال كما هم منحة ونعمة تستوجب الشكر فإنهم فتنة قد تدفع إلى التساهل في أكل المال الحرام، وتستوجب من ثم الحذر. فإذا كانت التوسعة على العيال من طبائع الفطرة فإن ثمة ضرورة في التعفف في طلب القوت. والعفة مع وجود العيال تضاعف الأجر وتضمن للعبد المسلم الجنة بنص الحديث، كما ورد في مسند أبى خزيمة من حديث أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: «أول ثلة يدخلون الجنة فالشهيد، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده، وعفيف متعفف ذو عيال».

ولا يخفى هنا ذلك الترابط بين تلك التوجيهات النبوية وبين ما سبق عرضه في التصور القرآني: سواء من معنى النعمة والفتنة في الأولاد، أو من معنى الرعاية والإحاطة الإلهية بالطفل التي تتجلى في فطر الوالدين على الحنان والرحمة وحب التوسعة على العيال.. وتتجلى مرة أخرى في التأكيد بالتشريع على عدد من الحقوق الأصيلة الواجبة للطفل.. حتى يجتاز مرحلة الضعف ويبلغ أشده.

لا يخفى أيضًا ذلك الانعكاس للنظرية القرآنية ثلاثية الأبعاد (الفطري-الإيماني -التشريع) وتعالج هذه الأبعاد في بناء نموذج العلاقة السوي بين والد وما ولد؛ فالفطرة وإن دفعت نحو التوسعة على العيال يأتي الايمان بأن الرزق بيد الله، ثم التشريع المحذر من أكل الحرام؛ لضبط مسار تلك الفطرة.

الإحسان إلى البنات

أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبي ﷺ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النبي ﷺ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ «مَنْ ابْتُلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بشيء فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ».

وفى حديث جابر بن عبد الله قالَ: قالَ رسول الله ﷺ: من كان له ثلاث بنات يؤدبهن، ويزوجهن، ويكفهن، وجبت له الجنة البتة، قيل: يا رسول الله وإن كانتا اثنتين؟ قال: وإن كانتا اثنتين، قال: فرأى بعض القوم أن لو قالوا: واحدة، لقال واحدة[30] .

وعن سراقة بن جشعم أن رسول الله ﷺ قال: «يا سراقة ألا أدلك على أعظم الصدقة؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: ابنتك مردودة إليك، ليس لها كاسب غيرك»[31] .

وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «خيركم عند الله خيركم أخلاقا، وخيركم لبناته ولنسائه»[32] .

وفى مصنف ابن أبى شيبة عن ابن عباس قالَ: قالَ رسول الله ﷺ: «من ولدت له ابنة فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها يعني الذكور أدخله الله الجنة»[33] .

الأصل في الولد – ذكرًا كان أو أنثى- أنه نعمة من الله وموهبة وكرامة. قال الله تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } (النحل 72). وقال {… يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُور}َ (الشورى49). فامتن سبحانه على البشر بأنه أخرج من أصلابهم أمثالهم، وأخبر أن الأنثى من الأولاد موهبة وعطية كالذكر منهم، وذم قومًا تسؤهم البنات فيتوارون من القوم لئلا يذكروهن لهم، قال: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} (النحل 58- 59) . “يتوارى من القوم” أي يتغيب ويختفي. “من سوء ما بشر به” أي من الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب حدوث البنت له. “أيمسكه على هون” أي لا يزال مترددًا بين الأمرين: وهو إمساك البنت على ما يحسه بسببها من خزي، أو دفنها في التراب”. فلا يزال الذي بشر بحدوث الأنثى مترددًا بين هذين الأمرين.

ثم بين الله سبحانه نوعًا آخر من جهالات هذا الصنف من الناس فقال: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا} أي بناتهم بالوأد الذي كانوا يفعلونه سفهًا وطيشًا لا لحجة عقلية ولا شرعية، كائنًا ذلك منهم {بِغَيْرِ عِلْمٍ …} (الأنعام 140) يهتدون به. وقد روي عن قتادة في هذه الآية قال: هذا صنع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السبي والفاقة، ويغذو كلبه”.

فكل من ولد له من المسلمين ولد ذكر أو أنثى فعليه أن يحمد الله (جل ثناؤه) على أن أخرج من صلبه نسمة مثله تُدعى له وتُنسب إليه، فيعبد الله لعبادته، ويكثر به في الأرض أهل طاعته. وقد أوصى النبي ﷺ، بالإحسان إلى البنات، وجعل جزاء ذلك النجاة من النار. ولم يتبدَّ في أفعال النبي ﷺ ما يظهر تذمره من كون أولاده جميعًا من البنات، بل كان لهن نعم الأب رحمة وبرًا، وشدد النكير على من يسيء إليهن.

وقال النووي: “إنما سمي حدوث الأنثى ابتلاء لأن الأغلب على الناس أنهم يكرهون البنات، فجاء الشرع بزجرهم عن ذلك، ورغب في إبقائهن وترك قـتلهن بما ذكر من الثواب الموعود به من أحسن إليهن و”جاهد نفسه في الصبر عليهن”. وفي شرح الترمذي: “يحتمل أن يكون معنى الابتلاء هنا الاختبار أي من اختبر بشيء من البنات لينظر ما يفعل؛ أيحسن إليهن أو يسيء”.

الأطفال وبنية العلاقات الاجتماعية

عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الأشعريين، إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد، بالسويَّة، فهم مني وأنا منهم».

تتضمن الرؤية الإسلامية إشادة بقيم المشاركة وبدور الجماعة في المحافظة على ما يكفل للفرد حياة كريمة؛ ولهذا أوجب الإسلام الزكاة التي تؤخذ من الأغنياء لترد على الفقراء، وحضَّ على الصدقة، وبنفس هذا المنطق ومن نفس هذا المنطلق بارك النبي ﷺ ما جرت عليه عادة الأشعريين، من تقاسمهم أقواتهم في زمن المجاعة.

وهنا نلمح أن الأطفال مثلوا عاملًا هامًا في استنفار هذه الروح التعاونية، وكأن اختيار بدائل الحركة وخطط التنمية في النموذج الإسلامي تستلهم كافة عناصر ومفردات هذا المجتمع، وذلك على نحو يقي من الانبهار بالدعوات الغربية المعاصرة في مجال العلوم الاجتماعية المعاصرة والتي تنادي بتركيز الاهتمام على المهمشين والفئات الأضعف في المجتمع[34]؛ وذلك ببساطة لأن الدعوة الإسلامية في صورتها الأصلية لم تهمش أيًّا من أطراف أو عناصر العِقد الاجتماعي الإسلامي، اللهم إلا من شذَّ عن منطق الفطرة وانحرف عن مجرى السليقة الإنسانية السوية[35].

كما تظهر استجابة الشرع للحاجات الاجتماعية المتغيرة بشكل أوضح في حديث أبى سعيد الخدري؛ فهنا ينسخ أمرًا يقضي بعدم الإبقاء على لحوم الأضاحي فوق ثلاث برخصة تبيح حبس القوت وادّخاره. وكان الوازع وراء ذلك هو استمرارية الحاجة إلى هذه اللحوم لما بعد انتهاء أيام التشريق ووجود شكوى عامة بين أفراد المجتمع، وبخاصة عندما تصدر هذه الشكوى عن فئة المستضعفين في المجتمع وأبرزهم الأطفال[36]. وهذا النموذج يعكس الخيط الناظم لهذا المشروع المتمثل في اعتبار التفاعل الاجتماعى عند تشكيل الأحكام، وصياغة نموذج الحياة على المثال النبوي.

 الطفل قبل التمييز

تتميز هذه المرحلة بكون قيمة الرحمة هي الأصل فيها والأغلب على ملامحها، وهي القيمة التي تتلاءم مع خصائص وطبيعة الطفل في هذه المرحلة، فالطفل في مرحلة ما قبل التمييز هو ضعف مطلق واحتياج كامل، كما هو لعبة من لعب الحياة الدنيا وزينة من زينتها، لم يكتسب مقدرة على التفكير ولا يحوز مهارة تمكنه من أداء أي عمل على نحو سليم؛ ولذا كان مستحقًا للرحمة الكاملة.

ولقد كانت الرحمة، الغالبة على ما عداها من خصائص هذه المرحلة، تجاه الأطفال مدخلًا لتخفيف بعض الأحكام الشرعية في حق المكلفين أنفسهم. وتبرز الأحاديث النبوية هذا المعنى في العديد من المشاهد، فقد حمل النبي ﷺ أُمامة بنت زينب في صلاته، مع ما في هذا العمل من تأثير في هيئات الصلاة، وكان ﷺ كثيرًا ما يؤتى بالصبيان ليدعو لهم ويباركهم، فيحدث أن يبول أحدهم عليه، فلا يزيد النبي الكريم عن أن يدعو بماء يُتبعه بولَ الصبي دون أن يغسل مكانه.

وفي هذه المرحلة لا يعدو “التوجيه” شكل المعاتبة اللفظية، ولا يتعداه إلى العقاب الجسدي، الذي لا يترك حال وقوعه سوى آثار نفسية سيئة لدى الطفل، ولا يسهم في ردْعِه عن الأفعال السلبية إلا على نحوٍ يزرع الخوف والإحجام لديه في هذه السن المبكرة مما يكون له أسوأ الأثر عليه حال بلوغه وشبيبته.

ففي هذه المرحلة تترسخ لدى الطفل العديد من الصفات الخلقية والنفسية، وتبدو شخصيته قابلة للتشرب بكافة المدخلات التي تتوافر من حوله. ولذا فإنها تعد مرحلة أساسية يتعين استثمارها في تقريب الطفل من البيئة الإسلامية بالاصطحاب إلى المساجد، وبتعويد الطفل سماع القرءان الكريم، وبالدعاء للطفل على مسمع منه حتى يستشعر وجود الخالق الذي لا نراه ولكننا نتوجه إليه في كل وقت وعلى أي حال، إلى غير ذلك من العمليات التربوية التي يترك للوالدين انتقاؤها بحسب ما تشي به قدرات أبنائهم، وخصائصهم الدقيقة.

فهناك من الأطفال من يؤتى رشده من قبل، وتبدو عليه علامات الفطنة بما يؤهله لكي يكون محلًا لتوجيهات أعمق وإرشادات أدق مما يوجه به أو يرشد إليه أقرانه، إلا أن مثل هذه الحالات تظل استثناءات تؤخذ بعين الاعتبار ولكن لا ينظر لها باعتبارها قاعدة مطردة. ولهذا السبب أدرجنا حديث عمرو بن سلمة -الذي أمَّ قومه في الصلاة وهو ابن ست سنين- في الجزء التالي الخاص بالصبية المميزين؛ نظرًا لأنه مارس عملًا من أعمالهم، على الرغم من أنه كان في هذه السنِّ المبكرة؛ مما يبين أن الأطفال قدراتهم تتفاوت ومهاراتهم تتباين، وهو ما يتعين على الآباء ملاحظته والتعامل معه.

الرحمة قيمة محورية في التعامل مع الطفل

مشاهد من رحمة النبي (ﷺ)

عَنْ أَبِى قَتَادَةَ عَنِ النبي ﷺ قَالَ «إِنِّى لأَقُومُ في الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ، فَأَتَجَوَّزُ في صَلاَتِى كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ».

عَنْ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلأَبِى الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ – رضى الله عنه – قَالَ خَرَجَ النبي ﷺ في طَائِفَةِ النَّهَارِ لاَ يُكَلِّمُنِي وَلاَ أُكَلِّمُهُ حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِى قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ فَقَالَ «أَثَمَّ لُكَعُ أَثَمَّ لُكَعُ». فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا أَوْ تُغَسِّلُهُ، فَجَاء يَشْتَدُّ، حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ، وَقَالَ «اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ».

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ – رضى الله عنهما كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُنِى فَيُقْعِدُنِى عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا ثُمَّ يَقُولُ «اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّى أَرْحَمُهُمَا».

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رضى الله عنهما- عَنِ النبي ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ فَيَقُولُ «اللَّهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّى أُحِبُّهُمَا».

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ t قَالَ لَمَّا قَدِمَ النبي ﷺ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ حَمَلَ قُثَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْفَضْلَ خَلْفَهُ، أَوْ قُثَمَ خَلْفَهُ، وَالْفَضْلَ بَيْنَ يَدَيْهِ

وعَنْ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – قَالَتْ كَانَ النبي ﷺ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيَدْعُو لَهُمْ، فَأُتِىَ بِصَبِىٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ.

عن أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خَالِدٍ قَالَتْ أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ قَالَ «مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الْخَمِيصَةَ». فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ. قَالَ «ائْتُونِى بِأُمِّ خَالِدٍ». فَأُتِىَ بِي النبي ﷺ فَأَلْبَسَهَا بِيَدِهِ وَقَالَ «أَبْلِى وَأَخْلِقِى». مَرَّتَيْنِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ، وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إلى وَيَقُولُ «يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا». وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشِيَّةِ الْحَسَنُ.

حدث أنس: أنه كان يمشي مع رسول الله ﷺ. فمر بصبيان فسلم عليهم.

عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ عَقَلْتُ مِنَ النبي مَجَّةً مَجَّهَا في وَجْهِى وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ.

عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسح خدي، قال: فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار.

عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ.

عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رضى الله عنه– قال كَانَ النبي ﷺ لَيُخَالِطُنَا…. وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ – قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمٌ – وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ». نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلاَةَ وَهُوَ في بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الذي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ، ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّى بِنَا.

عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بأول الثمر فيقول اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا وفي مدنا وفي صاعنا بركة مع بركة ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان

وعن عبد الله بن شداد قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي بالناس إذ أتاه الحسن أو الحسين… فركب على عنقه وهو ساجد، فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر، فلما قضى صلاته، قالوا: يا رسول الله، لقد أطلت السجود حتى ظننا أنه قد حدث أمر، قال: إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته[37].

وعن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي بريدة يقول كان رسول الله ﷺ: يخطبنا فجاء الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه، وقال: صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما[38] .

عن البهي مولى آل الزبير قال: دخل علينا عبد الله بن الزبير ونحن نتذاكر شبه النبي ﷺ من أهله، فقال: أنا أخبركم بأشبه الناس برسول الله ﷺ الحسن بن علي، لقد رأيته يأتي النبي ﷺ وهو ساجد ويركب ظهره فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، أو يأتيه وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر[39] .

عن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره، فقال: من أحبني فليحب هذين.[40]

الرحمة من الصفات القدسية التي وصف بها رب العزة جل جلاله ذاته، فهو الرحمن الرحيم. وهو الذي لما خلق الخلق كتب فوق عرشه إن رحمتي تغلب غضبى، وهو الذي حذر عباده من أن يقنطوا من رحمته، وهو الذي لو علم الكافر ما عنده من الرحمة ما قنط من جنته أحد.

كما هي من الصفات التي بثها في خلقه، بنص الحديث الذي يرويه مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ، «جعل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه». فالرحمة بهذا المعنى هي من أبجديات الوجود وأوليات الحياة، وهي في الوقت نفسه القيمة الكامنة خلف كل أمر أو نهى حمله الشرع، وهي الروح السارية في كل خلق أو سلوك أمرنا أن نتخلق به وأن نسلكه.

وقد لخص المولى جل وعلا رسالة خاتم أنبيائه إلى العالمين بقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107)، فرسول الله رحمة عامة كاملة شاملة لكل من يصح اندراجهم تحت وصف العالمين. وتظهر الأحاديث التي بين أيدينا المدى الذي بلغته رحمة النبي ﷺ بأمته، كما تبين كيف أن الأطفال كانوا أحد المحفزات الأساسية في استدعاء هذه الرحمة وما أحدثته من رفق وتيسير لحقا بالأمة جمعاء.

فالنبي يدخل في الصلاة، وهو يريد إطالتها، تحقيقًا لخشوعها وتمامها، فيسمع بكاء الصغير فيتجوز في صلاته، على نحو يلحظه الناس من خلفه ويتساءلون عن سببه، فيبين لهم النبي ﷺ أنه إنما فعل ذلك رحمة بالصغير ورحمة بأمه ومراعاة لشدة وجدها عليه. وكيف لا يرحمهما وقد كان ﷺ يدخل الصلاة وهو يحمل حفيدته أمامة بنت زينب، فإذا قام رفعها وإذا ركع وضعها، ثم ها هو النبي ﷺ في مشهد آخر يخرج من بيته، ويسير في طرقات المدينة متجهًا لبيت الزهراء ابنته وابن عمه علىّ ليسأل أول ما يسأل عن حفيده الأثير إلى قلبه الحسن، فيستقبله فاتحًا ذراعيه محتضنًا ثم يتفرغ له بالملاعبة وبالدعاء، وفى أحيان كثيرة نجد أسامة بن زيد متواجدًا في إطار هذه الأسرة كواحدٍ منها فيشمله النبي ﷺ بالرحمة والدعاء. ولم يكن نبي الرحمة ليأنف من حمل أطفال أهل بيته أو إردافهم خلفه، فكان يحمل أبناء عمه العباس وصغار بني عبد المطلب عمومًا، وربما حدث أن بال أحد الأطفال على ثيابه فلا يزيد عن أن يدعو بماء فيتبعه إياه كما سبقت الإشارة.

بل لقد تعدت رحمته ﷺ أهل بيته لتشمل أبناء المسلمين عامة، حين تأتيه الثياب الجميلة فيسأل عن أم خالد، طفلة لأحد الصحابة، ليلبسها إياها بيديه الشريفتين، فقد كان ﷺ يعْرِف أبناء أمته ويتفقدهم ويطيّب نفس صحابته بالسؤال عنهم ومداعبتهم؛ لذا كان هؤلاء يسارعون إلى استقبال النبي حال عودته من أسفاره وغزواته ويتلهفون لرؤيته كما يتلهفون لرؤية آبائهم، وكان ﷺ يبتدئهم بالسلام إذا مرَّ عليهم. وينقل إلينا محمود بن الربيع مشهدًا أبويًا طريفًا يمازحه فيه النبي ﷺ وهو ابن خمس سنين فيمج في وجهه الماء ليرى انفراجة أساريره ويرسم الابتسامة على فمه. كما ينقل إلينا جابر بن سمرة مشهدًا آخر يتفاعل خلاله النبي مع أطفال أمته على نحو مباشر ويقترب منهم تقاربًا حميمًا فيمسح بيديه الشريفتين خدي كل واحد منهم في رفق ورحمة تتناسب مع مقام النبوة وتنسجم مع خصائص شخص الرسول الذي بعثه الله رحمة للعالمين.

وليس أدل على هذه الرحمة النبوية الجامعة من حديث أنس الذي يروي فيه كيف أن الأَمَةَ من إماء أهل المدينة كانت تأخذ بيد رسول الله فتنطلق به حيث شاءت. والمقصود من الأخذ باليد-كما يورد شراح الحديث النبوي- ما يلزم عنه؛ وهو الرفق والانقياد. وقد ذكر الشراح ما اشتمل عليه هذا الحديث من أنواع المبالغة في التواضع لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة، وحيث عمَّم بلفظ الإماء أي أمة كانت، وبقوله: “حيث شاءت” أي من الأمكنة، والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست منه مساعدتها في تلك الحاجة لَسَاعدَها على ذلك، وهذا دال على مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر ﷺ.

كما تكشف الأحاديث عن مخالطة النبي ﷺ لأمته، وشفقته بضعافها، ومداعبته لصغارها[41] بالقول الرفيق، الذي يلائم نفسية الطفل. ويتفاعل مع خصائصه الدقيقة. وفى هذا ما يبين أن بشاشة الكبار وتقبيلهم وضمهم لصغارهم لا تذهب بالهيبة ولا تعارضها، وأن الرحمة الكامنة في الصدر لابد لها من أن تظهر عبر أفعال مرئية وأقوال مسموعة؛ لذا كان في سيرة النبي ﷺ مع أحفاده ومع أطفال أمته على وجه العموم ملمح مهم يبين حتمية اقتران الحنان بشكل عام، والأبوي بشكل خاص، بالفعل الجسدي (المعانقة والتقبيل) والفعل الشفهي (الدعاء والحوار والتعبير عن الإعجاب)، وأن هذا الإفضاء مما يرقق الطبع ويتسق مع الفطرة ويزرع الرحمة.

إن مشاهد الرحمة السابقة تعكس ضمنًا التصور القرآني للطفل: باعتباره مخلوقًا ضعيفًا، ورزقًا وبشرى ومشروعًا مفتوحًا بين الإيجاب والسلب..إلخ، وتوضح كذلك إعمال الفطرة وتزكيتها، وإعمال الجانب الإيماني من خلال الأخذ بسنن الدعاء واستشراف الخير في مستقبل الطفل، والأخذ في ذات الوقت بسنن الرعاية والإطراء والتدليل والتي ثبت أثرها العظيم على نفسية الطفل وشخصيته. جملةً، فإنه يتضح من تلك المشاهد كيف أنزل النبي (ﷺ) النص المطلق على الحياة اليومية فكان (ﷺ) رحمة تتحرك في كل موقف.

الرحمة بالطفل مدخل لإعمال الفطرة السوية في نفس الإنسان.

عَنْ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – قَالَتْ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إلى النبي ﷺ فَقَالَ تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ. فَقَالَ النبي ﷺ «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ».

وعن أَبَى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – قَالَ قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِىُّ جَالِسًا. فَقَالَ الأَقْرَعُ إِنَّ لِى عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ».

ومن مقام الحديث عن الرحمة التي هي صفة محورية في شخص النبي كما هي صفة محورية في حق أمته: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107) إلى مقام الحديث عن الغلظة التي هي صفة منفية في حق شخص النبي كما هي ينبغي أن تنتفى من سلوكيات وأفعال أمته، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران 159).

فقد تميزت وتمايزت القيم التي جاء بها الإسلام وترجمها نبي الإسلام ﷺ (على شكل سلوكيات وأفعال وأقوال) عما جرت عليه عادة العرب في جاهليتهم من بداوة وغلظة. ومن ذلك تلك المظاهر التي ارتبطت بمعاملة الفئات الأضعف في المجتمع وبالأخص النساء والموالي والأطفال. ففي الحديث يقبل النبي حفيده بمحضر من الأقرع بن حابس، الذي يتعجب الموقف ولا يكتم عجبه وإنما يصرح به بعبارة تبدو فيها ملامح الاستنكار. فيواجهه النبي بحقيقة مؤداها أن ما يتعجب منه إنما هو الأصل الفطري، الذي جرت عليه النفوس السوية وأن الغلظة في معاملة الأطفال مؤشر على ما هو أخطر، ففيها دليل على خلو النفس من الرحمة والسماحة، واشتمالها على الكبر والغلظة. وقد ظهر هذا في حق الأقرع في أحاديث أخرى، لذا عده النبي ﷺ من المؤلفة قلوبهم، وعامله معاملة خاصة حتى يتمكن الإسلام من قلبه ويفرض عليه قيمه.

وكذا فعل النبي مع الأعرابي عندما بين ﷺ له أن ما يتفاخر بسببه كان حريًّا أن يستحي منه، فنفسه نفس تفتقر إلى الرحمة التي جعلها الله كامنة في القلوب من غير كسب أو جهد، ومع ذلك فإن هناك من يتفننون في تفريغ نفوسهم من هذه الرحمة. وقد شدد النبي ﷺ النكير على القساة العتاة وعدهم منسلخين عن زمرة الأمة؛ ففي الحديث عن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا فليس منا»[42].

وتكرار نفس الموقف مرتين -وربما أكثر على نحو ما أظهرت الأحاديث- يوحي بأن الافتقار إلى التراحم كان خلقًا شائعًا وسلوكًا عامًا في مجتمع ما قبل الإسلام، كما هو الآن خلق سائد وغالب في زمن عاد الإسلام فيه غريبًا كما بدأ.

ولهذا فإن تفعيل النموذج الإسلامي في هذا الإطار يمكن أن يمثل مدخلًا لإحياء الموات وللارتقاء بأخلاقيات المجتمع المسلم. وذلك بحمل النفوس الجافية والقاسية على تمثل معاني الرحمة من خلال معاملة هذه الفئة المحسوبة على الضعفاء. فالتعامل مع الأطفال قد يكون مناسبة لتربية المجتمع وتوجيهه نحو القيم الإسلامية الصحيحة. فالكثير من الناس قد لا يجدون الفرصة للتحول عن صفاتهم التي يكرهها الناس من حولهم فيهم أو يكرهونها هم من أنفسهم من خلال التعامل مع نفس الأشخاص والمواقف التي تحيط بهم، ويمثل التعامل مع الأطفال في هذه الحالة فرصة لولوج عالم جديد، نقيّ، يمكن للإنسان أن يعيد اكتشاف إنسانيته من خلاله، وبالأخص فيما يتعلق باكتساب صفة الرحمة التي تفقدها العديد من النفوس في خضم تفاصيل الحياة المشحونة بالماديات.

ومن ناحية أخرى فإن ثمة ضرورة تربوية في إظهار مشاعر الرحمة بالطفل وترجمتها على صورة سلوكيات وأفعال جسدية ولفظية، فالطفل “بحاجة” إلى التقبيل والضمّ والمناغاة والملاعبة من أجل أن ينمو نموًا سليما سواء على المستوى البيولوجي أو على المستوى النفسي. وقد أثبتت الدراسات والأبحاث أن الطفل يحتاج إلى ما يبثه المحيطون به من حب واهتمام تجاهه، وقد اتضح ذلك منذ وقت مبكر من خلال تجربة قاسية أمر أحد الملوك القدامى بإجرائها في محاولة منه أن يعرف بأي لغة سيتكلم الأطفال عندما يكبرون إذا لم يسمعوا كلامًا من أي أحد في فترة طفولتهم. ولذا أمر بدفع عدد من الأطفال حديثي الولادة إلى مرضعات ومربيات ليرضعنهم وينظفنهم ويعتنين بهم ولكن دون أن يصدر عن هؤلاء المربيات أي صوت أو كلام. لكن جهده ذهب هباء؛ إذ مات جميع الأطفال الذين دفع بهم إلى هذه التجربة؛ وذلك أنهم لم يستطعيوا العيش بدون تدليل المرضعات ورؤية وجوه باسمة وسماع كلمات أو أصوات تشعرهم بالحنان والحب. وقد تأكدت هذه النتائج المؤسفة فيما بعد عندما توصل باحث في مجال التحليل النفسي في عام 1958 إلى الاستنتاج بأن انعدام عناية الأم وإثارتها لأحاسيس طفلها وإظهار حبها له يؤدي إلى تخلف جسماني وعاطفي وإلى معدلات وفاة عالية، كما أدت دراسات أخرى عديدة إلى الاستنتاج بأن المهارات والصفات التي ترسم معالم شخصية الفرد لا تبرز إلا نتيجة الاختلاط أو التعايش مع أناس آخرين وبخاصة في السنوات الأولى من حياة الإنسان[43].

توجيه الأطفال بغير عنف

عن أَبَى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ – رضى الله عنهما – تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا في فِيهِ، فَقَالَ النبي ﷺ: «كِخٍ كِخٍ -لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ- أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ».

وكما يكون الطفل محلًا للرحمة فإنه لابد وأن يكون محلًا للتأديب الذي يبتغي تصحيح مواطن الخلل في سلوكه أولًا بأول، وكلما لاح موقف يستدعي مثل هذا التوجيه. فالقاعدة الدارجة تؤكد أن ما تكرر تقرر، ولا تصدق هذه المقولة بقدر ما تصدق على حال الأطفال الذين يعتبرون في معظم الأحوال أن ما نُشِّئوا عليه هو بمثابة مسلمات لا مجال لمراجعتها أو التفكير في تصحيحها حال الكبر.

والتوجيه والمتابعة بقدر ما هما حاجتان تربويتان فهما أيضًا قاعدتان فطريتان، يمثل النكوص عن أدائهما خروجًا عن أصول فطرية، مما يناسب أن يكون قرينًا لنهاية الزمان واختلال الأحوال. فالنفوس السليمة لا تتحمل رؤية الخطأ في سلوك الذرية من دون تقويمه وإصلاحه. والنفوس السليمة تعتبر أن تصحيح الاختلالات في سلوك الأبناء هو وقاية لهم من انحرافات المسار المستقبلي. والنفوس المجبولة على الفطرة ترى أن فرط المحبة والرحمة لا ينبغي أن يحول دون أخذ الأبناء بالشدة المناسبة عند اللزوم، وتعتبر أن هذه الشدة هي في أحد وجوهها رحمة مستترة. ومن هنا كان تشخيص النبي الأمين أن من علامات الساعة أن تلد الأمة ربتها. وأحد أوجه تفسير هذا القول إنه بقرب قيام الساعة وفساد الأحوال تنقلب علاقات الأبوة والأمومة، ومن ذلك أن تسوء التربية أو تختفي، ويفشو التدليل حتى تصير أم الطفلة في حكم الأمة لابنتها من فرط تدليلها لها وخضوعها لأمرها.

وقد بين الحديث النبوي ضرورة الأخذ على يد الطفل وحمله على السلوكيات القويمة. والنبي ﷺ في هذا السياق لا يلفت فقط إلى الزجر وإنما يدمج معه التوجيه التربوي الذي يرسم ملامح السلوك المستقبلي للطفل. فلا يكتفى بزجر الأبناء حال خطئهم وإنما يوجههم إلى السلوك الأقوم والفعل الأسلم.. ومن هنا يفهم أيضًا أن المنع لابد له من تبرير، حتى لو كان في حق الطفل الذي لا يعي، لتوليد وتنمية عقلية التساؤل عنده. ويتفق هذا التوجيه النبوي مع ما قدمه النموذج اللقماني في القرآن –المعروض في المبحث السابق- من تأكيد على أهمية التبرير: “يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم”، “..واغضض من صوتك إن انكر الأصوات لصوت الحمير..”

وفى الحديث شاهد على تواجد الأطفال في المساجد خلافًا لمن قال بتنزيهها عنهم. وبيان أهمية تأديبهم بما ينفعهم ومنعهم مما يضرهم. وفيه الإعلام بسبب النهي، ومخاطبة من لا يميز لقصد إسماع من يميز؛ لأن الحسن إذ ذاك كان طفلا، وأما قوله: “أما شعرت” فهو شيء يقال عند الأمر الواضح وإن لم يكن المخاطب بذلك عالمًا؛ أي كيف خفي عليك هذا مع ظهوره (راجع شرح الحديث في فتح الباري لابن حجر).   

الصبي المميز

متى بلغ الأطفال حدًّا يستطعيون فيه التمييز، أصبح من المهم البدء في توجيههم تربويًا وتدريبهم على أفعال التكليف، سواء في أمور العبادات، أو في أمور المعاملات. فقد رويَ عن الحسن في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} قال: يأمرهم بطاعة الله ويعلمهم الخير. فمن حقوق الأولاد والأهلين قيام الرجل عليهم وتعليمه إياهم من أمور دينهم ما يحتاجون إليه. وقد فصلنا في هذا النهج القرآني عند تناول الجانب التشريعي من علاقة الوالدية في المبحث السابق. ونعرض فيما يلي لانعكاساته في السيرة النبوية.

قال الإمام أحمد رحمه الله: وأما التعليم والتأديب فوقته أن يبلغ المولود من السنِّ والعقل مبلغًا يحتمله، ومن ذلك:

  • أن ينشئه على أخلاق صلحاء المسلمين، ويصونه عن مخالطة المفسدين.
  • أن يعلمه القرآن ويسمعه السنن وأقاويل السلف، ويعلمه من أحكام الدين ما لا غنى به عنه.
  • ومنها أن يرشده من المكاسب إلى ما يحمد، ويرجى أن يرد عليه كفايته.
  • فإذا بلغ أحدهم حد العقل عُرّف البارئ جل جلاله إليه بالدلائل التي توصله إلى معرفته، من غير أن يسمعه من مقالات الملحدين شيئًا، ويذكرهم له في الجملة أحيانًا، ويحذره إياهم وينفره عنهم ويبغضهم إليه ما استطاع. ويبدأ من الدلائل بالأقرب الأجلي ثم ما يليه، وكذلك يفعل بالدلائل الدالة على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، يهديه فيها إلى الأقرب الأوضح ثم الذي يليه. أ.هـ

ومن ذلك أيضًا اصطحابهم إلى المساجد وتعويدهم المشاركة في محافل المسلمين، وإشعارهم بمعنىً أولىّ للأمة يمكن تشبيهه بالأسرة الكبيرة التي يجمع ما بين أفرادها الإيمان بالله الواحد، وتدريبهم على الصيام ولو لأوقات يسيرة من اليوم، ومن ذلك أيضًا إشعارهم بعالم الغيب وبوجوده في الحيز الذي لا نستطيع أن نراه بأعيننا، وإشعارهم بوجود القوى غير المنظورة من الشياطين والأبالسة وزرع كراهيتها في نفوسهم وتعويدهم الاستعاذة منها من دون إرهابهم بها، وتربيتهم على أوليات الإيمان والبر: (بر الوالدين، صلة الأرحام، الرحمة بالمستضعفين والفقراء، حضور مجالس العلم)، ومحادثتهم عن نعم الله وفضله، وعن ضرورة محبته لما يغذونا به من نِعم، والبدء في تعليمهم القرآن، وتعويدهم سماع الذكر، وتأليف قلوبهم إلى بيوت الله، وإشعارهم بمكانة العلماء، وتعريضهم لبركة الصالحين.

ولا يعني ازدياد ولوج الأطفال في هذه المرحلة لعالم الكبار أن تشح في حقهم ممارسة الرحمة؛ إذ ينبغي أن تأتي كل تدريبات التكليف في قالب من الرحمة؛ وذلك حتى لا تنفر منه نفس الطفل أو يعتبره عبئًا عليه من قبل أن يصير فرضًا بحقه. ولذا يتعين أن يأتي “التدريب على التكليف” في إطار من الرحمة والتلطف والرفق في المعاملة وعدم المؤاخذة بالشكل الذي يؤاخذ به المكلف.

الإدراك والبلوغ

روى عن عَلِىٌّ -مرفوعًا إلى النبي ﷺ: رُفِعَ القلم عَنْ ثَلاَثَةٍ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ.

مما يستفاد من هذا الحديث أنه قد اعتبر أن رفع القلم عن الصبي رهن بإدراكه، وهو الحدُّ الذي تتكامل فيه بنية وعقل الطفل، الذي يتزايد تزايدًا خفي التدريج. والإدراك ربما سبق البلوغ، والقلم هنا هو قلم المؤاخذة والثواب، الموكل به الكرام الكاتبون الذين يعلمون ما البشر فاعلون، وهو غيب في حق البشر.

أما التحميل بالأحكام الشرعية فقد ارتبط بالبلوغ بوصفه معيارًا إجرائيًا لا مجال للتفاوت في تطبيقه. لهذا تجب به الحدود ويتعلق به أكثر أحكام التكليف، ومن هنا فقد أخذ الفقه الإسلامي بمعيار البلوغ وليس بمعيار الإدراك في مخاطبة الصبية بالأحكام الشرعية. أما قلم المؤاخذة والثواب فإنه يسري -بنص الحديث- على الصبي قبل سنِّ بلوغه إن تقدم إدراكه على بلوغه.

وقد حكى البيهقي في “شعب الإيمان” ما يفيد تداخل معنيي البلوغ والإدراك في صدر الإسلام، وأن البلوغ كان -في بداية الدعوة- لا يُميَّز عن طريق السنّ ولكن عن طريق الإدراك، ومن ذلك ما روي من إسلام عليّ بن أبي طالب وصلاته مع النبي ﷺ قبل أن يبلغ مبلغ الرجال. فقد كان رضي الله عنه ابن عشر سنين لما أسلم، ومع ذلك فقد أمره رسول الله ﷺ بالإسلام والصلاة لمّا لاحظ عليه أنه صار من أهل التمييز والإدراك دون سائر الصغار، وليكون ذلك كرامة له ومنقبة، فيكون خطاب النبي ﷺ إياه بالدعاء إلى الإسلام والصلاة يومئذ على أنه “بالغ” عنده؛ لأن البلوغ بالسنّ ليس مما شرع في أول الإسلام، بل ليس يحفظ قبل قصة ابن عمر في أُحد والخندق في ذلك شيء. فعَنِ ابْنِ عُمَرَ – رضى الله عنهما أَنَّ النبي ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْهُ، وَعَرَضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهْوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَهُ.

أمرهم بالصلاة واصطحابهم إلى الجماعات.

وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض فإذا صلى وحده فليصلِّ كيف شاء.

عن عَائِشَةَ قَالَتْ أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ الصَّلاَةَ، نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ فَقَالَ «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ»[44]……..

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضى الله عنهما – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا فَقَالَ: «مَتَى دُفِنَ هَذَا». قَالُوا الْبَارِحَةَ. قَالَ «أَفَلاَ آذَنْتُمُونِى». قَالُوا دَفَنَّاهُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ.

عن إبراهيم بن سويد قال: صلى بنا علقمة الظهر خمسا فلما سلم قال القوم يا أبا شبل قد صليت خمسا، قال كلا ما فعلت قالوا: بلى قال وكنت في ناحية القوم وأنا غلام فقلت بلى قد صليت خمسا[45]

عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع (سنن أبى داود)

وتدريبهم على الصيام

عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه فكنا بعد ذلك نصومه ونُصَوِّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناهم إياه عند الإفطار.

وعلى الحج

عن جابر رضي الله عنه، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج، معنا النساء والولدان[46].

عن ابن عباس عن النبي ﷺ لقي ركبا بالروحاء فقال من القوم قالوا المسلمون فقالوا من أنت قال رسول الله فرفعت إليه امرأة صبيا فقالت ألهذا حج قال نعم ولك أجر.

يتم التدريب على أفعال التكليف في النموذج الإسلامي من خلال برنامج تربوي متكامل، يلحظ ما ينبغي أن يكونه الطفل في مستقبله من التزام بالأوامر الشرعية، وما عليه الطفل حال طفولته من رغبة في التحلل من الالتزامات والتكليفات بشكل عام، ولذا فإنه يدمج التكليف بالملاعبة، ويقرن التدريب بالتخفيف، مع توجيه تركيز الطفل بعيدًا عن محل المشقة لتسهيل أفعال التكليف على نفسيته.

فبعد أن تصبح ذهنية الصبي مؤهلة لتلقي واستيعاب التوجيهات المباشرة (غالبًا في سن سبع سنوات)، يتوجه إليه الأمر بالصلاة، وتترك أمامه الفرصة لكي يحمل نفسه على الانتظام في أدائها على مدار ثلاث سنوات، أي حتى بلوغه العاشرة. وهذا التأديب المتدرج في حق الصبي إنما يهدف إلى أن يألف الصلاة ويعتادها ولا يتركها عند البلوغ. ولا فرق بين الذكر والأنثى في هذا.

ولا يخفى أنه في البيت المسلم الذي تقام فيه الصلاة على نحو لا ينقطع، عادة ما يظهر الأطفال حرصًا، حتى وهم دون هذه السن، على تقليد آبائهم في أفعال الصلاة، والوقوف بجوارهم حال قيامهم لها، وأداء نفس حركاتهم. الأمر الذي يجعل من تكليف الأطفال بعد هذا بأدائها أمرًا غير عسير ولا ثقيلٍ على نفسه، فالعبرة هنا إنما تتمثل في وجود القدوة الذي يوفر للطفل مدخلًا لمحاكاته وتقليد أفعاله.

ومن باب التدريب على التكليف والتربية بالمصاحبة يشجع النموذج الإسلامي على اصطحاب الأطفال إلى المساجد رفقة آبائهم وأمهاتهم، حتى يعتادوا المساجد وتألفها قلوبهم، ويستقر مشهد اجتماع المسلمين في أذهانهم. وتظهر الأحاديث أن هذا كان فعلًا متكررًا وسائدًا على مرأى من النبي ﷺ، ولم يكن النبي ينهى صحابته عنه، أو يأمرهم بخلافه. فيما يعكس مظهرًا من مظاهر المشاركة الاجتماعية لكافة المستويات العمرية في أبرز المظاهر التعبدية والاجتماعية والتي تمثلها الصلاة.

وفى أثناء التدريب على التكليف فإن عمل الطفل يضاف إلى رصيد أبيه وأمه، لكي لا يزهد أب أو أم في تأهيل ابنهما دينيًا، فمهما يدربان عليه الصغير ينضاف إلى أجرهما عند الله. فالمرأة المسلمة الحريصة على “البر” بولدها تحمله في رحلة الحجّ، وتستفهم من النبي عن حالها وحال ابنها، فيبشرها النبي بأن حج ولدها متقبل وثواب هذا العمل إنما هو من نصيبها.

وهنا يبرز دور الغيب الحاضر دومًا في التصور الإسلامي، فليست كفاءة عمل المنظومة الاجتماعية هي فقط ما يبتغيه المسلم من خلال ممارسة فعل التربية وتدريب غير المكلف على التكليف، ولكن ابتغاء الثواب الأخروي الغيبي، الذي يهون من مشقة فعل التربية نفسه، ويربط طموحات المكلف بالنفع الذي يمكن أن يجنيه من وراء كده في تربية ولده في الدنيا وفي الآخرة.

وتبرز الأحاديث كون العبادات وما يرتبط بها من شعائر هي الخيط الناظم لحركة المجتمع، وعنصر الالتقاء الذي يجمع أطيافه المختلفة. كما تبرز التنوع العمري الذي يسم كافة المظاهر الحياتية للمجتمع المسلم فهو ليس بمجتمع الشريحة الواحدة، ولكنه مجتمع تتداخل طوائفه العمرية في كافة مظاهر الاجتماع الممكنة فيه.

وبالتدرج المتصاعد في مراحل التدريب على الأفعال التعبدية المختلفة ينبغي على الوالدين ألا يقفا عند حد تلقين أبنائهم شكليات الأداء فحسب، وإنما لابد من توجيههم إلى المعاني النفسية والخلقية التي يُرجى أن تثمرها هذه العبادات على سلوكيات المتعبّد بها، فيبين للطفل أن الصلاة تنهى عن كل خلق ذميم، وأن صلاة الإنسان الفاسق بلا معنى ولا ثمرة، وأنها كتاب موقوت لا ينبغي التهاون فيه أو تضييعه، كما لا ينبغي تضييع سائر الأمانات، وأنها وقوف بحضرة الله سبحانه وانقطاع عن أشغال الحياة ولهوها، فلها نصيب من الخشوع والرهبة لا تشاركها فيه عبادة أخرى، وأنها العبادة التي فرضت من فوق سبع سماوات، فهي سمو للنفس إلى آفاق السماوات، وأنها الفريضة الوحيدة التي تتضمن سجود الوجه لله، وفى التذلل لله شرف يقي من التذلل لمن هم دونه. كما يبين للطفل أن الصوم هو تهذيب للنفس وتدريب لها، بمنعها عما تحب وتشتهى ابتغاء نيل ما عند الله مما هو أحب وأشهى، كما أن سائر مطلوبات الدنيا لا تنال إلا بحرمان النفس من بعض الحظوظ العاجلة والمتع المباشرة، وهو مراقبة لله الذي لا تغيب عنه خافية، فيصير بذلك تمرينًا على التقوى ومراقبة الله في سائر الأعمال والأحوال. ويبين له أن الحج هو هجرة إلى الله سبحانه، وهو إعلان الولاء لدين الله بالخروج من المال والأهل في رحلة، لا تخلو من المشقة، إلى البيت الذي ارتضاه الله في عليائه لذاته الكريمة في عالم الناس، …… ويكون هذا شأنه في جميع العبادات.

تعليم الأطفال القرآن

َقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ.

عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ َقَالَ ﷺ: «صَلُّوا صَلاَةَ كَذَا في حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا كَذَا في حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا». فَنَظَروا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّى، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ، سِنِينَ[47].….

كان حفظ القرآن يمثل ولا يزال معيارًا للترقي الاجتماعي، والالتحاق بعالم الكبار والبالغين. ولا يزال لحفظة كتاب الله من السمت العقلي والنفسي ما يبزهم على قرنائهم، وهذا أمر مشاهد وملموس. إذ يندر أن نجد حاملًا لكتاب الله في غير صفوف الطليعة المبرزة في أي مجال أو تخصص. ويكفي المسلمين فخرًا أن يكون قيامهم بتحفيظ أولادهم لكتاب له تفعيلًا لقول الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر9).

ويبقى العجب باقيًا من الكيفية التي استودعت بها الصدور الآدمية كلمة الله الأخيرة إلى أهل الأرض، وكيف اتسع القلب الإنساني المحدود لكلمات الله الخالدة. إنها رحمة الله التي يسرت القرآن للذكر، واستنفرت المدكّرين. لتصبح معجزة معجزات هذه الأمة أنها الأمة الوحيدة على مدار تاريخ الإنسانية جمعاء التي يحفظ أبناؤها كلمات الله حرفيًا ويرددونها من دون مشقة أو عنت. والطفل بما جبل عليه من فطرة نقية وسليقة حاضرة كان خير من يحمل هذه النعمة، ليتبين الناس أن حمل القرآن لا يحتاج للمقدرة؛ فالطفل خلو منها، ولكنه يحتاج إلى الفطرة النقية والنفس السليمة.

أما حديث عمرو بن سلمة فإضافة لما يظهره من فضل حامل القرآن فإنه يظهر كون الإدراك غير البلوغ، فقد قُدم عمرو-الطفل-لما توافر فيه من إدراك تمثلت علامته في أنه كان أكثر القوم قرآنا، وإن كان دون سن البلوغ. ولذا التحق حديث عمرو بمرحلة الطفل المميز، رغم أنه كان ابن ست سنين فيه أو سبع. وفى الحديث شاهد على أن إمام القوم أكثرهم قرآنا وإن كان أصغرهم سنًّا، وإن كانت إمامة الصبي المميز محل خلاف بين فقهاء المسلمين.

التربية العملية بالمصاحبة وبالتوجيه

عن عُمَرَ بْنَ أَبِى سَلَمَةَ يَقُولُ كُنْتُ غُلاَمًا في حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ يَدِى تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ فَقَال لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِى بَعْدُ.

عن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّه بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النبي ﷺ وهي خَالَتُهُ فَاضْطَجَعْتُ في عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ في طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إلى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إلى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِى، وَأَخَذَ بِأُذُنِى الْيُمْنَى، يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.

عن ابْنَ عَبَّاسٍ – رضى الله عنهما – قَالَ لَهُ رَجُلٌ شَهِدْتَ الْخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ نَعَمْ، وَلَوْلاَ مَكَانِى مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ – يَعْنِى مِنْ صِغَرِهِ[48] -….

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ t يَتَرَبَّعُ في الصَّلاَةِ إِذَا جَلَسَ، فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلاَةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِىَ الْيُسْرَى. فَقُلْتُ إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ. فَقَالَ إِنَّ رِجْلَىَّ لاَ تَحْمِلاَنِى.

وعن عبد الله بن عباس قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف[49].

يتأتى تعليم الآداب الاجتماعية بالأساس من خلال المصاحبة لتوفير إمكانية المشاهدة، ثم من خلال التوجيه اللفظي القائم على المقدرة السماعية للطفل وذلك استغلالًا لملكات الطفل في الملاحظة والتدقيق والتقليد، والعبرة من المصاحبة أن يُشغل حيز حياة الطفل وخبرته المبكرة وعالم شهادته بالمشاهد والخبرات والمعاني التربوية الرافعة لخلقه والمهذبة لسلوكه. وهذا ما يقتضي أن تكون سلوكيات المصاحِب رفيعة بدورها خلوقة بطبيعتها حتى تحدث أثرها في نفس الطفل التابع.

ففي حديث ربيب النبي ﷺ، يُؤدَّب الغلام من خلال مصاحبته النبي في جلسة الطعام، ثم من خلال التوجيه المباشر له بتسميه الله والأكل باليد اليمنى وبالأكل مما يليه من طبقه. وذلك في عبارة بسيطة ورفيقة في الوقت ذاته، لتشكل نفسية الطفل وترسم ملامح علاقة اجتماعية لا تتأبى عن التوجيه، وتوسع من دائرته لتشمل كل ولى أمر أيًا كان.

وفى الحديث أن الربيب يعامل معاملة الابن، وهي الصورة التي يتم الإلحاح عليها في العديد من التفاصيل التي تضعها السيرة، والتي تبين أن البعد الإنساني وقيمة الرحمة لا يقتصر نطاقهما على دائرة الأسرة الضيقة، ولكنها تتسع لكل من يتواجد في سياق العائلة المسلمة.

أما أحاديث ابن عباس فتعكس صورة أخرى لاستصحاب الطفل متى أظهر نجابة. فقد كان ابن عباس يبيت في أبيات النبي ويردفه ﷺ على دابته، ويشهد مقامه في الجمع والجماعات، وكانت هذه المصاحبة فرصة ذهبية لابن عباس –الصبي- لكي ينهل من علم النبوة ومن توجيهات شخص رسول الله ﷺ، كما كانت فرصة ذهبية قدرها الله سبحانه للأمة لكي تتلقى علم نبيها الموحى به عبر عقلية حافظة ومتوثبة ومتيقظة لكل ملمح ومنشط من سيرة رسول الله ﷺ.

كما يظهر من حديث عبد الله بن عمر أن الطفل يلحظ الأحوال الاستثنائية ولا تغيب عنه دقائق الأفعال، وربما ترسخت في ذهنه هذه الأحوال واعتبرها أصولًا، مما يقتضي الحرص عند تربية الصغير. فربما وقف الصغير على تفصيل عملي معين ونسى بإزائه كل النصائح والمواعظ التي يتوجه بها إليه والداه.

 مرة أخرى نلمح انعكاسات النموذج اللقماني في تلك التوجيهات والأفعال النبوية؛ من جهة ملاحظة الطفل وتقويم سلوكه من خلال المصاحبة والتوجيه اللفظي وكذلك التأكيد على أهمية المعاملات.

مراعاة حاجة الأطفال للعب

عن أنس بن مالك،[50] أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان.

عن عائشة قالت َكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النبي ﷺ وَإِمَّا قَالَ «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ». فَقُلْتُ نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ». حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ «حَسْبُكِ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «فَاذْهَبِي»، وفى رواية (وَأَنَا أَنْظُرُ إلى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ في الْمَسْجِدِ، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الذي أَسْأَمُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْو).

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلاَمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِمِنًى إلى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَىَّ.

وعن ابن أبي نجيح، قال: كان الحسن والحسين يركبان فوق ظهر النبي ﷺ ويقولان: حل حل، ويقول النبي ﷺ: نعم البعير بعيركما[51] .

وقد ورد في صحيح ابن حبان عن عائشة أصغر زوجات النبي ﷺ أنها قالت: كنت ألعب بالبنات (العرائس) على عهد رسول الله ﷺ… فكن يأتيني صواحبي، فكن إذا رأين رسول الله ﷺ ينقمعن فكان ﷺ يسربهن إليّ يلعبن معي. وقالت رضوان الله عليها: دخل علي ﷺ وأنا ألعب باللعب فرفع الستر وقال ما هذا يا عائشة، فقلت: لعب يا رسول الله، قال: ما هذا الذي أرى بينهن، قلت: فرس يا رسول الله، قال: فرس من رقاع له جناح، قالت فقلت: ألم يكن لسليمان بن داود خيل لها أجنحة؟ فضحك رسول الله ﷺ.

وكما أن للتدريب على التكليف مكانه في البرنامج التربوي النبوي فإن للعب دوره ووظيفته التي لا ينبغي أن تبخس. فللعب مكانه المهم ودوره التربوي الذي لا ينبغي أن يحرم منه الطفل، حتى لو كان مقدرًا له أن يصير علمًا مبرزًا أو قائدًا يُقتدى بسلوكه، بل حتى لو كان مقدَّرًا لهذا الطفل أن يصبح نبيًّا خاتمًا، فلا تعارض بين تحمل هذا العبء الثقيل والعظيم المتمثل في تبليغ رسالة السماء إلى أهل الأرض وبين اجتياز المراحل الفطرية الأولية التي يتغلغل اللعب فيها تغلغل الرحيق في الزهر. وقد رُوي عن الحسن أنه دخل منزله وصبيان يلعبون فوق البيت، ومعه عبد الله ابنه، فنهاهم، فقال الحسن: دعهم فإن اللعب ربيعهم.

هذا، ويمكن تبين أن لعب الطفل في غالبه ما هو إلا محاكاة لعالم الكبار، ولكن من خلال نماذج أقل صرامة وأكثر تحررًا من قواعد عالمهم، نماذج قد تكون أقل تعقيدًا ولكنها -رغم ذلك- أعمق أثرًا -إذا ما استغلت تربويًا- من أي توجيه مباشر أو إرشاد لفظي قد يوجه من خلاله الصبي على سبيل الإلزام.

كما نلمح من السيرة ملمحًا آخر يتمثل في أهمية معنى الجماعية والمشاركة حتى بالنسبة للأطفال الموهوبين أو المتميزين عن أقرانهم على نحو خاص. فالنبي ﷺ -وهو من هو- يلعب مع غلمان لم ولن يبلغوا شأنه أو قدراته أو خصائصه، وكذا عائشة زوجه t، يسرِّب إليها زوجها ﷺ أترابها ليلعبن معها. فمعنى الجماعية بالنسبة للتكوين النفسي للمرء من الأهمية بمكان، فالطفل المتميز لا ينبغي أن يحجب عن الوسط الطبيعي للتفاعل مع الغير؛ وذلك لأن جانبًا كبيرًا من تميز الطفل إنما يبرز من خلال احتكاكه في مراحله العمرية المبكرة بغيره من الأقران والأتراب.

وقد أكدت الأبحاث المعاصرة على أهمية اللعب بالنسبة للطفل وبخاصة من حيث كونه يمثل الفرصة الأولى التي تمكنه من إقامة علاقات اجتماعية مع الآخرين، حيث يتعلم الطفل كيفية التعامل مع الآخرين وأساليب التعاون مع الرفاق، وكيفية تقمُّص وأداء الأدوار التي يقوم بها الكبار. كما يستطيع الطفل من خلال اللعب أن يتعلم التفكير المستقل، وأن يجرب الأفكار الجديدة، ويبدع المواقف المختلفة. كما يتعلم الطفل من خلال اللعب مفاهيم الصواب والخطأ فضلًا عن بعض القيم والمعايير الأخلاقية كالعدل والأمانة والصدق وضبط النفس وتحمل الهزيمة[52].

إن تلك المراعاة لفطرة الأطفال وحرصهم على اللهو هي صورة اخرى لانعكاس النظرية القرآنية الثلاثية في النموذج النبوي التربوي؛ حيث يسمح للأطفال باللهو كيفما شاءوا، بل ويعد تمكينهم من ذلك من الإيمان ومن العمل بالشرع. ولا يزجر الطفل عن اللهو إلا إذا تطرق لما هو محرم شرعًا فيزجر ويبرر له ذلك كما سيرد في الحديث اللاحق.

تقويم الطفل

عن عائشة قالت ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل.

قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَضْرِبُونَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ[53].

وفى رواية (وَكَانَ أَصْحَابُنَا يَنْهَوْنَا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ أَنْ نَحْلِفَ بِالشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ)

عَنِ ابْنِ عُمَرَ – رضى الله عنهما – أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغُلاَمٌ مِنْ بَنِى يَحْيَى رَابِطٌ دَجَاجَةً يَرْمِيهَا، فَمَشَى إِلَيْهَا ابْنُ عُمَرَ حَتَّى حَلَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا وَبِالْغُلاَمِ مَعَهُ فَقَالَ ازْجُرُوا غُلاَمَكُمْ عَنْ أَنْ يَصْبِرَ هَذَا الطَّيْرَ لِلْقَتْلِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النبي ﷺ نَهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ.

تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنَا الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَعَنَ النبي ﷺ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوَانِ.

وذكرنا من قبل حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع (سنن أبى داود).

بينت السُّنة أن العقاب الذي يوجه للأطفال لا يكون لمجرد إيقاع الإيذاء وإنما يكون بهدف الإصلاح، ومن ثم فإن مواجهة أخطاء الأطفال لا تكون بإيقاع العقاب المجرد من معاني التربية. فالأصل في التعامل مع الأطفال إرشادهم وتوجيههم إلى ما فيه خيرهم إن كانوا من أولي التمييز، أو إرشاد أوليائهم إلى ذلك.

ومن هنا فإن الأصل في التعامل مع الطفل ألا يعرض للعقوبة الجسدية أو لغيرها من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية. ومن الملاحظ والمعروف أن الشريعة لم تفرض حدودًا (عقوبات شرعية) في حق الأطفال، وإنما انصرف معظم التأنيب عما يأتونه من مفاسد إلى أوليائهم لعدم قيامهم بما هو منوط بهم من تأديبهم وتوجيههم.

إن مجموعة الأحاديث السابقة بما تعرضه من تدريب على التكاليف تمثل تجسيدًا لما ورد في الإطار القرآني عند الحديث عن الجانب التشريعي من علاقة الوالدية ودور الوالدين في معاونة الأبناء على تلقي التكاليف الإلهية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}، {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ…}.

مراعاة المساواة بين الأبناء في الهبة والمعاملة

عن النعمان بن بشير، قال انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أشهد أني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي، فقال: «أكل بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان؟. قال: لا، قال: فأشهد على هذا غيري، ثم قال: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟. قال: بلى، قال: فلا، إذًا».

يتمثل الحكم الشرعي المستنبط من حديث النعمان في أنه ينبغي على الوالد أن يسوي بين أولاده في الهبة، فيهب لكل واحد منهم مثل الآخر، ولا يفضل، وأن يسوي بين الذكر والأنثى، فقد اشتملت سيرة النبي ﷺ على الحضِّ على المساواة بين الأبناء في الهبة وفى المعاملة والملاعبة. فعن الحسن قال: بينا رسول الله ﷺ يحدث أصحابه إذ جاء صبي، حتى انتهى إلى أبيه في ناحية القوم، فمسح رأسه وأقعده على فخذه اليمنى، قال: فلبث قليلا فجاءت ابنة له حتى انتهت إليه فمسح رأسها وأقعدها في الأرض فقال رسول الله ﷺ: فهلا على فخذك الأخرى، فحملها على فخذه الأخرى، فقال ﷺ: الآن عدلت[54].

والمساواة بهذا المعنى هي حالة نفسية يمارس المرء من خلالها العدالة التي أمره الله بها، وليست فقط مجموعة من الإجراءات التي تفتقر إلى إحساس حقيقي. فمهما يكن في الإنسان من ميل قلبي فإنه ينبغي عليه أن يتحرى العدالة والمساواة بين من وجب عليه التسوية بينهم، وألا يأمن مكر الله من جراء تفرقته في المعاملة. وقد كان النبي -وهو من هو- في تقوى الله وخشيته يتحرى كافة صنوف العدالة بين زوجاته، ثم يردف هذا بدعاء الله سبحانه: “اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك”[55].

وتعكس هذه الأحاديث -إلى جانب ما تقدمه من تأكيد على قيمة العدل- تطبيقًا لمعنى الإيمان بالسنن التي تحيط بالطفل ومنها سنة العدل والميزان في كون الجزاء من جنس العمل، وسنة امتداد الصلاح: فصلاح الآباء وطاعتهم لله ينعكس على الأبناء.

تربية الوعي في نفوس الأطفال بقضايا الأمة.

قَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ – رضى الله عنه ذَهَبْنَا نَتَلَقَّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ الصِّبْيَانِ إلى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ.

عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ – رضى الله عنهما – يَقُولُ شَهِدَ بِي خَالاَيَ الْعَقَبَةَ.

عن عروة بن الزبير وفاطمة بنت المنذر بن الزبير: أنهما قالا: خرجت أسماء بنت أبي بكر، حين هاجرت، وهي حبلى بعبد الله بن الزبير، فقدمت قباء فنفست بعبد الله بقباء،……ثم جاء، وهو ابن سبع سنين أو ثمان، ليبايع رسول الله ﷺ، وأمره بذلك الزبير، فتبسم رسول الله ﷺ حين رأه مقبلا إليه، ثم بايعه.

عن عبد الله بن جعفر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته، قال: وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه، فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة، فأردفه خلفه، قال: فأدخلنا المدينة، ثلاثة على دابة واحدة.

تعددت صور المشاركة في المجتمع الإسلامي الأول لكافة الطوائف والفئات (من نساء ورجال ومَوالٍ وأحرار وأعاجم وعرب)، ولكن الأمر اللافت أن يكون للأطفال نصيب وحضور ومشاركة في إطار هذه التجربة النبوية الفريدة التي غرست فيهم وعيًا وإحساسًا مبكرًا بمعنى “الأمة”. فقد كان حضور الأبناء في مجتمع الإسلام الأول مما يحرص الآباء على توكيده وغرسه في شخصياتهم، وذلك من خلال انتهاز المواقف الهامة واستلحاقهم فيها كما في استقبالهم النبي ﷺ حين هجرته إلى المدينة، ثم حرص الآباء على قيام أبنائهم بمبايعة النبي فور مؤانستهم منهم رشدًا وتمييزًا كما فعل الزبير مع ابنه عبد الله حينما أمره بمبايعة النبي ﷺ لما لاحظه عليه من سيما الرشد والإدراك. ولما روى عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ – وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النبي ﷺ – (أنه) َذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْهُ. فَقَالَ: «هُوَ صَغِيرٌ». فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ.

وتعرض هذه الأحاديث لمواقف أقل ما توصف بها أنها كانت مصيرية في تطور الدعوة (بيعة العقبة وهي الميثاق المؤسس لدولة الإسلام، وما تلاها من مبايعات فردية)، ورغم هذا كان الأطفال طرفًا فيها. وهنا فإن حدثًا بوزن “المبايعة” مع قائد بوزن رسول الله ﷺ، في تجربة ولادة “الأمة الإسلامية” تظهر بجلاء الوضع المتميز الذي تمتعت به شريحة الأطفال في المجتمع النبوي، كما تعكس الاهتمام الذي انعكس على نحو تربوي في سلوك الآباء تجاه أبنائهم.

التهيئة النفسية للطفل، وإعداده لتولي مواقع القيادة

عن أَبَى بَكْرَةَ قال سَمِعْتُ النبي ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ إلى جَنْبِهِ، يَنْظُرُ إلى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ مَرَّةً، وَيَقُولُ «ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَالَ «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ».

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النبي ﷺ دَخَلَ الْخَلاَءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ «مَنْ وَضَعَ هَذَا». فَأُخْبِرَ فَقَالَ «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ».

يشتمل الهدي التربوي النبوي على ملمح هام يتمثل في تهيئة الطفل نفسيًا بهدف إعداده لتبوء مواقع مستقبلية معينة وذلك بحسب القدرات التي يشي بها سلوكه وقدراته الذهنية والعملية كما يلحظها المحيطون به وأولياؤه على وجه الخصوص. وتؤدى التربية من خلال هذه الطريقة إلى حفز الطفل وتشجيعه لكي يواصل على الخط الذي وضعه والداه على أوله، وتزرع في قلبه بذرة الاعتناء بهذا الطريق.

وقد مارس النبي الكريم هذا الأسلوب مع العديد من المحيطين به، وكان أبرزهم في هذا الصدد الحسن ابن عليّ وعبد الله بن عباس، فهيأ ﷺ الحسن لمواقف القيادة والإصلاح بين المتخاصمين، وهيأ ﷺ بن عباس للتفرغ لكتاب الله بحيث يصير ترجمانًا له، فقيهًا به، عالمًا بتأويله، وكان أسلوب النبي ﷺ في ذلك الجمع بين الدعاء للطفل بمسمع منه بأن يهيئ الله سبحانه له سلوك هذا الطريق، وبين الإعداد من خلال المواقف الحية والتوجيهات المباشرة.

ولقد كان النبي ﷺ يصطحب الحسن معه على المنبر، ويعلمه مواجهة الناس وعدم تهيب الحشود، ويخاطب المسلمين، على مسمع منه، بأن ابنه سيد، وأنه يرجو الله أن يستخدمه في الإصلاح بين طوائف الأمة. فيتهيأ وجدان الصبي بناءً على ما سمع، وتتفاعل نفسيته مع كلمات جده ﷺ لكي تفرز إحساسًا يصاحبه في طفولته ويستشعره في مستقبله ويتصدى بموجبه لواحد من أخطر المواقف التي عاشها المسلمون إبان افتراق الأمة بين فرقتين. أما عبد الله فقد كان النبيﷺ يستقبله في بيته ويردفه خلفه على دابته ويوجهه في السياقات المختلفة، وفى أحيان أخرى كان يدعو له وهو يضمه إلى قلبه، وكأنه يبثه مما أودع في صدره الشريف من حكمة وعلم.

وعمومًا فإن الأطفال يتفاوتون في مواهبهم وخصائصهم، وعليه ينبغي ألا يعاملوا باعتبارهم كتلة صماء، ولابد من وجود العين الخبيرة التي تجيد التمييز بين الأطفال على أساس ما يتبدى من سلوكياتهم وطبيعة اهتماماتهم، ثم مساعدتهم على توجيه طاقاتهم إلى ما يبرعون فيه أو ما يظهرون فيه تمييزًا، وذلك لحفز مواهبهم ورعايتها ودفعها لمقاماتها العليا.

طلب الاستشفاء بالطب والدواء وبالدعاء

عَنْ أَنَسٍ – رضى الله عنه – قَالَ قال النبي ﷺ َقَالَ «لاَ تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنَ الْعُذْرَةِ[56]، وَعَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ».

عن السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ َقالُ ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إلى النبي ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ[57]….

وعن محمد ابن حاطب، عن أمه أم جميل بنت المجلل قالت: أقبلت بك من أرض الحبشة، حتى إذا كنت من المدينة على ليلة أو ليلتين طبخت لك طبيخا ففنى الحطب، فخرجت أطلبه، فتناولت القدر فانكفأت على ذراعك، فقدمت بك المدينة، فأتيت بك رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله، هذا محمد بن حاطب وهو أول من سمي بك، فمسح على رأسك ودعا لك بالبركة، وتفل في فيك، وجعل يتفل على يدك ويقول: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما قالت: فما قمت بك من عنده حتى برئت يدك.

من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ نفس الإنسان وهذا الحفظ حاصل في ثلاثة معان: إقامة أصله بإباحة التناسل، وحفظ بقائه (بعد خروجه من العدم) من جهة المأكل، والمشرب، والملبس والمسكن، وحفظ صحته ومراعاة النمو السليم له. وذلك بالعمل على وقايته من الأمراض وعلى مداواته منها حال حصولها. فعند البخاري من حديث أبى هريرة t أنه قال: قال رسول الله ﷺ “ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء”، وعن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله خلق الداء والدواء فتداووا ولا تداووا بحرام»[58].

وتظهر الأحاديث أن مفهوم الرعاية الصحية كان حاضرًا في إطار الهدي التربوي النبوي، وقد أفرد ابن القيم كتابًا كاملًا جمع فيه هدى النبي في حفظ الصحة بالأدوية الأرضية والأدوية الربانية، وفى إطار هذا الهدي كانت السنة تشير إلى ضرورة توفير الرعاية المناسبة للأطفال، وترشد إلى الأوْلى فيما يقدم لهم من علاجات، وتراعى ضعفهم وقلة احتمالهم، وتجرم الإهمال في حقهم.

ففي السنن والمسند من حديث جابر بن عبد الله قال: “دخل رسول الله ﷺ على عائشة، وعندها صبي يسيل منخراه دمًا، فقال: ما هذا؟. فقالوا: به العذرة، أو وجع في رأسه، فقال: «ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه، فلتأخذ قسطًا هنديًا فلتحكه بماء، ثم تسعطه إياه»، فأمرت عائشة رضي الله عنها فصنع ذلك بالصبي، فبرأ .

والعذرة هي وجع في لهاة الحلق فيما يشبه أن يكون احتقان اللوزتين في زمننا. وكانت عادة النساء في معالجتها أن المرأة كانت تغمز حلق الولد فترفع (فتعلق) لهاته وتكبسها بإصبعها. وقد أرشد النبي ﷺ إلى ما هو أرفق بضعف الطفل وقلة تحمله.

وقد أورد ابن القيم أن القسط المذكور في الحديث هو العود الهندي. والسعوط (هو وصف لكل) ما يصب في أنف المرء وهو مستلق على ظهره، وبين كتفيه ما يرفعهما لتنخفض رأسه، فيتمكن السعوط من الوصول إلى دماغه، ويستخرج ما فيه من الداء بالعطاس، وقد مدح النبي ﷺ التداوي بالسعوط فيما يحتاج إليه فيه[59] .

والحفظ كما يكون بالطب والدواء فإنه يكون أيضًا بالدعاء والرقية، فقد كان النبي ﷺ يؤتى بالصبيان الوجعى فيمسح على رؤوسهم ويدعو لهم، وروى عن أم المؤمنين عائشة t أنها قالت: دخل النبي ﷺ فسمع صوت صبي يبكي فقال: «ما لصبيكم هذا يبكي؟ فهلا استرقيتم له من العين؟»، وذكر الترمذي أن أسماء بنت عميس، قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم ؟ فقال: «نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين».

وقال ابن القيم: “ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة، وجعل في كثير منها خواصًّا وكيفيات مؤثرة، ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام، فإنه أمر مشاهد محسوس، وقد قال تعالى لنبيه:{ وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} (القلم 15). وقال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (الفلق 1- 5).

إشعار الأطفال بالغيب.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضى الله عنهما – قَالَ كَانَ النبي ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ».

وعَنْ جَابِرٍ – رضى الله عنه – عَنِ النبي ﷺ قَالَ «إِذَا اسْتَجْنَحَ {اللَّيْلُ} – أَوْ كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ – فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ فَحُلُّوهُمْ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا».

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ – رضى الله عنهما – رَفَعَهُ قَالَ: «خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ».

يتبدى من خلال هذه الأحاديث أهمية استدعاء الغيب في حياة المسلم كبيرًا كان أو صغيرًا، وهو استدعاء ليس المقصود منه إثارة الفزع أو الرعب من المجهول -وهو ما يتفنن فيه الكثير من الآباء، بعد أن ييأسوا من التحكم في أبنائهم ومن الأخذ بزمام تربيتهم- بقدر ما يقصد منه التأكيد على وجود وحضور هذا العالَم، لإكمال تصور المؤمن لحقيقة الوجود الذي يحيا في إطاره. وهو ما أكدناه سابقًا عند الحديث عن لمات الملائكة ولمات الشياطين وعن سنن الدعاء وأثره في أقدار الحفظ والنماء.

ومن الغيب -وفق التصور الإسلامي- ذلك العالم الموازي الذي أثبته القرآن الكريم والسنة المطهرة، أي عالَم الجان؛ ذلك العالَم الذي لا نراه ولا نعرف تفاصيل ما يجرى فيه إلا مما حكاه الوحي للنبي ﷺ. والتصديق بهذا العالم من مستلزمات الإيمان، رغم عدم إمكانية التثبت منه وفق أي أداة من أدوات المنهج التجريبي. ومن المفهوم أنه لو كانت ثمة طريق لإثبات وجود مثل هذا العالَم الموازي لتوقف عن أن يصير غيبًا، ولأصبح التصديق بوجوده من غير مستلزمات الإيمان.

ولكن ليس معنى ذلك أن ثمة استحالة عقلية في تصور إمكانية وجود مثل هذا العالَم، فالفيزياء الحديثة تخبرنا بالإمكانية النظرية والعملية لتعامد أكثر من ثلاثة أبعاد لتكوين عوالم جديدة في إطار العالم الذي نحيا فيه. ومن المتصور أنه في حالة اشتمال مثل هذه العوامل الممكنة الحدوث على كائنات ألا نمتلك نحن -وفق قدرات عالمنا ثلاثي الأبعاد- أن نشاهدها أو نلحظ وجودها، إلا في حالات الاحتكاك المباشر، وهذه الحالات ربما تكون هي تلك التي حذرنا نبينا الكريم من التعرض لها عند العشاء واستجناح الليل. وتقدم مجموعة الأحاديث السابقة صورة أخرى للتطبيق النبوي للتوجيه القرآني المتعلق بتفعيل عالم الغيب في حياة المسلم –الوالد والولد- والوعي بلمات الملائكة ولمات الشياطين دون تهوين أو تهويل، وفي إطار منضبط بالشرع.

عمالة الصغار:

بين اعتبارات الشكل الاجتماعي والضمانات الشرعية.

عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ دخل حائطًا وتبعه غلام معه ميضأة هو أصغرنا فوضعها عند سدرة فقضى رسول الله ﷺ حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء.

عن أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء.

عن أنس بن مالك رضى الله عنه أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَكَانَ أُمَّهَاتِى يُوَاظِبْنَنِى عَلَى خِدْمَةِ النبي ﷺ فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوُفِّىَ النبي ﷺ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً.

عَنْ أَنَسٍ – رضى الله عنه – قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِى، فَانْطَلَقَ بِى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَنَسًا غُلاَمٌ كَيِّسٌ، فَلْيَخْدُمْكَ. قَالَ فَخَدَمْتُهُ في السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، مَا قَالَ لِى لِشَىْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا وَلاَ لِشَىْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا.

عن ثابت عن أنس قال دخل النبي ﷺ علينا وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي فقال قوموا فلأصلي بكم في غير وقت صلاة فصلى بنا فقال رجل لثابت أين جعل أنسا منه قال جعله على يمينه ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة فقالت أمي يا رسول الله خويدمك ادع الله له قال فدعا لي بكل خير وكان في آخر ما دعا لي به أن قال اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه.

قال أنس: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله! لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: ((يا أنيس! أذهبت حيث أمرتك؟)). قال: قلت: نعم. أنا أذهب، يا رسول الله!

عن أنس، قال: أتى علي رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان، قال: فسلم علينا، فبعثني إلى حاجة، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تحدثن بسرّ رسول الله ﷺ أحدًا. قال أنس: والله! لو حدثت بها أحدا لحدثتك يا ثابت !

عن أنس بن مالك، قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا بنيّ.

عن جابر أن أم سلمة استأذنت رسول الله ﷺ في الحجامة، فأمر النبي ﷺ أبا طيبة أن يحجمها. قال: حسبت أنه قال: كان أخاها من الرضاعة، أو غلامًا ما لم يحتلم.

الشكل المتكرر الحدوث في ثنايا السيرة النبوية هو مسارعة الصغار في خدمة كبار السن عمومًا وأصحاب المكانة والفضل منهم على وجه الخصوص.. فالنبي ﷺ كان دومًا متبوعًا بمن يقوم بخدمته على سبيل التطوع وليس على سبيل الإلزام.

وفى هذا الصدد قدم الصحابي الجليل أنس ابن مالك شهادة جلية عن الصورة الراقية التي عامل النبي الكريم بها خدمه ومواليه، وهي شهادة تكتسب مغزاها من كون أنس نفسه قد خدم النبي ﷺ عشر سنين، وقد لخص أنس حال النبي الكريم معه بقوله: مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلاَ لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا؟

وقد التحق أنس بخدمه النبي وهو يتيم الأب، وكانت أمه الرميصاءُ أم سليم قد تزوجت بأبي طلحة الخولاني، وجاء به زوج أمه إلى النبي لكي يقوم على خدمته. ولم تكن هذه التركيبة لتترك آثارًا سلبية –وهي الآثار التي باتت معروفة وملاصقة لها في زمننا الحاضر- على نفسية أنس ولا على الطريقة التي عومل بها في بيت النبي، ونقصد بالتركيبة هنا تركيبة الابن المعقَّد بفعل انصراف أمه عنه للزواج بغير أبيه المتوفى، واضطرار هذا الابن اليتيم للعمل وهو في هذه السن الصغيرة حتى يوفر موردًا للعيش الكريم.

ففي سياق مجتمع النبوة لم تكن لهذه الحساسيات مكان. فقد كان النبي يزور أنسًا في بيته، ويصلى عندهم ويتغدى معهم، وكان ربما مرَّ على بيتهم فلم يجد أحدًا فينام القيلولة في فراش أبى طلحة. وكانت أم سليم تأتيه وهو على هذه الحالة فتنشف عرقه الشريف وهو مستغرق في النوم فتتخذه طيبًا يتطيب أهل البيت كلهم منه. وعندما أنجبت الرميصاء من زوجها أبي طلحة، سارع أنس بحمل الغلام (أخيه غير الشقيق) بأمر من زوج أمه إلى النبي ﷺ حتى يباركه ويدعو له. كان أنس، وكان أهل بيت أنس، على مثل هذا الاتصال الوثيق بشخص النبي وحياته وبيته. ولم يكن ثمة انفصال طبقي بين السيد والخادم، ولم نلمح ولو يسير استعلاء من جانب المخدوم تجاه خادمه.

وقد لخصت أم المؤمنين رضوان الله عليها القاعدة العامة التي انبنى عليها المنهج النبوي في التعامل مع الفئات الأضعف في المجتمع (المرأة، والمستخدمين)، بقولها ما ضرب النبي ﷺ شيئًا بيده قط. وروى أنس رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ ندب الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسود لبني الحجاج. فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: ما لي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، فإذا قال ذلك، ضربوه، فقال: نعم، أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه فقال: ما لي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف، قال: والذي نفسي بيده! لتضربوه إذا صدقكم، وتتركوه إذا كذبكم[60].

وقد حث النبي أمته على الرفق بالمملوك، وعلى استعمال العفو بإزائه والحكم عليه بما يحب المرء أن يحكم به ربه عليه من صفح وكظم للغضب، مع الإشارة المتكررة إلى عظم قدرة الله على المالك مقارنة بقدرة هذا على مملوكه أو مماليكه. فقد حكى أبو مسعود البدري قال: كنت أضرب لي غلاما بالسوط، فسمعت صوتا من خلفي: اعلم، أبا مسعود‍‍‍‍‍‍‍‍!. فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا مني، إذا هو رسول الله ﷺ، فإذا هو يقول: اعلم، أبا مسعود‍‍! اعلم، أبا مسعود!. قال: فألقيت السوط من يدي. فقال: «اعلم، أبا مسعود! أن الله تبارك وتعالى أقدر عليك منك على هذا الغلام»، قال فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدا. وعن هلال بن يساف، قال: عجل شيخ فلطم خادما له، فقال له سويد بن مقرن: عجز عليك إلا حر وجهها، لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن، ما لنا خادم إلا واحدة، لطمها أصغرنا، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقها.

وقد سار الصحابة الكرام على نهج النبي ﷺ في معاملة الخدم والموالي فعن زاذان، أن ابن عمر دعا بغلام له فرأى بظهره أثرا فقال له: أوجعتك؟ قال: لا، قال: فأنت عتيق. قال: ثم أخذ شيئا من الأرض فقال: مالي فيه من الأجر ما يزن هذا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ضرب غلاما له، حدا لم يأته، أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه.

كما تضمنت السيرة التنبيه على أن من مبادئ الدعوة الإسلامية إزالة الفروق التي تميز بين الإنسان وأخيه الإنسان، فمنطق الأخوة الإيمانية مقدم على منطق التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، لذا نبه الرسول الكريم إلى أن الخدم والمماليك هم إخوان في موقع الاستخدام، لا عن نقص في الدين أو تدنٍّ في الرتبة ولكن عن ترتيب قدري، له لزوميته الاجتماعية والإنسانية. ومن هنا فإن منطق الاستخدام لا يرتب أي حقوق تفضيلية تجيز تعمد الإيذاء أو التمايز، فالنبي يوصي السيد بأن يطعم مملوكه مما يأكل ويلبسه مما يلبس. وألا يكلفه من العمل ما لا يطيق، وإن كلفه أن يعينه. فعن المعرور بن سويد، قال: رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك؟ قال: فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله ﷺ، فعيره بأمه، قال: فأتى الرجل النبي ﷺ، فذكر ذلك له فقال النبي ﷺ: إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه.

كما راعى المنهج النبوي الحقوق النفسية للمستخدمين، فندب النبي إلى التنزه عن استخدام تعبيرات تسيء إلى الخادم أو المستخدم وأوصى بأن تعالج وتهذب لغة الخطاب معهم على نحو يؤكد حقوقهم المعنوية ومكانتهم الاجتماعية. ومن ذلك عدم استخدام الوصف الذي يشير إلى مقتضى الحال نفسه (وصف خادم)، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي، وجاريتي، وفتاي، وفتاتي». ويقاس على هذا التوجيه النبوي ما يلحق بهذه الأوصاف من تعبيرات معاصرة: (شغال، سواق، فرّاش، خدّام ….إلخ).

هذا مع ضرورة تلقينهم الآداب الاجتماعية التي تتفق وروح الإسلام. وتفرضها طبيعة أوضاع البيوت، من حاجة إلى الستر وحفظ السر، وعدم إفشاء العورات، وحفظ الأمانات، وعدم تبذير في النفقات، وعدم إهمال في العهدات. على أن أهم هذه الآداب يتمثل في ضرورة حفظ أسرار البيوت. فالخادم بحكم طبيعة احتكاكه بمعاملات مخدوميه يطلع على أسرارهم ويستمع لأحاديثهم بل ويقف على ما يدور بين أفرادهم بين مخاصمات أو حزازات، ويصبح أقدر الناس على فهم أسبابها وتفاصيلها. ولكن هذا كله لا يخول له أن يجعل مما يعرفه مادة للحكي متى هو غادر بيت مخدوميه. بحيث يصبح كل الناس على علم بما يدور في بيوت هؤلاء، وتصبح سيرتهم مادة للسمر.

بهذا المعنى كانت عمالة الطفل في المجتمع المسلم لا تمثل منطلقًا للتفاوت الطبقي أو نوعًا من الاستغلال الاقتصادي، ولم تكن سلبًا لحقوق فئة لصالح فئة أخرى، أو إعاقة لنمو الطفل البدني والنفسي والعقلي والاجتماعي. بقدر ما كانت ترتيبًا اجتماعيًا مقبولًا ومستساغًا، وأسلوبًا لا يتضاد مع معاني التربية السليمة بوصفه تدريبًا للطفل على اكتساب مهارات وخبرات من خلال الاحتكاك بعالم الكبار، تتيح له التعرف على قيمة العمل والاستفادة بما يتكسبه من وراء هذا العمل؛ فيقدِّر بالضرورة عمل والديه من أجل توفير حياة كريمة من أجله. بهذا المعنى أيضا تعكس هذه الصورة لعمالة الصغار التصور القرآني العام للطفل باعتباره في الأساس لا يعلم، غير مسؤول، محب للهو، في حاجة للرحمة والرعاية أولا، إلى جانب التوجيه والتدريب التدرجي على المسؤولية والتكليف.

تعلق بعض أحكام المكلفين بالأطفال

عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل عبد أو حر صغير أو كبير.

عن ابْنَ عُمَرَ – رضى الله عنهما – أنه قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ الْقَزَعِ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ قُلْتُ وَمَا الْقَزَعُ فَأَشَارَ لَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ إِذَا حَلَقَ الصَّبِىَّ وَتَرَكَ هَاهُنَا شَعَرَةً وَهَاهُنَا وَهَاهُنَا. فَأَشَارَ لَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ إلى نَاصِيَتِهِ وَجَانِبَىْ رَأْسِهِ. قِيلَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ فَالْجَارِيَةُ وَالْغُلاَمُ قَالَ لاَ أَدْرِى هَكَذَا قَالَ الصَّبِىِّ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَعَاوَدْتُهُ فَقَالَ أَمَّا الْقُصَّةُ وَالْقَفَا لِلْغُلاَمِ فَلاَ بَأْسَ بِهِمَا وَلَكِنَّ الْقَزَعَ أَنْ يُتْرَكَ بِنَاصِيَتِهِ شَعَرٌ، وَلَيْسَ في رَأْسِهِ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ شَقُّ رَأْسِهِ هَذَا وَهَذَا.

يتعلق الحكم الشرعي بالطفل إما أمرًا كفرض زكاة الفطر، وإما نهيًا كالنهى عن بعض السلوكيات المرتبطة بهم كالقزع، وإما تعلقًا بحكم المكلف كأحكام الربيبة والرضاعة وما شابه. وطالما تعلق الأمر بالأحكام الشرعية فإن المخاطب بها إنما يكون المكلف نفسه وذلك في حق من يلي أمره من الأطفال.

فقد فرضت زكاة الفطر على كل مسلم حر أو عبد صغير أو كبير. ومن المفهوم أن المخاطب بإخراجها ولي الطفل إن كان له مال وإلا وجبت على من تلزمه نفقته. وفى ذلك إشارة لطيفة إلى أن للطفل حقًّا في مال أبيه، وكأن قدرًا من الرزق الذي سيق إلى الوالد إنما هدفه هو ذلك الصغير الذي ينفق عليه، فإذا ما جاء وقت أداء الشكر على النعمة لزم الأب أن يخرج زكاة عن هذا الرزق الذي ساقه الله إليه بسبب ذلك الطفل.

أما النهي عن القزع فقد كره النبي ﷺ أن ينشأ أطفال المسلمين على سمت يخالف الفطرة أو يغلب أن يكون سمتًا لغيرهم، كما ورد أن النبي كره أن يجعل للصبي قرنين على جانبى رأسه وعلل ذلك بأن هذا إنما هو زي اليهود، فدل هذا -كما يذكر شراح الحديث النبوي- على أن الزي يكون في الملبس وفى الهيئة عمومًا.

الطفل على أعتاب البلوغ

استئذان الغلام

عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ أتي بشراب، فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟. فقال الغلام: لا، والله! لا أوثر بنصيبي منك أحدًا. قال: فتله رسول الله ﷺ في يده.

عيادة الغلام

عَنْ أَنَسٍ – رضى الله عنه – قَالَ كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِىٌّ يَخْدُمُ النبي ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النبي ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ «أَسْلِمْ». فَنَظَرَ إلى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ. فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النبي ﷺ وَهْوَ يَقُولُ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ».

مثل جلوس الغلام –كما في حديث سهل- في مجالس الكبار وبجوار النبي ﷺ، ترجمة لأحد معاني التربية بالمصاحبة التي توفر فرصة للتعلم بالاقتداء كما سبق القول. فضلًا عن أن فيما مارسه هذا الغلام من استيفاء لحقوقه المكانية، المتعلقة فقط بمكان جلوسه، إشارة لحقه في استيفاء سائر حقوقه الأخرى. فإذا كان المكان يرتب حقًا معتبرًا فإن حقوق الحرية والتعبير والتنقل والاجتماع…. هي بلا شك أعظم شأنًا وأخطر شأوًا، وأجدر أن تراعى متى تطرق الحال إلى أمر الحقوق والواجبات.

أما حديث أنس فقد اجتمعت فيه من العديد من المعاني والقيم. فالنبي يستخدم الغلام اليهوديَّ، ويعوده حال مرضه، ويتوجه إليه بالدعوة إلى الإسلام، وفى هذا من معاني التواضع النبوي الكثير: فهو يزور غلامًا، خادمًا، وهو قبل ذلك يشرع استعمال غير المسلمين، أو هو بلغة العصر يجعل ثمة سبلا للتفاعل والتواصل بين المسلمين وغير المسلمين، ويقضي على فكرة “العزل” و”الجيتو” المذموم الذي يؤصل معاني الكراهية والتنافر بين أبناء المجتمع الواحد، فهو يستوعب غير المسلمين في مجتمع المسلمين، ويجعل من معنى الأخوة الإنسانية واقعًا حيًا معيشًا ونوعا من حوار الحياة، بحيث يستعاض بهذه الأخوة عن جولات الحوار التي يضطر إليها قادة الفكر والرأي في زماننا اضطرارًا، لتجاوز الأدواء المختلفة التي صارت تثور بين أبناء المجتمع الواحد، نظرًا لتباعد الشقة وانغلاق كل جماعة على نفسها.

أول الشباب

عَنِ ابْنِ عُمَرَ – رضى الله عنهما أَنَّ النبي ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْهُ، وَعَرَضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهْوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَهُ.

قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ خليفة، فحدثته هذا الحديث. فقال: إن هذا لحد بين الصغير والكبير. فكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنة، ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال.

وعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ في الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِى وَشِمَالِى فَإِذَا أَنَا بِغُلاَمَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِى أَحَدُهُمَا فَقَالَ يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ قُلْتُ نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِى قَالَ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، والذي نَفْسِى بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لاَ يُفَارِقُ سَوَادِى سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا. فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِى الآخَرُ فَقَالَ لِى مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إلى أَبِى جَهْلٍ يَجُولُ في النَّاسِ، قُلْتُ أَلاَ إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الذي سَأَلْتُمَانِى. فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلاَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إلى رَسُولِ اللَّهُ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ…وَكَانَا مُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاءَ وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ.

كان أَنَس – رضى الله عنه – يَقُولُ أُصِيبَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ وَهْوَ غُلاَمٌ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ إلى النبي ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّى، فَإِنْ يَكُنْ في الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ، وَإِنْ تَكُ الأُخْرَى تَرَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ «وَيْحَكِ، أَوَهَبِلْتِ أَوَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هي إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ في جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ».

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ – رضي الله عنه – يُدْنِى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ. فَقَالَ إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ. فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ). فَقَالَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ. قَالَ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ مَا تَعْلَمُ.

جعل النبي ﷺ حدَّ ما بين الصغير والكبير بلوغ الخامسة عشر، وأجاز لمن بلغ هذه السن أن يشارك في الأعمال الحربية التي تقع على قمة المهام الجسام التي يمكن الانخراط فيها[61]. ويظهر من السياق الذي ترسمه الأحاديث أن إجازة النبي ﷺ لشباب الأمة للمشاركة في القتال كانت استجابة منه ﷺ لحماسهم وشدة توقهم لنيل شرف الجهاد في سبيل الله والزود عن دينه وعن رسوله. ويبدو ذلك من حديث ابن عمر الذي كرر طلب التطوع للعمل العسكري مرة بعد مرة حتى أجيز يوم الخندق، ومن حديث المعاذيْن اللذين تربَّصا لأبى جهل للانتقام منه بعد أن سمعا أنه يسبُّ النبي ﷺ، ومن حديث حارثة الذي أصيب ببدر وهو غلام في الوقت الذي لم تكن فيه “بدر” حربًا يلزم جميع المسلمين أن يخرجوا إليها؛ الأمر الذي يظهر وعي شباب الأمة بقضاياها، وتحمسهم للمشاركة بفاعلية فيها.

ومن هذه الأحاديث تبدو ملامح التربية على العقيدة والولاء لشخص النبي ﷺ وسنته. وضرورة توعية الشباب بقضايا أمته وإتاحة الفرصة أمامه للمشاركة في قضاياها، وحثه على الاهتمام بها. ويبدو أن هذه القيم لابد أن ينهض بها المجتمع فهي قيم تربوية عامة يتعين أن يربى على فقهها أبناء المسلمين حتى تنغرس فيهم. وهنا لابد من الإشارة إلى مفهوم الانتماء إلى “الكل الاجتماعي”، الذي يرسخ من حقيقة كون الصغير ينتمي إلى مجتمع أوسع، فيتولد في قلب كل مشارك فيه الاستعداد للتضحية والرغبة في إيثار الآخرين على نفسه.

أما حديث ابن عباس فيبين معيارية الترقي الاجتماعي، وكيف أنها تمثلت في حالة ابن عباس في مقدرته العلمية، تلك المقدرة التي أتاحت له مزاحمة أشياخ المسلمين في مجلس الحكم الأعلى. كما يبين أن مشاركة الشباب لم تقتصر على العمليات القتالية وحسب وإنما كان لهم دور في تسيير الحياة السياسية وفى إبرام الحل والعقد. فابن عباس كان يشهد مجلس الحكم الأعلى ليدلي برأيه ويشارك في أمر اجتماع المسلمين. كما يبين الحديث كيف أن إقامة البينة على التفوق إنما تتم من خلال الدليل العملي والتجربة المباشرة.

وبعد،،

فهذه صورة تقريبية ومتابعة عجلى لسيرة رسول الله (ﷺ) سلطت الضوء على خصائص التفاعل الاجتماعي الذي يمثل الأطفال طرفًا فيه، فبين طبيعة تصور دور الطفل وقدره في المجتمع المسلم، والكيفية التي تعامل من خلالها مجتمع المكلفين مع هذه الشريحة؛ من قبل أن يتمثلوا بشرًا سويًًّا إلى أن يشرفوا على أعتاب البلوغ وأول الشباب، تلمسنا خلالها الدلالات التربوية المصاحبة للمواقف والتوجيهات النبوية الشريفة، وحاولنا قدر الطاقة تبين قواعد كلية أرستها الممارسة المعصومة المسددة من لدن السميع البصير؛ بغية تكشف معالم فقه حياة مسلمة معاصرة على منوال حياة مجتمع النبوة النموذجي. وأول ما يتراءى من هذه المراجعة هو التواؤم الفريد بين تفصيلات السيرة الشريفة والإطار الذي أرساه القرآن الكريم كما عرضه المبحث السابق.

ونحاول بداية أن نقتبس خلاصات موضوعية من العرض السابق للطفولة في السيرة بعد أن تعرضنا له بمتابعة المراحل الزمنية للطفل:

فقد التزمت الدراسة بتوظيف اقتراب كلي ينظر إلى الأطفال على أنهم جزء من المجتمع، ولكنه جزء يحوي كلًا في داخله، فتراءت معالم نظرية تربوية شاملة: تبدأ من إعادة تحرير مفهوم “الحقوق” ونظريته الإسلامية إلى إعادة الاعتبار لمفهوم “التربية” نفسه. فنظرية الحقوق في الإسلام لها أبعاد كثيرة بحاجة إلى تحرير لكي تعكس الشكل المتضام والمتكامل للمجتمع المسلم، فهي بالأحرى نظرية للحقوق والالتزامات المتبادلة التي تتراتب تراتبات مختلفة مع تتابع مراحل نمو الطفل؛ من طفولة تستدعي حقوقا بلا التزامات إلى مراحل ترتب التـزامات وتبرز حقوقا جديدة، إلى مرحلة قد تعيد الكرة هي مرحلة الضعف والشيبة. فللابن حق على والديه، وللوالدين حق على ولدهما متى استطاع، ولكافتهم حق على مجتمعهم، وللمجتمع المسلم حق عليهم. الأمر الذي يدعو إلى مراجعة مفهوم “حقوق الطفل” الوافد من النسق الغربي للحقوق والواجبات، والذي يرى أن أصل الحقوق ومصدرها هو “التعاقد الاجتماعي” بين متخاصمين ومتنازعين على عكس الحال في الرؤية الإسلامية.

والنظرية التربوية كما تكشف عنها السيرة نظرية واسعة الأمداء، تكتنف الطفل في كل مراحله بجمع رائع من القيم والمقاصد والسنن والتشريعات والوصل الجميل بالإيمان بالغيوب. فعلى سبيل المثال يتم التدريب على أفعال التكليف في النموذج الإسلامي من خلال برنامج تربوي متكامل، يلحظ ما ينبغي أن يكونه الطفل في مستقبله من التزام بالأوامر الشرعية، وما عليه الطفل حال طفولته من رغبة في التحلل من الالتزامات والتكليفات بشكل عام، ولذا فإنه يدمج التكليف بالملاعبة، ويقرن التدريب بالتخفيف، مع توجيه تركيز الطفل بعيدًا عن محل المشقة لتسهيل أفعال التكليف على نفسيته. فبعد أن تصبح ذهنية الصبي مؤهلة لتلقي واستيعاب التوجيهات المباشرة (غالبًا في سن سبع سنوات)، يتوجه إليه الأمر بالصلاة، … وبالتدرج المتصاعد في مراحل التدريب على الأفعال التعبدية المختلفة لا يقف الوالدان عند حد تلقين أبنائهم شكليات الأداء فحسب، وإنما يبدأ توجيههم إلى المعاني النفسية والخلقية التي يُرجى أن تثمرها هذه العبادات على سلوكيات المتعبّد بها، فيبين للطفل أن الصلاة تنهى عن كل خلق ذميم وإلا كانت بلا ثمرة. وكما أن للتدريب على التكليف مكانه في البرنامج التربوي النبوي فإن للعب دوره ووظيفته التي لا ينبغي أن تبخس. كما رُوي عن الحسن: فإن اللعب ربيعهم. كما بينت السيرة أن العقاب الذي يوجه للأطفال لا يكون لمجرد إيقاع الإيذاء وإنما يكون بهدف الإصلاح، ومن ثم فإن مواجهة أخطاء الأطفال لا تكون بإيقاع العقاب المجرد من معاني التربية. فالأصل في التعامل مع الأطفال إرشادهم وتوجيههم إلى ما فيه خيرهم إن كانوا من أولي التمييز، أو إرشاد أوليائهم إلى ذلك. ومن هنا فإن الأصل في التعامل مع الطفل ألا يعرض للعقوبة الجسدية أو لغيرها من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

بهذا المعنى كانت عمالة الطفل في المجتمع المسلم -المشروطة بقدرات الطفل وحقوقه- لا تمثل إعاقة لنموه البدني والنفسي والعقلي والاجتماعي، بقدر ما كانت ترتيبًا اجتماعيًا لا يتضاد مع معاني التربية السليمة بوصفه تدريبًا للطفل على اكتساب مهارات وخبرات من خلال الاحتكاك بعالم الكبار، تتيح له التعرف على قيمة العمل والاستفادة بما يتكسبه من وراء هذا العمل؛ فيقدِّر بالضرورة عمل والديه من أجل توفير حياة كريمة من أجله….

ثانيًا- ننتقل إلى أهم ما تبديه هذه المراجعة للسيرة وهو التواؤم والتوافق الفريد بين تفصيلات السيرة الشريفة والإطار الذي أرساه القرآن الكريم. لقد اتضح لنا في مواضع عدة كيف طبق رسو ل الله (ﷺ) النص المطلق على مواقف حياتية صغيرة، رأينا كيف انعكس التصور القرآني العام للطفل؛ بوصغه مخلوقًا ضعيفًا محتاجًا، غير مكتسب لأفعاله عن وعي كامل، مجبولًا على حب اللهو، محاطًا بالرحمة والرعاية الإلهية، وهو مشروع للخير أو للشر… إلخ، في تعاملاته (ﷺ) مع الأطفال وتوجيهاته بشأنهم، كذلك النظرية القرآنية -المتعلقة بتعالج أو تدافع الأبعاد الثلاثة (الفطري- العقدي -التشريعي) في علاقة الوالدية- والتي تجلت ضمن تعاملاته وأوامره ومواقفه (ﷺ).ويمكن أن نعرض هنا بإيجاز استخلاصنا لعدة عناصر مهمة ارتكزت عليها التطبيقات النبوية للإطار القرآني في (خلاصات منهجية):

(1) أهمية مراعاة المقاصد الشرعية من وراء الأحكام، وتغير ترتيبها من حال لحال. كما في حديث هند أم معاوية اجتمعت مقاصد ثلاثة: النفس والمال والنسل. فكانت الرخصة النبوية بالأخذ من المال سرًا، مراعاةً لمقصد من مقاصد الدين أحق مما حرص الأب على حفظه. وتبين كيف أن من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ نفس الإنسان وهذا الحفظ حاصل في ثلاثة معان: إقامة أصله بإباحة التناسل، وحفظ بقائه (بعد خروجه من العدم) من جهة المأكل، والمشرب، والملبس والمسكن، وحفظ صحته ومراعاة النمو السليم له؛ وذلك بالعمل على وقايته من الأمراض وعلى مداواته منها حال حصولها.

(2) وتتضمن الرؤية الإسلامية إشادة بالقيم باعتبارها أصولا لا مجرد مستحبات للمرء أن يتحلى بها إن رغب أو يتخلى بالكلية عنها إن شاء. فالرحمة –مثلا- من أبجديات الوجود وأوليات الحياة، وهي في الوقت نفسه القيمة الكامنة خلف كل أمر أو نهى حمله الشرع، وهي الروح السارية في كل خُلُق أو سلوك أُمِرنا أن نتخلق به وأن نسلكه. وقد لخص المولى جل وعلا رسالة خاتم أنبيائه إلى العالمين بقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107)، فرسول الله رحمة عامة كاملة شاملة لكل من يصح اندراجهم تحت وصف العالمين. وتظهر المواقف التي بين أيدينا المدى الذي بلغته رحمة النبي ﷺ بأمته، كما تبين كيف أن الأطفال كانوا أحد المحفزات الأساسية في استدعاء هذه الرحمة وما أحدثته من رفق وتيسير لحقا بالأمة جمعاء. وهي القيمة التي تتلاءم مع خصائص وطبيعة الطفل في هذه المرحلة، فالطفل خاصة في مرحلة ما قبل التمييز هو ضعف مطلق واحتياج كامل، لم يكتسب مقدرة على التفكير ولا يحوز مهارة تمكنه من أداء أي عمل على نحو سليم؛ ولذا كان مستحقًا للرحمة الكاملة. ولقد كانت الرحمة تجاه الأطفال مدخلًا لتخفيف بعض الأحكام الشرعية في حق المكلفين أنفسهم. وقد برز هذا المعنى في العديد من المشاهد، فقد حمل النبي ﷺ أُمامة بنت زينب في صلاته، مع ما في هذا العمل من تأثير في هيئات الصلاة، وكان ﷺ كثيرًا ما يؤتى بالصبيان ليدعو لهم ويباركهم، فيحدث أن يبول أحدهم عليه، فلا يزيد النبي الكريم عن أن يدعو بماء يُتبعه بولَ الصبي دون أن يغسل مكانه. والرحمة بالطفل مدخل لإعمال الفطرة السوية في نفس الإنسان. ولهذا فإن تفعيل النموذج الإسلامي في هذا الإطار يمكن أن يمثل مدخلًا لإحياء الموات وللارتقاء بأخلاقيات المجتمع المسلم. وذلك بحمل النفوس الجافية والقاسية على تمثل معاني الرحمة من خلال معاملة هذه الفئة المحسوبة على الضعفاء. ومن ناحية أخرى فإن ثمة ضرورة تربوية في إظهار مشاعر الرحمة بالطفل وترجمتها في صورة سلوكيات وأفعال جسدية ولفظية، فالطفل “بحاجة” إلى التقبيل والضمّ والمناغاة والملاعبة من أجل أن ينمو نموًا سليما سواء على المستوى البيولوجي أو على المستوى النفسي. وكما يكون الطفل محلًا للرحمة فإنه لابد وأن يكون محلًا للتأديب الذي يبتغي تصحيح مواطن الخلل في سلوكه، أولًا بأول، أو كلما لاح موقف يستدعي مثل هذا التوجيه. وكذلك احتفلت السيرة بقيمة المشاركة والجماعية وبدور الجماعة في المحافظة على ما يكفل للفرد حياة كريمة؛ .. ومن هذا المنطلق بارك النبي ﷺ ما جرت عليه عادة الأشعريين، من تقاسمهم أقواتهم في زمن المجاعة. ومن ذلك أيضًا اصطحاب الأطفال إلى المساجد وتعويدهم المشاركة في محافل المسلمين، وإشعارهم بمعنىً أولىّ للأمة يمكن تشبيهه بالأسرة الكبيرة التي يجمع ما بين أفرادها الإيمان بالله الواحد، وتدريبهم على الصيام ولو لأوقات يسيرة من اليوم، وتربيتهم على أوليات الإيمان والبر: (بر الوالدين، صلة الأرحام، الرحمة بالمستضعفين والفقراء، حضور مجالس العلم)، ومحادثتهم عن نعم الله وفضله، وعن ضرورة محبته لما يغذونا به من نِعم، والبدء في تعليمهم القرآن، وتعويدهم سماع الذكر، وتأليف قلوبهم إلى بيوت الله، وإشعارهم بمكانة العلماء، وتعريضهم لبركة الصالحين.

(3) وكذلك برزت مكانة الوعي بالسنن النفسية والاجتماعية: فالعيال –مثلا- كما هم منحة ونعمة تستوجب الشكر فإنهم فتنة قد تدفع إلى التساهل في أكل المال الحرام، وتستوجب من ثم الحذر. فإذا كانت التوسعة على العيال من طبائع الفطرة فإن ثمة ضرورة في التعفف في طلب القوت. وقد بين مبحث الرؤية القرآنية من ذلك الشيء الكثير بما يغني عن التكرار.

(4) كما برز دور الغيب الحاضر دومًا في التصور الإسلامي، فليست كفاءة عمل المنظومة الاجتماعية هي فقط ما يبتغيه المسلم من خلال ممارسة فعل التربية وتدريب غير المكلف على التكليف، ولكن ابتغاء الثواب الأخروي الغيبي، الذي يهون من مشقة فعل التربية نفسه، ويربط طموحات المكلف بالنفع الذي يمكن أن يجنيه من وراء كده في تربية ولده في الدنيا وفي الآخرة. وفي هذا برز كون العبادات وما يرتبط بها من شعائر هي الخيط الناظم لحركة المجتمع، وعنصر الالتقاء الذي يجمع أطيافه المختلفة. ومنه العمل على إشعار الأطفال بالغيب وبوجوده في الحيز الذي لا نستطيع أن نراه بأعيننا، وإشعارهم بوجود القوى غير المنظورة من الشياطين والأبالسة وزرع كراهيتها في نفوسهم وتعويدهم الاستعاذة منها من دون إرهابهم بها. ومنه أهمية استدعاء الغيب في حياة المسلم كبيرًا كان أو صغيرًا، وهو استدعاء ليس المقصود منه إثارة الفزع أو الرعب من المجهول بقدر ما يقصد منه التأكيد على وجود وحضور هذا العالَم، لإكمال تصور المؤمن لحقيقة الوجود الذي يحيا في إطاره، وبيان لمعاني البركة المرتبطة بتزاوج عالمي الغيب والشهادة. ومن الغيب -وفق التصور الإسلامي- ذلك العالم الموازي الذي أثبته القرآن الكريم والسنة المطهرة، أي عالَم الجان؛ ذلك العالَم الذي لا نراه ولا نعرف تفاصيل ما يجرى فيه إلا مما حكاه الوحي للنبي ﷺ. والتصديق بهذا العالم من مستلزمات الإيمان، رغم عدم إمكانية التثبت منه وفق أي أداة من أدوات المنهج التجريبي. ومن المفهوم أنه لو كانت ثمة طريق لإثبات وجود مثل هذا العالَم الموازي لتوقف عن أن يصير غيبًا، ولأصبح التصديق بوجوده من غير مستلزمات الإيمان.

(5) تعلق الحكم الشرعي بالطفل إما أمرًا كفرض زكاة الفطر، وإما نهيًا كالنهى عن بعض السلوكيات المرتبطة بهم كالقزع، وإما تعلقًا بحكم المكلف كأحكام الربيبة والرضاعة وما شابه. وطالما تعلق الأمر بالأحكام الشرعية فإن المخاطب بها إنما يكون المكلف نفسه وذلك في حق من يلي أمره من الأطفال. وفى ذلك إشارة لطيفة إلى أن للطفل حقًّا في مال أبيه. ومما يستفاد من هذا العرض أن رفع القلم عن الصبي رهن بإدراكه، وهو الحدُّ الذي تتكامل فيه بنية وعقل الطفل، الذي يتزايد تزايدًا خفي التدريج. والإدراك ربما سبق البلوغ، والقلم هنا هو قلم المؤاخذة والثواب. أما التحميل بالأحكام الشرعية فقد ارتبط بالبلوغ بوصفه معيارًا إجرائيًا لا مجال للتفاوت في تطبيقه. لهذا تجب به الحدود ويتعلق به أكثر أحكام التكليف، ومن هنا فقد أخذ الفقه الإسلامي بمعيار البلوغ وليس بمعيار الإدراك في مخاطبة الصبية بالأحكام الشرعية. كذلك يستفاد أهمية العرض التربوي لمسائل الفقه، وعدم الاقتصار على بيان الحكم الشرعي (المتمثل في وجوب النفقة على الأهل) من دون إيعاز بالمردود الاجتماعي والإنساني من ورائه. فالنفس الإنسانية مجبولة على الاستجابة لمنطق الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أصل المقالة عبارة عن الفصل الأول من كتاب:

شريف عبد الرحمن (2011). نحو تأصيل لفقه الحياة: الطفولة نموذجًا/ شريف عبد الرحمن، مدحت ماهر الليثي، منال يحيى، هبة مشهور، مهجة مشهور؛ إشراف علي جمعة. القاهرة: نهضة مصر. ص ص. 101 – 206.

** مدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

[1] ورغم هذا فقد راجعت الدراسة المحاولات التراثية التي رصدت مراحل تدرج الطفل ومنها تلك التي أوردها عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي، في كتابه فقه اللغة. والتي جاء فيها أن الطفل:

ما دام في الرحم فهو جنين

فإذا ولد فهو وليد

وما دام لم يستتم سبعة أيام فهو صديغ لأنه لا يشتد صدغه إلى تمام السبعة

ثم ما دام يرضع فهو رضيع

ثم إذا قطع عنه اللبن فهو فطيم

ثم إذا غلظ وذهبت عنه ترارة الرضاع فهو جحوش عن الأصمعي وأنشد للهذلي.

ثم هو إذا دب ونما دارج

فإذا بلغ طوله خمسة أشبار فهو خماسي

فإذا سقطت رواضعه فهو مثغور عن أبي زيد

فإذا نبتت أسنانه بعد السقوط فهو مثغر بالتاء والثاء عن أبي عمرو

فإذا كاد يجاوز العشر السنين أو جاوزها فهو مترعرع وناشئ

فإذا كاد يبلغ الحلم أو بلغه فهو يافع ومراهق

فإذا احتلم واجتمعت قوته فهو حزور

واسمه في هذه الأحوال التي ذكرنا غلام

فإذا أخضر شاربه وأخذ عذاره يسيل قيل قد بقل وجهه

فإذا صار ذا فتاء فهو فتي وشارخ

وواضح ما في استخدام هذ التقسيم من صعوبة!!!

[2] وهذا نفس ما جرت عليه المادة الأولى في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل من اعتبار كل من لم يبلغ الثامنة عشر طفلًا: (المــادة الأولى: لأغراض هذه الاتفاقية، يعني الطفل كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه.): انظر: http://www.icrc.org/Web/ara/siteara0.nsf/html/62SFVF .

[3] عن أبي ذر أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ ثم يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهى عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. رواه مسلم.

[4] الحديث رواه الحاكم في المستدرك وابن ماجة في سننه.

[5] رواه الحاكم.

[6] الحديث رواه مالك، والترمذي وابن ماجة والحاكم.

[7] ورد الحديث في مسند الإمام أحمد من حديث أبى كبشة الأنماري.

[8] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى في امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ اقْتَتَلَتَا، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَأَصَابَ بَطْنَهَا وهي حَامِلٌ، فَقَتَلَتْ وَلَدَهَا الَّذِى في بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ مَا في بَطْنِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، فَقَالَ وَلِىُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي غَرِمَتْ كَيْفَ أَغْرَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لاَ شَرِبَ، وَلاَ أَكَلَ، وَلاَ نَطَقَ، وَلاَ اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلَّ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ « إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ». رواه البخاري.

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِى لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا». رواه البخاري.

[9] رواه مسلم.

[10] رواه النسائي، والترمذي وقال: هذا حديث حسن.

[11] عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله ﷺ، إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغزوا بسم الله، في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال -أو خلال -، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبو أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم، أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا .أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

[12] بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم،….. ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف. فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه”. فبايعناه على ذلك”.

[13] رواه أحمد والترمذي وابن ماجة.

[14] رشاد على عبد العزيز، حصة عبد العزيز السويدي، علم نفس الأسرة في ضوء الكتاب والسنة، الفاروق الحديثة، القاهرة، 2001.

[15] الحديث رواه أحمد، والبيهقي في شعب الإيمان.

[16] أحمد، وسنن ابن ماجه، ومستدرك الحاكم،

[17] الحديث رواه أحمد، والدارمي، وابن حبان، وعبد الرازق والبيهقي، والطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان.

[18] روي الحديث بطرق وروايات في الصحيحين انفرد ببعضها مسلم، انظر: تفسير ابن كثير، ط البابي الحلبي. الجزء الأول، ص. 359، تفسير قوله تعالى {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (آل عمران 36).

[19] علم نفس الأسرة، مرجع سابق.

[20] المرجع السابق.

[21] المرجع السابق، ص 75.

[22] أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأخرجه الترمذي في الشمائل.

[23] علم نفس الأسرة، مرجع سابق.

[24] حدثنا أبو الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن حماد بن زيد، قال أبو الربيع: حدثنا حماد، حدثنا أيوب عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله عز وجل، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الل»ه.

[25] حدثنا محمد بن أبي عمر المكي، حدثنا الثقفي عن أيوب السختياني، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن ثلاثة من ولد سعد، كلهم يحدثه عن أبيه: أن النبي ﷺ دخل على سعد يعوده بمكة. فبكى. قال: ما يبكيك؟. فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة، فقال النبي ﷺ: اللهم اشف سعدا، اللهم! اشف سعدا ثلاث مرات. قال: يا رسول الله! إن لي مالا كثيرا، إنما يرثني ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا. قال: فبالثلثين؟ قال: لا. قال: فالنصف؟ قال: لا قال: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة وإنك أن تدع أهلك بخير – أو قال: بعيش -، خير من أن تدعهم يتكففون الناس. وقال بيده.

[26] حدثني أبو غسان المسمعي ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار بن عثمان، واللفظ لأبي غسان وابن المثنى . قالا: حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المشاجعي أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني، يومي هذا، كل مال نحلته عبدا، حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظانا، وإن الله أمرني أن أحرق قريشا فقلت: رب ! إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال: أستخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وانفق فسننفق عليك. وابعث جيشا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعا لا يبتغون أهلا ولا مالا والخائن الذي لا يخفى له طمع، وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك. وذكر البخل أو الكذب: والشنظير الفحاش، ولم يذكر أبو غسان في حديثه: وأنفق فسننفق عليك- رواه مسلم بلفظه كتاب الجنة ووصف نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار.

[27]رواه البيهقي في شعب الإيمان.

[28] رواه البيهقي في شعب الإيمان.

[29] الحديث ورد في سنن سعيد بن منصور.

[30] الحديث مروي بنفس المعنى في سنن أبي داوود، والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم ومسند أحمد ومصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة، والطبراني.

[31] سنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم ومسند أحمد والطبراني في الكبير.

[32] البيهقي في شعب الإيمان.

[33] مسند أحمد وسنن أبى داوود ومستدرك الحاكم ومصنف ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإيمان.

[34] كما هو الحال بالنسبة لتيارات ما بعد الحداثة التي تنادى بإعادة التركيز على الفئات الاجتماعية المهمشة، وعلى رأسها (من وجهة نظرهم) النساء والأطفال والشواذ جنسيًا!

[35] وترتبط الإشادة النبوية بالأشعريين بتفوق قيمة الرحمة عندهم على غيرهم؛ وهو الأمر الذي قرره النبي ﷺ في حقهم إلى يوم القيامة. ففي الحديث الذي رواه أنس أن النبي ﷺ قال: “يقدم قوم هم أرق منكم قلوبًا”، فقدم الأشعريون. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوبًا، والإيمان يمان، والحكمة يمانية، … ” كتاب الإيمان- باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه.

[36] أخرج مسلم عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: (يا أهل المدينة لا تأكلوا لحم الأضاحي، فوق ثلاث، فشكوا إلى رسول الله ﷺ أن لهم عيالا، وحشما، وخدما، فقال: كلوا، وأطعموا، واحبسوا، وادخروا).

[37] أحمد والنسائي والحاكم والطبراني وابن أبي شيبة.

[38] الترمذي والنسائي وابن ماجة.

[39] العتقي في البحر الزاخر، وذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى لمحب الدين أحمد بن عبد الله الطبري.

[40] مسند ابن خزيمة، ومسند أبو يعلى والعتقي في البحر الزاخر.

[41] على أن مداعبة النبي لم تقتصر على أطفال أمته فقد كان يداعب صحابته جميعا ًﷺ فقد روى الترمذي وأحمد من حديث أبى هريرة أن الصحابة قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله إنك تداعبنا، فردّ عليهم ﷺ موافقًا ومستدركًا في الوقت نفسه بقوله “إني لا أقول إلا حقا”. وفائدة الاستدراك هاهنا أن النبي نهى في مواضع أخرى عن المزاح المفضي إلى الكذب، والذي يئول كثيرا إلى قسوة القلب وإلى الإيذاء والحقد وسقوط المهابة والوقار. والذي يسلم من تلك الآثار هو المباح وبخاصة إذا صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب ومؤانسته. ولهذا ذهب الغزالي إلى أنه من الغلط أن يتخذ المزاح حرفة ويتمسك بأنه ﷺ مزح فمن يفعل ذلك كان كمن يدور مع الريح حيث دار. (راجع ابن حجر العسقلاني، في فتح الباري).

[42] ابن حبان.

[43] بيتر فارب، بنو الإنسان، ترجمة زهير الكرمي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 67، ص 14.

[44] وحدثنا عمرو بن سواد العامري وحرملة بن يحيى قالا أخبرنا بن وهب أخبرني يونس أن بن شهاب أخبره قال أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت * أعتم رسول الله ﷺ ليلة من الليالي بصلاة العشاء وهي التي تدعى العتمة فلم يخرج رسول الله ﷺ حتى قال عمر بن الخطاب نام النساء والصبيان فخرج رسول الله ﷺ فقال لأهل المسجد حين خرج عليهم ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم -وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس- زاد حرملة في روايته قال بن شهاب وذكر لي أن رسول الله ﷺ قال وما كان لكم أن تنزروا رسول الله ﷺ على الصلاة وذاك حين صاح عمر بن الخطاب. رواه مسلم- كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب وقت صلاة العشاء.

[45] حدثنا عثمان بن أبي شيبة واللفظ له حدثنا جرير عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم بن سويد قال * صلى بنا علقمة الظهر خمسا فلما سلم قال القوم يا أبا شبل قد صليت خمسا قال كلا ما فعلت قالوا بلى قال وكنت في ناحية القوم وأنا غلام فقلت بلى قد صليت خمسا قال لي وأنت أيضا يا أعور تقول ذاك قال قلت نعم قال فانفتل فسجد سجدتين ثم سلم ثم قال: قال عبد الله صلى بنا رسول الله ﷺ خمسا فلما انفتل توشوش القوم بينهم فقال ما شأنكم قالوا يا رسول الله هل زيد في الصلاة قال لا قالوا فإنك قد صليت خمسا فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم ثم قال إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون وزاد بن نمير في حديثه فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين.

[46] حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر رضي الله عنه. ح وحدثنا يحيى بن يحيى، – واللفظ له -، أخبرنا أبو خيثمة عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج، معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت والصفا والمروة، فقال لنا رسول الله ﷺ: من لم يكن معه هدي فليحلل قال: قلنا: أي الحل؟ قال: الحل كله قال: فأتينا النساء، ولبسنا الثياب، ومسسنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج، وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة.

[47] حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو قِلاَبَةَ أَلاَ تَلْقَاهُ فَتَسْأَلَهُ، قَالَ فَلَقِيتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ مَا لِلنَّاسِ مَا هَذَا الرَّجُلُ فَيَقُولُونَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا. فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلاَمَ، وَكَأَنَّمَا يُغْرَى في صَدْرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلاَمِهِمِ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهْوَ نَبيٌّ صَادِقٌ. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلاَمِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِى قَوْمِي بِإِسْلاَمِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِىِّ ﷺ حَقًّا فَقَالَ «صَلُّوا صَلاَةَ كَذَا في حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا كَذَا في حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا». فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّى، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ، سِنِينَ وَكَانَتْ عَلَىَّ بُرْدَةٌ، كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّى، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَىِّ أَلاَ تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ. فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِى قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَىْءٍ فَرَحِى بِذَلِكَ الْقَمِيصِ.

[48] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ – رضى الله عنهما – قَالَ لَهُ رَجُلٌ شَهِدْتَ الْخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ نَعَمْ، وَلَوْلاَ مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ – يَعْنِى مِنْ صِغَرِهِ – أَتَى الْعَلَمَ الَّذِى عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُهْوِى بِيَدِهَا إِلَى حَلْقِهَا تُلْقِى في ثَوْبِ بِلاَلٍ، ثُمَّ أَتَى هُوَ وَبِلاَلٌ الْبَيْتَ.

[49] الترمذي والحاكم وأحمد، ومسند أبى يعلى والبيهقي في شعب الإيمان والطبراني في الكبير والأوسط.

[50] حدثني الحسن بن علي الحلواني ومحمد بن سهل التميمي واللفظ لحسن حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة. فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعني: ظئره – فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.

[51] الحديث أورده عبد الله بن محمد في كتابه “العيال”.

[52] سعيد إسماعيل علي، التربية الوالدية: رؤية إسلامية، الجزء الأول، سلسلة دراسات إسلامية، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 2006.

[53] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ – رضى الله عنه – أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ « خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِىءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ ». قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ.

[54] رواه عبد الله بن محمد في كتاب “العيال”.

[55] رواه الترمذي.

[56] رواه البخاري، كتاب الطبِّ، باب الحجامة من الداء.

[57] عن السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ َقالُ ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ…. وعَنِ الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ابْنَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ جَلْدًا مُعْتَدِلًا فَقَالَ قَدْ عَلِمْتُ مَا مُتِّعْتُ بِهِ سَمْعِي وَبَصَرِى إِلاَّ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِنَّ خَالَتِي ذَهَبَتْ بِي إِلَيْهِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي شَاكٍ فَادْعُ اللَّهَ. قَالَ فَدَعَا لِي.

[58] الحديث رواه الطبراني في الكبير والهيثمي في مجمع الزوائد.

[59] ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد.

[60] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ شاور، حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد؟ يا رسول الله! والذي نفسي بيده! لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادنا إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله ﷺ الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسود لبني الحجاج. فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: مالي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، فإذا قال ذلك، ضربوه، فقال: نعم، أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه فقال: مالي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف، قال: والذي نفسي بيده! لتضربوه إذا صدقكم، وتتركوه إذا كذبكم.

[61] وقد أخذت التشريعات الحديثة بهذا التحديد العمري حيث نصت الفقرتان الثانية والثالثة من المادة الثامنة والثلاثين لميثاق الأمم المتحدة لحقوق الطفل على أن تتخذ الدول جميع التدابير الممكنة عمليا لكي تضمن ألا يشترك الأشخاص الذين لم تبلغ سنهم خمس عشرة سنة اشتراكا مباشرا في الحرب. وأن تمتنع الدول الأطراف عن تجنيد أي شخص لم يبلغ سنه خمس عشرة سنة في قواتها المسلحة. وعند التجنيد من بين الأشخاص الذين بلغت سنهم خمس عشرة سنة ولكنها لم تبلغ ثماني عشرة سنة، يجب على الدول الأطراف أن تسعى لإعطاء الأولوية لمن هم أكبر سنّا. راجع الرابط السابقة الإشارة إليه.