أخبار عاجلة

الوسطية الإسلامية

الوسطية الإسلامية*

د. عبد الحميد إبراهيم**

أعلن القرآن الكريم أن المسلمين أمة وسط، بمعنى أنهم يدينون بالدين الذي يجمع بين الأمرين بلا إفراط أو تفريط، بل يوازن بينهما باستقامة، وقال الرسول عليه السلام في هذا المعني “أنا نبي الرحمة وأنا نبي الملحمة” أي “أنه بعث بالملحمة وهي المقتلة لمن عصاه، وبالتوبة لمن أطاعه، وبالرحمة لمن صدقه واتبعه وهو رحمة للعالمين، وكان من قبلهم من الأنبياء لا يؤمن بقتال، وكان الواحد من أممهم إذا أصاب بعض الذنوب، يحتاج مع التوبة إلى عقوبات شديدة، كما قال تعالى {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} وقد روى عن ابن العالية وغيره أن أحدهم كان إذا أصاب ذنبًا، أصبحت الخطيئة والكفارة مكتوبة على بابه، فأنزل الله في حق هذه الأمة {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} إلى قوله {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}([1]).

جاء الإسلام بعد أن مرت الإنسانية بأطوار مختلفة، وكان الدين يترقى معها في كل طور، كما يترقى الوالد مع ولده، مرة يخاطب حواسها، وثانية عواطفها، حتى إذا وصلت مرحلة النضج، جاءهم آخر الأديان يجمع بين مختلف التجارب. فقد كانت اليهودية تميل إلى العنف، وتطرفت المسيحية إلى الجانب المقابل، ثم جاء الإسلام فوازن بين الأمرين. يقول ابن قيم الجوزية “وموسى عليه السلام كان مظهر الجلال، ولهذا كانت شريعته شريعة جلال وقهر. وعيسى عليه السلام كان في مظهر الجمال، وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان، وكان لا يقاتل ولا يحارب، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فكان في مظهر الكمال، الجامع لتلك القوة والعدل والشدة في الله، وهذا اللين والرأفة والرحمة، وشريعته أكمل الشرائع…… ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابًا له وفرضًا، وبالفضل ندبًا إليه واستحبابًا – وبالشدة في موضع الشدة، وباللين في موضع اللين، ووضع السيف موضعه، ووضع الندى موضعه، فيذكر الظلم ويحرمه، والعدل ويوجبه، والفضل ويندب إليه، في بعض آية. كقوله تعالي {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) فهذا تحريم للظلم. وقوله (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} – ندب إلى الفضل. وقوله {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} -تحريم للظلم- {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} -عدل- {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} -فضل-([2]).

* * *

ولا يعني هذا أن الإسلام يقوم بعملية تلفيق. لا تبدو له فيها شخصية، كما خيل “لفون كريمر” في كتابه “الحضارة الإسلامية ومدى تأثرها بالمؤثرات الأجنبية” فهو يحاول أن يجرد الإسلام من الابتكار، وأن يعيد طقوسه إلى الأديان والحضارات السابقة، معتمدًا على مجرد التشابه الخارجي. وغائبًا عنه منهج الإسلام، الذي يأخذ الحق من هنا وهناك، ويحد من غلوه هنا وهناك، ثم ينظم الجميع في خيط واحد، وفي صورة جديدة، يسميها ابن القيم كما رأينا “مقامي الكمال” أو “حال الكمال من هذه الأمة”([3]) على حد تعبيره في موضع آخر. ويسميها الغزالي مقام “الجامع بين الأصلين”([4]).

وقد نفخ الإسلام في هذا المقام الجديد الحركة، التي طبعته بطابعه الخاص، أو كما يعبر إقبال “رقصة الروح”([5])، فالإله قريب وبعيد، ليس حالًا فينا فنألفه، وليس بعيدًا عنا فنيأس منه، بل نحن في حركة بين الأخذ والرد.

ومن هنا كان المسلم الصادق في حالة من الخوف والرجاء، أي حالة تجمع بينهما متجاورين، فهو ليس في خوف فقط فيوئسه، وليس في رجاء فقط فيبطره، بل هو في حركة بينهما، لا تركن لإحداهما على حساب الأخرى([6]). ينقل ابن القيم حديث صاحب المنازل عن درجات الأدب فيقول “الدرجة الأولى منع الخوف أن يتعدى إلى اليأس، وحبس الرجاء أن يخرج إلى الأمن، وضبط السرور أن يضاهي الجرأة”([7]).

فالإسلام لا يقوم بعملية تلفيقية فحسب، بل تتمثل إضافته الحقيقية في الحركة، التي تنتج في النهاية مقامًا جديدًا، حقًا هي حركة صعبة، لأنها فوق صراط أرق من الشعرة، ولكنها محوطة بعناية الله، فيضفي عليها جوًا “مفهومًا” يخلصها من العبثية. ويوجهها نحو هدف، أن هذا يختلف عن حبل نيتشه المشدود والذي يفتقد المعنى، وينتهي بصاحبه إلى العدمية ثم الانتحار.

* * *

ذلك جوهر الإسلام، نظرة وسطى لا تغلب جانبًا على حساب الجانب الآخر، ووضوح واستقامة، وحركة بين الأشياء، مستمرة لا تهدأ، ما دام المرء يعيش حالة الرجاء والخوف معًا، وهادفة لا تصل إلى حد القلق المرضى، لأنها محوطة بعناية الله.

وبقي أن نتابع التطبيقات الإسلامية لهذا الموقف الوسطي، وحتى لا تزل أقدامنا في اجتهادات غير مهيئين لها، فإننا سنعتمد على أقوال العلماء الذين كشفوا عن هذا الجانب، وستكون مهمتنا هي الجمع من هنا وهناك، وسيفيدنا كثيرًا ما كتبه الشيخ محمد محمد المدني في كتابيه “دعائم الاستقرار” و “وسطية الإسلام” فقد ذكر أن الإسلام راعي الوسطية في كل ما جاء به، سواء في جانب العقيدة، أو المنهج التشريعي، أو الأحكام العملية، أو الخلقية، أو رسوم العبادات، وضرب بعض الأمثلة ([8]). منها:

يقال ذلك في العبادات التي كلفنا الله إياها، والمعاملات التي رسم لنا طريق السلوك فيها: فالصلاة انقطاع عن المادة. واتصال بالروح الأعلى، ولكن في أوقات مناسبة محصورة، بحيث لا ينخلع الإنسان عن حياته وأعماله ونشاطه، ولا ينخرط فيها انخراطًا كليًا، فتظلم نفسه ويتبلد حسه، والصوم ليس حرمانًا كاملًا بالليل والنهار، أو قصرًا على بعض المباحات دون بعض، وإنما هو حرمان وقتي لساعات محدودة، لك بعدها أن تتناول كل ما تريد من المباح، وأن تلابس ما أحله الله لك. فيجتمع لك من هذا وذاك تربية الروح. وتربية الجسد، وقل مثل هذا في الزكاة، والحج، والنكاح والطلاق، وحل البيع وحرمة الربا، والاعتراف بالحرب مع النهي عن الاعتداء، والأمر بأخذ الحذر مع النهي عن الإسراف في التظنن، وتشريع القصاص مع العدل والمساواة فيه، وإباحة الانتصار للنفس مع الترغيب في جانب العفو، وغير ذلك مما كلفنا الله تعالى إياه. وكانت سنة الإسلام فيه المتوسط، دون ميل إلى جانب التفريط، أو جنوح إلى ناحية الأفراط”.

“ومن ذلك في جانب أمثال هذه الأمور العملية قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ}([9]). فالقرآن الكريم يقرر بهذا مبدأ من أهم المبادئ الإسلامية، التي جعل الله بها المسلمين أمة وسطًا، ليكونوا شهداء على الناس، ذلك المبدأ هو مراعاة حق الفطرة الإنسانية، والنهي عن سلوك السبل التي سلكها أهل الأديان السابقة، أو بعض الفلاسفة من تعذيب النفس، وحرمانها من الأخذ بما يلائم الفطرة، ويحقق المتاع الجسمي الطبيعي إيثارًا لتهذيبها، وميلًا لتقوية الجانب الروحي فيها، فالقرآن الكريم يبطل هذا في قوة وحزم، وينهى المؤمنين عنه، ويصف ما أحله الناس بأنه طيبات. إيحاء لهم بأن إحلاله إنما كان لطيبه، وطيبه معناه خلوه مما يؤذي النفس ماديًا ومعنويًا. واشتماله على ما يفيدها في كليهما. ثم يشعرهم إشعارًا قويًا بأن في تحريم الإنسان طيبات ما أحل الله له خروجًا منه على حده. وتجاوزا لدائرة فطرته وإنسانيته، وتمردًا على الألوهية، ذات الدقة في التشريع، والحكمة في التحليل والتحريم، ثم يأمرهم أمرًا صريحًا بالأكل مما رزقهم الله من الطيبات، غير مكتف بفهم ذلك من النهي السابق، ويؤكد هذا كله بأمرهم بتقوى الله الذي هم به مؤمنون، مشيرًا بذلك إلى أن هذا من مقتضيات الإيمان. وقد ذكر العلماء في سبب نزول هذه الآيات بعض الأحاديث، منها ما أخرجه البخاري عن أنس قال “جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلى الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا. أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني”. وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرهط الثلاثة، إلى أن نهيه عن التبتل والانقطاع، وأمره بتوفية النفس حقها من حظوظ الحياة، في اعتدال، وما شرحه من سنته في المداولة بين ذلك وبين العبادات – كل ذلك لا يتنافى مع التقوى والخشية من الله، فإنه صلى الله عليه وسلم أتقاهم وأخشاهم، ومع ذلك لا يفعل ما هموا أن يفعلوه، ولا يرضى به سنة لأمته. وبهذا رسم الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة طريقها الوسط، وكان “شهيدًا” عليهم وفاصلاً بينهم برسم هذا الطريق، وأيده فيه القرآن الكريم أذ أنزل الله هاتين الآيتين، وفي ذلك يقول العلامة الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان “هذا استدعاء إلى التقوى بألطف الوجوه، وتقديره: أيها المؤمنون بالله لا تضيعوا إيمانكم بالتقصير في التقوى، فتكون عليكم الحسرة العظمى. واتقوا في تحريم ما أحل الله لكم وفي جميع معاصيه، من به تؤمنون، وهو الله تعالى. وفي هاتين الآيتين دليل على كراهية التخلي والتفرد والتوحش والخروج عما عليه الجمهور، من التأهل وطلب الولد وعمارة الأرض. ويقول شيخ المفسرين العلامة الطبري في هذا أيضًا “لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحله الله لعباده، وان الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسنه لأمته، وأتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون، إذ كان خير الهدي هدي نبينا محمد صلي الله عليه وآله وسلم.

 ومن ذلك قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}([10]). فهاتان الآيتان الكريمتان جاءتا على مبدأ “الوسطية”. فهما تقرران حق الإنسان في الأكل والشرب واللباس والزينة والطيبات من الرزق، على حسب الناموس الذي يستقيم عليه شأنه فردًا وجماعة والذي يؤدي به حظ الروح والجسم معًا… والأكل والشرب أمران طبيعيان، يفعلهما الإنسان كما يفعلهما الحيوان، ولهذا يأتي في الذهن سؤال عن ذلك فيقال: لم أمر الله الإنسان بهما؟ وهل الأشياء الطبيعية التلقائية، التي تحدث من تلقاء نفسها تحتاج إلى أمر أو إرشاد؟ والجواب: إن هذا الأمر أنما هو تمهيد لما جاء بعده من قوله تعالى ولا “تسرفوا “، كأنه يقول: أدوا حق بشريتكم بتناول الطعام والشراب، ولكن في حدود القصد وعدم السرف. وقد جرى كثير من المفسرين على أن النهي عن الإسراف راجع إلى الأكل والشرب لاتصاله بهما. وعندي أنه راجع إلى اتخاذ الزينة عند كل مسجد أيضًا، فالله تعالى يأمر باتخاذ الزينة في غير سرف، كما يأمر بالأكل والشرب في غير سرف. والقرآن الكريم يأمر الناس بالاعتدال في كل ذلك وأمثاله من كل تصرف يتصل بغرض الإنسان واتجاهه، فيقول {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} ويقول {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} ويقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} وبمثل هذا تأمر السنة والآثار المروية، فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف” ويقول ابن عباس “كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة”… هذا هو نهج الإسلام في اللباس والزينة والطعام والشراب والطيبات من الرزق عامة، لا تحريم لما أخرج الله لعباده، ولا إسراف ولا التماس لغير الطيبات، ولا تحرج من تطلب المتاع الحسن من وجوهه المشروعة، ولا بأس بالتنافس في سبيل التقدم والرقى تنافسًا شريفًا من شأنه أن يرفع مستوى البشر، ويحقق إلى جانب ذلك سموهم الروحي وكمالهم الخلقي.

 “في وسع المؤمن أن يقصد مع الامتثال لله في تأدية العبادة أو التصرف قصدًا تابعًا فيه حظ من حظوظ الدنيا، ولكن على شريطة أن يكون ذلك الحظ معترفًا به، غير منكر في الشرع، ويتفرع على ذلك أمثلة مما ذكره أهل الفقه، من ذلك أن يقصد الإنسان بالصلاة في المسجد الأنس بجيرانه وأصدقائه، حيث يلقاهم فيه ويتحدث إليهم ويشاورهم ويجالسهم، فلا بأس بهذا القصد، وليس فيه ما يفسد نية العبادة، أو يشوبها بما هو مناف لها. ومن ذلك أن يقصد المرء إلى الصيام احتماء لألم يجده، أو مرض يتوقعه، أوبطنة تقدمت له. وأصل ذلك – مع مبدأ النية الحسنة – قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فانه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن له وجاء”. فقد شرع الحديث أن يقصد الشباب إلى الصوم ليكون لهم وجاء، أي حصانة وردًا عن الوقوع فيما حرم الله، ومن ذلك أن يقصد مع الحج رؤية البلاد، والتخفف من أثقال الحياة، أو الابتعاد بعض الوقت عن جو أدبي أو حسي لا يناسبه، فانه لا بأس بذلك، وفي القرآن الكريم {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}([11]) وفيه أيضًا {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}([12]) وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخل في الصلاة، يستريح إليها من تعب الدنيا، ويجد فيها لذته وراحة نفسه، وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه “وجعلت قرة عيني في الصلاة” فالصلاة عبادة، والاستراحة بها أو إليها من متاعب الحياة، حظ من الحظوظ النفسية الدنيوية، ولكنه من جنس ما يأذن فيه الشارع، ومما لم يعده مفسدة تفسد أو شائبة تشوب، وقل مثل ذلك في تعلم العلم ابتغاء رفعة الشأن، أو الاحتماء به من الظلم، وفي الصدقة يبتغي بها -مع الإحسان إلى المحتاجين- أن يذوق لذة العطاء والتفضل. وقد كان المأمون يعفو عن المسيئين إليه ويقول “لو علم الناس مالنا في العفو من اللذة لتقربوا إلينا بالجنايات” والعفو منزلة يندب إليها القرآن في مثل قوله (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)([13]). فهو عبادة، والاستراحة إليه واللذة به حظ من الحظوظ الدنيوية، لا ينافي هذه العبادة لأنه ليس من الحظوظ المذمومة المنهي عنها.. وفي الفقه يستحب الوضوء لمن أراد أن يبترد به صيفًا، ويستحب بالإمام أن ينتظر بالركوع حتى يتيح إدراك الركعة للمسبوق، ويندب له أن يخفف من الصلاة لأجل الشيخ الكبير وللضعيف ولصاحب الحاجة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك وهو القائل: “إني لأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مخافة أن تفتن أمه”.

 ومن ذلك هدي الإسلام -كتابًا وسنة- في الصدقة، وتبدو مظاهر الوسطية فيها من جوانب عدة:

(أ) فيما يرجع إلى الجود بها، غير أن الطريقة المثلى التي يشرعها الإسلام في ذلك، هي البذل الذي لا ينتهي بالباذل إلى أن يصبح هو فقيرًا محتاجًا، أو أن يخرج عن نسبة أكثر من الثلث، والسر في ذلك أن لا معنى لأن يصلح الإنسان حال غيره بما يفسد به حال نفسه أو حال من يعولهم، ثم أن الباذل الذي ينشط للبذل، وتقوى عليه نفسه، ويستريح إليه قلبه، ويسلم معه من عوامل المتطلع وتعلق النفس بما بذل، إنما هو يبذل الأقل، ويبقى لنفسه الأكثر، تلك سجايا النفوس فيما يعتاده الناس وفيما هو شأن وسطهم، الذي لا عبرة بما قد ينزل عنه من الباخلين المقترين، ولا بما يرتفع عليه من الأجواد المبرزين، فإن التشريع عادة إنما يكون للوسط، وما عليه الكثرة، وما هو شأن الكافة، ويتجلى هذا الجانب في السنة المطهرة، تطبيقًا للمنهج القرآني على نحو رائع، روى أبو هريرة وحكيم بن خزام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “خير الصدقة -أو أفضل الصدقة- ما كان عن ظهر غنى” وهذا تعبير تصوري جميل عما لا يرهق صاحب المال…. فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرشد الناس إلى الصدقة التي لا يضار معها المتصدق مادة ولا روحًا. وقد كان يرد في كثير من الأحيان ما يخرج على هذه السنن في الصدقات، فمن ذلك ما رواه مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله من “أن رجلاً أعتق عبدًا، لم يكن له مال غيره، فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وابتاعه نعيم ابن النحام” وعن جابر أيضًا “أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمثل البيضة من الذهب، فقال: يا رسول الله، هذه صدقة ما تركت لي مالًا غيرها، فحذفه بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلو أصابه لأوجعه. ثم قال: “ينطلق أحدكم فينخلع من ماله، ثم يصير عيالًا على الناس”…. وقريب من هذا الصنيع ما روى عن أبي سعيد الخدري، من أنه “دخل رجل المسجد فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يطرحوا ثيابًا، فطرحوا، فأمر له بثوبين، ثم حث عليه السلام على الصدقة، فجاء فطرح أحد الثوبين. فصاح به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “خذ ثوبك”. فرفْض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الصدقة كان سريعًا عقب الفعل، وكان على سبيل الصياح بالرجل، ورفْع الصوت المنبئ عن قوة العزم وشدة الحزم، وما ذلك إلا لأنه لا يريد أن ينزل الرجل عن شطر ماله، فإن الشطر قسيم مساو، وقَل في الناس من ترضى طبيعته البشرية بأن يقاسم في ماله، ولو كان قد أتاه على هذا الوجه من الصدقة، لأنه أصبح مالكًا إياه، وحريصًا عليه، وله الأولوية في أن يتمتع به حسًا ونفسًا. ومن الأحاديث المشهورة حديث الرجل الذي استأذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، أن يتصدق بماله كله، فأبى ذلك عليه، فلم يزل ينزل حتى بلغ الثلث، فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتصدق بالثلث وعرفه أن الثلث كثير، أي أنها نسبة عالية كبيرة لا يستهان بها، وينبغي أن يقف الحد الأوسط عندها. وهذا الهدي النبوي مأخوذ من القرآن الكريم، إذ يقول الله عز وجل {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}([14])… ومن ذلك قوله تعالى:{وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المسرفين}([15]) فالزكاة فريضة واجبة تصفها الآية الكريمة بأنها حق للزرع، وتندب إلى إخراج هذا الحق يوم حصاده، ولكنها مع هذه العناية تنهى عن الإسراف، ولا تستحب للناس أن يزيدوا عما قدره الله، فإن ذلك فيه معنى الاستظهار على الشارع، ولذلك يقول المالكية: أن الشارع إذا حدد قدرًا، فإن الزيادة على ما حدده تكون بدعة، فتارة تكون مبطلة كالزيادة في الصلاة، وتارة تكون مكروهة كالزيادة في الزكاة وعبارة “الاستظهار على الشارع” هي عبارة المالكية، تشبيهًا لمن يفعل ذلك، بمن يستظهر بشيء أن يحتاط به. ومن ذلك قوله تعالى: {وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}([16]).

(ب) وفيما يرجع إلى المتصدق عليه، يجعل الإسلام الحق الأول في الصدقة لمن يعوله المتصدق. وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “وابدأ بمن تعول” بل جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما ينفقه الرجل على نفسه صدقة، وجعل له الأولوية والتقدم، يدل على ذلك حديث أبي هريرة “أن رجلًا قال: يا رسول الله، عندي دينار قال: تصدق به على نفسك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر. قال: أنت أبصر به” وفي حديث جابر عن طريق مسلم، عن الرجل الذي تصدق بالعبد، فرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدقته، وباع العبد لنعيم بن النحام، وأعطى صاحبه ثمنه. قال له عليه الصلاة والسلام “ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذى قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا” كأنه صلى الله عليه وآله وسلم، يشير بذلك إلى النواحي الأخرى بعد هذه القرابات….

(جـ) وفيما يرجع إلى إعلان الصدقة وإظهارها، أو إخفاءها وإسرارها. نرى الإسلام يبيح هذا وذاك، ويرشد إلى أن لكل موضعه، فقد يكون إعلان الصدقة وإظهارها مقصوًدا به القدوة وإثارة حمية الجود في الناس، وقد يكون المقام يقتضي الإسرار بها، كما إذا أعطيت لذي احتياج طارئ بعد غنى، أو قصد المخرج البعد عن مظاهر الرياء والتفاخر. وفي القرآن الكريم {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}([17]) وفي الحديث الشريف “ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه”. كما أن في السنة مواطن كثيرة كان فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى الصدقة علانية، ويقبلها علانية، كما يفعل الناس الآن في دعوات الاكتتاب والتعاون. ولا شك أن ظروف المجتمع فيها ما يدعو إلى هذا وذاك، وأن الحكم الوسط العادل هو ملاحظة كل من هذه الظروف بما يناسبه.

 وحين تعرض الشيخ المدني -في الكتاب نفسه([18])- لأسماء الله الحسني، نراه ينظر إليها نظرة متكاملة، دون أن يتعلق كما فعل بعض الصوفية باسم دون آخر، فإن هذا الاتجاه “يشتمل على جانب من القصور أو التقصير، فإن من أراد أن يعرف الله تعالى، فعليه أن يتأمل جميع صفاته، ويتعشق جميع أسمائه، ويحاول إرجاع كل مظهر من مظاهر تصريف الله إلى مبدئه واسمه النابع منه، وذلك أن لله تعالى صفات متقابلة، فهو مثلًا القابض والباسط، وهو سريع الحساب، وهو القوى الشديد، وهو الغفور الرحيم. وكل هذه الصفات وغيرها مما لم تذكر مع تعددها، ومع التقابل في بعضها، هي -والله أعلى وأجل- بمثابة مزيج واحد، لا يمكن فصل عنصر من عناصره عن الآخر، فالله تعالى رءوف رحيم، حتى حين يتجلى بمظهر المنتقم الجبار.

وقد لاحظ قبله ابن القيم مثل هذه الملاحظة، ورأى أنها “طريقة الكمل من السائرين إلى الله” فقال: “وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر، فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يحجبه التعبد باسمه القدير عن التعبد باسمه الحكيم الرحيم، أو تحجبه عبودية اسمه المعطي عن عبودية اسمه المانع، أو اسمه الرحيم والعفو والغفور عن اسمه المنتقم، أو التعبد بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة والكبرياء ونحو ذلك”([19]).

 ويذكر الشيخ المدني في الكتاب الآخر([20])، أن الإسلام راعى الوسطية في أصول التشريع، فهناك أحكام قطعية لا تتغير ولا تقبل الاجتهاد، وهناك في الوقت نفسه أحكام غير قطعية وقابلة للاجتهاد “والحكمة في ورود هذين النوعين من الأحكام في الشريعة الإسلامية أن أمر الناس لا يصلح إذا جاءت الأحكام والمسائل كلها على نمط واحد، فلا يصلح في أمور العقائد وأصول الدين أن يُترك الناس لعقولهم وأفهامهم وظنونهم. كما لا يصلح ذلك في حقائق العبادات وصورها ورسومها، ولا في أصول المعاملات التي تقوم عليها، فكان من رحمة الله بالناس أن وقاهم شر التفرق فيها، ورسم لهم دائرة محدودة واضحة المعالم… أما الفروع التي لا يضر الاختلاف فيها، سواء أكانت في الجوانب النظرية، أم في الجوانب العملية، فلم يكن يصلح أمر الناس على توحيدها، ولو أنها وحدت لجمدت العقول… ولذلك كان من رحمة الله بالناس وحكمته في التشريع لهم، أن فتح للعقول مجال النظر… ونتبين من هذا أن الإسلام توسط في تشريعه من حيث ما يجب الاتفاق عليه، وما يجوز الاختلاف والاجتهاد فيه”.

* * *

وإذا تتبعنا مواقف الإسلام، فسنجده يحرص على تبني الوسطية في كل المواطن، كما في العلاقة بين العلم والحال، فصاحب “التمكين يتصرف علمه في حاله ويحكم عليه فينقاد لحكمه، ويتصرف حاله في علمه فلا يدعه أن يقف معه، بل يدعوه إلى غاية العلم فيجيبه ويلبي دعوته. فهذه حال الكمال من هذه الأمة، ومن استقرأ أحوال الصحابة وجدها كذلك، فلما فرق المتأخرون بين الحال والعلم دخل عليهم النقص”([21]).

وكما في العلاقة بين العقل والسمع “فلا غنى بالعقل عن السماع ولا غنى بالسماع عن العقل، فالداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل، والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور، فإياك أن تكون من أحد الفريقين، وكن جامعًا بين الأصلين، فإن العلوم العقلية كالأغذية والعلوم الشرعية كالأدوية، والشخص المريض يستضر بالغذاء حتى كأنه الداء”([22]).

أو كما في العلاقة بين الفرد والجماعة، فالآيات القرآنية تجمع بين المسئولية الفردية {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}([23]) ودين المسئولية الجماعية {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}([24]) {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}([25]).

أو كما في العلاقة بين الدنيا والدين “الإسلام يرفع النفوس بشعور من اللاهوت، يكاد يعلو بها عن العالم السفلي ويلحقها بالملكوت الأعلى، ويدعوها إلى أحياء ذلك الشعور بخمس صلوات في اليوم. وهو مع ذلك لا يمنع من التمتع بالطيبات، ولا يفرض من الرياضيات وضرورة الزهادة ما يشق على الفطرة البشرية تجشمه. ويَعِد برضا الله ونيل ثوابه، حتى في توفية البدن حقه، متى حسنت النية وخلصت السريرة. فاذا نزت شهوة، أو غلب هوي. كان الغفران الإلهي ينتظره، متى حسنت النية وكملت الأوبة”([26]).

* * *

الأخلاق

حين نزلت أول سورة في المدينة، ميزت الأمة الإسلامية بأنها أمة وسط، وبينت ما تهدف إليه تلك الوسطية “لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا”. فالغاية إذن غاية خلقية، تبغي أن يكون المسلمون نماذج يقتدى بها، وشهداء يستشهد بها الناس.

وعبارات السلف في “شهد” – كما يذكر ابن القيم([27]) – تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والأخبار. ومن هنا لو جاز لي أن أحدد الصفة الرئيسية في الوسطية العربية الإسلامية، والتي ترتد إليها بقية الصفات، لكانت هي صفة “العدالة”.

وتهدينا كتب التفسير إلى تلك الصفة، فينسب الطبري إلى من يسميهم “أهل التأويل” قولهم “الوسط العدل وذلك معنى الخيار لأن الخيار من الناس عدولهم”([28]). والنسفي يصرح بهذا وهو يشرح قوله ذكر أن الأمم تجحد تبليغ الأنبياء يوم القيامة، فيؤتى بأمة محمد فيشهدون عليهم، ويؤتى بمحمد فيسأل عن حالة أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم، واستدل بتعميم ذلك على أن الإجماع حجة، لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة.

ويرتد بنا التحليل اللغوي للألفاظ إلى نصوص صريحة في مدلولها، فقد جاء في اللسان في مادة (وسط) “وفي التنزيل العزيز: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا. قال الزجاج: فيه قولان، قال بعضهم مقسطًا عدلًا، وقال بعضهم خيارًا، واللفظان مختلفان والمعنى واحد، لأن العدل خير والخير عدل”. وجاء فيه في مادة (قوم) “والقوام العدل”. قال تعالى (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) … وفي الحديث: أتاني ملك فقال: أنت قيم وخلقك قيم أي مستقيم حسن. وفي الحديث “ذلك الدين القيم”، أي المستقيم الذي لا زِيَغ فيه ولا ميل عن الحق، وقوله تعالى (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) أي مستقيمة تبين الحق من الباطل على استواء وبرهان عن الزجاج، وقوله تعالى: (ذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي دين الأمة القيمة الحق، ويجوز أن يكون دين الأمة المستقيمة. قال الجوهري: إنما أنًث لأنه أراد الملة الحنيفية… والملة القيمة: المعتدلة والأمة القيمة كذلك…

فلعلى لا أكون بعيدًا عن الواقع اللغوي وعن النصوص الدينية لو قلت: أن قول الملك للنبي صلى الله عليه وسلم “أنت قيم وخلقك قيم”، يعني: أنت عدل وتتصف بالعدالة، لأن القوام هو العدل. وأن قوله تعالى (ذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) يعني: دين العدالة، أي “دين الأمة القيمة بالحق”.

لقد جعل الدكتور محمد عبد الله دراز من “الحياء” السمة المميزة للإسلام، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم “لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء”، ولكن حين فسر مضمون الحياء، نجده في النهاية لا يختلف عن مضمون الوسطية، فإذا كان الناس -كما ذكر- جعلوا اليهودية شريعة الخوف، والنصرانية شريعة الحب، فإنه يجعل الإسلام شريعة الحياء، وهي صفة تنتج من خلط عنصري الخوف والرجاء، فتكون المحصلة “حالة مخففة تقع بين انفعالين قويين”، وربما يجوز لي أن أترجم هذه الحالة المخففة التي ذكرها، إلى لفظ واحد هو “الوسطية”. وهذا ما يكاد ينص عليه وهو يعلق على التفسير النهائي لكلمة الحياء فيقول “إن النظرية الإسلامية تجمع مختلف المبادئ اللازمة للحياة الخلقية، في تركيب ينسجم بحيث يجعلها جميعًا تتجه نحو الوسط العادل”([29]).

تبقى إذن صفة العدالة هي السمة المميزة للإسلام، ونستطيع أن نفسرها في ضوء المفهوم الذي حددناه لاصطلاح الوسطية العربية، فنراها تعني النظر إلى الجانبين، وضم الحق الموجود هنا، إلى الحق الموجود هناك، في أنظومة أخيرة يسميها ابن القيم مقام الكمال، وهو المقام الذي يجمع بين المقامين، أي مقام الجلال عند اليهودية ومقام الجمال عند المسيحية. ويسميها غيره “الصراط المستقيم”، الذي يختلف في محصلته النهائية عن صراط “المغضوب عليهم والضالين” أي اليهود والنصارى كما جاء في التفاسير، فهو مقام يجمع بين المقامين وفي أنظومة مختلفة.

ويرى النسفي في تفسير “الفاتحة” أن الصراط المستقيم هو طريق الحق وملة الإسلام، ويفسر ابن القيم هذا الصراط بأنه مقتضى التوحيد والعدل، فيقول “فالصراط المستقيم الذي عليه ربنا تبارك وتعالى هو مقتضى التوحيد والعدل، قال تعالى {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فهذا مثل ضربه لنفسه وللصنم، فهو سبحانه الذي يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم. والصنم مثل العبد الذي هو كل على مولاه”([30]).

* * *

وفي ظل الوسطية قدم لنا الإسلام منهجًا متكاملًا، يغطى كل شيء، كعلاقة الإنسان مع غيره وأهله، وبدء السلام، والاستئذان، وطريقة الأكل، وطريقة دخول الأماكن، ولبس الثياب الجديدة، وأيام الأعياد، والختان، والزفاف، وغير ذلك مما نجده مبسوطًا في كتب الفقه والأحاديث وبنوع خاص البخاري، وإحياء علوم الدين، ورياض الصالحين. وقد عاش السلف في ظل ذلك المنهج منطقيين مع أنفسهم ومع غيرهم، لا يحسون بالتمزق بين وارد لا يعبر عنهم، وقديم قد فقد فعاليته…

فالوسطية العربية التي تؤدي إلى صفة العدالة، أي الموازنة بين الجانبين، يمكن أن تثمر خلقًا إنسانيًا، يراعى الدين والدنيا، ولا يضخم جانبًا على حساب آخر، فقد قدم الإسلام منهجًا تربويًا متكاملًا، استطاع العرب به أن يؤسسوا حضارتهم، وأن يهدوا للإنسانية مثلًا يقوم على العدالة والتوازن. ويؤكد الغزالي العامل الإنساني في التربية. ويذكر أن الأخلاق يمكن أن تتغير “وشرطه قد يرتبط باختيار العبد،        فالغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر، لم نقدر عليه أصلاً، ولو أردنا ساستهما وقودهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليه”([31]).

* * *

وإذا أردنا أن نحلل الأخلاق العربية و”الأدب” الإسلامي، فسنجدها ترتد في مواقف السلف وفي تحديداتهم، إلى صفة الوسطية أو العدالة التي توازن بين الجانبين، يقول الإمام علي “خير الناس هذا النمط الأوسط، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الغالي”([32]) ويقول الغزالي “فإن المطلوب هو العدل والقسط في الصفات والأخلاق كلها، وخير الأمور أوساطها، فإذا جاوز الوسط إلى أحد الطرفين، عولج بما يرده إلى الوسط لا بما يزيد ميله عن الوسط”([33]). ويعرف ابن القيم “الأدب” بأنه الحد بين الجفاء والغلو، أي مراعاة الوسطية، ويضرب مثلاً توضيحيًا لذلك فيقول عن حقوق الخلق “ألا يفرط في القيام بحقوقهم، ولا يستغرق فيها عن حقوق الله أو عن تكميلها، أو عن مصلحة دينه وقلبه، وألا يجفو عنها حتى يعطلها بالكلية، فإن الطرفين من العدوان الضار، وعلى هذا فحقيقة الأدب هو العدل”([34]). وفي موضع آخر يحدد “الظرف” عند أهل السر بما يعود به إلى الوسطية، وهو يعنى بالظرف الأنس بالخلق والانبساط إليهم، ويحذر من “الاسترسال مع هذه الأمور، فإنها أقطع شيء للمريد والسالك، فمن استرسل معها قطعته، ومن عاداها بالكلية وعرت عليه طريق سلوكه، ومن استعان بها أراحته في طريقه، وأراحت غيره به”([35]).

وإذا أردنا أن نسترسل مع الأمثلة فإن المقام يطول بنا، وأرى أن نعود هذه المرة أيضًا إلى الشيخ محمد عبد الله دراز في رسالته للدكتوراه([36]). لنقتبس منها ما يدل على مراعاة القرآن الكريم للوسطية في أقواله التي تقف في منتصف الطريق بين المجرد، غامضة ومبهمة، وبين الحسي المفرط في الشكلية” كما يقول. وفي أطره التي هي “صارمة ومرنة في آن” كما يقول أيضًا.

ففي فصل “الإلزام” يتعرض لموقفين متناقضين، أحدهما ويمثله “كانت” يجعل السلطة التشريعية كلها من شأن العقل الخالص، ويعلي من القانون الشكلي ويتخذه أساسًا للخير. والآخر على النقيض من ذلك -ويمثله جيو Guyau ونيتشه- يدافع عن قضية الحرية التجريبية للذات ويرى أن القيمة الأخلاقية لا توجد مسبقًا في نظام الأشياء الأزلية، بل هي إبداع إنساني يتجاوز به الإنسان نفسه ليصبح فوق الإنسان، ثم يذكر أنه لا يكفي العقل الخالص، ولا الحالة الفردية التجريبية، بل الواجب هو التركيب بينهما، وهذا ما أدركه القرآن الكريم في قوله {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. فهذه الصيغة ليس معناها أن نفعل ما يحلو لنا، وليس معناها أن نخضع للحكم العلوي، وإنما نجد طرفي السلسلة قد اجتمعا.

وفي فصل “الجزاء” يستدل بنصوص من التوراة، تثبت أن السعادة الموعودة إنما تكون في طيات هذا العالم، ويستدل بنصوص من الإنجيل تدل على أن السعادة إنما تكون في الآخرة، ثم يذكر أن القرآن الكريم “يريد أن يجمع بين هذين المفهومين، والحق أن الأمر بالنسبة إلى القرآن أمر مصالحة وتوفيق، فهو يريد أن يثبت في وحدتهما الأولية عنصرين متكاملين لواقع واحد، عمل الشراح الكتابيون بصورة ما على شطره، حين ألح كل فريق من جانبه إلحاحًا شديدًا، على الجانب الذي تركه الآخر في كنف الغموض”. ثم أخذ يورد الآيات التي تدل على أن الجزاء إنما يكون في الدنيا وفي الآخرة معًا، مثل قوله تعالى {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً}([37]) وقوله تعالى {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ}([38]).

وفي فصل “النية والدوافع” يذكر “أن فكرة وجود الله ذي الجلال في كل مكان، تلك الفكرة التي تملأ نفوسنا اهتمامًا بالأخلاق وبالصرامة نحو أنفسنا، تخففها فكرة الرحمة، التي تمد يدها دائمًا إلينا، لا من أجل أن تتلقى أولئك الذين يرجعون من غفوتهم، ويحاولون أن ينهضوا من كبوتهم فحسب، ولكن من أجل أن تساعدهم وتمدهم بقوة يتراحب مداها دائمًا. في هذا الضوء يصف لنا القرآن حالة نفس المؤمن، فهي ليست يائسة من روح الله {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}([39]). ولا هي آمنة من مكره {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}([40]). وإنما هي دائمًا في منتصف طريق بين الأمل والخوف، وبالأحرى تعذي كلا الشعورين في وقت واحد {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}([41]) وإذن فهو حوار حي، بين لطف وهمة، وشجاعة وأمل. وهو حوار يتعهد شعلتنا دون أن يحرقنا بها، ويرطب قلوبنا دون أن يسلبها حميتها، فكل شيء متوازن ومتناسب، وهذا هو مجموع الشروط الضرورية، والكافية لبناء عمل دائم وخصب.

ثم يعلق في نهاية الأمر على النظرية الأخلاقية كما صورها القرآن الكريم، فيرى إنها تعمل على التوفيق بين شتى النزعات وأنها متحررة ونظامية، عقلية وصوفية، لينة وصلبة، واقعية ومثالية، محافظة وتقدمية، وكل ذلك في آن واحد، إلى أن يقول: “إنها بناء عضوي حقيقي، تتعاون فيه كل العناصر، وتتساند كل الوظائف، ولقد استطعنا أن نشهد كيف يمتزج المثالي بالواقع العملي… وصرامة الإطار تسير مع المرونة في المضمون جنبًا إلى جنب، فيشتركان في حفظ النظام وفي تحقيق التقدم، ورأينا كيف يكتمل العقل بالإيمان، وكيف يعتمد الإيمان على العقل، وكيف يراقب الفرد حسن سير الحياة الأخلاقية العامة، وإن كان مكلفًا بمسئوليته الخاصة، وكيف يشعر المجتمع من ناحية أخرى بسموه وبحقه المقدس بالنسبة إلى أعضائه.. ثم يشعر في الوقت نفسه بالواجب الملح الذي يقع على كاهله أن يضمن للمحرومين قدرًا مناسبًا من الرفاهة… هذه الجدلية كلها، هذا المد والجزر، يتردد حول المبدأ الوحيد الذي يقع في قلب النظام، والذي يمكن أن يتلخص في فكرة التقوى، وهو مفهوم مركب بدوره، لأنه يضم أعمق الاحترام للمثل الأعلى، والبحث عن أفضل الظروف التي تفرضها الطبيعة بقدر الإمكان.

ولا يعني هذا أن الدكتور دراز قد جعل من الوسطية محورًا لدراسته، بل إنها الأقوال المتناثرة التي التقطها من هنا وهناك، والتي تأتي في ثنايا كلامه، دون أن يعي هذه الصفة وأن يجعل منها منطلقًا لدراسته.

ومن هنا لم تعد الوسطية عنده بمفهومها المطلق، الذي يعني العدالة والتوازن بين الشيئين، بل أضاف إليها صفة أو قيدًا، حتى تتناسب مع فكرته عن المبدأ الأسمى، فسماها “العدالة النبيلة”، أي الوسطية التي تسعى دائمًا للاتصال بالمبدأ الأسمى “فإن الاعتدال الذي يمدحه الإسلام بدرجة الجهد، لا يتمثل في الوسط الحسابي ولا في نقطة الذروة، وهما القولان اللذان يتردد بينهما الفكر الأرسطي، وإنما يتمثل الاعتدال في نبل يقترب بقدر الإمكان من الكمال، مقرونًا بالسرور وبالأمل، وهو ما يعبر عنه رسول الله في توجيهاته بالرفق ونحو ما هو عدل في ذاته “إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا”.

والمثل الأعلى الذي يطمح إليه الإسلام يتنامى خلال الواقع، فهو لا يلغى البشرية، بل يؤكدها ويضعها في اختبارات تمتحن بها صلابة الإرادة. إن النصوص القرآنية تميل إلى تفضيل البشر وتدعو الملائكة السجود لهم([42]). وذلك لأن الملك مخلوق من نور لا يحس بصراع ولا تناقض، بل هو موجه نحو غايته بشيء يشبه الجبرية، أما البشر فهو المخلوق الذي يعاني الصراع، والذي هو مطالب بتوجيه الصراع نحو الأفضل.

وحقًا، قد أثمرت تلك الأخلاق تصوفًا تحقق فيه التوازن الداخلي، ولكنه تصوف دقيق للغاية، يختلف عن تصوف الفلاسفة، وعن تصوف الغلاة من الصوفية. فهو لا يطرح المسئولية، ولا يلغي في الوقت نفسه الصراع، وقد رأينا الجنيد يشير إلى الواردات الكثيرة التي ترد على قلب الصادق، لأن قلبه حي يتعرض للصراع بين مختلف النوازع البشرية، بخلاف قلب المرائي فهو فارغ مثل خربة لا يجد فيها الشيطان مأربه.

والإسلام يقف من الغرائز موقفًا معتدلاً، فهو لا يلغيها ولا يطلق لها العنان. بل يوجهها لخدمة الإنسان، يشرح ابن القيم([43]) الموقف من الغرائز، فيذكر أن فريقًا يتركها تندفع كالنهر يهدم كيف يشاء، وهو موقف متطرف لا تتصف به “النفوس الزكية”، وهناك فريق آخر يريد أن يقطع النهر من ينبوعه، وهو موفق متطرف أيضًا يخالف الطبيعة البشرية، ثم هو يرضي الموقف الوسط الذي لا يرفض هذه الميول لأنها لم تخلق سدى، بل يوجهها لخدمة الإنسان، فيقول “إن هذه الصفات ما خلقت سدى ولا عبثًا، وإنها بمنزلة ماء يسقى به الورد والشوك والثمار والحطب… فرأوا أن الكِبر نهر يسقى به الغلو والفخر والبطر والظلم والعدوان، ويسقى به علو الهمة والأنفة والحمية والمراغمة لأعداء الله وقهرهم والعلو عليهم، وهذه درة في صدفة، فصرفوا مجراه إلى هذا الغراس، واستخرجوا الدر من صدفته، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا دجانة يتبختر بين الصفين فقال: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذه المواضع”.

يتضح هذا الموقف المعتدل في غريزة الجنس([44])، فهم لا ينظرون إليه نظرة خجل، وقد تحدثوا في كتبهم عن أركان النكاح، وآداب الجماع، وكيفية الاغتسال وغير ذلك. وأدركوا أنه طاقة تحتاج إلى توجيه، وأن كبتها يؤدى إلى اضطراب، وكان بعض الزهاد والعلماء -مثل ابن عمر رضي الله عنهما- يشبع هذه الطاقة قبل الصلاة “وذلك لتفريغ القلب لعبادة الله وإخراج عدة الشيطان منه”([45]). ولكنهم في الوقت نفسه لم يطلقوا العنان لهذه الغريزة.

* * *

وقد ترتب على إلغاء الصراع نتائج خطيرة، سواء كانت من جانب الفلاسفة أو غلاة المتصوفة. فالفلاسفة هدفوا إلى مرحلة “السكون” التي يتغلبون فيها على الغرائز بحيث لا يناوئهم مناوئ، ومن هنا فهم يفضلون الملائكة على البشر([46])، وذلك لاستغنائها عن الغذاء وبقاء جوهرها كما يقول مسكويه([47]). لقد أصبحوا من جنس الملائكة ولكن ليس لهم فضل الملائكة، فالملائكة مخلوقون لهذا وكل ميسر لما خلق له، أما هم فقد عجزوا عن التحكم في الصراع فأماتوه واحتجوا على طبيعتهم وظنوا أنهم قد أصبحوا خالصين لحياة المثل والنورانية، فإذا بهم يصبحون كمثل أفلاطون “ليست بذات لون ولا شكل”([48])، أو كإله أرسطو يقف كالتمثال وحوله عساكر من خشب تحاكيه([49]).

أما غلاة المتصوفة فقد ادعوا حلول الله فيهم “وكيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء”([50]) كما قال ابن عطاء الله السكندري. ومن هنا ألغوا الصراع، واطرحوا التكاليف، وأصبحوا فوق المسئولية ومن جنس الآلهة التي تتحكم في القواميس الطبيعية. ولا ينتظر من موقف كهذا أن يثمر أخلاقًا إنسانية، فالأطر ثابتة، والإنسان الكامل في نظرهم لا يتغير منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين كما يقول الدكتور أبو العلا عفيفي([51])، وضاع الإلزام الخلقي “واختفى الواجب مبدأ أخلاقيًا يسير بمقتضاه سلوك الإنسان” كما يقول الدكتور توفيق الطويل([52]).

أما الصوفية الوسطية فهي تضيف عنصر الصراع والحركة، التي تجعل المرء مترقبًا ومتنبهًا، ودائمًا في خشية أن تفلت منه الشعرة الدقيقة، وهي صوفية، لا تخرج بالمرء إلى جنس الآلهة، ولا تؤدى به إلى سكون كسكون الأموات.

ولعل الوقت قد حان لكي نفرق بين سكينة وسكون، فالسكون يعني تجمد الحركة واختفاء الصراع بحيث تصبح “الإرادة الطيبة لا يناوئها عدوها”، وهي حالة تأتي نتيجة التأمل والنظر البعيد عن الواقع، فالعقل يقتطع جزءًا من الحياة، ويصوغه في قالب فكري، أو في قاعدة قد تعين على فهم الحياة، ولكنها أبدًا لن تكون بديلاً عن الحياة.([53]).

أما السكينة فيعرفها ابن القيم بأنها “الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله على قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه”([54]) فهي لا تعني اختفاء الصراع في حالة من السكون تشبه راحة الأموات، بل تعني تنظيم الحركة وتنقيتها من الاضطراب، وتغليفها بشيء من الطمأنينة تخلص المرء من شدة المخاوف “ولهذا أخبر سبحانه عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب، كيوم الهجرة إذ هو وصاحبه في الغار والعدو فوق رءوسهم” كما يقول ابن القيم. فهي ليست شيئًا من وراء الحركة ولا تهدف إلى العزلة، بل هي شيء يتولد في ذروة الصراع، وفي إبان القلق والاضطراب، فيمنح النفس ثباتًا، ولا يجعل القلق يتحول إلى حالة مرضية منزعجة. فهي ليست حركة فقط، وليست سكونًا فقط، بل هي شيء يجمع بين الحركة والسكون في أنظومة أخيرة تسمى السكينة. وفي صفة الرسول في الكتب المتقدمة “إني باعث نبيًا أميًا، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوال للخنا، أسدده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه”([55]) فهي الخلق الذي لا يصل إلى حد الصخب في الأسواق، وهي الوقار عند نبي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.

ويتحدث ابن القيم عن منازل للسالكين تثمر في النهاية موقفًا خلقيًا، لا ينعزل عن الدنيا ولكنه لا يغرق فيها، ولا ينسى الآخرة ولكنه لا يصل إلى جنس الملائكة، فمنزلة السكينة تثمر سكون الخائف إليه، ومسلى الحزين والضجر به، واستكانة صاحب المعصية له. ومنزلة الرضا تثمر استواء الحالات في النعمة والبلية والرضا بحسن اختيار الله، وسقوط الخصومة مع الخلق، والخلاص من المسألة والإلحاح.

وتلك الأخلاق في مجموعها نستطيع أن نصفها بأنها أخلاق قوة، لا بالمعنى الذي أشار إليه نيتشه والذي يهدف إلى التسلط متأثرًا بشوبنهور وفاجنر([56])، بل قوة الذي يرتبط بالحياة ويأخذ بالأسباب، ولكن لا تستعبده الحياة، ولا يصير نهبًا للمشاعر الضارة، فهو يؤمن بحسن اختيار الله له، ومن هنا تستوي الحالات عنده في النعمة والبلية فلا يندفع مع السرور إن جاءه خير، ولا يندفع مع الحزن إن جاءه شر، ولا يدخل في صراعات ضارة مع الآخرين تشله عن الهدف الحقيقي “فلو رجع العبد إلى السبب والموجب لمكان اشتغاله بدفعه أجدى”.

وهذا يحدد مفهوم “الفقر” الذي امتدحه الإسلام، فهو لا يعني الانصراف عن طيبات الحياة والزهد في المادة والرضا بالقليل، وسقوط الهمة الذي يؤدي إلى السؤال والإلحاح، ولكنه لا يعني أيضًا الانشغال بالمادة حتى تستعبده فإن هذا ينافي حال التوكل. وإنما هو يعني حالة وسطى، وهي أن يأخذ بأسباب الحياة دون أن تستعبده، أن يضرب في الأسباب الدنيوية ولكن لا يصير نهبًا للمشاعر الضارة “قيل للإمام أحمد: أيكون الرجل زاهدًا ومعه ألف دينار؟ قال: نعم، على شريطة ألا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت. ولهذا كان الصحابة أزهد الأمة مع ما في أيديهم من الأموال. وقيل لسفيان الثوري: أيكون ذو المال زاهدًا؟ قال: نعم، إن كان إذا زيد في ماله شكر، وان نقص شكر وصبر”([57]).

وتكون نتيجة السكينة في آخر الأمر حالة وسطى بين السكون والانزعاج، يتحقق فيها -وفي معترك الحياة- برد القلب وبعده عن القلق، وإحساسه بالرضا الذي لا يصل إلى حد الجمود، أو باختصار يصل إلى حالة “النفس المطمئنة” التي ذكرها القرآن الكريم {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي}([58]) {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}([59]). إنها أنفس راضية، رطبة، تحس بالسلام وبالثقة في النتائج، التي لن تخيب أبدًا، مادامت هناك عناية إلهية عادلة.

* * *

إن الأخلاق التي تقوم على الدين تنفر من الجدل الذهني والنظريات العقلية، وتهتم بالعمل، فالبخاري في كتاب “الإيمان” لا يشرح ماهيات، ولا يقدم تعاريف، ولا يتتبع تقسيمات عقلية، ولكنه يشير إلى سلوك ومواقف عملية، فهو يتحدث عن “باب دعاؤكم إيمانكم – المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده – باب حب الرسول صلي الله عليه وسلم من الإيمان – باب حلاوة الإيمان – باب الحياء من الإيمان – باب من قال أن الإيمان هو العمل – باب الصلاة من الإيمان – باب ما جاء أن الأعمال بالنية”. وفي باب العلم لا يقدم جدلاً حول الحس المشترك والقوة المتصورة والقوة الوهمية والقوة الذاكرة، ومكان كل منها في مقدم الدماغ أو وسطه أو مؤخره، وغير ذلك مما يكثر في كتب الفلاسفة المسلمين وغيرهم، ولكنه يتحدث عن “باب قول النبي صلى الله عليه وسلم رُب مبلغ أوعى من سامع – باب العلم قبل القول والعمل وأن العلماء ورثة الأنبياء – باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين – باب فضل من علم وعلم… الخ”.

ولم تكن المدن الفاضلة في الأخلاق الدينية هندسة تهتم بالمظهر الخارجي، ويقوم الإلزام الخلقي فيها على القانون، ولم تكن حلمًا يدور في أذهان الفلاسفة بعيدًا عن الحياة والجماهير، وفي حالة من السكون والتأملية، بل كانت حقيقة واقعة، يستطيع المرء أن يحققها ولو لم يكن فيلسوفًا، لأنها تقوم على سلوك محدد وأعمال واضحة، يسيح ذو القرنين في الأرض فيلقى “أمة مقصدة مقتصدة يقسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، ويتآسون ويتراحمون، حالهم واحدة، وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم شبيهة، وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم حسنة، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، وليس بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يتفاوتون ولا يتفاضلون، ولا يختلفون ولا يتنازعون ولا يستبون ولا يقتتلون ولا يقحطون ولا يحردون، ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس، وهم أطول الناس أعمارًا، وليس بينهم مسكين ولا مقتر، ولا فظ ولا غليظ.”

تلك هي مدينة فاضلة ذكرها الطبري في تفسيره([60])، وقد تحقق فيها ما دعت إليه كتب الفلاسفة والحركات السياسية المعاصرة، من حرية واشتراكية وعدالة اجتماعية. ولم تكن نتيجة قوانين أو لوائح عقلية تهتم بالمظهر الخارجي، بل كانت نتيجة سلوك ينبع من اقتناع داخلي، فقد أخذ ذو القرنين يسألهم عن حالهم، وأخذوا يجيبونه “ما بال قبور موتاكم على أبواب بيوتكم، قالوا: عمدًا فعلنا ذلك لئلا ننسى الموت ولا يخرج ذكره من قلوبنا. قال: فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب. قالوا: ليس فينا متهم، وليس فينا إلا أمين مؤتمن. قال: فما بالكم ليس عليكم أمراء. قالوا: لا نتظالم. قال: فما بالكم ليس فيكم حكام؟ قالوا: لا نتخاصم. قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء، قالوا: لا نتكاثر. قال: فما بالكم ليس فيكم ملوك، قالوا: لا نتكابر. قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون. قالوا من قبل ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا. قال: فما بالكم لا تستبون ولا تقتلون. قالوا: غلبنا طبائعنا بالعزم وسسنا أنفسنا بالأحلام. قال: فما بال كلمتكم واحدة وطريقتكم مستقيمة مستوية، قالوا: لا نتكاذب ولا نتخادع ولا يخدع بعضنا بعضا. قال: فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم واعتدلت سيرتكم. قالوا: صحت صدورنا، فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا. قال: فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير. قالوا: من قبل أنا نقتسم بالسوية، قال: فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ قالوا: من قِبل الذل والتواضع. قال: فما جعلكم أطول الناس أعمارًا. قالوا: من قِبل أنا نتعاطى الحق ونحكم بالعدل. قال: فما بالكم لا تقحطون. قالوا: لا نمل من الاستغفار. قال: فما بالكم لا تحردون. قالوا: من قبل أنا وطأنا أنفسنا للبلاء منذ كنا وأحببناه وحرصنا عليه فعرينا منه. قال: فما بالكم لا تصيبكم الآفات كما تصيب الناس. قالوا: لا نتوكل على غير الله ولا نعمل بالأنواء والنجوم”.

ويخيل إلى أن عصر الرسول وأبي بكر وعمر قد حقق تلك المدينة الفاضلة عمليًا، فقد طبقوا الوسطية العربية، التي اتخذت من العدالة سمة رئيسية لها، وكانوا يتبعون الحق هنا والحق هناك، ثم يضمونه في أنظومة أخيرة، لها ملامحها الخاصة، فهي تعتمد على العمل والقرب من التجربة الحية، دون الالتصاق بها وعدم مجاوزتها، وهي تتميز بالحركة التي تدل على الحياة وعلى القلق الصحي، وهي تعترف بالضعف البشري أمام التجارب المتنوعة والمختلفة، وتدرك دقة الوصول إلى الشعرة الرقيقة، فتلتمس الهداية من العناية الإلهية.

* * *

إن الوقوع على الشعرة الدقيقة يحتاج إلى بصيرة وتوفيق، فما أسهل أن يلتبس الأمر بين السكينة والسكون، بين التوكل والتواكل، بين السلام والاستسلام، بين الهون والهون([61]). وحينئذ ستكون السقطة عنيفة، لأن المرء سيفقد الشعرة ويميل إلى جانب، وهذا يعني تحطم الأنظومة العربية، وتجمد الحركة التي تتميز بها الوسطية العربية، التي تنظر بعين إلى جانب، وبالعين الأخرى إلى الجانب الآخر، دون أن تغمض أحدهما أو كليهما. لأن هذا يعني النوم أو الموت، أو يعني المرض على أحسن الفروض.

وفعلاً، ولظروف سياسية واجتماعية وخارجية([62])، تحطمت الأنظومة في العصر الحديث وتعطلت الحركة الموازنة، والتبست مفاهيم الألفاظ، فاختلطت السكينة بالسكون والهون بالهون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* عبد الحميد إبراهيم (1979). الوسطية العربية: مذهب وتطبيق. القاهرة: دار المعارف. ص ص. 317- 359.

** المؤسس والعميد السابق لكلية الدراسات العربية بجامعة المنيا، رئيس قسم اللغة العربية الأسبق. كلية الآداب، جامعة المنيا، أسس مركز المخطوطات العربية بجامعة المنيا، أسهم فى تأسيس كلية الآداب بالمنيا، وكلية دار العلوم بالمنيا، وكلية الآداب بصنعاء، وقسم اللغة العربية بجامعة سوكوتو بنيجيريا، وكان من أوائل المؤسسين لمؤتمر أدباء مصر، توفي يناير 2012.

([1]) تفسير سورة النور ص 93.

([2]) مدارج السالكين 2/233. وعلى مفهوم أن الإسلام يضم الديانتين، يمتنع تخوف من أبعد الإسلام من مفهوم القومية العربية بحجة إثارة العناصر الأخرى وبعث العصبية الدينية فالمسيحية -وهي الدين الثاني المنتشر في العالم العربي- لم يلغها الإسلام، بل يعترف بها، ويجعل تعاليمها الداعية إلى السماحة واللين مرحلة تالية تتشوف إليها الإنسانية، فالإسلام بما فيه من جمع بين المثالية والمادية، اعترف بطبيعة الإنسان وشرع القصاص، ولكنه جعل العفو مرحلة مستحبة، كما رأينا من كلام ابن القيم، فالإسلام يتضمن المسيحية، إنهما ينزعان من “مشكاة واحدة” كما لاحظ النجاشي بعد أن استمع إلى سورة مريم من المهاجرين المسلمين.

([3]) مدارج السالكين 3/84.

([4]) الأحياء 2/1368.

([5]) رسالة الخلود ص337.

([6]) باب الجمع بين الخوف والرجاء: اعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائف راجيًا، ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حالة المرض تمحض الرجاء. وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متظاهرة على ذلك، قال الله تعالى: (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) وقال تعالى: (إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) وقال تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) وقال تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) والآيات في هذا المعنى كثيرة، فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين أو آيات أو آية. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما تنط من جنته أحد. رواه مسلم” (رياض الصالحين) ص125.

([7]) مدارج السالكين 2/218.

([8]) راجع: دعائم الاستقرار 37 – 67.

([9]) المائدة 5.

([10]) الأعراف 31 و32.

([11]) الحج 28.

([12]) البقرة 198.

([13]) آل عمران 134.

([14]) الإسراء 29.

([15]) الأنعام 141.

([16]) الإسراء 26 و27.

([17]) البقرة 171.

([18]) ص 78.

([19]) مدارج السالكين 1/236.

([20]) وسطية الإسلام ص 73.

([21]) مدارج السالكين 3/84. وابن خلدون في المقدمة (ص458) حين يفرق بين العلم والحال، يرى أن الشرع ليس علمًا فقط وإنما هو اتصاف أيضًا.

([22]) الأحياء 2/1368.

([23]) الإسراء 15.

([24]) الأنفال 25.

([25]) التحريم 6.

([26]) رسالة التوحيد ص 149.

([27]) مدارج السالكين 3/290.

([28]) تفسير الطبري 3/142. ويفسر الآية 28 في سورة “ن” وهي: “قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون” فيقول: “وقوله: قال أوسطهم. يعني أعدلهم”. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ثم أورد روايات أهل التأويل حول ذلك.

([29]) دستور الأخلاق ص 530.

([30]) مدارج السالكين 3/295.

([31]) الإحياء 2/ 1439.

([32]) اللسان “وسط”.

([33]) الإحياء 3/2315.

([34]) مدارج السالكين 2/218.

([35]) مدارج السالكين 3/113.

([36]) نوقشت في السربون في 15 – 12 – 1947م. تحت عنوان ” La Morale du Koran ” وترجمها الدكتور عبد الصبور شاهين بعنوان “دستور الأخلاق في القرآن الكريم”. وهي تبحث فيها يسميه “النظرية الأخلاقية كما يمكن استخلاصها من القرآن مقارنة بالنظريات الأخرى قديمها وحديثها، ويبحث هذه النظرية في فصول خمسة:

1- الإلزام.                           2 – المسئولية.                  3- الجزاء.                   4- النية والدوافع.                    5- الجهد.

([37]) البقرة 201.

([38]) البقرة 80.

([39]) يوسف 87.

([40]) الأعراف 99.

([41]) الزمر 9.

([42]) أنظر سورة البقرة 30-34.

([43]) مدارج السالكين 2/175.

([44]) ويقف أبو حامد من هذا الميل نفس الموقف الذي يقفه من الميول الأخرى، فهو ليس مذمومًا في ذاته، وليس محمودًا في ذاته أيضًا، إذ أن في كل ميل مقدارًا محمودًا ومقدارًا مذمومًا، ويكون هذا الميل محمودًا عندما يتحقق فيه المقدار الذي لابد منه لحفظ النوع، وبعبارة أخرى: حين يكون مطيعًا للعقل والشرع باستمرار وعلى حال من الاعتدال” (الدراسات النفسية عند المسلمين ص 188).

([45]) الإحياء 1/696.

([46]) إخوان الصفا 1/209. ربما كان من بقايا تأثير الفلسفة على الغزالي، هو ميله في بعض كتبه (مقاصد الفلاسفة ص 178) إلى تفضيل الملائكة، وأن البشر يسعون لتحقيق مرحلة النورانية، أي مرحلة الملائكة.

([47]) الهوامل والثوامل ص 115.

([48]) تاريخ الفلسفة اليونانية ص 72.

([49]) تاريخ الفلسفة اليونانية ص 181.

([50]) متابعة الأسرار ص 84. وابن عطاء الله السكندري هو أبو الفضل تاج الدين بن عطاء الله. ولد بالإسكندرية سنة 1259م، وهو صوفي مصري من أقطاب الشاذلية ومن أشهر مؤلفاته: الحكم العطائية -لطائف المتن- التنوير في إسقاط التدبير. وتوفي سنة 1209م.

([51]) محيي الدين بن عربي ص 31.

([52]) محيي الدين بن عربي ص 173.

([53]) منبعا الأخلاق والدين ص 72.

([54]) مدارج السالكين 2/278.

([55]) مدارج السالكين 2/278.

([56]) تاريخ الفلسفة الحديثة ص 294.

([57]) مدارج السالكين 1/263.

([58]) الفجر 27-30.

([59]) الرعد 28.

([60]) سورة الكهف 93.

([61]) {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا} أي سكينة ووقارا، متواضعين غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين. قال الحسن: علماء حلماء. وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا. والهون بالفتح في اللغة: الرفق واللين، والهون بالضم: الهوان فالمفتوح منه صفة أهل الإيمان، والمذموم صفة أهل الكفر (المدارج 2/183).

([62]) أنظر: العرب ص 40.

عن عبد الحميد إبراهيم

شاهد أيضاً

لسان حضارة القرآن

أ. محمد الأوراغي

تحولت اللغة العربية الى لغة حضارية ولم تبق لغة قومية مذ اختارها الله عز وجل وعاء لكلامه، وأداة لتبليغ رسالته الى الخلق. وبالعربية دوَّن المسلمون حضارة القرآن، وهي، بلا شك، أعظم حضارة في عصرها، ومنطلق الإنسان المعاصر في بناء حضارته الحالية

المادية وموت الإنسان

أ. د. عبد الوهاب المسيري

تؤكد العقلانية المادية على عناصر التجــانس والتكــرار والكـم والسببية والآلية، ولذا فهي تتسم بمقدرة عاليـة نوعـاً على رصـد حركــة الأشــياء ودراستها، فالعقلانيـة المادية تتحرك في إطـار الواحدية المادية التي تخضع لها الأشياء، أما الإنسان فهو ظاهرة تتجاوز حدود الواحدية المادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.