بين العولمة والرؤية القيمية

بين العولمة والرؤية القيمية

أ. مهجة مشهور

إن طرح الرؤية الإسلامية في المجال الاقتصادي والاجتماعي في عالمنا المعاصر يزداد صعوبة وتعقيدا نتيجة سيادة “العولمة” كرؤية غربية شاملة للعالم، وتتغلغل هذه الرؤية في كل المجتمعات عبر العالم أحيانا بطريقة فجة ومباشرة[1]، وأحياناً بطريقة غير مباشرة من خلال الإعلام المروج للأفكار والسلع بطريقة مبهرة وجاذبة.

وهنا يتضح لنا حجم الصراع القائم بين نموذجين:

نموذج العولمة الاستهلاكي الغربي: هذا النموذج المحايد أخلاقيا غير الخاضع لأي مطلقات إلا مرجعية السوق، والمستهدف لأقصى مستوى من الاستمتاع بالحياة واللذة والمنفعة الحسية، وعلى الجميع – أفراد وجماعات – الإذعان لإعادة إنتاج هذا النموذج الغربي في البلدان عبر العالم مهما كان تعارضه مع الموروثات العقائدية والثقافية لها ومهما كان المستوى الاقتصادي لهذه البلدان. ويروج أصحاب هذا النموذج أنه من أجل القضاء على الفجوة التي تفصل الدول الفقيرة والمتخلفة عن المجتمعات الصناعية المتقدمة يستلزم على هذه البلدان المتخلفة تبني الأنماط الاستهلاكية المنتشرة في الغرب، تلك الأنماط التي لا يمكن تمويلها إلا على حساب الحاجات الضرورية لشعوب هذه الدول، وهذا الأمر يؤدي بطبيعة الحال إلى ازدياد الأغنياء غنى فيما يزداد الفقراء فقرا.

النموذج القيمي العقدي الإسلامي: القائم على مجموعة من المطلقات والكليات ليس السوق واحدا منها، والمستهدف لتحقيق “الحياة الطيبة” بما يعني هذا المفهوم من توازنية بين المادي والروحي. نموذج نابع من رؤية منفصلة تماما عن تلك الرؤية التي يحاول الغرب الترويج لها بكافة الوسائل.

ونتناول فيما يلي مفردات كل نموذج من النموذجين:

1- النموذج الغربي:

وهو قائم على رؤية مادية استهلاكية للعالم وهدف أسمى هو اللذة والاستمتاع بالحياة. وهذه الرؤية المادية الاستهلاكية هي التي تروج “لقيم السوق”، وتسعى إلى تحويل المجتمعات إلى سوق كبير، حيث يصبح منطق السلعة مركزا لهذه المجتمعات والمحور الذي يدور حوله، فتتحول العلاقات المجتمعية والإنسانية إلى سلعة بكل ما يعنيه ذلك من تبادلية ونفعية وتعاقدية ومصالح مادية، وتتحول اهتمامات الإنسان إلى اهتمامات مادية بالأساس وتتمركز أحلامه حول الأشياء[2].

وتأتي سيطرة السلعة على الفرد في هذه الرؤية من خلال ما أطلق عليه بعض الباحثين “مجتمع الفرجة أو الاستعراض”[3]، ففي مجتمع الفرجة أو مجتمع الاستعراض الذي تسيطر عليه وسائل الإعلام المتعددة – من شاشات الفضائيات والسي دي والانترنت وغيرها – تتحول كثير من القيم والمثل الإنسانية إلى سلع، وفي مجتمع الاستعراض يتحول الأفراد إلى متفرجين سلبيين خاضعين لسطوة هذه الصورة وهذا الاستعراض فيقومون بالاستهلاك، استهلاك الأفكار واستهلاك السلع، وفي خلفية هذا المشهد هناك حركة رؤوس أموال وثروات تتراكم ونجوم تصنع ويسوق لها لصالح هذا النموذج.

ويعتبر تصدير صورة المجتمع المترف الاستهلاكي من البلدان الرأسمالية إلى البلدان المتخلفة أو من الطبقات المترفة إلى الطبقات الوسطى والفقيرة من خلال الصورة أمرا لا يحتاج إلى كثيرعناء بسبب الميل الغريزي لدى الفرد للترف والاستهلاك المادي، وتعاني المجتمعات التي تسودها الرؤية الاستهلاكية الترفية من مجموعة اختلالات وخصائص نعرضها فيما يلي:

 أولا: بسيادة الرؤية الاستهلاكية المادية يتحول أغلبية الأفراد في المجتمع إلى حالة من الفقر النسبي في سعيهم للحصول على المزيد من السلع والخدمات التي لا تسمح مقدرتهم المادية بالوصول إليها، فمجتمعات الترف مجتمعات تتسم بالتطلع المادي المستمر وتعطي الأولوية للإشباع الفوري للاحتياجات الفردية.

ثانيا: يترتب على هذا اللهث من جانب أفراد المجتمع وراء مزيد من الاستهلاك – بغض النظر عن قدرتهم الشرائية – أن تسوده علاقات صراعية تنافسية تهدد استقراره وتعصف بكثير من العلاقات الإنسانية التراحمية فيه.

ويؤدي ذلك إلى ظهور العديد من الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات المتخلفة يُستهدف من ورائها الكسب السريع للمال وفاء للتطلعات الاستهلاكية التي لا حدود لها، وتظهر هذه الاختلالات في عدة صورمنها: صورة وسائل طفيلية لكسب المال من أقصر الطرق والتي عادة ما تكون وسائل غير إنتاجية وغير مفيدة لاقتصاد ذلك المجتمع – مثل السمسرة والمضاربة –، أو في صورة جرائم أموال – مثل الاختلاسات والرشاوى –، أو في صورة طرق غير مشروعة لكسب المال – مثل تجارة المخدرات وتجارة السلاح – فيسود المجتمع صورة مشوهة لاقتصاد غير تنموي وغير منتج ومستنزف في صفقات لا مردود إيجابي لها على نمو هذا المجتمع.

ثالثا: من خصائص المجتمعات الاستهلاكية أيضا التناسب الطردي بين مكانة الفرد ومقدار ونوعية ما يملك من مقتنيات استهلاكية. فعبر تاريخ المجتمعات البشرية كان يتم تحديد المكانة الاجتماعية للفرد من خلال إما المكانة الطبيعية له وهي تلك التي يرثها من عائلته وكانوا يعرفون بالنبلاء أو الارستقراطيين، أو المكانة المكتسبة وهي تلك المكانة التي يكتسبها الفرد على مدار حياته من خلال ما يبذله من جهد في المجال العلمي والوظيفي وهم التكنوقراط أو في مجال الأعمال الخيرية. وبالتالي فالمجتمع يشهد عادة حراك اجتماعي لأفراده صعودا (أوأحيانا هبوطا) تبعا لنجاحهم وإنتاجيتهم وحضورهم على المستوى المجتمعي. إلا أن في المجتمعات المترفة تستبدل المكانة الاجتماعية للفرد بالوجاهة المادية المعبر عنها بحزمة من السلع والخدمات الغالية الثمن، كما يعبر عنها بأسلوب حياة وبأماكن لا يتردد عليها إلا هؤلاء المترفون، ويعيش باقي أفراد المجتمع على حلم الوصول إلى هذه الوجاهة المادية وقبولهم في مجتمع المترفين، حتى وإن لم يكن لديهم الإمكانيات المادية التي تسمح لهم بتحقيق هذا الحلم. وكثيرا ما نجد أن هؤلاء المتشوفين إلى الوجاهة المادية ينتمون فعليا أحيانا إلى مكانة اجتماعية – طبيعية أو مكتسبة – أفضل ممن يقومون بتصدير الصورة الجديدة للمجتمع.

 رابعا: في المجتمعات الاستهلاكية يتم التضحية بقيمة الإنسان ومنظومته الأخلاقية لصالح اللذة والسعادة، فالفرد في هذه المجتمعات يصبح إنسانا اقتصاديا لا يعرّف في ضوء إنسانيته وأخلاقه وإنما في ضوء معدلات استهلاكه ودخله ومستواه المعيشي، فتشيع في هذا المجتمع كل الصفات السلبية المقترنة بالأغنياء المترفين من تنافس ومحاكاة وغرور وتعالي على حساب الكثير من القيم التأسيسية التي يحتاج اليها أي مجتمع صحي كالتراحم والأخوة والتكافل. وفي هذا المجتمع المشوه يصبح اشتراك المترفين في الأعمال الخيرية غالبا – وهو موقف إنساني أخلاقي – جزء من الوجاهة المادية لتجميل صورتهم والظهور في شكل المحسنين.

خامسا: ويلعب الإعلام دورا محوريا في تكوين العقلية الاستهلاكية لدى طبقات المجتمع المختلفة[4]، فهو من أهم آليات الترويج لمجتمع المتعة واللذة من خلال الأفلام والمسلسلات التليفزيونية والحملات الدعائية والإعلانية التي تصدّر مفاهيم اللذة والمتعة وتسيطر على الأحلام والرغبات وتقوم بتنميطها من خلال إشاعة رؤية معينة للحياة تدور في إطار المرجعية المادية، فالسيارات الفارهة والمنازل الفاخرة والمطاعم الخمس نجوم كلها وغيرها حقوق يجب أن يسعى الفرد إلى تحقيقها لأنه – كما تقول تلك الإعلانات – كل إنسان جدير بهذا النمط من الحياة ويستحقه “you deserve it”، وباستبطان النموذج المادي يتبنى الفرد هذه الرؤية للسعادة فيدخل في دوامة استهلاك لا قرار لها، حيث يسعى جاهدا وراء حاجات – هي في حقيقة الأمر هامشية – فيجعلها تحتل مكان القلب في اهتماماته، فلا يهدأ حتى يتم إشباع هذه الحاجة، ثم ما يلبث أن تتسارع وتيرة شعوره بالتقادم مما اقتناه فتحل مكانه حاجة جديدة، هذه الظاهرة هي ما أطلقت عليها مدرسة فرانكفورت مصطلح “الفراغ المتنامي” Growing Emptiness للاستهلاك، وقد أعاد جورج ريتز Georges Ritzer صياغة هذا المصطلح تحت مسمى “عولمة اللاشيء”[Globalization of Nothing[5 

وقد نجحت الحملات الإعلانية في فرض أنماط استهلاك جمعية لصالح المؤسسات الرأسمالية، فهي عملية تحكم وتنميط لنفسيات وسلوكيات مجتمع كامل يتباين أفراده في قدراتهم المادية وأوضاعهم الطبقية، وبذلك تستمر الآلة الاستهلاكية للرأسمالية في الدوران. فأصبحت “الماركات” و”العلامات التجارية” مؤشرا حاكما على مستوى الفرد ومكانته الاجتماعية[6].

سادسا: تظهر في المجتمعات المادية المترفة طبقة كبيرة متشوفة للحصول على السلع الترفية المتاحة بدون توافر الإمكانيات المادية التي تسمح لها بذلك، ويوفر النظام الاقتصادي – في ظل هذا السباق الاستهلاكي، ومن أجل إدخال طبقات أوسع كمستهلكين لصالح الشركات المنتجة – أسلوبا للشراء يسمح لغير القادرين باقتناء هذه السلع الترفية من خلال نظام أقساط ضخمة، بحيث تغطي هذه الأقساط أسعار الفيللا والسيارة وغيرها من السلع، ومن أجل الوفاء بهذه الالتزامات يعيش أفراد هذه الطبقة في حالة قلق وخوف ويعملون ليل نهار من أجل توفيرالمال اللازم للوفاء بهذه الأقساط وفوائدها.

أما في المجتمعات المتخلفة يضاف إلى ظاهرة الأقساط عند الطبقات المتوسطة والفقيرة مجموعة من الوسائل – سبق الإشارة اليها – في صورة أعمال غير منتجة وطفيلية تدر المال السريع الوفير أو جرائم مال مثل الاختلاسات والسرقة والرشاوي وغيرها، تلك الجرائم المزدهرة بين أفراد المجتمعات المتخلفة الساعية لتحقيق النمط الترفي الاستهلاكي[7].

سابعا: تختلف الآثار السلبية الناجمة عن سعي المجتمعات المختلفة نحو تحقيق مزيد من الترف والاستهلاك باختلاف درجة التقدم ومستوى التنمية المتحقق في كل مجتمع، ويعتبرهدف اللذة والاستمتاع بالحياة ذو آثار مدمرة على الفرد والمجتمع كلما كانت هذه المجتمعات متخلفة أو ذات مستوى متدني من التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ففي المجتمعات المتقدمة تكون طبقة المترفين محكومة بنظام وانضباط تشريعي يحول دون تغول نتائج هذا الترف على استقرار المجتمع. كما يؤدي التقدم الاقتصادي في قطاعات زراعية وصناعية وخدمية قوية ومتوازنة إلى عدم تأثر بنية اقتصاد هذه المجتمعات من ظهور قطاع أعمال طفيلي غير مفيد إنتاجيا للمجتمع، فيأتي هذا القطاع على هامش هذا البناء الاقتصادي المتوازن.

أما في المجتمعات المتخلفة فإن الخلل يكون هيكليا في البنية الاقتصادية، فيظهر في صورة تضخم بعض قطاعات الخدمات غير المنتجة مثل السمسرة والوساطة والتجارة في سلع غير إنتاجية، كما تزدهرصناعات صغيرة غيرحيوية بالنسبة لاقتصاد المجتمع ولا تتحقق فيها الضوابط الصحية الواجبة مما يكون لها آثار سلبية وخيمة على الصحة العامة في المجتمع، ولكن سرعة تحقيق عائد مرتفع من هذه المنتجات تجذب رؤوس الأموال اليها، وذلك على حساب القطاعات الزراعية والصناعية المنتجة والتي يكون المجتمع في أمس الحاجة اليها.

ثامنا: كما ينتج عن هذه المشكلات خلل آخر يمتد إلى الجانب الاجتماعي، إذ يحدث حراك اجتماعي سلبي تصعد فيه تلك الشرائح الاجتماعية الطفيلية على السلم الاجتماعي نتيجة عوامل الكسب السريع وتحمل معها في صعودها أنماطا ثقافية غريبة على المجتمع تنخر في صلابة البناء القيمي له، في حين تتراجع مكانة الطبقة المتوسطة الحاملة للواء التقدم الاقتصادي والحافظة للقيم الحضارية والثقافية للمجتمع[8].

كذلك ففي المجتمعات الاستهلاكية يزداد حجم الطبقات الغنية نظرا للسباق المحموم من جانب كافة أفراد المجتمع لتحقيق حلم الثراء السريع من أجل الوصول إلى معدلات عالية من الاستهلاك، كما يزداد حجم طبقة الفقراء الذين لا يملكون الوسائل التي تؤهلهم لزيادة دخولهم فيفشلون في اللحاق بسباق الاستهلاك، وتزداد حجم الهوة بين الطبقتين في تشوه واضح في تركيبه بما يهدد استقرار المجتمع.

ويؤدي تغلغل هذه النزعة الاستهلاكية المادية في المجتمعات الإسلامية إلى تولد ظاهرة أطلق عليها بعض الباحثين مصطلح “إسلام السوق”، وهو مصطلح يربط بين الالتزام بالدين الإسلامي وما يتضمنه ذلك من تبني للرؤية الاقتصادية والقيمية الخاصة به من ناحية، ومن ناحية أخرى اعتماد الأسس الفلسفية للسوق كطريقة حياة. وينتج عن هذه الظاهرة تناقض هيكلي في هذه المجتمعات تولد أنماطا جديدة من التدين[9]. ففي الوقت الذي يحاول فيه العالم الإسلامي التأكيد على رؤيته الكلية الخاصة وعلى هويته الإسلامية المتميزة يقوم هذا النمط الإسلامي الجديد بالمشاركة العلنية في اللحظة الإستهلاكية الحالية.

ويمكن رصد ذلك عبر إشكاليتين:

  • إشكالية تسلل قيم السوق إلى المجتمعات الإسلامية:

وقعت كثير من المجتمعات الإسلامية في شرك الرؤية الاستهلاكية المادية، وتسللت قيم السوق في هدوء إلى البنية الأخلاقية لهذه المجتمعات مما أدى إلى تطورها تطورا بطيئا خلال العقود الأخيرة، فتم إعلاء الميل الغريزي للمادة والاستهلاك لدى الفرد على حساب الأبعاد القيمية والروحية والإنسانية، وأصبح تحقيق السعادة مرتبط مباشرة بتحقيق أعلى معدلات الكسب والرفاهية دون الالتفات إلى التكاليف السلبية لهذا النوع من السعادة والى تعارضها المبدئي مع مفاهيم العدالة الاجتماعية وقيم الوسطية والاعتدال التي تكوِن عصب الرؤية الإسلامية.

فالعولمة تعتمد أساسا على وجود إنسان اقتصادي هدفه الحصري هو الربح والاستهلاك المادي، وهذا يتناقض تماما مع “إنسان الإسلام الاقتصادي” المتميز باعتماده على منظومة أخلاقية وقيمية راسخة. فالإنسان الاقتصادي الأخلاقي يسعى إلى الثروة والاستهلاك ولكن يظل ملتزما ماديا ونفسيا بالمسئولية الاجتماعية[10]، مع ما تعنيه هذه المسئولية من التزامات أخلاقية من اعتدال وتكافل وإخاء.

وتذخر المجتمعات الإسلامية بنماذج لا تحصى من صور تغلغل قيم السوق والتشوفات الاستهلاكية الترفية في المجتمعات الإسلامية، ويمكننا هنا أن نأخذ كمثال موضوع حجاب المرأة المسلمة، فقد تحولت فلسفته من زي يعكس التواضع والبساطة والحشمة، ويخفي بدرجة كبيرة الفوارق الطبقية بين النساء لصالح عدالة اجتماعية هي في صميم الرؤية الإسلامية، تحولت هذه الفلسفة إلى رؤية استهلاكية تدفع نساء الطبقات الغنية إلى السعي لحجاب يحمل شعارات بيوت الأزياء العالمية –التي من جانبها استجابت سريعا لهذا الطلب الخاص لكي تستفيد ماديا من هذه الأسواق العريضة في البلدان الإسلامية-، هذا النوع من الحجاب يعكس بامتياز معنى الترف الاستهلاكي وينزع عن الحجاب بعده القيمي والفلسفي بما يؤدي اليه من تمايز بين النساء على خلفية القدرة الشرائية ومستوى الثراء[11].

  • إشكالية السيولة في المفاهيم الصلبة الحاكمة للنموذج الإسلامي:

يمتلك النموذج الإسلامي مفاهيما صلبة تبنى عليها الرؤية الإسلامية للمجتمع، وقد أدى الاحتكاك بل الاصطدام بالنموذج الغربي الاستهلاكي وتصاعد معدلات علمنة المجتمعات الإسلامية بعد أن تقبلت قيم السوق إلى فشل واضح في تقديم نموذجها النقي القائم على التوحيد والاستخلاف والعمران والتزكية، فأصيبت تلك المفاهيم الحاكمة بحالة من السيولة أثمرت مفاهيما رخوة لا نواة لها، فأعيد تعريفها بما لا يتعارض بل ويتناغم مع مفاهيم غربية مفتاحية في الرؤية الغربية.

وفي ظل هذا الوضع المتسم بالسيولة تبنت المجتمعات الإسلامية -من أجل تحقيق التنمية والتقدم- رؤية مغايرة إلى حد كبيرعن الرؤية الإسلامية، وإن كانت تتقاطع معها في بعض المساحات، تلك الرؤية هي التنمية البشرية الأمريكية المتمركزة حول القيم البروتستانتية والتي هي في صميم تجربة العولمة الحالية، تلك القيم التي تقوم بالتركيز على النجاح الفردي والسعي لتحقيق الثروة والنجاح الدنيوي[12]، وقد اقتنعت المجتمعات الإسلامية خاصة الغنية منها أن لا تناقض بين هذه المعاني والرؤية الإسلامية الكلية، رغم كونها رؤية مفارقة في كثير من الجوانب المقاصدية والقيمية مع الرؤية الإسلامية، مفارقة من حيث المقصد، فيصبح المقصد هنا النجاح الفردي وليس التماسك والقوة المجتمعية، وتظهر بالتالي طبقة من الأغنياء المترفين مما يتعارض مع طبيعة تكوين المجتمع المسلم الذي يسعى إلى تقليل الفوارق بين الطبقات، كذلك هو مفارق قيميا حيث تعلو قيم الفعالية والنجاح وتتراجع قيم التكافل والإخاء.

وعلى هذا الأساس تم إعادة بناء نموذج للنجاح الفردي للمسلمين يمر عبر الأداء الاقتصادي المتميز. وهنا حدث الاختراق والإذابة للمجتمعات الإسلامية لصالح الحداثة والعلمنة. فقد ركزت القيم البروتستانتية على الأعمال الدنيوية، فاعتبرت العمل واجب يستفيد منه الفرد والمجتمع، واستنادا إلى ماكس فيبر-رائد هذه الرؤية- تعتبر أخلاق العمل البروتستانتية من انضباط وعمل شاق وإخلاص وراء النجاح المادي الذي هو دلالة على النعمة الإلهية[13]، كما أكدت هذه المدرسة على أن اتباع المنفعة الذاتية والسعي للحصول على الثروة فضيلة وليس إثما، فأدى تأكيدها على حرية الفرد إلى ظهور بورجوازية جديدة اهتمت أساسا بتراكم الثروات والمتعة وحب التملك.

من هذا المنطلق –وربما دون وعي حقيقي للأبعاد الفلسفية لهذا النموذج- ظهرت في المجتمعات الإسلامية نماذج من قصص النجاح المادي يعتز أصحابها بكونهم مسلمين، فتظهر لدينا شخصية الورع الناجح، الفعال اقتصاديا، فيطور بذلك نموذجا دينيا يزيح أي إدانة أخلاقية قيمية عن مفهوم الثراء الفاحش، فينفث بذلك في المجتمع روح رأسمالية ترفية رافعا شعار جعل هذه الأمة أكثر تواجدا في ساحات التنافس بين الأمم.

إذن نرى في المجتمعات الإسلامية تصاعدا ملحوظا لنموذج النجاح الإسلامي المادي الذي يدافع عن علاقات مرنة ومريحة مع مفاهيم الثروة والنقود، ويسعى إلى خلق مؤمنين فاعلين استنادا إلى الأخلاقية الإسلامية من جهة وتقنيات الثراء الغربية من جهة أخرى. ويظهر خطابا دعويا أهم مقولاته هي الطموح والارتقاء الاجتماعي وتثمين النجاح والفاعلية، ويقوم بتسويق هذه الأفكار باستخدام العاطفة الدينية من خلال السيرة النبوية الشريفة وسيرة الصحابة. ويتحول الإسلام هنا إلى أداة في عملية عولمة ثقافية واقتصادية، تنقلب العلاقات فيها بوضع المرجعية الدينية في خدمة قيم العولمة والانفتاح، فتقوم بفرز لتدفقات العولمة لتبريرها دون أن تعمل على التأثير في محتوى الرسالة المستقبلة[14]. ولا تشكل الرؤية الإسلامية في هذه الحالة المضمون بل تصبح مجرد إطارا وأداة في يد عملية العلمنة.

2– النموذج الإسلامي:

وهو قائم على رؤية قيمية عقائدية في مقابل هذه الرؤية المادية الاستهلاكية الكاسحة. تأتي هذه الرؤية لتقدم تصورا متفردا للحياة ، هذا التصور ليس نمط الحياة الرغدة المترفة التى يتمتع فيها الإنسان بمستوى استهلاكي عالي وبكل وسائل الرفاهية (حياة الترف واللذة)، ولكنه نموذج “الحياة الطيبة”[15]، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل – 97).

تقدم الرؤية الإسلامية مفهوم “الحياة الطيبة” كهدف يستحق أن يعيش الإنسان من أجله وأن يسعى جاهدا لتحقيقه. والحياة الطيبة هي رؤية مركبة لحياة الإنسان تقبل وتؤيد حاجة الإنسان إلى كافة الحاجات والمنافع المادية المباشرة إلا أنها تضيف اليها أبعادا روحية وقيمية لا تستقيم حياة الإنسان إلا بها .

وباستقراء آيات القرآن الكريم نجد بسطا لنوعين من الحياة: الحياة الدنيا والحياة الطيبة.

جاء تعريف الحياة الدنيا في كل الآيات تعريفا يتوقف عند المعاني المادية المباشرة، “اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد…” (الحديد-20). {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (آل عمران – 14)

هذا الطرح المادي لمفهوم الحياة الدنيا مصاحب بخطاب تحذيري {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا…} (فاطر- 5). {… وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الحديد-20). فالجانب المادي لهذه الحياة الدنيا لا يجب أن يكون الهدف الوحيد للإنسان، لأنه عرض زائل لا يجلب للإنسان خيرا حقيقيا ولا كمالا نفسيا، إلا أنه يغر الناظرين اليه فيخدعهم فيسرعون في التعلق به. كما أن متاع هذه الحياة الدنيا مهما كثر وتعدد لا يستحق أن يشترى بمتاع الآخرة الدائم الوفير{… قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ…} (النساء- 77). 

إذن فالغنى والرفاهية والتمتع بالحياة بعيدا عن البعد الروحي أهداف مادية قد يصاحبها ضيق نفس وحرج فى تفاصيل الحياة وقلق على ما يكسبه الإنسان من مال، وفقدان للأمن والاستقرار النفسي وشعوربالوحدة وتربص الآخرين، نموذج حياة يفرزمجتمعا قائما على الصراع والخواء الروحي والتنافس غير الصحي.

وتطرح الرؤية الإسلامية في المقابل صورة “الحياة الطيبة”، والحياة الطيبة هي تلك الحياة التي يتمتع فيها الفرد بالإشباع المادي والأمان النفسي. {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} (قريش3، 4). {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} (النحل – 112). الأمن (المجتمعي) والاطمئنان (النفسي) والرزق (المادي)، ثلاث معاني تقوم عليها الحياة الطيبة، فالرزق المادي وحده لا يحقق معنى هذه الحياة لما في الخوف والاضطراب النفسي من آثار سلبية مدمرة على نوعية الحياة للفرد.

والإنسان في هذه الحياة الطيبة إنسان آمن في مجتمعه يعيش داخل شبكة من العلاقات التراحمية التي تقيم مجتمعا قويا متماسكا غير صراعي. وهو إنسان مطمئن القلب يعيش في حالة توافق وتوازن داخلي نتيجة شعوره بتوافر حاجاته الأساسية المادية والمعنوية. وهو أخيرا إنسان يتمتع برزق الله له دون إفراط أو زهد.

فتأتي المعادلة التعريفية للحياة الطيبة:

الأمن المجتمعي + الاطمئنان النفسي + الرزق الوفير = الحياة الطيبة

والكيفية التي يتم بها تحقيق هدف الحياة الطيبة تكون بالجمع بين الإيمان بالله تعالى من ناحية والعمل الصالح المنضبط بشرع الله من ناحية أخرى، بما يحقق الراحة النفسية والرضا والفاعلية لتحقيق هدف العمران المادى والإصلاح في الأرض مع التمتع بالطيب من النعم دون زهد أو نهم.

إذن تتحقق الحياة الطيبة من خلال أمرين:

أولا- العمل الصالح: هو ذلك العمل الذي يحقق فعل العمران وفعل التزكية مع تحقيق شرط الإخلاص لله تعالى وأن يكون هذا الفعل وفق شرعه. فكل فعل مادي أو علمي أو اجتماعي أو عبادي يقيم مجتمعا صحيا قويا ويؤدي إلى عمران الأرض ويراد به وجه الله تعالى يعتبر عملا صالحا.

ثانيا- الإيمان: يؤطر ذلك العمل الصالح إيمانا داخليا بالله تعالى بما يحقق التكامل بين المادي والروحي، وبين السعي من أجل الدنيا والسعي من أجل الآخرة. {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف-110).

وبهذا تكون المعادلة التي تحقق هدف الحياة الطيبة كالتالي:

   الإيمان + العمل الصالح = الحياة الطيبة

أما النقيض لهذه الصورة فهو الكفر بنعمة الله تعالى (وليس الكفر بالله تعالى) وهو ما يقع فيه الكثيرون دون الالتفات إلى خطورته في صورة سلوكيات ترفية سلبية من استكبار وطغيان وخوض في المتع، هذه السلوكيات تؤدي بالضرورة إلى نتائج سلبية مادية ونفسية يعاني منها الإنسان، إما في صورة ضيق في العيش الذي تم التعبيرعنه بالجوع وهو أصعب صورالحرمان المادي، أوضيق في النفس والذي تم التعبير عنه بالخوف وهو أقصى درجات الحرج النفسي.

هذه هي صورة الحياة الطيبة التي توازن بين المادي والروحي، تعلي قيمة العمل والانضباط والإخلاص من أجل عائد ليس فقط دنيوي ولكن أيضا عائد أخروي. {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ…} (فاطر- 10).

إن مفهوم “الحياة الطيبة” كنموذج لنمط حياة الإنسان مفهوم محمل بدلالات خاصة، فهذا المفهوم ليس مفهوما آحادي البعد، ولكنه مفهوم مركب الأبعاد، له بعده الروحي العقدي من ناحية، وبعده المادي من ناحية أخرى. هذان البعدان ليسا منقطعان في العلاقة، فهما كالأواني المستطرقة، يصبغ البعد الروحي البعد المادي الاستهلاكي بمعني الاعتدال وبقيم التراحم والتكافل، ويضفي البعد المادي على البعد الروحي معنى الواقعية والعمران. فهذا المفهوم يحمل دلالة “التوازنية”، فلا تركيز على أحد الطرفين دون الآخر، فلا انسحاب من الحياة من أجل حياة روحية محضة، ولا تكالب مادي ولهث وراء تراكم الأموال والاستهلاك في سعي لحياة مادية بحتة.

فالاعتدال والتكاملية في العلاقة بين الروحي والمادي هو السبيل لتحقيق “الحياة الطبية”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع للإستزادة

  • روجيه جارودي (1985). وعود الإسلام. ترجمة د. ذوقان قرقوط. بيروت، القاهرة: دار الرقي: مكتبة مدبولي. ترجم عن الكتاب باللغة الفرنسية بعنوان: Promesses de l’Islam.
  • روبرت إسحاق (2005). مخاطر العولمة: كيف يصبح الأثرياء أكثر ثراء، والفقراء أكثر فقرا. ترجمة سعيد الحسنية. بيروت: الدار العربية للعلوم.
  • شمسي العجيلي& باتريك هايدن (2016). النظريات النقدية للعولمة. ترجمة غالب الناهي. ط. 1. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
  • محمد العودي (2012). فقراء زمن العولمة. ط. 1. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع. جلال أمين، العولمة. دار الشروق، الطبعة الثانية، 2010.
  • نعومي كلاين (2009). عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث. ترجمة نادين خوري. بيروت: شركة المطبوعات للنشر والتوزيع.
  • Naomi Klein (2007). The Shock Doctrine. The Rise of Disaster Capitalism. 2007
  • Michael Sandel, Things that money cannot buy. Lecture

الهوامش:

[1] على سبيل المثال الدفع إلى تمرير تشريعات خاصة بالمرأة والطفل تتعارض كلية مع تشريعات العديد من الدول حول العالم، من خلال مءتمرات وتوصيات ومتابعات تتم تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة.

[2] عبد الوهاب المسيري (2002). مصدر سابق. ص. 140.

[3] جي ديبور (1994). مجتمع الفرجة: الإنسان المعاصر في مجتمع الاستعراض. القاهرة: دار شرقيات للنشر والتوزيع.

[4] عبد الوهاب المسيري (2002). مج. 2. مصدر سابق. ص. 133.

[5] شمسي العجيلي & باتريك هايدن (2016). مصدر سابق. ص. 308.

[6] طه عبد الرحمن (2017). دين الحياء. ج. 2؛ التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال. ط. 1. بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع. ص.215.

[7] أكرم زيدان (2008). هوس الثراء وأمراض الثروة. الصفاة: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. (عالم المعرفة).

[8] فالطبقة المتوسطة- كما عرفها ماكس فيبر- هي تلك الطبقة التي تحتل وسط الهرم الاجتماعي وتعتبر صمام الأمان لأي مجتمع بشري، وكلما زاد حجم هذه الطبقة أدى ذلك إلى درجة أكبر من الاعتدال والأمان الاجتماعي.

[9] باتريك هايني (2015). إسلام السوق. ترجمة عومرية سلطاني؛ تصدير هبة رءوف عزت. ط. 1. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر. ص. 26.

[10] وائل حلاق (2014). مصدر سابق. ص. 283.

[11] هبة رءوف عزت، من طبائع الاستبداد إلى طبائع الاستهلاك، تصدير كتاب إسلام السوق لباتريك هايني. ص. 14. دار مدارات للأبحاث والنشر. يناير 2015.

[12] باتريك هايني، إسلام السوق، مرجع سابق، مقدمة المرجع بقلم د. هبة رؤوف.

[13] Max Weber (2002). The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism. Penguin Books.

[14] باتريك هايني (2015). مصدر سابق. ص. 202.

[15] يوسف القرضاوي (2008). دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي. ط. 3. القاهرة: مكتبة وهبة. ص. 65.

شاهد أيضاً

العبادةُ في الإسلام مفهوماً وغايةً

العبادةُ في الإسلام مفهوماً وغايةً * أ. محمّد حلمي عبد الوهّاب ** يمتاز مفهوم العبادة في الإسلام …

وسائل التواصل الاجتماعي في المجتمع الغربي

رضوى منتصر الفقي[*] كشفت الصحافة ووكالات الأنباء العالمية مؤخراً عن وثائق ورسائل إلكترونية تؤكد اختراقات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.