أخبار عاجلة
الرئيسية / الدراسات والأبحاث / عروض ونقد كتب / تحدي الرأسمالية: الإسلام والاقتصاد الأخلاقي

تحدي الرأسمالية: الإسلام والاقتصاد الأخلاقي

العنوان: تحدي الرأسمالية: الإسلام والاقتصاد الأخلاقي.

المؤلف: تشارلز تريپ.

تقديم: د.هبة رءوف عزًّت.

الطبعة: ط. 1.

مكان النشر: بيروت.

الناشر: مدارات للأبحاث والنشر.

تاريخ النشر: 2016.

الترقيم الدولي الموحد: 3-40-6459-977-978.

 صدر كتاب “تحدي الرأسمالية: الإسلام والاقتصاد الأخلاقي” للمؤرخ البريطاني تشارلز تريپ قبيل الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتوضيح الجانب الأخلاقي في الاقتصاد، ويهدف “تريپ” في كتابه توضيح ضوابط ترويض توحش الرأسمالية، وكيف تعاطى المسلمون ومن بعدهم الإسلاميين مع الرأسمالية، مؤكدًا أن الرأسمالية هي سيرورة وبنية تصورية في آنٍ معًا. وتناول الكاتب الرؤية الاقتصادية الكلية للصحوة الإسلامية وفقه وفكر الإسلاميين المعاصرين، مشيرًا إلي أهمية تحدي هيمنة العولمة.

وتناول الكاتب هذا الموضوع من خلال مقدمة وخمسة فصول بالإضافة إلى الخاتمة.  

المقدمة

تطرق المؤرخ البريطاني تريپ إلى رصد مصطلح الرأسمالية، موضحًا أنها نظامًا للحياة الاقتصادية يجمع بين ثلاثة نطاقات: التصور، والإنتاج، والمؤسسات، فمن ناحية التصور فهي تُعلي من المصلحة الذاتية للفرد، والتركيز على إشباع رغباته, وربط البنية التصوُّرية للمُستهلك الرشيد المحب للتملٌّك بنمو الاقتصاد. وأشار تريپ أن السمات المميَّزة للرأسمالية تبلورت في البداية داخل عالم أخلاقي وقانوني يخص أوروبا الغربية وحدها، لكن فيما بعد تم عزلها ثم إعادة تشكيلها في صور تفضي إلي قَبول أكبر للمشروع الرأسمالي العالمي.

ويعتقد تريپ أن كثيرًا من طُرق تعاطي المسلمين مع الرأسمالية في عالمنا المُعاصر تنشأ عن الخوف من حدوث معاملات تجارية غير مشروعة، مما أفاض إلى ظهور حيل مُتعددة بغية تسويغ هذه الآليات من الناحية الشرعية، حتى لا يهدد النظام الاجتماعي والمجتمع الأخلاقي. لذلك تعددت صور تعاطي المجتمعات الإسلامية مع الرأسمالية باختلاف الظروف من مجتمع لآخر، وهو ما رصده تريپ دون تعسف في دراسته لعلاقة الإسلاميين بالرأسمالية.

         الفصل الأول: الإشكالية الاجتماعية

  وضح تريپ أن هذا الفصل يتمثل بالأساس في طورَين متمايزين، الأول يتمثل في مشهد اقتحام الإمبريالية منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا في القرني الثامن والتاسع عشر. والثاني مشهد خروج الامبريالية من تلك المناطق بعد الهيمنة الأوروبية على بلاد الإسلام, وربطها بنظام اقتصادي عالمي يعكس القيم الليبرالية، وقد حاولت تلك المجتمعات التعاطي مع هذه التطورات والتصدي للقوى الأوروبية.

  1. اكتشاف المجتمع

   لم تعتمد الهيمنة الأوروبية على بلاد الإسلام على القوة العسكرية فحسب، بل أيضا على النظام والسلوك، كما أوضح عبد الرحمن الجبرتي فيما سجله عن الفرنسيين في مصر، الأمر الذي حفز العالم الإسلامي إلى فهم طبيعة تلك السلوكيات الجديدة والقيم التي تدعو لها، واختفت الأوصاف القديمة مثل الإفرنج والرُّوم والكفار. إذن من الناحية النظرية, يمكن الحكم على استجابة العالم الإسلامي للرأسمالية على أنه ارتقاء بالمجتمع دون إضعاف للعقيدة, واستمر ذلك حتى القرن العشرين.

ويوضح تريپ أن مفهوم المجتمع تصدَّر المعجم الجديد لإدراك الوجود، وحمل المفهوم معاني جديدة للمجتمع نظرًا لتغيرات حياة الناس بفعل “التحول الكبير”. وفي وصف ظاهرة “المجتمع” ظهرت اصطلاحات مثل: الانتظام العمراني، والجمعيات المنتظمة، ومصطحات رفاعة الطهطاوي عند الإشارة للمجتمع مثل: الاجتماع البشري. وكان ذلك انعكاس تلقائي حيث أن البحث عن مفردات جديدة كانت محاولة لاستيعاب تغيرات الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

   من جانبه حدد تريپ مدى مرونة “الوظيفية” و”الفهم الوظيفي” باعتبارهما صورة من صور التنظير الاجتماعي لتوفير المعايير التي يمكن من خلالها الحكم على أداء المجتمع وأفراده. وصار واضحًا أن “علم المجتمع” الوظيفي- إذا عرَّفناه من خلال ارتباطه بغايات الرأسمالية المتقدمة- يمهد لتقبل القيم المرتبطة بتحسين وتقدم المجتمع. لذا أصبحت المقولات الاجتماعية الأوروبية مدمجة في خطاب من يريدون إعادة صياغة مفهوم التكافل الاجتماعي من زاوية إسلامية خالصة دون دراسة المجتمع كمجرد ظاهرة عامة بل لفهم أصول السلطة الاجتماعية.

  1. الملكية والسلطة الاجتماعية

  تزايد اقتحام المبادئ والاصطلاحات المعاصرة للملكية والشروط المرتبطة بها في المجتمعات الرأسمالية للبلاد الإسلامية، وهو ما تجلى في كتابات رفاعة الطهطاوي الذي بنى رؤيته لنهضة مصر على فهم “المصلحة العامة”، محاولا إيجاد نَسب إسلامي لمصطلح “المنفعة الاجتماعية”.  

  وأشار تريپ إلى وجود نماذج مختلفة لحق المِلكية نوقشت في سياق اجتماعي أكثر مما نوقشت في سياق الحقوق الفردية، ومع ذلك عند إبراز أهمية الإحاطة بالفوائد الإنتاجية والمنفعة الاجتماعية لأنواع معينة من المِلكية، نجد أن هناك فرضية مسكوت عنها وهي طبيعة العلاقة بين الفرد وحق المِلكية، وذلك عكس أفكار أوروبا التي تربط بين حق المِلكية وتحقيق الفرد لذاته.  وأشار الكتاب الى ضرورة ملاحظة الارتباط اللَّصيق بين فكرة منفعة المجتمع ومنفعة الدولة في الجدل القائم حول صياغة القوانين وفي الفتاوى التي تلت تفعيلها, كما كانت المِلكية في الإمبراطورية العثمانية ومصر والإمبراطورية القاجارية والهند تحت الاحتلال البريطاني بمثابة همزة وصل بين الدولة، خاصة فيما يتعلق بحقوق الفرد أمام القانون والمجتمع.

  وقد تغيرت صور الخطابات الإسلامية عن المِلكية، كما شهد العالم الإسلامي ظهور مجموعة من المفاهيم الجديدة استنادًا إلى مدوَّنات الأحاديث النبوية ومصنفات الفقهاء، ورُبط بين المالك الفرد والنظرة الوظيفية للمجتمع، والمنفعة أو الضرر الذي قد يحدث بسبب التصرف في الملكية، والتركيز على أن حق المِلكية لابد أن تحكمه نظرة أخلاقية تحمي الفضيلة وتضمن السلوك القويم.

  1. التعليم سبيلًا لاستعادة الاقتصاد الأخلاقي

تمثل الخوف على الاقتصاد الأخلاقي في أولئك الذين تضررت أوضاعهم المادية بفعل التحولات التي جاءت بها الرأسمالية الصناعية، فقد بدا أن الرأسمالية تقوض كثيرًا من قيم النظام الإسلامي الخالص.

هنا أشار الكاتب الى جمال الدين الأفغاني الذي انشغل بما فقدته الدول الإسلامية، وخاصة الإمبراطورية العثمانية، من سلطة سياسية لصالح الإمبريالية الأوروبية. كما رصد الأفغاني أخطار الرأسمالية على المجتمعات الإسلامية من حبُّ التملُّك والتنافس الأناني، وهو ما تجلى في مقالته “الردُّ على الدهريين”، الذي دعا فيها إلي اشتراكية إسلامية تقوم على الأخوَّة والتكافل الاجتماعي، وهو ما تبناه تلامذته من بعده.

 وأوضح تريپ أن من صور مواجهة العالم الإسلامي لتغلغل الرأسمالية يتمثل في التعليم الأخلاقي والارتقاء بالتربية الروحية للإنسان, فالتربية القويمة والتنشئة السليمة للنشء على القيم الإسلامية هي الحل المثالي لعلاج الانحلال الأخلاقي وتحقيق الاقتصاد الأخلاقي والحد من مساوئ الرأسمالية.

الفصل الثاني: الإصلاحيون الاجتماعيون الإسلاميون

   ظهر جيل جديد رأى في نفسه القدرة على صياغة استجابة إسلامية خالصة لإشكالية المجتمع، وتزامن مع ذلك مواجهة الرأسمالية لتحدَّيَين, إحداهما من داخلها حيث ظهور الرفاه الكينزية (أي التمتع الرفاهي بالموارد), والآخر من خارجها وهو النموذج الاقتصادي الذي طرحه الاتحاد السوڨيتي. وأشار تريپ أن ما أخذه المفكرون الإسلاميون على المجتمع في ذلك الوقت, من حيث مظاهر الظلم والدور الذي أدته الرأسمالية في ترسيخ ذلك الوضع السيئ، انصبَّ في صالح الفكر الشيوعي.

  1. التكافل الاجتماعي    

   نظر المفكرون الإسلاميون إلى خطر الفردانية المتأصلة في الرأسمالية، واعتبروها صورة من صور التفسخ الاجتماعي الذي يفصل الفرد عن الكيان العضوي للمجتمع، فقد سمح ذلك لأرباب العمل أن يستغلوا العمال كيفما يشاءوا وفق ما تقتضيه حسابات الربحية. كما شُغل الإصلاحيون الاجتماعيون الإسلاميون بسمة أخرى عزوها إلي الرأسمالية وهي تقسيم المجتمع إلى طبقات.  وهنا تم عرض النظام الإسلامي بوصفه تجسيدًا للجانب “الروحاني” الذي يعدل كِفَّة المادية ويحقق التكافل الاجتماعي، وهو ما تجلى في الكتابات التي حاولت علاج العلل التي أصابت المجتمع المسلم.

    الملكية ووظيفتها الاجتماعية:  ذكر تريپ في كتابه أن الوظيفة الاجتماعية للملكية هي ربط المِلكية بهدف أكبر من مجرد إشباع رغبات الفرد مثل هدف فرض الزكاة، لترويض ميل الإنسان الطبيعي نحو تحقيق الربح. وأتاحت مناقشة المِلكية للإصلاحيين الاجتماعيين الإسلاميين أن يربطوا بين موروث إسلامي راسخ وهو الزكاة وبين طرق التصرف في متاع الدنيا.

  1. إشكالية النقود   

   اعتبرت النظم السابقة على الرأسمالية أن النقود هي “أبو الرأسمالية” وفقًا لـ تريپ، غير أن سمات النقود التي تجعلها غاية في الانقياد لرغبات صاحبها هي إمكانية تحويلها أو نقلها للغير, لكن ندد الأخلاقيون بالأخطار الكامنة في طبيعة النقود، وتركزت معظم المخاوف على الحاجة لضبط سلبيات النقود من خلال نظم قانونية وأخلاقية تقلل من خطرها على المجتمع.

واستند الفقهاء المسلمون والمفكرون المحدثون في موقفهم تجاه النقود على حديث النبي محمد ﷺ “إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال”، فأصبح إدانتهم للنقود جزءًا لا يتجزأ من إدانتهم للرأسمالية التي تشجع على تكديس كل شئ وتسليعه وتفكيك المجتمع، لكنهم رأوا أيضا أنه يمكن تطويع النقود للقيم الإسلامية؛ تجنبًا لمساوئها, وبذلك تغدو النقود وسيلة يمكن من خلالها إخضاع المِلكية في المجتمع الإسلامي دون الإضرار بالتكافل الاجتماعي.

  1. مصلحة المجتمع

طرح تريپ ما يحتاجه المجتمع المسلم كي يتماسك من وجهة نظر المفكرين الإسلاميين أمثال عبد الوهاب خلَّاف ومصطفي زايد، وبرزت توجهات نحو المِلكية العامة، كما هو الحال في مصر تحت حكم جمال عبد الناصر. واستشهد الإسلاميون بأمثلة من عهد الرسول ﷺ، وسعوا للوصول إلي قواعد لاشتقاق الأحكام بغية الوصول الى الحكم على بعض الأعمال التي لم يَرِد فيها نصٌ واضح ولا تخضع للقياس أو الإجماع، كما رأوا ضرورة الإلزام بدراسة طبيعة الأمة أو المجتمع قبل الحكم على الآثار المترتبة جرَّاء عمل من الأعمال، وفهم أن مصالح الناس تتألف من الضروريات, والحاجيَّات, والتحسينات.

الفصل الثالث: الاشتراكية الإسلامية

  تطرق الكاتب إلي دور الدولة في العالم الإسلامي، وأوضح أن الإصلاحيين الاجتماعيين الإسلاميين في الأربعينيَّات ومطلع الخمسينيَّات من القرن الماضي، أناطوا بالدولة دورًا حاسمًا في دفع غوائلَ الرأسمالية. فمع بروز حركات التحرر من الاستعمار والاستقلال الوطني، أصبح يُنظر إلي الدول الإسلامية التي نالت سيادتها على أنها مؤهلة لأداء دور الدور المثالية، ورأى الإسلاميون أن سلطة الدولة يجب أن تتسق مع هدفها الأخلاقي ووظيفتها الاجتماعية من خلال الالتزام بالشريعة وتطبيقها.

    الاشتراكية الإسلامية وتطور الدولة:

   طُرحت الاشتراكية كعلاج للعِلل التي حلَّت بالمجتمع، ولتُكوَّن قاعدة لمجتمع يتمتع فيه من لا يملك ببعض الحق عند من يملك، وظهرت الأنظمة المهتمَّة بالتنمية الاقتصادية بعيدًا عن قيود النظام الاقتصادي العالمي، كنظام عبد الناصر في مصر، لكن رغم ادَّعاء الدولة تبنِّيها خطًّا اشتراكيًّا فإنها لم تستطع الإفلات من بعض سمات الرأسمالية.

   ويضيف تريپ أن من هذا المنظور تحولت الدولة إلى منظومة للأمر والنهي ولها على المواطنين حق الطاعة طالما استرشدت بالشريعة, مثل حكم آية الله الخميني في إيران، وحسن الترابي في السودان. ورأى الإسلاميون الاشتراكيون أن الدولة أصبحت تعمل تبعا لبرنامج اشتراكي إسلامي للاستحواذ على رأس المال وتسخيره لصالح المجتمع بأسره، واعتبار المِلكية الوسيلة التي من خلالها يؤدي الأفراد ما عليهم من واجبات.

أ-التآلف الاجتماعي والاقتصاد الأخلاقي: كانت قضية التضامن الاجتماعي واحدة من القضايا الأساسية التي استحوذت على فكر المفكرين الإسلاميين الذي رأوا في الاشتراكية ترياقًا لما سببته الرأسمالية من أمراض للمجتمع، لذا تبنوا مصطلح “التكافل الاجتماعي” كإطار لاستعادة الاقتصاد الأخلاقي، كما ركز الاشتراكيون الإسلاميون على الطبيعة العضوية للمجتمع، حيث يقوم كل فرد بدور محدد في المجتمع، وهو ما يتلاقي مع الفكر الاشتراكي، ويضمن تحقيق التضامن الاجتماعي بغية القضاء على الفقر.

ب-تحديد معالم الترابط الاجتماعي الإسلامي: انشغل المفكرون الإسلاميون بضياع استقلال المجتمع المسلم وهويته، كما درسوا ظهور الشيوعية بوصفها نقيض الرأسمالية. وقد صورَّها الكتَّاب بتفاصيلها المزعجة، كما نرى مثلا عند الشيخ محمد الغزالي “الشيوعية هي العدو الخارجي في حين أن الرأسمالية هي العدو الذي يأتينا من خلفنا”، واعتُبرت الشيوعية مخالفة للطبيعة والتعاليم الإسلامية لذا طُرح الإسلام بوصفه “الطريق الثالث” الذي يوازن بين حقوق الفرد والمجتمع.

وهنا ظهرت محاولات لربط مبادئ الاشتراكية الإسلامية بتاريخ الإسلام ودعم هذا التوجه بسنة النبي ﷺ. وقد ظهرت لاحقا ردَّات فعل ضد الحكومات التي ادَّعت تبنِّيها الاشتراكية الإسلامية. كما تسبب التدثر بعباءة الشرعية الإسلامية ثم خلع تلك العباءة عندما لا تتناسب مع أهداف النظام، في توليد الامتعاض.

الفصل الرابع: الاقتصاد الإسلامي والمصارف الإسلامية

   أكد تريپ أن إدارة الدولة للاقتصاد الوطني في العالم العربي لم يكن مشرفًا إلا في البلدان النفطية مثل العراق والجزائر وليبيا. لكن أدت سيطرة الدولة على الاقتصاد في بلدان أخرى إلى انخفاض الإنتاجية وظهور البطالة المقنعة، وبدا أن إيجاد بديل للرأسمالية سواء في صورة عَلمانية أو اشتراكية إسلامية، آخذة في التلاشي. كما أن الارتفاع الهائل في أسعار النفط في السبعينيات قد غيَّر موازين القوى الاقتصادية الدول الإسلامية المُنتجة للنفط وبين الدول الصناعية في النصف الشمالي من العالم، مما أعطي دَفعة لجهود إيجاد مؤسسات مالية إسلامية خالصة تعتمد على رأس المال الخاص.

ويتناول هذا الفصل جانبين: الأول يتمثل في محاولة بعض الكتَّاب الوصول إلي الاقتصاد الإسلامي بوصفه استراتيجية يُمكنها أن تنمية المجتمعات الإسلامية مع المحافظة على الهُوية الإسلامية إقرارًا بنجاح الرأسمالية وضمان تحقيقها في ظل نظام أخلاقي. والجانب الثاني يتمثل في المبادئ التي تحكم التعاملات الاقتصادية الإسلامية الخالصة من خلال الممارسات المُتنامية للنظام المصرفي الإسلامي كصورة من صور التعاطي مع الرأسمالية.

  1. الاقتصاد والاقتصاد الإسلامي

اشتبك المفكرون الإسلاميون مع قضايا عُرفت على أنها اقتصادية خالصة، وسَعَوا إلي التعاطي مع عديد من المفاهيم في ذلك الحقل المعرفي، فتطرقوا إلي “السوق” باعتباره مؤسسة تبدو ضرورية لكنها من الناحية الأخلاقية محلُّ ريبة في العالم الإسلامي، لأن الرغبة في تحقيق الربح عن طريق شراء الشئ بسعر زهيد ثم بيعه بسعر أعلي قد يتخذ سلوكيات حادَّة في التبادل والمقايضة، لذا صارت النقود الوسيلة الأساسية للتبادل في اقتصاد السوق.

فقد أرست الحسابات النفعية الدوافع الغريزية للنَّهَم والكَسب، وهو ما أقنع الناس بأن السوق هو السياق الطبيعي للنشاط البشري. وحاول الإسلاميون التصدِّي لهذه المصطلحات وابتكار نظام اقتصادي إسلامي، وهنا ظهرت العديد من الكتابات الإسلامية التي ركزت على طرح اقتصاد إسلامي وتمييزه عن الاقتصاد الاشتراكي أو الشيوعي.

  1. التنمية والكفاءة

كانت الغاية من الاقتصاد الإسلامي هو الوصول إلي منظومة عملية فعَّالة للحياة الاقتصادية تولد قوة حقيقية ترتقي بالحياة المادية للمسلمين، وقد أوضح تريپ أن خطط التنمية المنقولة عن بيئات ثقافية ومجتمعات أخرى لن يُكتب لها النجاح في مجتمع إسلامي إذا ما تعارضت مع قيم الأمة الإسلامية وثقافتها، لذا عزم بعض الكتَّاب مثل باقر الصدر على الوصول لمعايير النجاح المادية، وأكدوا أن الدافع الأخلاقي لأي برنامج تنموي إسلامي هو الدافع الحقيقي للنجاح.

  1. المصلحة الاجتماعية ومنفعة الفرد

  جاء طرح الاقتصاد الإسلامي بوصفه وسيلة يستعيد بها المجتمع ترابطه دون اللجوء إلي الاشتراكية على يد دولة علمانية من ناحية، وإبطال الفَردانية من ناحية أخرى، مع تعزيز صور التضامن الاجتماعي. وهنا ظهر رأي ينادي بضرورة الحكم على نجاح الترتيبات الاقتصادية إذا ما أسهمت في زيادة مجمل صالح المجتمع ومجمل التزكية الروحية للفرد من منظور إنساني حتى إن لم يكن إسلاميا. لكن من الناحية النظرية هذا الرأي يتضمن توقع عجز الاقتصاد الإسلامي عن الصمود أمام التحديات التي تواجهه، لذا أكد المفكرون الإسلاميون على الشخصية الإسلامية للنشاط التجاري لتحجيم المنطق الوضعي للاقتصاد وتعريف المصلحة العامة وفقًا للشريعة.

  1. الزكاة والربا: أدوات الاقتصاد الأخلاقي:

في سبيل البحث عن تشكيل الفرد الذي سيصبح الأساس الذي سيقوم عليه الاقتصاد الإسلامي, يركز الكتَّاب على تشريعين: الأمر بإيتاء الزكاة والنهي عن أكل الربا، باعتبار الزكاة مكونًا رئيسيا من مكونات الاقتصاد الأخلاقي بتوظِيفه المال لمصلحة من هم أقل حظًا، وهي فكرة المسئولية الاجتماعية من أجل إعادة توزيع الثروات وتحقيق التنمية الاقتصادية.

   وأشار تريپ إلى أن تجربة الزكاة لم تف بالآمال، لذا فإن تحريم الربا أصبح رمزًا واسع الانتشار في التصور الاقتصادي الإسلامي. وقد أدت التطورات إلي إعادة النظر في مسألة الربا بفعل مركزية تنوع صور أخذ الفائدة في قلب المشروع الرأسمالي، الذي جذب أعدادا كبيرة من المسلمين من مستثمرين ومَدينين ومستهلكين. فرأى بعض المفكرين أن فرض الفائدة لم ينطو على ظلم بالضرورة، إذ أن المقصد وراء تحريم الربا هو كبح الظلم. وكثرت الآراء حول أن المصلحة العامة ستتضرر إذا حرَّمنا صور الفائدة جميعًا تحريمًا شاملًا لأنه سيمنع الدول الإسلامية من الحصول على قروض من أجل التنمية، وهو ما تمثل في فتوى الشيخ محد السيد طنطاوي مفتى الديار المصرية عام 1989 بجواز السندات الحكومية ذات الفائدة، مما أثار جدلًا واسعًا.

  1. المصارف الإسلامية:

    جاءت فكرة المصارف الإسلامية والنظام المصرفي الإسلامي لخلق نظام اجتماعي أخلاقي لا يدنسه الربا، حيث ظهرت مؤسسات مالية يمكن من خلالها تطبيق المبادئ الإسلامية الخالصة. فقد شهدت سبعينات القرن الماضي تدفق العائدات الهائلة للنفط في الدول المنتِجة له مما خلق مناخًا لإنشاء مؤسسات مالية إسلامية كبديل للنظام الرأسمالي، مثل إنشاء “البنك الإسلامي للتنمية” عام1975 م, بهدف توجيه أموال التنمية إلي الدول الفقيرة، كما كان هذا ملموسًا في بداية القرن الحادي والعشرين في انتشار التسهيلات الممنوحة لـ”الصكوك الإسلامية” في المملكة المتحدة, وافتتاح “المصرف الإسلامي البريطاني” عام 2004م.

وكان الدور المستهدف حسب رسالة الاتحاد العالمي للمصارف الإسلامية هو تحقيق أهدافًا اجتماعية أعلى قدرًا مما يصبغ الاقتصاد الرأسمالي، لذا امتد دورها من مجرد تحقيق التنمية الاقتصادية إلي ضمان تدعيم العقيدة والأخلاق. لكن رغم محاولة أسلمة الاقتصاد الا أن تطبيق الإصلاحات التي أملاها صندوق النقد الدولي كانت هي القوة المحركة للاقتصاد وليست المصارف الإسلامية. وسرعان ما بدأ التمويل العالمي في القطاع المصرفي الإسلامي, فقد نجم عن بعض القرارات غير المحسوبة خسائر هائلة أخمدت بريق المصارف الإسلامية، كما أنها بدأت في استخدام بعض الأدوات المصرفية التي أثارت الشكوك عند المتعاملين معها.

وهنا أكد تريپ أن المؤسسات الإسلامية كما أشعرت المسلمين بالأمان لكنها أسهمت في تحولات في الهُوية الإسلامية، فهي ليست بديلًا عن الرأسمالية، بل يمكن إدراج الممارسات الرأسمالية العالمية من خلال اصطلاحات إسلامية خالصة دون تضارب.

الفصل الخامس: مخزون المقاومة: المناهضة الإسلامية للرأسمالية

  أشار تريپ في هذا الفصل إلى المفكرين الإسلاميين الذين لم يروا من عالم المؤسسات الدولية، سواء السياسية أو المالية, سوى الخُذلان، لذا عكفوا على الدعوة وترسيخ القيم الإسلامية الخالصة التي تنعكس على النظام الاجتماعي. وكان سيد قطب (1906-1966) في مصر وعلي شريعتي (1933-1977) في إيران خير مثال على ذلك. فرغم اختلاف المصادر التي يستقون منها، تجمع كتاباتهم بين ذاتية الأسلوب بجانب تشخيص حالة المجتمع في طرائق فريدة, وكان يحدوهما الأمل أن تقف العقيدة التي لا تتزعزع عند المتمسكين بالإسلام حائلًا أمام مسيرة الرأسمالية.

  “حرمُ مَصون” الجنوسة والفعل

بدا من المهم لكثير من المفكرين الإسلاميين أن يتصوروا “حرمًا مصونًا” لا تنفذ إليه قيم رأسمالية تنتمي لأيديولوجية غربية، ويكون حرما يشجع على ظهور شخصية إسلامية قوية يتمكن من خلالها المسلم من اتقاء مغريات الحياة. حيث تركز بعض الكتابات على سلوك الرجل، لكن جزء لا يستهان به منها يتناول سلوك المرأة، وهو جزء من التعاطي مع الأوضاع التي أحدثتها الحداثة، والذي تنذر معه الرأسمالية وتصوراتها عن الجنوسة بخطر كبير. فقد قطعت الرأسمالية على نفسها عهدًا بتخليص المرأة من خدمة البيت دون أجر، لكن أهدرت قيمة المهارات التقليدية للمرأة المنتجة بعد أن استبدلت السلع التي كانت تُنتَج في البيت بمنتجات المصانع. لكن المجتمع لم يساوي المرأة بالرجل بل لا يزال ينظر لها على أنها عمالة أقل كلفة، كما أنه أدمجها في قائمة سلع سوق الجسد الرائج في العالم كله.

لذلك تناولت كتابات المفكرين الإسلاميين الصفات التي تميز المرأة عن الرجل في حركتها في المجتمع، وأنها ميدان للتعبير الرمزي عن الهُوية الإسلامية، وأن البيئة الآمنة لها هو المنزل، فهو الضامن الذي يحمي المجتمع الإسلامي الحقيقي.

الا أن علي شريعتي قد أنكر الأدوار التي حُصرت فيها المرأة، ودافع بحماس عن ضرورة أن تكون المرأة شيئًا أكبر من كونها شيئًا رمزيًا أو كائنًا مسئوليته الإنجاب فقط. وعلى النقيض من ذلك ندد سيد قطب في كتاباته المتأخرة بالاهتمام بزينة المرأة وجمالها تنديدًا عنيفًا، وحتى تتقي المرأة الآثار السلبية للرأسمالية عليها أن تعود إلي البيت حيث مسئوليتها الأولى.

       العنف والمعنى      

يتناول الكاتب ماهية أفضل سبل الدفاع للحد من تأثير النظام الرأسمالي، والذي وجد البعض في العنف ملاذًا ممكنًا. فلم تواجه الدولة تحديات الرأسمالية ولم تسهم في تشكيل صور التعاطي معها بالشكل الملائم، لذلك رأى البعض أن العنف الذي يهدف إلي توجيه الدولة نحو الغاية التي يقصدها هو عمل محكوم عليه بالفشل، لأن الهدف –أي الرأسمالية- متلون تمامًا، كما أن سلطتها لا حدَّ لهيمنتها، وبدلًا من ذلك من الأفضل أن يكون الهدف هو تحطيم القبضة التي تتحكم بها الطبيعة الخبيثة للرأسمالية في فكر من تريد السيطرة عليهم، فقد اجتمع الضعف البنيوي النِّسبي، مع التفكير في العنف المؤسَّسي، جنبًا إلي جنب مع الشعور بالتَّبعية وانتهاك الأخلاق، ليولِّد ردود أفعال في سياقات مختلفة. وفي النهاية أوضح  تريپ أن لأعمال العنف عواقب وخيمة وتهديد لقيم الإسلام.

عرض وتقديم

أ. رحمة إبراهيم حسين

ماجستير في العلوم السياسية

شاهد أيضاً

قصور الاستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي

تأليف: د. وائل حلاق

عرض: أ. رضوى منتصر الفقي

إذا كان الفهم العام يتعامل مع الاستشراق باعتباره خطابا هداما صور العالم الإسلامي بصورة سلبية مهدت للسيطرة عليه وإخضاعه للكولونيالية. فإن هذا الكتاب يذهب إلى أن هذه القراءة للاستشراق بحاجة إلى مزيد من التعمق.

نقد الثقافة الغربية: في الاستشراق والمركزية الأوروبية

تأليف: د. عبد الإله بلقزيز

عرض: د. شيرين حامد فهمي

كيف تفاعل النهضويون العرب –مسلموهم ومسيحيوهم– مع الاستشراق؟ كيف تأثروا به إيجاباً وسلباً؟ كيف انعكس الاستشراق على رؤاهم، ومنطلقاتهم الفكرية، ومناهجهم البحثية؟ هل كان الاستشراق شراً محضاً، أم خيراً محضاً، أم مزيجاً بين الإثنين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.