أخبار عاجلة

الفرد والجماعة في القرآن

الفرد والجماعة في القرآن

بحث في أصالة الوجود وإشكاليات العلاقة

أ. د. أماني صالح*

ينطلق هذا البحث من عدد من التساؤلات الملحة على إنسان هذا العصر تدور حول جوهر وماهية وجوده، هل يتجسد في وجوده كإنسان فرد مستقل أم ككائن اجتماعي ينتمي إلى جماعة أو دوائر متعددة من الجماعات وتتحدد هويته بدوره الذي يقوم به فيها؟ أيهما أكثر أصالة ولأيهما تكون الأولوية؟ وماذا لو تعارض الوجودان؟ – وكثيرًا ما يحدث ذلك التعارض؛ فالوجود الفردي يفجر على المستوى الأخلاقي مسألة الضمير، والوجود الجمعي يفجر على المستوى الأخلاقي قيمة بقاء الجماعة والالتزام بحمايتها وأولوية الحفاظ عليها فوق أي اعتبار، فماذا لو تعارض الاثنان؟

تفرض معضلة الوجود الإنساني بين فرديته وجمعيته نفسها كقضية ملحة في ظل تغول الوجود الجمعي للإنسان وتعدد أشكاله وتعاظم أدواته مما يهدد بفقدان الإنسان إحساسه بذاتيته وبناء ضميره وحرية اختياره .. فالإنسان المعاصر يحمل على كاهله ارتباطات آسرة بأنماط متعددة للوجود الجمعي ما بين الأسرة والقبيلة والجماعة الدينية والعرقية والمذهبية والطبقية والحزب السياسي، والدولة، والوطن، والعالم… إلخ. وفي ظل أدوات التنشئة الجمعية وخطاباتها الاجتماعية والإعلامية والسياسية والعولمية الطاغية التي تفرض سياجًا حديديًا على الوعي والإدراك الإنساني، يكاد الإنسان يفقد وإلى الأبد الإحساس بوجوده الفردي الإنساني المستقل مهددًا باضمحلال ضميره الحر وحقه في تشكيل أفكاره وخياراته على نحو مستقل عن تلك التشكلات.. من هنا جاء السؤال الأساسي لهذا البحث.

لقد فجرت قضية الوجود الإنساني بين ثنائية الفرد والجماعة فلسفات وقضايا فكرية وتشريعية وسياسات اجتماعية. لكن هذه القضية رغم قدمها في الوجود الإنساني لم تبرز وتتحدد ملامحها في الوعي والخطاب العام إلا في العصور الحديثة. وقد أسهم طرح هذه القضية في تحريك الفكر والأيديولوجيات المسئولة عن تشكيل جزء كبير من حضارة الغرب المهيمنة على عالم اليوم، فكانت جزءًا لا يتجزأ من الجدل الفكري الخصب الذي طوّر النزعة الفردية والتيار الليبرالي انطلاقًا من أفكار أولوية ورشادة الفرد وصعود مبدأي اللذة والمنفعة. كما فجّر هذا السؤال – في ذات الوقت وعلى النقيض- التيارات الشمولية الجمعية مثل القومية والاشتراكية.. ولم تلبث النزعة الفردية أن عاودت الظهور لتظهر الغلبة مع تصاعد مفهوم الاغتراب الوجودي الذي كان مقدمة لدفعة متباينة من الفلسفات ما بعد الحداثية.

لفترة طويلة ظلت الجدالات الأيديولوجية المشتعلة تقف خارج حدودنا نحن المسلمين، لكن مع حلول المرحلة الاستعمارية وما صاحبها من تحولات في أنماط الحياة والتفكير والارتباط بالعالم تأثرًا بالقوى المهيمنة، فرض الواقع الجديد بصراعاته السياسية وخلفياته الجدلية إشكاليات فكرية لم تلبث أن فجرت قضية الفرد والجماعة بنكهة وصيغ إسلامية. تفجرت القضية عبر الصراع المرير الذي انجلى منذ مطلع القرن الماضي بين مفاهيم الوطنية والأمة الإسلامية والقومية العربية. وانطلقت جولة جديدة أشد ضراوة وعنفا ًعلى الأرض في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين من خلال الصراع بين الجماعات الإسلامية المسلحة الداعية إلى الجهاد لإحياء الخلافة الإسلامية التي تجسد تنظيميًا فكرة الأمة وبين الدول الوطنية التي تجسد رابطة الوطنية ومفهوم المواطنة. ومع بداية القرن الحادي والعشرين فجرت هجمات 11 سبتمبر 2001 الصراع بين مفهومي العولمة المحكومة بالحضارة الغربية وبين مفهوم الأمة الإسلامية التي طُرحت في تلك الآونة بمنظور سلفي..

الأمر الجدير بالملاحظة أن تفجر إشكالية العلاقة بين الفرد والجماعة في العالم الإسلامي جاء من خلال طروحات جمعية شمولية بالأساس (الأمة الإسلامية، القومية العربية، الدولة الوطنية) بينما غاب عنها تمامًا أي تمثيل للفرد ودوره. تلك السمة لا ينبغي أن تعْبُر علينا عبور الكرام لأنها تنطق بالكثير؛ هي تعكس في واقع الأمر واقع وتقاليد تهميش الإنسان الفرد وغض البصر عن حقوقه في ثقافة منطقتنا والتي لم يضف لها الغرب – من خلال حقبة الاستعمار ومراحل التبعية والتغريب واحتكارية النظام العالمي ثم العولمة – سوى المزيد من القمعية على الأقل على الصعيد الثقافي. الفكرة الثانية التي تفجرها الظاهرة أن مسألة انتقاص وتهميش الإنسان الفرد في مجتمعاتنا ليست قضية إسلامية، بل هي طرح ثقافي يرتبط ببنية وخصائص وقيم المجتمعات العشائرية وموروثها القبلي المتجذر في هذه المنطقة، وإلا لما اشتركت كل الطروحات الجمعية على اختلافها وتباينها الشديد (أممية إسلامية، ووطنية، قومية عربية) في جعْل الفرد مجرد أداة ووسيلة بخسة يتم التضحية بها من أجل غلبة وعلو الكيان الجمعي “العظيم” أيًا ما كان هو. لم يكن واقع العالم العربي والإسلامي على مدي العقود الخمسة الأخيرة إلا تعبيرًا عن مأساة إقصاء الفرد وتهميشه وتسخيره لصالح الجماعة، هو واقع مأساوي عبّرت عنه عشرات القضايا والأفكار بدءًا من قضايا السجون والتعذيب بحجة الحفاظ على الأمن القومي مرورًا بالترويج للعمليات الانتحارية تحت مفهوم الشهادة من أجل قضية الجماعة، وترويج مفاهيم “الصائل” واستحلال الأرواح والأعراض بحجة أنه مجتمع جاهلي كافر وانتهاءً بترويج الفتن العامة وتبريرها تحت مفاهيم إدارة التوحش و”هدم المجتمع الجاهلي” كمرحلة من المراحل نحو تأسيس مجتمع اليوتوبيا على الأرض.

لم تظهر قضية الفرد على استحياء إلا بتأثير انتشار نموذج الاقتصاد الحر كنمط للتنمية بعد هزيمة النموذج الاشتراكي، ثم تأثر العالم العربي والإسلامي بثقافات وأنماط ما بعد الحداثة وحقوق الإنسان وأخيرًا واقع الشبكات الدولية للتواصل الاجتماعي التي عززت بقوة الفكرة الفردية. ولعل هذا ما يدفع بقوة بسؤال مهم: أين موقع الفرد في الثقافة الإسلامية؟

انطلاقًا من هذا السؤال العام يطرح البحث مجموعة من الأسئلة ذات الصلة، منها: ما هي قيمة الفرد في المنظومة الإسلامية المرجعية؟ وكيف تصيغ تلك المرجعية حدود علاقته بالجماعة؟ كيف يترتب موقع الكيانين في المنظومة الإسلامية كما ينطق بها القرآن الكريم؟ أيهما يمثل كيانًا أصليًا وأيهما الفرعي التابع؟ بمعنى آخر أي من الكيانين الإنسانيين (الفرد أو الجماعة) له الأولوية في المنظور الإسلامي؟ أم أن لكل منهما مجال حركته وأولويته؟ وهل ثمة ضرورة لإعادة صياغة العلاقة بينهما من منظور إسلامي بحكم ما لهذه العلاقة من صلة وثيقة بقضايا اجتماعية وفكرية وقانونية مهمة كفيلة بإعادة تشكيل الواقع الإسلامي؟ باختصار فإن هذا البحث يهدف إلى مراجعة قضية الفرد والجماعة من منظور إسلامي يتجاوز الانطلاق من رؤية مذهبية أو أيديولوجية معينة. وحيث أن التحيز سمة إنسانية يصعب التجرد منها ولكل باحث منطلقاته ومنظوراته في الدين التي تقوده بالتالي إلى المنزلق الأيديولوجي، فإن العاصم الوحيد لكل من يتقصى رؤية الإسلام في أي قضية (أو يحاول ذلك) هو البحث القرآني ومحاولة التجرد أمام الطرح القرآني للمسألة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وعلى الله قصد السبيل.

وفي هذه المحاولة نناقش القضية من خلال النقاط التالية:

أولًا: اقتراب البحث والمفاهيم

ثانيًا: تحليل خصائص الوجود الفردي والجماعي في المنظور القرآني

ثالثًا: قضية المفاضلة بين الفرد والجماعة طبقا للمنظور القرآني

رابعًا: إشكاليات العلاقة الجدلية بين الفرد والجماعة

 

أولًا: حول الاقتراب والمفاهيم

تتحدد المفاهيم وفق الاقتراب الذي ينطلق منه الباحث، وفي السطور التالية إشارة سريعة للاقترابات السائدة في دراسات الفرد والجماعة ثم توضيح للاقتراب الذي ينطلق منه هذا البحث.

لا يمكن تناول مفهومي الفرد والجماعة بالبساطة والمباشرة التي قد تبدو للباحث للوهلة الأولى؛ ذلك أن كلا المفهومين لا يمكن تناوله بمعزل عن الآخر، فالعلاقة بينهما لا تنفصم، بل هي كالعلاقة بين وجهي العملة. ثم أن ما يزيد تحديد المفهومين تعقيدًا هو تعدد وتنوع المنظورات التي يتم على أساسها تحديد مدلولهما؛ فهناك الاقتراب اللغوي، وهناك المنظور الاجتماعي (السوسيولوجي) والمنظور النفساني (السيكولوجي) المعنيين بتفسير ورصد العلاقة بين الوجودين والتطور التاريخي لعلاقة الفرد بالجماعة، وهناك الطرح الأيديولوجي والفلسفي. وعلى الصعيد الإسلامي فقد تعددت كذلك المنظورات ما بين المنظور الشرعي الذي يغلب عليه الطابع الفقهي والأصولي، وهناك على الجانب الآخر الاقتراب العقدي المذهبي.

في اللغة تشير المعاجم إلى الفرد بأنه “المنفرد المتوحد”[1]، أما الجماعة فهي “العدد الكثير من الناس (أو الشجر أو النبات .. إلخ)، أو هي طائفة من الناس يجمعها غرض واحد[2]. كما يطلق وصف الجماعة على الطَّائفةِ أو الفِرقةِ أو الأُمَّةِ الذين يرتَبِطون بمَنهَجٍ واحدٍ وهَدَفٍ واحِدٍ، ولم يتفَرَّقوا في الاعتقادِ والسُّلوكِ[3].

أما في التحليل الاجتماعي فقد عُرفت الجماعة بوصفها أيّ تجمع لفردين أو أكثر ينخرطون في شكل من أشكال التفاعل سواء الشخصي أو المهني، ويربطهم اشتراك في القيم والعادات مما يخلق توقعات مشتركة بين أعضاء تلك الجماعة.[4] وقد شُغل الفكر الاجتماعي بتفسير التحول التاريخي المفصلي (المفترض نظريًا) من نموذج العيش الفردي إلى النموذج الجمعي فقدّم العديد من النظريات؛ فمنها ما يرجع فكرة قيام أو نشوء المجتمعات إلى إرادة طوعية وحسابات عقلانية للأفراد سواء لتحقيق مستويات أعلى من الإشباع والمصالح الفردية من خلال انتمائهم لجماعة أكبر (النظرية النفعية لروادها بنتام وهربرت سبنسر وميل وبارسونز)[5]، أو أنه جاء تحت دوافع الأفراد لحماية حياتهم أو أمنهم و حماية قدر أكبر من حرياتهم وحقوقهم أو لحماية الملكية الخاصة (نظرية العقد الاجتماعي لأصحابها توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو)[6]. وهناك نظريات أخرى ترى أن نشوء المجتمعات هو مسألة تطورية تتجاوز إرادة الأفراد وإنما هي نتاج تعقد أنماط الحياة وأنماط الإنتاج خاصة مع عمليات تقسيم العمل (إميل دوركايم)[7]. وهناك اقترابات أخرى عزَت نشوء المجتمعات إلى تباين عناصر القوة بين أفراد المجتمع وما ترتب عليها من صراعات أنتجت غلبة الأقوياء وإخضاع الضعفاء أو نشوء ظاهرة السلطة والتشكيل الرأسي لهيراركية المجتمع. بينما طرح آخرون مثل ماركس مستوى آخر يتجاوز علاقات القوة الفردية إلى الصراعات بين الطبقات التي تتحدد طبقًا لنمط وعلاقات الإنتاج.[8] أما علم الاجتماع الإسلامي كما مثله رائده عبد الرحمن ابن خلدون فقد فسر نشوء الجماعات والمجتمعات تفسيرًا متعدد المشارب يجمع بين الاعتبارات النفسية والاجتماعية الفطرية التي جُبل الإنسان عليها من الحاجة للاجتماع بالآخرين، إلى الاعتبارات الاقتصادية والإنتاجية المرتبطة بسد الاحتياجات الأساسية للإنسان من خلال عمليات إنتاجية تقوم على تقسيم العمل، إلى عناصر القوة والصراع ما يحتم نشوء ظاهرة السلطة لتنظيم الجهود من أجل الوفاء باحتياجات الأمن والدفاع عن النفس[9].

خلافًا للمنظور الاجتماعي هناك المنظور النفسي وهما معنيان بتفسير الحالة الفردية والجمعية؛ الأول من زاوية الماكرو والثاني على مستوى المايكرو.[10] وعلى الجانب الآخر يقع المنظور الأيديولوجي المتعلق بالقناعات والتحيزات في رؤية العالم والذي انبثقت عنه عدة أيديولوجيات. طبقًا لهذا المنظور فقد افترقت نظم القيم إلى اتجاهين الأول اتجاه الفردانية individualism الذي يؤكد على محورية وأولوية حقوق الفرد.[11] والثاني هو الاتجاه الجمعي collectivism الذي يؤكد على محورية وأولوية الجماعة وتماسكها.[12] وانبثقت عن تيار الفردانية عدة أيديولوجيات مثل الليبرالية والوجودية ومنظومة حقوق الإنسان وأيديولوجية النوع الاجتماعي. بينما أطلق التيار الجمعي أيديولوجيات الشيوعية والاشتراكية والقومية والوطنية إلخ.

تتنوع المنظورات والمفاهيم كذلك في الأدبيات الإسلامية حسب فروع العلم المختلفة؛ ففي المصطلح الشرعي تتعدد معاني ومدلولات الجماعة (التي غالبًا ما تقترن بنوع من التقدير والمدح) فتارةً يُعنى بها الجيل الأول من الصحابة وتارةً يُعنى بها أهل الحل والعقد أو جمهور العلماء، وفي أغلب الاستخدامات يُقصد بها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على مصلحة من مصالحهم العظمى أو أمر من أمور دنياهم أو دينهم.[13]

وفي علوم التراث الإسلامي يلاحظ إعلاء قيمة ومنظور الجماعة على الفرد. وقد اعتمد هذا الاتجاه على العديد من الآيات والأحاديث النبوية التي حثت المؤمنين على التضامن والتعاضد والتزام الجماعة.[14] ولعل أبرز ما يدل على تعاظم الاتجاه الجمعي على حساب مفهوم الفرد في علوم التراث هو انحسار المساحة التي احتلها مفهوم الفرد في الجدليات التي شغلت علماء المسلمين والتي عنيت إلى حد كبير بمفهوم الجماعة وقضاياها. وعبَّر الفقه السياسي بقوة عن الاتجاه الجمعي إذ تمحورت أدبيات “السياسة الشرعية” حول قيم التزام الجماعة، وطاعة الإمام بوصفه يمثل مصلحة الجماعة الإسلامية ويعبر عنها، فاتفقت تلك الاجتهادات على استقلاله بوظائف الدولة وضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودرء الفتن ومواجهة البغاة والمحاربين.[15] ورغم المساحة العظمى التي تحتلها أحكام الأفراد في المنظومة الفقهية إلا أننا نلاحظ أن منحى أولوية الجماعة قد امتد إلى صميم علم أصول الفقه الذي يُقَعِّد للعملية الفقهية من خلال ما يسمى بفقه الأولويات الذي قال بأن الأحكام و”الفرائض المتعلقة بحقوق الجماعة مقدمة على الفرائض المتعلقة بحقوق الأفراد”، ودعم ذلك الرأي الشرعي بحجج عقلية مؤداها أنه لا بقاء للفرد إلا بالجماعة، وأن الفرد لا يستطيع أن يعيش وحده، فهو مدني بطبعه، كما قال القدماء. فالمرء قليل بنفسه، كثير بجماعته، بل هو عدم بنفسه، موجود بجماعته. ومن هنا كان الواجب المتعلق بحق الجماعة أو الأمة أوكد من الواجب المتعلق بحق الفرد.[16]

أما أدبيات علم الكلام وأصول الدين فقد انشغلت بتحديد مَن هي الجماعة التي امتدحها القرآن والسنة، فأشار فريق من العلماء إليها باعتبارها الكتلة الكبيرة من جماعة المؤمنين التي لا تجتمع على ضلالة أو إلى جماعة المسلمين التي لها إمام شرعي[17]. وحُمِّل هذا المفهوم – بعد اندلاع الفتنة الكبرى ونشوء الفرق والمذاهب العقدية والكلامية- مدلولًا سياسيًا في غالب استعمالاته فأصبح يشير إلى الكتلة الأعظم من الأمة التي لم تنسلخ ضمن الفرق المذهبية السياسية من الخوارج والمعتزلة والشيعة[18]. وأطلق على هذه الكتلة أهل “السنة والجماعة”.[19] لم يقتصر الأمر على الكتلة السنية فحيث أن مفهوم “الجماعة” في الأحاديث النبوية الشريفة قد ارتبط بعقيدة الفرقة الناجية فقد تنافست أغلب الفرق للفوز بادعاء أنها الجماعة الناجية المقصودة وإخراج غيرها منه تكفيرًا أو تفسيقًا. وفي مرحلة لاحقة امتد الانقسام إلى داخل الكتلة السنية الكبرى فانقسمت بين تيارين يدّعي كلٌ منهما حق التعبير أو تمثيل أهل السنة والجماعة ما بين تيار الفقهاء خاصة أهل الحديث والأثر وأتباع السلف الصالح من جانب[20]، والتيار العقدي والكلامي الذي جادل الفرق واشتبك مع مسائلها وعلى رأسهم الأشعرية والماتردية من جانب آخر[21]. ولا يزال هذا التنازع والخلاف ممتدًا حتى اليوم[22]، بينما تتصاعد الدعوات إلى نبذ ذلك الميراث من الخلافات السياسية التاريخية وتصعيد المفهوم ليشمل مجموع الأمة الإسلامية بكافة مكوناتها تركيزًا على القواعد والقواسم المشتركة.[23]

 وكما اتضح من العرض السابق فقد تبنت أغلب المعالجات الخاصة بعلاقة الفرد والجماعة في التراث الإسلامي موقف تغليب كفة الجماعة على الفرد وإعطائها الأولوية والأفضلية. ويلاحظ أن تيارًا من الاجتهادات الإسلامية المعاصرة ينحو في الوقت الحالي إلى التأكيد على التوازن لا الأفضلية بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة في الإسلام في ظل تجارب تاريخية مريرة محصلتها على العموم الإطاحة بالحقوق الفردية والتضحية الجسيمة بالأفراد بدعوة حماية الجماعة. ويدعم حركة هذا التيار نحو مزيد من التوازن بين الفرد والجماعة واقع صعود وتأثير خطاب حقوق الإنسان الفرد على المستوى العالمي.[24]

عن اقتراب البحث: قضية الوجود والماهية والاقتراب الفكري

إن السؤال الأساسي الذي يدور حوله البحث ليس هو قضية الحقوق والالتزامات بين الفرد والجماعة من منظور إسلامي، بل هو قضية الوجود والماهية. وعليه فإن البحث في “وجودية” الفرد والجماعة وأيهما أكثر أصالة وتعبيرًا عن ماهية الإنسان من منظور إسلامي لا يمكن أن يكون من خلال الاقتراب الفقهي المعنيّ بالأحكام والحقوق والواجبات، والذي يقفز تلقائيًا على السطح في أغلب المعالجات الإسلامية، بل يتعين أن يتم ذلك من مقترب فكري قد يتلامس أحيانًا مع المنحى الفلسفي وقد يقترب من المنحى العقدي المتعلق بالمنظورات العقدية الكلية وكلاهما يجتمعان في بوتقة واحدة هي الطرح الفكري. وهنا لا بد من وقفة مع مفهوم الفكر الإسلامي كمفهوم حديث التسمية قديم الوجود. كذلك من الأهمية بمكان وضع الحدود الفاصلة بين مفهوم الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي حيث يشيع الخلط بينهما من جانب القارئ غير المتخصص مما قد يتسبب أحيانًا في عواقب أقل ما توصف به أنها خطيرة.

إن كلًا من الفقه والفكر الإسلامي يتخذ من القرآن والسنة مصادر مرجعية له ينهل منها لتوليد منتجه البحثي. كما أن كلًا منهما يقوم على اجتهاد الباحث في استنباط المعاني من النص (أحكامًا كانت أم أفكارًا). غير أن هناك اختلاف كبير في منهجية الاجتهاد؛ فالفقه يقوم على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فهو يتعامل مع وحدات صغيرة من النص المرجعي (آية أو عدد قليل من الآيات مثلًا) يقوم خلالها بالاستنباط المباشر الواضح الدلالة أو القياس المعلل الواضح العلة لاكتشاف الحكم. وهذا التعامل التفصيلي الواضح والمباشر يتفق مع خطورة المهمة المعلقة على عاتقه، وهي إخراج أحكام ملزمة تتعلق بالحلال والحرام.

يأتي على الجانب الآخر اجتهاد الفكر الإسلامي؛ ويقوم هذا النمط على الاجتهاد لاستنباط أفكار عامة وليس أحكامًا، كما أن حقل اجتهاده لا يقف عند الآية والآيتين متوخيًا الأدلة التفصيلية للحكم، بل يتخذ من مجمل النص (القرآن أو السنة أو كلاهما) وأحيانًا مجمل الخطاب الديني (الذي يضم إلى جانب الدليلين المرجعيين نتاج تراث العلوم الدينية) يتخذ من هذه القماشة الواسعة قاعدة لاجتهاده في استنباط الأفكار وليس الأحكام. وعليه فإن مساحة المكوّن الاجتهادي أو بمعنى أصح مساحة المساهمة التي يقوم بها الباحث في تشكيل الفكرة تكون أكبر بكثير من تلك التي يقوم بها المجتهد الفقهي. كما أن أفكار الباحث المسبقة وقناعاته الشخصية ومنظومة قيمه وقراءته للوجود تلعب دورًا مهمًا في توليد أفكاره. من ناحية أخرى فإن مساحة الحرية الفكرية التي يمارسها الباحث في التعامل مع النص تكون أكبر بكثير من حرية الفقيه، لذلك يقع الكثير من المفكرين في فخ التحيز والانتقائية.

تمثل علاقة النص بالواقع أيضًا أحد الجوانب المهمة التي يفترق عندها المفكر المجتهد عن الفقيه المجتهد؛ فبينما يسعى الفقيه إلى تنظيم الواقع طبقًا لأحكام النص، فإن المفكر يتوخى من بحثه مزيدًا من الفهم والتفسير للواقع. وبينما ينطلق الفقيه من النص لبناء قواعده فإن الباحث في مجال الفكر ينطلق من الواقع نحو النص؛ فالواقع التاريخي يطرح على ذهنية الباحث في الفكر الإسلامي أسئلته التي تشغل أبناء عصره فينطلق من تلك الأسئلة نحو النص مستهديًا للبحث عن الأجوبة. وهناك دور آخر مهم يلعبه الواقع في البحث الفكري ألا وهو الأهمية البالغة لجمعه بين “الوحي والوجود” في المنظومة الفكرية، بمعنى أن الآيات الوجودية والكونية تتضافر في هذه المنظومة مع آيات الكتاب باعتبارهما معا تعبير عن إرادة الخالق. وإذا كان الشارع قد حث في القرآن الكريم على التفكر في الآيات الوجودية وصنّفها ما بين سنن كونية وسنن تاريخية اجتماعية تتعلق بصيرورة الإنسان ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ…﴾ (العنكبوت: 20)، أو ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ (غافر: 21). فإن البحث الفكري معنيّ بصورة أكبر بتلك السنن المتعلقة بتطور الإنسان والمجتمع وقواعدها. وهنا لا بد أن يكون التمييز واضحًا بين حقائق وقواعد تفسير الوجود وحركة التاريخ وبين النظريات الافتراضية للتفسير التي هي مجرد تصورات مفترضة من باحثين لحركة التاريخ مثل نظريات النشوء والتطور أو نظريات الجدلية المادية وصراع الطبقات.

وأخيرًا – وهذا ما يجب أن يعيه القارئ جيدًا – فإن ما ينتجه المفكر هو أفكار محل نقاش يُتفق أو يُختلف عليها وأحيانًا تنبثق منها طروحات أيديولوجية تعكس قراءة المفكر أو مجموعة مفكرين للنص وليس بالضرورة ما أراده النص. والحقيقة التي يجب أن ندركها إن جانبًا كبيرًا من الموروث العلمي الإسلامي (مثل علم الكلام مثلًا) يضاف اليه جل ما أنتجه الفكر الإسلامي المعاصر إنما يقع داخل تصنيف “الفكر أو الاجتهاد الفكري” بكل ما أشرنا إليه من حدود وسمات وخصائص. وقد تسبب خلط العامة بين القراءة الفكرية والقراءة الشرعية (الفقهية) في دخول أتباع ومناصرين ومتحزبين لهذا الفكر أو ذاك فتحولت بعض تلك الإنتاجات الفكرية من “آراء وقراءات فكرية” إلى مذاهب وتيارات أيديولوجية فجرت صراعات سياسية نتاجًا لخلافات بين هذا التيار أو ذاك. ولعل أهم تجليات تلك الظاهرة تمثل قديمًا في مذاهب الاعتزال والخوارج وتنوعاتها الداخلية ومذاهب الشيعة بتدرجاتها المختلفة التي نسجت منظومات كاملة حول فكرة وتأويلات مفهوم الإمامة أو مفاهيم الفسق والعدل الإلهي وغيرها. وفي العصر الحديث تجددت نفس الظاهرة نتاجًا لالتفاف المناصرين والأتباع حول محاور فكرية بلورها مفكرون بعينهم ورفعوها فوق غيرها مثل أفكار “الحاكمية” و”جاهلية المجتمع المسلم المعاصر” و”الجهاد”.

ومع ذلك فإن ظاهرة الأدلجة والتمذهب ليست بالضرورة حتمية في المعالجة الفكرية وهي لا تغمر كافة إنتاجات الفكر الإسلامي ولا تقلل من أهميته وقيمته، لأن الفكر الإسلامي يُعنى باكتشاف أسئلة مهمة للمسلم تتجاوز حدود افعل ولا تفعل، إنه يُعنى بطرح التساؤلات والإجابات حول المنظورات الكبرى والقضايا الشمولية للإنسان مثل نظرة الدين للوجود وللإنسان وغاية وجوده وعلاقته بالخالق.. إلى آخر تلك الأسئلة التي تقع خارج حدود اهتمام الفقهاء. الأمر الثاني أن مناط الاقتراب من غاية “الفكر” والتفكر الذي حث عليه القرآن الكريم والابتعاد عن “التحزب” و”المذهبية والأيديولوجية” أو الانحياز والهوى والإفراط أو التفريط التي ذمها القرآن ليس مستحيلًا، بل إنه يبقى بعون الله متاحًا مفتوحًا أمام الباحث بشروط تتعلق بمنهجية الاقتراب من النصوص الدينية وخاصة القرآنية. وبوضوح أكثر فإن تلك الغاية ترتهن بالابتعاد عن الانتقائية في التعامل مع النصوص التي يستند اليها التحليل والاجتهاد أولًا وأن يتسع استنباط الأفكار ليشمل التعامل مع كافة النصوص المعنية بقضية البحث ووضعها كلها موضع التحليل واستنباط النتائج. إن هذا المنهج يضمن – إذا اقترن بنزاهة التحليل والاستخلاصات- تقديم معالجات فكرية تقترب ما أمكن من مقصود الطرح الإيماني الإسلامي ويبقى على الله تعالى قصد السبيل.

ثانيًا: خصائص الوجود الفردي والجماعي في القرآن الكريم

يستهدف هذا القسم أن نضع يدنا على الخصائص التي يرسمها القرآن الكريم لكل من الفرد والجماعة من منظور “وجودي” كما سبقت الإشارة.

والوجود في المنظور الإسلامي ليس مسألة إنسانية محضة إنما يتخطى تلك الحدود؛ فهناك الوجود الأزلي الذي يخص خالق الكون وهو أم القضايا الغيبية التي تتجاوز العقل البشري. وهناك الوجود المحدَث المتعلق بالمخلوقات التي خلقها الله لعبادته. وبهذين المحورين الخالق والمخلوق تتشكل أبعاد القضية الوجودية في الطرح الديني والإسلامي. لكن بين سائر المخلوقات العابدة تبرز قضية وجودية الإنسان على وجه الخصوص باعتبارها الأهم والأكثر جدلية في نفس الوقت. ومما يزيد الأمر تعقيدًا هو أن مفهوم الوجود في الطرح الإسلامي لا يقتصر فحسب على الوجود الدنيوي “على الأرض” بل يمتد إلى ما قبل ذلك في مرحلة “الخلق” وما بعد الدنيا إلى مرحلة الدينونة والحساب.

وفي السطور التالية بحث في موقع كل من الفرد والجماعة في كل من مستويات الوجود الثلاثة: الخلق والابتلاء الدنيوي والحساب.

1. الفرد في القرآن .. وجوده في أزمنة الإنسان الثلاثة ونماذجه

في هذا السياق الوجودي الثلاثي متعدد العوالم يبرزالإنسان الفرد ككائن حسي دنيوي من ناحية وكيان ميتافيزيقي متجاوز للعالم الأرضي في نفس الآن. بمعنى آخر فإن الإنسان الفرد له امتدادات وجودية في عالم الحقيقة السابق على “مسرح التجربة والاختبار الدنيوي” واللاحق عليه. وفيما يلي محاولة لاستكشاف مسألة أصالة الوجود الفردي من خلال رصد ملامح هذا الوجود وخصائصه في عالم الحقيقة وعالم العرض على السواء.

أ. مرحلة الخلق: والإنسان الممكن

يقدم المنظور الوجودي للإسلام عالميّ الغيب سواء مرحلة الخلق أو مرحلة الدينونة (ما بعد الموت حيث البعث والحساب) باعتباره عالم الحقيقة وملكوت الخالق.

وأول الوجود الميتافيزيقي للإنسان/الفرد في عالم الحقيقة هو مرحلة الخلق: حيث يمكن أن نفهم من النص القرآني أن الله تعالى قد بدأ خلق الإنسان في تلك المرحلة على صورة فردية/معنوية وليس ككتلة جمعية من البشر. ويفهم من الآيات – والله أعلم- أن مبدأ الإنسان الفرد المخلوق جاء بمعنى شديد الخصوصية، فهو أولًا “نفس” غير متجسدة، إنسان غير متعيّن وإنما يمكن أن نصفه بالإنسان العام أو بالكُنه والجوهر الإنساني الذي عبّر عنه النص القرآني بلفظ النفس. فهو أقرب لما نعرفه في عالمنا المعاصر بالقالب أو القطعة الأصلية the master piece التي تحمل كافة الصفات الجوهرية ومنها وعلى غرارها يتم طبع وحدات ذلك المخلوق/المنتج أو تكثيرها رغم اختلاف ألوانها وتفاصيلها العارضة.

يفيد النص القرآني بأن مبدأ الخلق أو جذر الإنسان في عالم الغيب الذي طبعت فيه كل مقومات الإنسانية وعناصر الفطرة وقابليات الخير والشر ومكونات الضعف والقوة إنما هو نفس واحدة. فأصل الخلق نفس واحدة مفردة، يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا…﴾ (الأعراف: 189). وتختلف وضعية الإنسان في تلك المرحلة عن المرحلة التالية عليها وهي المرحلة الدنيوية المطبوعة بسمات الحسية والمادية وإحداثيات الزمان والمكان، بأن الله تعالى قد منح الإنسان في الأخيرة أمران؛ أولهما إضافة وبناء الجسد المادي الملموس حول الجوهر (النفس)، والثاني هو تكثير الذات الإنسانية وإنتاجها في صيغة ذوات متعينة وآحاد كُثر متحدين في الجوهر الإنساني متباينين في الخصائص، يحمل كلٌ منهم شكلًا وظروفًا وموقعًا في الحياة وأسماء وقدرات ومكنات وقدرًا ومصيرًا منفردًا. وقد بدأت بوادر تلك المرحلة في الملأ الأعلى بتعيين أبو الخلق آدم ثم زوجه، ربما توضح الآية التالية هذا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء…﴾ (النساء: 1).

إن مرحلة خلق الإنسان/النفس وتشكيله هي من الغيب الذي خصّ الخالق بها نفسه. لكنها تكتسب أهمية كبيرة في فهم الإنسان ومنظور الدين له، ما يستدعي محاولة استقراء خصائص تلك المرحلة من الآيات المتناثرة حولها دون تعسف أو افتئات مع الاحتفاظ بمساحة الغيب المخصوص بالخالق.

إنها مرحلة طبع الفطرة الإنسانية على حقيقة الإنسان أو جوهره الذي يحمل القواسم العامة المشتركة لبني البشر. وقد فطر الله تعالى الجوهر الإنساني العام أو الإنسان/ النفس على نحو يجمع بين مساحة من الجبلة أو الطبع (الذي أسماه تعالى بالفطرة) وأهم عناصرها زرع مُكنتي الخير والشر وإدراكهما، إلى جانب الإرادة والقدرة على الاختيار بينهما المتروكة لكل إنسان فرد على حدة، يقول تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 7- 10). إن عملية تشكيل النفس وطبع فطرتها إنما هي أقرب لما يمكن أن نسميه بصياغة “برنامج تشغيل الإنسان” في مختلف أبعاده وتغذيته بقواعد التشغيل الرئيسية على الجوانب المادية والمعنوية والأخلاقية والعقدية بما يؤهله للتعامل مع معطيات الحياة الدنيا. ومع بدء تجربة آدم وحواء انتقل خلق الإنسان من مرحلة التجريد إلى مرحلة التعيين تمهيدًا لتكثير البشر إلى ذوات متعينة كل منهم يحمل خصائص الإنسان المشتركة وخصائص ذاته المتعينة، كما يحمل في عنقه مسئوليته الفردية. ومع خلق آدم وزوجه أيضًا بدأ تشغيل هذا البرنامج ليتكرر مع كل واحد من ملايين البشر حسب ما تستقبل ذاته المتعينة من معطيات وتغذي من مدخلات وتوظف من نتائج وتنشط أو تهمش من إمكانيات وتفسر أو تهمل من مدخلات.

كما يفيد القرآن الكريم بأن رحمة الله بالإنسان قد رافقت عدله وأنه قد جعل الإنسان أقرب إدراكًا للإيمان إذا أعمل عقله وضميره، وهذا ما يشير اليه تعالى من وجود ما يعرف بـ “الميثاق” بين الإنسان الفطري العام وبين خالقه.. ويفهم أن الله قد زرع في فطرة الإنسان بطبيعته إدراكًا لخالق الكون ولحقُه في الإيمان والشكر والطاعة، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف: 172- 173).

ب. الاختبار الدنيوي وقاعدة المسئولية الفردية

عرَف الطرح القرآني عالم الشهادة أو الحياة الدنيا تعريفًا خاصًا يجعل منها مرحلة انتقالية وسيطة بين عالمي الغيب. لكن ذلك الطابع المؤقت والانتقالي لا يقلل من أهمية المرحلة الدنيوية في منظومة الوجودية بالمنظور الإسلامي؛ فقد حدد الخالق وظيفتها في امتحان أو ابتلاء الإنسان ومدى التزامه بتحقيق غايات الخلق في عبادة الله والخيرية بشتى صورها وعلى أساس هذا الاختبار يتحدد مصير الإنسان الأخروي الخالد إن في الجنة أو الجحيم. رغم أهميتها، فإن الدنيا تبقى مرحلة وظيفية لعبور الإنسان، أما ما يمر به من تفاصيل الحياة وملابساتها فهي مجرد ظواهر وعوارض مؤقتة تلزم فقط عملية الاختبار وتتلاشى مع الموت، لذلك وصفت أعراض الدنيا باعتبارها عالمًا من الوهم والخيال يمتلئ بالكثير من الأباطيل والضلالات أو “اللهو والزينة” التي وجدت لاختبار اهتداء الإنسان للخالق واختيار عبادته وطاعته[25].

ولأن الله تعالى جعل الحياة الدنيا بمثابة الاختبار الأساسي للإنسان ووظيفته التي حددها له وهي عبادته وطاعته، وجعل منها فرصته الوحيدة للخلاص، فقد جعل سبحانه حق الإنسان في الحياة واستثمار فرصته فيها حقًا مقدسًا لا يجوز انتزاعه إلا من خالق الإنسان أو وفق أحكامه.[26]

وفي عالم العرض الدنيوي بقيت “النفس” هي جوهر الإنسان وكنهه. إنها مركز الإرادة، والاختيار، والنية، والفعل، والغاية، والقصد، والقيم، والأخلاق، والإيمان، والكفر. لكن بروز الدنيا بخصائصها المادية والحسية جعل الخالق يضيف إلى النفس بنية مادية (الجسد) تحل بها النفس بما يناسب مادية الواقع الدنيوي. وبينما جعل النفس مناط المسئولية الإنسانية والتكليف والحساب، فقد جعل الجسد مجرد أداة منقادة للنفس، وهذا ما يفسر العلاقة القلقة والجدلية بين النفس والجسد في الحياة الدنيا. لكن الخالق سبحانه أعلى قيمة النفس وقضى أنه لو حدث تعارض بين الاثنين لغلبت العناصر المعنوية، لذلك لا تحتسب معصية الجسد غير المقرونة بنية وإرادة المعصية كالمعصية عن إكراه واضطرار.

مُنح الإنسان في تجربته الدنيوية العقل والإرادة وحرية الاختيار لتغيير مصيره وتزكية أو تدسية فطرته المطبوعة. وقد علم الله أن السلوك العام للإنسان سيكون في الأغلب الأعم المخالفة والجحود والكفران: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (هود: ٩-١٠)، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (الإسراء: ٦٧). كما علم أنه رغم نعمة العقل الممنوحة للإنسان فإن تنكبه طريق الصواب والهداية قد ينبع من شعوره بالقوة إن امتلك زمامها ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (العلق: ٦- ٨). وقد يضل الإنسان نتيجة الهوى والشهوة أو العجلة وقصر النظر وغياب التقدير الرشيد للعواقب ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (الروم: ٣٦)، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (الزمر: ٨).

رغم علم الله اليقيني بثبوت هذه الخصال التي تدل على الضعف والخسران في الغالبية العظمى من الناس في الحياة إلا أنه تعالى أبى إلا أن يفتح الباب كاملًا للتجربة الدنيوية المعاشة للجميع حتى وإن لم ينجح فيها إلا القلة القليلة، يقول تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر). ويقول: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: 103).

لذلك أقام الخالق تجربة الإنسان العظمى في حياته الدنيوية على المسئولية الفردية لكل شخص على حدة وجعل الله الفعل الإيماني أو الكفري للفرد هو مناط الحساب والثواب والعقاب، وهو فعل فردي بامتياز. يقول تعالي: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 1١١).

ج- الجزاء والحساب الأخروي .. حالة فردية خالصة

إذا كانت الحياة الدنيا هي بمثابة “العقدة” The plot  في قصة الإنسان، فإن الغاية والحل والمصير في هذه القصة يكمن في موقف الحساب ثم الجزاء في الحياة الآخرة التي يصفها الخالق بأنها الحق أو الحقيقة. في الآخرة تحكم قاعدة الإنسان الفرد المشهد العظيم بكل تفاصيله. يتجلى الوجود الفردي في أعمق صوره متمثلًا في تخلص الإنسان وتجرده من العلائق والمؤثرات الجمعية المحيطة به في الدنيا حتى ما كان منها شديد التأثير عليه مثل مشاعر الحب والارتباط الاجتماعي وروابط الدم. فالإنسان في الآخرة يكون ممعنًا في ذاتيته وخلاصه الفردي، وتبدو كل العلائق الاجتماعية بمثابة إضافات دخيلة، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (الأنعام: 94). كما يفصل في أكثر من موضع أبعاد هذا التجرد المطلق للإنسان نحو ذاتيته وفرديته: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ (المعارج: 11-14). وبنفس المعني يقول تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: 33- 37).

ومن جانب الخالق سبحانه تتم عملية الحساب الأخروية على قاعدة الفردية أيضًا حيث يحاسب كل انسان عما عمل فقط. يقول تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء: 13- 15).

وتعني فردية الحساب ألا يحاسب الإنسان الفرد عما عمل الآخرون حتى وإن كانوا أقرب المقربين إليه. فالفردية في الآخرة هي عودة إلى أصل كينونة الإنسان التي تزول وتتراجع أمامها كل الأعراض الدنيوية ومنها العلاقات الاجتماعية ومتطلباتها. وقد أورد القرآن الكريم جدلًا خصبًا يؤكد قاعدة فردية الحساب، وهو ذلك المتعلق بادعاءات أناس كانوا تابعين ومنسحقين أمام آخرين أقوياء في الدنيا فتبعوهم دون تفكر أو تدبر أو إعمال لمسئوليتهم الفردية ظانين أن تلك العلاقات والترتيبات الاجتماعية خالدة. وهنا أكد القرآن الكريم سريان قاعدة المسئولية الفردية، بمعنى أن الأقوياء المضلِين وإن كان عليهم ذنب أكبر هو ذنب الإفساد إلا أن ذلك لا ينفي المسئولية الفردية للمضلَلَين عن فساد أنفسهم وأفعالهم. وفي كل الأحوال رفض الخالق تعالى من منطلق قاعدة المسئولية الفردية التي سنَّها للناس دعاوى ومطالبات أن يحاسب أحد نيابة عن الآخر، يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (العنكبوت: 12- 13).

نماذج الوعي والمسئولية الفردية في القرآن

من أهم أدوات التنشئة العقيدية التي اعتمدها الخطاب القرآني أسلوب ضرب الأمثلة وسرد العِبر وتقديم النماذج. واعتمد البيان القرآني في سرد السير على الربط بين الشخص والمعنى أو القيمة، وليس على المنظور البيوجرافي أو الكرونولوجي في الحكاية المغرِق في التشخيص والسيرة الذاتية للأفراد والأشخاص، على النحو المتبع في التوراة على سبيل المثال. فالسرد القرآني يركز على مناطق ومواقف معينة كاشفة في حياة هؤلاء الأفراد تحمل معانٍ لمن سيليهم، أما باقي حياتهم المعتادة فلا تقع تحت الضوء ولا تحظى بالاهتمام. في هذا السياق مثلا قُدمت قصة آدم وحواء في الجنة ونزولهما على الأرض مثلًا للإنسان في أخص خصائصه وهو الجمع بين الخير والشر بين الطمع والرجوع إلى الله والاعتراف بالذنب، بين الجحود والتوبة ورجاء رحمة الله. كما قُدم الأنبياء بوصفهم نماذج تجسد قيم ومعاني الإيمان والإصلاح والنضال والصبر والمثابرة على الحق وتحمل الأذى، وفي المقابل جاءت نماذج المؤمنين المصدقين رموزًا للاهتداء والاستجابة لهؤلاء الأنبياء والإخلاص للدين والنضال من أجله، مثل امرأة فرعون ومريم ابنة عمران (انظر التحريم10-11). وعلى الجانب الآخر قُدمت نماذج لأفراد مثلوا معاني الفساد والإفساد وسوء العاقبة مثل فرعون ا لذي مثل نموذجًا ورمزًا للظلم والطغيان والكِبر والاستعلاء والجحود، وقارون الذي قدّم نموذجًا للفسق والاغترار بالحياة وكفران نعمة الخالق.

من بين تلك النماذج لأفراد صالحين وفاسدين قدّم القرآن الكريم نموذجًا بارزًا له خصوصيته ومكانته الكبرى في تاريخ الإيمان والأديان، وهو نبي الله ابراهيم عليه السلام. يمثل إبراهيم عليه السلام بحق نموذج الإنسان الرباني الذي تدور جل تجربته الحياتية حول علاقته مع الله، إنْ باحثًا عنه ثم محاورًا وطائعًا شاكرًا لأنعمه لذلك استحق وصف القرآن له بـ “خليل الله”.

إن أعظم إنجاز لإبراهيم عليه السلام وما يتفرد به عن سواه هو أنه حقق وجسّد غاية الله من خلق الإنسان ومنحه أمانة العقل والاختيار، ألا وهي سعي الإنسان إلى الله بدافع من نفسه، وجهاده للاهتداء إلى الخالق الواحد بالتفكر والتدبر ثم الجهاد والصبر في عبادته وطاعته. لقد طرح إبراهيم في باكورة حياته على نفسه الأسئلة الوجودية الكبرى: وأهمها مَن خالقه وخالق الكون الذي يعيش فيه؟. طرحها بذاته وفي ذاته وعاش محنة البحث والتفكر الطويل والفشل إلى أن نجح بعقله في التوصل إلى الإجابة العظمى، أن الخالق ليس هو المخلوقات العظيمة المعجزة في الوجود، بل صانع هذه المخلوقات المتجلي بصنعته لا بذاته. عاش إبراهيم معاناة هائلة في التساؤل والبحث والجهاد، نقل القرآن الكريم ملامحها (انظر سورة الأنعام آيات 75-79). وكانت الإجابة الأخيرة والنهائية ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 79). كان هذا الكشف نتاج تلك المعاناة فكرة حقة استقرت في وجدانه وليس وحيًا من السماء. كانت هذه التجربة العميقة الثرية والمؤلمة انتصارًا من المخلوق الفرد الضعيف لرهان خالقه الأعظم عليه أمام الملائكة المكرمين: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30). ولم يقف جهاد إبراهيم فقط عند البحث عن خالقه حتى وجده، بل امتدت ما بعد ذلك إلى أداء حقوق الخالق العظيم في الطاعة التامة حتى في أصعب المواقف والمحن.

كانت تجربة إبراهيم تجربة نفسية فردية بامتياز، ولم ترتبط قيمة هذه التجربة بالبعثة إلى جماعة معينة كسائر الرسل، بل بالصراع مع نفسه وصولًا للحقيقة. ولم يكن صراع إبراهيم مع قومه وهدايته للجماعة هو الغاية أو الهدف قدر ما كانوا عاملًا مساعدًا لإنضاج التجربة الذاتية الفريدة لإبراهيم في الاهتداء إلى الخالق بالفطرة والعقل ولتحفيز نشاطه العقلي، وضميره، وأسئلته، ومعنوياته. ولذلك لم تنته قصة إبراهيم كسائر الرسل المبعوثين للأقوام الغابرة بهداية قومه أو بدمارهم، بل انتهت باعتزاله لهم بعد أن أدى تحدي وجوده معهم مهمته في خلق تجربته الإنسانية الفريدة. كان جوهر بعثة إبراهيم عليه السلام هو تجربته النفسية الفردانية العميقة في تفاعلها مع الله والكون، وسعيها للوصول للحقيقة بدءًا من حيرتها في البحث عن حقيقة الحياة، إلى توظيف قدراتها العقلية والحسية للوصول إلى إجابات لأسئلة الوجود، مرورًا بشكوكها وعثراتها ووصولًا إلى إيمانها وإصلاح هذه الذات وتوطينها على الصلاح ومقاومة الشيطان ونوازع الشر. هذه السيرة تجسد نضال الإنسان من أجل إصلاح ذاته لا تقل زخمًا وثراءً عن قصة الرسل من أجل إصلاح وهداية الآخرين. لعل عظمة وقيمة تلك التجربة تتجلى في أن خصّ الله تعالى في كتابه إبراهيم بوصف فريد لم يسبغه على أحد حين وصفه بأنه كان “أمة”، يقول تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٠). فتجربته في إصلاح الذات وهدايتها لا تقل عن تجربة إصلاح أمة وهدايتها. لقد بلغ من تقدير الخالق لتجربة إبراهيم عليه السلام أن أسبغ عليه كذلك صفة خليل الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ (النساء: 125). كما كافأه ربه بجعل النبوة والأنبياء المكلفين بهداية الناس في نسله، وكأن الله سبحانه وتعالى يحتفي بهذه الذات التي حققت بشكل مثالي غايته تعالى من خلق الإنسان.

ولتجربة إبراهيم عليه السلام في إصلاح وهداية ذاته دلالات هامة في قضية علاقة الفرد والجماعة. مفاد تلك التجربة أن صلاح الإنسان يبدأ بتنمية وعي ذاتي مستقل ونقدي إزاء الجماعة، وأن هداية الذات وإصلاحها تبدأ بتحريرها من أوهام وربقة وأسْر الموروثات الجمعية التي تضلل الإنسان وتمنعه من الرشادة وحسن تقدير الأمور، وأنه من الضروري طرح الأسئلة المبدئية حول صحة الموروثات والمسلمات الجمعية، ومقاومة الرضوخ لهيمنة الجماعة وضغوطها على عقل الإنسان وقلبه وضميره وعدم الانسياق الأعمى لسلطتها المكتسبة بالتقادم ونفوذها الثقافي. وهذا ما فعله إبراهيم عليه السلام في تجربته النضالية الفريدة. يقول الذكر الحكيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنبياء: 51- 54). لقد اشترك كافة الأنبياء مع إبراهيم عليه السلام في تجربة “الاغتراب” عن القيم والأعراف الجمعية لقومهم خاصة في مسألة الإيمان والعقيدة، كما اشتركوا في تجربة المعاناة والبحث عن حقيقة الخلق، وإن كانت الإجابة عن سؤال الأنبياء الوجودي قد وصلتهم من الله تعالى عبر الوحي. بل إن القرآن الكريم يخبرنا أن قضية الوعي المستقل والنقدي للحالة الجمعية على صعيد العقيدة واللجوء إلى التفكر والتدبر في قضية الخلق والخالق لم تكن أبدًا قصرًا على الأنبياء، بل هي صفة المهتدين المؤمنين، ويضرب القرآن الكريم أمثلة عدة لدور الفرد العادي في مواجهة باطل الجماعة منها قصة رجل أصحاب القرية الذي جاء من أقصى المدينة يحض أهلها على التفكر فيما جاء به المرسلون (يسين 13 وما بعدها). ثم هناك الحجاج المهم الذي قدمه مؤمن آل فرعون والذي خاض جدالًا رائعًا مع فرعون وملائه نصرة لموسى. وأهمية تلك النماذج التي أوردها القرآن الكريم هو بيان أهمية الفرد العادي في ممارسة مسئوليته الإنسانية في التفكر والتدبر في الخلق والخالق والانتصار لقضية الحق والإيمان.

والواقع أن تجربة إبراهيم عليه السلام مع العقل المؤمن في اهتدائه إلى الخالق لم تكتمل بحق إلا بوصول الرسالة المحمدية التي عممت تلك التجربة بأن اعتمدت الدعوة بشكل خالص على مخاطبة العقول والمنطق والتفكر والبصيرة في هدايتهم إلى الله بدلًا من المعجزات والآيات والخوارق. يقول تعالى موضحًا تلك الصلة بين رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وتجربة جده إبراهيم عليه السلام: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 123). وقال: ﴿قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 95- 96). وقال تعالى مثبتًا حق أمة محمد صلى الله عليه وسلم في وراثة إبراهيم عليه السلام وتجربته في الوحدانية: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 67- 68).

2. الجماعة في القرآن..

الجماعة هي المعادل الوجودي للفرد في الحياة، وهي في نفس الوقت البطانة البشرية الحاضنة والحامية له. إنها البيئة التي تغذي جانبًا كبيرًا من الحاجات العاطفية والاجتماعية والاقتصادية للفرد والمسئولة عن الكثير من خصائصه الاجتماعية وتشكيل جانب كبير من ثقافته وقِيمه ورؤيته للحياة. وفي السطور التالية سنحاول استقراء المنظور القرآني للجماعة من اقتراب وجودي. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى العناصر التالية باعتبارها من أهم خصائص الجماعة كما نستقرئها من القرآن الكريم:

أ. الجماعة ظاهرة عرضية دنيوية

السمة الأولى الملاحظة في سياق المقارنة بين الوجودين الفردي والجمعي هي أنه إذا كان للفرد مكان في عالم الحقيقة ما قبل وما بعد التجربة الدنيوية، فإن الجماعة تفتقر لهذا الوجود إلى حد كبير وتتجلى كظاهرة دنيوية بامتياز. فالإنسان – كما سبق أن أشرنا- قد خُلق فردًا ويعود يوم القيامة ليحاسب ويجازى فردًا. وقد انعكس هذا التوزيع الإلهي لمواقع الفرد والجماعة على طبيعة الخلق، فقد جعل الخالق سبحانه للفرد جوهرًا أو بُعدًا آخر أكثر تساميًا يقبل التعامل مع عالم الغيب وهو النفس، بينما يغلب على الجماعة كموجود الطابع الحسي، فهي ذات إحداثيات مادية محضة تتعلق بالوجود المكاني والزماني والديموجرافي، ولها هيكلية ترتكز على منظومة من علاقات القوة داخلها. بل إن ما يبدو أنه أبعاد “معنوية جمعية” إنما يفتقر إلى أي بُعد ميتافيزيقي أو ما بعد دنيوي، فهي إما عناصر تاريخية ثقافية محضة مثل ما يسمى بـ “الذاكرة الجماعية” أو أبعاد ذات طابع أسطوري وبلاغي مثل” روح الجماعة”.

ب. الجماعة ليست مكلفا أصليًا ولا تخضع للحساب والجزاء الأخروي

وهي نتيجة تترتب منطقيًا على الخاصية الأولى كونها ظاهرة دنيوية لا وجود لها ما وراء الحياة الدنيا الأرضية، سواء في مراحل الخلق أو الحساب والجزاء. ومع ذلك فقد يجادل البعض بأن هناك أصلية للوجود الجماعي انطلاقًا من مسألتين أو شبهتين:

– المسألة الأولي، الجماعة مخاطب له أحكام: فالخطاب القرآني يتضمن أوامر تتعلق بالجماعة، مثلًا أمره تعالى بأن يكون محور التفاعلات الجماعية بين الأفراد محورًا أخلاقيًا أساسه الخيرية والتزكية والفضل والاحسان، مثل قوله تعالى: ﴿… وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: 2). ومنها أوامر الجهاد مثلًا وما يعرف بفروض الكفاية. لكن إمعان النظر في تلك الأوامر يقودنا إلى استنتاج آخر مفاده أن تلك الأوامر والأحكام عامة موجهة للكثرة أو المجموع من الأفراد وليس للجماعة ككيان مطلق. والدليل على ذلك أن مخالفة تلك الأوامر لا تُرتب ذنوبًا على الجماعة في الآخرة، بل يقع الذنب على أفرادها تعيينًا، لذلك قيل بأنه إذا لم يقُم بعض الأفراد بتلك الفروض الكفائية التي كلفت بها الجماعة فإن جميع الأفراد يأثمون. فهل يعني ذلك أن الجماعة مكلف؟ والإجابة لا بكل تأكيد، وإلا ترتب على ذلك أن يكون للجماعة حساب وثواب وعقاب على أساس جمعي.

– والمسألة أو الشبهة الثانية تتحدى تلك النتيجة إذ يستنبط البعض بأن ثمة عناصر للحساب الأخروي تتم على أساس جماعي، كما تدل ظاهرًا بعض آيات قرآنية أهمها الآيات الثلاثة الواردة في سورة النمل، إذ يقول الذكر الحكيم ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ﴾ (النمل: 83- 85). ويقول تعالي: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 28).

والواقع أن التأمل في الآيات السابقة يدل على أن الوقائع التي تشير اليها لا تدخل مطلقًا في صميم عملية الحساب، بل في مسألتين من مسائل الآخرة تدخلان في باب الفرعيات لا الجوهر، مسألتان هما أشبه بما نعرفه في عالمنا المعاصر باسم “اللوجستيات”: المسألة الأولي هي باب التفويج والحشر استعدادًا للحساب؛ فالحشر كما تدل عديد من الآيات يكون بحشد الأمم وشهودها وأنبيائها وصالحيها ومجرميها ونخبتها وعامتها، ثم يتم الحساب فردًا فردًا. والمسألة الثانية هي إشراق وتجلية الحقيقة التي اختلف عليها الناس في الدنيا، حيث من علامات الآخرة ظهور حقيقة الوجود والإله والحق والباطل جلية واضحة للجميع دون تباين، أو لبس، أو خداع، أو ضلالات، تحول دون تجليها في أذهان الجميع على اختلافهم واختلاف أحوالهم في الحياة الدنيا. وتشير بعض آيات القرآن إلى حدوث ذلك من خلال إشراق الحقيقة على عقول البشر المحتشدين، يقول تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق: 20- 22). كما تشير آيات أخرى إلى ظهور إثباتات هذه الحقيقة المشرقة من خلال اعتراف البعض كإبليس والطواغيت المعبودة بأنها إفك أمام الجموع التي سبق واتبعتها، فيصبح الجميع أمام حقيقة واحدة، وتتجلي الحقيقة واضحة أمام أعين الجميع بلا خلاف أو قدرة على المكابرة والإنكار. يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ {28/74} وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (القصص: 74- 75).

ويبقى الحشر وتجلي الحقيقة على قلوب البشر هما مجرد إجراءات تمهيدية تمهد للحدث الأعظم والأهم وهو الحساب الفردي الذي يمهد بدوره للثواب والعقاب. فبعد الحشر الذي هو أحد مشاهد وأهوال يوم القيامة، وبعد تجلية الحقيقة من القائم بحساب الناس بشأن فساد أو صحة هذه العقيدة أو تلك يكون المثول والتقييم والميزان على أساس فردي لكل إنسان حسب موقفه الشخصي وأعماله، يقول تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (مريم: 93- 95). يمكن أن نتصور ذلك على سبيل المثال في حشر قوم فرعون جميعًا وبيان فساد عقيدتهم على الجمع منهم، ثم يبدأ الحساب وتحديد المصائر فرادى لتتباين مصائر آل فرعون تباينًا هائلًا ما بين فرعون الذي يتقدمهم إلى جهنم وبين زوجه المؤمنة التي جعلها الله مثلًا للذين آمنوا وكتب لها الله الجنة، وما بين هامان بكفره وذلك الذي آمن من آل فرعون وكانت له أعظم المقالات وأشجعها دفاعًا عن موسي في قلب موطن الكفر، ثم ما بين آحاد ملأ فرعون الذين شجعوه وحرضوه على الكفر والبغي وبين آحاد السحرة التائبين الذين فاءوا إلى الله وعُذبوا نظير إيمانهم فوعدهم الله الجنة. لعل هذا ما يوضح الفارق بين الحشر الجماعي والحساب الفردي.

في الآخرة تقف آليات الجماعة عاجزة مشلولة عن أداء وظيفتها؛ فلا مجال لخطابات التحريك والحشد والتحريض الجمعي التي تعتمد على كثير من التضليل والإيهام والقدرة على الخداع. ففي الآخرة تنعدم فاعلية هذا الخطاب حيث يصبح الجميع قادرين على إدراك ورؤية الحقيقة دون زيف. كذلك تتعطل علاقات القوة والانقسام بين قلة قائدة وقاعدة منقادة، والتي تمثل أساس بنية التنظيم وهيكلية تشكل الجماعة. ويوضح القرآن الكريم ذلك فيما يورده من آيات عن وقائع يوم القيامة مثل قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ (إبراهيم: 21). وتختفي يوم القيامة حتى أشد الأواصر الجمعية قوة وحمية مثل المشاعر الطاغية للحب أو لقرابة الدم، كما تذوب المواريث الثقافية الجمعية الطاغية ومنها التقاليد التي تطغى على الإنسان وتغشي بصيرته والتي يرثها من انتمائه الجماعي قبليًا كان أو عنصريًا، قوميًا كان أو حضاريًا. تتنحى كل تلك التأثيرات الجمعية ولا يتذكر الإنسان إلا حقيقة واحدة هي خلاصه الفردي.

ج. للجماعات في المنظور القرآني أقدار وصيرورة تحددها سنن النشوء والفساد والفناء

إذا كانت الجماعة كائنًا دنيويًا له وجود مادي ومعنوي في الدنيا، فإنها كأي كيان حادث أو مخلوق لها بداية ونهاية، صيرورة وقدر ومصير. والمستفاد من القرآن الكريم أن الله تعالى قد جعل قدَر الجماعة ككائن دنيوي قدَرًا وجزاءً دنيويًا بدوره، وهذا ما نفهمه من قصص الأمم الغابرة مثل قوم عاد وثمود، ومدين، وآل فرعون، وغيرهم. وإذا كانت بعض الأمم قد اتخذ قدرها طابعًا تراجيديا ًحيث اختارها الله أن تكون عبرة للعالمين.[27] فإن قدر سائر الأمم يسير على السنة الإلهية المعلومة من الميلاد للصعود ثم إلى الضعف والزوال، وإن على مدى زمني أكبر، ويكون صعودها وزوالها تطبيقًا لسنن الاضطراد والأسباب وليس لخوارق السنن كالأمم المنكوبة. يقول تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: 34).

د- رغم دنيويتها وعرضيتها، فالجماعة ظاهرة مهمة في الوجود والاختبار الدنيوي للإنسان:

ما سبق أن تناولناه من خصائص يثير سؤالًا مهمًا: هل عرضية ودنيوية الجماعة تعني عدم أهميتها في المنظور القرآني؟

الإجابة قطعًا بالنفي، لأن انعدام أصلية الجماعة – من منظور الوجود الإنساني الأشمل المتجاوز للحالة الدنيوية- لا يعني اطلاقًا انعدام أهميتها، بل إن أهميتها تنبع من أهمية التجربة الدنيوية ذاتها التي تمثل الاختبار الأساسي والوحيد للإنسان الذي يحدد مصيره الأخروي.

إن الجماعة في أكثر معانيها عمومية – وهي المجتمع الإنساني- تمثل أحد السمات الأساسية للحياة على الأرض، والتي طبعت الإنسان فأصبح من سماته كونه كائنًا اجتماعيًا، كما عرفه العلماء.[28] فالجماعة بصرف النظر عن وضعها في عوالم ما قبل وبعد الدنيا هي مقوم أساسي من مقومات الحياة الدنيا التي لا تستقيم الحياة الإنسانية على الأرض بغيرها. إن علاقة الإنسان بالمجتمع هي أحد ضرورات وجوده بالنظر إلى الحاجات الأساسية التي يقوم الوفاء بها على الاعتماد المتبادل والعيش المشترك. ويعني ذلك عمليًا أن الناس لا يمكنهم أن يعيشوا فرادى، بل في شكل جماعات ذات غايات أو خصائص مشتركة أو متكاملة. ويلبي هذا العيش المشترك احتياجات الإنسان المادية والمعنوية مثل الحماية وكسب الرزق والتكاثر والإشباع العاطفي إلى آخره…

بناءً على ما سبق فإن التعامل مع الجماعة يمثل بدوره أحد التحديات المهمة التي يجب على الإنسان الفرد خوضها في اختباره الدنيوي، إذ هي مصدر للسعادة وللشقاء، للتحديات وللفرص، للصلاح والفساد، للإصلاح والإفساد. وباختصار هي مكوّن أساسي للابتلاء الدنيوي، يقول تعالي: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24). هذا الدور الدنيوي الأساسي للجماعة يعني أن الجماعة، وإن اختفت وجودًا يوم الدينونة، فإن أثرها يكون واضحًا ممثلًا في نجاح أو إخفاق الإنسان الفرد في التعامل معها، وما اكتسبه من رصيد للعمل الصالح أو السيئ نتيجة احتكاكه بالمجتمع الدنيوي. فأن تصبح الجماعة سرابًا ووهمًا ينجلي في الآخرة ويذوب كأن لم يكن، فلا تحمل من أوزار الفرد التي حملته إياها شيئًا عند الحساب، ذلك لا يقلل من أهميتها وتأثيرها على مصير الفرد يوم الدينونة، إذ يبقى تأثيرها في عمل الفرد وخياراته وفيما خلّفته لديه من رصيد العمل الصالح أو السيئ بما يسهم بدرجة كبيرة في تحديد مصير الإنسان الأخروي. فالعيش في جماعة خيّرة يعزز فرص الإنسان في الخيرية والصلاح والعكس صحيح، حيث يعزز انتماء الإنسان لجماعات فاسدة من فرص فساده وخسرانه.

لذلك فإن الخالق، واعترافًا منه بمحورية دور الجماعة في التأثير على الفرد وقراراته في الدنيا، يحض الأفراد على الالتحاق بتلك الجماعات إلى تدعم خيريتهم، والابتعاد عن تجمعات تحضهم على الشر والظلم والمخالفة، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ (الممتحنة: 13) ليظل المصير الإنساني في النهاية معلق على قرار فردي؛ فإيمان الأفراد يلحقهم تبعًا بجماعة المؤمنين، كما أن جحودهم يلحقهم بجماعة الفاسقين.

الجماعة النموذج والعبرة .. بني إسرائيل

من غايات الطرح القرآني لسيرورة الجماعات تقديم المثل والعبرة والنموذج العملي لمن يليهم، إن صلاحًا أو فسادًا. وفي سورة البقرة، التي تضمنت في جانب كبير منها خطابًا مباشرًا للأمم غير المحمدية من أهل الكتاب، وبعد خطاب طويل ثري وجّهه الشارع جل وعلا لبني اسرائيل حاملًا الكثير من التذكرة والعتب والنصح والتحذير واللوم والغضب والإدانة، توجه الخطاب القرآني بعد ذلك إلى المؤمنين طالبًا منهم الاعتبار والاستفادة من الخبرات الجماعية لأصحاب الرسالات السابقة في صياغة سلوكهم، يقول تعالى ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ﴾ (البقرة: 108).

قدم بنو إسرائيل نموذجًا بارزًا للأمة التي تشكلت نتيجة العديد من السمات المشتركة، منها روابط الدم والمعاناة المشتركة من الاضطهاد على يد فرعون وقومه. لكن أبرز تلك القواسم المشتركة تمثل في الرباط العقيدي الذي جمع بينهم متمثلًا في العقيدة اليهودية التي أنزلها الله على موسى عليه السلام، والتي انبثق منها نوعين من الالتزامات؛ شريعة تنظم علاقاتهم معًا، وعهد مشروط ينظم علاقتهم بالخالق. وقد استخدم القرآن في التعبير عنه مفهوم الميثاق يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ﴾ (البقرة: 83). تجلى الميثاق في تاريخ بني إسرائيل في لحظة وواقعة مادية بعينها يحددها الله سبحانه وتعالى بتشكيل وفد منهم يمثل فروع بني إسرائيل ليأخذوا العهد من الله في جبل الطور: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ﴾ (المائدة: 12). تعد هذه الواقعة بالإضافة إلى نزول الشريعة على موسى هي اللحظة الفارقة في تشكُل الجماعة من خلال اكتمال بُعدها العقدي بعد أن تشكلت ماديًا على أساس الدم والقرابة (نسل يعقوب) والخبرة المشتركة (الهجرة إلى مصر واضطهاد فرعون والخروج من مصر). ومن المنطقي القول بأن الميثاق لم ينعقد فقط مع جيل الرسالة الأول وإنما يمتد في عملية مستمرة تتجدد من خلال التحاق الأفراد من الأجيال التالية بهذا الدين والتزامهم به عبر عملية التنشئة الاجتماعية للأفراد التي تُعد أهم وظائف الجماعة.

إن تدبر قصة بني إسرائيل ضرورة للأمم التالية خاصة الأمم التوحيدية، لعلها تحتفظ بوعيها وسلامة عقيدتها إن أدركت ما يتربص بها من مخاطر؛ فقد اختار الله تعالي أن تكون بني إسرائيل هي الدرس العملي للجماعة، وقدمه لنا تفصيلًا من حيث النشأة ومختلف مراحل التطور وبيان أبعاد وجودها المعنوي والمادي ونقاط ضعفها وعناصر سقوطها والدروس التي تطرحها كعبرة. فقد دخلت جماعة بني إسرائيل منذ تشكلها في علاقة شد وجذب مع تعاليم السماء نسجت قصتها صعودًا وهبوطًا وانهيارًا، وأعطت – ولا تزال حتى اليوم – كثيرًا من الدروس؛ أهم تلك الدروس هو ذلك التناقض الكامن والحتمي بين منظومة القيم الجمعية حين تستفحل “الروح الجمعية” collectivism وتتسلط على الجماعة وأفرادها من جانب، وبين الدين بما يقتضيه من رشادة وعقل وأولوية للإصلاح وللإخلاص للعقيدة دون غيرها من جانب آخر. لقد تصورت الجماعة، منذ لحظة خروجها من مصر ونصر الله لها على آل فرعون ثم دعمه لها فيما واجهته من محن وغفرانه سقطاتها ومخالفاتها، أنها جماعة متفردة بالعناية الإلهية تحظى بالتفوق عن سائر البشر خصوصيةً ومصيرًا. وبدأت في تغذية هذه الفكرة وبناء مقوماتها الجمعية كأمة على أساسها، حتى على حساب عقيدتها وميثاقها المقدس مع الله؛ فكان نزوعها المستمر لاتخاذ رموز مادية مقدسة تجتمع حولها وتميزها عن سائر الأقوام بدءًا من عبادة العجل، ثم مطالبة موسى بتنصيب آلهة يجتمعون حولها كسائر الأمم، ثم بعد ذلك اقتباس أوثان تنتمي للكنعانيين وتقديسها بعد دخول الأرض المقدسة، كما تشير قصص التوراة في أكثر من موضع. وإذا كان الوجود الجمعي يحمل عناصر توتر وبذور تناقض مع فكرة الدين نتيجة صعود (عقيدة تقديس الجماعة) ومتطلبات تدعيمها، فإن هذا التناقض يزيد ويتفاقم مع تطور الجماعة بصيغتها الأولية إلى جماعة سياسية منظمة. تقول الدراسات الاجتماعية إن السلطة هي أحد لوازم أو حتميات الوجود الجمعي، لأن الجماعة وما ينشأ عن اجتماع الأفراد من صراعات نتيجة تضارب المصالح تقود إلى الحاجة إلى سلطة ذات حكم نافذ للفصل بين المتنازعين، إلى جانب الحاجة اليها لإدارة الصراعات مع الجماعات الأخرى. وتقدم قصة بني إسرائيل نموذجًا مثاليًا لهذه الصيرورة، فلم تكتف جماعة بني إسرائيل بلحمتها الدينية التي أودعها الخالق إياها، بل سعت حثيثًا للقوة واكتمال عناصر بناء جماعة سياسية تخوض صراعات على الأرض والثروة، فكان إلحاحهم الشديد على الخالق وعلى أنبيائهم بعد دخول الأرض المقدسة بأن يقيم عليهم ملوكًا غير مكتفين بالأنبياء الذين يهدونهم إلى صحيح الدين. إن التأمل في قضية السلطة الدنيوية التي أفرزها اجتماع الأفراد في جماعة وعلاقتها بالدين ليفضي للقول بوجود علاقة جدلية متوترة بين الاثنين، حيث تُطرح السلطة الأرضية في أفضل حالاتها كمنفذ لشريعة وإرادة الخالق، لكنها في حالات أخرى تقدم ذاتها كبديل أرضي لشريعة السماء. ولعل هذا ما جعل أغلب الطواغيت ترتبط بعبادة الحكام القائمين أو السالفين. وفي تحليل نموذج بني إسرائيل كجماعة تعبير عن هذا التوتر، وقد أشارت إليه النصوص التوراتية عند رصد قصة ظهور أول ملوك بني اسرائيل، حين ذكر الرب أن طلب بني إسرائيل بأن يكون لهم ملك إنما يعني في واقع الأمر رفضهم لله؛ تقول التوراة: “أنتم قد رفضتم اليوم إلهكم الذي هو مخلصكم من جميع الذين يسيئون اليكم ويضايقونكم وقلتم له، بل تجعل علينا ملكًا، فالآن امثلوا امام الرب حسب اسباطكم وألوفكم” سفر صموئيل الأول الاصحاح العاشر (10/ 19). وانعكس ذلك الإدراك أيضًا في صميم العقد الاجتماعي – إن جاز التعبير- لنشأة مملكة بني إسرائيل الأولى، فقد قامت حسب اتفاق صموئيل النبي مع بني إسرائيل على أن يصبحوا عبيدًا لملكهم وتصبح أموالهم ملكًا له (سفر صموئيل الأول). فكأن الشعب اليهودي حين نصب ملوكه قد استبدل (ولو جزئيًا أو رمزيًا أو حسب الإدراك اليهودي آنذاك) سلطة الرب والعبودية له بسلطة الملك ونقل عبوديته من الخالق اليه.

وتنطق قصة ملوك إسرائيل بذلك التنازع بين المنظومة الإلهية ومنظومة السلطة الأرضية الناشئة عن الاجتماع البشري مما يفضي بمصير كل جماعة وسلطة أرضية منظمة إلى الفساد المحتوم والسقوط الأخلاقي والإيماني. وقع هذا التناقض منذ بداية التجربة مع السلطة المنظمة ممثلة في شاول[29]، أول ملوك بني إسرائيل، الذي اختاره الله ونصّبه ملكًا على إسرائيل ونصره على أعدائه نصرًا مؤزرًا. لكنه، ورغم كل ما سبق كما تشير قصص التوراة، يعصي الرب من أجل إرضاء شعبه والتقرب لهم؛ فللحفاظ على وحدة الجماعة والتفافها حول الزعيم مقتضيات قد تغري القادة وتغويهم للتضحية بآخرتهم من أجل سلطتهم مرة أو من أجل وحدة الأمة والدولة مرة أخرى. هكذا فعل شاول أول ملوك بني اسرائيل وفعلها معظم من تلاه من ملوك بني إسرائيل.[30]

وقد كانت نشأة الجماعة المنظمة في صيغة الدولة إيذانًا باندفاع الجماعة الإسرائيلية بقوة نحو كل غوايات الوجود الجمعي وبناء الذات القومية، من القتل وسفك الدماء بغير حق والشرك والتآمر، بل والتجرؤ على كل من يتحدى مصالحهم وأهواءهم الجمعية الجديدة من المصلحين والأنبياء. ويلخص رب العزة هذه القصة فيقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ * وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 70- 71). ورغم الفرصة تلو الفرصة والغفران وإتاحة التوبة من قِبل الخالق، فقد كان تطور الروح الجمعية وأسطورة الشعب المختار وتغلُبها وعلوها على الضمير الديني مقرونًا بمزيد من المخالفة للميثاق وتكرار المخالفة والتحدي والتمرد من بني إسرائيل على الخالق، فاستحق في النهاية الغضب الإلهي، بل واللعنة. يقول تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾:” (المائدة: 13).

ثالثًا: المفاضلة بين الفرد والجماعة في المنظور القرآني.. (معياري الأصالة والخيرية)

يثير الحديث عن الأولوية على الفور مسألة معيار المفاضلة أو تحديد الأولوية. وفي هذا السياق يمكن افتراض معيارين للمفاضلة ومن ثم ترتيب العلاقة بين الفرد والجماعة، هما: أصالة الوجود في النظرة الكونية الإيمانية التي يقدمها الإسلام. والمعيار الثاني يتعلق بالخيرية، وهي القيمة الجامعة للمفاضلة في تلك المنظومة.

1. معيار الأصالة الوجودية: ونعرفها إجرائيًا في هذا البحث بمدى وجود أو ظهورvisibility الفرد والجماعة، وأهمية أدوارهما في المشاهد أو الفصول الأساسية لقصة حياة الإنسان كما يسردها القرآن الكريم، وما إذا كان هذا الدور أساسي أم ثانوي.

وينبني هذا التعريف الإجرائي لمفهوم الأصالة على اعتبارين: الأول هو الظهور أو الوجود الفردي والجماعي في المشاهد الثلاثة لوجود الإنسان (عالمي الغيب وعالم الشهادة). والاعتبار الثاني يتعلق بأهمية دور كل من الفرد والجماعة في تحديد المصير الإنساني بمفهومه الوجودي الأشمل، ويتحدد ذلك بقضية الأمانة التي حمّلها الله للإنسان (العبادة والطاعة)، وما يترتب عليها من “مسئولية إنسانية”؛ بمعنى آخر هل حُمِّلت هذه الأمانة وما يترتب عليها من مسئولية ومحاسبة للفرد أم الجماعة؟

فيما يتعلق بالبعد الأول فقد تبيّن من خصائص كل منهما – التي ناقشناها آنفًا- أن الوجود الفردي هو وحده الوجود المتجاوز والعابر لعوالم الحقيقة والشهادة، بينما ينحصر الوجود الجمعي في الدنيا فحسب. على الجانب الآخر فرغم أن إعمار الأرض وممارسة الخيرية يشترك فيه ظاهرًا الفرد والجماعة في الدنيا، إلا أن قاعدة “المسئولية الإنسانية” عن الفعل الدنيوي تحسم الأمر لصالح الفرد الذي علّق الله تعالى في عنقه تلك المسئولية حاكمًا كان أم محكومًا، قويًا أم ضعيفًا. إن المنظور الإسلامي للجماعة يخلو من الرؤية التجريدية التي تنظر للجماعة ككيان مطلق. فالجماعة في النهاية هي مجموع أفراد يحمل كلٌ منهم مسئوليته عن فعله ودوره الذي اختاره في الحياة الدنيا. ففي الآخرة حيث يقع “المشهد الأساسي” أو الموقعة الفاصلة للإنسان متمثلة في موقف حسابه عن أعماله، يليه الجزاء ثوابًا وعقابًا، يواجه الإنسان مصيره النهائي ويحصد نتيجة سعيه في الدنيا فردًا. فالناس يحاسبون فردًا فردًا كل عن أعماله واختياراته وشكل ممارسته لمسئوليته الإنسانية وتصرفه في أمانة العقل والاختيار الحر والإرادة والقدرة على الفعل. ثم يجازى الإنسان أيضًا على أساس فردي إن ثوابًا أو عقابًا بينما تتلاشى الجماعة (في المشهد العظيم) وتلوح من بعيد كظل من ظلال الدنيا وأحد عوارضها.

وإذا جاز أن نستخلص من التصور الديني السابق إجابة حول سؤال “أصلية الفرد أو الجماعة” فإن الإجابة كما هي بوضوح أن الفرد هو الصيغة الأصلية للإنسان، والجماعة هي مجرد صيغة فرعية دنيوية عارضة.

2. المعيار الثاني للمفاضلة…إشكالية الخيرية والصلاح بين الفرد والجماعة: يتعلق هذا الموضوع بالإجابة على سؤال مهم: أي الكيانين أقدر على استيعاب فكرة الخيرية التي هي غاية من غايات الخلق ومحور لتقييم الإنسان وحسابه؟

تبدو قضية الخيرية جد متباينة من حيث المفهوم بين مستويي الفرد والجماعة. إن قضية الخيرية والصلاح على المستوى الفردي هي قضية مباشرة وواضحة الدلالات تتشكل من تمثل واستيعاب الفرد مجمل الأوامر الإلهية من الأحكام الدينية والقواعد الأخلاقية للدين وآدابه الموجهة للإنسان بدءًا من الضرورات (لا تسرق لا تزْنِ لا تقتل) مرورًا بتعاليم بر الآباء وعدم إيذاء الناس ومساعدة الآخرين.. الخ وانتهاء بآداب الحديث وعدم الجهر بالسوء وإماطة الأذى عن الطريق.. إلخ. فالخيرية تغمر الدين من رأسه إلى قاعدته وتختلط بكل ما يحويه من عقائد وأحكام وآداب. وقد منح الله تعالى الإنسان الفرد مُكنات وأدوات التعرف على الخير والشر؛ فمنها الفطرة التي جبل الناس عليها: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 7- 10). ومنها عقل هو مطالب باستخدامه للوصول للحق، وإرادة لاختيار طريقه وقراراته، وضمير لمراجعته، وجوارح للتصرف. ثم أخيرًا أحاطه الله بالرسالة والهدي السماوي لإرشاده وهدايته: يقول تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ…﴾ (النساء: 165). في ظل هذه المنظومة المتكاملة تبدو قضية الخيرية للفرد واضحة ومباشرة دون تعقيد أو لبس. ولا يوجد ثَم عوائق هيكلية لدى الإنسان لاتباعها وإنما هي قضية إرادة واختيار يجزى عليها إن ثوابًا أو عقابًا.

على المستوى الجمعي تبدو الخيرية قضية شديدة التعقيد لأن الدين ليس المصدر الوحيد للقيم والأفكار الجمعية، بل إن الجماعة تطور منظومات مستقلة للعقائد والأفكار والقيم والأخلاق تصبح بدورها مصدرًا موازيًا قد يدعم الخيرية التي يعرفها الدين أو يناقضها كليًا أو جزئيًا. ويمكن تجلية التعقيدات المتعلقة بالخيرية على المستوى الجمعي في ضوء تلك المنظومات الجمعية وعلاقتها بالأخلاق وبمفهوم الخيرية من خلال النقاط الثلاثة التالية:

 أ- للجماعات منظومة عقدية مستقلة وموازية (لأيديولوجية الجمعية) قد تشتبك مع الدين اتفاقًا أو اختلافًا:

فالجماعة تتشكل ماديًا من التجمع والتصاهر والتجاور وتبادل المصالح، لكنها إلى جوار ذلك تتشكل معنويًا من بناء ما يسمي بـ “الذاكرة الجمعية”؛ التي تتكون من منظومة القيم والأفكار المشتركة عبر العرف، والتواتر، وبناء التراث والأساطير. وأهم الأسس التي تنبني عليها تلك الذاكرة الجماعية تمجيد الماضي والمراحل التاريخية الأولى لتأسيس الجماعة والفخر بالآباء العظام المؤسسين والماضي التليد سواء قام ذلك على حقائق أو خيال (وفي الغالب خلط بين هذا وذاك).

من الناحية الدينية ومن منظور علاقة الله بالإنسان فإن هذا البعد المعنوي لتشكل الجماعات كان وسيظل مصدر التوتر المزمن والعلاقة المضطربة بين التشكلات الجمعية والدين. لا يرجع هذا التوتر لكَون جزء من هذا التركيب المعنوي والروحي يقوم على كذب وأساطير مصنوعة، بل الأهم هو ذلك الطابع القداسي الذي يتم سحبه على ماضي وتراث وأعراف الجماعة، والذي يطاول، بل ويجُب في كثير من الأحيان عند تلك الجماعات قضية الدين ورسالات السماء؛ حيث تصبح أيديولوجية الجماعة إما بديلا عن الدين أو حكمًا عليه. من ناحية أخرى فإن تلك القدسية الأسطورية للموروث الجمعي تطلق ستارًا كثيفًا من التضليل على بصر الأفراد المنتمين للجماعة يتعلق بحسن وصواب تقديرهم للأمور كما تدخل في صراع مع الإرادة والعقل الفردي في الحساب العقلي الرشيد للأشياء والأفعال. فهم يفسرون كل شيء ويقدرونه بميزان هذه الذاكرة الأسطورية وما يحيط بها من القيم الجماعية على حساب العقل والرشادة والمراجعة. يعبر القرآن الكريم عن تلك الأزمة في كثير من مواضعه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (المائدة: 104). ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 23).. وهكذا اعتبر القرآن أن الأيديولوجية القائمة على تقديس تراث الأسلاف هو أساس فساد الجماعات.

ومن الجدير بالملاحظة أن هذا المرض الجمعي المتوطن لعبادة موروث الأسلاف وتقديس ما تركوه من قيم يسري على كل الجماعات بما في ذلك حتى الجماعات والفرق الدينية التي تنقاد انقيادًا أعمى لتعاليم ورؤى مؤسسيها، وتمثل تبعيتها الكاملة وتقليدها لأفكارهم شكلًا من أشكال التقديس حتى وإن لم تقل ذلك. بل إن القرآن الكريم يوضح لنا أن فساد الجماعة وأيديولوجيتها هو أيضًا المسؤول عن إفساد الأديان الكبرى من خلال نفس الآليات والديناميات الجمعية. يتم ذلك عبر بناء أيديولوجيات تتفرع من الدين ترتكز على تأويلات وتفسيرات خاصة توجه الدين وتغلقه وتحوله من نظام إنساني مفتوح يقبل التعدد إلى نظام منغلق ذو تفسير واحد. وعبر إطلاق القدسية على أصحاب هذه التفسيرات وما تركوه من تراث تصبح تلك التفسيرات والرؤى نصوصًا موازية تطغى على النصوص الإلهية المقدسة وتمارس قوة وسطوة على عقول أفراد الجماعة وتفرض حجابًا ثقيلًا يحجب رؤية الحقيقة. وفي سيرة بني إسرائيل نموذج لذلك؛ فالأحبار والمفسرون قد صاروا هم الآباء المبجلين الجدد للجماعة، والفرسيين هم حملة تراثهم وحرسته الذين يعلنون الحرب على كل عقل حر يتساءل أو يطالب بالإصلاح. وهؤلاء الكهنة يفسدون الدين بالتواطؤ مع مصالح الأقوياء وأهواء الجماعة في الاستعلاء من خلال اختراع واختلاق قيم لا علاقة لها بأصل الدين حول عظمة الجماعة ودونية الآخرين واستحلال الأغيار؛ فكما أحلت الأقوام السابقة لنفسها قطع الطريق والعدوان على مَن هم دونهم، اختلقت اليهودية- بعد أن صارت ايديولوجية قومية – فكرة شعب الله المختار ومنظومة الغيرية والأغيار وما يستحل فيهم من محرمات، حتى وإن كانت ضد منطق وجوهر الدين ذاته.

ولا يخرج المسار التاريخي للجماعة المسيحية والمسلمة عن هذا المصير في كثير؛ فقد خلقت المذاهب وما خلفته من فرق وجماعات متحوصلة دينًا غير الدين، ودخلت تلك الجماعات في صراع مع الأفراد المصلحين الثائرين على الأساطير الجمعية. وعندما آمنت بعض الجماعات بأفكار هؤلاء المصلحين وتحلقوا حولها دخلوا في دائرة جديدة من الأدلجة الجمعية وصولًا إلى ذات المصير، وكأن الجماعات (كبرت أم صغرت) قد قُدر عليها أن تبدأ بالوعي والإصلاح الفردي لتنتهي بالتضليل والفساد والإفساد الجمعي. وهو ما حذر منه القرآن الكريم حين وضع الدين المنزّل مقابل التمذهب والتحزب بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ “فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين اليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون” (الروم: 30- 32).

والواقع أن تحليل موقف الدين من الأيديولوجية الجمعية (أكانت “قومية” أو أممية أو طبقية أو ترتبط بفرقة أو حزب أو تيار) يرتبط بموقفه من مسألة أخرى مهمة هي قضية (الولاء)، بمعنى ذلك الرباط العاطفي الوشيج بين الفرد والجماعة التي ينتمي اليها. وقد حسم القرآن الكريم والسنة المشرفة هذه القضية بالتمييز بين درجتين من الولاء؛ درجة المودة والحب والإحسان والمعروف للجماعة التي ينتمي اليها الفرد، ولم ينه عنها القرآن الكريم، بل حث عليها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8). الدرجة الثانية هي “الولاية” حين لا يتوقف الرباط المعنوي بين الفرد والجماعة عند حدوده السابقة، بل يتصاعد أحيانًا لتصبح عقيدة مطلقة عمياء تجُبّ ما سواها حتى على حساب الحق والمنطق والعدل، وهو ما يوصف في التقاليد العربية بـ(العصبية). ذلك أن هذا المستوى من الولاء غالبًا ما يستتبعه قوى دفعية وحراكية مثل الخضوع، والطاعة، والنصرة، والفزعة، والانقياد، والتحشيد، والاحتشاد. وقد حسم القرآن الكريم موقفه من الولاية بأنها تنعقد للدين والعقيدة ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ…﴾ (المائدة: 55). ويثار هذا الحسم في الخيار بين هذا وذاك عند وجود تناقض أو خصومة حادة بين مسألتي الدين من ناحية والجماعة من ناحية أخرى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ…﴾ (الممتحنة: 1). ويقول ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24). وهي حالة لا تنعقد في كل وقت، بل الإنسان مدعوّ إلى التوفيق بين الإحسان إلى الأهل والعشيرة والولاية لله ولدينه ما أمكنه ذلك دون افتئات. ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: 15). وجدير بالذكر أن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بصلته بجماعته؛ خاصة جماعته الأم كانت أبلغ تعبير عن المفهوم الأول المرتبط بالمودة والإحسان، سواء ما قبل الهجرة أو ما بعد الفتح، فيما ظلت ولايته بلا منازع للعقيدة.

والخلاصة أن التشكيل المعنوي لوحدة وخصوصية الجماعة، غالبًا ما يفضي إلى تقديس التراث الجمعي وتطوير أيديولوجية جمعية ومنظومات قيمية موازية للدين قد تصل في حالات صارخة إلى حد الشرك بسبب إسباغ القدسية عليها. ويواجه هذا الخطر سائر الجماعات سواء منها ما تضخم كالأمم أو صغر كالأحزاب والفرق. ويُعد هذا أكبر تحد وخطر يواجه خيرية الجماعة من وجهة نظر الدين لأنه يضعها في مسار موازٍ له.

 ب- للجماعات منظومات أخلاقية موازية تتطور على أسس وضعية وتوافقية:

يترتب على حلول الجماعة كقيمة مستقلة في ذاتها في الوعي الجمعي أن تصبح الجماعة مصدرًا مستقلًا لبناء المنظومة الأخلاقية التي تتجلى في شكل الأعراف والعادات، والتي تصير موازية مع النظام الديني السماوي للأخلاق. هذا النظام الأخلاقي قد يتوافق مع المنظومة الدينية وقد يختلف أو يتناقض معها. فالمنظومة الأخلاقية الجمعية تتطور وفق ديناميات مختلفة نتاجًا للمصالح المشتركة والمزاج العام والمنحى الجمعي السائد للسلوك وتنتشر نتيجة للتوافق أو للاتفاق ودعم النخب وتبنيها والترويج لها. وعليه فإنه خلافًا للمنظومة الأخلاقية للدين التي تكاد تكون ثابتة منذ بدء الخليقة، فإن النظم الأخلاقية الجمعية تكون متغيرًا متباينًا حسب الزمان والمكان وطبيعة الجماعة. ولا تحمل الجماعة بالضرورة نظامًا خلقيًا أو قيميًا عاليًا. فقد تأتلف الجماعة على نظام خلقي متدن ينقلب فيه الصحيح خطًا والخطأ صوابًا. لكن هذا النظام الخلقي يصبح مجالًا للالتزام والهيمنة بحكم اتفاق الجماعة عليه وتراضيها حوله. وهذا ما أشارت إليه حالات الأقوام البائدة التي انتهي بها الحال إلى نظم من القيم فاسدة تمامًا أجمع الناس عليها، مثل قطع الطريق وبخس الناس أشياءهم أو ما هو أسوأ.. يقول تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ {29/28} أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (العنكبوت: ٢٨- ٢٩).

الإجماع على الفساد قد يقود الجماعة إلى قلب نظام القيم الإلهي رأسًا على عقب ومعاداة الفطرة بالعادة والعرف، وقد عبَّر عن تلك الحالة بعبارات واضحة قوم لوط عندما اعتبروا العفة والفطرة تهمة وجريمة مدانة تستحق العقاب في عرفهم الجمعي المريض المنحرف ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ…﴾ (النمل: 56)، حيث كانت حيثيات معاقبة قوم لوط لآل لوط هي التزامهم القواعد الفطرية المعتبرة من الأخلاق وعدم ارتكاب المفاسد والفواحش التي أجمعت عليها الجماعة فصارت منهجًا سلوكيًا مضطردًا سرعان ما أفرز نظامًا للقيم يدعم تلك الممارسات وينهي أي إحساس بالذنب إزاءها. وتمثل ظاهرة الفساد الأخلاقي الجمعي نقطة انتقال من مرحلة الصعود إلى مرحلة انهيار الجماعات على النحو الذي يشير اليه تاريخ الحضارات الكبرى مثل الحضارة اليونانية والرومانية وهو أحد مقومات إنفاذ القدر الإلهي بإفناء وزوال الجماعات.

ج- هيمنة منطق التنافس والصراع على الفكر الجمعي:

تلعب فكرة الصراع دورًا مهمًا في تشكيل الجماعة، سواء في تشكيل بنيتها الهرمية الداخلية التي تقوم على السلطة والقوة والانقسام الرأسي بين الحكام والمحكومين، أو كأحد الديناميات المهمة لتكريس التماسك الداخلي للجماعات من خلال تأكيد الخلافات والتمايزات عن الأقوام الآخرين؛ أو ما يعرف بتكتيك “خلق الأعداء” مما يدفع أعضاء الجماعة نحو التماسك لمواجهة الخصوم الخارجيين.

ويرتبط الصراع غالبًا بعلاقة عكسية مع الخيرية، إذ يقترن غالبًا بالقتل، والتآمر، واستحلال الأموال الأعراض. وحيث أن الصراع يمثل أحد حقائق الحياة الإنسانية التي لا مناص منها فقد نظمته الأديان كحالة استثنائية من خلال وضع مفاهيم “العقوبات المشروعة” و”الحروب المشروعة” ومواصفاتها وشروطها ومحرماتها. فماذا عن علاقة الصراع بالجماعة وديناميتها بعيدًا عن الرؤية الدينية؟

تلعب الجماعات وعلاقاتها دورًا مهمًا في حركة التاريخ الدنيوي وتقلباته وصيرورته، سواء من خلال آليات الجماعة الداخلية أو عبر جدلية العلاقة بين الجماعات المختلفة. وفي الأولى أوضح الذكر الحكيم ذلك بالإشارة إلى دورة حياة الجماعة صعودًا وهبوطًا والى أطوار نمو الجماعات وصولًا إلى مرحلة الفساد من الرأس، يقول تعالى ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16). قد تكون عناصر الفساد الداخلي – كما أشرنا أعلاه- هي المحرك لدورة الجماعة لدى بعض النماذج التي يحدث الانهيار فيها من الداخل، ولكن دورة الحياة والنمو والانهيار قد تحدث بآلية أخري هي الصراع والدفع بين الجماعات من خلال ممارسات القوة الخارجية بين الأنا والآخر. وقد ضرب القرآن مثلًا على ذلك في الصراع بين آل فرعون وبني إسرائيل من خلال ممارسة فرعون أشد أنواع الضغط والاضطهاد على بني إسرائيل، ثم ظهور قيادة وعقيدة لهذه الجماعة المستضعفة واستفحال الصراع بين الجماعتين ما أدى إلى انهيار الأولى بوسائل قوة استثنائية ربانية، يقول تعالى ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: 4- 6).

إن خاصية التنافس والصراع بين الأنا والآخر الجمعي قد بلغت من القوة كقانون دنيوي أن غلبت حتى على أهل الأديان السماوية التي يُفترض أن تجتمع على الوحدانية رغم تعدد الشرائع، فتحول الاختلاف من منطق التعدد والتنوع الإيجابي الذي جُبِل عليه البشر إلى انقسام وصراع. ولعل هذا ما يناقشه القرآن الكريم في سورة المؤمنون حين يتجه إلى أتباع الديانات التوحيدية معاتبًا: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ (المؤمنون: 52- 54). ويقول تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 213)

إن تجذر قضية الصراع في بنية الجماعة وديناميات تشكلها وتشكيل هويتها يجعل الاقتراب من “الجماعة المَثل” أو النمط المثالي الذي رسمه الخالق قضية صعبة وجهادًا شاقًا لا يقدر عليه إلا القلة من الجماعات التي تستحضر بقوة الوعي الإيماني وتجعله جزءًا من عقيدتها.[31] فالجماعة المَثل كما رسمها القرآن الكريم هي جماعة تقوم في الداخل على التعاون لا التنافس من أجل تحقيق مجتمع يقوم على البر والتقوى: ﴿…وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ…﴾ (المائدة: 2). كما تعتمد العدل سياسة لها إزاء الجميع دون تمييز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8). وهي جماعة تقوم على السلم الداخلي بدلًا من الصراع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (البقرة: 190). وهي جماعة تقوم على الاحتكام في حل نزاعاتها إلى مرجعيتها الدينية وليس إلى منطق القوة أو قواعد العرف الموروث: ﴿…فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ…﴾ (النساء: 59). كما أنها تقيم منظومة علاقاتها الخارجية مع سائر الجماعات على منطق التعايش لا التنابذ والصراع إلا اضطرارًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ…﴾ (الحجرات: 13). ويتضح مما سبق بُعد الشقة بين الآليات السائدة في حركة الجماعات والآليات البديلة المرتبطة بفكرة الخيرية.

والخلاصة التي ننتهي اليها في هذا القسم أن معيار الأصالة الوجودية والخيرية كمعيار للأولوية والمفاضلة إنما ينتصر للفرد على الجماعة وفق محاولتنا لقراءة وتحليل الرؤية القرآنية على النحو الذي استفضنا في شرحه أعلاه.

رابعًا: الطبيعة الجدلية للعلاقة بين الفرد والجماعة في المنظور القرآني

إن أصدق وصف لعلاقة الفرد بالجماعة هو كونها علاقة جدلية تجمع بين التضافر والتنافر، التناقض والتآلف، بين الصراع والانسجام وبين تبادل الاحتياج المادي وتباين المثل. وفيما يلي محاولة لبيان أبعاد هذه الجدلية ومعالجتها في القرآن الكريم.

1. الجماعة للفرد هي ضرورة وابتلاء في ذات الوقت:

كما أشرنا آنفًا فقد جعل الله سبحانه وتعالى المجتمع الإنساني مقومًا أساسيًا من مقومات الحياة على الأرض ليس فقط كواقع فُرض على الإنسان منذ نشأته، بل كنتاج لغريزة نابعة من داخل الإنسان وكاستجابة لاحتياج من احتياجاته الأساسية (التفاعل الاجتماعي) ومصدر لتلبية حاجاته المادية والمعنوية. وفي النهاية كان المجتمع هو البيئة الإنسانية الضرورية اللازمة لحياة الإنسان كالماء والهواء. انعكست أهمية الحياة الاجتماعية للإنسان على الدين نفسه سواء في الرؤية الأخلاقية للإسلام الذي تعلقت أغلب توجيهاته الأخلاقية بعلاقة الإنسان بغيره وكيفية إدارتها على نحو يترجم القيم الإسلامية، أو في الجانب الشرعي حيث انصبت أغلب الأوامر والنواهي والأحكام الشرعية على تنظيم علاقة الفرد بالمجتمع، يدخل في ذلك أحكام الزواج والطلاق وحدود جرائم الاعتداء على الحرمات والأموال والأرواح وقواعد الشورى والحكم… إلخ

رغم لزومية الوجود الجماعي وضرورته للفرد في حياته الدنيوية إلا أنه وظيفيًا يمثل في ذات الوقت أحد أهم مصادر الابتلاء الإلهي للإنسان في الاختبار الحياتي. فمن المجتمع تنبع مصادر الخطر الكبرى على وجود الإنسان الفرد ذاته. ومن المجتمع تنبع مصادر التحدي لاستقلاله ولمُثله. فالجماعة تطرح تحديًا هائلًا للإنسان الفرد قد يحيد به عن مهمته الوجودية في المنظور الديني. فالحياة الاجتماعية بمغرياتها ومتطلباتها وتفاصيلها هي أحد مصادر الإلهاء والغواية الدنيوية الكبرى؛ لأنها قد تستغرق الإنسان كليًا وتخلق عالمًا وهميًا من الصراعات والتحديات والمتطلبات اليومية والطموحات التي تصرف الإنسان كليًا أو جزئيًا عن أداء فروض مهمته الأصلية من الاهتداء وطاعة الخالق، وتفرض غشاوة على وعيه وضميره الإنساني وقدرته على التحرر من علائق الدنيا والثواب إلى رشده قبل حلول نهايته. يقول تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: 20) ويقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن: 14- 16).

2. الفرد الحائر بين قطبي التبعية للجماعة والوعي المستقل

كما أشرنا مسبقًا، فإن الجماعة لا تتشكل من مجموع أفراد فحسب، بل تتشكل كذلك نتاجًا لميراث معنوي من القيم والأفكار والعادات والقواعد الجمعية التي تتراكم تاريخيًا ثم تمارس تأثيرها على الفرد من خلال عملية التنشئة الاجتماعية. وينتج عن تلك التنشئة خلق العلاقة المعنوية بين الفرد والجماعة والتي تولد مشاعر التبعية والولاء لدى الفرد إزاء جماعته. ورغم الستار الحديدي الذي تفرضه تلك القيم والوشائج الجمعية على إدراك ووعي الأفراد وتأثيرها البالغ على مواقفهم وخياراتهم، إلا أن مصير الفرد لا يتشكل حتمًا وفقط باتجاهات الجماعة، بل يظل لعنصر الإرادة والوعي والضمير والاختيار الفردي دوره في تحديد مصيره، وكلما قويت عناصر الإرادة والوعي والضمير والعقل الفردي – التي تعد في المفهوم الديني السماوي إجمالًا والإسلامي على وجه الخصوص مناط التكليف والحساب- كلما زادت قدرة الفرد على اختيار مصيره والهروب من عوامل الاستهواء الجمعي. لذلك يميز الخالق بين أولي الألباب وعلى رأسهم الأنبياء وبين السفهاء الذين يبررون منهجهم غير الواعي في التبعية بحجة أنهم مستضعفون في الأرض.

يدعو الله المؤمنين لئلا يفقدوا أبدًا الوعي بذاتهم ومسئوليتهم الفردية في خضم الانخراط في قواعد الدنيا ومنها الوجود الجمعي. يتجسد الخلاص الفردي في مدى نجاح الفرد في الاحتفاظ بوعي مستقل وعدم الاستلاب الأعمى وراء القيم الجمعية والتحرر من أسْر هذه الغشاوة الجمعية، وأن ينجح في إطلاق عقله حرًا للتساؤل حول جدوى وصحة وسلامة كل تلك المسلمات الجمعية، وأن يمارس النقد والتفكير فيما قيل إنه مقدسات، وهذه هي تجربة كل الأنبياء، فهم هؤلاء الأفراد المتسائلين الناقدين المتحررين من عباءة الجماعة.

في سورتي البقرة والنساء يحسم القرآن الكريم بصورة واضحة حدود قضية الجماعة وتأثيرها على الخيار الفردي الأصيل، فيؤكد أن الإنسان الفرد يملك في كل لحظة خيارات للخلاص من أسْر الضغط الجمعي للمحافظة على ضميره وخياراته الإيمانية رغم صعوبة هذه الخيارات التي تحتسب صعوبتها رصيدًا للفرد. تمثل المقاومة والجهاد في مواجهة إغراءات الجماعة -عند تعارضها مع قيم الفطرة والعقل والدين- أحد الخيارات لكنه خيار أولي العزم. وفي أحيان أخرى تكون هجرة الجماعة الضاغطة على الفرد والتحرر من سلطتها هي الخيار الممكن للفرد يقول تعالى: ﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 97). وفي كل الحالات يربط الله قدرة الفرد على تحدي سطوة الجماعة على ضميره بالاستطاعة والقدرة الفعلية على ممارسة التحدي يقول تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (البقرة: 98- 99).

3. افتراق وتباين مسارات القدر والحساب الفردي والجمعي:

يوضح القرآن بجلاء سمة أساسية من سمات الجدلية بين الفرد والجماعة في الدنيا، فالمصير الدنيوي للجماعة يتحرك باستقلال عن صيرورة أفرادها ومعايير حسابهم. ورغم أن اللحظة التاريخية التي تمر بها الجماعة سواء كانت في فترات الصعود والقوة والازدهار أو فترات الضعف والانحلال تمثل الإطار والسياق التي يظهر فيها الأفراد في الدنيا وتحدد حركتهم وخياراتهم كما تشكل ملامح ابتلائهم واختبارهم، إلا أن مصير الفرد يظل مستقلًا ويظل اختياره لموقفه من الجماعة إن إصلاحًا أو إفسادًا، انصياعًا أو رفضا… إلخ هو أحد أهم عناصر اختباره وحسابه. فالفرد لا يحمل وزر جماعته وأفعالها، بل وزر نفسه وفعله.

ذلك ما يوضحه القرآن الكريم بجلاء في سرده تجربة بني إسرائيل؛ ففي خضم بيان القرآن نقمة الخالق عليهم بسبب فسادهم وإفسادهم في سورة النساء نجده يقطع ذلك بعروج على موقف الأفراد منهم الذين يجاهدون هذا الفساد ويسيرون عكس التيار الجمعي، فيقول تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 161- 162). فهؤلاء على المستوى الفردي حتى في غمرة ظلم الجماعة ومرورها بفترات الانهيار والفساد يخضعون لمصير مستقل يُحدد على أساس حساب مواقفهم الفردية ولا يؤخذون بجريرة مجتمعهم، الأمر الذي يوضحه تعالى في ختام تناوله لهذه القضية في سورة النساء بقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (النساء: 174- 175)

ما يجب أن نعيه هو ضرورة المفارقة أو التمييز بين القدَر الجمعي والقدَر الفردي. فالقدَر الجمعي حتى وإن كان اللعنة والعذاب هو عقوبة جمعية دنيوية لكنه لا يسري على الأفراد، هو بالنسبة لهم ابتلاء لا حيلة لهم فيه أما قدرهم الفردي فمعلق بسلوك وعمل كل منهم على حدة. وهنا يؤكد القرآن على قاعدة المسئولية الفردية في علاقة الخالق والمخلوق بغض النظر عن الموقف الجماعي. فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 105) ويقول تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ (النساء: 84).

4. إصلاح الجماعة هو أحد الفروض الدينية الواجبة على أفرادها:

مثلما يتأثر مصير الفرد وتكوينه إلى حد كبير بالأبعاد والخصائص العامة لجماعته صلاحًا وفسادًا، فقد جعل الله سبحانه وتعالى مصير الجماعة مرهونًا بأفرادها ومدى صلاحهم أو فسادهم. يقول تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 116- 117). لم يُقصر الشارع سبحانه مهمة الأفراد وواجباتهم في الدنيا على صلاح وإصلاح أنفسهم فحسب، بل فرض عليهم واجبات عامة على رأسها العمل ما استطاعوا على إصلاح مجتمعاتهم وهو فرض منطقي، فبالنظر إلى التأثير الشمولي الهائل للجماعة في تكوين الفرد وتحديد مساره الدنيوي ما يؤثر بالضرورة على مهمته الوجودية الإيمانية فإن من أولى واجبات الفرد ومن لوازم صلاحه العمل على إصلاح هذه الجماعة.

لم يعن القرآن الكريم والحديث الشريف بشكل وطبيعة النظام السياسي الذي هو أحد متغيرات الواقع التاريخي لكنه عُني أشد العناية بإصلاح وصلاح جوهر الحياة العامة والحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم أيًا كان النظام. ومثلما جعل القرآن الكريم والحديث النبوي من إصلاح الجماعة وخيريتها محور تقييم أداء الوظيفة العامة والسياسة الشرعية أي وظيفة الحاكم، فقد جعلها بدوره أيضًا وظيفة المحكومين فرادى وجماعة يقول تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104). ورهن بتلك الوظيفة استمرار وازدهار المجتمعات ونجاتهم من المحن والعقوبة الدنيوية عليهم. من هنا كان تشخيصه للسلطة على العامة بأنها أمانة ومسئولية، وتأكيده على قيم العدل والاستقامة والحيادية وعدم المجاملة أو التواطؤ، ومن هنا كان تأكيده على قيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمراجعة والنصيحة، ومرجعية القرآن والسنة في فض المنازعات بين الحكام والمحكومين. والمحصلة المنطقية لتلك الأوامر جميعها هو خلق مجتمع صحي يتبنى القيم الإسلامية ويكرسها بما يسهم في النهاية في خلق بيئة مواتية لصلاح الفرد وقيامه بمهمته الوجودية. كذلك عُني الحديث الشريف وأسهمت سنة الرسول الفعلية في بيان وتفصيل أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إصلاح الجماعة. يقول صلى الله عليه وسلم مخاطبًا آحاد وجمع المؤمنين على السواء “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”[32]. وأسهمت اجتهادات الفقهاء قي استنباط تلك القواعد من القرآن والسنة المشرفة، حيث اتفق جمهور العلماء على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو واجب شرعي ثابت لآحاد المسلمين دون تخصيص، يشمل كل مسلم مكلف قادر، وهو من فروض الكفايات التي يسقط بها الحرج عن كافة المسلمين إذا أداه بعضهم ويأثمون جميعًا بتركه.[33]

الخلاصات

ينتهي البحث من مجمل العرض السابق إلى مجموعة من الخلاصات نجملها في الآتي:

  • يأخذ المستشرقون على الإسلام ضمن مطاعنهم تقليله من شأن الإنسان الفرد وأنه قد حط من شأنه ووصفه بكل سمات الضعف والضعة [34]. والواقع أن ما ورد في القرآن من إشارات تتعلق بالضعف الإنساني إنما تأتي من منظور يتناول علاقة الإله بالإنسان وبطموحه الذي يفوق قدراته. أما إذا تناولنا الإنسان ذاته وبعيدًا عن هذه المقاربة الظالمة له، فالإنسان الفرد هو الإنسان الحق وهو النسخة الإنسانية كما خلقها الله، هو كائن مكرّم إزاء الكائنات الأخرى منذ نشأته، سواء في الملكوت الأعلى الذي أمر الله بالسجود له فيه أو في الأرض التي سخرها الله بكل مقوماتها لحياته.
  • يرى بعض المنظرين العرب المحدثين إن إنصاف الفرد في البيئة العربية الإسلامية ينبغي أن يتم بعيدًا عن المنظور الديني (الميتافيزيقي على حد تعبيرهم) والذي لم ينتج عنه سوى التقليل من شأنه وأن ينطلق المفكرون نحو إنصافه من منطلق حقوقي وضعي بالأساس[35] .ويخلص بحثنا هذا إلى أنه خلافًا لما سبق فإن تأصيل منظور الإسلام لقضية الإنسان وحقوقه الإنسانية ما بين فرديته وجمعيته وإنصاف الفرد نظريًا لن يتم سوى بالرجوع إلى المصادر المرجعية الإسلامية وعلى رأسها القرآن الكريم والتعمق في بحث قضية الإنسان من منظور (وجودي) يبدأ دائمًا من المستوى الثيولوجي العقدي ثم ينسحب بعد ذلك على الجانب الشرعي الحقوقي الاجتماعي وليس العكس.
  • يخلص البحث في قضية الإنسان في القرآن الكريم من منطلق عقدي/وجودي إلى خلاصة أن الإنسان الفرد هو النموذج الأصلي للوجود الإنساني، حيث خلق الله الإنسان في صورته الكاملة روحًا وجسدًا على الصورة الفردية، وهو يختبره في مختبره الدنيوي فردًا، يبعثه في أخراه فردًا، ثم يحاسبه في بعثته فردًا ويجازيه خلودًا في الجنة أو الجحيم فردًا. فالإنسان الفرد هو النسخة الأصلية للإنسان عمومًا يمتد وجوده في عالم الغيب القبلي أي مرحلة الخلق وعوالم الغيب البعدي في البعثة والجزاء.

أما الجماعة فهي حالة أرضية دنيوية مؤقتة أوجدها الله على الأرض لتؤدي مهمة جدلية تتعلق بالإنسان؛ فهي للإنسان – مثلها كمثل الطبيعة- بيئة حاضنة لازمة للوفاء باحتياجاته المادية والمعنوية من ناحية ومصدر للتحديات والابتلاءات من ناحية أخرى.

  • يترتب على ما سبق ضرورة إعادة النظر في المنزع الذي اتخذه علماء التراث (عقديًا وشرعيًا) من إعلاء لشأن الجماعة على حساب الفرد وانعكاس ذلك على الاقترابات الشرعية خاصة فيما يتصل بقضية الحقوق والالتزامات والتوازن بين الحقوق الجمعية والفردية.
  • يرى القرآن الكريم في العديد من نصوصه التي تكاد تغطي أغلب سوره أن خلاص الإنسان يبدأ من الوعي باستقلاله قدرًا ومصيرًا وخلاصًا عن تأثير الجماعة التي ينتمي اليها وممارسته للنقد والمراجعة للموروث الجمعي وإعماله لما منحه الله من مُكنات فردية وعلى رأسها التفكر في حقيقة الوجود ثم تحديد مساره الدنيوي وخياراته وأفعاله.
  • مثل هذا الموقف الوجودي الذي طالب الإسلام الإنسان به يقتضي منظومة جمعية وحقوقية تؤمِّن للإنسان حقه في التفكر والتعبير واتخاذ قراره وإلا استمرت العلاقة الضدية بين إرادة الفرد والجماعة قائمة.
  • إن دورة النشأة والصعود والفساد والانهيار هو قدر كافة الجماعات كما أفاد القرآن الكريم وتاريخ الإنسان، ولا يستثنى من ذلك الكيانات الجمعية التي تتبنى عقائد سماوية، ففسادها وانهيارها يرتبط إما بالتخلي عن تلك العقائد في سلوكها أو بتحريفها. وعليه فإن المنظور القائل بحتمية صلاح بعض الجماعات (مثل تلك التي ترفع شعارات دينية) هو بدوره منظور فاسد إنما ينتصر لمصلحة تلك الجماعة ونخبتها على حساب الحقيقة. فقد أوكل الله تعالى مهمة إصلاح الجماعات للأفراد ممن أسماهم القرآن بأولي الألباب من أصحاب الضمائر اليقظة الذين نذروا أنفسهم لقضية الإصلاح والانتصار للحق، فهم الآلية الأساسية لإصلاح الجماعة. وإنما يكون فساد الجماعة وجنوحها مقرونًا بإهمال هؤلاء أو تهميشهم أو اضطهادهم.
  • إن الأمر أو القاعدة التي تبناها الفقه الإسلامي وأعلى من شأنها والتي تنص على ضرورة ملازمة الفرد للجماعة وعدم مفارقتها وما يقتضيه ذلك من الطاعة لولي الأمر، مثل هذه القاعدة إنما ترتهن بتبني تعريف الجماعة الخيرية التي نص عليها القرآن والسنة (كنتم خير أمة أخرجت للناس) وتوافر شروطها وعلى رأسها العدل والبر والتقوى وأداء الأمانات إلى أهلها والدخول في السلم كافة وإعلاء مفاهيم الخيرية والإصلاح، وإتاحة آليات الإصلاح لأفرادها من الدعوة للخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. إلخ.
  • إن الإسلام كعقيدة متكاملة تقترن بمنهج حياتي ومنظور شامل للوجود ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، الإسلام كدين تتعدد داخله الاجتهادات وتتنوع المواقف، وهو يتعارض مع مفهوم الأيديولوجية التي تعنى باختيار بُعد واحد من أبعاده والتمحور حوله واتخاذه منظورًا وحيدًا لتفسير الماضي وهندسة الحاضر ورؤية المستقبل، لأن الإسلام كنظام ديني هو نظام مفتوح لا يُختزل لصالح تفسير إنساني ضيق. ويترتب على هذا المبدأ أن الإسلام بدوره يرفض نمو أيديولوجيات تعلي من قضية الفرد كما يرفض بدوره تلك الأيديولوجيات التي تتمحور حول الجماعة. أما ما يناسب الرؤية الإسلامية فهو تبني منظور يجمع ويوازن بين الفردية والجمعية دون افتئات أو تطفيف.

وعلى الله قصد السبيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ العلوم السياسية بجامعة مصر الدولية .. ورئيس مجلس إدارة جمعية دراسات المرأة والحضارة.

[1] – مجمع اللغة العربية، المعجم الوجيز (القاهرة: وزارة التربية والتعليم، 1423هـ- 2002 م) ص 466

[2] – المرجع السابق، ص 116 وكذلك موقع مجمع اللغة العربية الإلكتروني

arabicacademey.gov.eg/ar

[3]– انظر: موقع الدرر السنية www.dorar.net الرئيسية/موسوعة الفرق/أهل السنة والجماعة/الباب الأول التعريف بأهل السنة والجماعة وألقابهم/الفصل الأول التعريف بالسنة والجماعة لغة واصطلاحا/ المبحث الثاني/التعريف بالجماعة لغة واصطلاحًا.

[4] -Jacob, leah, MA, “Social group”, in EBSCO

[5]– انظر: د. على ليلة، النظرية الاجتماعية المعاصرة: دراسة لعلاقة الإنسان بالمجتمع (القاهرة: دار المعارف، الطبعة الثانية 1983) ص ص 248-258.

[6]– المرجع السابق، ص ص 105- 145

[7]– المرجع السابق، ص ص 490- 532.

[8]– المرجع السابق،

[9]– عبد الرحمن بن خلدون (٧٣٢ – ٨٠٨ هـ)، العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس: أ. خليل شحادة، مراجعة: د. سهيل زكار (بيروت: دار الفكر، الطبعة: الأولى، ١٤٠١ هـ – ١٩٨١ م) الجزء الأول، ص ص 54-56.

[10]– حول المنظور النفسي للفردانية والجمعية انظر على سبيل:

 Alice W. Cheng, Silvia Rizkallah & Maria Narizhnaya, “Individualism VS. Collectivism”, in The Wiley- Blackwell Encyclopedia of Personality and Individual Differences.

[11]– Individualism in: Encyclopedia Britannica:

https://www.britannica.com/topic/individualism.

see also https://www.merriam-webster.com/dictionary/individualism.

[12]– Collectivism P Group dynamics, social structure, ideology in Encyclopedia Britannica: https://www.britannica.com/topic/collectivism.

see also https://www.merriam–webster.com/dictionary/collectivism

[13]– انظر موقع إسلام وب Islamweb.net، الرئيسية>العقيدة الإسلامية >مقدمات عامة >مصطلحات> أهل السنة والجماعة

[14]– انظر: أحمد بن على بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح البخاري، إخراج وتصحيح محب الدين الخطيب (القاهرة: المكتبة السلفية، 1380-1390) ج 13، كتاب الفتن، وكتاب الاعتصام السنة خاصة الأحاديث 7349، 7054، 7084. وانظر أيضا: “المسئولية الفردية والجماعة” في: dar-alifta.org/ar/articles/details/9443

وانظر كذلك: ” مقاصد الأمر بلزوم الجماعة في الإسلام ” في: islamweb.net/ar/article/238249

[15]– انظر على سبيل المثال لا الحصر: الماوردي، أبو الحسن على ابن محمد بن حبيب، الأحكام السلطانية والولايات الدينية (بيروت: دار الكتب العلمية، د. ت)

[16]– انظر: موقع الشيخ يوسف القرضاوي على الشبكة الدولية: https://www.al-qaradawi.net/node/2786 الرئيسية>مقالات> أولوية حقوق الجماعة على الفرد

[17]– انظر موقع إسلام وب Islamweb.net، الرئيسية>العقيدة الإسلامية >مقدمات عامة >مصطلحات> أهل السنة والجماعة.

[18]– حول قضايا الفرد والجماعة من المنظور العقدي المتعلق بمسائل علم أصول الدين وعلم الكلام وخلافات الفرق انظر: مازن محمد بن عيسى، ” الإيمان بالله واليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع، بحث مقدم لنيل درجة الماجستير في العقيدة الإسلامية من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بالسودان، 1433هـ/ 2012 م.

[19]– انظر: موقع الدرر السنية www.dorar.net الرئيسية/موسوعة الفرق/أهل السنة والجماعة/الباب الأول التعريف بأهل السنة والجماعة وألقابهم/الفصل الأول التعريف بالسنة والجماعة لغة واصطلاحا/ المبحث الثاني/التعريف بالجماعة لغة واصطلاحًا

[20]– ويعرف هؤلاء جماعة المسلمين بمعنى مذهبي يتعلق بالجماعة التي تجتمع على “الحق والنهج والعقيدة، وذلك بأن يلتزم المسلم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين من أمور الاعتقاد، وأصول الدين”. المرجع السابق. وللمزيد حول هذا الاقتراب المذهبي السلفي في تحديد مفهوم الجماعة انظر كذلك: الجماعة، في islamweb.net

[21]– تابع هذا الجدال في العديد من المواقع والكتابات السلفية حول مفهوم أهل السنة والجماعة مثل: موقع الدرر السنية، الرئيسية/موسوعة الفرق/أهل السنة والجماعة/الباب الأول التعريف بأهل السنة والجماعة وألقابهم/الفصل الأول التعريف بالسنة والجماعة لغة واصطلاحا/ المبحث الثاني/التعريف بالجماعة لغة واصطلاحا.www.dorar.net

[22]– يذكر الكاتب الدكتور وليد القططي أمثلة معاصرة بارزة لاستمرارية هذا المنزع الفئوي لادعاء تمثيل أهل السنة والجماعة فيشير إلى مؤتمرين عقدا في هذا السياق الأول هو مؤتمر جروزني الذي عقد في عاصمة الشيشان (أغسطس 2016) بزعامة علماء الأزهر روّاد المدرسة الأشعرية الوسطية تحت عنوان (من هم أهل السُنّة والجماعة؟) حيث قرر العلماء المؤتمرون أنَّ أهل السُنّة والجماعة هم: الأشاعرة والماتريدية، وأهل الحديث المفوّضة في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة… في الفقه، وأهل التصوّف الصافي…” وأجمعوا على إخراج من سموّهم “السلفية التكفيرية” بجميع فروعها من دائرة أهل السُنّة والجماعة، ولكنهم لم يُخرجوا أحدًا من ملة الإسلام. وردًا على ذلك فقد عقد التيار السلفي مؤتمرا في الكويت (نوفمبر 2016) بحضور من أسموهم “علماء أهل السُنّة والجماعة” تحت عنوان (المفهوم الصحيح لأهل السُنّة والجماعة)، في محاولة لاسترداد اللقب من المدرسة الأزهرية الأشعرية وتيارها في العالم الإسلامي، فقرروا أنَّ أهل السُنّة والجماعة هم: “المتبعون للكتاب والسُنّة… ومن ألقابهم: أهل الحديث، وأهل الأثر، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة… وأهل الحق، والسلفيون…”، وجميعها أسماء لمسمّى واحد – عندهم – هم المدرسة الوهابية وتيارها السلفي في العالم الإسلامي، وما عداهم من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والشيعة والصوفية… ليسوا من أهل السُنّة والجماعة، وبعضهم ليسوا من ملة الإسلام وفق رؤيتهم. انظر: وليد القططي، ” الوحدة الإسلامية بين مفهومي الأمة والجماعة، قناة فلسطين اليوم، Paltodaytv.com/post/32302

[23]– انظر قرار رقم 152 (17/ 1) الصادر عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السابعة عشر التي عقدت بالعاصمة الأردنية عمان من 38 جمادي الأولى إلى 2 من جمادي الآخرة 1427 هـ الموافق 24- 28 حزيران (يونيو) 2006 تحت عنوان ” بشأن الإسلام والأمة الواحدة والمذاهب العقدية والفقهية والتربوية”. في الموقع الإلكتروني لمجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي:

انظر أيضًا وليد القططي، ” الوحدة الإسلامية بين مفهومي الأمة والجماعة، مرجع سابق، Iifa-aifi.org/ar/2200.html

[24]– انظر على سبيل المثال لا الحصر مقالا بعنوان ” مسئولية الفرد في الإسلام “، مجلة دعوة الحق (الرباط: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، العدد 55)

https://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/1259

انظر أيضًا: توفيق محمد شاهين، وضعية الفرد والجماعة في الأمة الإسلامية، المرجع السابق، عدد 281، ربيع 1- ربيع2- جمادي 1، 1411/ أكتوبر- نوفمبر – ديسمبر 1990،

 https://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/7340

[25]– تصور آيات القرآن الحكيم الدنيا وترسمها باعتبارها عالم الظل لا الحقيقة، يقول تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٤). يسري عنصر الوهم على كل أعراض الحياة؛ فالعلم البشري هو علم ظاهري منقوص يقتصر على الجانب المادي العرضي المرئي أو المحسوس، ولكنه لا يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك من الجوهر أو الغيب يقول تعالى: ﴿… وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم: ٦- ٧).

[26]– يقول تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا…﴾ (المائدة: 32).

[27]– ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (الأنعام: 42). ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 44- 45).

 [28]- يقول الراغب الأصفهاني عن معني الإنسان: سمي بذلك لأنه خلق خلقة لأقوام له إلا بإنس بعضهم ببعض، ولهذا قيل الإنسان مدني بالطبع من حيث لا قوام لبعضهم إلا ببعض، ولا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه. انظر: الأصفهاني، العلامة الراغب، مفردات ألفاظ القرآن الكريم، تحقيق صفوان عدنان داوودي (دمشق: دار القلم، ١٤٣٣هـ -٢٠١م) ص٩٤.

[29]– المعروف في الدراسات الإسلامية أن شاول هو طالوت الذي جاء ذكره في القرآن الكريم.

[30]– خالف ملوك بني اسرائيل في سبيل الحفاظ على دولتهم تعاليم الله لهم وعلى رأسها عدم إهراق دمائهم من خلال قتال بعضهم بعضا وعدم التحالف مع أعدائهم ضد بني جلدتهم. وتفيد النصوص التوراتية بأن التعاليم ا لخاصة بحرمة دم بني اسرائيل قد أ طيح بها مرارا وتكرارا منذ نشأة الدولة، بل دون مراجعة او لوم الذات حتى من جانب الأنبياء الملوك أنفسهم فالنصوص التوراتية تدعي أن داوود قد لجأ إلى الممالك الوثنية المجاورة، بل وعرض عليهم محاربة قومه مقابل نصره ضد شاول اول ملوك بني اسرائيل (سفر صاموئيل الأول. ثم خاض بنو إسرائيل حربا أهلية انقسموا فيها بين أنصار داوود من مملكة يهوذا وأنصار إشبوشث خليفة شاول ملك جلعاد وسائر بني اسرائيل أراقوا فيها الدماء دون أن يرف لهم جفن أو يلوموا أنفسهم على ما ضيعوه من تعاليم موسي. سفر صموئيل الثاني الإصحاح الثاني. كما شهدت الملكية الثانية في بني اسرائيل خروج أبشلوم على أبيه داود النبي والملك المختار من الله. سفر صموئيل الثاني الاصحاح) ١٨-٨).

[31]– حول مشروطية الجماعة الفاضلة في المنظور القرآني والنبوي على السواء انظر: زكي الميلاد، الجامع والجامعة والجماعة: دراسة في المكونات المفاهيمية والتكامل المعرفي، سلسلة المفاهيم والمصطلحات (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ١٤١٨ هجرية، ١٩٩٨ميلادية).

[32]– رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري: انظر: النووي الدمشقي، أبو زكريا يحي ابن أشرف، رياض الصالحين، تحقيق الصادق بسيس (تونس: المكتبة العتيقة – القاهرة: دار التراث، 1399هـ/ 1979 م) ص ص 86-87.

[33]– حول فرضية الأمر بالمعروف عن المنكر على آحاد المسلمين وحدودها وضوابطها انظر: ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق الشيخ ابراهيم إسماعيل عصر (القاهرة: المكتبة القيمة، 1401 هـ). انظر أيضا: الغزالي، أبو حامد محمد بم محمد إحياء علوم الدين، المجلد الثاني (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د.ت) ص ص 306- 351.

[34]– انظر التعليق على كتاب المستشرق النمساوي ج. أ فون جرونيباوم في كتابه حضارة الإسلام وخاصة الفصل الذي عنونه (الإنسان الكامل) في: ط مكانة الإنسان في الإسلام”، باب المقالات، في موقع الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

https://iums.me/7312

[35]– انظر على سبيل المثال محاضرة المفكر التونسي فتحي المسكيني بعنوان “من هو الفرد في الإسلام” والتي ينتهي فيها إلى خلاصة: ” الفرد بالمعنى الميتافيزيقي أو الإيديولوجي لا يلزمنا ولا نحتاجه، فالنقاش الذي يهمّنا هو النقاش الحقوقي” في موقع تدوينات. 15/ 01/ 2019

 https://tadwinet.net

عن أماني صالح

شاهد أيضاً

الله والإنسان في القراّن: علم دلالة الرؤية القراّنية للعالم

تأليف: د. توشيهيكو إيزوتسو

ترجمة: د. هلال محمد الجهاد

عرض: أ. أحمد محمد علي

تدور فكرة الكتاب حول دلالات الألفاظ والكلمات في اللّغة العربيّة وكيف جاء الإسلام من خلال القرآن منتقياً ألفاظاً متداولة وليست غريبة في لغة وأفكار النّاس ما قبل الإسلام معطياً إياها دلالات جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.