أخبار عاجلة

النص القرآني

العنوان: النص القرآني: من تهافت القراءة إلى أفق التدبر: مدخل إلى نقد القراءات وتأصيل علم التدبر القرآني.

المؤلف: قطب الريسوني.

الطبعة: ط. 1.

مكان النشر: الرباط.

الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

تاريخ النشر: 2010.

عدد الصفحات: 581.

الترقيم الدولي الموحد: 9-5197-0-9954-878.

إن الحديث عن القرآن حديث عن حجة الله على خلقه وعن معجزة خاتم النبيين – صلى الله عليه وسلم- الخالدة وعن كتاب الله عزوجل الذي وصفه سبحانه بأوصاف عدة، فهو الهدى والشفاء والروح والفرقان، وهو آخر ما نزل من السماء إلى الأرض، هو الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد. فمنذ بعثة النبي – صلى الله عيه وسلم- وإلى يومنا هذا يتناوله العلماء بالتفسير والتدبر والغوص في أعماقه وسبر أغواره، ولا زال القرآن غضًا طريا زاخرًا بالعطايا والمعاني والعلوم التي يزيدها مرور الزمن تجليًا وانكشافًا.

ولذلك كان حريًا بأهل الإسلام في كل حدب وصوب أن يحيطوا القرآن بسياج الحفظ والدعوة وأن يجتهدوا في ذلك، فلا يزال كثير من أهل الأهواء والانحرافات الفكرية يحاولون أن ينالوا من النص القرآني بتحريفه وتأويل معانيه. ومن الجهود المشكورة في هذا السياق كتاب الدكتور قطب الريسوني “النص القرآني من تهافت القراءة إلى أفق التدبر”، وهو كتاب معاصر جمع بين نقد تهافت القراءات المعاصرة وكذلك تقديم مدخلًا تأصيليًا لعلم التدبر القرآني من خلال صياغة منهج مُحْكم لتفسير النص القرآني.

وقد سعى الدكتور الريسوني من خلال كتابه أن يحقق الأهداف التالية:

أ ـ بيان جهود علماء الأمة في التفسير بالنظر الصحيح والتدبر الأمثل.

ب ـ تقويم جهود المفسرين في خدمة النص القرآني على نحوٍ يميط اللثام عن ثغرات النظر، ومزالق الفهم، فتُحذر وتُجتنب.

ج ـ تعقّب المشروع الحداثي في قراءة النص القرآني، وتتبع أباطيله التي أغرت بالتهجّم على الوحي، وإصغار أمره، وإيثار غيره.

د ـ صياغة منهج محكم لتفسير النص القرآني يصلح أن يكون فاتحةً لعلم التدبر.

وقد اعتمد الكاتب في ذلك منهجًا بحثيًا قائم على الاستقراء والتأصيل والنقد.

الفصل الأول

ضوابط تفسير النص القرآني عند علماء المسلمين

“نحو نموذج للمفسر الأمثل”

المبحث الأول: نحو ضوابط التأهيل

يتناول الدكتور الريسوني هنا الضوابط العلمية والأخلاقية التي ينبغي أن تتوفر في المفسّر حتى يكون مؤهَلًا لتفسير القرآن الكريم تفسيرًا صحيحًا. فقد شدّد العلماء قديمًا على شروط المفسّر تعظيمًا لشأن التفسير وحماية له من أدعياء العلم، مع بيانهم لأوصاف المفسّر الكامل.

ومن هنا يقدم الكاتب جملة من الضوابط التي ينبغي أن ينضبط بها من يتصدى للتفسير، وهي مستمدة من ثلاثة مصادر رئيسية: كتب علوم القرآن التي تناولت أدوات المفسّر وآدابه ومناهج التفسير، ومقدمات كتب التفسير التي أصَّلت لقواعد التفسير وشروط المفسّر، ثم كتب أصول الفقه التي تُعد من أهم العلوم المُعينة على فهم النصوص الشرعية وضبط التأويل.

وفي هذا الإطار بيَّن الكاتب أولًا الضوابط الأخلاقية للمفسر، مبيّنًا أن المفسر لا يكون أهلًا للتفسير إلا إذا تحلّى بالصفات التالية:

1- صحة الاعتقاد: وهي أن يكون المفسّر سليم العقيدة بعيدًا عن البدع والانحرافات الفكرية، لأن سلامة الاعتقاد تعينه على إصابة الحق والتجرّد من الهوى، وتحفظه من تفسير آيات الله أو تحريفها لخدمة أفكار باطلة.

2- صحة القصد والنية: أي أن يقصد المفسّر بتفسيره طلب الحق وخدمة القرآن، لا تحقيق المصالح الدنيوية أو الشهرة أو الانتصار للنفس. ولا يتحقق ذلك إلا بالزهد في الدنيا وعدم التعلق بزخارفها، لأن التعلّق بالمصالح قد يدفع إلى تحريف المعاني أو مجاراة الأهواء.

3- العدالة: وهي صفة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة حتى يثق الناس بصدقه وأمانته. وقد اشترطت العدالة في المفسّر لأنها تحميه من عدة آفات، منها: – التسرع في تفسير القرآن دون امتلاك أدوات التفسير وشروطه – الخوض في تفسير المتشابه الذي استأثر الله بعلم – تحميل النصوص تأويلات متكلفة لنصرة مذهب أو معتقد معين – الادعاء بمعرفة مراد الله دون دليل صحيح أو قرينة معتبرة – تفسير القرآن بالهوى والاستحسان الشخصي- الاعتماد على الأقوال التفسيرية الضعيفة أو المهجورة خدمةً لغرض فاسد أو هوى متغلب.

4- جودة القريحة: فلابد أن يكون المفسّر فطِنًا، واسع الإدراك، قويّ الملاحظة، قادرًا على فهم مقاصد الكلام، واكتشاف الفروق بين المعاني، وربط النصوص بالواقع. ولذلك لا يصلح للتفسير مَن غلب عليه الغفلة أو كثرة الخطأ والنسيان، لعجزه عن إدراك دقائق النص القرآني واستنباط معانيه العميقة.

5- الدربة والمران: فالعلم وحده لا يكفي، إذ قد يكون الإنسان واسع المعرفة حسن السيرة لكنه يفتقر إلى مهارة الاستنباط وتنزيل النصوص على واقع الناس بسبب قلة الممارسة والخبرة. والتفسير يحتاج إلى تدريب عملي على فهم المقاصد الشرعية، وتحليل النصوص، وربط الأحكام بالوقائع المختلفة.

ثم ينتقل الكاتب إلى الحديث عن ضوابط التحصيل العلمي، مؤكدًا أن أدوات المفسّر ينبغي أن تتجدد بحسب التحديات الفكرية في كل عصر، فلا يصح الجمود على ما دوّنه المتقدمون فقط، لأن كل عالم كان يراعي ظروف عصره وأسئلته الفكرية. ولهذا أضاف بعض المعاصرين شروطًا جديدة يحتاجها المفسّر، مثل: معرفة أحوال الناس- فقه الواقع- علم المقاصد.

ثم يؤكد الكاتب أن هناك علومًا شرعية ثابتة لا غنى عنها في كل زمان وأبرزها:

1-علوم اللغة العربية: لأن القرآن نزل بالعربية، فلا يمكن فهم معانيه ومقاصده دون معرفة النحو والإعراب والبلاغة وأساليب العرب في الكلام. ولا يشترط أن يَبلغ المفسّر مرتبة كبار أئمة اللغة، وإنما يكفيه من العلم ما يمكّنه من فهم خطاب القرآن فهمًا صحيحًا.

2- علوم القرآن: وهي العلوم التي تخدم تفسير القرآن وبيانه، ومن أهمها علم القراءات: لمعرفة أوجه القراءة وأثرها في المعنى علم أسباب النزول: لفهم السياقات والظروف التي نزلت فيها الآيات علم الناسخ والمنسوخ: للتمييز بين الأحكام الثابتة وما وقع فيه النسخ.علم القصص القرآني: لفهم العبر والمقاصد المستفادة من قصص الأنبياء والأمم السابقة، مع الحذر من الروايات الإسرائيلية الضعيفة التي تنتقص من مقام الأنبياءعلم المناسبات: وهو العلم الذي يبحث في ترابط الآيات والسور، ويكشف أسرار ترتيب القرآن واتساق معانيه، ويعد من أدق علوم التفسير وأعظمها فائدة في إبراز بلاغة القرآن ووحدة مقاصده. والتناسب في القرآن له مستويات شتى ذكر الكاتب منها ثلاثة؛ التناسب في الآية الواحدة والتناسب بين مطلع السورة وخاتمتها، والتناسب بين أسماء السور ومقاصدها- علم الوجوه والنظائر: وهو العلم الذي يدرس الألفاظ القرآنية المتكررة وما تحمله من معانٍ متعددة بحسب السياق. فاللفظ الواحد قد يرِد في القرآن بمعانٍ مختلفة، ومعرفة هذه الدلالات تساعد على فهم المراد الصحيح وتمنع الخطأ في الاستنباط. ولذلك اهتم العلماء بهذا الفن وألّفوا فيه كتبًا متخصصة.

3- علم أصول الدين: وهو العلم المتعلق بالعقيدة وأركان الإيمان والتصور الإسلامي للكون والحياة. وتتصل علاقته بالقرآن من جهتين: الأولى أن القرآن أصْل تقرير العقائد وإقامة الأدلة عليها، والثانية أن الفرق والمذاهب تستدل بالقرآن لإثبات آرائها، مما يوجب على المفسّر امتلاك أصول العقيدة الصحيحة للتمييز بين الحق والباطل من الأقوال.

4- علم الفقه: لأن القرآن يشتمل على آيات الأحكام المتعلقة بالحلال والحرام والأوامر والنواهي، ولا يستطيع استخراج هذه الأحكام على وجه صحيح إلا مَن امتلك ملكة فقهية وقدرة على الاستنباط والاجتهاد.

5- علم أصول الفقه: ويُعد من أهم العلوم المساعدة على فهم النصوص، لأنه يضع القواعد التي تضبط دلالات الألفاظ وأساليب الاستنباط، كمعرفة العام والخاص، والمطلق والمقيد، ودلالات الأمر والنهي. ويرى الكاتب أن المفسّر ينبغي أن يتمكن من هذا العلم تمكنًا عميقًا، مع تجنب الانشغال بالمباحث المنطقية والجدلية التي كثيرًا ما أبعدت هذا العلم عن مقاصده الأصلية.

6- علم المقاصد: وهو العلم الذي يكشف الغايات والحِكم التي جاءت الشريعة لتحقيقها، ويساعد على فهم مرامي النصوص وربط الأحكام بمصالح الناس. ويؤكد الكاتب أن الجهل بالمقاصد سبب لكثير من أخطاء العلماء، لأن هذا العلم يحفظ التفسير من النظرة الجزئية الضيقة، ويُعين على تنزيل الآيات على الواقع بطريقة تحقق مقاصد الشريعة ومصالح الإنسان.

 7- علم أصول الحديث: وهو العلم الذي يُعرف به صحيح الأحاديث من ضعيفها، ويُفهم به معاني الروايات المتعلقة بالتفسير، كبيان أسباب النزول، وتوضيح المجمل، ومعرفة الناسخ والمنسوخ. ولذلك كان امتلاك الأداة الحديثية ضرورة للمفسّر حتى لا يبني تفسيره على أخبار غير ثابتة.

8- معرفة الألفاظ المستعملة في التفسير على جهة الإيجاز: وهو فن يتعلق بطريقة التعبير في التفسير، والتنبه إلى الألفاظ التي قد تُنسب إلى الله تعالى على سبيل المجاز أو الاختصار، مع ضرورة التحفظ في استعمالها حتى لا يقع المفسّر في عبارات موهمة أو غير منضبطة شرعًا.

9- فقه الواقع: وهو من الشروط المهمة للمفسّر المعاصر، إذ يساعد على فهم أحوال الناس والمجتمعات، وربط الآيات بواقع الحياة، واستيعاب السنن الإلهية في الاجتماع البشري. وقد أشار ابن خلدون إلى أهمية هذا الجانب، مبينًا أن فهم القرآن يقتضي معرفة طبائع البشر وتحولات الأمم وأسباب القوة والضعف والعز والذل، حتى يكون تنزيل النصوص على الواقع سليمًا ومحققًا لمقاصدها.

10- العلوم النظرية البحتة: إن الإلمام بهذه العلوم يعين المفسّر على استجلاء الأبعاد الجديدة في الآيات، وتوسيع مدلولاتها، ومعرفة وجوه الإعجاز فيها، على أن لا يُجعل القرآن مستودعًا للنظريات العلمية، ومنطلقًا للفرضيات التجريبية، لكونها مجالًا للأخذ والرد، ومتسعًا لتشاجر الآراء، وهذا ما ينزّه عنه كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه.

بعد بيان ما يحتاجه المفسر من العلوم انتقل الكاتب إلى الحديث عن ضوابط المنهج العلمي في التفسير، مبيّنًا أن العلماء وضعوا خطوات دقيقة يسير عليها المفسّر حتى يبقى تفسيره منضبطًا. ومن أهمها:

 – البدء بالعلوم اللفظية: فيبدأ المفسّر بدراسة مفردات الآية من جهة اللغة والصرف والاشتقاق، لأن فهم المفردات أساس لفهم التراكيب والجمل. ثم ينتقل إلى دراسة التراكيب والإعراب لما له من أثر في تحديد المعاني، وبعد ذلك يستعين بعلوم البلاغة لاكتشاف أسرار التعبير ووجوه الإعجاز، ثم يتدرج إلى فهم المعنى العام، فالاستنباط، ثم استخراج الفوائد واللطائف.

وفي هذا السياق يوضح الكاتب أن العلماء رتبوا مصادر التفسير بحسب قوتها وأهميتها، وعدّوا مخالفة هذا الترتيب خروجًا عن المنهج الصحيح، فكان ترتيبهم كالآتي:

  • تفسير القرآن بالقرآن:

وهو أقوى أنواع التفسير، لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، ففيه المجمل والمبين، والعام والخاص، والمطلق والمقيد. وهذا النوع قد يكون: توقيفيًا إذا ورد البيان في القرآن نفسه بصورة صريحة. واجتهاديًا: إذا استنبط المفسّر العلاقة بين الآيات وفق ضوابط العلم واللغة بعيدًا عن الهوى.

  • تفسير القرآن بالسنة النبوية:

فإذا لم يوجد البيان الكافي في القرآن، رجع المفسّر إلى السنة؛ لأنها شارحة للقرآن ومبينة لمعانيه، وتوضح مجمله ومشكلَه، وتخصص عمومه وتقيد مطلقه.

  • الرجوع إلى أقوال الصحابة:

لأنهم شهدوا التنزيل، وعرفوا أسباب النزول وقرائن الأحوال، وكانوا أقرب الناس إلى فهم مراد الله تعالى، وخاصة كبار المفسرين منهم كابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت.

  • الرجوع إلى أقوال التابعين:

وهم تلامذة الصحابة الذين تلقوا عنهم العلم والفهم، ولذلك عدّ العلماء تفسيرهم من أجلّ علوم التفسير المأثورة.

  • الاجتهاد بالرأي المحمود:

فإذا لم يجد المفسّر تفسيرًا في القرآن أو السنة أو أقوال السلف، جاز له الاجتهاد بشرط أن يكون منضبطًا بلغة العرب، وموافقًا لأصول الشريعة، وقائمًا على أدوات العلم الصحيحة. أما التفسير المبني على مجرد الظن والهوى دون استدلال صحيح فهو مذموم ومرفوض.

المبحث الثاني: ضوابط التأويل

يتناول الكاتب قضية التأويل باعتبارها من أكثر القضايا حضورًا في علوم القرآن وأصول الفقه، لما لها من أثر بالغ في فهم النصوص الشرعية. ولذلك بذل العلماء جهدًا كبيرًا في ضبطها ووضع القواعد التي تمنع الانحراف في استعمالها. وقد اهتم الأصوليون خاصةً ببيان حقيقة التأويل، ومجاله، وشروطه، حمايةً للنص القرآني من التحريف والزيغ.

ويبدأ الكاتب ببيان المعنى اللغوي للتأويل، موضحًا أن أصله يدور حول معاني:

الرجوع والعاقبة، التفسير والبيان، الإصلاح والتدبير، ما يؤول إليه الكلام من نتيجة ومآل.

ثم يوضح أن التأويل عند السلف استُعمل بمعنيين رئيسين:

– الأول: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، أي الواقع الذي تشير إليه النصوص، كحقائق اليوم الآخر وصفات الله تعالى.

– الثاني: تفسير الكلام وبيان معناه، ولذلك كان كثير من السلف يستعملون لفظ “التأويل” بمعنى “التفسير”.

وفي هذا السياق يؤكد الكاتب أن استعمال السلف للتأويل بقي مرتبطًا بالدلالة اللغوية الأصلية القائمة على الكشف والبيان وبيان المراد.

ثم انتقل إلى بيان مجال التأويل، مقررًا قاعدة أساسية في التفسير وهي أن الأصل حمل النصوص على ظاهرها، فلا يجوز العدول عن الظاهر إلى التأويل إلا بدليل قوي وقرينة معتبرة؛ لأن صرف الكلام عن ظاهره يعد استثناءً لا يُصار إليه إلا عند الحاجة. ولهذا كان الصحابة والعلماء يعتمدون ظواهر النصوص في فهم الشريعة، ولا يتركونها إلا لتأويل قريب تؤيده الأدلة.

وهنا ويشير الكاتب إلى أن التأويل يجري في مجالين رئيسيين:

– الأول: الأحكام والفروع الشرعية: وهي المسائل العملية التي تحتمل وجوهًا متعددة من الفهم، ولذلك يجوز فيها التأويل إذا كان موافقًا للغة العربية وقواعد الشرع، بشرط أن يكون المؤوِّل من أهل العلم والاستقامة بعيدًا عن الهوى.

– الثاني: مسائل العقيدة وأصول الدين، ويقسمها إلى نوعين: نصوص قطعية واضحة الدلالة لا يجوز تأويلها أو صرفها عن ظاهرها، لأن ذلك يعد تكذيبًا للنص الشرعي. ونصوص تحتمل أكثر من معنى ولم يرد دليل قطعي يحدد المراد منها، وهنا وقع الخلاف بين العلماء: فمنهم من أجرى النصوص على ظاهرها. ومنهم من لجأ إلى التأويل. ومنهم من أمسك عن تعيين المعنى مع الإيمان بالنص، خصوصًا فيما يتعلق بأسماء الله عزوجل وصفاته، وهو ما نُسب إلى كثير من السلف.

ثم ذكر الكاتب أن بعض علماء الكلام توسعوا في باب التأويل، كإمام الحرمين والغزالي والرازي، لكن كثيرًا منهم انتهى إلى مذهب السلف القائم على الإيمان بالنصوص كما وردت من غير تشبيه ولا تعطيل. وخلص الكاتب إلى ترجيح مذهب المحققين، ومنهم ابن تيمية، القائم على إثبات صفات الله كما جاءت في النصوص، مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، والإقرار بأن حقيقة الكيفية مما استأثر الله بعلمه.

انتقل الكاتب إلى بيان أنواع التأويل وشروطه، مبيّنًا أن التأويل ليس درجة واحدة، بل تختلف مراتبه بحسب قوة الدليل وقرب المعنى أو بعده عن ظاهر النص. فالتأويل القريب يكفيه دليل يسير لرجحانه، أما التأويل البعيد فلا يقبل إلا بقرينة قوية واضحة تصرف اللفظ عن ظاهره. كما يشير النص إلى أن فقه المجتهد وسعة فهمه لهما أثر كبير في التمييز بين التأويل المقبول والمردود. وفي هذا السياق يؤكد الكاتب أن التأويل ليس مذمومًا في ذاته، وإنما المذموم هو ما يؤدي إلى تحريف النصوص ومجاراة الأهواء. ولذلك قسّم العلماء التأويل إلى نوعين:

– التأويل الصحيح: وهو التأويل الموافق للقرآن والسنة ولسان العرب، والقائم على دليل معتبر. وهذا هو التأويل الذي قبله السلف وعملوا به، ومن أمثلته: تخصيص العموم، كاستثناء بعض صور البيع المحرمة من عموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ بحديث النهي عن بيع الغرر. تقييد المطلق، كحمل لفظ الدم المحرم على الدم المسفوح بضم الآيات بعضها إلى بعض.

– التأويل الفاسد: وهو التأويل المخالف للنصوص، أو الخالي من الدليل الصحيح، أو المبني على التكلف والهوى. ومن صوره: تخصيص النصوص دون دليل. التلفيق بين المعاني المتباعدة. الاعتماد على أخبار ضعيفة أو موضوعة. تحميل الألفاظ معاني بعيدة لا يحتملها السياق أو اللغة.

ويذكر الكاتب أن من أمثلة التأويل الفاسد تأويل صفات الله تعالى تأويلات تصرفها عن ظاهرها، كتفسير اليد بالقدرة والاستواء بالاستيلاء، حيث يرى أن ذلك من التقول على الله بغير علم.

انتقل الكاتب بعد هذا البيان إلى الحديث عن شروط التأويل الصحيح، مبينًا أن العلماء وضعوا ضوابط دقيقة تمنع من العبث بالنصوص، ومن أهم هذه الشروط:

أن يكون اللفظ قابلًا للتأويل: أي يحتمل أكثر من معنى في اللغة أو الشرع، وألا يكون المعنى المراد قطعيًا لا يحتمل غيره. فالألفاظ المشتركة أو المحتملة يجوز فيها التأويل، بخلاف النصوص المحكمة الواضحة.

مراعاة السياق وتركيب الكلام: فلا يكفي أن يحتمل اللفظ معنى لغويًا، بل يجب أن ينسجم هذا المعنى مع سياق الآية وتركيبها العام، لأن السياق من أعظم القرائن الكاشفة عن مراد المتكلم.

 – وجود دليل يصرف اللفظ عن ظاهره: فالأصل حمل النصوص على ظاهرها، ولا يجوز العدول عن الظاهر إلا بدليل معتبر من قرآن، أو سنة، أو إجماع، أو قاعدة شرعية، أو مقصد قطعي. وتختلف قوة الدليل المطلوبة بحسب قرب التأويل أو بعده.

– سلامة دليل التأويل من المعارض: فإذا وُجد دليل أقوى يعارض التأويل سقط العمل به، أما إذا تكافأت الأدلة احتاج الأمر إلى الترجيح.

ألا يخالف التأويل أصلًا شرعيًا أو قاعدة قطعية: لأن المعاني المؤولة ينبغي أن تبقى منسجمة مع أصول الشريعة ومقاصدها العامة.

ألا يُحمل الكلام على المعاني الشاذة والنادرة: فلا يجوز تفسير القرآن بمعانٍ غريبة أو خارجة عن أساليب العرب المألوفة، لأن القرآن نزل بلغة عربية واضحة، وحمْله على معانٍ شاذة يؤدي إلى إفساد البيان وتحريف المراد.

المبحث الثالث: ضوابط الفهم والتنزيل

يتناول الكاتب في هذا المبحث ضوابط الفهم والتنزيل، مبينًا أن عناية العلماء لم تقتصر على شروط التأهيل والتأويل، بل امتدت إلى وضع منهج يحقق التوازن بين ثلاثة عناصر أساسية: النص القرآني، والمقصد الشرعي الكامن فيه، والواقع الذي تُنزَّل عليه الأحكام والمعاني. وغاية ذلك أن يكون التفسير موجهًا للحياة ومحققًا للهداية القرآنية في الواقع العملي. ويؤكد الكاتب أن سلامة التفسير تتحقق باجتماع التأهيل العلمي، وصحة التأويل، وحسن التدبر، ورشد التنزيل.

ثم بدأ الكاتب بتناول ضوابط الفهم وضمنها في أربعة ضوابط:

1- الضابط النقلي: والمقصود به الرجوع إلى التفسير بالمأثور وفق الترتيب المعتمد عند العلماء، لأن هذا الطريق أوثق السبل في فهم القرآن وأبعدها عن الانحراف.

ويقسم الكاتب التفسير بالمأثور إلى أربعة أقسام، أولها تفسير القرآن بالقرآن، وهو أعلى مراتب التفسير وأقواها، لأن القرآن يبين بعضه بعضًا. غير أن القطْع بصحة هذا النوع يكون إذا ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم-، أو وقع عليه إجماع، أو ورد عن صحابي لا مخالف له. أما ما كان قائمًا على اجتهاد المفسّر في الربط بين الآيات فهو محتمل للصواب والخطأ وإن كان من أصح مناهج التفسير.

ثم يأتي تفسير القرآن بالسنة، لأن السنة شارحة للقرآن ومبينة لمجمله، وقد وكل الله إلى نبيه – عليه السلام- بيان تفاصيل الشريعة العملية كالصلاة والزكاة والحج، ولذلك كان تفسير النبي –عليه السلام- مقدمًا على كل تفسير، لأنه صادر عن معصوم مؤيد بالوحي. ويوضح الكاتب صور التفسير النبوي، مثل تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير لفظة أو آية معينة، أو إزالة الإشكال عن الصحابة، وسؤالهم عن معنى الآية ثم بيانها لهم، والفصل في اختلافهم حول بعض الآيات، إضافة إلى الأحاديث التي تصلح لتفسير بعض الآيات وإن لم يرد فيها نص صريح.

كما يذكر الكاتب قاعدتين مهمتين في التفسير النبوي، الأولى أن تفسير النبي – عليه السلام- إذا ثبت فلا يُعدل إلى غيره، والثانية أن ألفاظ الشارع تُحمل أولًا على معانيها الشرعية، ثم العرفية، ثم اللغوية عند عدم وجود الحقيقة الشرعية.

ثم ينتقل الكاتب إلى تفسير القرآن بأقوال الصحابة، مؤكدًا أنهم أدرى الناس بمراد القرآن – كما ذكر سابقًا-لما امتازوا به من مشاهدة التنزيل وأسبابه، وصفاء اللغة والسليقة، وقربهم من النبي – عليه الصلاة والسلام-، ومعرفتهم بالقرائن والأحوال. ويبين الكاتب أن أقوال الصحابة تكون حجة قاطعة إذا كانت مرفوعة إلى النبي – عليه السلام-، أو تعلقت بأمور لا مجال للرأي فيها كأسباب النزول وأخبار الغيب. أما ما كان اجتهادًا منهم فقد اختلف العلماء في مدى إلزاميته، فمنهم من رآه غير ملزم لأنه اجتهاد بشري، ومنهم من رأى تقديمه على غيره لقوة علمهم وفهمهم.

كما يذكر الكاتب أهم مصادر الصحابة في التفسير، وهي القرآن الكريم، والسنة النبوية، واللغة العربية، والاجتهاد والفهم، والأخذ عن صحابي آخر، ومعرفة ظروف النزول وأحواله. ويذكر الكاتب في هذا السياق قاعدة مهمة، وهي أن قول الصحابي مقدم على قول غيره عند التعارض، لما امتازوا به من العلم واللسان ومشاهدة الوحي، ما لم يخالف تفسيرًا ثابتًا عن النبي – صلى الله عليه وسلم-، لأن السنة مقدمة على كل قول.

ويختم الكاتب الضابط النقلي بتفسير القرآن بأقوال التابعين حيث يبين أن أقوال التابعين تحتل منزلة متقدمة في التفسير لعدة أسباب، منها أخذهم العلم مباشرة عن الصحابة، وقوة معرفتهم باللغة العربية مقارنة بمَن بعدهم، وكونهم من أهل القرون المفضلة. لكن هذه المنزلة لا تعني أن أقوالهم حجة مطلقة، إذ تختلف قوتها بحسب نوع التفسير ومصدره. فإذا أجمع التابعون على معنى كان قولهم حجة، أما إذا اختلفوا فلا يكون قول بعضهم ملزمًا، ويرجع حينها إلى القرآن والسنة ولغة العرب وأقوال الصحابة.

2- الضابط العقلي: يقرر الكاتب أن العقل نعمة عظيمة بها يتحقق الاستخلاف، ولذلك دعا القرآن إلى إعماله في النظر والتفكر والتدبر، لأن تعطيله يؤدي إلى الجمود والضلال. وقد بيّن الكاتب أن النظر العقلي يكون في مجالين:

الأول: النظر في الكون والخلق، والتأمل في سنن الله الكونية، وأحوال الأمم السابقة، والتدبر في خلق الإنسان والكون.

الثاني: النظر في القرآن، ويكون بالتدبر والاستنباط وفهم المقاصد، والتأمل في الإعجاز والبيان والأحكام.

وفي هذا الإطار ذكر الكاتب أدلة مشروعية إعمال العقل التي ساقها الإمام الشاطبي، حيث استدل الشاطبي على صحة الاستفادة من العقل في التفسير بثلاثة أمور: أولًا أن تعطيل العقل يؤدي إلى تعطيل فهم القرآن وأحكامه، ثانيًا أن النبي – صلى الله عليه وسلم- لم يفسر كل القرآن تفصيلًا، فبقي مجال للاجتهاد، ثالثًا أن الصحابة أنفسهم اجتهدوا في تفسير القرآن بحسب فهمهم.

ثم بيّن الكاتب ضوابط النظر العقلي في التفسير وهو ألا يخالف التفسير النبوي الصحيح؛ وأن يراعي قواعد اللغة العربية، وكذلك أن يعتمد على مقدمات صحيحة وأدلة سليمة ومناهج مستقيمة حتى لا يؤدي إلى التناقض والانحراف، وأخيرًا ألا يُخضع المفسر النص القرآني للأهواء المذهبية أو التصورات المسبقة، لأن القرآن أصل يُتبع وليس تابعًا للأفكار والاتجاهات.

3- الضابط اللغوي: يؤكد الكاتب أن اللغة العربية هي الأساس في فهم القرآن وتفسيره؛ لأنه نزل بلسان العرب، ولا تُدرك معانيه على الوجه الصحيح إلا بمعرفة أساليبهم وعاداتهم في الخطاب. وقد استدل على حجية التفسير اللغوي بالقرآن والسنة وعمل الصحابة والسلف، مبيّنًا أن النبي – صلى الله عليه وسلم- والصحابة اعتمدوا على اللغة في فهم الآيات وبيان معانيها.

كما وضع الكاتب ضوابط للتفسير اللغوي، أهمها: الالتزام بالمعاني العربية المشهورة دون الشاذة، ومراعاة عُرف القرآن واستعمالاته الخاصة، وفهم الآيات وفق أساليب العرب، وعدم التوسع في الاحتمالات النحوية أو تحميل النصوص معاني تخالف السياق والمراد الشرعي. وأكد أيضًا على ضرورة الاستناد إلى النقل والسماع في المواضع المُشْكلة، وتقديم المعنى الصحيح على الإعراب إذا تعارضا.

4- الضابط السياقي: يرى الكاتب أن السياق من أهم ضوابط فهم القرآن؛ لأنه يكشف المعنى الصحيح، ويرجح بين الاحتمالات، ويمنع التأويلات البعيدة، فهو الأداة التي تضبط العلاقة بين النص ومراده. ويشمل السياق ثلاثة عناصر: غرض المتكلم، والظروف والملابسات المحيطة بالنص، والسياق اللغوي المتصل بالكلام نفسه.

وفي هذا الإطار يبيّن الكاتب أنه قد تضافرت المباحث القرآنية -على تباينها- على صياغة تصور محكم عن سياقين رئيسين لا مندوحة عن الاحتكام إليهما في تفسير النص القرآني، وهما: ظروف التنزيل (السياق المقامي)، والعلاقات الداخلية للنص (السياق اللغوي).

  • أولًا: السياق في علوم القرآن

أ- السياق المقامي: يؤكد الكاتب أن علماء المسلمين اعتنوا بالسياق المقامي في علوم القرآن، خاصة من خلال دراسة أسباب النزول، وتنجيم القرآن، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ؛ لأن هذه العلوم تكشف الصلة الوثيقة بين القرآن والواقع الذي نزل فيه.

فأسباب النزول تساعد على فهم مراد الآية ومنع الخطأ في تفسيرها، مع بقاء الحكم عامًا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أما تنجيم القرآن فكان لتحقيق التدرج في التربية والتشريع وتثبيت المؤمنين، مما يدل على مراعاة القرآن لأحوال المخاطَبين وظروفهم. كما أن التمييز بين المكي والمدني يبرز أثر الواقع التاريخي والاجتماعي في أسلوب الخطاب القرآني وموضوعاته. كما أن النسخ صورة من صور مراعاة مصالح الناس وأحوالهم؛ إذ تنتقل الأحكام وفق ما يحقق المصلحة في كل مرحلة، مما يؤكد التفاعل بين النص القرآني وسياقه الواقعي.

ب- السياق اللغوي: يتناول الكاتب مفهوم السياق اللغوي في القرآن الكريم من خلال علم المناسبة، وهو العلم الذي يدرس الروابط والانسجام بين أجزاء النص القرآني، سواء بين الجمل والآيات أو بين السور، بما يبرز وحدة القرآن وتماسكه. كما يبين الكاتب وجود انسجام بين بدايات السور ونهاياتها، وبين أسماء السور ومقاصدها، إضافة إلى العلاقة بين بعض السور والحروف التي افتتحت بها. ويرى العلماء أن هذه الروابط تكشف جانبًا من الإعجاز البياني للقرآن، وتؤكد وحدته الفنية والدلالية.

  • ثانيًا: السياق في علم أصول الفقه

لم يكتف الكاتب بالحديث عن “السياق” في علوم القرآن لإبراز أهمية الضابط السياقي بل توسع في ذلك ليتناوله في مساحة أخرى من العلوم الإسلامية وهو علم أصول الفقه. وقد بيّن الكاتب أن السياق عند الأصوليين يُعد قيمة مرجعية بارزة في فهم النص، واستجلاء مراد المتكلم، وترجيح المعاني، وإن احتفاءهم بهذه القيمة تتجاوز التأصيل إلى التناول التطبيقي، فلا يكاد يخلو مبحث أصولي من الالتفات إلى دلالة السياق في رفع خفاء النص، وضبط التأويل، وتغليب وجه على وجه، وكشف عن تنوع دلالة الألفاظ.

وفي هذا الصدد ذكر الكاتب شواهد للاعتناء النظري لعلماء أصول الفقه بالسياق ودلالته وأهميته، فذكر على سبيل المثال ما ذكره الإمام الشافعي، وفخر الإسلام البزودي، والغزالي، والعز بن عبد السلام، وابن دقيق العيد، والشاطبي، وابن تيمية، وابن القيم في بيان أهمية السياق ومحوريته.

ثم انتقل الكاتب إلى التناول التطبيقي للسياق عند الأصوليين، فعرض الكاتب عددًا من المباحث الأصولية التي يظهر فيها أثر السياق بوضوح، أهمها:

أ– طرق الدلالات: قسم الأصوليون دلالات النص إلى أربعة أنواع، دلالة العبارة، ودلالة الإشارة، ودلالة الاقتضاء، ودلالة النص أو مفهوم الموافقة. فدلالة العبارة هي المعنى المقصود مباشرة من السياق. أما دلالة الإشارة فهي معنى غير مقصود أصالة لكنه يُفهم من تركيب الكلام. ودلالة الاقتضاء تقوم على تقدير معنى محذوف ليستقيم الكلام عقلًا أو شرعًا. بينما تقوم دلالة النص على فهم معنى غير منطوق من خلال مقصد الكلام وسياقه، مثل تحريم ضرب الوالدين المستفاد من النهي عن قول “أف”.

ب- صيغة الأمر: يرى الأصوليون أن صيغة الأمر يدل أساسًا على الوجوب، لكنه قد يدل على معانٍ أخرى كالإباحة أو الإرشاد أو الامتنان، ولا يُعرف المقصود منها إلا بالرجوع إلى السياق والقرائن.

ج- بيان المجمل: اللفظ المجمل يحتاج إلى توضيح، والسياق يعد من أهم الوسائل التي تساعد على كشف المراد، وترجيح أحد المعاني المحتملة.

د– الترجيح بين المعاني: اعتمد الأصوليون على القرائن والسياق لترجيح تفسير على آخر عند تعدد الاحتمالات، فالمعنى الموافق لسياق الكلام هو الأَولى بالقبول.

ه- التأويل: وضع الأصوليون ضوابط للتأويل الصحيح، أهمها مراعاة نظْم الكلام وسياقه، وفهم القرائن والبيئة التي نزل فيها الخطاب، حتى لا ينحرف التأويل عن المعنى الصحيح.

ويخلص الكاتب إلى أن السياق يُعد أساسًا مركزيًا في فهم النصوص الشرعية، وأنه عنصر حاسم في استنباط الأحكام وضبط التأويل والترجيح بين الدلالات المختلفة.

  • ثالثًا: السياق في علم التفسير

تناول الكاتب أيضًا مكانة السياق في علم التفسير على وجه الخصوص، مبينًا أن المفسرين أوْلوه عناية كبيرة على المستويين النظري والتطبيقي، وعدّوه أداة أساسية لفهم القرآن واستجلاء معانيه وربط آياته بعضها ببعض. ويرى أن هذا المجال، على غناه واتساعه، ما يزال بحاجة إلى دراسات علمية معمقة تكشف أبعاده وأسراره.

وهنا ذكر الكاتب قبسات من اعتناء كبار المفسرين بمكانة السياق، فيبرز أولًا ريادة محمد بن جرير الطبري في تأصيل قاعدة السياق القرآني وتطبيقها في التفسير. ثم يأتي فخر الدين الرازي الذي ربط السياق بعلم المناسبة أو التناسب بين الآيات. وفي تفسير ابن عطية الأندلسي يبين الكاتب أن السياق يظهر بوصفه مرجعًا أساسيًا في توجيه المعاني وترجيح الأقوال.

ويخلص الكاتب إلى أن السياق شكّل عند كبار المفسرين أداة منهجية مركزية في فهم القرآن، وأنه أسهم في كشف العلاقات بين الآيات، وضبط المعاني، وترجيح التفسيرات، وإبراز الإعجاز البياني للنظم القرآني.

5- الضابط التنزيلي: يرى الكاتب أن تنزيل الآيات القرآنية على الواقع من أدق مجالات التفسير وأكثرها احتياجًا إلى الفقه والبصيرة؛ لأنه يقوم على ربط النصوص بالوقائع والأحداث الجارية، سواء بالتنزيل الكلي أو الجزئي أو بالمقابلة مع الواقع المخالف لهدي القرآن. ولذلك عدّه فنًا مستقلًا يحتاج إلى فهم عميق لمقاصد الوحي ومجالات تطبيقه.

ويعرض الكاتب نماذج من تعامل المفسرين مع هذا الضابط التنزيلي، مبينًا تفاوتهم فيه. فابن كثير مثلا لم يكن كثير الاشتغال بتنزيل الآيات على واقع عصره، لكنه كان يلجأ إليه أحيانًا للتعبير عن هموم مجتمعه. أما ابن العربي فكان من أكثر المفسرين عناية بتنزيل القرآن على أحداث عصره، وربط ذلك بقاعدة: “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، لأنها تجعل النص القرآني صالحًا للتطبيق على الوقائع المتجددة. كما أبرز الكاتب اهتمام القرطبي بالتنزيل الواقعي، الذي كان يرى أن النصوص القرآنية تتجاوز أسباب نزولها لتشمل كل واقع مشابه.

ثم انتقل الكاتب إلى الحديث عن أقسام تنزيل الآيات على الواقع عند المفسرين، حيث يرى الكاتب أن تنزيل الآيات على الواقع ثلاثة أنواع: تنزيل كلي يطابق فيه الواقع معنى الآية كاملًا، وتنزيل جزئي يوافق بعض معانيها فقط، وتنزيل عكسي يُستعمل لنقد واقع يخالف الهدي القرآني. ويؤكد أن هذا التنزيل لا يصح إلا بضوابط أهمها: صحة القصد والبعد عن الهوى، التمكن من علوم الشريعة، فهم الواقع فهمًا دقيقًا، وأن يكون التنزيل مرتبطًا بمعنى الآية الحقيقي لا قائمًا على الرأي المجرد أو التأويل المتكلف.

الفصل الثاني

مزالق المفسرين القدامى والمحدثين (رؤية نقدية)

في مقدمة هذا الفصل يبين الكاتب أن كثرة التفاسير وتنوع مناهج المفسرين أغنت التراث التفسيري بالمعارف، لكنها أدخلت فيه أيضًا بعض النواقص، كالتأثر بالمذاهب والحشو وضعف مواكبة الواقع. لذلك يدعو للمراجعة والنقد البنّاء، لا هدم التراث أو القطيعة معه.

وفي هذا السياق ينتقد الكاتب الدعوات التي ترفض التفاسير القديمة كليًا، معتبرًا أنها دعوات هدم لا إصلاح، لأن التراث التفسيري يتضمن فهمًا عميقًا وقواعد وضوابط مهمة لفهم القرآن، مبينًا أن المراجعة وبيان أخطاء المفسرين ليس انتقاصًا منهم، بل هدفه تمييز الصواب من الخطأ، والاستفادة من جهودهم دون إفراط في التقديس أو التفريط في القيمة العلمية لتراثهم.

المبحث الأول: تسلط العقل على النص

قبل أن ينتقد الكاتب بعض صور تسلط العقل على النص التي يرى أنها تخللت بعض التفاسير يبدأ بالتأصيل لهذه القضية من خلال الحديث عن مكانة العقل في الإسلام.

وقد بيّن الكاتب مكانة العقل في الإٍسلام من خلال مجموعة من الشواهد، أولها اهتمام القرآن بخطاب العقول وذلك من خلال المحاججة ومقارعة الحجة بالحجة ونصب الدلائل على الحق، وكذلك من خلال نعي القرآن على المقلدين تعطيل عقولهم، وكذلك من خلال اعتناء القرآن بتعليل الأحكام، وأيضًا من خلال الأمر القرآني بالتدبر والأمر بالنظر العقلي في آيات الله الكونية وآيات كتابه العزيز، هذا بالإضافة إلى حرص الشريعة على حماية العقول فجاء الإسلام بتحريم المسكرات والمخدرات، وكذلك حث الإسلام على حماية المرء لعقله من الأوهام والخرافات والأفكار الزائفة.

وعلى الرغم من مكانة العقل في الإسلام إلا أن الإسلام أيضًا جعل له وظيفة وحدود لا يجب أن يتعداها، فالعقل البشري أداة ضرورية للعلم والعمل لكنه ذو قدرات محدودة. وفي هذا الإطار يشدد الكاتب على عدم التعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح؛ فالتناغم بينهما هو الأصل، وأي تعارض ظاهري يعود إما لإساءة استخدام العقل في غير مجاله أو لتحريف النصوص.

وفي هذا السياق ينتقد الكاتب تغليب العقل على النص الشرعي، ويرى أن بعض المتكلمين والفلاسفة جعلوا العقل مقدمًا على الوحي عند التعارض، مما أدى إلى تأويل النصوص وتحريف معانيها. ويشير إلى أن ابن تيمية تصدى لهذا المنهج ورد عليه في كتابه “درء تعارض العقل والنقل”. كما يوضح أن المعتزلة ومن تأثر بهم بالغوا في تعظيم العقل حتى قدّموه على النصوص، وامتد هذا الاتجاه إلى بعض المفسرين المعاصرين مثل محمد رشيد رضا ومحمد فريد وجدي. ويعرض الكاتب أمثلة لذلك.

المبحث الثاني: التعصب المذهبي

يتناول الكاتب أثر التعصب المذهبي في التفسير، ويعرّفه بأنه الانتصار لمذهب عقدي أو فقهي أو سياسي دون اعتماد صحيح على الدليل، حتى يصبح المذهب أصلًا يُحتكم إليه، ويُحمَل النص الشرعي عليه قسرًا. ويرى الكاتب أن هذا التعصب أدى إلى جعل القرآن تابعًا للمذاهب بدل أن يكون حاكمًا عليها. وقد أدى هذا المسلك الى إفساد فهم النصوص، وأدخل التحريف في التفسير، مع التنبيه إلى أن الاستفادة من جهود الأئمة والسلف أمر ضروري، لكن دون غلو أو تقديس يعطل الرجوع إلى الكتاب والسنة. كما نقل الكاتب كلام الشيخ شلتوت الذي انتقد فيه إخضاع القرآن للقواعد المذهبية، حتى غدا ميزان الوحي محكومًا بآراء البشر بعد أن كان هو الميزان الحاكم عليها.

ثم يعرض الكاتب أمثلة تطبيقية للتعصب المذهبي في التفسير: في العقيدة، يذكر تعصب المعتزلة في مسألة مرتكب الكبيرة. وفي الفقه، يوضح الكاتب أن التفاسير الفقهية كثيرًا ما تحولت إلى ساحة صراع بين المذاهب، حتى إن بعض المفسرين كانوا يؤولون الآيات لنصرة مذاهبهم. ومن أمثلة ذلك موقف ابن العربي المالكي من صيام ستة أيام من شوال. أما في السياسة، فيشير الكاتب إلى أن بعض التفاسير الشيعية التي حملت الآيات على قضايا الإمامة والولاية بصورة متكلفة، حتى فسرت بعض الألفاظ القرآنية تفسيرات بعيدة لخدمة معتقداتها السياسية.

المبحث الثالث: الاستغناء باللغة عن الرواية والسماع

يتناول الكاتب في هذا المبحث قضية الاستغناء باللغة عن الرواية والسماع في تفسير القرآن، مبينًا أن الرواية المأثورة عن النبي – صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين هي الأصل في التفسير، وأن قواعد اللغة ينبغي أن تبقى تابعة لها لا حاكمة عليها. ويرى أن الاقتصار على ظاهر العربية دون الرجوع إلى النقل الصحيح يؤدي إلى الانحراف في فهم القرآن، خاصة في القضايا المتعلقة بالمبهمات، والحذف، والتقديم والتأخير، وأسباب النزول، مما يوقع المفسر في التفسير بالرأي المذموم.

ويؤكد الكاتب أن من أخطر آثار هذا المنهج جعل القواعد اللغوية معيارًا يُخضَع له القرآن، فيتعصب أصحاب هذا الاتجاه للقاعدة ولو خالفت السياق القرآني أو دلالة الأثر الصحيح. ولذلك نقل أقوال العلماء الذين شددوا على ضرورة تقديم الرواية على القياس اللغوي، ومنهم أبو عمرو الداني الذي أكد أن القراءة القرآنية إذا ثبتت بالنقل الصحيح لا يجوز ردها لمخالفتها القياس اللغوي، لأن القراءة سنة متبعة. كما استشهد بقول ابن تيمية الذي قرر أن تفسير القرآن إذا ثبت عن النبي – عليه السلام- فلا حاجة معه إلى أقوال أهل اللغة.

وفي الجانب التطبيقي، عرض الكاتب نماذج من التفسير اللغوي الذي استغنى عن الرواية. ويخلص الكاتب إلى أن اللغة، على أهميتها في فهم القرآن، لا يمكن أن تستقل بالتفسير بعيدًا عن الرواية والسياق والمأثور، وأن الجمع بين النقل الصحيح والدلالة اللغوية هو المنهج الأقوم في تفسير كتاب الله.

المبحث الرابع: الأخذ بالأحاديث الضعيفة والموضوعة

يتناول الكاتب ظاهرة اعتماد بعض المفسرين على الأحاديث الضعيفة والموضوعة في التفسير، مبينًا أن ذلك أدى إلى دخول روايات مكذوبة وخرافات إلى كتب التفسير، خاصة عند بعض أصحاب الفرق والمذاهب الذين كانوا يوظفون هذه الروايات لتأييد معتقداتهم. وقد أشار إلى تفاسير اشتهرت بكثرة الروايات الواهية، مثل تفسير الثعلبي والواحدي، مع نقل تحذير ابن تيمية من الاعتماد عليها.

ويؤكد الكاتب أن جمهور العلماء شددوا على ضرورة الاعتماد على الأحاديث الصحيحة في التفسير، وأن الحديث الضعيف لا يصلح للاحتجاج، لأنه لا يفيد اليقين. ومع ذلك، أشار الكاتب إلى أن بعض العلماء أجازوا الاستئناس بالحديث الضعيف في الترجيح بين المعاني التفسيرية إذا عضدته قرائن أخرى، دون أن يكون دليلًا مستقلًا.

أما الحديث الموضوع، فقد بيّن الكاتب اتفاق العلماء على تحريم روايته دون بيان بطلانه، لأن ذلك يعد كذبًا على النبي – صلى الله عليه وسلم- وإضلالًا للناس. ثم عرض الكاتب نماذج تطبيقية منها حديث فضائل سور القرآن المنسوب إلى أبي بن كعب. ويخلص الكاتب إلى أن سلامة التفسير تقتضي الاقتصار على الأحاديث الصحيحة، وتجنب الضعيف والموضوع حمايةً لمعاني القرآن من التحريف والاضطراب.

المبحث الخامس: الأخذ بالإسرائيليات

يتناول الكاتب ظاهرة الإسرائيليات في كتب التفسير، مبينًا أنها أسهمت في إدخال الخرافات وتحريف بعض معاني الدين، بسبب اعتماد عدد من المفسرين على أخبار أهل الكتاب في تفسير الآيات، خاصة فيما يتعلق بقصص الأنبياء وبدايات الخلق وأخبار الأمم السابقة. ويرى أن هذا التوسع كان نتيجة ضعف التحري والرغبة في استقصاء التفاصيل التي سكت عنها القرآن.

ويعرّف الكاتب الإسرائيليات بأنها الروايات المنقولة عن اليهود والنصارى، ويقسمها إلى ثلاثة أنواع: روايات وافقها الشرع فهي مقبولة على سبيل الاستئناس لا الاعتماد، وروايات خالفت الشرع فهي مردودة، وروايات سكت عنها الشرع فلا يُحكم بصدقها ولا بكذبها. ومع ذلك يرجح الكاتب أن الإسرائيليات لا تصلح لتفسير القرآن أو تقرير الأحكام، وأن الأولى الاستغناء عنها بما ثبت في الكتاب والسنة ثم يعرض الكاتب أقوال العلماء المحذرة من الأخذ بالإسرائيليات، التي لا تزيد القارئ إلا وهمًا واضطرابًا.

المبحث السادس: الأخذ بالأقوال التفسيرية الشاذة

يتناول الكاتب قضية الأخذ بالأقوال التفسيرية الشاذة، مبينًا أن المفسر مطالب بالتحرر من التقليد الأعمى، مع الالتزام بالأقوال الراجحة المستندة إلى الدليل. ويرى أن الشذوذ في التفسير يتمثل في الانفراد بقول يخالف ما عليه جمهور المفسرين دون حجة معتبرة، وأن مثل هذه الأقوال لا يصح بناء الأحكام أو المعاني القرآنية عليها. واستشهد بأقوال عدد من العلماء الذين حذروا من الأخذ بالشاذ، مثل محمد بن جرير الطبري وابن جزي الغرناطي والعز بن عبد السلام.

المبحث السابع: الغلو في التفسير الإشاري

يتناول الكاتب في هذا المبحث ظاهرة الغلو في التفسير الإشاري عند بعض المتصوفة، مبينًا أن التفسير الإشاري يقوم على استخراج معانٍ خفية من الآيات تتجاوز ظاهر النص. وينتقد الكاتب صور الغلو في التفسير الإشاري، حيث تُصرف الآيات عن معانيها الظاهرة إلى تأويلات رمزية متكلفة. وفي هذا السياق يعرض الكاتب الخلاف حول حكم التفسير الإشاري، موضحًا أن بعض العلماء رفضوه خشية التقول على الله، بينما أجازه آخرون بشروط، أهمها ألا يخالف ظاهر القرآن، وألا يُدّعى أنه المعنى الوحيد للآية، وألا يعارض دليلًا شرعيًا أو عقليًا.

المبحث الثامن: التكلف في التفسير العلمي

ينتقد الكاتب في هذا المبحث قضية التكلف في التفسير العلمي للقرآن، مبينًا أن بعض المفسرين بالغوا في ربط القرآن بالنظريات والاكتشافات العلمية، حيث يرى أن هذا الاتجاه المبالغ فيه قد يصرف القرآن عن مقاصده الأساسية في الهداية والإصلاح. ويعرض الكاتب في هذا الصدد الخلاف حول التفسير العلمي؛ مبينًا أن فريقًا من العلماء رفضه رفضًا تامًا خشية إخضاع القرآن للنظريات المتغيرة، بينما أجازه فريق آخر لما فيه من إبراز وجه من أوجه الإعجاز القرآني.

ويرجح الكاتب موقفًا وسطًا يقبل الاستفادة من الحقائق العلمية الثابتة في فهم بعض الآيات، بشرط ألا تخالف دلالة النص وسياقه، وألا تعتمد على الفرضيات والنظريات غير المستقرة، وألا تُحمَّل الآيات ما لا تحتمله لغتها أو مقاصدها. يورد الكاتب في هذا الإطار بعض الأمثلة على التكلف في التفسير العلمي. ويخلص إلى أن التفسير العلمي المقبول هو ما يستند إلى حقائق ثابتة ويخدم تدبر القرآن، أما التفسير القائم على التكلف وملاحقة النظريات المتغيرة فيؤدي إلى تحريف دلالات النص القرآني.

الفصل الثالث

القراءة المعاصرة للنص القرآني تأويل أم تبديل

يقف الكاتب في هذا الفصل وقفة نقدية عند القراءة المعاصرة للقرآن الكريم ويعني القراءة التي تبنّت النموذج التأويلي الغربي على علاته، رغم مجافاته لطبيعة النص القرآني، وقطعت صلتها بالإرث التفسيري.

المبحث الأول: القراءة التاريخية محمد أركون نموذجًا

يعرض الكاتب في هذا المبحث مشروع محمد أركون بوصفه أبرز ممثلي القراءة التاريخية للقرآن، وهي قراءة ترى أن النص القرآني نتاجٌ لظروفه التاريخية والاجتماعية والسياسية، وأن دلالاته وأحكامه مرتبطة بزمان التنزيل ومكانه ولا تتجاوزهما. ويبين الكاتب أن أركون جعل من تاريخية النص أساسًا لإعادة قراءة الوحي من خلال نزع طابعه الكوني وإخضاعه للتحليل التاريخي والأنثروبولوجي والتفكيكي، معتبرًا أن صلاحية القرآن لكل زمان ومكان دعوى تتعارض مع فهمه التاريخي للنص. ويناقش المؤلف هذه الرؤية بالنقد، مؤكدًا أن الصحابة والعلماء جرى عملهم على قاعدة “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، وأن الأحكام القرآنية لم تُحصر في أسباب نزولها، مما يدل على عموم الخطاب وخلود التشريع. كما يبيّن أن أركون تجاوز نقد التراث والتفسير إلى نقد الوحي نفسه، وذكر على ذلك شواهد من أعماله منها زعمه أن القرآن يفتقر إلى التنظيم المنهجي الصارم، ويكتنفه الغموض، وتغيب عنه الوحدة النصية والانسجام الداخلي، وهي دعاوى يردها المؤلف.

ينتقل الكاتب إلى مناقشة قضية أخرى من القضايا التي أثارها أركون تتمثل في استبدال المصطلحات القرآنية الأصيلة بمسميات حداثية جديدة، إذ يتجنب أركون ألفاظ القرآن مثل: القرآن، والوحي، والتنزيل، والفرقان، ويستعيض عنها بتعابير مثل “الخطاب النبوي”، و”المدونة الرسمية المغلقة”، و”الظاهرة القرآنية”. وفي هذا الإطار يرى الكاتب أن هذه المصطلحات ليست مجرد بدائل لغوية، بل أدوات فكرية تهدف إلى نزع القداسة عن الوحي وإدخاله في إطار الدراسات التاريخية والنقدية التي تُعامل النص القرآني معاملة النصوص البشرية. فمصطلح “الخطاب النبوي” يوحي بأن القرآن مرتبط بالنبي – عليه السلام- بوصفه منشئًا للخطاب لا مبلّغًا عن الله. أما “المدونة الرسمية المغلقة” فيقوم على تصور أن المصحف نتاج عملية تدوين تاريخية خضعت لسلطة سياسية ودينية فرضت نصًا رسميًا وأقصت غيره، لا ثمرة حفظ إلهي متواتر. وأما “الظاهرة القرآنية” فتختزل القرآن في كونه حدثًا تاريخيًا نشأ في بيئة محددة واستجاب لظروف زمنية خاصة، بما يخدم دعوى تاريخية النص وقصر دلالاته على عصر التنزيل. ويخلص المؤلف إلى أن هذه المسميات تمثل جزءًا من مشروع أركون الهادف إلى إعادة تعريف القرآن خارج إطاره العقدي الإسلامي، وإضعاف الوعي بالمصدر الإلهي للوحي وعالميته، مؤكدًا أن المعركة في جوهرها هي معركة مصطلحات؛ لأن المصطلحات تحمل رؤى فكرية ومقدمات منهجية تؤثر في فهم النصوص وتوجيه دلالاتها.

انتقل الكاتب إلى بيان كيف سعى محمد أركون إلى ترسيخ دعوى “تاريخية النص القرآني” عبر توظيف عدد من مباحث علوم القرآن توظيفًا أيديولوجيًا يخدم مشروعه الحداثي، فجعل النسخ دليلًا على ارتباط الأحكام بظروفها الزمنية وقابليتها للمراجعة والتجاوز. كما استند أركون إلى تعدد القراءات القرآنية للإيحاء بتعدد النص نفسه، على نحو يشابه ما وقع في النصوص الدينية الأخرى. كذلك وظّف أركون مبحث أسباب النزول لإثبات أن القرآن رهين بسياقه الاجتماعي والسياسي، وأن لكل آية سببًا خاصًا يحد من دلالتها. وقد فند الكاتب دعاوى أركون واحدة تلو الأخرى وانتهى إلى أن المباحث التي استند إليها أركون لا تؤيد دعوى التاريخية، بل تدل على العكس؛ فهي تكشف عن تفاعل الوحي مع الواقع مع احتفاظه بعموميته وامتداده التشريعي والهدايتي عبر الأزمنة والأمكنة، الأمر الذي يجعل القراءة الأركونية، في نظره، قائمة على إسقاطات منهجية وانتقائية معرفية أكثر من قيامها على معطيات علوم القرآن نفسها.

من ناحية أخرى يناقش الكاتب مشروع “الإسلاميات التطبيقية” عند أركون حيث يرى الكاتب أن مشروع “الإسلاميات التطبيقية” عند محمد أركون يقوم على إخضاع القرآن لمناهج النقد التاريخي والأنثروبولوجي والسيميائي الغربية، بهدف قراءته بوصفه ظاهرة تاريخية ونصًا ثقافيًا لا مرجعية مقدسة متعالية. ويبين أن أركون يدعو إلى تجاوز التفسير التراثي والقراءة الإيمانية، واستبدالهما بمناهج تفكيكية تركز على تاريخ النص وبنيته اللغوية وإمكانات التأويل المفتوح. وينتهي الكاتب إلى أن هذا المشروع لا يؤدي إلى بناء فهم جديد للقرآن، بل يفضي إلى التشكيك في قدسيته وثوابته وعالميته، وإلى معاملته كنص بشري خاضع للنقد التاريخي كسائر النصوص الدينية الأخرى.

المبحث الثاني: القراءة الهرمنيوطيقية نصر حامد أبوزيد نموذجًا

يعرض الكاتب مفهوم الهرمنيوطيقا بوصفها نظرية لفهم النصوص وتأويلها نشأت في الدراسات اللاهوتية الغربية ثم امتد مجالها لتشمل مختلف النصوص الإنسانية، حيث تقوم على اعتبار التأويل عملية مفتوحة لا تعرف معنى نهائيًا أو حكمًا فاصلًا. وينتقل الكاتب بعد ذلك إلى بيان كيفية توظيف أبو زيد لهذا المنهج في قراءة القرآن الكريم، مستندًا إلى التأويلية الغربية، مع إخضاعها لرؤية جدلية مادية متأثرة بالفكر الماركسي. ويرى الكاتب أن هذا التوجه قاد إلى ما يسميه “أنسنة النص القرآني”، ويتجلى ذلك في التخلي عن الصيغ التقديسية المرتبطة بالقرآن، واستبدال المصطلحات الإسلامية التقليدية بمصطلحات حديثة، والقول بتأثر القرآن بنصوص وثقافات سابقة، واعتباره منفتحًا على تأويلات غير محدودة. ويؤكد الكاتب أن هذه الرؤية تفضي إلى نتائج خطيرة تتمثل في نفي ربانية الوحي، واعتبار القرآن منتَجًا ثقافيًا تشكل في الواقع التاريخي والاجتماعي، وإلغاء البُعد الغيبي للنص، وتفسير النبوة والوحي باعتبارهما ظاهرتين إنسانيتين مرتبطتين بالمخيلة والواقع الثقافي، الأمر الذي ينتهي بنزع القداسة عن القرآن وإفراغ الدين من أسسه العقدية القائمة على الوحي الإلهي وعصمة النبوة.

وفي هذا السياق يرى الكاتب أن أبو زيد سعى إلى قراءة القرآن من خلال مناهج حداثية تقوم على عقلنة النص وأرخنته؛ فالعقلنة تعني إخضاع القرآن للعقل والمناهج التأويلية الحديثة ونزع البعد الغيبي عنه، مما يؤدي – بحسب المؤلف – إلى تأويل الغيبيات والتسوية بين القرآن وغيره من الكتب المقدسة. أما الأرخنة فتعني ربط النص بظروفه التاريخية وقصر أحكامه ومعانيه على زمن نزوله، وهو ما يفضي في النهاية إلى نفي صلاحية القرآن لكل زمان ومكان، وإضفاء النسبية على العقائد والأحكام، وفتح المجال لتأويلات جديدة لا حد لها ولا ضابط تستجيب للرؤى الحداثية المعاصرة.

وفي نهاية المبحث يعرض الكاتب نموذجًا تطبيقيًا لتأويل أبو زيد لسورة العلق بوصفه مثالًا على منهجه الهرمنيوطيقي.

المبحث الثالث: القراءة اللغوية التشطيرية محمد شحرور أنموذجًا

يتناول الكاتب في هذا المبحث النموذج الثالث من نماذج القراءات التأويلية المعاصرة للقرآن وهو نموذج محمد شحرور الذي بدا تأثره بالفكر الماركسي في تأويله المنحرف للقرآن. ويوضح الكاتب ذلك بنقد مقولة شحرور “صراع المتناقضات” الذي جعلها أساسًا لتفسير العديد من المفاهيم القرآنية. ويعرض الكاتب نماذج من ذلك، نماذج تفتقر إلى السند اللغوي والشرعي والمنطقي، وتقوم على مجرد إسقاط المقولات الماركسية على القرآن بصورة مسبقة، مما يؤدي إلى تحميل الآيات معاني لا تدل عليها ألفاظها ولا سياقاتها.

ينتقل الكاتب إلى الحديث عن منهج شحرور اللغوي في التعاطي مع القرآن وهو منهج يقوم على ما يسميه الكاتب بـ “التشطير”، أي تفريق الألفاظ القرآنية المتقاربة في المعنى ونفي الترادف بينها، ليمنح كل لفظ دلالة مستقلة تخدم رؤيته الفكرية، كما تبنى فكرة تغيّر دلالات الألفاظ أو “هلاك الكلمات” بمرور الزمن، مما أتاح له إعادة تفسير كثير من المصطلحات القرآنية وفق تصورات حديثة متأثرة بالفلسفة المادية. وفي هذا الإطار يعرض الكاتب نماذج لذلك.

ويرى الكاتب أن منهج محمد شحرور القائم على التشطير والتقسيم يؤدي إلى تفكيك المصطلحات القرآنية المتقاربة المعنى وإعطائها دلالات جديدة لا تستند إلى لغة العرب ولا إلى تفسير السلف، وإنما تخدم تصورات أيديولوجية متأثرة بالفكر الماركسي. ويعرض لذلك عدد من النماذج التطبيقية منها تفريق شحرور بين الكتاب والقرآن والفرقان.

المبحث الرابع: القراءة النسوية للنص القرآني آمنة ودود نموذجًا

يناقش الكاتب هنا نموذج آخر من نماذج القراءات التأويلية المعاصرة للقرآن وهو النموذج النسوي ممثلًا في آمنة ودود باعتبارها نموذجًا بارزًا للقراءة النسوية المعاصرة التي تسعى إلى إعادة تفسير القرآن من منظور نسائي، انطلاقًا من اتهام التراث التفسيري بأنه رسّخ الهيمنة الذكورية وأهدر حقوق المرأة. ويبيّن الكاتب أن آمنة ودود تعتمد منهجًا تفسيريًا ذا جذور هرمنيوطيقية يقوم على أربعة عناصر: السياق التاريخي للنص، والبنية اللغوية، والرؤية الكلية للقرآن، ثم تضيف عنصرًا رابعًا هو “النص المسبق”، وهو يشمل خلفيات القارئ وأيديولوجيته، وطبيعة اللغة، والثقافة السائدة زمن التنزيل، ليصبح لدينا (النص المسبق للقارئ، النص المسبق للغة، النص المسبق للثقافة). فمن جهة “النص المسبق للقارئ” تؤكد أن كل تفسير يتأثر بخلفية المفسر ولا وجود لقراءة محايدة نهائية، مما يفتح المجال لتعدد التأويلات وتجدد الفهم عبر العصور. ومن جهة “النص المسبق للغة” ترى أن العربية لغة قائمة على التذكير والتأنيث، وأن هذا التجنيس اللغوي لا ينبغي أن يكون أساسًا للتمييز بين الرجل والمرأة في الحقوق والأحكام. أما “النص المسبق للثقافة” فيتمثل عندها في تأثير البيئة الجاهلية وعاداتها على سياق نزول الأحكام المتعلقة بالمرأة، إذ تعتبر أن كثيرًا من التشريعات القرآنية جاءت لمعالجة أوضاع اجتماعية خاصة بتلك المرحلة، وأن فهمها الصحيح يقتضي مراعاة هذا البعد التاريخي والثقافي.

وفي هذا السياق، ينتقل الكاتب إلى بيان موقف آمنة ودود من قضايا المرأة، حيث يرى أنها تنطلق من مسلَّمة أساسية مفادها أن التفسير التراثي منحاز للرجل، ولذلك تدعو إلى إعادة قراءة النصوص المتعلقة بالمرأة على أساس المساواة الكاملة. ومن أبرز الأمثلة التي ناقشها موقفها من شهادة المرأة. ويذكر الكاتب أن كتاب آمنة ودود “المرأة والقرآن” مليء بالتناقض ويفتقر إلى المنهج العلمي القويم نتيجة التضخم الأيديولوجي الذي يهيمن على الكاتبة.

المبحث الخامس: روافد القراءة المعاصرة للنص القرآني

هذا المبحث هو بمثابة ملخص ختامي للمباحث الأربعة السابقة حيث يتناول فيه الكاتب بصورة كلية الروافد الفكرية والمنهجية التي استندت إليها القراءات المعاصرة للنص القرآني في بناء تصوراتها التأويلية. ويرى الكاتب أنها سعت من خلالها إلى إضعاف مفهوم عالمية القرآن وصلاحيته لكل زمان ومكان، وذلك عبر تناول المبحث أهم الروافد التي اعتمدت عليها القراءات المعاصرة للنص القرآني، وهي الرافد اللغوي والكلامي والأصولي ورافد علوم القرآن والرافد الحداثي.

ففي الرافد اللغوي عرض الكاتب دعوات بعض المفكرين إلى إعادة تفسير المصطلحات القرآنية وفق تطور اللغة والمعاني الحديثة، ثم ناقش ذلك مؤكدًا أن التطور الدلالي لا يجيز إلغاء المعاني الشرعية الأصلية للألفاظ أو استبدالها بمعانٍ جديدة تخالف ما قرره الشرع.

وفي الرافد الكلامي بيّن توظيف مقولة خلق القرآن عند المعتزلة لدعم فكرة تاريخية النص وربطه بظروف نزوله، وردّ بأن هذه المقولة عند المعتزلة لم تكن تهدف إلى نفي قدسية القرآن أو عالميته، وأن الاعتقاد برَبانيته لم يمنع المسلمين عبر العصور من فهمه واستنباط الأحكام منه.

أما الرافد الأصولي فتمثل في توسيع مفهوم التأويل والاجتهاد والمقاصد لتصبح أدوات لإعادة إنتاج المعاني وفق الرؤى المعاصرة.

وأما رافد علوم القرآن فيبين الكاتب أن أرباب القراءة المعاصرة وجدوا في مباحث علوم القرآن مادة واسعة اتكأوا عليها في الترويج للتاريخية، ونفي الربانية عن النص القرآني، ونقض صلاحيته لكل زمان ومكان. ومن هذه المباحث، مبحث أسباب النزول وتنجيم القرآن.

وأخيرًا يأتي الرافد الحداثي الذي – كما يوضح الكاتب- كان معوانًا على استيفاء الأغراض الأيديولوجية للقراءة المعاصرة من خلال المناهج الغربية المستوردة التي يذكر الكاتب منها في هذا السياق ثلاث مناهج: منهج اللسانيات، البنيوية، والتفكيكية.

المبحث السادس: أسباب تهافت القراءة المعاصرة للنص القرآني

يبين الكاتب من خلال هذا المبحث أهم أسباب تهافت القراءات المعاصرة للنص القرآني ومن ذلك ما تعانيه تلك القراءات من تناقضات فكرية ومنهجية تضعف انسجامها الداخلي وتفقدها الموضوعية.

فعلى سبيل المثال يجمع أبو زيد بين الدعوة إلى الاحتكام للعقل بوصفه المرجع الأعلى في فهم النصوص، وبين نفي قدرة العقل على الوصول إلى أحكام نهائية أو يقينية، وهو ما يعده الكاتب تناقضًا يزعزع إمكانية تأسيس أي يقين ديني.

أما السبب الثاني فهو إهدار دلالة السياق ويضرب لذلك مثالًا بمحمد شحرور الذي يبرز هذا السبب عنده بوضوح حيث تكاد تكون دلالة السياق القرآني عنده منعدمة، فهو يقوم بإخضاع النص لتفسيرات مسبقة متأثرة برؤى فكرية خارجية.

 أما السبب الثالث فيتمثل في ضعف الحس النقدي تجاه المناهج الغربية المستعارة، والاعتماد على منهج واحد في تفسير القرآن وإقصاء بقية المناهج، فضلًا عن تنزيل المناهج الغربية على النص القرآني بصورة عشوائية دون مراعاة اختلاف البيئة والخلفية الفكرية التي نشأت فيها. هذا بالإضافة إلى التعصب الأيديولوجي الأعمى التي تقود إلى الانطلاق من مسلمات مشوهة لا دليل عليها مثل جزم أركون بأن القرآن لم يكتب في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم-.

ويخلص الكاتب إلى أن هذه الممارسات أدت إلى المماثلة بين النص القرآني والنصوص البشرية، مع إغفال الخصائص التي تميز القرآن من حيث مصدره الرباني، ومراداته المحددة، ووظيفته الهداية، وقطعية دلالاته، وعالميته، وإعجازه البياني.

المبحث السابع: مقاصد القراءة المعاصرة للنص القرآني

ذكر الكاتب مجموعة من المقاصد التي يرى أنها كانت هدفًا للقراءة المعاصرة للنص القرآني، أولها نزع القداسة عن النص القرآني، ثانيًا زحزحة الثوابت فلا يقينيات وقطعيات، واستئصال ثنائيات الحق والباطل والإيمان والكفر والحلال والحرام، ثالثًا إبطال المرجعية والقيادة للقرآن وذلك بتفكيكه من الداخل والحكم بتاريخيته، رابعًا إبادة التراث التفسيري وفصل الناس عن مرجعيته الأصولية وذلك بالهجوم عليه وإلقاء الافتراءات عليه وتنفير الناس منه، خامسًا صبغ المجتمع الإسلامي بالصبغة الحداثية فلا ممنوع يحذر ولا حرام ينكر.

المبحث الثامن: موازنات واستنتاجات

في نهاية هذا الفصل يأتي هذا المبحث بنظرة نقدية مقارنة بين التفاسير التأسيسية والقراءات المعاصرة ليخرج من خلالها الكاتب بمجموعة من الاستنتاجات الهامة.

يرى الكاتب أن التفاسير التأسيسية والقراءات المعاصرة للنص القرآني تختلفان اختلافًا جوهريًا في المنطلقات والمناهج والغايات؛ فالتفاسير التأسيسية تستند إلى القرآن والسنة وفهم السلف، وتنطلق من النص لتوجيه الواقع، مع المحافظة على قداسة النص وربانيته والالتزام بالسياق اللغوي والقرآني والضوابط الأصولية للوصول إلى المعنى المقصود والمقاصد الشرعية. أما القراءات المعاصرة فتنطلق من الواقع لإعادة قراءة النص بما يوافق المتغيرات الفكرية والاجتماعية، وتتبنى مناهج حديثة متأثرة بالفكر الغربي، وتؤكد على دور القارئ في إنتاج الدلالة، وترى أن المعنى قابل للتجدد والتعدد. كما يذهب الكاتب إلى أن هذه القراءات، رغم تنوعها، تشترك في عدد من المرتكزات، أبرزها التأثر بالفكر التنويري والحداثي الغربي، وتعظيم العقل، والدعوة إلى القطيعة مع التراث، والاستفادة من المناهج اللغوية والتاريخية والنقدية الحديثة، فضلًا عن النزعة العلمانية والتأثر ببعض الطروحات الاستشراقية، والاعتماد على التاريخية بوصفها مدخلًا لتفسير النصوص وربطها بظروف نزولها. ويخلص إلى أن التفاسير التأسيسية تؤكد عالمية القرآن وصلاحيته المستمرة، في حين تؤدي القراءات المعاصرة ـ في نظره ـ إلى تقييد دلالاته بسياقها التاريخي وإخضاعها للتأويل المتجدد.

الفصل الرابع

ضوابط القراءة الراشدة للنص القرآني مدخل إلى علم التدبر

المبحث الأول: آداب القراءة الراشدة للنص القرآني

يقدم الكاتب من خلال هذا المبحث مجموعة من الآداب القلبية والعلمية المعِينة على التدبر الراشد لكتاب الله، وفي مقدمتها إخلاص النية وابتغاء وجه الله، وإظهار الافتقار إليه بطلب العون والتوفيق، واستشعار هيبة القرآن بوصفه كلام الله لا كلام البشر، ثم العيش في رحاب النص بالتأمل والتفاعل الوجداني مع معانيه من خلال استحضار أن الخطاب القرآني يخاطب كل نفس بأمره ونهيه، والتأثر بمواعظه والترقي في مقامات الخشية ومراقبة الله تعالى. كما يؤكد أن التدبر الصحيح يقتضي التخلي عن موانع الفهم، منها التكلف في التفسير العلمي، والتعصب المذهبي، واتباع الهوى والشهوات التي تحجب القلب عن إدراك معاني الوحي. ويرى كذلك أن الاهتداء بفهم السلف الصالح يمثل مرجعًا أساسيًا في التفسير، وأن مشاورة أهل العلم عند استغلاق المعنى تعين على استجلاء الحق وتجنب الخطأ، كما أن التوقف عن التفسير عند غموض الدلالة أو عدم وضوح المراد يعد من منهج السلف واحتياطهم في القول على الله بغير علم.

المبحث الثاني: قواعد القراءة الراشدة للنص القرآني

يعرض الكاتب هنا جملة من القواعد المنهجية التي تقوم عليها القراءة الراشدة للقرآن الكريم. ويبدأ الكاتب هذه القواعد بقاعدة “تحقيق المفردة القرآنية” ويكون ذلك بضبط دلالة ألفاظه من خلال الرجوع إلى المعاجم اللغوية الموثوقة، ومعاجم ألفاظ القرآن، وكتب الوجوه والنظائر، ثم تتبع استعمالات اللفظ في جميع مواضعه القرآنية للكشف عن معناه الصحيح وتجنب الفهم الجزئي أو المحرف. كما يؤكد الكاتب على ضرورة الالتزام بالقواعد التفسيرية اللغوية، وأهمها تقديم بيان القرآن والسنة على غيرهما، وحمل الألفاظ على معانيها الشرعية أولًا ثم العرفية فاللغوية، والرجوع إلى معهود العرب في الخطاب زمن التنزيل، وعدم تفسير الألفاظ القرآنية بالمصطلحات الحادثة التي ظهرت بعد عصر النزول.

وإلى جانب ذلك يبرز الكاتب “أهمية السياق القرآني” باعتباره قاعدة من قواعد القراءة الراشدة وذلك بوصفه مرجعًا مهمًا في تحديد المعاني والمقاصد؛ إذ يمنع تحميل النص ما لا يحتمله من التأويلات، ويكشف المراد من الألفاظ والخطابات من خلال ربطها بما قبلها وما بعدها ومراعاة مقصد الآية والسورة. وقد عدّ علماء التفسير السياق من أعظم القرائن لفهم القرآن؛ فهو يبين المجمل، ويخصص العام، ويقيد المطلق، ويرجح بين المعاني المحتملة، ويحفظ النص من الانحرافات التأويلية التي تنشأ عن إهمال السياق أو إخضاع القرآن لسلطة القارئ وأهوائه.

ينتقل الكاتب للحديث عن القاعدة الثالثة وهي ما تتعلق بـ “التأويل وضوابطه”. فالتأويل – حسب ما وضّح الكاتب- ما يتجاوز مجرد التفسير الظاهر. وهنا يوضح الكاتب الروافد والضوابط التي لابد أن يعتني بها مَن يقوم بعملية التأويل. فالمؤول يحتاج إلى جملة من الروافد العلمية والمعرفية، أهمها: الرافد اللغوي القائم على الإحاطة بعلوم العربية وبلاغتها، والرافد النقلي المرتبط بعلوم القرآن وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وسائر العلوم المأثورة، والرافد الاجتهادي الذي يوظف أصول الفقه والمقاصد والعقل المنضبط لاستخراج الدلالات العميقة، والرافد الواقعي الذي يربط النص بقضايا العصر ومتغيرات الحياة، وأيضًا رافد الموهبة الذي يمنح المفسر قدرة على التدبر والإبداع في الفهم. بالإضافة إلى ذلك يشير الكاتب إلى أهمية الاستفادة المنضبطة من بعض المناهج اللغوية واللسانية الحديثة، مع مراعاة خصوصية القرآن وقدسيته. كما يقرر أن التأويل الراشد يقوم على منطلقات أساسية أبرزها الإيمان بخصائص القرآن الربانية وكونه وحيًا معصومًا صالحًا لكل زمان ومكان، والإحاطة بمقاصده الكلية التي توجه عملية الفهم والتفسير، والعلم بلسان القرآن من خلال دراسة مفرداته وأساليبه. أما ضوابط التأويل فقد بيَّن الكاتب الضوابط التي تجعل التأويل القرآني منضبطًا بمقاصد النص وسياقاته، بعيدًا عن الانفلات الدلالي أو الإسقاطات الفكرية. وجعل المؤلف المقصدية أول هذه الضوابط، مؤكدًا أن فهم القرآن ينبغي أن يرتبط بمقاصد المتكلم، أي مراد الله تعالى، مع الاعتراف بدور القارئ في استيعاب المعاني بحسب قدرته العلمية والفكرية، لكن ضمن الحدود التي يسمح بها النص. ولذلك يقرر ما قرره الشاطبي أن كل تأويل يصادم مقاصد الشريعة أو يناقض الغايات التي شرعت الأحكام لتحقيقها يعد تأويلًا باطلًا ومردودًا، هذا بالإضافة إلى أهمية دلالة السياق كضابط أساسي للتأويل.

أما القاعدة الرابعة فهي قاعدة “الترجيح”. وقد عرض الكاتب مجموعة من قواعد الترجيح مبينًا أن المفسر يلجأ إلى قواعد مرجحة عند تعدد الأقوال أو تعارضها. ومن أهم هذه القواعد: تقديم الروايات الصحيحة والصريحة في أسباب النزول، وجعل سبب النزول الصحيح مرجحًا لوجوه التفسير المختلفة، وتقديم الحقيقة الشرعية على المعنى اللغوي عند التعارض، وتفضيل التفسير الموافق لسياق الآية وما قبلها وما بعدها، وترجيح القول الذي تؤيده آيات أخرى من القرآن، وتقديم المعنى الأكثر شيوعًا في الاستعمال القرآني.

أما القاعدة الخامسة فهي قاعدة “النظر الشمولي” التي تقوم على فهم القرآن بوصفه وحدة متكاملة، وذلك من خلال جمع جميع الآيات المتعلقة بالموضوع الواحد، ومراعاة ترتيب النزول والتدرج التشريعي، وعدم الاكتفاء بالتفسيرات الجزئية، بل البحث عن المعنى الكلي الجامع الذي يستوعب مختلف الأقوال والتطبيقات، ما لم يوجد دليل يخصص بعض هذه المعاني دون غيرها.

أما القاعدة السادسة فهي “النظرة المقاصدية”، فالمقاصد من أهم ما يعين على إدراك مرادات القرآن وغايات التشريع ويمنع من الوقوع في الخطأ والانحراف التأويلي الناتج عن تجزئة النصوص أو إغفال مقاصدها الكلية. وفي هذا الصدد يبين الكاتب أن الكشف عن مقاصد التنزيل يتحقق من خلال عدة عناصر، أولها الاستقراء الشامل للآيات، والتدبر الذي يربط بين أجزائها وسياقاتها، وكذلك من خلال الرجوع إلى فهم الصحابة لكونهم الأقرب إلى عصر الوحي، وأيضًا من خلال الاستفادة من اجتهادات العلماء الراسخين في علم المقاصد.

ومن أبرز المقاصد العامة للقرآن: إصلاح العقيدة، وتهذيب الأخلاق، والتشريع، وإصلاح المجتمع، والاتعاظ بقصص الأمم السابقة، والتربية والتعليم، والوعظ والتبشير والإنذار، وإثبات صدق النبوة وإعجاز القرآن. كما يؤكد المؤلف أن لكل سورة مقصدًا رئيسيًا تنتظم حوله موضوعاتها، وأن معرفة هذا المقصد تكشف وحدتها الموضوعية وعلاقات آياتها بعضها ببعض، ويتم ذلك من خلال دراسة اسم السورة وأسباب نزولها ومكيتها أو مدنيتها وموضوعاتها العامة، وتتبع حركة المعنى في بدايتها ونهايتها، وكذلك الاستفادة من علم المناسبات الذي يوضح الروابط بين الآيات والمقاطع.

المبحث الثالث: خوارم القراءة الراشدة للنص القرآني

يقدم الكاتب في هذا المبحث مجموعة من خوارم القراءة الراشدة للقرآن، وأولها تحريف المصطلح القرآني سواء كان ذلك بجهل أو عن عمد لدوافع وأسباب أيديولوجية. ثانيًا الابتداع في التفسير، أي تفسير القرآن بآراء مذمومة لا يشهد لها نقل صحيح أو سياق صريح أوقرائن معتبرة. ثالثًا القول بالنسخ بدون بينة، فالأصل أن آيات القرآن محكمة باقية ملزمة، وإنما يقع البعض في هذا الخطأ نتيجة عدم تفريقه بين النسخ وبين التخصيص أو بين النسخ وبيان المجمل أو المشكل. رابعًا اتباع المتشابه وعدم رده إلى المحكم. خامسًا العمل بالرواية الضعيفة وأكثرها وارد في فضائل السور وأسباب النزول. سادسًا إهدار دلالة السياق. سابعًا ضمور التكوين الشرعي وتدني مستوى العلم الشرعي وضيق الأفق المعرفي.

عرض:

أ. يارا عبد الجواد*

ــــــــــــــــــــــــــــ

* باحثة في العلوم السياسية.

عن يارا عبد الجواد

شاهد أيضاً

القرآن في متون الحديث النبوي

أ. محمد الهادي الطاهري

جمع الحديث الصحيح وتدوينه مشروع معرفي تطلب إنجازه مدة من الزمن جاوزت القرن تقريبًا، وكان القصد منه تحديدًا توفير السند المنهجي لكل علم من العلوم الإسلامية.

نحو بناء علم التفسير

د. خليل محمود اليماني

إن وجود تراث تطبيقي متراكم من التفسير للنص القرآني يعني أوّل ما يعني أننا أمام ممارسة معرفية ممتدة، وكما هو الشأن في الممارسة العلمية فإن محصولها يظل في حالة من التراكم المستمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.