الأخلاق القرآنية في التأويل الحداثي

الأخلاق القرآنية في التأويل الحداثي:

دراسة نقدية لنظرية محمد شحرور*

د. بشار بكور**

مقدمة:

برزت في القرن التاسع عشر اتجاهات ثلاثة للنهوض بالأمة العربية والإسلامية من ركام التخلف، واستعادة أمجاد الماضي: اتجاه يدعو إلى التمسك بآثار السلف والاقتداء بهم، واتجاه مناهض يدعو إلى تتبع خطى الغرب واستنهاج سبُله، واتجاه ثالث خلط بين المذهبين، إذ فسر الإسلام تفسيرًا موائمًا لمرتكزات الحضارة الغربية وبرّر أنماطها وأساليبها[1]. ينضوي الاتجاهان الثاني والثالث تحت مقولة ابن خلدون بأن الأمة المغلوبة مولعةٌ بتقليد الأمة الغالبة في شعارها وزيّها وأحوالها وعاداتها[2].

وقد سعت المشروعات الحداثية العربية في القرن العشرين إلى استنساخ تجربة التحديث الغربي، بكل مناهجها وآلياتها، وأسقطتها على العلوم الإسلامية دون مراعاة الخصوصية الثقافية لهذه العلوم ذات السياق التاريخي والفكري المباين للسياق الغربي المعادي للدين[3]. ومن الطبيعي أن هذا التباين في تطبيق تلك الأدوات والمناهج، قاد إلى تحولات وتحديات في دراسة وفهم التراث الإسلامي: من هدم الثابت، وزحزحة المقدس، وانتهاك حرمة النص بتفكيكه وتعدد قراءاته… إلخ[4].

ألّف محمد شحرور، مهندس مدني سوري[5]، كتابه “الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة” عام ١٩٩٠[6]، وقد ادّعى أنه أتى فيه بفهم جديد للقرآن الكريم مستعينًا بالعلوم العصرية حتى يبرهن على قيم وطموحات الإسلام الحداثي التقدمي. ويبيّن شحرور في المقدمة دوافع تأليف كتابه، وهي أن الفكر العربي المعاصر (ومن ضمنه الفكر الإسلامي) يعاني من مشاكل فكرية متعددة: منها عدم التقيّد بالمنهج العلمي الموضوعي، وعدم تطبيق الكتّاب المسلمين لهذا المنهج على القرآن؛ وإصدار الأحكام المسبقة؛ وإهمال الفلسفات الإنسانية؛ وعدم وجود نظرية إسلامية في المعرفة الإنسانية، مصوغة صياغة حديثة؛ فضلًا عن أزمة فقهية حادّة يعيشها المسلمون[7]. بفضل هذه القراءة المعاصرة، يعتقد شحرور أن كل إنسان، عربي أو أجنبي، مؤمن أو ملحد، “سيجد شيئًا ما في هذا الكتاب يدخل ضمن قناعاته الخاصة”[8]. وقد أثار الكتاب ضجة واسعة وردود أفعال عديدة في العالم العربي والإسلامي، وأُلّفت حوله كثير من المقالات والكتب[9]. وحظيت أفكار شحرور التي خرجت عن المألوف وكسرت التابوهات باهتمام ملحوظ عند الكتاب الغربيين؛ إذ مثّلت صوتًا جديدًا من أصوات الإسلام الليبرالي-العصري[10].

تركز هذه الدراسة على نظرية الأخلاق في القرآن كما تصورها شحرور في كتابه “الكتاب والقرآن”، وهو جانب لم تتناوله الردود والدراسات السابقة عن شحرور. وتهدف الدراسة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة والقضايا:

ما فحوى النظرية الأخلاقية في القرآن، بحسب رؤية شحرور؟

على أي أسس أقام شحرور نظريته الأخلاقية؟

ما سمات ومقومات هذه النظرية؟

كيف تختلف نظرية شحرور عن الرؤية التقليدية للأخلاق في القرآن؟

هل هناك اتساق لغوي ومنطقي في مكونات البنية الداخلية لهذه النظرية؟

هذا، وتنقسم الدراسة إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول يحتوي على الإطار التصوري الذي يتألف من تعريف لأهم مصطلحات الدراسة، وهي التأويل والحداثة والأخلاق؛ ثم تقديم لمنهجية شحرور في كتابه؛ ثم عرض لنظريته في الأخلاق القرآنية كما يتصورها.

أما القسم الثاني وهو الدراسة التحليلية والنقدية، فيضم ستة مسائل، تناقش الخمسة الأولى منها نظرية شحرور في بنيتها اللغوية والفكرية، وأساسها التنظيمي للوقوف على تبين مدى اتساقها أو تخبطها، في حين تعرض المسألة السادسة لطبيعة الأخلاق في القرآن من حيث شمولها وتكاملها.

* * * * *

القسم الأول- الإطار التصوري

أولًا- مدخل مفاهيمي:

التأويل:

التأويل في اللغة: مأخوذ من الأَوْل وهو الرجوع، فكأن المؤوِّل أرجع الكلام إلى ما يحتمله من المعاني. وقيل: التأويل مأخوذ من الإيالة وهي السياسة، فكأن المؤوِّل يسوس الكلام ويضمه في موضعه[11]. ويردْ التأويل في الاصطلاح بمعنى تفسير الكلام وبيان معناه، سواء أوافق ظاهره أو خالفه. وبمعنى صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذي يتحدثون عنه في أصول الفقه ومسائل الخلاف.

والمتأوِّل في هذه الحالة مطالَب بأمرين: الأول أن يبيّن احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادَّعى أنه المراد. والثاني أن يبيِّن الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح، وإلا كان تأويلًا فاسدًا، أو تلاعبًا بالنصوص.[12] إذن التأويل الفاسد المتلاعب بالنصوص هو المنفلت عن ضوابط فهم النص وقواعده بغية قطع الصلة بين النص وقائله، واستجلاب معانٍ لا يحتملها اللفظ. “إنه انتهاك للنص وخروج بالدلالة”[13]. وتسمى الهرمينوطيقا (في بعض أشكالها) التأويلية[14].

الحداثة:

الحداثة مصطلح يختزن في طياته الكثير من المفاهيم والتصورات والأفكار الممتدة على رقعة زمنية ومكانية رحبة، ولهذا، فهي مصطلح غير مستقر ولا منضبط، ومن العسير الوقوف على تعريف يضع له حدودًا واضحة. فالحداثة، كما وُصفت، تيار جارف من التغييرات.[15] لكن مما لا نزاع فيه أن الحداثة مصطلح يُطلق على ما أنتجته المجتمعات الغربية المتقدمة في التقانة والسياسة والاقتصاد والاجتماع… والحداثة مشروع غربي، وتيار علماني دنيوي، يعادي القيم والعادات والتقاليد، ويدعو إلى تسييد العقلانية في شتى الميادين.[16] في تعريف أو توصيف الحداثة، هناك فكرتان أساسيتان تكونان قطب الرحى: الثورة ضد التقاليد، ومركزية العقل[17].

ويقسم زيجمونت باومان، عالم الاجتماع البولندي، الحداثة إلى مرحلتين: الأولى: الحداثة الصلبة وهي تلك التي دشنها عصر التنوير في أوروبا في القرن الثامن عشر، والذي أرسى دعائم مفاهيم كبرى مثل الدولة الحديثة والمجتمع والثقافة. وكان من صفات هذه المرحلة ثبات ووضوح الحدود والمعالم لما تبلور على النحو الذي أدى إلى تماسكه. والمرحلة الثانية: الحداثة السائلة، وهي التي تلت الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن العشرين، ويسمّي الكثير من الباحثين تلك المرحلة باسم (ما بعد الحداثة). لكن باومان يصفها بالحداثة السائلة؛ لأن صلابة المرحلة السابقة ذابت وانمحت حتى كادت تسيل أو تذوب، سواء أكان هذا في حدود الدول أو معالم المجتمع أو الهوية الثقافية والفردية[18].

وقد أشرت آنفًا إلى أن شحرور أطلق على مشروعه التجديدي للإسلام “قراءة معاصرة”، وعرَّف المعاصرة بأنها “تفاعل الإنسان مع النتاج المادي والفكري المعاصر، والذي هو أيضًا من نتاج الإنسان.”[19] ولا أرى كبير فرق بين الحداثة والمعاصرة في هذا السياق لسببين: الأول الخلاف القائم حول تحديد الفترة الزمنية التي مهدت أو كوّنت مصطلحي الحداثة والمعاصرة، وحول المفاهيم والأفكار التي تندرج تحتهما.[20] ويمتد الخلاف أيضًا إلى الاضطراب في ترجمة كلمتي modernity, modernism إلى الحداثة أو المعاصرة أو العصرية.[21] السبب الثاني قراءة شحرور في مضمونها واستمداداتها المعرفية قراءة حداثية. مثلًا، اعتمد شحرور في تأويله للقرآن والسنة اعتمادًا شبه كليّ على المذهب المادي الدياليكتيكي والتاريخي.[22] وما “الكتاب والقرآن” إلا قراءة جديدة للإسلام مصوغة في قوالب الفلسفة الماركسية.[23] واعتمد شحرور أيضًا في قراءته المعاصرة على التأويلية (كما سبق بيانها)، والتفكيكية.[24] ومن المعروف أن المادية والتأويلية والتفكيكية من سمات الفكر الحداثي.[25] فههنا يبرز التداخل بين الحداثة والمعاصرة. غير أن فارقًا بينهما قد نلمحه من المدلول اللغوي للمعاصرة الذي يشير إلى معايشة الشيء في عصره، من قولهم: “عاصَرْتُ فلَانًا مُعَاصَرَةً وعِصَارًا، أَي كنتُ أَنا وهُوَ فِي عَصْرٍ وَاحِد، أَو أَدرَكتُ عَصْرَهُ.”[26] وصرح شحرور بأنه أراد تأويل القرآن وفق العلوم العصرية/ المعاصرة، أو بحسب أرضية معارف القرن العشرين.[27] لكن هذه العلوم العصرية ما هي إلا نتاج الحداثة أو ما بعد الحداثة. وهذا تداخل آخر بين المصطلحين. يطمح شحرور إلى إيجاد أو ابتكار تأويل متجدد للقرآن في كل عصر حتى يتواءم مع معطيات ذاك العصر. فالتفاسير في رأيه تعكس الأرضية المعرفية التي كتبت فيها.[28] ويقول في إحدى المقابلات: “إن هذه الأمة ستشقى إذا بقيت تستشهد بي مدة ثلاثمائة عام بوصفي حجة في هذا الشأن. إن الزمن في تقدم، ولا بد من تطبيق أشياء جديدة.”[29] يذكر أن جذور ظاهرة القراءة المعاصرة التي بلغت ذروتها في القطيعة المعرفية مع التراث عند شحرور، بدأت مع الشيخ محمد عبده (ت ١٩٠٥)، وطنطاوي جوهري (ت ١٩٤٠) اللذين فسرا القرآن وفق معطيات العلم المعاصر، والنظريات العلمية الحديثة[30].

الأخلاق:

الخُلُق لغة: اسم لسجية الإنسان وطبيعته وما فُطِر عليه، مأخوذ من مادة (خلق) التي تدل على تقدير الشيء. لأن صاحبه قد قدِّر عليه.[31] عرف الجاحظ الخلق بأنه “حال النفس، بها يفعل الإنسان أفعاله بلا روية ولا اختيار.”[32] ومن التعريفات المهمة المعاصرة للخلق تعريفُ عبد الرحمن حبنكة، إذ يقول: “صفة مستقرة في النفس فطرية أو مكتسبة، ذات آثار في السلوك محمودة أو مذمومة”[33].

ثانيًا: منهج الكاتب

اعتمد شحرور في نظريته الأخلاقية (كما هو الحال في سائر كتابه) على ما يأتي:

١- المنهج اللغوي لأبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني، وعبد القاهر الجرجاني. وقد أوضح جعفر دك الباب، الذي قدم لكتاب شحرور، المنهجَ العلمي التاريخي المتبع في الكتاب، والمستخرج من نظريتي ابن جني والجرجاني (اللتين تعكسان اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي). فابن جني -انطلق من وصف البنية اللغوية وتطورها بحسب الزمن، ودرس الأصوات وبحث في الاشتقاق. كما اهتم باكتشاف القوانين العامة للنظام اللغوي. وبحث في القوانين الصوتية العامة التي تعود على الخصائص الفيزيولوجية للإنسان.[34] أما نظرية الجرجاني فاعتمدت على بيان ارتباط خصائص بنية الكلمة المفردة بالوظيفة الإبلاغية التي تؤديها في الكلام؛ وعلى اكتشاف القوانين العامة للنظام اللغوي وارتباط اللغة بالتفكير.[35] ويخلص دك الباب إلى أن من مبادئ المنهج العلمي التاريخي المأخوذ من هاتين النظريتين: التلازم بين النطق والتفكير ووظيفة الإبلاغ؛ التطور التدريجي للتفكير الإنساني والنظام اللغوي الملازم له، وإنكار الترادف اللغوي[36].

 ٢- آخر النتائج التي توصلت إليها علوم اللسانيات، وعلى رأس هذه النتائج إنكار خاصية الترادف في اللغة العربية. يدّعي شحرور أن اللغة العربية لا ترادف فيه، وأن المترادفات خدعة،[37] واستنتج من ذلك أن القرآن شيء، والفرقان شيء ثان، والكتاب شيء ثالث، والذكر شيء رابع… والقائمة طويلة. والخلاصة أن المترادفات في العربية هي أسماء أو صفات لمسمى واحد. وعند شحرور، الترادف خدعة، والمترادفات متغايرات[38].

٣- الرجوع الأساسي إلى “معجم مقاييس اللغة” لابن فارس، الذي ينفي الترادف في اللغة.

٤- ميزة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، التي أتاحت للمؤلف تأويل القرآن بحسب أرضية معارف القرن العشرين دون إغفال التطور التاريخي لتفاعل الأجيال المتعاقبة مع الكتاب.[39] وقد وعد شحرور في المقدمة بأن القارئ لكتابه “سيجد فيه احترامًا شديدًا وإكبارًا عظيمًا لفكره وعقله.”[40] ويؤكد أن رائده “البحث عن الحقيقة بشكل موضوعي،”[41] والأخلاق الإسلامية التي تلزم المرء أن يتمسك بالأمانة العلمية[42].

ثالثًا: نظرية الأخلاق القرآنية عند شحرور

عرّف شحرور في مقدمة كتابه “الكتاب والقرآن” أربعة مصطلحات أساسية: الكتاب والقرآن والذكر والفرقان. يرى أن كلمة الكتاب -بأل التعريف- تعني مجموعة الموضوعات التي أوحيت إلى النبي r، وهي تؤلف في مجموعها كل آيات المصحف. ولأن محمدًا r، نبي ورسول، احتوى الكتاب على رسالته ونبوته. فالكتاب يضم كتابين رئيسيين: الأول: كتاب النبوة، وفيه المواضيع التي تتحدث عن المعلومات الكونية والتاريخية، ويفرّق بين الحق والباطل. والثاني: كتاب الرسالة، وفيه التعليمات وقواعد السلوك الإنساني، ويفرّق بين الحلال والحرام[43].

ويندرج تحت كتاب النبوةِ الآياتُ المتشابهات، وهي القرآن والسبع المثاني. فـ”القرآن” في تأويل شحرور جزء من “الكتاب”، وليس مرادفًا له. لأن الله تعالى وَصَفَ “الكتاب” بأنه هدى للمتقين، ووصف “القرآنَ” بأنه هدى للناس، وكلمة الناس تشمل المتقين وغير المتقين.[44] والتقوى هي اتباع الحلال وترك الحرام، وهي مذكورة فقط في “الكتاب”، الذي يشمل أحكام العبادات والمعاملات والأخلاق، أما “القرآن” الذي نزل هدى للناس فهو “كتاب الوجود المادي والتاريخي، لذا فإنه لا يحتوي على الأخلاق، ولا التقوى، ولا اللياقة، ولا اللباقة… فالقرآن حقيقة موضوعية[45] مادية وتاريخية لا تخضع لإجماع الأكثرية، حتى ولو كانوا كلهم تقاة، ويخضع لقواعد البحث العلمي، حتى ولو كان الناس كلهم غير تقاة”[46].

ويندرج تحت كتاب الرسالةِ الآياتُ المحكمات (ويسميها أيضًا أمّ الكتاب أو “الذي بين يديه”). وتضم الحدود، والعبادات، والفرقان (أي الأخلاق أو الوصايا)، وتعليمات عامة وخاصة، وأحكامًا مرحلية.[47] أما الذِّكْر فهو تحوّل القرآن إلى صيغة لغوية إنسانية منطوقة بلسان عربي[48].

إذن، الفرقان (أو الوصايا العشر) هو الأخلاق. وهو جزء من كتاب الرسالة الذي هو بدوره جزء من الكتاب. ويعرف شحرور الفرقان بأنه “التقوى الاجتماعية، وهو الأخلاق المشتركة في الأديان السماوية الثلاثة؛ لذا فرّقها الله لوحدها وسماها الفرقان.”[49] ويجب على المسلم أن يعامل الآخرين، مسلمين وغير مسلمين، على أساس التقوى الاجتماعية، لا على أساس التقوى الفردية، التي تضم العبادات. والفرقان – القاسم المشترك بين التعاليم اليهودية والمسيحية والإسلامية- نوعان: عام، وهو الوصايا العشر أو الأخلاق الواردة مختصرةً في سورة الأنعام، (الآيات: ١٥١-١٥٣) ومفصلةً في سورة الإسراء. ويمثل هذا الفرقانُ الحدَّ الأدنى من الأخلاق الواجبة لكل الناس، وبه تتحقق التقوى الاجتماعية. أما الفرقان الخاص فقد جاء لمحمد، ويختص بالذين حققوا التقوى الاجتماعية في حدها الأدنى، أي الذين طبقوا أخلاق الفرقان العام، ويرغبون في مزيد من التقوى. ودليل هذا الفرقان الخاص قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (سورة الأنفال: ٢٩). جاءت كلمة “فرقان” هنا منكرة، لكن بنودها وتفصيلها جاءت في سورة الفرقان، (من الآية ٦٣ إلى الآية ٧٦).[50] يصف شحرور هذا الصنف بأنهم أئمة المتقين، وهم حصرًا أئمة العلم المادي، وأصحاب التفكير العلمي البعيد عن الخرافة؛ لأنهم وُصِفوا في سورة الفرقان بأنهم عباد الرحمان، والرحمان اسم الربوبية لهذا الكون المادي الثنائي.[51] ويمضي شحرور في شرح المعاني والمفاهيم التي تضمنتها آيات سورة الأنعام[52].

 وإن أهم ما يسترعي انتباهَ القارئ في شرح الشحرور لهذه الآيات الكريمات عن الأخلاق، ثلاث قضايا:

القضية الأولى: تعريفه للشرك، وحديثه عن الشرك بالربوبية والشرك بالألوهية. يقول: “فالشرك بتعريفه العام هو «الثبات في هذا الكون المتحرك» إنكار لقانون التسبيح، ووقوف ضد التطور. وهذا شرك الربوبية، وتثبيتٌ لتشريع غير الله، وهذا شرك الألوهية-، كتثبيت مذهب أو مذاهب فقهية معينة، وعدم تطوير التشريع بشكل عام، لكي يتناسب مع الشروط الموضوعية المتطورة دائمًا… وأكبر مظاهر الشرك قاطبة هو سُكونية الفكر. فالتخلف شرك، والتقدم توحيد.”[53] ولكي يتجنب المسلم الشرك يجب عليه أن يؤمن بقانون الصيرورة والتحرك في كل شيء باستثناء العبادات والحدود في شكلها ومحتواها، والأخلاق في محتواها التي تشكل الصراط المستقيم الثابت. والمسلم الذي يبقى ثابتًا (أي لا يقبل التغيير والتطور)، واقع في الشرك والظلم[54].

وانطلاقًا من هذا المعنى للشرك، يستنتج شحرور بأن محاولة الآباء أن يلزموا أبناءهم باتباع أعرافهم أو تقاليدهم السائدة، مع رفض الأبناء لها (صراع الأجيال)، يسمى شركًا؛ لأنه يعيق التقدم، ويوقف التطور الإنساني. ويستشهد لرأيه بآية الوصية بالوالدين في سورتي لقمان: ١٥، والعنكبوت: ٨.[55] ولعل سائلًا يسأل: كيف ربط شحرور بين الشرك والثبات؟! الجواب: وصل بينهما بحركة بهلوانية عجيبة. قال بأن الشرك في اللغة معناه أن تجعل شيئًا ندًا لشيء ومكافئًا له. ومنه الشركة والشراكة. ثم أقحمَ فجأة اسم «الباقي»، من أسماء الله الحسنى، وقابله بلفظ «دائم» الذي يطلق على غير الله. وعرّف الدائم بأنه الذي يتغير دائمًا في حركة تقطع واستمرار على محور هو الزمن. ثم يخلص من ذلك إلى أن الكون كله في حالة تغير وتحرك دائمين، ولا ثبات البتة. أما الله ثابت “لذا فعندما عبَد العرب الأصنام ثبتوا صفة إلهية للحجارة، وهي الثبات”[56].

القضية الثانية: عرّف شحرور الفاحشة بأنها اسم للعلاقات الجنسية غير المشروعة، وقد جاءت في الكتاب حول كل ما حرمه الله تعالى مما له صلة بالعلاقات الجنسية حصرًا. فالسرقة وشرب الخمر مثلًا ليست فواحش، وإنما هي آثام. والفاحشة نوعان: النوع الأول ذات دافع غريزي، وهي عملية الجماع. ويجامع الذكرُ الأنثى بعقد، سماه الله عقد نكاح، لا عقد زواج. وهو ذو صيغة اجتماعية. ويقوم العقد على أساسين: تحريم نكاح المحارم الوارد في سورة النساء ولو بعقد (وهي حالة الحد الأدنى في تحريم النكاح)؛ وتحريم الجماع بين ذكر وأنثى من غير المحارم إلا بعقد.[57] والنوع الثاني ليس غريزة، بل تسبب عن شهوة إنسانية واعية ومدركة، يقوم بها الإنسان عن طريق التعليم الخاطئ، أو شروط موضوعية غير صحية، مثل اللواط.[58] ويزيدنا شحرور بيانًا في أن الله أمرنا أن نتجنب الفواحش الظاهرة، الواردة صراحة في الكتاب، وهي الزنا واللواط ونكاح المحارم؛ والفواحش الباطنة، وهي ممارسة الرجل اللواط مع زوجته. وهو ما سماه الله أيضًا النشوز الجنسي من الرجل، بقوله: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا)[59].

القضية الثالثة: يقسّم شحرور التقوى ثلاثة أقسام: فردية، وهي العبادات؛ اجتماعية، وهي الوصايا العشر أو الأخلاق؛ تشريعية، وهي الالتزام بالقانون ضمن حدود الله. ولا يحق لأحد أن يقيم حكمًا على الآخرين إلا من خلال التزامهم بالتقوى الاجتماعية والتشريعية[60].

ويخلص شحرور إلى أن الفرقان العام يبين الفرق الجوهري بين الأخلاق والأعراف. فالأعراف تقاليد وعادات اجتماعية نشأت عن بنية اقتصادية، وبيئية المناخ والتضاريس. وهي متصفة بالتغير زمانًا ومكانًا. ولهذا ذكرها الله في الكتاب دون تفصيل. أما الأخلاق فهي قانون روحي اجتماعي يربط بين الناس بغض النظر عن البنية الاقتصادية للمجتمع الإنساني، وهي ذات طابع عالمي وشمولي، ولها تأثير في السلوك الإنساني إذ تؤثر في شكل الأعراف. وقد جاءت وحيًا من الله. وهذه الأخلاق «الوصايا» هي نفسها التي نزلت على موسى وعيسى[61].

ومعنى هذا الكلام أن الأخلاق قوانين كونية ثابتة لا تتطور أو تتبدل، وهي مقوّمة للسلوك الإنساني. ويؤكد شحرور هذا المعنى حين رفض دعاوى من يخلطون بين الأخلاق والأعراف، إذ يرون أن الأخلاق أو الوصايا هي بنية فوقية لبنية تحتية هي العلاقات الاقتصادية. وعندما تتغير هذه البنية التحتية تتغير الأخلاق. ويعلل شحرور رفضه لهذا الرأي بأنه يؤدي إلى تحلل الإنسان من الوصايا، فينتج عنه أزمة أخلاقية تعصف بالمجتمع وتدمره[62].

ويعتقد شحرور أن المقصود بكلمة الحكمة أينما وردت في التنزيل هو القيم الأخلاقية والمثل العليا، وأن هذه القيم والمثل قد يعبر الله تعالى عنها بكلمة الحكمة، (كما في سورة الإسراء: ٢٣-٣٩)، أو ترد في التنزيل دون عنوان، (كما في سورة النساء: ٨٥-٨٦)؛ (والحجرات، ٦)؛ (والطلاق: ٢-٥)[63].

* * * * *

القسم الثاني: تحليل ونقد

المسألة الأولى: التعسف اللغوي

حصر شحرور الأخلاقَ في القرآن الكريم فيما سماه الفرقان، الذي هو جزء من أم الكتاب (أو الآيات المحكمات). ثم قسّم الفرقان إلى عام (الوصايا المشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام)، وخاص نزل على النبي r. ولدى شرحه للآيات المندرجة تحت الفرقان العام، وجدنا شحرور يؤول الشرك والفاحشة تأويلًا لغويًا خاصًا. مما لا يخفى أن هذا التقسيم الحداثي/العصري للقرآن الكريم، والتأويل المبتدع لألفاظه، مؤسس على المهاد اللغوي. ومرّ سابقًا في منهج الكتاب، أن شحرور تبنى المنهج اللغوي للفارسي وابن جني والجرجاني، ورجع في شرح الألفاظ إلى المعاجم اللغوية (وخصوصًا “معجم مقاييس اللغة” لابن فارس). فهل نجد في منهج هؤلاء الجهابذة العلماء، أو في العربية: نحوًا وصرفًا ولغة، ما يدعم رأي المهندس شحرور؟

لنناقش المؤلف في كلمتيّ الفرقان والقرآن.

أولًا: يدّعي شحرور أن الفرقان غير القرآن. وعمدته في هذا التفريق قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) (سورة البقرة: ١٨٥)، يقول بأن الفرقان جاء معطوفًا على القرآن، وينتج من هذا أن الفرقان غير القرآن. ولكن “القرآن” في الآية مرفوع، وهو نائب فاعل، و”الفرقان” مجرور معطوف على كلمة الهدى المجرورة، وليس معطوفًا على القرآن، كما زعم شحرور. ومعنى الآية أن القرآن نزل في رمضان هاديًا للناس جميعًا من الضلال، ومشتملًا على آيات واضحات تهدي إلى الحق من الأحكام والحلال والحرام، وتفرّق بين الحق والباطل.[64] ثم إن الأصل في “الواو”، كما ذكر جمهور النحويين، أنها لمطلق الجمع، فهي غير مختصة بعطف المتغايرات أو المتباينات، فقد تعطف الشيءَ على مرادفه[65].

و”الفرقان” في الأصل مصدر، بمعنى التفريق. يقال: فَرَقْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أَفْرُق فَرْقًا وفُرْقانًا. وَكُلُّ مَا فُرِقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَهُوَ فُرْقان.[66] ثم نُقل من المصدرية إلى الاسمية، وسُمي به القرآن الكريم. ونقل الفخر الرازي الأقوال المختلفة في تسمية القرآن بالفرقان. فَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّ نُزُولَهُ كَانَ مُتَفَرِّقًا أَنْزَلَهُ فِي نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا) (الإِسْرَاءِ: ١٠٦). ونَزَلَتْ سَائِرُ الْكُتُبِ جُمْلَةً وَاحِدَةً… وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحقِّ وَالبَاطِلِ، وَالحَلالِ وَالْحَرَامِ، وَالمُجْمَلِ وَالمُبَيَّنِ، وَالمُحْكَمِ وَالمُؤَوَّلِ، وَقِيلَ: الفُرْقَانُ هُوَ النَّجَاةُ، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ، وَذَلِكَ لأَنَّ الْخَلْقَ فِي ظُلُمَاتِ الضَّلالاتِ فَبِالْقُرْآنِ وَجَدُوا النَّجَاةَ.[67] إن شحرور ينكر الترادف اللغوي، ومن حقه أن يذهب هذا المذهب الذي قال به بعض علماء اللغة،[68] لكن ليس من حقه أن ينكر أو يتجاهل حقائق نحوية هي من البديهيات، لكي يثبت صحة دعواه في التفريق بين القرآن والفرقان.

ثانيًا: القرآن. إن كلمة “القرآن” تعني – في فهم النبي r، والمسلمين قاطبةً بدءًا من الصحابة الكرام إلى عصرنا الحاضر- جميعَ الآيات المنزلة على محمد r، المجموعة في المصحف. لكن شحرور توصَّل باجتهاده اللغوي وتحليله الفكري إلى أن “القرآن” يشير إلى آيات محددة فقط، وهي تلك التي تتحدث عن الوجود المادي والتاريخي. لأن القرآن-في رأيه- حقيقة موضوعية مطلقة خارج الوعي الإنساني، وفهمُ هذه الحقيقة لا يتأتى إلا بالبحث العلمي الموضوعي (كالفلسفة، والفيزياء والكيمياء… إلخ). وعليه فالقرآن لا يضم الوصايا الأخلاقية، أو الآداب السلوكية، والحلال أو الحرام، ولا السياسة والتربية.[69] وقد جمع القرآنُ الجزء الثابت من قوانين الكون الموجود في «اللوح المحفوظ» مع الجزء المتغير الموجود في «الإمام المبين».[70] وهذا الاجتهاد من المؤلف مبني على ادعائه بأن كلمة القرآن في العربية مشتقة من الفعل قرن، الذي يعني الجمع والمقارنة. قال: “والأساس في اللسان العربي هو فعل قرن، فعند ابن فارس نرى أن فعل قرأ اشتق من قرن”[71].

في واقع الأمر، إن شحرور نسب إلى ابن فارس ما لم يقُله قط، فليس في كتابه “معجم مقاييس اللغة”[72] (الذي اعتمده شحرور أساسًا لغويًا) ما يشير إلى اشتقاق قرأ من قرن.[73] والأساس في اللسان العربي هو اشتقاق القرآن من قرأ لا قرن.[74] فأين الأمانة العلمية، واحترام عقل القارئ اللذينِ وعد شحرور أن يلتزم بهما في مقدمة كتابه؟

ويحق أيضًا للقارئ أن يسأل: كيف يمكن للمرء، على ضوء هذا التأويل، أن يفهم قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) (سورة الفرقان: ٣٢) هل كان مقصود الكفار هنا تنزيل الآيات الكونية والتاريخية؟! وقوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍۙ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِيۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (سورة يونس: ١٥) أكان المطلوب الإتيانَ بآيات غير تلك التي تشير إلى الحقائق الموضوعية خارج الوعي الإنساني؟![75]

كيف يفسر لنا السيد شحرور قولَ سيدتنا عائشة – عندما سُئلت عن خُلق النبي r-: “كان خلُقه القرآن”؟[76] إن المعنى وفق تأويله: كان خلق محمدٍ آياتِ الوجود المادي والتاريخي! ويحق لنا أن نسأل شحرور: كيف يكون خُلق محمد r، آتيًا من الآيات التي لا علاقة لها أصلًا بالأخلاق ولا اللباقة ولا اللياقة، على حد تعبير شحرور؟ كان الأحرى بالسيدة عائشة أن تقول: “كان خُلقه الكتاب”؛ لأن الكتاب، في تصور شحرور، هو الذي يحتوي على الفضائل والأخلاق والآداب السلوكية!

ومما يُثبت تناقضَ شحرور وتخبطه في التفريق بين القرآن والكتاب، قولُه عند تفسير آية: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ): “القرآن في أم الكتاب عند الله عليّ حكيم.”[77] وهذا يخالف صراحةً ما قرره هو بنفسه غيرَ مرة من أن القرآن هو غير أم الكتاب، وليس داخلًا فيها!

وكذلك نجد هذه العبثية اللغوية في تأويله للشرك بأنه الثبات في هذا الكون المتحرك، بعد أن أتى بهذه المعادلة العجيبة الطريفة: شِرك (أن تجعل ندًا لله) + الباقي (اسم الله)، في مقابل الكون الدائم (أي المتغير). وبما أن الله ثابت، والكون في صيرورة دائمة، استنتج أن الشِرك هو مشاركة الله في صفة الثبات، وعدم الرغبة في مواكبة التطور. وبناء عليه، قرر أن التخلف شرك والتقدم توحيد[78].

إن شحرور مؤول للقرآن الكريم ينطلق من ذاتيته وإيديولوجيته والدوال المكونة لها، لا من النص نفسه، وأنساقه اللغوية، فهو ينأى بالنص عن دلالته المركزية في مستوييها الوظيفي والمعجمي، وعن السياق الذي ورد فيه، ويقحم فيه مدلولات ليس بينها وبين الدوال أي ارتباط لغوي سليم، أو علاقة منطقية يقتضيها النص نفسه. إن اللغة وضعت للتواصل بين البشر، وهي ظاهرة اجتماعية، شديدة الارتباط والتأثر بالظروف الاجتماعية والفكرية والثقافية التي أنتجتها.[79] ولكي يكون للتواصل باللغة معنى ومغزى لا بد أن يكون بين المتكلم والسامع مواضعة، كما يقول ابن جني،[80] أي اتفاق مشترك على وضع مصطلحات دلالية للألفاظ حتى تتم الإبانة عن الأشياء، ويمتاز هذا المسمى عن ذاك.

ولا ينكر أيضًا أن التغيير الدلالي للألفاظ ظاهرة طبيعية، حيث يحل محلَّ المعنى الأساسيِّ للكلمة معنى فرعيٌّ أو ثانوي، فرضته دلالةٌ سياقية أو تعبيرية أو أسلوبية. يقول بيير جيرو: “يتغير المعنى لأننا نعطي اسمًا عن عمد لمفهوم ما من أجل غايات إدراكية أو تعبيرية. إننا نسمي الأشياء ويتغير المعنى لأن إحدى المشتركات الثانوية (معنى سياقي، قيمة تعبيرية، قيمة اجتماعية) تنزلق تدريجيًا إلى المعنى الأساسي، وتحل محله، فيتطور المعنى”[81].

ويجب التنويه هنا بأن هذا التغيير الطارئ على اللفظ إنما يسري بين أفراد الجيل الذين أجروا هذا التغيير الدلالي، ولا يصح بحال أن نطبقه على أزمنة الأجيال السابقة الذين كان منهم اتفاق على دلالات أخرى. لهذا، عندما ندرس نصًا من النصوص يجب النظر إلى ما استقرت عليه دلالة الكلمات في اصطلاح المخاطبين وورود النص بمقتضى هذا الاصطلاح، سواء أكان ذلك في اللغة عمومًا، أم في فئة محددة ذات تخصص في علم من العلوم.[82] فالطبيب أو المهندس أو الفقيه حين يتحدث في القضايا المتعلقة بتخصصه يستعمل الكلمات المصطلح عليها في هذا التخصص “ضمن دلالاتها التي استقر عليها الاصطلاح، وتفهم كلماته وعباراته بمقتضى هذا المصطلح، ولا يُنظر إلى معانيها اللغوية العامة، ولا إلى أصول هذه المعاني وجذورها وأطوار نشأتها”[83].

لكن يؤكد علماء اللغة على ضرورة وجود علاقة بين اللفظ والمعنى الجديد أو الفرعي،[84] وإلا فستغدو العلاقة بينهما اعتباطية وستزول الحواجز أو الحدود اللغوية التي تفصل بين الألفاظ. نعم، إن فرديناند دي سوسير قال باعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول لكن هذا لا يقود إلى جعل المعنى اعتباطيًا. تشير الاعتباطية هنا إلى حقيقة وجود توافق محدد على استخدام نسق محدد من الكلمات وعلى كيفية استخدامه. وليس القصدُ من ذلك أن المعنى الذي تعطيه كلمةٌ معينة هو معنى اعتباطي؛ لأنه إنْ لم يكن للكلمة موضعٌ في نسق الكلمات فلن يوجد نسقٌ ولا توافق ولا معنى البتة. وبناءً عليه فلن توجد لغةٌ، ولن يكون تواصلٌ[85].

وإذا كانت البنيوية أبقت على العلاقة بين الدالّ والمدلول، (دالٌّ ومدلولٌ واحد)، فإن التفكيكية قضت على هذه العلاقة قضاء مبرمًا (دال ومدلولات).[86] فاللغة عند القائلين بالتفكيكية لا تتمتع بأي مركز ثابت، أو جذرٍ لغوي تعتمد عليه. وشحرور قام فعلًا بتفكيك الألفاظ القرآنية، وقطع العلاقة بين الدال والمدلول. أما زعمه الاعتماد على ما قررته المعاجم اللغوية، وآراء أئمة النحو والصرف، فكتابه نفسه ناطق بخلاف هذا الزعم[87].

 المسألة الثانية: أخلاق عامة وخاصة

قسم شحرور الأخلاق القرآنية قسمين: أخلاق عامة لكل الناس، وهي الحد الأدنى الذي يجب على الناس الالتزامُ به، وتمثل التقوى الاجتماعية. وسماها الفرقان العام، وهي الواردة في سورة الأنعام، (الآيات: ١٥١- ١٥٣). وأخلاق خاصة نزلت على محمد r، وهي أخلاق لا تُلزم الناس جميعًا. لأنها خاصة لمن أراد أن يزداد في التقوى. وسماها الفرقان الخاص، وهي الواردة في سورة الفرقان، (من الآية ٦٣ إلى الآية ٧٦). وكل من اتبع هذا الفرقان فهو من أئمة المتقين، وهم – في رأي شحرور- أئمة العلم المادي، الذين يؤمنون بالبينات المادية، وأصحاب التفكير العلمي البعيد عن الخرافة. فهؤلاء الأئمة هم عباد الرحمن، والرحمن اسم الربوبية لهذا الكون المادي الثنائي[88].

 يلخص هذا الجدول الأخلاق القرآنية بحسب رؤية شحرور:

الفرقان العام (الوصايا العشر) الفرقان الخاص (وهي عشر وصايا)
الوصية الأولى: عدم الشرك بالله الوصية الأولى: التواضع
الوصية الثانية: الإحسان للوالدين الوصية الثانية: الإعراض عن الجاهلين (الحلم)
الوصية الثالثة: عدم قتل الأولاد من إملاق الوصية الثالثة: التهجد وقيام الليل
الوصية الرابعة: الابتعاد عن الفواحش الوصية الرابعة: عدم الإسراف أو التقتير في الإنفاق
الوصية الخامسة: عدم قتل النفس بغير حق الوصية الخامسة: البعد عن الشرك
الوصية السادسة: عدم أكل مال اليتيم الوصية السادسة: عدم قتل النفس بغير حق
الوصية السابعة: إيفاء الكيل والميزان الوصية السابعة: عدم الزنا
الوصية الثامنة: العدل في القول الوصية الثامنة: الابتعاد عن شهادة الزور
الوصية التاسعة: بالوفاء بالعهد الوصية التاسعة: الابتعاد عن اللغو
الوصية العاشرة: اتباع الصراط المستقيم الوصية العاشرة: إذا ذكّروا بآيات الله لا يعرضون عنها، ويدعون الله أن يرزقهم أزواجًا وذرية صالحة تقر عيونهم بها[89]

ملاحظات:

١. إن الوصايا في سورة الأنعام موزعة على ثلاث آيات أو -إن شئت- ثلاث مجموعات: تضم المجموعةُ الأولى الوصايا الخمسَ الأُوَل. وختمها الله تعالى بقوله: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)؛ وتضم المجموعة الثانية الوصايا – من ٦ إلى ٩-. وختمها الله تعالى بقوله: (ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)؛ وتضم المجموعة الثالثة الوصية العاشرة، وهي الأمر باتباع الصراط المستقيم. وختمها الله تعالى بقوله: (ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وقد خُتِمت كل مجموعة بوصف خاص يناسب الوصايا المدرجة فيها: ففي الأولى نبّه الله على خمس وصايا، هي من أعظم الحقوق وآكد الواجبات؛ فكانت الوصية فيها من أبلغ الوصايا. وإذا تأملها الإنسان بعقله لوجد أنها مما تقتضيه فطرة العقل السليم، وتوجبه ضرورةُ العيش على هذه الأرض. والثانية تشتمل على شهوات قد يقع فيها من لم يتذكر أو يتعظ، فختمت بالتذكرة والزجر. والثالثة تضمنت الوصيةَ بالسير في الجادّة المستقيمة، والصراط المستقيم. وهذا يحتاج إلى تقوى واستقامة.[90] وبهذا يتضح أن الآيات منفصلةٌ بهذه الأوصاف الثلاثة، وإن كانت في مجموعها عشر وصايا.

وقد تجاهل شحرور وَصْفَي التعقل والتذكر، واهتم فقط بوصف التقوى كي تمهد له الطريقَ في الربط بين آيات ما سماه الفرقانَ العام، والفرقان الخاص. وفي سبيل هذا الهدف، أوّل شحرور “الصراط المستقيم” في الوصية العاشرة على أنه اتباع الوصايا التسع السابقة مجتمعةً غير مجزأة.[91] فالتقوى الاجتماعية هي أن يتبع أو يلتزم الشخصُ جميع هذه الوصايا. وإذا ما تحققت هذه التقوى، انتقل الشخص – إذا رغب- إلى اتباع مزيد من القيم الأخلاقية (وهي أخلاق الفرقان الخاص) حتى ينضم إلى نادي أئمة المتقين. والله تعالى وعد عباده بأنهم إن اتقوه فسيجعل لهم فرقانًا خاصًا. قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (سورة الأنفال: ٢٩). وكلمة فرقان هنا منكرة، لكن تفصيلها في سورة الفرقان، (من الآية ٦٣ إلى الآية ٧٦).[92] لاحظْ كيف جعل شحرور عبارة “إن تتقوا” في هذه الآية، هي نفسها “لعلكم تتقون” في الوصية العاشرة في الفرقان العام.[93] وصار معنى الآية، وفق تأويل شحرور: يا أيها الذين آمنوا، إنِ اتبعتم الوصايا العشر مجتمعةً، والواردة في الفرقان العام، فسأجعل لكم فرقانًا خاصًا، وأكفر عنكم سيئاتكم، وأغفر لكم.

ومن المعروف في علم النحو أنّ “إنْ” حرف شرط جازم، يجزم فعلين، يسمى الأول فعلَ الشرط، والثاني جوابَ الشرط. وجواب الشرط هذا لا يتحقق إلا إذا تحقق قبله فعل الشرط. أقول مثلًا: إنْ تنجحْ في الاختبار أُعطِك هدية. إعطاء الهدية (جواب الشرط) لن يتم إلا إذا سبقه نجاح (فعل الشرط). و”إن” في الآية حرفُ شرط جازم، و”تتقوا” فعلُ الشرط، وجواب الشرط “يجعل لكم فرقانًا”. إذن، إنّ جَعْلَ (أو إنزال أو إيجاد) الفرقان الخاص من الله تعالى متوقف على شرط تطبيق أخلاق الفرقان العام مجتمعةً. وإذ نعلم يقينًا أن الفرقان الخاص قد جعله الله، أي أنزله، وهو الآن بين أيدينا في المصحف يتلى آناء الله وأطراف النهار، (بغض النظر عن كوننا اتقينا الله أم لا)، فهذا يعني أن “الفرقان” المقصود في الآية شيء آخر، لا يمت إلى تأويل شحرور بأي صلة. هذه واحدة. أما الثانية فقد عطف الله على عبارة “يجعل لكم فرقانًا”، شرطين آخرين: تكفير السيئات، والمغفرة. والمعنى، على مقتضى تأويل شحرور، أنّ كل مؤمن لا يتقي الله، أي لا يتبع تعاليم الفرقان العام مجتمعة، فلن يحظى بفرقان خاص، ولن يكفر الله سيئاته، ولن يغفر له أيضًا! إن تفسير الآية الكريمة بعيدًا عن التواءات تأويل القراءة المعاصرة: إن تتقوا الله تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه يجعلْ لكم هدىً تفرّقون به بين الحق والباطل، أو نجاة ومخرجًا[94].

٢. انطلاقًا من تبني شحرور الفلسفة الماركسية القائمة على المادية، حصر أئمةَ المتقين في الفرقان الخاص، بأصحاب بالمادية والعلم والعقل. وادعى أن أهم صفاتهم “التأكيد على الجانب المادي في نظرتهم إلى الحياة.”[95] والدليل هو وصفهم في الآية بأنهم عباد الرحمن. والرحمن من الفعل «رحم» الذي يعني الرقة والعطف. والرحم علاقة القربى. لكن القرآن أضاف للرحم معنى آخر، وهو التوليد. ومنه جاء اسم الرحمن على وزن فعلان. “ووزن فعلان يفهم في اللسان العربي على أنه وزن ثنائية المتناقضين والزوجين والضدين.”[96] صار اسم الرحمن يمثل السيطرة والاستحكام والتوليد وبالتالي التطور في هذا الكون المادي الثنائي[97].

بحثنا في اللسان العربي، وفتشنا ودققنا النظر، فلم نجد أن “فَعلان” يحمل في داخله ثنائية التناقض والتضاد، كما قال شحرور؛ والذي وجدناه أن وزن فَعْلان صيغةُ مبالغة في كثرة الشيء، تدل على الحدوث والتجدد، ولا يلزم منها الدوام، مثل قولهم عطشان وجوعان وغضبان.[98] ووجدنا أن علماء اللغة قالوا بأن الرحمن مشتق من الرحمة والشفقة، “وَاللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، بُنِيَتِ الصِّفَةُ الأُولى عَلَى فَعْلانَ لأَن مَعْنَاهُ الْكَثْرَةُ، وَذَلِكَ لأَن رَحْمَتَهُ وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”[99].

ثم إن المرء يسأل والعجب آخذٌ منه كلَّ مأخذ: متى كان أئمة العلم المادي يؤمنون بالله تعالى، ويوم الحشر، والآخرة، والجنة، والنار، وهي أمور غيبية (ميتافيزيقية)، لا تصل إليها أيدي المادة، وغير خاضعة للتجربة والمشاهدة؟! بل إنهم، فوق ذلك أيضًا، يبيتون لربهم سجّدًا وقيامًا!!

٣. يشترك الفرقان الخاص مع العام بأربعة وصايا: وهو أن هؤلاء المتقين لا يشركون بالله شيئاُ، ولا يقتلون النفس بغير حق، ولا يزنون، ويقولون قولًا عدلًا، أي لا يشهدون الزور. وقد فات المؤلفَ أن يخبرنا عن الفائدة أو الحكمة من تكرار هذه التعاليم الأخلاقية في الفرقان الخاص. لأن المنطق السليم أو التفكير العلمي يقضي بأن تكون جميع تعاليم الفرقان الخاص مختلفة عن تعاليم العام، وإلا لم يكن لهذه الخصوصية مزية.

 المسألة الثالثة: الأخلاق والأعراف

قسَّم شحرور الآداب والتعاليم الأخلاقية في القرآن إلى أعراف وأخلاق: فالأعراف مجرد عادات وتقاليد خاضعة للتبديل والتطور حسب الزمان والمكان. ولهذا، ذكرها الله مجملةً في الكتاب ولم يفصلها. أما الأخلاق فهي قوانين كونية شاملة، تهدف إلى توجيه السلوك الإنساني، ولا تخضع للتبديل أو التغيير. لهذا جاءت وحيًا من الله[100].

في هذا التقسيم مشكلتان: الأولى: عندما أشار شحرور إلى الأعراف قال: “ذكرها الله في الكتاب”، وعندما تحدث عن الأخلاق قال: “جاءت وحيًا من الله”. والسؤال: لمَ هذه التفرقة اللغوية في التعبير؟ وما الهدف منها؟ أليست الأعراف وحيًا من الله تعالى أيضًا؟ ألم ينزلها الله في “الكتاب” كما أنزل الأخلاق؟ أم لأن الأعراف مجملة وليست مفصلة فلا تستحق أن تكون وحيًا؟! أليس هذا تضليلًا متعمدًا حتى يقنع القارئ بالفرق بينهما، فيحذره من خطورة المساس بالأخلاق أو العبث بها لأنها “وحي”، أما الأعراف فشأنها مختلف لأنها “مذكورة” في الكتاب.

المشكلة الثانية: أدرج شحرور تحت قسم أم الكتاب (أي رسالة محمد) عدة فروع، وهي الحدود، والعبادات، والفرقان العام والخاص (أي الأخلاق)، وتعليمات عامة وخاصة، وأحكامًا مرحلية.[101] يقرر شحرور بأن جميع هذه الفروع باستثناء الحدود والعبادات، خاضعة للاجتهاد. وأول من اجتهد بها النبي r، وطبّقها “حسب الظروف الموضوعية في شبه جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي.”[102] من الواضح الجلي في هذا النص أن الأخلاق أمر نسبي، خاضع للاجتهاد الإنساني وفق الظروف الموضوعية المتغيرة في الزمان والمكان. وللإنسان الحرية في أن يجتهد في تفسير وتطبيق هذه القواعد الأخلاقية أو الوصايا بحسب أرضيته المعرفية. وبناء عليه، ينمحي الفرق بين الأخلاق والأعراف.

وفي كتابه “السنة الرسولية والسنة النبوية”، يقسّم شحرور الأخلاق المنطوية تحت الفرقان العام والخاص قسمين: الأول: محرمات حددها التنزيل، وبها أغلق باب التحريم، وليس مسموحًا لأحد بالاجتهاد في التحريم، مثل بر الوالدين وقتل النفس. والثاني: منهيات ترك فيها باب الاجتهاد مفتوحًا تحسبًا للظروف المجتمعية المختلفة. وتُوكل هذه المهمة إلى مجلس التشريع (البرلمانات) التي تسنّ القوانين لأفراد مجتمعها، مثل التجسس والميسر والرشوة[103].

وهنا يتساءل المرء: أي شحرور أتبع؟ أأتبع شحرور الأول الذي يقول بثبات الأخلاق الكونية وشموليتها ومعياريتها وتأثيرها في السلوك البشري، أم شحرور الثاني الذي يرى نسبية الأخلاق، وخضوعها للاجتهاد، وتطورها التفاعلي زمانًا ومكانًا؟ أم شحرور الثالث الذي يقسّم القيم الأخلاقية إلى ثابتة وسكونية، وإلى متطورة ومتحولة؟ مع ضرورة التنبيه على أن شحرور في هذه المواضع الثلاثة يتحدث عن زمرة الأخلاق نفسها، ألا وهي أخلاق الفرقان العام والخاص، المندرجة تحت أم الكتاب أو رسالة محمد.

وفي جانب آخر، يدّعي شحرور أن أم الكتاب أو رسالة محمد مرتبطة بالعلوم الاجتماعية والشرعية، أما نبوته فهي مرتبطة بالعلوم الموضوعية والتاريخية. فالرسالة ذاتية، والنبوة موضوعية.[104] ويشرح الذاتية بقوله: “فإذا أخذنا بر الوالدين لا نرى أن له وجودًا خارج الوعي الإنساني، فإذا علم الإنسان بوصية الله ببر الوالدين يمكن أن يبرهما أو لا يبرهما، وإذا لم يرد الإنسان أن يبر والديه فيمكن ألا يبرهما. وكذلك الصلاة؛ فإذا شاء صلى، وإن لم يشأ لم يصلّ. أي أن كل أحكام أم الكتاب مرتبطة بالإنسان… هنا نفهم معنى الذاتية.”[105] يُفهم من هذا النص أن الأخلاق أو الوصايا في الفرقان العام والخاص لا تتسم بطابع الإلزام أو الواجب الخلقي، ولا حرج على الإنسان في أن يتبناها أو يهجرها. لكن شحرور نفسه في موضع آخر من كتابه، يسبغ على هذه الأخلاق صفة الإلزام، حيث يزعم أن “الفرقان العام هو الحد الأدنى من التعاليم الأخلاقية الملزمة لكل الناس”[106].

في لقاء أجرته معه العربية نت، ونشر بتاريخ ٢٧/ يناير/ ٢٠٠٨، يقول شحرور بأن هناك نوعين من العلاقة الجنسية في القرآن: الزواج وملك اليمين. أما الزواج فهو المصاهرة وبناء أسرة تقتضي المساكنة والنفقة والشراكة والأولاد. أما “ملك اليمين” فمختلف تمامًا، ولا ينطبق عليه كل هذه الشروط. فعندما يمارس شاب الجنس مع فتاة دون شروط الزواج المعروفة، وبرضا الطرفين، فهذا يسمى ملك يمين.[107] لينسف بهذا كل حديثه عن أخلاق القانون العام، الحد الأدنى من التعاليم الأخلاقية الملزمة لكل الناس، (والتي منها تحريم الزنا)، ويُلبس مصطلح “ملك اليمين” لباس ممارسة الجنس بالتراضي.[108] وكأنه لا يرى بأسًا بذلك، ولو تناقض مع نفسه، في تبديل الرأي المرة تلو المرة؛ لأن “التطور والتقدم هما أساس العقيدة الإسلامية… وإن أحب الأديان إلى الله هو الحنيفية السمحة”[109].

إن الأحكام الأخلاقية في الإسلام حقائق معيارية[110] وموضوعية ومطلقة وثابتة، ترسم قواعدَ يحمل الإنسانُ نفسَه عليها اعتقادًا، ويلتزم بها قولًا وفعلًا حتى “يحوز الكمالَ بتهذيب خلائقه، ويكتسي حُلل الجمال بدماثة شمائله.”[111] والإنسان كائن أخلاقي، يحمل أمانة القيم.[112] لكن الأخلاق القرآنية – في قراءة شحرور- هي أخلاق الصيرورة، المنفصلة عن القيمة، وهي “مجموعة من الإجراءات التي يتفق عليها أعضاء مجتمع ما. وبالتالي يصبح الشيء الوحيد الثابت والمتفق عليه هو إجراءات الحكم الأخلاقي وطريقته وليس الأساس الذي يرتكز عليه”[113].

وقد نبَّه العديد من الكتّاب والمفكّرين في دراساتهم النقدية (الفلسفية والاجتماعية والنفسية والتاريخية… إلخ) على خطورة تبني مثل هذه الأخلاق المائعة أو السائلة، وتحدثوا عن معالم تلك الأزمة الأخلاقية وإفرازاتها. من هؤلاء، هانس يوناس في كتابه “مبدأ المسؤولية: أخلاق من أجل الحضارة التكنولوجية”، وهوستن سميث في كتابه “لماذا الدين ضرورة حتمية”، وزيجمونت باومان في كتابه “الأخلاق في عصر الحداثة السائلة”. ولدينا في العالم العربي المفكران البارزان عبد الوهاب المسيري، وطه عبد الرحمن؛ اللذان عنيا عناية خاصة بموضوع الأخلاق والحداثة.

المسألة الرابعة: الأخلاق في حدها الأدنى والأعلى

يعتقد شحرور أن الإسلام رسالةٌ متجددة دائمًا، فهي صالحة لكل زمان ومكان. وما كان لهذه الخصوصية أن توجد لولا صفتان أساسيتان متناقضتان للدين الإسلامي، وهما الاستقامة والحنيفية “حيث يكمن فيها جدلُ التشريع وبالتالي تطوره.”[114] ويستشهد بكثير من الآيات التي أشارت إلى هاتين الكلمتين: مثل قوله تعالى عن الاستقامة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة: ٦)، وقوله (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) (الأنعام: ١٥٣)، وغيرها. وجاءت الحنيفية في مثل قوله تعالى: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًاۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين) (الأنعام: ٧٩)، و(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) (الروم: ٣٠)، وغيرها كثير.[115] ثم يشرح «حنيف» بأنها تعني الميل والانحراف، و«مستقيم» بأنها الانتصاب، من الفعل قوم. والاستقامة ضد الانحراف. وتكمن قوة الإسلام في جمعه بين هذين النقيضين، إذ يتولد منهما “مئات الملايين من الاحتمالات في التشريع وفي السلوك الإنساني العادي بحيث تغطي كل مجالات الحياة الإنسانية في كل مكان وزمان”[116].

ثم ينتقل المؤلف بالقارئ إلى علم الرياضيات، فيتحدث عن التوابع المستمرة، وأشكالها المتعددة من نهايات عظمى وصغرى. فـ”الحنيفية” هي التابع المنحني أصلًا، و”الاستقامة” هي حدود تحقيق هذا التابع المتمثلة بالنهايات. ويستنتج شحرور من ذلك كله أن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان هي قابليتُه للحركة في حدود النهايات.[117] طبّق شحرور مبدأ الاستقامة والحنيفية بحدودهما الدنيا والعليا على التشريع والعبادات والأخلاق.

ذكرنا فيما سبق أن شحرور في نظريته الأخلاقية، أتى بما سماه الحد الأدنى من الأخلاق الذي يجب على الناس جميعًا الالتزام به، وهو أخلاق الفرقان العام. وفوق هذا الحد، تأتي أخلاق الفرقان الخاص للذين يرغبون في الازدياد في التقوى.[118] وفي حديثه عن الفواحش الواردة في سورة الأنعام، (الآية ١٥١)، يناقش شحرور بأن الله تعالى جعل الجماع حدًا أعلى للعلاقة بين الذكر والأنثى. وكل علاقة بين ذكر وأنثى لا تنتهي بالجماع الجنسي فليست فاحشة، لكن يُنظر إليها من باب الأعراف «الآداب العامة».[119] ولباس المرأة يتراوح بين اللباس الداخلي (الحد الأدنى)، وبين تغطية الجسم ما عدا الوجه والكفين (الحد الأعلى).[120] فإذا خرجت المرأة في الطريق بلباسها الداخلي فلا حرج عليها، ولم تخرج بذلك عن حدود الله (كذا)!

أقول: فيما يتعلق بكلمتي الاستقامة والحنيفية، الأصل الذي تفرّع عنه قضية الحد الأدنى والأعلى، قد ناقشهما أكثر من باحث، أهمهم الأستاذ ماهر المنجد، الذي استقرأ كلمة «حنيف» في القرآن، وحللها في ثلاثة مستويات: نحويّ سياقيّ، وصرفيّ، ومعجميّ.[121] وقد خلص إلى أن معناها “الثبات والاستقامة وعدم الالتواء والإخلاص واتباع ملة إبراهيم. وهذا يفضي إلى أن صفة «حنيف» في الآيات المذكورة ليست ضد الصراط المستقيم، وليست مناقضة للاستقامة حتى تتصارع معها وفق قانون صراع الأضداد كما أراد الكاتب”[122].

أيضًا، وعلى هدي ما سبق ذكره، أيّ قيمة جوهرية تنطوي عليها أخلاق الفرقان العام (الحد الأدنى) التي تارةً تخضع للتطور بحسب اجتهاد كل فرد، وتارةً توصف بأنها من الثوابت، وملزِمةٌ للناس؟ وما فائدة أخلاق الفرقان الخاص (الحد الأعلى) التي قصرها شحرور على أولئك المؤمنين بالمادية؟!

أما استشهاده بالتوابع المستمرة، والنهايات العظمى والصغرى، فالمراد منه ممارسة مزيد من التضليل والتشويش لعقل القارئ وفكره عبر إقحام علم الرياضيات. حيث يدّعي شحرور أن النهايات العظمى والصغرى في التوابع المنحنية يمر منها خط مستقيم مماسّ لها، وله خاصية أساسية وهي أنها لا يمكن أن تتجاوزه إذا كانت نهاية عظمى، ولا أن تنزل عنه إذا كانت نهاية صغرى. ثم يضيف أن التوابع المنحنية “لا تتجاوز أبدًا المستقيمات المماسة للنهايات، وأن مجال تحقيقها وعملها هو مجال النهايات تحت النهاية العظمى وفوق النهاية الصغرى، أو بين النهايتين العظمى والصغرى… وخارج هذه النهايات لا يتحقق التابع”[123].

وقد ارتكب شحرور عدة أخطاء في التسميات، وفي توصيف الحقيقة الرياضية. إذ أطلق تسمية نقطة النهاية على القيمة الكبرى أو الصغرى. وهي تسمية خاطئة ومبهمة، نقول: إن هناك نهاية تابع عند نقطة أو نهاية تابع عند اللانهاية، ولا يصح أن نطلق على القيمة الكبرى أو الصغرى، سواء العظمى أو المحلية، اسم نقطة النهاية.[124] والمقارب للتابع والمماس سماهما شحرور: الحد الأعلى (الأدنى)، القيمة الكبرى (الصغرى) للتابع، وهذه أيضًا تسمية تغاير التعريف الحقيقي للمقارب والمماس[125].

وفي توصيفه المستقيمات المماسة خطأ رياضي، فالنهايات بنوعيها العظمى والصغرى إنما هي نهايات ضمن مجال قيم معين، ولا يشترط بالمستقيم المماس المار فيها ألا يتجاوز منحني التابع في نقطة أخرى بل يمكن أن يتجاوز منحنى التوابع هذه المستقيمات وتبقى توابع صحيحة ومحققة. في الشكل الآتي: تابع له مماسان، ونلاحظ أن التابع يستمر بعد هذه المماسان ويخرج عنهما. فكيف أجاز شحرور لنفسه أن يسمي النقطة عند المماس نقطة نهاية![126]

(المصدر: كتاب التحليل: التوابع المألوفة والنشر المحدود، عمران قوبا، ٢٠١٧، ٢: ٧٤)

إن هذه المستقيمات ليست حدودًا تحد التوابع وتنفي عملها خارجها. وحديث شحرور عن الحدود في التشريع والعبادات الذي بناه على علم التوابع، لا يصح. وهو مقصورٌ على حالاتٍ خاصةٍ للتوابع أدرجها حتى يدلل على صحة مذهبه، وليست هي الأصل في تعريف النهايات في التوابع.[127] وقد حصر شحرور التوابع المستمرة ذات الشكل المنحني في بنود محددة، واختار حالات خاصة جدًا حتى توائم هدفه، وتدعم فكرته. والسؤال: لماذا لم يختر أنواعًا أخرى، كتوابع القيمة المطلقة، والتوابع ذات الدرجة الثالثة، أو توابع مستمرة شكلها مختلف.[128] لا شك أن في هذه الانتقائية خيانةً لأمانة العلم وقدحًا في صدق النية. وما ذكرناه هنا بعض أخطائه في التوابع لا كلّها.

المسألة الخامسة: القراءة المعاصرة والعلم الحديث

أوّل شحرور القرآن الكريم وفق الواقع الراهن، ومعطيات العلم الحديث. يقول: “نحن اليوم في وضع أفضل لفهم الآيات التشريعية في الرسالة الإلهية بسبب التقدم الذي حققته العلوم الإنسانية والطبيعية.”[129] وينبغي للقياس الفقهي أن يتم على أساس الأدلة التجريبية، والعلمية التي يقدمها علماء الاجتماع والاقتصاد والرياضيات وعلماء الطبيعة…[130] وفي سبيل تحقيق وَهْمِ عصرنة التراث الإسلامي، ليس عند شحرور أدنى حرج أو مشكلة أن يقع في تناقضات وإشكالات لغوية ومنطقية وفكرية، كما تبيّن في هذه الدراسة وغيرها. وبطلان استشهاده بالتوابع والنهايات الصغرى والعظمى في الرياضيات، لإثبات صحة الحد الأدنى والأعلى في الشريعة، خير مثال على ما نقول.

لقد استغل شحرور -بصورة مسيئة جدًا- البريق والقبول العالمي لمفردات مثل العلم والتقنية والتطور والتقدم، فوظفَ أدواتها وآلياتها في تأويل ودراسة العلوم الإسلامية دون مراعاة لخصوصية هذه العلوم في فلسفتها وسياقاتها التاريخية واللغوية والفكرية المباينة للفكر الحداثي الغربي. لقد آمن بخرافة “التقدم الحتمي التي تهيئ للبشر الاعتقاد بأنهم أكثر حكمة من أنبياء وأولياء الماضي، كما لو أن هذا التقدم قادر بنفسه على ضمان تفوق فكري وأخلاقي عند كل إنسان”[131].

وبمنهج الإسقاط الإيديولوجي المقلد للغرب بإطلاق، نصّب شحرور نفسه جرّاحًا يستأصل بمبضعه من التراث ما يظنه أورامًا خبيثة، لكنه في حقيقة الأمر يقوم هو وأمثاله من الحداثيين/العلمانيين بعملية ذبح للتراث على حد تعبير جورج طرابيشي.[132] وعملية الذبح هذه تمت بخديعة فكرية تأويلية، إذ أفرغت النص الديني من محتواه الأصيل ووضعت مكانه محتوى أجنبيًا دخيلًا لا يتساوق مع اللفظ، وهو ما سماه شحرور “ثبات النص وحركة المحتوى.”[133] وإذا غدا المحتوى مفتوحًا صار من السهل أن يتطابق مع “الأرضيات المعرفية المتغيرة والمتطورة للناس مع تطور الزمن إلى أن تقوم الساعة.”[134] ومن اللافت للنظر، أن هذا الإسقاط الإيديولوجي غير البريء له سوابق في تراثنا؛ يخبرنا ابن تيمية عن أناس فُتنوا بالأفكار والمقولات الفلسفية اليونانية، فحملوها على العبارات والألفاظ الإسلامية حتى توافق معتقدهم.[135] وبهذا تم لهم ولأمثالهم ما أرادوه من تمرير هذه الأفكار المضللة بوعاء إسلامي يألفه جمهرة المسلمين “فإذا سمعوها قبلوها، ثم إذا عرفوا تلك المعاني التي قصدها هؤلاء ضلّ بها من لم يعرف حقيقة دين الإسلام”[136].

في ردهم على هذه التبعية الحداثية في فهم التراث الإسلامي، طرح بعض المفكرين بدائل عن الأدوات والمناهج الغربية. مثلًا، أقام البروفيسور طه عبد الرحمن بنيان نظرية تقويمية للتراث عبر منهج جديد لإعادة قراءته ضمن آليات معرفية مستمدة من المجال التداولي للتراث نفسه. وفي سبيل هذه الغاية، كتب طه “تجديد المنهج في تقويم التراث”، و”في أصول الحوار وتجديد علم الكلام”، و”سؤال المنهج في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد”، و”روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية”.

أما عبد الوهاب المسيري فيرى أن المناهج ووسائل البحث والنماذج المعرفية (وخصوصًا الغربية)، لا تتسم بالحياد المطلق، بل تعبر عن مجموعة من القيم الكامنة التي تحدد مجال الرؤية ومسار البحث وتقرر مسبقًا بعض النتائج دون أن يتنبه الباحث إلى ذلك. وهذا ما سماه المسيري “التحيز”.[137] ومن واجبنا اكتشاف هذه التحيزات “واقتراح مصطلحات ومناهج وأدوات وقيم معرفية بديلة تتسم بقدر أكبر من الاستقلال، وربما الحيادية.”[138] وبهذا يتم التعامل مع النموذج المعرفي الغربي برؤية نقدية لا تقبل كل ما تنتجه، إنما تخضعه لعملية الفلترة والغربلة.

المسألة السادسة: طبيعة الأخلاق القرآنية

عُني الإسلام أيما عناية بتنمية الحس أو الشعور الأخلاقي الكامن في النفس البشرية، ومن ثم الارتقاء بها في معارج مكارم الأخلاق قولًا وفعلًا. قال رسول الله r: “إنما بُعثت لأتممَ مكارمَ الأخلاق.”[139] ويقرر الإمام الجويني أن “الشريعة مَجامعُها على مكارم الأخلاق، والنهي عن الفواحش والموبقات.”[140] وأن مضمون المقاصد الكلية في القضايا الشرعية هو الدعوة إلى محاسن الأخلاق ندبًا وإيجابًا، والنهي عن الفواحش تحريمًا وكراهية[141].

ولهذا، فإن “الأخلاق” في الإسلام لا تُطلَب مظانّها، أو تقتصر مفرداتها على علم شرعي بعينه، وإن كان قد اشتهر أن علم التصوف حظي بالنصيب الأوفى أو الشطر الأكبر من الحديث عن الأخلاق لما عُرف من فرط عناية علماء التصوف بمقام الإحسان، وآداب السلوك، ورياضة النفس وتهذيبها، وتطهير القلب من الرذائل، وتحليته بالفضائل.[142] إن موضوعات الأخلاق كثيرة، وفروعها متشعبة؛ إذ تدرسُ علاقة المخلوق بالخالق، وعلاقة المخلوقين بعضهم مع بعض، وتتناول قواعد السلوك الإنساني، ومصادره ومعاييره، والإلزام الخلقي، والحرية، والقضاء والقدر، والخير والشر، والنية والدافع… إلخ.

وانطلاقًا من هذه المساحة الأخلاقية الرحبة، فإن آيات الأخلاق في القرآن الكريم كثيرة جدًا وتقع في صميم الشريعة، وليست مجرد بضع آيات كما ادّعى شحرور. وإليك -على سبيل المثال- كتابين (تراثي ومعاصر) يعالجان الأخلاق في القرآن: الأول كتاب “شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال” للإمام الأصولي المجتهد العزّ بن عبد السلام (ت ٦٦٠هـ). قدّم العز في هذا الكتاب رؤية أخلاقية أصيلة للقرآن الكريم، ربط فيها بإحكام واقتدار بين النسقين الأخلاقي والمقاصدي في المراتب الثلاثة: الضروريات والحاجيات والتحسينيات. يشبه العز معرفةَ “ذات الله وصفاته” بالشجرة الطيبة، المذكورة في القرآن (إبراهيم: ٢٤-٢٥) أصلها -وهو المعرفة بالذات- ثابتٌ، وفرعها -المعرفة بالصفات- في السماء.[143] وصلاح القلبِ، ملكِ الجسد، يبدأ بمعرفة الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، (عقيدة)، ويتفرع عن هذه المعرفةِ جميعُ مكارم الأخلاق وجميلِ الصفات التي تنتظم تحت علوم المقاصد والفقه والحديث والتصوف. وقد اشتمل الكتاب على أكثر من ألف آية، وستمائة حديث. يقول العز بأن مَن وعى كتابه هذا ووقف على ضوابطه المقاصدية “لم يكد يخفَى عليه أدب من آداب القرآن.”[144] ويقول في موضع آخر بأن “معظم آي القرآن لا يخلو عن أحكام مشتملة على آداب حسنة، وأخلاق جميلة”[145].

والكتاب الثاني هو الدراسة الرائدة للدكتور محمد عبد الله دراز (ت ١٩٨٥) “دستور الأخلاق في القرآن الكريم”.[146] درس دراز الاتجاه الأخلاقي في القرآن نظريًا وعمليًا مقارنًا بالنظريات القديمة والحديثة.[147] في القسم النظري، تحدث دراز ببيان مفصل عن خمسة أركان: الإلزام والمسؤولية والجزاء والنية والجهد.[148] ثم عرض للأخلاق التطبيقية التي حشد فيها جمًا غفيرًا من الآيات في شتى ميادين الحياة: الأخلاق الفردية، والأسرية، والاجتماعية، وأخلاق الدولة، والأخلاق الدينية، وأمهات الفضائل الإسلامية[149].

خاتمة:

تناولت هذه الدراسة بالنقد والتحليل أطروحة محمد شحرور في قراءته للأخلاق القرآنية، وقد كشفت عن إشكالات على المستويين المنهجي والمفاهيمي. فمحاولته المواءمة بين المنظومة الأخلاقية القرآنية وبعض التصورات الحداثية، وبالأخص المادية الجدلية، افتقرت إلى الأسس العلمية واللغوية التي تكفل لها الاتساق والرصانة.

يتمثل الخلل المنهجي الرئيس في اعتماد شحرور على مقاربة اختزالية قلّصت الأفق الواسع للأخلاق القرآنية إلى ما سمّاه “الفرقان”، متجاوزًا بذلك السياق الكلي للنص القرآني، ومتغافلًا عن ترابط عناصر الخطاب الأخلاقي فيه. أما على المستوى المفاهيمي، فقد تضمن مشروعه تناقضات جلية، أبرزها الجمع بين القول بثبات القيم الأخلاقية بوصفها مبادئ كونية، وبين اعتبارها نسبية تخضع لاجتهادات الأفراد والمجتمعات حسب الزمان والمكان، مما جعل رؤيته تدور في فلك “أخلاق سائلة”، لا تلبث أن تنهار تحت وطأة التناقض الذاتي.

إلا أن مكمن الخطورة الأكبر في مقاربة شحرور يكمن في تعاطيه مع اللغة العربية، التي تُعدّ الوعاء الأصلي لمعاني الوحي. فرغم استحضاره لأسماء أعلام اللغة كأبي علي الفارسي، وابن فارس، وعبد القاهر الجرجاني، فإن تحليله اللغوي يفتقر إلى الالتزام بأصول علم اللغة والسياقات النصية الدقيقة، وقد وقع في اجتزاءات وتحريفات أفقدت المفردات القرآنية مدلولها الصحيح. واللغة في هذا السياق ليست مجرد أداة تقنية، بل هي شرط منهجي أصيل في فهم القرآن، وإغفالها أشبه بمن يجري عملية جراحية دون دراية بعلم التشريح.

لقد تقحّم شحرور مجالًا معرفيًا معقدًا دون تأهيل علمي كافٍ، ولا استعانة بأهل الاختصاص من علماء الشريعة أو اللغة، فخرج بتناقضات منهجية وعلمية كثيرة. وكما قال المحدث ابن حجر العسقلاني: “إِذَا تَكَلَّمَ المَرءُ فِي غَيْرِ فَنِّهِ أَتَى بالعَجَائِبِ”[150]. ومن هنا، ترى هذه الدراسة أن تفاعل التراث الأخلاقي الإسلامي مع بعض النظريات المعاصرة في الاخلاق قد يكون مثمرًا ومفيدًا إذا استوفى أربعة شروط أساسية: الالتزام الصارم بأصول تحليل النص القرآني، والتسلّح بملَكة لغوية راسخة في العربية الفصحى، والجمع بين أصالة التراث والفهم الدقيق للفكر الأخلاقي الحديث، والنظر إلى الأخلاق القرآنية بوصفها منظومة متكاملة ذات مقاصد شاملة.

* * * * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  المقال منشور في:

بشار بكور. (2026). الأخلاق القرآنية في التأويل الحداثي: دراسة نقدية لنظرية محمد شحرور. مجلة المسلم المعاصر. 188- 199. ص ص. 237 – 279.

**  أستاذ مشارك في قسم الدراسات التأسيسية والمتعددة التخصصات، كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا، bashar@iium.edu.my/.

[1] حسين، محمد، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، (القاهرة: مكتبة الآداب، ط ٣، ١٩٦٢)، ج١، ص ٦؛ حوراني، ألبرت، الفكر العربي في عصر النهضة ١٧٩٨-١٩٣٩، ترجمة: كريم عزقول، (بيروت: دار النهار، ١٩٦٨).

[2] ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، تحقيق: إبراهيم شبوح، (تونس: القيروان للنشر، والدار العربية للكتاب، ط١، ٢٠٠٦)، ج١، ص ٢٥٧.

[3] المسيري، عبد الوهاب، (تحرير)، إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، (فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط٢، ١٩٩٦).

[4] الطعان، أحمد إدريس، العلمانيون والقرآن الكريم، (الرياض: دار ابن حزم، ١٤٢٨هـ).

Suha Taji-Farouki, (ed). Modern Muslim Intellectuals and the Qur’an (Oxford: Oxford University Press; London: The Institute of Ismaili Studies, 2006).

[5] ولد شحرور في دمشق عام ١٩٣٨. درس الهندسة المدنية في موسكو عام ١٩٥٩. ونال شهادة الدكتوراه في الهندسة من دبلن عام ١٩٧٢. ثم عيِّن مدرسًا في كلية الهندسة المدنية- جامعة دمشق. اهتم بدراسة القرآن بعد هزيمة ١٩٦٧. أصدر سلسلة دراسات إسلامية معاصرة، باكورتها “الكتاب والقرآن”. مات في الإمارات عام ٢٠١٩.

https://shahrour.org/?page_id=2

[6] نشر دار الأهالي في سورية.

[7] شحرور، محمد، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، (دمشق: الأهالي، ١٩٩٠)، ٣٠-٣٢.

[8] المصدر نفسه، ٤٥.

[9] حول الكتب التي ألفت حول كتاب شحرور، انظر أندرياس كرستمان

-Christmann, Andreas. “’73 Proofs of Dilettantism’: The Construction of Norm and Deviancy in the Responses to Mohamad Shahrour’s Book al-Kitāb wa’l-Qurʾān: Qirāʾa Muʿ āṣira,” Die Welt des Islams, 2005, New Series, Vol. 45, Issue 1, pp. 20-73; Christmann, Andreas. “The form is permanent, but the content moves: the Qur’ānic text and its interpretation(s) in Mohamad Shahrour’s al-Kitab wal-Qur’an.” In Modern Muslim Intellectuals and the Qur’an. Suha Taji-Farouki (ed.) (Oxford: Oxford University Press; London: The Institute of Ismaili Studies, 2006) Pp. 263-295.

وفي رأيي، إن أحكم الردود على كتاب شحرور ثلاثة: الصيداوي، يوسف، بيضة الديك: نقد لغوي لكتاب الكتاب والقرآن، (دمشق: المطبعة التعاونية، د.ت)؛ المنجد، ماهر، الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن، (دمشق: دار الفكر، ١٩٩٤)؛ حبنكة، عبد الرحمن، التحريف المعاصر في الدين، (دمشق: دار القلم، ط١، ١٩٩٧).

[10] Christmann, “’73 Proofs of Dilettantism’; The form is permanent’; and his book The Qurʾan, Morality and Critical Reason: The Essential Muhammad Shahrur. (Brill, 2009); Dale F. Eickelman, “Islamic Liberalism Strikes Back,” Middle East Studies Association Bulletin, Vol. 27, No. 2 (December 1993), pp. 163-168; Peter Clarke, “The Shahrur Phenomenon: A Liberal Islamic Voice from Syria”, Islam and Christian-Muslim Relations, vol. 7, No. 3, 1996, pp: 337-341.

[11] الذهبي، محمد حسين، التفسير والمفسرون، (القاهرة: مكتبة وهبة، د.ت)، ج١، ص ١٤.

[12] المصدر نفسه، ١/ ١٥. قارن: القطان، مناع، مباحث في علوم القرآن، (القاهرة: مكتبة وهبة، ط٧، ١٩٩٥)، ص ٣١٧-٣١٨.

[13] حرب، علي، الممنوع والممتنع، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط١، ١٩٩٥)، ص ٢٢. انظر الطعان، العلمانيون والقرآن الكريم، ص ٤١٩-٤٣٤.

[14] مصطفى، عادل، فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا، (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، ٢٠٠٧)، أبوز زيد، نصر حامد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط١، ٢٠١٤)؛ المسيري، عبد الوهاب؛ التريكي، فتحي، الحداثة وما بعد الحداثة، (دمشق: دار الفكر، ط ٣، ٢٠١٠)، ص ١٣٩-١٤٩.

[15] تورين، ألان، نقد الحداثة، ترجمة: أسعد مغيث، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ١٩٩٧)، ص ٢٣.

[16] المسيري، الحداثة وما بعد الحداثة؛ خريسان، باسم، ما بعد الحداثة، (دار الفكر: دمشق، ٢٠٠٦).

[17] وطفة، علي، “مقاربات في مفهومي الحداثة ما بعد الحداثة،” مجلة فكر ونقد، العدد ٤٣ (٢٠٠١)، ص ٩٦.

[18] باومان، زيغمونت الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، ترجمة: سعد البازعي وبثينة الإبراهيم، (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، ٢٠١٦)، ص ١٠-١١. قارن المسيري، الحداثة وما بعد الحداثة.

[19] شحرور، الكتاب والقرآن، ص ٣٢.

[20] النحوي، عدنان علي، تقويم نظرية الحداثة، الرياض: دار النحوي، ط٢، ١٩٩٤، ص ٢٥-٢٨.

[21] المرجع السابق، ص ٢٦-٢٨.

[22] ومنه التاريخانية، وهي القول بأن الأفكار والأحداث والموضوعات تُدرَس وتفهم ضمن بيئتها التاريخية. ويعني هذا اللفظ أيضًا أن اللغة والحق والأخلاق ناشئة عن إبداع جماعي، لا شعوري، ولا إرادي. صليبا، جميل، المعجم الفلسفي، (بيروت: دار الكتاب اللبناني، ١٩٨٢)، ج٢، ص ٢٢٩. انظر الطعان، العلمانيون والقرآن الكريم، ص ٢٨٧-٣٠٢.

[23] (الأمثلة في الصيداوي، بيضة الديك، ص ١٠١-١١٤؛ الشواف، منير، تهافت القراءة المعاصرة، (قبرص: الشواف للنشر والدراسات، ط١، ١٩٩٣)؛ المنجد، الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن، ص ١٣٣-١٥٩؛ حبنكة، التحريف المعاصر في الدين؛ المعراوي، محمد صياح، الماركسلامية والقرآن، (بيروت: المكتب الإسلامي ط١، ٢٠٠٠).

[24] التفكيكية/ التقويضية  Deconstruction طريقةٌ في قراءة النص، وتفسيره، وتحليله، وتشريحه، تقوم على إتاحة وإباحة القراءة المتعددة والمتناقضة له، مع الإعراضِ عن المعنى الذي قصده كاتب هذا النص، وعن السياق الذي ورد فيه…

انظر حمودة، عبد العزيز، المرايا المحدبة، سلسلة عالم المعرفة، العدد ٢٣٢، (الكويت، ١٩٩٨)؛ زيما، بيير، التفكيكية، ترجمة أسامة الحاج، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ١٩٩٦)؛ المسيري، الحداثة وما بعد الحداثة، ص ٩٦-١٣١. وجاك دريدا، مبتدع هذه القراءة، يهدم “كل شيء تقريبًا في التراث أو يقوّضه من الداخل، ويسائل الأفكار المتعارف عليها عن العلامة، واللغة، والنص، والسياق، والمؤلف، والقارئ…” إليس، جون، ضد التفكيك، ترجمة: حسام نايل، مصر: المركز القومي للترجمة، ٢٠١٢)، ص ١٠٢.

[25] تورين، نقد الحداثة، ص ٩٣-١٤٩؛ المسيري، الحداثة وما بعد الحداثة؛ الطعان، العلمانيون والقرآن الكريم.

[26] الزبيدي، محمد، تاج العروس، (الجزء ١٣)، تحقيق: الطحاوي وفراج، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون، ١٩٧٤)، ج١٣، ص ٧٣.

[27] (شحرور، الكتاب والقرآن، ص ٤٤).

[28] المرجع السابق.

[29] Christmann, The Qurʾan, Morality and Critical Reason, p. 532.

[30] الحاج، عبد الرحمن، ظاهرة القراءة المعاصرة للقرآن وأيديولوجيا الحداثة، مجلة التسامح، العدد ١، (٢٠٠٣)، ص ٢٦٢-٢٣٩.

[31] ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، بيروت: دار الفكر، ١٩٧٩)، ح٢، ص ٢١٤؛ الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ص ٨٨١.

[32] الجاحظ، عمرو بن بحر، تهذيب الأخلاق، (طنطا: دار الصحابة للتراث، ١٩٨٩)، ص ١٢.

[33] حبنكة، عبد الرحمن، الأخلاق الإسلامية وأسسها، (دمشق: دار القلم، ط ٥، ١٩٩٩)، ج١، ص ١٠.

[34] شحرور، الكتاب والقرآن، ص ٢٠-٢١.

[35] المرجع السابق، ص ٢١.

[36] المرجع السابق، ص ٢٢-٢٣.

[37] المرجع السابق، ص ٤٧.

[38] اختلف علماء اللغة قديمًا في الترادف اللغوي: بعضهم أثبته مثل سيبويه، وقطرب، والأصمعي، فرأوا أن المترادفات أسماء لمسمى واحد. مثل السيف والحسام والمهند والصارم، أو الأسد، والهزبر والغضنفر. وآخرون أنكروه كأبي علي الفارسي، وثعلب، وابن فارس، وأبي هلال العسكري، فقالوا: إن الشيء له اسم واحد فقط، والأسماء الأخرى صفات له. وبين هذه الصفات فروق لغوية دقيقة. فكلمات السيف والحسام والمهند والصارم… كلها تدل على الحديدة التي يتم القتال بها. ولم يقل أحد من منكري الترادف بأن الحسام هو غير السيف، والمهند غير السيف، والسيف غير الصارم. الصيداوي، بيضة الديك، ص٦٠-٦٣؛ انظر السيوطي، عبد الرحمن، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق: محمد بك، ومحمد أبو الفضل إبراهيم والبجاوي، بيروت: المكتبة العصرية، ١٩٨٦)، ج١، ص ٤٠٢-٤١٢.

ولهذا وضع أبو هلال العسكري كتابه “الفروق اللغوية” للإبانة عن الفروق اللغوية الدقيقة بين المترادفات. ومن أمثلة ما ذكره قوله: “الفرق بَين القُرْآن وَالفرْقَان أَن القرَان يُفِيد جمع السُّور وَضم بَعْضهَا إِلَى بعض، وَالفرْقَان يُفِيد أَنه يفرق بَين الحق وَالبَاطِل، وَالمُؤمن وَالكَافِر.” العسكري، الحسن، الفروق اللغوية، تحقيق: محمد إبراهيم سليم، القاهرة: دار العلم للثقافة والنشر والتوزيع، ١٩٩٧، ج١، ص ٥٩. أما شحرور فزعم بأن اللسان العربي لا ترادف فيه. والخلاصة أن المترادفات في العربية هي أسماء أو صفات لمسمى واحد. وعند شحرور، الترادف خدعة، والمترادفات متغايرات.

[39] شحرور، الكتاب والقرآن، ص ٤٤.

[40] المرجع السابق، ص ٢٩؛ ٤٥.

[41] المرجع السابق، ص ٤٦.

[42] المرجع السابق.

[43] المرجع السابق، ص ٥٤-٥٥.

[44] المرجع السابق، ص ٥٧.

[45] الموضوعي (المقابل للذاتي): ما يتقوم به الشيء الخارجي، وهو ما يوجد بذاته في الأعيان مستقلًا عن المدرك. والموضوعي أيضًا: المستقل عن الإرادة، كالظواهر الطبيعية. صليبا، المعجم الفلسفي، ج ٢، ص ٤٤٨.

[46] شحرور، الكتاب والقرآن، ص ٩١. كرر فكرته هذه في مواضع أخرى من الكتاب، مثل ص ١٠٣.

[47] المرجع السابق، ص ١٧، ٤٤٧.

[48] المرجع السابق، ص ٦٢.

[49] المرجع السابق، ص ٤٩١.

[50] المرجع السابق، ص ٤٩١-٤٩٢.

[51] المرجع السابق، ص ٥٢٥.

[52] المرجع السابق، ص ٤٩٣-٥٢٣.

[53] المرجع السابق، ص ٤٩٦.

[54] المرجع السابق، ص ٣٩٦-٤٩٧.

[55] المرجع السابق، ص ٥٠٣.

[56] المرجع السابق، ص ٤٩٣. وعن تأويله للدائم والباقي، انظر ص ٣٧٠-٣٧٣.

[57] المرجع السابق، ص ٥٠٨-٥٠٩.

[58] المرجع السابق، ص ٥٠٩.

[59] المرجع السابق، ص ٥٠٩-٥١٠.

[60] المرجع السابق، ص ٥١٧.

[61] المرجع السابق، ص ٥٢٢.

[62] المرجع السابق.

[63] شحرور، السنة الرسولية والسنة النبوية، (بيروت: دار الساقي، ط١، ٢٠١٢)، ص ١٣٤.

[64] الألوسي، محمود، روح المعاني، (بيروت: دار إحياء التراث العربي)، ج ٢، ص ٦١؛ الزحيلي، وهبة، التفسير المنير، ط ١٠، دمشق: دار الفكر، ط ١٠، ٢٠٠٩)، ج ١، ص ٤٩٥.

[65] ابن هشام، عبد الله، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق: عبد اللطيف محمد الخطيب، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، ط١، ٢٠٠٠)، ج٤، ص ٣٥١-٣٦٨؛ المرادي، الحسن، الجنى الداني في حروف المعاني، تحقيق: فخر الدين قباوة ومحمد نديم فاضل، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط١، ١٩٩٢)، ص ١٥٨؛ المنجد، الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن، ص ٩٤؛ الصيداوي، بيضة الديك، ص ٣٦-٤٢.

[66] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، (القاهرة: دار المعارف، د.ت.)، ص ٣٣٩٨-٣٣٩٩.

[67] الرازي، محمد، (١٤٢٠هـ). التفسير الكبير، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط٣، ١٤٢٠هـ)، ج ٢، ص ٢٦١.

[68] أشرت من قبل إلى أنه يفهم الترادف فهمًا مغايرًا لعلماء العربية كافة، وأنه لم يتبع مذهب أئمة اللغة المنكرين للترادف، كما ادعى.

[69] شحرور، الكتاب والقرآن، ص ١٠٣.

[70] المرجع السابق، ص ٨٠.

[71] المرجع السابق، ص ٩٤.

[72] ولا في كتابه “مجمل اللغة” أيضًا.

[73] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج٥، ص ٧٦-٧٧ “مادة قرن”، ص ٧٩ “مادة قرأ”.

[74] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج ٥، ص ٧٩؛ السمين الحلبي، أحمد، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، تحقيق: أحمد الخراط، (دمشق: دار القلم، ط١، ١٩٨٦)، ج ٢، ص ٢٨٠؛ الزبيدي، تاج العروس، (الجزء الأول)، تحقيق: عبد الستار فراج، (الكويت: وزارة الإرشاد والأنباء، ١٩٦٥)، ج ١، ص ٣٧٠.

[75] انظر حبنكة، التحريف المعاصر في الدين، ص ٧٠-٧١.

[76] ابن حنبل، أحمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط١، ١٩٩٥-٢٠٠١)، ج ٤٢، ص ١٨٣. صحيح الإسناد.

[77] (شحرور، الكتاب والقرآن، ص ٢١٤).

[78] لمناقشة المؤلف في تفسيره الاعتباطي لكلمة الكتاب، والمصحف، ثم تقسيمه المصحف (أو الكتاب) إلى النبوة والرسالة، انظر الصيداوي، بيضة الديك، ص ١١-٥٠.

[79] هدسون، علم اللغة الاجتماعي، ترجمة: محمود عياد، القاهرة: عالم الكتب، ١٩٩٠؛ نهر، هادي، علم اللغة الاجتماعي عند العرب، بغداد: الجامعة المستنصرية، ١٩٨٨.

[80] ابن جني، عثمان، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، المكتبة العلمية (مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية ١٩٥٢)، ج١، ص ٤٤.

[81] جيرو، بيير، علم الدلالة، ترجمة: منذر عياشي، دمشق: دار طلاس، ١٩٨٨)، ص ٩٩.

[82] حبنكة، التحريف المعاصر في الدين، ص ٣٧.

[83] المرجع السابق، ص ٣٦.

[84] عمر، أحمد مختار، علم الدلالة، (بيروت: عالم الكتب، ط٥، ١٩٩٨).

[85] إليس، ضد التفكيك، ص ٦٨.

[86] حول العلاقة بين الدال والمدلول، انظر حمودة، المرايا المحدبة، ص ٣٠٢؛ عناني، محمد، المصطلحات الأدبية الحديثة: دراسة ومعجم إنكليزي-عربي، ط٣، الشركة المصرية العالمية للنشر، ٢٠٠٣)، ص ٩٨؛ خريسان، ما بعد الحداثة، ص ٦٧.

[87] انظر الأمثلة في الصيداوي، بيضة الديك؛ المنجد، الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن؛ حبنكة، التحريف المعاصر في الدين.

[88] (شحرور، الكتاب والقرآن، ص ٤٩١-٤٩٢، ٥٢٦).

[89] تجاهل شحرور الآيتين ٦٥ و٦٦ من صفات عباد الرحمن (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) ولم يدرجهما في الوصايا الخاصة، ثم دمج وصيتين اثنتين، وهما الآيتان ٧٣ و٧٤ في الوصية العاشرة.

[90] الخطيب الإسكافي، محمد، درة التنزيل وغرة التأويل، تحقيق: محمد آيدين، (مكة المكرمة: جامعة أم القرى، ط١، ٢٠٠١)، ج ٢، ص ٥٦٤-٥٦٩؛ الكرماني، محمود، أسرار التكرار في القرآن، تحقيق: عبد القادر عطا، (بيروت: دار الفضيلةـ د.ت.)، ص ١١٤-١١٥؛ ابن عطية، عبد الحق، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق فئة من الباحثين، (الدوحة: الشؤون الدينية، ط٢، ٢٠٠٧)، ج ٨، ص ٤٩٥؛ الشعراوي، محمد متولي، تفسير الشعراوي، (مصر: أخبار اليوم، ١٩٩١)، ج ٧، ص ٣٩٩٩-٤٠٠٠.

[91] شحرور، الكتاب والقرآن، ٥١٧.

[92] المرجع السابق، ٤٩١-٤٩٢.

[93] المرجع السابق، ٥٢٣-٥٢٤.

[94] ابن الجوزي، عبد الرحمن، زاد المسير في علم التفسير، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط١، ١٤٢٢هـ)، ج٢، ص ٢٠٤؛ السمين الحلبي، الدر المصون، ج ٥، ص ٥٩٥؛ القرطبي، محمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: التركي، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ٢٠٠٦)، ج ٩، ص ٤٩٣.

[95] شحرور، الكتاب والقرآن، ص ٥٢٥.

[96] المرجع السابق، ص ٢٥٤.

[97] المرجع السابق.

[98] الكفوي، أيوب، الكليات: معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٩٩٨)، ص ٤٦٨؛ السامرائي، فاضل، لمسات بيانية في نصوص من التنزيل، ط ٣، عمان: دار عمار للنشر، ٢٠٠٣)، ص ٣٣؛ الغلاييني، مصطفى، جامع الدروس العربية، (بيروت: المكتبة العصرية، ط٢٨، ١٩٩٣)، ص ١٨٧.

[99] (ابن منظور، لسان العرب، ص ١٦١٢، “مادة رحم”. انظر السمين الحلبي، الدر المصون، ج١، ص ٣٣-٣٤؛ الزبيدي، تاج العروس، (الجزء ٣٢، تحقيق: عبد الكريم العزباوي، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون، ٢٠٠٠)، ج ٣٢، ص ٢٣٣، “مادة رحم”، عضيمة، محمد عبد الخالق، دراسات لأسلوب القرآن الكريم، (القاهرة: دار الحديث، ١٩٧٢)، ج٧، ص ٦٥-٦٦.

[100] شحرور، الكتاب والقرآن، ص ٥٢٢.

[101] المرجع السابق، ص ١٧، ١١٢، ٤٤٧.

[102] المرجع السابق، ص ١١٢.

[103] شحرور، السنة الرسولية، ص ١٣٥-١٣٦.

[104] شحرور، الكتاب والقرآن، ص ١٠٤.

[105] المرجع السابق، ص ١٠٥.

[106] المرجع السابق، ص ٤٩٢.

[107]  https://www.alarabiya.net/articles/2008%2F01%2F27%2F44810

تم الدخول في ١٣/ سبتمبر/ ٢٠٢١.

[108] ويقول أيضًا بأن على المسلم السويدي أن يبقى سويديًا بكل أعراف وطبائع أهل السويد، وعليه أن يتقيد فقط بحدود الله والوصايا. المرجع السابق، ص ٧٢٩. ويناقش في موضع آخر بأن الإسلام فيه ثوابت ومتغيرات. والثوابت هي التي سماها الله الصراط المستقيم، ومنها الأخلاق (الفرقان). المرجع السابق، ص ٤٤٩، ٤٥٢. هذان شاهدان آخران على تناقضاته في قضية الأخلاق.

[109] المرجع السابق، ص ٧٢٩.

[110] الأخلاق عند سقراط وأفلاطون علم معياري، يحدد ما يجب أن يكون عليه السلوك الإنساني. إبراهيم، زكريا، المشكلة الخلقية، (القاهرة: مكتبة مصر، ١٩٦٦)، ص ٤٧-٤٩؛ حلمي، مصطفى، الأخلاق بين الفلاسفة وعلماء الإسلام، (بيروت: دار الكتب العلمية، ٢٠٠٤)، ص ١٧-١٩.

[111] الجاحظ، تهذيب الأخلاق، ص ١٠.

[112] إبراهيم، المشكلة الخلقية، ص ٣٠.

[113] المسيري، عبد الوهاب، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، (القاهرة: دار الشروق، ط١، ٢٠٠٦، ص ١٨٣.

 [114] شحرور، الكتاب والقرآن، ص ٤٤٧. طبعًا، هذا التناقض مستعار من الفكر الماركسي.

[115] المرجع السابق، ص ٤٤٧-٤٤٨.

[116] المرجع السابق، ٤٤٨-٤٤٩.

[117] المرجع السابق، ٤٥٠-٤٥١.

 قارن Christmann, 2009, p. 23)

[118] شحرور، الكتاب والقرآن، ص ٤٩٢.

[119] المرجع السابق، ص ٥٠٩.

[120] المرجع السابق، ص ٥٥٠-٥٥١

[121] المنجد، الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن، ص ١٥٢-١٥٦.

[122] المرجع السابق، ص ١٥٧؛ قارن بمناقشة حبنكة، التحريف المعاصر في الدين، ص ٢١٥-٢١٨.

[123] شحرور، الكتاب والقرآن ص ٤٥١.

[124] الأستاذة صفا قدورة، صفا قدورة، إجازة في الرياضيات التطبيقية والمعلوماتية، مقابلة شخصية، كوالالمبور، تاريخ ٧/ نيسان/ ٢٠٢٢.

[125] المرجع السابق.

[126] المرجع السابق، الأستاذ حسام الفرا، أستاذ مادة الرياضيات، مقابلة شخصية، كوالالمبور، تاريخ ١٩/ أيلول/ ٢٠٢١.

[127] الأستاذ حسام الفرا.

[128] انظر أمثلة في كتاب التحليل (الجزء الأول) للدكتور عمران قوبا، ص ٢٥٩ -٢٦٠.

[129] Christmann, The Qurʾan, Morality, p. 179.

[130] Ibid., p. 492.

[131] اللحام، كريم، تأملات في بنية الإطار المفهومي عند محمد شحرور، الإمارات: مؤسسة طابة، ٢٠٢١)، ص ٣٧.

[132] طرابيشي، جورج، مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، (بيروت: دار الساقي، ط٣، ٢٠١٢)؛

قارن طه عبد الرحمن، الحوار أفقًا للفكر، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط١، ٢٠١٣)، ص ١٥٩-١٦٦؛ روح الحداثة، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط١، ٢٠٠٦)، ص ١٧٧-٢٠٦؛ السكران، إبراهيم، التأويل الحداثي للتراث: التقنيات والاستمدادات، (الرياض: دار الحضارة، ١٤٣٥هـ).

[133] شحرور، الكتاب والقرآن، ص ٣٧.

[134] المرجع السابق، ص ٦٠.

[135] ابن تيمية، أحمد، بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، تحقيق: موسى الدويش، (المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، ط٣، ١٩٩٥)، ص ٢٣٥.

[136] ابن تيمية، أحمد، مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، (المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٩٩٥)، ج١٧، ص ٣٣٣.

[137] مرزاق، أحمد، مفهوم التحيز دراسة في بعض تحيزات الأستاذ المسيري، إسلامية المعرفة، السنة الرابعة عشرة، العدد ٥٣ (٢٠٠٨).

[138] المسيري، إشكالية التحيز، ص ١١.

[139] ابن حنبل، المسند، ج ١٤، ص ٥١٣.

[140] الجويني، عبد الملك، البرهان في أصول الفقه، تحقيق: عبد العظيم محمود الديب، (قطر، ط١، ١٣٩٩هـ)، ج ٢، ص ١٣٣٦.

[141] الجويني، عبد الملك، الغياثي: غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق: عبد العظيم الديب، (د.م. ط٢، ١٤٠١هـ)، ص ١٨١. ومثله الشاطبي إذ يقول بأن الشريعة كلها تخلّقٌ بمكارم الأخلاق. الشاطبي، إبراهيم، (١٩٩٧). الموافقات، تحقيق: أبو عبيدة مشهور آل سلمان، (السعودية: دار ابن عفان، ١٩٩٧)، ج ٢، ص ١٢٤

[142] عندما سئل أبو محمد الجريري، وهو من علماء الصوفية، عن التصوف، قال: “الدخول فِي كُل خُلقٍ سَنيّ، والخروج من كُل خلق دنيّ.” القشيري، عبد الكريم، الرسالة القشيرية، تحقيق: عبد الحليم محمود، ومحمود بن الشريف، (القاهرة: دار المعارف، ١٩٩٥)، ج ٢، ص ٤٤١.

[143] العز ابن عبد السلام، شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، تحقيق: إياد الطباع (دمشق: دار الطباع، ١٩٨٩)، ص ١٤.

[144] المرجع السابق، ص ٤٠٦.

[145] المرجع السابق.

[146] نال دراز بهذا الدراسة درجة الدكتوراه من السوربون عام ١٩٤٧.

[147] دراز، محمد عبد الله، دستور الأخلاق في القرآن. تعريب: عبد الصبور شاهين، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٩٧٣).

[148] المرجع السابق، ص ٢١-٦٨٥.

[149] المرجع السابق، ص ٦٨٦-٧٧٨.

[150] العسقلاني، أحمد، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، أخرجه وصححه: محب الدين الخطيب، (بيروت: دار المعرفة، ١٣٧٩هـ)، ج ٣، ص ٥٨٤.

عن بشار بكور

شاهد أيضاً

هويتنا التائهة

أ. مهجة مشهور

لا خلاف على أن العقل المسلم هو نتاج حضارة تمتزج فيها الروح والمادة، ويتداخل فيها عمران الأرض مع تزكية النفس، حضارة قائمة على وحي إلهي يؤكد على أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض المكلف بإعمارها. هذه الحضارة ارتفع شأنها وانتشرت في الأرض وأنتجت من العلم والمعرفة ما أفادت به الإنسانية كلها. قبل أن يأفل نجمها لتحل محلها حضارة الغرب؛ الحداثية المادية.

النص القرآني: من تهافت القراءة إلى أفق التدبر

تأليف: د. قطب الريسوني

عرض: أ. يارا عبد الجواد

إن الحديث عن القرآن حديث عن حجة الله على خلقه وعن معجزة خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم- الخالدة وعن كتاب الله عزوجل الذي وصفه سبحانه بأوصاف عدة، فهو الهدى والشفاء والروح والفرقان، وهو آخر ما نزل من السماء إلى الأرض، هو الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.