أخبار عاجلة
الرئيسية / الدراسات والأبحاث / مقالات ثقافية / النسوية الإسلامية .. كحركة فكرية

النسوية الإسلامية .. كحركة فكرية

  يقصد بالنسوية الإسلامية “ذلك التيار الفكري والحركي الذي يسعى الى تحرير وإنصاف وتمكين النساء على أسس مرجعية إسلامية قاعدتها القرآن والسنة الصحيحة والاجتهاد

 لقد بدأ هذا التيار في النمو منذ عقدين أو يزيد في العالم الإسلامي وامتداداته في الغرب (ممثلا في الجاليات الإسلامية هناك) ورغم أن بدايته جاءت على استحياء إلا أنه تصاعد بقوة ليتبلور كخطاب له دواعيه وخصائصه وغاياته ومقوماته.

دواعي الوجود والنشأة

    يمكن وصف النسوية الإسلامية بثقة بأنها تيار نقدي اكتسب أسباب وجوده ومجالات إبداعه واجتهاداته من موقف نقدي مركب للواقع الاجتماعي والثقافي المحيط بالمرأة المسلمة المعاصرة. فعلى الجانب الواقعي لا شك أن هذا التيار انبثق من نقد واقع المجتمع المسلم الذي تعاني فيه المرأة من مظالم كبيرة وأوضاع اجتماعية وإنسانية ضاغطة ومؤلمة. يقابل ذلك على الصعيد الفكري والفلسفي تململ كثير من النساء المعنيات بهذا التيار ونقدهن لكل الأطروحات الفكرية المحلية والدولية المعروضة لمواجهة قضية المرأة والتي تتجلى على خمسة أصعدة:

أولها: رفض أغلب مقولات المدارس النسوية الغربية الكبرى المطروحة كحلول وعلاجات لقضية المرأة وذلك انعكاسا للقواعد الخلافية التي قامت عليها تلك المدارس والتي تنبثق من المعرفية الغربية القائمة على ثلاثية: العلمانية، والتمركز حول الذات الغربية، وأولوهية الإنسان في عالمه. فضلا عن محاولتها مصادرة قضية المرأة في العالم كله بادعائها تمثيل المرأة في العالم علي العموم. انطلاقا من رفض هذه المصادرة الثقافية والاستعلاء على الآخر قامت النسوية الإسلامية علي فرضية أساسية وهي أن تمكين أو تحرير أو إنصاف المرأة العربية والمسلمة يمكن أن يتأسس علي المرجعية الإسلامية بمشروع مستقل وذاتي ينبع من الاحتياجات والظروف والاعتبارات الثقافية والموضوعية للنساء المسلمات في البلدان ذات الأغلبية المسلمة واحتياجاتهن.

لم يقتصر المنشأ النقدي الجدلي للنسوية الإسلامية على الخطاب العولمي بل امتد للخطابات المحلية حول المرأة والتي لم يكن أي منها مرضياً أو كافيا لمواجهة قضية المرأة المسلمة ومنه:

ثانيا: نقد الخطاب التجديدي الإصلاحي. يقيم هذا الخطاب قاعدته على أساس الوسطية كجوهر للإسلام. ويرتكز هذا الخطاب -رغم دعوته للتجديد- على قاعدة قبول التراث الإسلامي دون نقد أو مراجعة مع محاولة اكتشاف النقاط المضيئة والإيجابية في هذا التراث وإضاءتها والضرب صفحا عن نقاط الضعف فيه. ولعل هذا ما يسم ذلك الخطاب بالطابع التوفيقي ( الإصلاحي تجاوزا). وانطلاقا من ذلك فإن هذا الخطاب رغم دعوته للتجديد في العديد من القضايا المعاصرة إلا أنه في قضية المرأة ينطلق من مقدمات ذكورية تضع في بؤرة نظريتها الإصلاحية مقولة أن تقسيم وتكامل الأدوار هو أحد عناصر الإصلاح. ويمثل الإمام محمد عبده الذي يعد مؤسس هذا التيار مثالا لتلك النزعة الذكورية الإصلاحية. إن أقصى ما يبذله هذا التيار من جهد إنما يكمن في كبح غلواء العنصرية البغيضة للذكورية المتشددة من خلال تبني ذكورية معتدلة تعترف – رغم تبني رؤية اجتماعية وأسرية تراتبية – بالمساواة الإنسانية بين الرجال والنساء. ويمكن وصف ذلك الاتجاه بالذكورية ” الخيرة” التي تؤكد على أهمية العدل والتشاور والاحترام في العلاقات النوعية على العموم والاعتراف بحقوق الترقي للنماذج الاستثنائية من النساء. ويمثل الشيخ محمد الغزالي نموذجا متأخرا ( زمنيا) لذلك الخطاب. إن هذا الخطاب الإصلاحي المعتدل لا يرى أن إنصاف المرأة يرتقي إلى حد نقد التراث وما ينطوي عليه من تحيزات كبيرة ضد النساء، بل يواجه التناقضات بين مقتربه وبين التراث بحلول تهادنية توافقية تتمثل في نهجين : أولهما التركيزعلى المعاني الإنسانية العامة، والثاني هو النزعة الانتقائية من خلال الاختيار والترك من داخل التراث.

ثالثا: نقد الخطاب الأصولي المتشدد. يطرح منظوره التجديدي من خلال مفهوم “الإحياء” بمعنى احياء الأصول الإسلامية الأولى ” النقية” والتخلي عن البدع والمستحدثات التي ألحقت بالدين.

  إن الإشكالية الفكرية الكبرى في خطاب ذلك التيار تكمن في الخلط الشديد الذي يحدثه بين ثلاثة بنى مستقلة بطبيعتها: أصول الدين ومرجعياته أولا، ثم المعالجات والتفاعلات الفكرية مع تلك المرجعيات وما أنتجته من تراث فكري (تفسيري وفقهي) ثانياً، وأخيراَ الواقع التاريخي والاجتماعي والثقافي الذي أحاط بنشاة الإسلام وعصوره الأولى أو تلك التي يعرِّفها أنصار هذا التيار باعتبارها عصور “نقية خالصة” ثالثاً.

   ويمثل الخطاب السلفي الأصولي دون مواربة أشد التيارات مناهضة لفكرة تجديد وإصلاح حال المرأة المسلمة المعاصرة ناهيك عن الحديث عن مساواتها وتمكينها. ليس لأنه يحمي حمى الدين -الذي يرى ذلك – بل لأنه يقدس ويلتصق تاريخيا وجغرافيا بمرحلة عابرة في الإنسانية لم تكن مفرداتها الاقتصادية والاجتماعية تسمح للمرأة بغير حيز محدود في معادلة ومنظومة القيم الاجتماعية. وهذا لا يدين ذلك العصر الذي لا يمكِّن لأهله تجاوز زمانهم إلى الأمام بل يدين هؤلاء الذين تجاوزوا زمانهم إلى الوراء ( لا يحمل لفظي الأمام والوراء هنا أية قيم بل يشير إلى مواضع تاريخية). إن المرأة في المعادلة الأصولية السلفية هي المعادل الإنساني للفتنة والخطيئة والغواية، وهي التهديد الماثل دائما بالفاحشة والسقوط الأخلاقي، وهي السلم الذي يرتكز عليه تفوق الرجل وحكمه.. ويمثل كبحها وقمعها أساس استقرار منظومة الإيمان والتقوى والعفاف والصلاح والمجتمع المؤمن ككل.

رابعا : التيار الإسلامي المؤسسي : يتأرجح عناصر هذا التيار الذي تمثله المراكز التعليمية الكبرى في العالم الإسلامي –مثل الأزهر الشريف – بين الاتجاهين السابقين حسب المعادلة السياسية التي تشكل المؤسسة الدينية جزءا منها. بل إن التيار المؤسسي الذي يتبنى مبدأ الحفاظ على الأمر الواقع status quo يضيف إلى سابقيه مصدرا جديدا لاستضعاف النساء هو الأعراف والعادات السائدة في البيئة العشائرية العربية والتي تعد جزءا لا يتجزأ من منظومة القيم والمعايير التي تحرسها المؤسسة الدينية وتكتسب قيمتها من المحافظة عليها.

خامساً: الحركات النسوية العلمانية المعاصرة. لا تمثل تلك التيارات على ما ترفعه من شعارات قصوى بشأن تمكين النساء والمساواة حلا مثاليا أو ممكنا للنساء المسلمات لأسباب عدة أهمها: الاغتراب الثقافي لتلك التيارات عن الثقافة الإسلامية يقابله الاستلاب الثقافي والتبعية للغرب بنزعته الكولونيالية المتأصلة وعدائيته للثقافة الإسلامية. إن التيارات النسوية العلمانية تستقي خطابها بالكامل بمفرداته وصياغاته ومفاهيمه وحججه وصولا إلى سياسات وبرامج الحل من الغرب. ويؤدي ذلك إلى غياب قنوات التواصل ( على الأقل ثقافيا وقيميا) مع مجتمعاتها بجميع فئاته نساء ورجالا واقتصار نفوذها على النخبة العليا المعولمة. فهو خطاب من النخبة والى النخبة.

  لا ينطوي هذا الخطاب على تجاهل العناصر الثقافية المحلية فحسب وإنما على احتقار كامن لها ينبع من احتقار وتجاهل وهيمنة وقمع الخطاب الغربي في علاقته مع كل ما هو شرقي. ومن أهم خصائص ذلك الموقف النظر بتحفظ وحذر- يصل أحيانا إلى العداء ( نموذج د. نوال السعداوي) من المكون الديني. فالحركات النسوية العلمانية في الشرق تنظر للدين عموما وللإسلام بشكل خاص – باعتباره أعدى أعداء المرأة وقاعدة الارتكاز في منظومة الإقصاء والتهميش والتمييز. إن تحليل هذا الموقف المبدئي يفضي إلى نتيجة مدهشة وهي وقوف التيارات النسوية العلمانية مع التيارات الأصولية المتشددة على قاعدة واحدة!! فكلاهما يجتمع على نفس فكرة “قمع الإسلام للمرأة “، وكلاهما يقبل هذا الرأي دون نقد أو تمحيص.

  إنطلاقا من التحليل السابق لمجمل التيارات الفكرية الفاعلة في قضية المرأة المسلمة فقد خلصت العديد من رموز النسوية الإسلامية الى نتيجتين أولهما : أن إحداث نقلة حقيقية وأصيلة في شأن المرأة المسلمة إنصافا ومساواة وتحريرا لا يمكن انتظاره من أي من القوى السابقة.

  ثانياً :أن إنصاف النساء وتمكينهن من حقوقهن على أسس راسخة تطاول العمق الثقافي للجماعة هو أمر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تيار نسوي إسلامي. بل إن النسوية الإسلامية بدوافعها القوية وجهدها الدؤوب – حتى الآن- تبشر بتأثير عميق في الثقافة الإسلامية يتجاوز حدود قضية المرأة. ففي سياق الجدلية البندولية العقيمة التي يدور حولها الصراع الفكري والأيديولوجي والسياسي في العالم الإسلامي منذ مائتي عام بين التراث والحداثة نحو صيغة لم تتشكل بعد… تمثل النسوية الإسلامية واحدة من الإجابات المبشرة على المسألة الكبرى المزمنة لهذه المنطقة من العالم… “الجمع بين الأصالة والمعاصرة”.

 ملامح التيار النسوي الإسلامي:

لا يزال تيار النسوية الإسلامية كبديل معرفي وفكري يتلمس طريقه وسط صعوبات هائلة ومناخ من عدم الثقة والعراقيل التي يضعها أمامه كافة القوى المنافسة فضلا عن مشكلاته الداخلية ولعل هذا ما يعطل نمو هذا التيار الذي لا يزال في طور التكوين. ورغم كل ذلك يمكن رسم الملامح العامة لهذا التيار ومقوماته على النحو التالي:

أولا: أن للنسوية الإسلامية مرجعية عليا هي المرجعية الإسلامية ممثلة على وجه التحديد في القرآن الكريم والسنة الصحيحة.

ثانيا: أن النسوية الإسلامية تتبنى نهجا نقديا لكل ما عدا المرجعين الأصليين من خطابات: فقهية،تحديثية ونهضوية، نسوية غربية بمختلف توجهاتها..الخ

ثالثا: إن النسوية الإسلامية الساعية الى إنصاف وتمكين النساء من داخل المرجعية الإسلامية لا يمكن إلا أن تقوم على أساس فتح باب الاجتهاد والتجديد في وجه تراث علمي يتبنى بحسم منظور دونية المرأة.

رابعا: إن تيار النسوية الإسلامية يعمل – حتى الآن- في منطقة الفكري، واجتهاداته هي اجتهادات فكرية وأكاديمية. أما الاجتهادات الفقهية التي تنتج أحكام الحل والحرمة فلا تزال بعيدة عن إسهامات النسويات المسلمات رغم تداخل الكثير من اعمالهن النقدية مع الفقه وإن يكن من منظور علم اجتماع المعرفة.

خامسا :إن الغاية التي يعمل عليها هذا التيار هو خلق براديم جديد خاص بالمرأة ينطوي على تغيير القيم والمنظورات المتعلقة بتعريف المرأة ودورها ومكانتها سواء لدى النخبة الثقافية أو العامة مما يثمر في النهاية فقها وقوانين ومؤسسات وسياسات وبرامج تحمل بصمة هذا البراديم الجديد.

سادسا: يقوم هذا التيار على الانفتاح الفكري على كل الأفكار والخطابات والمناهج دون هواجس أو عقد خفية مزمنة إنطلاقا من أن الحقائق الموضوعية لعالم اليوم هي مزيج من الجدة والاستمرارية ومن خصائص الخصوصية والعولمة في نفس الوقت في بوتقة واحدة.

سابعا: إن هذا الخطاب خطاب استراتيجي يقع في إطار ما يسمى بالتنمية المستدامة للأفكار وحركات التغيير والإصلاح من خلال إقامة علاقات وثيقة بين التغيير وبيئته. هذا الخطاب هو خطاب فوق السياسي.

تاريخ وإسهامات النسوية الإسلامية:

 تتعدد اقترابات التأريخ للنسوية الإسلامية حسب تعريف المفهوم، فلو أن المنطلق لهذا التأريخ اتخذ مفهوما متسعا يعنى بالموضوع (قضايا المرأة) كما يتخذ منحى أيديولوجي محافظ ” إنصاف المرأة وتحسين أحوالها من منظور إسلامي “، فإن التأريخ هنا يعود بنا الى نهايات القرن التاسع عشر والعقود الأولى لبدايات القرن العشرين على أيدي كتاب ومفكرين رجال ونساء على رأسهم قاسم امين وقدرية حسين وزينب العاملية وملك حفني ناصف.

لكن الاقتراب من المفهوم بمنظور أكثر راديكالية يأخذ في الاعتبار بقضية المساواة، وبأن هناك خبرة نسوية متميزة تنتج معرفة ورؤية خاصة لكافة الأمور إلى جانب تبني منظور نقدي للكتابات السابقة، مثل هذا التعريف للنسوية يقودنا الى فترة متأخرة لا تتعدى الربع الأخير من القرن العشرين.

  تقول مارجو بدران إحدى أهم الباحثات الغربيات المعنيات بالظاهرة، [1]أن باراديم النسوية الإسلامية يعود في ظهوره إلى مطلع التسعينيات. وتشير في هذا الصدد إلى عدد من المظاهر أو الوقائع الدالة علي بروز المفهوم : أولها في إيران عقب نجاح ثورة الخوميني حيث صدرت صحيفة ” زنان” التي دعت إلى استعادة النساء المسلمات حقوقهن التي جير عليها. وأسست كاتبات هذه المجلة أطروحاتهن علي تفسير القرآن الكريم ودستور الجمهورية الإيرانية.. علي الجانب الآخر وفي نفس الإطار الزمني تشكل في جنوب أفريقيا كيان تحت اسم “مسلمو جنوب أفريقيا” من مجموعة من النساء والرجال من مسلمي البلاد الذين شاركوا بدور نشط في إسقاط نظام الفصل العنصري للسود بوصفه واحدا من أكثر الأنظمة العنصرية اللا إنسانية في التاريخ. وقد عمل هذا الكيان علي سحب مفهوم الإنسانية والمساواة والعدالة إلى قضايا المسلمين وعلي رأسها وضع المرأة في المنظومة الإسلامية وألزم نفسه بأهداف أهمها: حرية وصول النساء المسلمات للمساجد، التأكيد علي فضاء جمعي يتسع للكل رجالا ونساء، علي قدم المساواة.

الإطار الثالث الذي رصدته بدران هو أوساط المهاجرين المسلمين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. إذ وجد الجيل الثاني من المهاجرين والمتحولين الجدد إلى الإسلام أنفسهم أمام طائفة المشكلات والتعقيدات التي لا تقدم الخطابات والأطروحات الفكرية التقليدية إجابات شافية عليها، كما ووجهت هذه الجماعات خاصة من النساء بإشكالية تتعلق بالتناقض بين ما فهموه مباشرة من القرآن من دلالات ومعان قوية تتعلق بالمساواة والعدالة وبين التفسيرات المطروحة والشائعة التي يقدمها الخطاب النافذ سواء في الفقه او خلافه.

إذا كانت مارجو بدران تكتفي بهذا القدر من الرصد لنشأة الفكرة فإن هذا الرصد يظل قاصرا ومنحازاً. أما الانحيازفهو يسم كتابات بدران بصفة عامة التي تخلط بين ما تراه وتخبره بشكل مباشر وشخصي من الظاهرة – التي تكاد تكون مارجو المرجع الرئيسي لها- وبين التأريخ للظاهرة. فمن عرفتهم واختلطت بهم هم فقط من يجسدون الظاهرة، أما هؤلاء الذين لم تعرفهم أو من لا يتفقون ومعاييرها فهم لا يدخلون التاريخ الذي تكاد تحتكر الكتابة عنه. وأما القصور فيبدو في تجاهلها العديد من التجارب القيمة التي برزت في نفس الفترة في مناطق أخري وعبَّرت أصدق تعبير عن نموذج النسوية الإسلامية ومنها تجارب ظهرت في إندونيسيا وماليزيا ومصر. والتجربة الأخيرة هي التجربة التي يمكن الإشارة لها هنا من جانب صاحبة هذه الورقة بحكم احتكاكها الوثيق بها.

  تدين المدرسة المصرية النسوية الاسلامية بفضل ظهورها الفكري والمؤسسي الى الدكتورة منى أبو الفضل رحمها الله أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، التي عادت إلى القاهرة بعد فترة إقامة في الولايات المتحدة محملة بقضيتين: الأولى هي الحاجة إلى مناقشة المعرفية النسوية الغربية بقضاياها ومناهجها من وجهة نظر إسلامية وتقديم وجهة نظر نقدية معمقة لها ( ولعل هذا الرافد النقدي الأصيل هو ما يثير حفيظة وتجاهل المركزية الغربية)، والقضية الثانية هي الحاجة الملحة للتفكير الأصيل في مشكلات المرأة المسلمة من وجهة نظر إسلامية تقوم فيها النساء بدور أساسي وفاعل يتأسس على الثوابت والأصول ممثلة في القرآن والسنة الصحيحة ولا يقبل ما دونهما دون نقد ونقاش.

لقد أسست الراحلة منى أبو الفضل من أجل ذلك مدرسة مصرية تجلت في ما عرف أولا بكرسي زهيرة عابدين للدراسات النسوية، ثم تطورت إلى جمعية دراسات المرأة والحضارة، ثم لم تلبث أن اتسع إطارها ليتخطي مدرسة منى أبو الفضل ويضم العديد من النسويات المصريات اللاتي تتصالح نزعتهن النسوية مع ثقافتهن الإسلامية مثل الدكتورة أميمة أبو بكر وغيرها. [2]

 إسهامات التيار المعاصر للنسوية الإسلامية: 

   حول إسهامات هذا التيار تقول الدكتورة مولكي الشرماني احدي الناشطات البارزات في هذا المجال خاصة في قضايا الزواج والطلاق أن ” ˋالنسويˊ في هذا المشروع لا يعني فقط العمل علي قضية النوع ولكنه يتعلق أيضا بالمنهجية المستمدة من الدراسات النسوية في فروع العلوم الاجتماعية والإنسانيات، مثل:( تحليل الخطاب، المدرسة النسوية الحديثة في التحليل التاريخي، تتبع تاريخ المفاهيم، الخ) وتضيف : اذا جمعنا أهم أدبيات النسوية الاسلامية في السياقات المختلفة، يمكننا ان نقسم هذا الجهد المعرفي إلى خمس مجموعات :

1- دراسات تركز علي النص القرآني وتراث التفسير.(رفعت حسن، أمينة ودود، أسماء برلس، ميسام فاروقي، سعدية شيخ، نيفين رضا، أماني صالح، أميمة أبو بكر، هند مصطفي ).

2- دراسات تركز علي التراث الفقهي (زيبا ميرحسيني، كشيا علي،عزيزه الحبري).

3- دراسات تركز علي الحديث (فقيه الدين عبد القدير، سعدية الشيخ، عائشة شاودري، فاطمة حافظ ).

4- دراسات تركز علي الفكر الصوفي ودوره كإطار إصلاحي للقراءات الأبوية في تراث التفسير والفقه.

5- دراسات تركز علي القيم والمبادئ الكلية في القرآن ودورها في التأويل و التشريع (خالد أبو الفضل).

و من حيث المقاربة تشترك هذه الأديبات في التالي:

1- نقد التراث التأويلي في ضوء المبادئ والقيم الحاكمة والتي تشكل الرؤية القرآنية الكلية للعلاقات الإنسانية.

2- رفض فكرة تقديس التراث التأويلي والتعامل معه كمجموعة من الحقائق الإلهيه المطلقة.

ورغم هذه المشتركات، فإن قائمة الأسماء المشار إليها تطوي أيضاً اختلافات وخلافات كبيرة في الرؤية والمنظور ومعايير التفكير ودرجات متباينة من التحفظ والاعتدال أو الثورية في الآراء، لكن ذلك لم يؤد مطلقا إلى الانزلاق نحو مرض التكفير والتفسيق الذي ضرب الفكر الإسلامي منذ فترة طويلة، ولعل هذا يمثل واحدا من أهم مزايا النسويات المسلمات اللاتي يعترفن من البداية بقضية نسبية الفكر الإنساني وتنوعه وقيامه على الاجتهاد البشري و التمييز بين الثابت من الدين والمتغير من اجتهادات البشر.

 المؤكد أن الفكرة النسوية الإسلامية التي تواجه الكثير من التحديات لا تزال في مراحلها الأولية.. والشعور السائد بين النسويات المسلمات أن هناك حاجة ملحة للمضي قدما في إنتاج البحوث الفكرية والأكاديمية المعمقة في هذا المجال.. وتنبع هذه الأهمية من كون التأصيل الفكري والنظري يمثل أولا شرطا مسبقا لتطوير السياسات والبرامج العملية. فكلما انطلقت تلك السياسات والحلول والبرامج من رؤى تأصيلية كلما كانت أكثر تماسكا واتساقا في بنيتها الداخلية فضلا عن قبولها من البيئة والسياق الثقافي. كما أن هذا التأصيل هو الذي يضمن استقلال قضية المرأة وتحريرها من التبعية للفكر الغربي وما يقدمه من أطروحات وحلول.. من هنا كانت أهمية العمل على مشروع إسلامي لتأصيل حقوق المرأة وتمكينها من حقوقها.

 واليوم يقف هذا الاتجاه أمام مرحلة فارقة تتمثل في الحاجة لبلورة الملامح الأساسية لهذا الخطاب وإقامة خطوط اتصال بين كياناته المتفرقة في أنحاء العالم الإسلامي تسمح بنوع من الجدال المثمر حول قضاياه الأساسية.

[1]– Margo Badran, “Islamic Feminism Revisited “, Countercurrents.org, 10 February, 2006.

[2] -حول النسوية الإسلامية في مصر انظر: سوسن الشريف، الحركة النسوية الإسلامية في مصر وعلاقتها بالآراء الفقهية، (القاهرة: دار روافد للنشر والتوزيع، 2014).

بقلم

د. أماني صالح

شاهد أيضاً

بعض مفاهيم العولمة والحداثة .. رؤية د. عبدالوهاب المسيري

تستعرض هذه الدراسة المفاهيم التالية المرتبطة بالعولمة ورأي د. المسيري فيها: مفهوم الهيومانية ومفهوم الأنسنة. …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *