مجتمع الاستهلاك

ونحن نودع العالم الجليل جلال أمين* نورد صفحات من أحد مؤلفاته القيمة “محنة الدنيا والدين في مصر**” الذي صدرت طبعة الأولى عام 2013.

المجتمع الاستهلاكي

المقصود بظاهرة المجتمع الاستهلاكي حالة مجتمع تحتل فيه كثرة ما يحوزه المرء من السلع مكانة عالية وتنال تقديرا مبالغ فيه في سلم الأولويات، وما يستتبعه هذا من السعي الحثيث للحصول على دخل مرتفع، يسمح للمرء بهذا الاستهلاك العالي، ومن تنافس وتدافع يُضحي خلالهما ببعض القيم الأخلاقية والجمالية التي كانت تحتل مكانة أعلى من قبل.

وظاهرة المجتمع الاستهلاكي ظاهرة جديدة يصعب أن نرجع نشأتها إلى أكثر من خمسين أو ستين عاما. من الصعب بالطبع تحديد تاريخ ظهورها بالضبط، فهي ليست من الظواهر التي تنشأ بين يوم وليلة، ولكن من الممكن القول بأنها بدأت تستلفت النظر في أواخر الستينيات من القرن الماضي، وكان قيام ثورة الشباب في فرنسا في 1968، التي انتشرت بعد هذا من بلد غربي إلى آخر، إحدى العاملات المهمة الدالة على بداية إدراكها والاحتجاج عليها.

يمكن تفسير بداية هذه الظاهرة في ذلك الوقت بالقول بأنه في أواخر الستينيات كاد يكتمل ربع قرن على انتهاء الحرب العالمية الثانية، أتمت خلاله الدول المتحاربة، المنتصرة والمنهزمة على السواء، ما يمسى

“بإعادة بناء ما دمرته الحرب”، وحققت خلاله معدلات للنمو الاقتصادي لم يسبق أن عرفت مثلها في أي فترة سابقة، فبدأت تظهر معالم ” الرخاء” متمثلة في ارتفاع الدخل، وزيادة أوقات الفراغ، وتقلص البطالة إلى الحد الأدنى، مما أدى إلى اشتداد قوة نقابات العمال ونجاحها المستمر في الحصول على أجور أعلى وتخفيض ساعات العمل. صاحب هذا التطبيق بعض الأساليب التكنولوجية الجديدة، التي استحدثت خلال الحرب وبسببها، في إنتاج سلع الاستهلاك، فزادت كمياتها وزاد تنوعها، مما احتاج إلى جهود إضافية في الدعاية لها، فزادت سطوة الحملات الإعلانية للسلع، مما ساهم بدوره في تقوية الرغبة في الاقتناء وشراء المزيد من السلع، حتى أصبح هذا الاقتناء و ” التمتع بالحياة ” هدفا في حد ذاته يستحق أن يعيش المرء من أجله.

كان من الطبيعي جداً أن يكون لظاهرة ” المجتمع الاستهلاكي” رد فعل مضاد ورافض لها. فظهرت بالفعل ابتداء من أواخر الستينيات الكتب، واحداً بعد الآخر، تحذر من ” الإنسان ذي البعد الواحد” (كما فعل هربرت ما كيوز في أمريكا) ومن ” تكاليف النمو الاقتصادي” (كما فعل إيزرا ميشان في إنجلترا) ومن الافتتان أكثر من اللازم بالتكنولوجيا أو “لعبة العصر”. (كما فعل جاك إيلول في فرنسا)،أو تدعو إلى “العودة إلى الحجم الصغير” في كل شيء (كما فعل فريتز شوماخر في إنجلترا)، وكثيرون غير هؤلاء.

عندما دُشنت سياسة الانفتاح الاقتصادي في مصر في 1974، كان من المحتم أن يصل إلى مصر “رذاذ” ظاهرة المجتمع الاستهلاكي، التي قد بدأت تنتشر في الغرب، وإن كان انخفاض مستوى الدخل في مصر قد منع من أن يأتي إلينا أكثر من “الرذاذ”. سوف يتذكر كثير من القراء، وانتشار زجاجة ال “سفن أب” مثلا في مصر، واكتسابها مكانة اجتماعية متميزة، ودخول التلفزيون الملون ومعه إعلانات من نوع جديد، ومسلسلات تلفزيونية تعبر عن طموحات استهلاكية جديدة. وسرعان ما زادت المساحة التي احتلتها الحملات الدعائية في حياتنا في التلفزيون والإذاعة والشوارع، قبل أن تظهر أيضا على فانلات لاعبي الكرة، الذين أصبحوا نجوما للإعلان بالإضافة إلى شهرتهم كرياضيين. واقترن ذلك كله بزحف سريع للغة الإنجليزية في حياتنا اليومية، الذي اقترن بفتح الأبواب أمام السلع ورءوس الأموال الأجنبية والسياح والمسلسلات الأمريكية، ومختلف أنواع الإعلان عن سلع لم يعرفها المصريون من قبل.

كان لابد أن يؤدي الانفتاح على هذا النحو غير المنضبط، والذي كان انفتاحا استهلاكيا أكثر منه إنتاجيا، إلى ظهور رد فعل في مصر أيضًا ولكن المشكلة الواحدة أصبحت عندنا ثلاث مشكلات.

كانت هناك بالطبع المشكلة نفسها التي أثارها النقاد الغربيون للمجتمع الاستهلاكي ولنسمها ” المشكلة الروحية”، والتي تتعلق بغلبة الطموحات المادية واشتداد الرغبة في الاقتناء على حساب الاعتبارات الأخلاقية والجمالية، وانتشار التضحية بالاعتبارات الاجتماعية والإنسانية في سبيل تحقيق المزيد من الربح والثراء. بدأت تظهر هذه المشكلة عندنا أيضًا، بطبيعة الحال، مع مجيء الانفتاح، فبدأ كثير من الكتاب المصريين يشيرون إلى ما لحق العلاقات الاجتماعية في مصر من تغير إلى الأسوأ، وعن تدهور الأخلاق بصفة عامة وانتشار اللامبالاة…إلخ. ولكن ظهرت أيضًا عندنا مشكلتان أخريان بسبب الانفتاح لم تكونا من مشاكل الغرب.

كانت المشكلة الثانية اقتصادية بحتة، تتعلق بتهديد الانفتاح لمعدل التنمية ونمطها عن طريق ما يؤدي إليه النهم الاستهلاكي من إضعاف معدل الادخار، وكسر حاجز الحماية للسلع الوطنية، وارتفاع أربحية الاستثمار في التجارة ومختلف أنواع الوساطة بالمقارئة بالاستثمار في الصناعة أو الزراعة، مما أدى إلى نمو قطاع الخدمات على حساب هذين القطاعين. نهض كثير من الاقتصاديين المصريين ابتداء من منتصف السبعينيات للتحذير من هذا الخطر الذي يهدد التنمية الاقتصادية.

أما المشكلة الثالثة التي واجهتنا بسبب الانفتاح، ولم تكن مما يمكن أن تواجه الغرب (على الأقل ليس بنفس الدرجة) فهي مشكلة “الهوية”. كانت ظاهرة المجتمع الاستهلاكي من ابتداع الثقافة أو الحضارة الغربية نفسها، ومن ثم كانت السلع والخدمات التي يتسارع إنتاجها ويجري حث الناس على استهلاكها سلعا وخدمات “غربية”، تحمل طابع المجتمع الذي أنتجها وتستلهم عاداته وربما تراثه القديم أيضا. (ربما شكا الفرنسيون أو الإيطاليون مثلا من غزو النمط الأمريكي في السلع والحياة مع نمو ظاهرة المجتمع الاستهلاكي، وساءهم أن تحل المسلسلات الأمريكية محل الأفلام الإيطالية أو الفرنسية، ومحلات بيع الأطعمة السريعة مكان محلاتهم التقليدية، ولكن هذا كان على أي حال من قبيل تأثر جزء بآخر من أجزاء تنتمي كلها إلى نفس الحضارة أو الثقافة). لم يكن هذا هو حالنا بالطبع، فقد كانت هجمة المجتمع الاستهلاكي تنطوي على هجوم مدمر لأجزاء عزيزة علينا من ثقافتنا وعقيدتنا ونمط حياتنا، وعلى استهتار بلغتنا القومية وتحدًّ لكثير من القواعد الحاكمة لعلاقاتنا الاجتماعية.

السؤال الذي أريد أن أثيره الآن هو: ما الموقف الذي يمكن اتخاذه من هذه القضايا الثلاث التي فجرها زحف المجتمع الاستهلاكي عن طريق تطبيق سياسات الانتفاح في مصر؟

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* . أ. د. جلال أمين من مواليد عام 1935، توفى إلى رحمة الله منذ أيام في 25 سبتمبر 2018، وقد تميز د. جلال أمين بجانب كونه عالم اقتصاد وأكاديمي بكتاباته التي تشرح التغير الاجتماعي والثقافي في حياة المصريين المعاصرة.

**. جلال أمين (2013). محنة الدنيا والدين في مصر. القاهرة: دار الشروق. ص ص. 143- 146.

شاهد أيضاً

الجذور الإسلامية لفكرة الإصلاح الغربي

الصفحات التالية من كتاب “في نقد الحاجة إلى الإصلاح” لمحمد عابد الجابري* ما هي الجهة …

البدعة

الصفحات التالية دراسة للشيخ محمود شلتوت ضمَّنها الشيخ محمد الغزالي في كتابه المعنون: ” ليس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.