أخبار عاجلة
الرئيسية / الدراسات والأبحاث / أبحاث ودراسات / اجتهادات معاصرة / مقاصد الشريعة وتجديد الفقه الإسلامي المعاصر

مقاصد الشريعة وتجديد الفقه الإسلامي المعاصر

مقاصـــد الشـريعـــة

وتجديد الفقه الإسلامي المعاصر *

أ. د. جاســـر عـــودة**

نحو الانفتاح والتجدّد الذاتي:

يجب على المنظومة الحية من أجل البقاء حية أن تحافظ على درجة من الانفتاح وتجديد الذّات. وهذا المبحث يطرح آليّتين من أجل تحقيق هذا الانفتاح والتجديد المطلوبين في الفقه الإسلاميّ. أولى هاتين الآليّتين أنّ تتغيّر الأحكام الفقهية بتغيّر رؤية العالم أو ما يطلق عليه الثقافة المدركة هو آليّة للانفتاح في منظومة الفقه الإسلاميّ. والآليّة الأخرى أنّ نعتبر “الانفتاح الفلسفيّ” آليّة مهمة لتجديد الذّات في منظومة الفقه الإسلامي.

تغيّر الأحكام بتغيّر الثقافة المدركة أو رؤية العالم:

مصطلح رؤية العالم أصله الكلمة الألمانيّة (Weltanschauung) بمعنى النظرة إلى العالم[1]. ورؤية العالم هو “مجموعة مفترضات مسبقة نحملها في عقولنا حول تركيب العالم الأساسيّ”[2]، وهو “إطار مرجعيّ مستمدّ من الخبرة الإنسانيّة”[3]، و”منظومة الاعتقادات”[4]، وهكذا فإنّ فهم العالم هو ثمرة لعدد من العوامل تصوغ الإدراك البشريّ للعالم. نورد فيما يلي أمثلة لنظريّات مختلفة تطرح مكوّنات رؤية العالم عند الإنسان

1- الله، والكون، والبشر، والحياة الآخرة، والمعرفة، والأخلاق، والتاريخ[5].

2- الأسطورة، والعقيدة، والأخلاق، والطقوس، والمجتمع[6].

3- العقائد، والمفاهيم، وأسباب الإحساس بالانتظام، والقيم الاجتماعيّة، والنماذج المتبّعة، والأوامر الأخلاقيّة[7].

4- العالم الطبيعيّ، والأخلاق، والسياسة، والبيولوجيا، وعلم النفس، وأساليب البحث العلميّ، وعوامل أخرى كثيرة[8].

5- الله، والإنسان نفسه، والطبيعة، والفضاء، والزمان[9].

كل النظريّات السابقة تُظهر أنّ فهم العالم يصوغه كلّ شيء من حولنا، بدءاً من الدّين ومروراً بصورة الذات، والجغرافيا، والبيئة، ووصولاً إلى عالم السياسة، والمجتمع، والاقتصاد، واللغة.  فاستناداً على مفهوم “الثقافة” بمعناها الواسع، تمثّل “رؤية العالم” ثقافة مدركة[10]. والثقافة المدركة هي إطار عقلي وإحساس بالحقيقة يرى الناس من خلالها العالم من حولهم ويتفاعلون معه.

ويعتبر العُرف أصلاً في منظومة الفقه الإسلاميّ التقليديّة، وهو يمثل أحد طرق تفاعل تلك المنظومة مع العالم المحيط بالإنسان. وقد تقرّر مبدأ من مبادئ أصول الفقه عند الحنفيّة  وهو أنّ: “المعروف عُرفاً كالمشروط نصّاً[11]، إذ أنه يوجد اتّفاق بين مختلف المذاهب على هذا المبدأ على مستوى التطبيق، في حالة غياب نصّ خاص محدّد يمكن الرّجوع إليه[12]. والمقصود من اعتبار العرف هو التعامل مع ظروف وعادات بعض الناس التي قد تكون مختلفة عن العادات العربيّة، تلك العادات التي اعتبرها الفقهاء وبنوا عليها أحكاماً كثيرة[13]. غير أنّ التطبيق العمليّ للعرف في مجال الفقه التقليدي محدود جدّاً. فالأمثلة المعتادة التي تذكرها كتب الأصول حول ما يخضع من الأحكام للعرف هي: قيمة المهر، والعملة التي تستخدم في البيع والشراء، وتغطية الرّجل رأسه أو عدم تغطيتها، واستخدامات لكلمات عربيّة مختلفة في لهجات مختلفة[14]. وواضح أنّ هذه الأمثلة التقليدية لا تعتبر تغير العرف إلا في نطاق محدود كله قد مضى من قرون.

وهكذا بقي الكثير من الأحكام الإسلاميّة مرتبطًا بالعادات العربيّة للقرنين أو القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام، وضمن الحدود السياسيّة لتلك الفترة، وما كان فيها من بلدان وأطعمة ومصادر اقتصاديّة ونظام اجتماعيّ، أو بعبارة معاصرة: رؤية العالم لتلك الفترة.

من أمثلة ذلك أنّ شكل صدقة الفطر الذي يأخذ به الفقه التقليدي لا يزال يتمثل في الأطعمة المعروفة للعرب في القرن السابع الميلاديّ، كما وردت في الحديث الشريف، أي التمر، والزبيب، والشعير، والأقط[15]. ومثال آخر: لا يزال العديد من الأحكام “الشرعية” عند كثير من العلماء اليوم تنبني على أساس الحدود السياسيّة بين حدود دار الإسلام ودار الحرب التاريخية[16]. ومثال ثالث: في كلّ قوانين الأسرة المستمدّة من كتب الفقه لا تستطيع الفتاة المسلمة أن تعقد عقد زواجها بنفسها إلا أن توكّل أباها أو أقرب أوليائها من الرّجال، وهي عادة عربيّة أيدها الإسلام ولكنه لم يحتّمها في كل الحالات– حسب بعض الآراء المعتبرة. ومثال رابع: لا يزال حكم الدية في حالات القتل الخطأ “على العاقلة” أي عشيرة المرء الذي اقترف القتل غير العمد[17]. وهو رأي معتمد حتى في البيئات التي تغير حالها واختفى تقريباً نظامها العشائريّ. ومثال خامس: ما زالت الأحكام المتعلقة بعقوبة القتل حين يكون الفاعل مجهولاً تحدّد بطريقة القسامة (وهي طريقة من المسؤوليّة بحسب المنطقة، كما هو مقرّر عند الحنفيّة والزيديّة، ومسؤوليّة أقرب الناس دماً بحسب بقيّة المذاهب التاريخيّة)[18]. والدنيا ورؤية العالم من الناحية الاجتماعية قد تغيرت في كل الأمثلة السابقة.

وأوضح مثال يبيّن أثر رؤية العالم من الوجهة العربيّة القديمة على الفقه هو ما نجده في كتاب الإمام ابن تيميّة اقتضاء الصراط المستقيم، إذ يقرّر في الكتاب المذكور أنّ: “أهل السنّة يعتقدون أنّ جنس العرب أفضل من جنس العجم”، بل ووصف ابن تيميّة من يخالفون هذا المعتقد بأنهم “شعوبيّون”، لأنّهم “يفضّلون الشعوب غير العربيّة على العرب”[19]. ولا شكّ أنّ عند كلّ شعب في هذه الدنيا وكلّ مجموعة عرقيّة تحيّزات من هذا النوع، لكنّ مثل هذه التحيّزات قادت ابن تيميّة إلى إصدار أحكام “شرعية” تنطوي على ما يمكن أن يوصف في رؤيتنا المعاصرة للعالم بالتمييز العرقيّ! هذا على الرّغم أنّ الأصل في الإسلام هو التساوي بين الأعراق، كما تدلّ على ذلك نصوص عديدة في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف على صاحبه الصلاة والسلام، ثم أفتى ابن تيمية في الكتاب المذكور ألا يحكم غير العرب العرب، بل ورفض حتى أن يكون غير العرب أئمّة للعرب في صلاة الجماعة، وكذلك أوصى بأن يلبس كلّ المسلمين لباس العرب، وحكم على الزيّ غير العربـي بأنّه “مكروه” شرعاً، وأن يُعطي العرب أكثر من غيرهم من بيت المال[20]، وأنّ الخاطب غير العربـي أقلّ كفاءة إذا خطب امرأة مسلمة من الخاطب العربيّ[21].

ومن الواضح أنّ أمثال هذه الأحكام منافية لمقصد المساواة بين البشر الذي تدلّ عليه نصوص متواترة تعبر عن روح الإسلام وطبيعة رؤية المسلم للعالم.

وبناء على “الطبيعة الإدراكيّة للفقه الإسلاميّ” والذي شرحناه آنفاً، يعتبر العرف ما يعتبره الفقيه عرفاً، بحسب رؤية العالم لديه، على شرط ألاّ يصادم المبادئ الأساسيّة لمقاصد الشريعة. وهكذا فإنّ “رؤية العالم عند الفقيه” يطرح هنا ليكون رديفاً للعرف في كونه طريقة لاستيعاب التغيّرات التي طرأت على العادات العربيّة السائدة في القرون الإسلاميّة الأولى والتي انطلق منها كثير من فقهائنا.

شكل (1):

“رؤية العالم عند الفقيه” عامل أساسيّ في تصور الفقه

يجد القارئ في الشكل (1) المكانة التي تحتلها “رؤية العالم عند الفقيه” في منظومة الفقه الإسلاميّ المقترحة. ويظهر الشكل كيف يحتلّ الفقيه مكاناً مركزيّاً في تصور الفقه، وهي نتيجة لإدخال رؤية العالم في المنظومة. وفي هذا تفريق بين الفقيه نفسه وبين القرآن الكريم والسنة التشريعية التي هي مصادر معرفة الفقيه، والتي هي جزء من  رؤية العالم لديه أيضاً. وهناك مكوّنات أخرى في رؤية العالم لدى الفقيه تتفاعل مع “المصادر” لإنتاج الفقه وتصور كلياته وقطعياته.

ولكنّ رؤية العالم يجب أن تكون “واعية”، أي ألا تكون ظناً أو وهماً محض بل تكون مبنيّة على رؤية “علميّة” ومنهجية معاصرة في فرع العلم المقصود بالحكم الشرعي سواء الاقتصاد أو الطب أو السياسة أو الفن أو غيرها. بينما حينما لا يمتلك الفقيه فهماً للعالم كما هو في الواقع فإنّه لا يكون “كفء” ليصل إلى آراء فقهيّة صحيحة. وهذا الفهم للعالم هو تعبير آخر عن امتلاك الفقيه لشرط “فقه الواقع”، الذي وضعه ابن القيّم كشرط للقيام باجتهاد معتبر[22].

إنّ اقتراحنا هذا له أثران على الفقه، هما كما يلي: أولاً، بالنسبة للتغيّرات في “فهم العالم” عند الفقيه، إنّها ستثمر تقليل الفهم الحرفي للفقه الإسلاميّ. فاتّباع الحكم بمعناه الحرفي يجعل من ذلك الحكم نوعاً من الطقوس الجامدة. بينما ما أريد التأكيد عليه هو أنّ من المهمّ الحفاظ على الاتّباع المستمرّ في مجال العبادات في الفقه الإسلاميّ، كالصلاة والصيام والحجّ. غير أنّ من الممكن دائماً المبالغة في توسيع دائرة العبادات على حساب المعاملات. لهذا فإنّ المطلوب هو الوصول إلى توازن بين هذين المجالين.

ولنورد بعض الأمثلة التي توضّح هذه النقطة: إنّ القصد من زكاة الفطر هو مساعدة الفقير، وقد ورد عن النبـي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: “أغنوهم [أي الفقراء] عن السؤال في هذا اليوم”[23]، غير أنّ هذه الزكاة بحثت تحت بند العبادات، وعلى هذا فقد طبّقت حرفيّاً في كل مكان وفي كلّ زمان، بينما حين يتغيّر المكان ويتغيّر المجتمع إلى حدّ أنّ التمر والزبيب والشعير تصبح غير ذات فائدة للفقراء (والأقط قد اختفى في أكثر البلدان)، فإنّ تطبيق هذه الصدقة بشكل حرفيّ على أنّها من العبادات المحض سيضيّع حتماً المعنى المقصود الذي من أجله شرعت.

كذلك فإنّ أقارب الإنسان في بعض البلاد النامية ذات الأغلبيّة المسلمة يحمَّلون المسؤوليّة عن دفع الدية في حال اقترافه القتل عن غير عمد، لأنّهم يُعتبرون “عاقلته”، وهو ما أشرنا إليه من قبل[24]. ولكن إذا كان ليس هناك من معنى يذكر في بعض البيئات لعشيرة المرء أو لمجموعته العرقيّة، وذلك بسبب تغير “رؤية العالم” في ما يتعلق بالبنية الاجتماعيّة التي يعيش فيها، فإنّ التطبيق الحرفيّ للعاقلة يكون مصادماً للعدل المقصود.

ومثال ثالث هو أنّ عقد الزواج العربـي وخطبة الجمعة بالعربيّة لا تكون مفهومة عموماً في المجتمعات غير الناطقة بالعربيّة[25]. فالإصرار على اللغة العربيّة في هذين المجالين يرجع إلى أحكام مسبقة افترضت أنّ لغة العقد أو الخطبة هي “عبادة” بحدّ ذاتها. غير أنّ إجراء هذه العقود والخطب باللغة العربيّة يضيّع المعنى الإنسانيّ للعقود، والمعنى الاجتماعيّ للخطب. ومن الجدير بالذكر أنه لا يعني تحليلنا هذا أنّ العبادات والمعاملات مجالان متباينان لا يتقاطعان. فالعبادة مقصودة في حدّ ذاتها في الأحكام الشرعية الإسلاميّة. غير أنّ من المطلوب أن يحدث التوازن بين جانب التعبد والمقاصد الاجتماعيّة.

والأثر الثاني للشرط المقترح في توفّر رؤية وفهم واع للعالم، هو تحقيق انفتاح الفقه الإسلاميّ على ما حقّقته البشرية من تقدّم في العلوم الطبيعيّة والاجتماعيّة، فلم يعد بالإمكان اليوم أن يدعي مدع إصدار أحكام متفقة مع “الواقع” دون إجراء بحث علمي مناسب ومبنيّ على منهجية علميّة، طبيعيّة كانت أو اجتماعيّة. وقد رأينا كيف أنّ بعض المسائل المتعلّقة بالكفاءة الشرعيّة، مثل “علامة الموت،” أو “فترة الحمل القصوى،” أو “سنّ التمييز،” أو “سنّ البلوغ”، كان الفقهاء قديماً يصدرون الحكم بشأنها بناء على “سؤال النّاس”، على حد تعبيرهم.

وبما أن “منهجية الإجابة على الأسئلة العلمية” جزء من “رؤية العالم” كما بيّن ريتشارد دي ويت[26]، إذن “فسؤال النّاس” لا يمكن أن يدّعيه أحد اليوم ولو كان فقيهاً دون القيام بعملية استدلال إحصائيّة! وهذا يأخذنا إلى مجال العلوم (سواء الطبيعيّ منها أو الاجتماعيّ)، ويستلزم آليّة للتفاعل بين الفقه الإسلاميّ ومجالات المعرفة الأخرى. لهذا فإنّ على الفقيه أن يرجع إلى المتخصّصين في مجالات الطبّ مثلاً ويسألهم أن يحدّدوا له علامات الموت، ومدّة الحمل القصوى والدنيا، إلى آخره. والمعلومات الإمبريقيّة (أي المبنية على الملاحظة العلميّة) يجب أن يكون لها “الحجّية” في هذا المجال، حتّى لو كان مصدر هذه المعلومات الاستقرائي “ظنّيّاً” بحسب المنطق التقليديّ الأرسطي. وكذلك فإنّ المختصّين في مجال علم النفس هم الذين يجب أن يُرجع إليهم من أجل تحديد “سنّ التمييز”، وهكذا.

صحيح أنّ ما نطلق عليه “العلم” يبقى في تطوّر عبر الزمن، وصحيح أنّ هذا يستدعي مراجعة وتحديثاً دائماً لقراراتنا وأجوبتنا العلميّة، ولكنّ تطوّر العلوم هو جزء من التطوّر الطبيعيّ لرؤية العالم لدى الفقيه، ودخول العلم في المنهجية الفقهية بهذا المعنى المذكور هو ما يضمن “الانفتاح” في منظومة الفقه الإسلاميّ.

التجديد عن طريق الانفتاح الفلسفيّ:

يمكن للفقه الإسلاميّ أن يحقّق تجدداً ذاتياً عن طريق الانفتاح لمكوّن آخر من مكوّنات رؤية العالم الواعية لدى الفقيه، ألا وهو الفلسفة. فطالما أنّ أصول الفقه الإسلاميّ هي فعلاً فلسفة التشريع الإسلاميّ، فإنّه من الضّروريّ أن تحافظ “الأصول” على درجة من الانفتاح على البحث الفلسفيّ، والذي يتطوّر عموماً مع تطوّر المعرفة البشريّة.

غير أنّ الذي حدث على مدى التاريخ أنّ الأكثريّة الساحقة من علماء السلف من مختلف المذاهب الفقهيّة رفضوا أيّة محاولة للإفادة من الفلسفة في تطوير منهجية الفقه الإسلاميّ أو المعرفة الإسلاميّة عموماً. وكان هؤلاء العلماء يستشهدون في رفضهم هذا ببعض النظريّات اليونانيّة المتّصلة بما وراء الطبيعة المخالفة للعقائد الإسلاميّة المعروفة[27]، والتي أصدروا بناء عليها فتاوى تحرّم دراسة الفلسفة وتدريسها، لأنّها مبنيّة على مبادئ إيمانية غير إسلاميّة[28]، وبناء على تلك الفتاوى، وحينما يضطر المرء إلى الاختيار بين اختيارين لا ثالث لهما، وهما الفلسفة أو اتّباع القرآن الكريم، فإنّ الفلاسفة اتّهموا في تلك الفتاوى بالردّة، ولم يُسمح باقتناء كتبهم، ولا بيعها، ولا إظهار تقديرها. وكان ممّن أصدر تلك الفتاوى علماء كبار يُرجع إليهم في مختلف المذاهب الفقهيّة، مثل ابن عقيل (توفّي عام 512هـ/ 1119م)، والنووي (توفّي عام 675هـ/ 1277م)،  والسيوطي (توفّي عام 910هـ/ 1505م)، والقشيري (توفّي عام 510هـ/ 1127م)، وابن رسلان (توفّي عام 1003هـ/ 1595م)، والشربيني (توفّي عام 986هـ/ 1579م)، وابن الصّلاح (توفّي عام 643هـ/ 1246م)[29]. وفتوى ابن الصّلاح هي أكثر فتوى يجري اقتباسها حول هذا الموضوع في الفقه الإسلاميّ، حيث صرّح في فتواه أنّ الفلسفة “هي أصل الحماقة والخلط”، وأنّ “السيف” هو الوسيلة التي يجب استخدامها للتعامل مع معلّمي الفلسفة[30]. ولقد حدّ هذا الموقف العنيف من الفلسفة من الاهتمام بها في أكثر الدوائر الإسلاميّة[31]. وكان على من يريد دراسة الفلسفة أو المنطق من طلاب العلم والعلماء على حد سواء أن يدرُسها سرّاً، ولا يدرِّسها إلا لأقرب طلابه وخلصائه، ثم لا يصرّح بما درسه مطلقاً في كتاباته[32]. وحينما خالف ابن رشد (توفّي عام 584هـ/ 1189م) – وكان فقيهاً فيلسوفاً في آن واحد – حين خالف هذه الفتاوى اضطهد وأحرقت كتبه[33].

وقد أعلن قلة من العلماء رفضهم للفلسفة اليونانيّة ولمناهجها “المخالفة للإسلام”، ولكنهم اختلفوا عن سابقيهم بأنهم بذلوا جهداً من أجل انتقاد تلك الفلسفة انتقاداً علمياً مدروساً، بل حاول بعضهم طرح أفكار بديلة خاصة في المنطق، وبحسب رؤيتهم الشخصيّة، وهذا مثلاً هو الموقف الذي تبناه الإمامان ابن حزم[34] وابن تيميّة[35].

لم يرفض ابن حزم –رغم ظاهريته- المنطق كما رفضه غيره من العلماء، بل كان يرى أنّ المنطق هو المعيار الذي يستطيع المرء بموجبه أن يقوّم المعرفة، أي “معيار كلّ علم”[36]، وأوضح ابن حزم كيف أنّ نتائج المنطق الاحتمالي يمكن أن تتوازى مع نتائج المنطق الوجوبـي في الفقه الإسلاميّ ، وهي فكرة قد يكون مديناً بها لكتاب المستصفى للغزالي[37]، ولذلك فقد كان كتاب ابن حزم تقريب المنطق -حسب علمي- أوّل محاولة لتوضيح العلاقة المتوازية بين الإمكان والإذن، وبين التضمين والوجوب، وبين الاستحالة والحظر[38]، وذلك قبل ظهور نظريّة فون رايت المعاصرة في الأخلاق والالتزامات بثمانية قرون[39]. ولقد أعاد ابن حزم قراءة آراء أرسطو في القياس في ثوب جديد مثير للجدل، بحيث تخدم فلسفته هو ومذهبه الظاهريّ[40]، فقد تبنّى ابن حزم مثلاً فكرة السببيّة في الظواهر الطبيعيّة، ولكن ليس في الشريعة الموحاة، ومن هنا رفض كلّ أشكال التفكير القياسيّ، وانتقد منطق كلّ من تبنّى هذا النوع من الاستنباط[41].

ومن ناحية أخرى، كان انتقاد ابن تيميّة لأرسطو مفصّلاً وحاسماً[42]. فقد رفض ابن تيميّة تفريق أرسطو بين الجوهر والعرَض بوصفه تفريقاً اعتباطيّاً، ومن هنا فقد رفض أيّة حقيقة يجري تقريرها عن طريق “التعريف” في القضايا العامّة[43]، فالفرق عند ابن تيمية بين البُسر (أي التمر غير الناضج) والرّطب (أي الناضج إلى حدّ ما) والتمر (أي الناضج) لا يعكس ثلاث “جواهر” كما يرى أتباع أرسطو[44]، وإنّما هي “كلّيّات في الذهن”، على حد عبارة ابن تيمية[45]، لهذا فإنّ ابن تيمية ينتقد حصر التحليل المنطقي في القياس المنطقيّ، والذي يؤسّس على فرضيات كلية. فقد طرح ابن تيمية قياس الشبه مثالاً لمنهج مكافئ للقياس المنطقيّ[46]. واستخدم ابن تيمية، شأنه شأه ابن حزم، تحليله الناقد لدعم مشروعه الفلسفيّ، والذي كان في جوهره مشروعاً اسميّاً[47]. وقد انتقد ابن تيمية كذلك الغزالي وغيره من العلماء، الذين زعموا أنّهم يؤيّدون الفلسفة اليونانيّة كمجرّد أداة منطقيّة دون أن يتبنّوا أسسها الماورائيّة[48].

غير أنّ عدداً من الفقهاء قرّروا أن ينبذوا ما وراء الطبيعة عند اليونان، وأن يقبلوا المنطق اليونانيّ كآلية مجردة. فالإمام الغزالي (توفّي عام 504هـ/ 1111م) انتقد بشدّة الفلسفة اليونانيّة في “وثنيّتها” واتّهم الفلاسفة المسلمين بالرّدّة، هذا من ناحية[49]، بينما قبل الغزالي من ناحية أخرى “آلة” (أورغانون) أرسطو، أي الأداة التي استخدمها، بل قرّر أنّها “مقدّمة لازمة لكل علم”، والتي بدونها لا يمكن أن يكتسب عالم الثقة في أيّ فرع من فروع المعرفة[50].

ولقد استبطن الغزاليّ المنطق اليونانيّ نفسه منهجاً في التفكير، واستطاع نتيجة لذلك أن يبتكر طريقة في مزج منطقَيْ الاستنباط اليوناني والاجتهاد الفقهي. وقد “برهن” الغزالي في كتابه القسطاس على عدد من استنباطات أرسطو، مثل “قاعدة التأكيد عن طريق التأكيد، أي: إذا كان (أ) يكون (ب). (ب)، إذن (أ)” وقاعدة “النفي عن طريق النفي، أي: إذا كان (أ) يكون (ب). لا (أ)، إذن لا (ب)” – برهن بالرجوع إلى ما أسماه “الحجج المنطقيّة” في القرآن الكريم[51]، فهو مثلاً يورد آية: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاًّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا)[52]“، ثمّ يستخدم الغزالي قاعدة “النفي عن طريق النفي” رجوعاً إلى الآية قائلاً[53]: “إنّ وجود أكثر من إله واحد يعني الفوضى، وطالما أنّه لا يوجد فوضى في الكون فإنّ هذا يعني عدم وجود إله آخر”، ففي مثل هذا المثال وغيره يستخدم الغزالي حججاً عربيّة مستمدّة مباشرة من القرآن الكريم، أو من مصطلحات فقهيّة معروفة، بدلاً من أن يستخدم المصطلحات الفلسفيّة المعروفة، من ذلك مثلاً أنّه استخدم “الحكم” في محل “المحمول”، و “العلّة” في محل “الحدّ الوسط”، و”الأصل” في محل “المقدّمة”، و”الفرع” في محل “النتيجة”، و”المباح” في محل “الممكن”[54].

وكانت أكثر أفكار الغزالي إبداعاً تضمينه القياس المنطقي في عمليّة القياس الفقهيّ[55]، ففي سعيه إلى إضفاء مقدار من النظاميّة على تنقيح المناط (السعي إلى تحديد العلّة في الأحكام)، طبّق الغزالي مجموعة من الأقيسة الحرة على الحالة الأولى[56]، من ذلك مثلاً أنّه طرح التحليل التالي: “حينما تقارن قيمة بقيمة أخرى لا بدّ أن تكون أعظم منها، أو مساوية لها، أو أقلّ منها. فإذا أثبتنا إحدى القيمتين فإنّ الأخريتين لا بدّ أن تكونا زائفتين”[57]، ثمّ طرح الغزالي قياساً افتراضيّاً، معتبراً “الحدّ الوسط” لكلا الموضوعين هو العلّة نفسها، حتّى ينقل نفس الحكم على الحالة الأولى إلى الحالة الثانية[58]، كتب مثلاً ما يلي: “كلّ خمر مسكر، وكلّ مسكر حرام. فالخمر إذن حرام”[59]، ولاحظ في هذا الكلام أنّ الغزالي اعتبر الإسكار هو “الحدّ الأوسط” (حسب مصطلحاته) هو العلّة، رغم عدم انضباطه.

ومن هنا نرى أنّه رغم هجوم الغزالي الشديد على الفلسفة اليونانيّة فإنّ إدخاله لمنطق أرسطو في عمليّة تفكيره الفقهي الإسلاميّ كان عن مبدأ صادق وبتوجّه مبدع، هذا مع أنّه سبّب لنفسه أن يصبّ عليه نقد لاذع، من كلا فريقي الإسميّين والظاهريّين[60]، وكان الآمدي (توفّي عام 633هـ/ 1236م)، والسبكي (توفّي عام 755هـ/ 1374م) وعدّة علماء آخرين -خاصّة من المذهب الأشعريّ والمذهب الشافعيّ اللذين ينتمي إليهما الغزالي – كانوا قد وافقوا الغزالي في التفريق بين “الآلات المجرّدة” التي يمكن للمسلمين أن ينقلوها عن غير المسلمين، وبين الأفكار والمفاهيم الأخرى، والتي لا يجوز نقلها عن غير المسلمين[61]، ويشبه هذا الرأي بعض فتاوى “الظاهريّة الجدد” في عصرنا، والتي لا تسمح باقتباس أنواع المعرفة من الغرب إلاّ التقنية المادية البحتة، وليس المعرفة المتّصلة بالإنسانيّات أو العلوم الاجتماعيّة.

وعلى الرّغم من شعبيّة الغزالي فإنّ هجومه العامّ على الفلسفة قد ساهم في الحد من التفكير النظري الحرّ في المنهج الأصوليّ وفي التفكير الفقهي عموماً في كلّ المذاهب. وظلّ علم الأصول يركّز على بحث الدلالات اللغويّة والاستنباطات المنطقيّة الحرفية، وبقي منطق الاستنباط الفقهيّ مجرّد نظام “آليّ” يتعامل مع الواجبات والمحظورات دون اعتبار كبير لمقاصدها.

أما في الزمن الحاضر، فإنّ أقرب ما يشبه التفكير الفقهي التقليدي هو ما أطلق عليه منطق رايت الأخلاقيّ المعاصر، فيلاحظ المرء أنّه على الرغم من أنّ مصطلح “المنطق الأخلاقيّ” هو مصطلح ابتكره فون رايت في أواسط القرن العشرين[62]، فإنّ النظام القياسي لفون رايت وعلاقته بالمنطق الشكليّ ومسلّماته الرئيسيّة تشبه إلى حد كبير التفكير الفقهي التقليدي، كما ظهر عند الغزالي وغيره. فقانون “الالتزام” عند فون رايت، والذي يقرّر أنّه: “إذا اقتضى فعل شيء ما شيئاً آخر، فإنّه يتوجّب علينا فعل الشيء الآخر أيضاً”[63]، هو نفس القانون الأساسيّ الإسلاميّ، “ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب”[64]، ولكن فلسفة القانون المعاصرة لا تقبل منطق رايت الأخلاقي كقاعدة مقبولة لمنطق التفكير القانونيّ[65]، والأسباب الرئيسيّة لذلك هي: (1) تصنيف المنطق الأخلاقيّ الصارم للأشياء في ثنائيّات من الواجب أو الحظر، و(2) عدم اعتباره لعامل الزمن في الاستنتاجات المنطقية المجردة، و(3) الإهمال التام للحالات الاستثنائيّة[66].

من ناحية أخرى، فإنّ نظريّة الفقه الإسلامي لم تفد من الإضافات النوعية التي ساهم بها الفلاسفة المسلمون في تطوير الفلسفة اليونانيّة والبناء عليها، خاصّة في علم المنطق. من ذلك مثلاً أن ابن سينا (توفّي عام 428 هـ/ 1037 م) أسهم مساهمة نوعية في علم المنطق حين أعاد تركيب نظريّة أرسطو في المنطق الشكلي تركيباً متقناً بعد أن ميّز الحالات المرتبطة ببعد الزمن[67]، وكان يمكن لهذا الإسهام أن يثمر في إضفاء بعد زمني للاستنباطات التقليدية المعتمدة على القياس، وهذا كان سوف يضيف اعتباراً للزمن تشتد الحاجة إليه في منطق الفقه الإسلاميّ.

كما إنّ هناك إسهامات أصيلة أخرى سطرتها أقلام الفلاسفة المسلمين ولم يفد منها الفقهاء المسلمون، كنظرية الفارابـي (توفّي عام 338هـ/ 950م) في الاحتجاج بالاستقراء[68]، والتي كان يمكن لها أيضاً أن تضيف للفقه بعداً تشتدّ الحاجة إليه، ألا وهو التفكير الاستقرائيّ. وكذلك فقد رأى باحثون أنّ انتقاد ابن حزم وابن تيميّة لمنطق أرسطو “هيأ المجال لنهوض المنطق الاستقرائيّ على يد جون ستوارت ميل”[69]، بينما لم يفد منه الفقه الإسلاميّ.

ثم إنّ القاضي الوليد بن رشد -خلافاً لأكثر الفقهاء- تبنى موقفاً منفتحاً تمام الانفتاح على المعرفة البشريّة. فقد استدل ابن رشد على ما أوجبه القرآن الكريم على الناس من التفكير والتأمّل في خلق الله تعالى، ليتبنّى على هذا الأساس كلّ رأي فلسفيّ سليم، “بصرف النظر عن دين قائله”[70]، وكان الحلّ الذي طرحه ابن رشد لما أطلق “تعارض” بين العقل والنصّ أن “تؤوّل” النصوص بقدر ما تسمح اللغة حتى تتوافق مع العقل[71]، كما إنّ ابن رشد لام الغزاليّ وغيره من الفقهاء على تسرّعهم في اتّهام الفلاسفة بالزندقة دون فهم لمواقفهم.

ولقد كان لطريقة ابن رشد في المزاوجة بين العقل البشري والنص الإلهي، وانفتاحه على “الآخر”، ورفضه توجيه الاتّهامات المتسرعة بالزندقة، وكذلك دعوته للإفادة من الفلسفة في الإصلاح الواقعي، كان لكلّ ذلك أثر واضح على الحركة الإسلاميّة الإصلاحيّة المعاصرة على مدى القرن الماضي[72]، غير أنّه بحسب ما في أيدينا من مخطوطات[73] لم يكتب ابن رشد عن العلاقة بين آرائه في الفلسفة وآرائه في الفقه. لهذا فإنّي أعتقد، خلافاً لآراء بعض الباحثين[74]، أنّ هناك فجوة بين ابن رشد الفيلسوف “الشارح” أو “المعلّم الثاني”، والذي دافع عن التفكير الفلسفيّ في كتابه فصل المقال وفي شرحه المشهور على أعمال أرسطو[75]، هذا من جهة، وبين ابن رشد القاضي والفقيه، الذي غالباً ما يؤيّد مذهبه المالكي في موسوعته الوافية في الفقه الإسلاميّ بداية المجتهد من جهة أخرى. لهذا فإنّه لا بدّ من أجل متابعة الفقه لتجديد نفسه أن يتبنّى انفتاح ابن رشد لكلّ البحث الفلسفيّ، بل وتوسيع هذا الانفتاح ليسهم في تجديد نظريّة أصول الفقه نفسها.

نحو تعدّد الأبعاد:

قصدنا في هذا المبحث أن ندفع بمنظومة الفقه الإسلاميّ خطوات نحو تعدّد الأبعاد عن طريق تطبيق هذه الوجهة على مفهومين من مفاهيم الأصول، ألا وهما “القطع” و”التعارض”.

طيف القطع:

جرى العرف على أنه لابدّ في بداية كلّ موضوع من مواضيع الأصول أن يقوم الباحث بتعريف المفهوم. ويكون هذا التعريف – فيما يبدو لي أنه تأثير أرسطو- إمّا على أساس ماهية الشيء أو “الحدّ”، أو على أساس وصف الشيء أو “الرسم”. فالتعريف على أساس الحدّ يشمل تقليديّاً تحليلاً ألسنيّاً يبحث في أصول الكلمة، وذلك بغية الوصول إلى “ماهية” المفهوم المتّصل بها[76]، وكان المشّاؤون يعرّفون المفاهيم أو المصطلحات بناء على صفاتها التي “تميّزها” عن غيرها من المفاهيم أو المصطلحات[77]، غير أنّ ابن تيميّة فصّل القول في غمرة نقده للفلسفة اليونانيّة حول دور التعريفات في تمييز المفاهيم، وانتقد الأشاعرة والمعتزلة والجعفريّة، الذين نهجوا كالغزالي في تبنّيه للتعريف على أساس “حدّ” الشيء[78]، وانتقد ابن تيميّة مقدمة الغزالي المنطقية في المستصفى، واحتجّ بأنّ المقصود من التعريف باعتماد “الحدّ” هو على أي حال التمييز بين المفاهيم لا غير[79].

وهكذا فإنّ طريقة الفقهاء في التمييز بين المفاهيم، سواء على أساس اعتماد الحدّ أو الرسم، تجعل تمييزهم يؤدّي بنا دائماً إلى تعريف كلّ مفهوم من حيث علاقته بطرف مقابل له في ثنائيّة ما، أي كما نجد في المثل العربـي الشائع “بضدّها تتميّز الأشياء”.

 

شكل (2):

تقسم الأدلّة الفقهيّة تقليدياً إلى “قطعيّ” و”ظنّيّ”

وتقسيم القطعيّ والظنّيّ تقسيم ثنائيّ شاع في مختلف المناهج والمذاهب الفقهية الإسلاميّة (الشكل 2)[80]، بل إنّ الغزالي عرّف المنطق نفسه على أنّه “القانون الذي يميّز التعريفات والأقيسة، ويفرق بين المعرفة اليقينيّة وغيرها”[81]، بل إن بعض الأدلة الأصولية قد قبلت لمجرّد أنّها “توسّع مجال اليقين” في الفقه الإسلاميّ، وقال البعض إنّ: “حصر الأدوات الأساسيّة في فهم دلائل النصوص جعل مجال اليقين أصغر ممّا تدعو إليه الحاجة، وأدى إلى مشكلة حقيقيّة جعلت من الضّروري كون الإجماع دليلاً يوسّع من دائرة اليقين وينقل الدلالات الظنّيّة إلى دائرة المطلق”[82]، ولكن ذلك “اليقين” الذي ما برح الفقهاء يسعون إليه وكثيراً ما يدّعون الحصول عليه، أوجد جوّاً من الإطلاقيّة أدّت إلى عدد من المشكلات. فلقد ادّعى المدّعون اليقين المطلق في مسائل فقهية اجتهادية بأشكال متنوّعة، منها شكل لغويّ أي “قطعيّة الدلالة”، ومنها شكل تاريخيّ أي “قطعيّة الثبوت”، ومنها شكل منطقيّ أي “القطع المنطقي”.

ادّعى المدّعون أنّ النصوص “الواضحة” – بالمعنى اللغوي- للقرآن والسنّة هي نصوص “قطعيّة الدّلالة”. ولنأخذ أمثلة من هذه الأحاديث الشريفة الأربعة – على صاحبها الصلاة والسلام- وكلّها صحيح أو حسن.

1- سمع النبـي صلى الله عليه وسلم رجلين يتخاصمان (حول إجارة أرض)، فقال: “إذا كان هذا دأبكم فلا تكروا الأرض”[83].

2- إن امرأة قالت يارسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينـزعه مني، فقال لها رسول الصلى الله عليه وسلم: “أنت أحق بالولد ما لم تنكحي”[84].

3- قال النبـي صلى الله عليه وسلم: “ليس على المسلم في فرسه صدقة”[85].

4- قال النبـي صلى الله عليه وسلم: “.. وإن في النفس الدية مئة من الإبل …”[86].

فالدلالة اللغويّة المجردة للأحاديث الأربعة المذكورة و”الأحكام اليقينيّة” التي تدلّ عليها هي كما يلي:

1- إنّ تأجير المزارع حرام[87].

2- تفقد المطلّقة حقّ حضانة طفلها إذا تزوّجت[88].

3- لا زكاة على الخيل[89].

4- مقدار الدية هو مئة من الإبل[90].

ولكن منهج استخراج الأحكام المذكورة من نصوص “صريحة” -وهي بالتالي “قطعيّة”- لا تأخذ في اعتبارها في الواقع أنّه قد يكون هناك نصوص أخرى قد تدلّ على تعديل الحكم الذي كان يظنّ أنّه حكم بالوجوب. ومع ذلك فقد أصرّ العلماء على أنّ هذا العامل الآخر يجب أن يكون على نفس “درجة قطعيّة” الحديث الأوّل[91]؛ فإن لم يكن كذلك، فإنّ الوجوب المستفاد من الحديث الأوّل يبقى على حاله. وبما أنّ الأمر الأوّل أتى مباشرة من الشارع (الله تعالى أو رسوله r)، فإنّ أيّة عبارة أخرى يمكن أن يكون لها أثرٌ في المسألة يجب أن تأتي من نفس المصدر، حتّى لو كان هذا المصدر الآخر إقراراً نبويّاً لا يمثّل أمراً صريحاً. ولنفترض أنّ أحد التأويلات لأوامر النبـي صلى الله عليه وسلم أنّه لم يكن يقصد بالكلام أن يكون قطعيّاً ومحدّداً، وإنّما كان كلامه مرتبطاً بسياق خاصّ أَمْلى صدور مثل هذا الأمر (أي سياق اقتصاديّ أو سياسيّ أو بيئيّ محدّد). ونورد فيما يلي أمثلة على التأويلات أو “التخصيص” التي ترد على الأمثلة الأربعة السابقة الذكر:

1- نهى النبـي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن استئجار المزارع لمجرّد النـزاع الذي ثار، وبهذا فإنّ أمره لا ينطبق إلاّ عندما يكون هناك احتمال حدوث النـزاع[92].

2- إنّ النبـي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنّ ترتيب تلك الحضانة هي أفضل ما يتوفّر ضمن سياق حالة اجتماعيّة محدّدة يتعامل معها. فلم يكن النبـي صلى الله عليه وسلموقتها يصدر أمراً عاماً. وبعبارة أخرى إنّ النبـي كان يتصرف مع القضية التي بين يديه كقاضٍ وليس كمبلغ عن ربه[93].

3- إذا بلغت قيمة الفرس مقداراً لا بأس به من الثروة، فإنّه يجب عليها الزكاة[94].

4- إنّ مقادير الدية والمئة بعير أمور ترجع إلى الحياة السائدة في الجزيرة العربية وقت الرسالة[95].

ولا تعتبر المذاهب التقليديّة أيّاً من السياقات الأربعة التي ذكرناها إلاّ الأوّل. ولكن السبب في قبول المذاهب لها أنّ هناك أحاديث مكافئة في درجة الصحّة تدل على أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم أقر بعض العقود لإيجار الأرض. أمّا السياقات الثلاثة الأخرى، والتي لا يوجد أدلّة “قطعيّة” تدعمها، فإنّها قد رفضت. فقد اعتبرت دلالات الأوامر قطعيّة، بينما اعتبرت الظروف المفترضة التي لم ترد في الحديث الشريف بنصّ صريح لا تبلغ نفس الدرجة من القطعيّة، وهي بذلك من درجة “الظن”. كيف لا وهناك قاعدة شرعيّة أخرى تقول: “اليقين لا يزول بالشكّ”. والنتيجة أنّه طالما أنّ الأوامر الواردة بالنصّ تأتي عادة في القرآن أو الحديث وكثيراً ما لا يرافقها شرح للظروف والسياقات التي أدّت إلى صدور الأمر، فإنّه يطبّق بحقّها العلاقة الثنائيّة “اليقين/الظنّ” من الوجهة اللغويّة الدلالية فقط، مما يؤدّي إلى إشكالية إصدار أحكام فقهيّة ضيّقة وخارجة عن السياق المعاصر.

وأمّا اليقين المتّصل بالصحّة التاريخيّة “قطعيّ الثبوت” فإنّه يقسم إلى درجات متفاوتة متدرّجة من “المتواتر”، إلى “خبر الواحد”. ويحكم على الحديث أنّه متواتر حينما يكون قد نقل عن طريق “جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب”[96]، والقرآن الكريم كله وعدد قليل من الأحاديث الشريفة تقع ضمن هذه الفئة[97]، ولكنهم أضافوا إلى هذا أنّه يرى أكثر العلماء أنّ “خبر الآحاد الذي تلقّته الأمّة بالقبول” هو يقينيّ أيضاً. يدّعي ابن الصّلاح في كتابه المرجعيّ في علم مصطلح الحديث أنّ ما يتّفق كلا الإمامين البخاريّ ومسلم عليه هو “مقطوع بصحّته”. يدّعي ابن الصّلاح أنّ توافق هذين الإمامين على حديث ما يعني أنّه “لازم من ذلك” موافقة جميع الأمّة. وبناء على أنّ الأمّة “معصومة”، فإنّ ابن الصّلاح يمضي إلى القول إنّ تلك الأحاديث تستتبع “العلم اليقينيّ النظريّ”[98]، ويوافق ابن الصّلاح على قوله هذا أكثر العلماء.

فابن تيميّة مثلاً يستخدم نفس الحجّة في الأخذ بأحاديث الآحاد التي “تلقّتها الأمّة بالقبول،” لتكون دليلاً على “إثبات أصول الديانة”[99]، كما إنّ ابن تيميّة يجعل أمور الاعتقاد تشمل أموراً مثل “الاعتقاد بصفات الله”، “الصبر على الأئمّة من قريش”، “المسح على الخفّين في الوضوء”، واعتبار القصائد الصّوفيّة “بدعة في الدين”[100]، يظهر الخطر في مثل تلك الادّعاءات، كالتي تبنّاها ابن تيميّة مثلاً، حينما يجري تمحيص كافٍ لأحاديث الآحاد، حيث إنّ ذلك التمحيص ، والثقة بكثير من الرواة من مختلف الأجيال، يظهر أنّها عرضة لخلافات واسعة، حتى ضمن كلّ من المذاهب المعروفة. مثل هذا الخلاف يؤدّي إلى فروق لا يمكن تلافيها في “أسس العقيدة”، بحيث ينجم عنها نـزاعات خطيرة وحتى الحروب، وهو ما حدث فعلاً في التاريخ الإسلاميّ. لهذا فإنّ مما يهمّ  أن نشجع على ثقافة سعة الصدر والتعايش، حتى نفرّق على الأقلّ بين أحاديث الآحاد واسس العقيدة. فكما كتب خالد أبو الفضل: “إنّ ما يبقى ويستقرّ هو القول المبنيّ على الملاحظة والتجربة – وما سيبقى هو ما يقرّره علم الاجتماع”[101].

 

الشكل (3):

حينما يكون الدليل قطعيّ الثبوت قطعيّ الدلالة فإنّه يكون “معلومًا من الدين بالضّرورة”

لقد أوجد الفقهاء فئة جديدة تكون أرضاً للتقاطع بين الفئتين من اليقين (شكل 3)، أي ما هو قطعيّ الثبوت قطعيّ الدلالة، وهي الفئة الأعلى يقينيّة من أيّة فئة أخرى، وتدل على “ما هو معلوم من الدّين بالضّرورة”، أي أنّه يحتوي ما هو “قطعيّ الاعتقاد”. وعلى هذا يتّفق معظم العلماء أنّ تعريف “المرتدّ” هو أنّه الشخص الذي ينكر أيّاً من هذه الأمور “الأشدّ قطعيّة”[102]، ولقد بدأ إجماع العلماء يخضع لعمليّة “التحقّق من وقوع الإجماع” كذلك. ومن ثمّ فإنّه بالرغم من الاختلافات الكثيرة جدّاً حول نفس تعريف الإجماع، فإنّه كان يؤدّي إلى دخول أمور كثيرة يفترض أنّها شديدة القطعيّة، مع أنّها تكون مثاراً للجدل. كان من نتيجة ذلك وقوع عدد من النـزاعات التاريخيّة بناء على الاتهامات والاتهامات المضادّة بالردّة بين أتباع مختلف المذاهب. وكانت تلك النـزاعات تثور حول ما يعتبره أولئك الأتباع “من المعلوم من الدين بالضّرورة”.

وهناك أخيراً ثنائيّة ثالثة من ثنائيّات “اليقين” وهي في مجال “القطع المنطقيّ، أو اللزوم المنطقيّ، أو اليقين المنطقيّ”. ففي البحث الفقهيّ تستخدم الدلالة المنطقيّة فيما يتّصل بالقياس، والذي يقوم على تشابه العلل بين حكمين، وهو ما أوضحناه من قبل. غير أنّه بالإضافة إلى الشيعة والزيديّة والظاهريّة وبعض المعتزلة، وكلّهم يرفضون العمل بالقياس في الفقه الإسلاميّ أصلاً[103]، فإنّ بعض علماء السنّة عبّروا عن قلقهم حول “اليقين” الذي يسند إلى العلل، ومن هؤلاء العلماء الغزالي، الذي كتب أنّ هناك ستّة أسباب تجعل إسناد العلّة إلى حكم معين “احتمالاً”[104]، وهي:

1- أنّنا نفترض وجود سبب معّين للحكم، مع أنّه قد لا يكون له سبب عند الله تعالى[105].

2- أنّ الحكم قد يكون له سبب عند الله تعالى، ولكنّنا قد نخطئ في تخمين ما هو هذا السبب.

3- قد يكون للحكم أكثر من سبب واحد عند الله تعالى، بينما نحن قد نخطئ بقصره على سبب واحد.

4- قد يكون للحكم سبب واحد عند الله تعالى، بينما نحن قد نخطئ بإضافة أسباب غير صحيحة.

5- قد ننجح في تحديد سبب الحكم تماماً، غير أنّنا قد نخطئ في اعتبار ذلك الحكم مشابهاً لحكم آخر، بينما هو ليس كذلك عند الله تعالى.

6- قد نخطئ في الزّعم بإسناد سبب ما للحكم بتصوّرنا المجرّد، بدون أن نكون قد بذلنا ما يكفي من اجتهاد.

ثمّ أضاف الغزالي في الواقع رأي المصوّبة كسبب يضاف إلى ما ذكرناه من أسباب، وهو أنّ الله تعالى لم يعطِ سبباً صحيحاً واحداً لكلّ حكم، وأنّ السبب الصحيح هو ما يرى عقل كلّ مجتهد أنّه الصواب. إنّ تفريق الغزالي بين الصواب “عند الله تعالى” والصواب عند المجتهد، في سياق تحليله للعلّة كما أوردناه يدعم الطبيعة الإدراكيّة للتفكير الفقهيّ عموماً.

شكل (4):

يزداد اليقين/الاحتمال (بتزايد غير خطّي) بحسب عدد الأدلّة المتوفّرة

إنّ البحث عن الحقائق على أساس الثنائيّات فقط قد أصبح جزءاً من التاريخ! فبحوث الرياضيّات الحديثة تظهر أنّ قوّة احتمال أيّ عنصر تعتمد على عدد الأدلّة الداعمة له، لهذا فإنّ هناك “طيفاً” من اليقينيّات بالنسبة لأيّة دليل، لا تقسيم ثنائيّ جامد. فاليقين “أو سمّه الاحتمال إذا شئت” يزداد بطريقة غير خطّيّة بحسب عدد الأدلّة المتوفّرة (انظر الشكل 4). لهذا فحتى منطق القرآن الكريم في إثبات وجود الله يتّجه منحى الطيف المتكامل لإبراز اليقين لا منحى الثنائيّات؛ فكلّما وجد البشر من إثباتات ازداد يقينهم، ولأن الأدلة لا نهائية فاليقين كامل والحمد لله رب العالمين.

حل “التعارض” من خلال تعدد الأبعاد:

هناك في نظريّة الفقه الإسلاميّ تفريق بين التعارض أو الاختلاف في الأدلّة وبين التناقض أو التعاند في الأدلّة (الآيات أو الأحاديث الشريفة)[106]، والتناقض يعرّف على أنّه “تقاسم الصدق والكذب، أي أنّه التصريح بحقيقة شيء وزيفه في آن واحد”[107]، بينما التعارض أو الاختلاف يعرّف على أنّه “التناقض الظاهر بين الأدلّة في ذهن المجتهد”[108]، يعني هذا وجود دليلين متعارضين ظاهراً ولا يشترط أن يكون تعارضهما حقيقيّاً. فما يظهر من تعارض الدليلين هو في إدراك المجتهد، وهو ما يمكن أن يحدث نتيجة لعدم وجود المعلومات اللازمة حول وقت ورود الدليل، أو مكان وروده، أو الظروف التي ورد فيها، أو غير ذلك من الشروط[109].

من جهة أخرى فإنّ التعارض الحقيقي يحدث على شكل حادثة فريدة تَرِد بأشكال متعارضة على لسان الراوي نفسه أو على ألسنة رواة مختلفين[110]، فهذا النّوع من التناقض يعود بلا ريب لأخطاء في الرواية بسبب ضعف الذاكرة، أو بسبب خطأ أحد الرواة في ذاكرته أو نيّته، وذلك عند راوٍ واحد أو عند رواة متعدّدين[111]، والذي يخلص إليه المرء “منطقيّاً” في حالات التناقض أنّ واحداً من الأحاديث لم يصلنا بشكل دقيق وينبغي أن يرفض (وقد يجب رفض كلا الحديثين، إذا أمكن إيراد إثبات لذلك.) روى أبو هريرة رضي الله عنه مثلاً، كما ذكر البخاريّ حديثاً يقول: “الشؤم في النساء والدوابّ والبيوت”[112]، لكنّ عائشة رضي الله عنها تروي حديثاً آخر، كما خرّجه البخاريّ أيضاً، يقول: “كان النّاس في الجاهليّة يتشاءمون بالمرأة والدابّة والبيوت”[113]، فهذان الحديثان “الصحيحان” متناقضان، ولا بدّ من ردّ أحدهما. وممّا له مغزى أنّ أكثر الشرّاح ردّوا حديث عائشة رضي الله عنها، هذا مع أنّ هناك أحاديث صحيحة أخرى تؤيّد روايتها[114]، وعلّق ابن العربي، مثلاً، على ردّ الحديث المذكور أعلاه كما يلي: “هذا قول ساقط. إنّه ردّ لحديث صحيح وصريح، رواه الثقات!”[115].

والتعارض بالمعنى الذي أوردناه هو أمرٌ نادرُ بحسب مختلف الدراسات التاريخيّة والمعاصرة حول موضوع التعارض[116]، وإنّما أكثر حالات التعارض هي تعارض بين حديثين بسبب عدم توفّر مناسبة الحديث لنا فيما يبدو، وليس بمعنى تعارض أحاديث يصادم بعضها بعضاً حول نفس الحادثة[117]، هناك ستّة آليات يحدّدها الفقهاء للتعامل مع التعارض في المذاهب الفقهيّة التاريخيّة:

1- الجمع: هذه الطريقة تقوم على مبدأ أساسيّ يقرّر أنّ “إعمال النصّ أولى من إهماله”[118]، لهذا فإنّ الفقيه الذي يواجه حديثين متعارضين عليه أن يبحث في المناسبة أو السياق الغائب، وأن يحاول تأويل كلا الحديثين بناء على ذلك السياق أو المناسبة[119].

2- النسخ: تشير هذه الطريقة إلى أنّ النصّ المتأخر تاريخياً عن الأوّل يجب أن ينسخ الأقدم. يعني هذا أنّه حينما لا تتوافق آية مع آيات أخرى، فالآية التي ورد أنّها نـزلت بعد الآيات الأخرى تعتبر نصّاً ناسخاً، وتعتبر الآيات الأخرى منسوخة. كذلك فحينما يرِد أحاديث متعارضة، فإنّ الحديث الذي يعرف أنّ الرّسول قاله متأخّراً عن الأحاديث الأخرى، هذا في حالة معرفة تواريخ الأحاديث أو يمكن استنتاج تواريخها، فإنّ هذ الحديث المتأخر زمناً يجب أن ينسخ كلّ الأحاديث المعارضة له. هذا ولا يوافق أكثر العلماء على أن ينسخ الحديث آية من القرآن، حتّى حينما نتأكّد من أنّ الحديث ورد متأخّراً عن الآية القرآنيّة. والسبب في هذا هو “درجة اليقين”.

ومفهوم النسخ، بأيّ معنى من المعاني التي أوردناها، لا يملك ما يدعمه من كلام النبـي صلّى الله عليه وسلّم في كتب الحديث المعتمدة. وحينما نبحث في جذر الكلمة “نسخَ” وكل مشتقّاتها في مختلف كتب الحديث المنتشرة في أيدي الناس اليوم، بما في ذلك كتب البخاريّ ومسلم والترمذي والنسائي وأبـي داود وابن ماجه وأحمد ومالك والدارمي والمستدرك وابن حبّان وابن خزيمة والبيهقي والدارقطني وابن أبـي شيبة وعبد الرزّاق، فلا نجد حديثاً صحيحاً مرفوعاً إلى النبـي صلّى الله عليه وسلّم يحتوي أيّاً من مشتقّات “نسخ”، نعم وجدت حوالي 40 مرّة ذكر فيها حالات من “النسخ” في كتب الحديث المذكورة، ولكنّها كلّها ترجع إلى فهم الرّاوي أو تعليقه، وليست جزءاً من نصّ الحديث الشريف نفسه. فمفهوم النسخ يرِد دائماً في كلام المعلّقين من الصّحابة أو غيرهم من الرّواة على الحديث، يعلّقون على ما يبدو تعارضاً بحسب فهمهم هم للمواضيع التي ترِد في الحديث. وأمّا بالنسبة لشروح القرآن الكريم، فإنّ مبدأ النسخ له دليل من القرآن، هذا مع أنّ تفسير الآيات ذات العلاقة بالموضوع تخضع لاختلاف الآراء[120].

3- الترجيح: تعني هذه الطريقة الأخذ بالحديث الذي هو “أكثر صحّة”، وإسقاط أو إهمال الأحاديث الأخرى. فالرواية “المسقطة لغيرها” تسمّى “الرواية الرّاجحة”، وهذا يعني حرفيّاً أن هذه الرّواية “أثقل وزناً.” والرّواية “الراجحة” عند علماء الحديث يجب أن تتميّز على الرواية المرجوحة بواحدة أو أكثر من الميزات التالية: وجود عدد كبير من الأحاديث الداعمة لها، كون السند أقصر، كون الرّواة أكثر علماً، كون الرواة أقوى حفظاً، كون الرواة أوثق، أن تكون الرواية مباشرة لا نقلاً، أن يكون الوقت بين الرواية والحادث الذي تنقله أقصر من الرواية الأخرى، أن يكون الرواة قادرين على تذكّر وإيراد تاريخ الحادثة مقارنة مع من لا يستطيع ذلك، أن تكون الرواية أقلّ إبهاماً، أو أقلّ تزويقاً، وهناك عوامل أخرى[121].

4- التوقّف: يوصى بهذه الطريقة حينما لا يستطيع العالم أن يقرّر ماذا يختار ريثما يتّضح له واحدة من الطرق الثلاث الماضية.

5- التساقط: يوصى العالم بموجب هذه الطريقة أن يهمل كلا الروايتين، وذلك بسبب الشكّ في كليهما.

6- التخيير: تسمح هذه الطريقة للعالم أن يختار أيّاً من الروايات لأنّها الأنسب للحالة التي يتعامل معها.

يطبّق الأحناف النسخ قبل أيّة طريقة أخرى، يتبعها الترجيح[122]، بينما تعطي كلّ المذاهب الأخرى الأولويّة، نظريّاً، لطريقة الجمع. نلاحظ أنّه مع أنّ أكثر مذاهب الفقه متّفقة على أنّ إعمال كلّ النصوص أولى من إهمال أيّ منها، فإنّ أكثر العلماء لا يبدو أنّهم يعطون الأولويّة، عمليّاً، لطريقة الجمع. فالطريقتان اللتان تستخدمان أكثر من غيرهما في حالة التعارض هما النسخ والترجيح[123]، نتيجة لهذا نجد أنّ عدداً كبيراً من الأدلّة تهمل، بطريقة أو بأخرى، لا لسبب إلا لأنّ الفقهاء لم ينجحوا في فهم كيف يمكن لهم أن يفهموها معاً ضمن إطار للفهم يجمع بينها. لهذا فإنّ إبطال تلك النصوص بقي اعتباطيّاً إلى حدّ يقلّ أو يكثر. تهمل الروايات “تعتبر مرجوحة” مثلاً إذا حدث أن لم يذكر الرواة “تاريخ الحادثة”، أو أنّ الكلمات المنسوبة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم ظهر أنّها أكثر تزويقاً مما يجب، أو أنّ الراوي كان امرأة – ففي هذه الحالة تعتبر رواية الذكر مقدّمة على روايتها “المعارضة” لروايته[124]، من هنا فإنّ النسخ والترجيح يعكسان التوجّه العام للتفكير “ضمن ثنائيّات” في أصل منهج التفكير. بينما من المهمّ أن تفيد طريقة الجمع بين النصوص من مفهوم تعدد الأبعاد في التغلّب على هذا النقص. إنّ أحد النتائج العمليّة لإهمال عدد كبير من الآيات والأحاديث الشريفة باسم النسخ والترجيح هو مقدار كبير من “عدم المرونة” في الفقه الإسلاميّ، أي عدم قدرته على المعالجة الفعّالة لمختلف الحالات. فالتفكير بكثير من الأحاديث الشريفة والأحاديث التي تعتبر معارضة لها تظهر أنّ تعارضها قد يعود إلى اختلاف في الظروف المحيطة، مثل ظروف الحرب أو السلم، أو الفقر أو الغنى، او التعامل مع حياة المدينة أو حياة الريف، أو الصيف أو الشتاء، أو المرض أو العافية، أو الشباب أو الكبار السنّ. فتوجيهات القرآن الكريم وأفعال النبـي وأوامره، كما رواها من شاهدها، يفترض أنّها تختلف بحسب اختلاف هذه الظروف. فعدم البحث في الظروف المرافقة للنص تحدّ من مرونة النصّ. فنفي الأدلّة التي وردت في ظروف السلم، لصالح الأدلة التي وردت في ظروف الحرب، إضافة إلى الطرق الظاهريّة، تحدّ من قدرة الفقيه على التعامل مع كلا أنواع الظروف. وإذا أضفنا إلى هذا منهج “التفكير ضمن ثنائيّات” بلا هوادة، فإنّ هذا سيؤدّي إلى أنّ نصوصاً محدّدة جاءت لمعالجة ظروف محدّدة تستخدم وكأنّها عامّة وأبديّة.

إليك هذا المثال الذي يكشف الكثير عن هذه المسألة، وهو يدور حول الآية الخامسة من سورة التوبة، وهي الآية التي صارت تعرف باسم “آية السيف”. تقول الآية: فإذا انسلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقتلوا المشركين حيثُ وجدْتُموهم، وخُذُوهُم”[125]، فالخلفيّة التاريخيّة للآية هي أنّها نـزلت في السنة التاسعة للهجرة، وكان هناك حرب بين المسلمين ومشركي مكّة، وجوّ الأفكار العامّة لسورة التوبة هو أيضاً جوّ نفس الحرب، والتي تعالج السورة ما يتّصل بها. غير أنّ الفقهاء الذين ذكرناهم انتزعوا الآية بعيداً عن جوّها الفكريّ وسياقها التاريخيّ، وادّعوا أنّهم قد توصّلوا إلى الحكم الصحيح بين المسلمين وغير المسلمين في أيّ مكان وأي زمان وضمن أيّة ظروف. وحكموا بأنّ الآية تعارض أكثر من مئتي آية أخرى من آيات القرآن الكريم، كلّها تدعو إلى الحوار، وحرّية الاعتقاد، والتسامح، والسلام، بل وإلى الصّبر. لقد ظهر للفقهاء لسبب ما أنّ خيار الجمع بين الآيات غير متاحٍ. فقد حكموا في سعيهم لحلّ التعارض أن أخذوا بمبدأ النسخ، وحكم أكثر المفسّرين أنّ هذه الآية، الخامسة من سورة التوبة، والتي أنـزلت في أواخر حياة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، قد نسخت كلّ آية كانت قد نـزلت من قبلها وظهر أنّها معارضة لها بدون استثناء. وبناء على هذا حكم على الآيات التالية أنّها منسوخة: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (فَاصْبِرُ)، (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (العنكبوت 46)، (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)”[126]، يضاف إلى هذا أنّ عدداً كبيراً من الأحاديث النبويّة التي تبيح عقد المعاهدات والتعايش مع الثقافات الأخرى، بالمصطلح الحديث، اعتبرت منسوخة كذلك.

من هذه المعاهدات صحيفة المدينة، والتي كتب النبـي صلى الله عليه وسلم فيها عهداً مع اليهود حدّدوا فيه العلاقة بين المسلمين واليهود القاطنين في المدينة المنوّرة، وذكرت الصحيفة أنّ “المسلمين واليهود أمّة واحدة، ولليهود دينهم”[127]، غير أنّنا نجد المعلّقين على الصحيفة من العلماء القدماء والتقليديّين الجدد يعتبرون الصحيفة منسوخة، بناء على آية السيف وآيات أخرى مشابهة[128]، إنّ النظر إلى كلّ تلك الآيات والأحاديث من خلال بعد واحد – هو الحرب مقابل السلام- قد يدلّ على تعارض، تكون الحقيقة النهائيّة فيه إما اختيار الحرب أو اختيار السلام، وفي هذه الحالة يكون الخيار اختياراً غير منصف بين السلم والحرب في كلّ زمان وكلّ مكان وكلّ حال.

شكل (5):

إنّ ما يبدو من تعارض في الصفات بحسب بعد ما قد يساهم بشكل إيجابـي بحسب بعد آخر ذي علاقة بالمقاصد.

 

كان ممّا زاد الطين بلّة أن عدد حالات النسخ التي ادّعاها التابعون هي أكثر من الحالات التي ذكرها الصّحابة أنفسهم[129]، ثمّ يلاحظ الملاحظ بعد القرن الأوّل الهجريّ أنّ الفقهاء من المذاهب الناشئة بدأوا يدّعون وجود عددٍ كبيرٍ من حالات النّسخ، لمّ يدّع التابعون وجودها. وهكذا فإنّ النسخ أصبح طريقة لردّ آراء أو أحاديث يدعمها المذهب الآخر، مثال ذلك أنّ أبا الحسن الكرخي (توفّي عام 339هـ / 951م) كتب ما يلي: “القاعدة الأساسيّة هي: أنّ كل آية من آيات القرآن تخالف قول مذهبنا فقد فهمت خطأ أو أنّها نسخت”[130]، لهذا فإنّه ليس مستغرباً أن يجد المرء في كتب الفقه حكماً معيّناً ناسخاً لغيره في مذهب معيّن ومنسوخاً في مذهب آخر. فهذا الاستخدام الاعتباطيّ لمنهج النسخ قد فاقم من المشكلة.

فهم الأدلّة فهماً متعدد الأبعاد:

فالفهم المتعدّد الأبعاد، بالإضافة إلى المقاربة المقاصديّة، يمكن أن يوفّر حلاًّ لمشكلة الأدلّة المتعارضة. لاحظ مثلاً صفة يكون لها بعد سلبـي وبعد إيجابـي (كما في الشكل 5) فالدليلان هنا قد يكونان “متعارضين” فيما يتّصل بهذه الصفة، مثل الحرب والسلم، أو الأمر والنهي، أو الوقوف والجلوس، أو الرجال والنساء، وهكذا. فإذا قصرنا نظرنا على بعد واحد فإنّنا لن نجد طريقاً إلى التوفيق بين الأدلّة. لكنّنا حينما نوسّع من أفق البعد الواحد ليصبح بعدين، فإنّنا سنتمكن من “حلّ” عقدة التعارض ونفهم ونؤوّل الأدلّة ضمن سياق موحّد.

ونورد فيما يلي أمثلة مشهورة من الفقه حول اختلاف الأدلّة، وهي تمثّل في نفس الوقت الآراء التقليديّة والحداثيّة. غير أنّ ممّا يجدر بالملاحظة أنّ “التعارض” المزعوم يمكن حلّه بالطريقة المتعدّدة الأبعاد والمقاصديّة كما شرحنا سابقاً.

1- هناك عدد كبير من الأدلّة المتعارضة المتعلّقة بمختلف طرق أداء العبادات، وكلّها مرفوعة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم. فهذه الروايات المتعارضة كثيراً ما أدّت إلى شقاقات حادّة بين المجموعات الإسلاميّة. غير أنّ فهم تلك الأحاديث ضمن مقصد التيسير يعني أنّ النبـي صلى الله عليه وسلم قد أدّى هذه الأعمال من أعمال العبادة في أوقات مختلفة وبطرق مختلفة، ممّا ينبّه الأمّة إلى ضرورة المرونة في هذا الخصوص[131]، من أمثلة هذه الأفعال من أفعال العبادة مختلف وضعيّات الوقوف والحركات أثناء الصلاة[132]، والتشهّد[133]، وسجود السهو[134]، والتكبير في أثناء صلاة العيد[135]، قضاء المسلم ما فاته من صيام رمضان[136]، تفاصيل أعمال الحجّ، وما إلى ذلك.

2- هناك عدد من الرّوايات التي تتعلّق بالعُرف، والتي كانت تصنّف على أنّها “متعارضة”. غير أنّ كلّ تلك الرّوايات يمكن تأويلها من خلال مقصد “عموم النصّ،” كما طرح ذلك ابن عاشور[137]، وبعبارة أخرى نرى أنّ الاختلاف بين تلك الرّوايات يجب أن يفهم على أنّه فروق في الأعراف التي تهتمّ كلّ من الرّوايات بالإقرار بها، ولا حاجة إذن لاعتبارها “متعارضة.” مثال ذلك أنّ هناك حديثين، كلاهما عن طريق عائشة رضي الله عنها، يتضمّن أحدهما نهي “أيّ امرأة” أن تتزوج بدون موافقة وليّ أمرها، بينما يبيح الآخر للمرأة الثيّب (التي سبق لها أن تزوّجت) أن يكون لها الخيار في أمر الزواج[138]، كما إنّه روي أنّ عائشة، وهي من روى كلا الحديثين السابقين، لم تطبّق شرط “موافقة الوليّ” في بعض الحالات[139]، وكان فهم الأحناف لذلك أنّ “العرف العربـي يقضي أن المرأة التي تتزوّج بدون إذن وليّها عديمة الحياء”[140]، ففهم كلا الرّوايتين ضمن سياق الإقرار بالأعراف، بحسب مبدأ “عموم الشريعة” ينهي مشكلة التعارض، ويوفّر مقداراً من المرونة في ما يخصّ إجراء عقود الزواج بحسب اختلاف الأعراف باختلاف الأزمنة والأمكنة.

3- اعتبر عدد من الأحاديث تحت بند النسخ، هذا مع أنّها كما قال عدد من الفقهاء مجرّد حالات من التدرّج في تطبيق الأحكام. والقصد من التدرّج في تطبيق الأحكام هو بوجه عام “تيسير الانتقال إلى تطبيق الأحكام من خلال تغيّر العادات العميقة الجذور في المجتمع”[141]، وهكذا فإنّ “الأحاديث المتعارضة” حول تحريم الخمر والرّبا وأداء الصلاة والصّيام، كلّ تلك الأحاديث يجب أن تفهم بحسب “التراث النبويّ” الذي يقضي بالتدرّج في تطبيق المثل العليا في أيّ مجتمع.

4- اعتبرت عدد من الأحاديث المتعارضة “متعارضة” لأنّ عباراتها تدلّ على أحكام مختلفة لحالات متشابهة. غير أنّنا حينما نلاحظ أنّ تلك الأحاديث النبويّة خاطبت أفراداً (أي صحابة) مختلفين، فإنّها يمكن أن تحلّ التعارض. فالمقصد الشرعي المتمثل في “توفير أفضل مصلحة للبشر” سيكون المفتاح لتأويل هذه الأحاديث، بناء على الفروق بين الصحابة. فبعض الأحاديث مثلاً تنقل أنّ النبـي صلى الله عليه وسلم أبلغ امرأة مطلّقة أنّها تفقد حقّها في حضانة الأطفال إذا تزوّجت رجلاً آخر[142]، غير أنّ هناك عدداً من الأحاديث الأخرى “المعارضة” تبيّن أنّ المطلّقات يمكن لهنّ أن يحتفظن بأطفالهنّ تحت رعايتهنّ بعد أن يتزوجن.  من هذه الأحاديث المعارضة ما يتعلّق بحالة أم سلمة، فقد حظيت أمّ سلمة بحضانة أطفالها بعد أن تزوّجت النبـي صلّى الله عليه وسلّم[143]، وهكذا فإنّ أكثر المذاهب الفقهيّة قامت اعتماداً على الأحاديث من الفئة الأولى بنقل حضانة الأطفال إلى الأب بشكل آليّ حينما تتزوج المرأة. كان حجّتهم في ترجيح هذه الأحاديث على الفئة الثانية من الأحاديث أنّ أحاديث الفئة الأولى “أصحّ،” حيث رواها البخاري وأحمد[144]، بينما قبل ابن حزم المجموعة الثانية من الأحاديث وردّ المجموعة الأولى، بناء على شكّه في حفظ واحد من رواة المجموعة الأولى[145]، غير أنّ الصنعاني بعد أن أورد كلا الرأيين قال معلّقاً: “يجب أن يبقى الأبناء مع أيّ من الوالدين يستطيع أن يحقّق لهم مصلحتهم أفضل من الآخر، فإذا كانت الأمّ هي الطرف الأقدر على حسن رعايتهم، وسوف تقوم على شؤونهم بشكل أفضل، فيجب أن يكون لها الحقّ في حضانتهم … يجب أن يكون الأطفال في حضانة أيّ من الوالدين يكون أقدر من الآخر، ولا يمكن للشريعة أن تقبل إلاّ بهذا”[146].

وتعني المقاربة متعدّدة الأبعاد أيضاً اعتبار أكثر من واحد من المقاصد، إذا كانت الحالة تسمح بذلك، ففي هذه الحال يجب أن تعطى الأولويّة لطريقة “حلّ التعارض” التي تحقّق تلك المقاصد على أفضل وجه.

تعدد الأبعاد وما بعد الحداثة:

وتعدّد الأبعاد هو كذلك سمة مهمّة في حلّ واحدة من أهمّ وجوه التناقض في ما بعد الحداثة، وهي أنّه بالرّغم من سعي كلّ توجّهات ما بعد الحداثة إلى تفكيك التعارضات الثنائيّة، فإنّ التوجّهات ما بعد الحداثيّة نفسها تميل إلى كونها تنطوي على ثنائيّة (أي التحرّك بين قطبين)، هما الاختزاليّة وأحاديّة البعد، صحيح أنّ مقاربة ما بعد الحداثة إلى الفقه الإسلاميّ قد أثارت أسئلة مهمّة حول “التمسّك بالمركزيّة” بشكل غير مبرر في بعض المفاهيم الفقهيّة والمذاهب الفقهيّة، وعند بعض الشخصيّات والمجموعات. وصحيح أنّ أصحاب ما بعد الحداثة قد بذلوا جهدهم في الكشف عن الأبعاد الثقافيّة والتاريخيّة في صياغة النظريات الفقهيّة والأحكام الفقهيّة، و “المناهج التأويليّة” التي تطوّرت عبر تاريخ الفقه الإسلاميّ. غير أنّ أصحاب ما بعد الحداثة يميلون إلى التركيز على بعد واحد ومقاربة واحدة إلى نظرية الفقه الإسلاميّ عموماً، فإمّا أن تكون مقاربتهم لغويّة، أو منطقيّة، أو تاريخيّة، أو ثقافيّة، ويهملون كل الأبعاد الأخرى. فالأنثويّة الإسلاميّة مثلاً هي مقاربة تثير اسئلة أساسيّة تقتضي أسئلة جذريّة، غير أنّ النـزاع الذكوري-الأنثويّ ليس البعد الوحيد أو القوّة الوحيدة التي صاغت الفقه الإسلاميّ عبر تاريخه الطويل، كما يظهر من النظر في الكتابات الفقهيّة، فهناك عدد آخر من الأبعاد والقوى، كالأبعاد السياسيّة والاقتصاديّة وغيرها، قد صاغت الفقه، بينما لا يلاحظ أصحاب ما بعد الحداثة هذه الأبعاد المتعددة.

وبنفس الطريقة نلاحظ أنّ أصحاب النقد ما بعد (مرتين) الاستشراقي يميلون إلى قصر تقويمهم للجهد العلمي الغربـي في الدراسات الإسلاميّة على الاستشراق التقليديّ الجذوري. فكثيراً ما يغفلون العدد الكبير من مشاريع البحث الجادّة والمساهمات المثمرة للدراسات الإسلاميّة التي ظهرت بأقلام وألسنة الباحثين الغربيّين.

والذي يدعو إليه هذا البحث هو مقاربة ناقدة ومتعدّدة الأبعاد إلى نظريّة الفقه الإسلاميّ، وذلك بهدف تجنّب الآراء الاختزاليّة والتفكير في نطاق الثنائيات. ومن هذا المنطلق حاولت أن أسبر غور عدد من الأبعاد في الفقه الإسلاميّ ونظريّاته، بما في ذلك مصادره، واستنباطاته اللغويّة، وطرق التفكير والاستنباط التي يقوم عليها، ومدارس التفكير والتوجّهات التي تعمل ضمن نطاقه، بالإضافة إلى مساهمة أبعاد مثل الأبعاد الثقافيّة والتاريخيّة، وبعد الزمان والمكان. فالأجزاء المبعثرة والمفكّكة لا يمكن أن تنقل الصورة الكاملة، ما لم ننتبه إلى العلاقات البينيّة المنظوميّة والبنيويّة التي تربط تلك الأجزاء.

وهكذا فإنّه بالرّغم من حرب ما بعد الحداثة على النظريات الكبرى، فإنّني أعتقد أنّ عمليّة ناقدة، متعدّدة الأبعاد، مبنيّة على المنظومات، وتضع المقاصد نصب عينها، توفّر لنا إطاراً كافياً لتحليل وتطوير نظريّة الفقه الإسلاميّ.

نحو “المقاصديّة”

بينّا أنّ “المقاصديّة” توفّر حلقة وصل بين كلّ سمات المنظومة الأساسيّة الأخرى، مثل الإدراكيّة، والشموليّة، والانفتاح، والتراتبيّة الهرميّة، والعلاقات البينيّة، وتعدد الأبعاد. أمّا في هذا المبحث فنحن نقوم بالتعرض لبعض نظريّات أصول الفقه الإسلاميّ التاريخيّة والمعاصرة وبيان كيف يمكن لسمة المقاصديّة أو المقاربة المقاصديّة أن تسهم في تجديد أصول الفقه الإسلاميّ وتطوير المحاولات المعاصرة للتعامل مع بعض جوانب النقص فيه. والمباحث الفرعيّة التالية يعالج كلّ منها مجالاً محدّداً ضمن أصول الفقه.

إدخال المقصود في الدلالات اللغوية:

اعتبر علماء الفقه التقليديّون، ربّما بتأثير “مبدأ السببيّة” في الفلسفة اليونانيّة، أنّ دلالات عبارات ومصطلحات الكتاب والسنّة ليس فيها ما يشير إلى دلالة المقصد. فالعبارة الواضحة (ما يسمّيه الأحناف “العبارة”، ويسمّيه الشافعيّة “الصريح”)، والتي تعطى الأولويّة فوق كلّ العبارات، هي قراءة مباشرة للنصّ. وهذه القراءة تنطبق على المعنى الحرفيّ باسم “المحكم” أو “النصّ” او “الظاهر”. أمّا “مقصد” العبارة فربّما يقع تحت واحدة من فئة “غير الصريح”: فهي “مفسّر”، أو “إشارة” أو “اقتضاء” أو “إيماء”. فهذه الأصناف من المصطلحات، كما أوضحناه سابقاً، لا تتمتّع بالحجّيّة لاتّصافها بالظنّيّة.

يضاف إلى هذا أنّ دلالات المخالفة، والتي أخذت بها كل المذاهب ماعدا الحنفيّة كانت تقتصر على فئات “اللقب” و”الوصف” و”الشرط” و”الغاية” و”العدد” ، يعني هذا أنّه إذا استخدمت واحدة من هذه العبارات في النصّ، فإنّ العبارة “المخالفة” تكون مستثناة، بصرف النظر عن اعتبار “المقصد.” وهكذا فإنّ أي لقب أو وصف أو شرط أو غاية أو عدد يختلف عمّا هو مذكور في النصّ لا يكون مقبولاً، حتّى حينما يحدث أنّه يحقّق “المقصد” في نفس النصّ بطريقة مشابهة أو أفضل. فهنا أيضاً ينظر إلى المقصد أنّه ظنّيّ إلى حدّ لا يسمح له أن “يعارض” معنى المخالفة “المنطقيّ”. كان من نتيجة كلّ ذلك أن أضيفت إلى الطبيعة العامّة الحرفيّة للأدلّة اللغويّة، والتي كانت تعطَى الأولويّة فوق الأدلّة العقليّة. وهكذا فكما كتب ابن عاشور، “حمّل الفقهاء أنفسهم عبأ لا لزوم له هو البحث عن توضيح المبهم وتخصيص غير المقيّد… هذا مع أنّ … النصوص التي جاءت بخصوص حالات مخصوصة كانت منفتحة للتعميم والتخصيص”[147].

وعلّة اختفاء “دلالة المقصد” ظاهرة بشكل عام في التعامل مع “النصوص الفقهيّة،” حتّى في مدارس فلسفة القانون الحديثة[148]، ففي المدرسة الألمانيّة، وخاصّة عند يرينج[149]، والمدرسة الفرنسيّة، وخاصّة عند جيني[150]، دعت إلى “مقاصديّة” في القانون. دعت كلا المدرستين إلى “إعادة هيكلة” القانون بناء على “المصالح” و”مقصد العدالة”[151]، ودعا يرينج إلى تبديل “قانون السببيّة الآليّ” بـ “قانون المقصد”. وبيّن رأيه في هذه الكلمات:

في “السبب” يكون الموضوع الذي يقود إلى حصول النتيجة سلبيّاً. فيبدو الموضوع ببساطة كنقطة واحدة في الكون ينحصر قانون السببية فيها. أمّا عن “المقصد” فإنّ الشيء الذي يتحرّك بفعل المقصد يظهر ذاتيّ الفعل؛ فهو يقوم بالفعل. يتعلّق السبب بالماضي، ويتعلّق المقصد بالمستقبل. فحينما نسأل الطبيعة الخارجيّة حول سبب عمليّاتها، فإنّها تحيل السائل على النظر إلى الماضي؛ بينما الإرادة تحيله على النظر إلى الأمام… على أنّ االمقصد مهما كان اندماجه مع الفعل، ومهما كانت طبيعة المقصد، فإنّه لا يمكن تصوّر الفعل بدون المقصد. فـ “الفعل” و”الفعل من خلال المقصد” هما بمعنى واحد. فالفعل بدون مقصد يشبه في استحالته حصول أثر بدون سبب[152].

وإلى جانب ذلك نادى جيني بإيجاد طريقة تعطي مغزى أكبر لـ “النيّة في التشريع” تكون “مستنبطة من النصّ” وهي بهذا “تملي قرار المؤوِّل”[153]، غير أنّ هذه النداءات لم يتبلور عنها تغييرات رئيسيّة في المنهج العام للقانون الإيجابيّ[154]، وهكذا فإنّ تعزيز “المقاصديّة” هو جزء تشتدّ الحاجة إليه في القانون عموماً.

أمّا في الفقه الإسلاميّ فقد ظهرت حديثاً عبارة “دلالة المقصد” عند الحداثيّين الإسلاميّين ضمن مصطلحات أصول الفقه عندهم[155]، غير أنّ هذا التعبير لا يعتبر “قطعيّاً” بما يكفي ليعطي “حجّيّة” فقهيّة. طالما أنّهم يعطون الحجّيّة العليا لفئة الدليل “الصريح” اللغويّ، ويجعلونه فوق التعابير “غير الصريحة أو الظنّيّة” المستخدمة في المقاصد والقيم العليا.

وقد كان موقف الشاطبـي أكثر دعماً للمقاصد حينما وصف المقاصد بأنّها “أصول الدين وقواعد الشريعة وكليّات الملّة”[156]، أمّا ابن عاشور، وهو يحتلّ المكان الأوّل بين الحداثيّين المقاصديّين، فقد وصف المقاصد بـ “قطعيّة وظنّيّة، قريبة من القطعيّ[157]،” غير أنّ “المقاصديّة” ظلّ ينظر إليها على أنّها شيء يحظر، من الناحية النظريّة، أن تقوم بدور رئيس في استنباط الأحكام من النصوص المتعلقة بالموضوع.

من ناحية أخرى فإنّ ما بعد الحداثة الإسلاميّة “فككت” المقاصد عن النصوص، بنفس الطريقة التي كانت قد فكّكت النصوص نفسها، وما بعد الحداثيّين الإسلاميّين يسمّون التأويل الحداثي المبني على المصلحة أو المقصد “ليّ للنصوص وإخراجها عن استقامتها”[158] ويسمّونه “حركة علمانيّة تتخفّى في لبوس الحديث الدينيّ”[159]، ويتّهم ما بعد الحداثيّين الحداثيّين بأنّهم “حركة تبرير للحكّام المستبدّين”[160]، كما يتّهمونهم بأنّهم يشجّعون “الأصوليّين” من خلال أمثال تأويلات كتلك[161]، غير أنّ النظام المتفرّع عن الأدلّة اللغويّة في أصول الفقه الإسلاميّ يمكن أن يحقّق “مقاصديّة” أنجع من خلال هذه المقترحات المحدّدة:

1- يجب إضافة “دلالة المقصد” إلى أنواع الدلالات اللغويّة للنصوص (انظر الشكل 6). غير أنّ “أولويّته”، نسبة إلى الدلالات الأخرى، لا يجوز تثبيتها على نحو جامد، بل يجب أن تكون خاضعة للحالة التي هي قيد البحث وأهمّيّة المقصد نفسه.

شكل (6):
يحتوي هذا الشكل على إضافة “دلالة المقصد” إلى الدلالات والمعاني التقليدية في الأصول. أمّا مدى أولويّته فيعتمد على أهمّية المقصد الذي يدلّ عليه النصّ.

 

2- كانت إمكانيّة التخصيص والتأويل والنسخ هي المعايير الثلاثة التي تميّز أنواع العبارة، وهي “المُحكم” و”النصّ” و”الظاهر” و”المفسَّر”. غير مستويات الوضوح المذكورة، إضافة إلى كونها تحكّميّة، فإنّ المقاصد نفسها يمكن أن تكون الأساس للتحديد والتأويل. يمكن للعبارة أن تكون مخصّصة، أو مؤوّلة، عبر مقصدها أو مقاصدها، مقابل التعابير الأخرى “المعارضة”. ومن جهة أخرى فإنّ النسخ هو شكل من أشكال التطبيق المتدرّج للأحكام، ويجب أن يفهم ضمن سياق مقصد الرحمة في الفقه الإسلاميّ.

3- إنّ مقصد العبارة يجب أن يقرّر أيضاً صحّة “مفهوم المخالفة” لتلك العبارة، بعكس الطريقة التي يقرّر بها صحّة العبارة عبر المناقشة “المنطقيّة” حول ما إذا كانت “العلّة الواحدة يمكن أن تشمل حكمين متقابلين في نفس الوقت”[162]، وهكذا فإذا كانت التعابير “المخالفة” تدلّ عليها نصوص أخرى فيجب أن تعتبر كلّ الدلالات “المتعارضة” ضمن المقاصد.

4- حينما يرِد تعبير من الكتاب أو السنّة يتّصل بمقاصد الشريعة، والذي يكون في العادة تعبيراً “عامّاً” و”غير محدّد”، فيجب عموماً ألاّ “يحدّد” أو “يخصّص” بنصوص خاصّة. ولا يجوز بالمقابل أن تهمل النصوص الخاصّة بسبب النصوص “العامّة” و”غير المحدّدة”. فكلّ العبارات يجب أن تعطى دورها ضمن إطار عامّ من المقاصد.

5- إنّ العلاقة بين الكلمات “المخصّصة” و”غير المخصّصة” والتي تمسّ نفس الحكم، وإنّما في حالات مختلفة، وهي كلمات يتحكّم فيها اختلاف الآراء، فإنّه يجب أن تعرّف بناء على تحصيل المقاصد، وليس بناء على قاعدة لغويّة أو منطقيّة عامّة.

التفسير المقاصديّ للنصوص الشرعية:

كان توجّه “التفسير الموضوعيّ” قد نقلنا خطوات نحو وضع تفسير للقرآن أكثر مقاصديّة. وقراءة القرآن لاستخراج مواضيعه ومبادئه ومقاصده يقوم على فهم القرآن على أنّه “وحدة واحدة”[163]، وبناء على هذه النظرة الشموليّة، فإنّ العدد الصغير من الآيات المتعلّقة بالأحكام، والتي يطلق عليها تقليديّاً “آيات الأحكام”، سيتوسّع من بضع مئات من الآيات إلى نصّ القرآن الكريم كلّه. فالسور والآيات التي تبحث في العقيدة وقصص الأنبياء والحياة الآخرة والكون، كلّها أجزاء من الصورة الكلّيّة، وهي بهذا تقوم بدور في صياغة الأحكام الفقهيّة. إنّ مثل هذا التوجّه سيتيح للمبادئ والقيم الأخلاقيّة أيضاً، والتي هي المواضيع الرئيسيّة من وراء القصص القرآنيّ والمقاطع التي تصوّر اليوم الآخر، أن تصبح العلّة لاستنباط الأحكام، بالإضافة للأسباب اللفظيّة التي تستخرج من خلال الطرق التقليديّة في “تخريج المناط”. مثل هذا الاعتبار يساعد في “تنقيح المناط” وفي “تحقيق المناط”.

إنّ التوجّه إلى الأحاديث الشريفة من زاوية المقاصد يسير بطريقة مشابهة بموجب إدراك شموليّ لحياة النبـي صلّى الله عليه وسلّم وأقواله. وتحاول هذه الطريقة أيضاً أن تصوغ صورة شموليّة للسنّة النبويّة، وسوف تفيد في التساؤل عن صحّة أحاديث تكون غير متوائمة مع القيم الإسلاميّة الواضحة. مثل هذا المعنى من “عدم التواؤم المنهجيّ” يختلف عن “شذوذ المتن” والذي هو معيار يستخدمه العلم التقليديّ في عمليّة “تضعيف المتن”. يعني شذوذ المتن أنّ الحديث متعارض مع حديث آخر (سواء على لسان نفس الراوي أو غيره). فإذا كان الفقهاء غير قادرين على توفيق الدلالة “اللغويّة” للحديثين (أو دلالة العلة في كلا الحديثين) فإنّ الحديث الأقلّ يقيناً يعتبر شاذّ المتن. غير أنّ الشذوذ المنهجيّ يعني عدم التوافق مع المبادئ العامّة للإسلام، كما يتبيّن من خلال الفهم الشموليّ لنصوص الإسلام. وهكذا فإنّ “الشذوذ المنهجيّ” يمكن أن يكون الاسم الذي يطلق على الطريقة التي يطرحها كثير من المصلحين الحديثين، والتي بموجبها يصحّح أو لا يصحّح كثير من الأحاديث الشريفة، “بناء على مقدار توافقها مع مبادئ القرآن”[164]، وهكذا فإن “الشذوذ المنهجيّ” يجب أن يضاف إلى شروط تصحيح المتن لأحاديث النبـي صلى الله عليه وسلم.

أخيراً فإنّ طريقة البحث من خلال المقاصد يمكن أن تسدّ فراغاً حيوياً في رواية الحديث الشريف عموماً، وهو الفراغ الناشئ عن وجود نقص في النصّ. فالأكثرية الساحقة من أحاديث النبـي صلى الله عليه وسلم، والتي تبنّاها كلّ المذاهب، هي عبارة عن جملة أو جملتين، أو هي جواب لسؤال أو سؤالين، بدون أي شرح للسياق التاريخيّ أو السياسيّ أو الاجتماعيّ أو الاقتصاديّ أو البيئي لذلك الحديث. ويرِد في نهاية بعض الأحاديث كلمات يختم بها الراوي الحديث بكلمات مفادها: “لا أدري ما إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قال كذا لأنّ “الظرف الذي مرّ بنا كان” كذا …” غير أنّ السياق وأثر السياق على فهم الحديث يبقى في العادة مفتوحاً لتكهّن الراوي أو الفقيه. فـ” الصورة الشموليّة” التي طرحناها هنا تساعد في التغلّب على هذا النقص في المعلومات من خلال فهم المقاصد العامّة للشريعة.

المقاصد والأغراض في حديث النبـي صلى الله عليه وسلم:

يمكن للمقاصد، بمعنى مقاصد النبـي صلّى الله عليه وسلم حين يتحدّث بشيء أو يفعل شيئاً، أن تفيد في استنباط السياق الذي ترد فيه الأحاديث الشريفة. والإمام القرافي قد ميّز –كما هو معروف- بين أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه ناقلاً للرسالة الموحاة، وبوصفه قاضياً، وبوصفه قائداً سياسياً، وبيّن أنّ كل واحد من هذه الأدوار له أثره في الشريعة. وتحدّثنا كيف أنّ ابن عاشور أضاف أصنافاً أخرى من “مقاصد النبـي صلى الله عليه وسلم”، وكان هذا توسيعاً مهمّاً لمجال الدلالة من خلال المقاصد. وشرح ابن عاشور الأغراض النبويّة التي طرحها من خلال عدد من الأمثلة من الحديث الشريف[165]. نورد هنا بعض الأمثلة التي أوردها ابن عاشور[166]:

1- قصد التّشريع: أحد الأمثلة على قصد التشريع عند الرّسول صلى الله عليه وسلم هي خطبته أثناء حجّة الوداع، حيث روي عنه أنّه قال وقتها: “خذوا عنّي مناسككم (أي لاحظوا ما أفعل من أعمال الحجّ واتّبعوه) فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا”، كما قال بعد أن أنهى خطبته تلك: “ليعلم الحاضر منكم الغائب”.

2- قصد إصدار الفتوى أو الأحكام: والمثال على هذا القصد هو فتاوى الرّسول صلى الله عليه وسلم أثناء حجّة الوداع، فقد جاءه مثلاً رجل وقال: “ذبحت قبل أن أرمي”، فقال له النبيّ: “ارمِ ولا حرج”، ثمّ جاء رجل آخر فقال: “حلقت قبل أن أذبح”، فقال النبيّ: “اذبح ولا حرج”، وتابع الرّاوي أن الرسولصلى الله عليه وسلم ما سئل يومئذ عن شيء قُدّم أو أُخّر إلاّ قال: “افعل ولا حرج”.

3- قصد إصدار حكم قضائيّ: من أمثلته: (1) قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم بين رجلين، أحدهما من حضرموت والآخر من كندة، حول قطعة أرض؛ (2) قضاء النبـي صلى الله عليه وسلم بين البدوي وخصمه، حين قال البدويّ: “يانبـي الله اقضِ بيننا”؛ (3) قضاء النبـي صلى الله عليه وسلم بين حبيبة وثابت. اشتكت حبيبة بنت سهل، زوجة ثابت، إلى النبـي صلى الله عليه وسلم أنّها لا تحبّ ثابتاً وأنّها تريد الطلاق منه، فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: “أتردّين عليه حديقته؟” قالت: “أردّ كلّ ما أعطاني”، ثمّ قال النبـي صلى الله عليه وسلم لثابت: “خذ الحديقة منها”، فأخذ الحديقة وطلّقها.

4- قصد القيادة. أمثلة ذلك إذنه صلّى الله عليه وسلّم للمسلم بامتلاك الأرض المشاع لمن أحياها، ونهيه عن أكل لحم الحمير في غزوة خيبر، وقول النبـي صلى الله عليه وسلمفي أثناء غزوة حنين: “من قتل قتيلاً له في قتله شاهد فله سلبه”.

5- قصد الإرشاد (وهي أوسع من التشريع). مثال ذلك يظهر في حديث ابن سويد، والذي قال فيه: “لقيت أبا ذرّ، وهو يلبس رداء، وغلامه يلبس رداء مثل ردائه، فسألته عن سبب ذلك فقال: “سببت غلاماً لي بأن عيّرته بأمّه، فقال لي النبـي صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذرّ! هل عيّرته بأمّه؟ إنّك امرؤ فيك جاهليّة، إخوانكم خولكم”.

6- قصد الوساطة: مثاله أنّ النبـي طلب من بَريرَة أن تعود إلى زوجها بعد أن فارقته، فقالت بريرة: “يارسول الله! هل تأمرني أن أفعل؟” فقال: “لا إنّما أنا شافع”، فقالت: “فلا حاجة لي فيه”، وروى البخاريّ أيضاً أنّه لما مات والد جابر، سأل جابر النبـي صلى الله عليه وسلم أن يكلّم دائني والده ليضعوا عنه بعض دينه، ولما رفضوا قَبِل الرسول صلى الله عليه وسلم رفضهم. مثال آخر حول الوساطة حدث حينما طالب كعب بن مالك عبد الله بن أبـي حدرد بدين له عليه، فطلب النبـي صلى الله عليه وسلم من كعب أن يضع عنه نصف الدّين، واستجاب كعب.

7- قصد النصيحة: مثال ذلك حينما منح عمر بن الخطاب رجلاً جواداً، وأهمل الرجل ذلك الجواد. فرغب عمر في أن يشتري الجواد من الرجل، ظانّاً أنّه سيبيعه بسعر بخس. وحينما استشار النبـي صلّى الله عليه وسلّم، قال له: “لا تشتره، ولو باعه إياك بدرهم، فإنّ العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه”. وروى زيد أنّ النبـي صلّى الله عليه وسلّم قال: “لا تبيعوا الخضار قبل أن يبدو صلاحها”، غير أنّ زيداً أضاف معلّقا: “إنّما قال هذا ناصحاً، لأنّ أناساً أكثروا من الشجار حول هذا”.

8- قصد المشورة: من هذا أنّ بشيراً طلب من النبـي صلّى الله عليه وسلّم أن يشهد أنّه أعطى أحد بنيه أعطية. فقال النبـي صلّى الله عليه وسلّم: “أكلّ بنيك أعطيتهم مثل ذلك؟” فقال: “لا”، فقال النبـي صلّى الله عليه وسلّم: “فلا تشهدني على جور (أي ظلم)”.

9- قصد تعليم المثل العليا. من ذلك أنّ النبـي صلّى الله عليه وسلّم سأل أبا ذرّ: “هل ترى جبل أحد؟” فقال أبو ذرّ: “نعم!” فقال: “لو أنّ لي ذهباً يعدل جبل أحد، فلا أحب أن أبيت ثلاث ليالٍ وعندي منه دينار إذا وجدت من أعطيه، اللهم إلاّ شيئاً أستبقيه لدَين”، كذلك قال البراء بن عازب: “أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن نحافظ على سبعة أمور، ونهانا عن سبع: أمرنا أن نعود المريض، وأن نمشي خلف الجنازة، وأن نشمّت العاطس، وأن نبرّ قسم من أقسم، وأن نعين المظلوم، وأن ننشر السلام، وأن نجيب الدّاعي. ونهانا عن لبس خواتم الذهب، وعن الأكل في آنية الفضّة، وأن نستخدم سرجاً من الديباج، وأن نلبس الثياب المصريّة الدمقس أو الديباج، أو الحرير.” كذلك يروي عليّ بن أبـي طالب: “نهاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن استعمال خواتم الذهب، وعن لبس الحرير وعن لبس المصبوغ بالزعفران، وأن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً. لا أقول نهاكم ولكن أقول نهاني”، كذلك فإنّ النبـي صلّى الله عليه وسلّم قال لرافع بن خديج معلّماً كذلك: “لا تؤجّر أرضك، ولكن احرثها بنفسك”.

10- قصد ترسيخ مبادئ المجتمع. من ذلك هذا الحديث الشريف: “والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن!” قال قائل: “من هو ذاك يا رسول الله؟” فقال: “من لا يأمن جاره بوائقه”.

11- قصد عدم التعليم. يشمل هذا الأحاديث التي تصف كيف كان يأكل النبـي صلّى الله عليه وسلّم، وكيف يلبس، وكيف يضطجع، وكيف يمشي، وكيف يركب، وكيف يضع يديه في السجود. مثال آخر هو ما روي عن النبـي صلّى الله عليه وسلّم وقف في حجّة الوداع فوق تلّ يشرف على وادٍ لبني كنانة، وعلّقت على ذلك عائشة: “لم يكن نـزول النبـي صلّى الله عليه وسلّم في الأبطح من شعائر الحجّ، وإنّما كان مكاناً كان ينـزل فيه النبـي صلّى الله عليه وسلّم ليكون أيسر لانطلاقه إلى المدينة”.

إنّ توسيع ابن عاشور لدلالة الأحاديث الشريفة، كما عرضناه في الأمثلة السابقة، يزيد من مستوى “المقاصديّة” عمّا كانت عليه في المناهج القديمة، ويوجد مقداراً من المرونة في تأويل الأحاديث وتطبيقها.

القياس عن طريق المقاصد:

أكثر المذاهب والفقهاء يسمحون بالقياس بناء على العلّة التي يقوم عليها الحكم، وليس بناء على الحكمة من وراء الحكم، وهو أمر أشرنا إليه سابقاً. كان دافع الفقهاء في ذلك المحافظة على “الانضباط” (أو الدقّة) من خلال علّة الحكم، ويقصدون بالانضباط “الاستمراريّة بالرّغم من تغيّر المكان والزّمان.” وبعبارة أخرى فإنّه من أجل الحفاظ على الشكل عند المستوى الإجرائيّ، فإنّ الفقهاء يقرّرون أنّ العلة من وراء الأحكام يجب ألاّ تتغيّر أبداً مع الظروف. وحتّى أولئك الفقهاء الذين يسمحون بأن تصبح “الحكمة” هي علّة الأحكام، فإنّهم يضعون شرطاً لذلك أنّ تلك الحكمة يجب أن تكون “منضبطة”[167].

غير أنّ التحليل المتأنّي لـ “الانضباط” الذي يشترط أن تتصف به العلّة يظهر لنا أنّه خاضع في العادة للتغيرات، ولا يمكن تعريفه بشكل دقيق، وهو ما بيّنه ابن قدامة، وهو فقيه حنبليّ كبير[168]، استند ابن قدامة إلى مثال مشهور يسمح للمرء المريض أن يفسخ صيامه بناء على “انضباط” علّة المرض، ثم علّق على ذلك بقوله: “ولكنّ المرض ليس منضبطاً، لأنّ المرض يتفاوت. فبعض الأمراض تضرّ بالصائم وبعضها لا علاقة لها بالصّيام، مثل آلام الأسنان، والجروح الصغيرة، والانتباجات، والقروح الصغيرة، إلخ. وهكذا فإنّ “المرض” لا يمكن أن يكون المقياس الصحيح بحدّ ذاته، وإنّما الحكمة، وهي تجنّب الضّرر، يجب أن يجري تبنّيها كمعيار”[169]، والواقع أنّ حجّة ابن قدامة تنطبق على كلّ أنواع العلل. يضاف إلى هذا أنّ “الحكمة” التي أشار إليها في المثال الذي أوردناه هي ما يسمّيه الفقهاء “المناسبة”، أو “العلّة” أو “تحقيق المصلحة”. وكنا قد أوضحنا في الفصل الأوّل أن الفقهاء بدأوا يعرّفون “المصالح” بمعنى “المقاصد” منذ القرن الهجريّ الخامس، وهم بنقلتهم هذه صاروا يتعاملون مع “المناسبة” على أنّها “المقاصديّة”.

غير أنّنا نعود فنقول إنّ “الظنّيّة” التي تنطوي عليها المقاصد منعت الفقهاء من قبولها كعلل، بشكل يكون لها بابها المستقلّ. لعلّ أكثر الفقهاء كانوا تحت تأثير المنطق اليونانيّ، وخاصّة منطق أرسطو (والذي وصلهم عن طريق ابن سينا) حينما وافقوا على إعطاء “الاستنباط” مكاناً فوق “الاستقراء” ليكون أداتهم في الوصول إلى “اليقين المنطقيّ”. كان أرسطو قد بيّن أنّ الاستقراء يمكن أن يكون إمّا تامّاً “حين يغطّي كلّ فرد ذي علاقة” أو غير تام “حين لا يغطّي كلّ فرد ذي علاقة”، وهكذا فقد اقترح أنّه حتى إذا افترضنا “فائدة الاستقراء التامّ” و”ظنّيّة الاستقراء غير التامّ” فإنّ الاستقراء ليس هو الأداة التي في متناول الباحث للوصول إلى اليقين المنطقيّ[170]، وهذه الحجّة هي نفس الحجّة التي استخدمها الفقهاء بحرفيّتها في مختلف المذاهب، بدءاً من الرازي والغزالي وانتهاء بالسيوطي والآمدي[171]، وهكذا فإنّ القياس الجزئي الشكليّ، والذي بُـني على دليل واحد، قد أعطي مكانة فوق المفاهيم الشموليّة المبنيّة على المقاصد، والتي تقوم أيضاً على المعرفة المسحيّة الاستقرائيّة استقراء غير تامّ. لقد قصدنا في عرضنا في مبحث سابق لرؤية متعّددة الأبعاد للـ “يقين” أن ندعم مبدأ المقاصديّة، في نظام فرع أصول الفقه الإسلاميّ المختصّ بالتفكير من خلال القياس.

المصالح المتوافقة مع المقاصد:

كان كثير من الفقهاء يشعرون بالقلق من أنّ إعطاء مكانة مصدر التشريع المستقلّ للـ “مصالح” قد يتصادم مع نصوص الكتاب والسنّة[172]، ونفس القلق يعبّر عنه الباحثون في فلسفة القانون حول العلاقة بين ادّعاء وجود “المقاصد” وبين التشريعات. من هنا فإنّ المحكمة العليا في الولايات المتّحدة، والعديد من رجال القانون البريطانيّين، وضعوا شرطاً لقبول أيّ “قصد” يجري ادّعاؤه. فهم يصرّون على أنّ “المصدر الوحيد المقبول كدليل على قصد المشرّع هو نصّ التشريع”[173]، وأنا أوافق على أنّ هذا الشرط يمكن أيضاً أن يحلّ الجدل حول صلاحية المصالح لتكون مصدراً مستقلاًّ للتشريع في الفقه الإسلاميّ. وطالما أنّ المقاصد يجري “استقراؤها” من نصوص الوحي، فإنّ المصلحة يكون لها صلاحية شرعيّة إذا ظهر أنّها مرادفة للمقاصد، وهو ما قال به العديد من الفقهاء[174]، من هنا فإنّ المصالح “المعتبرة” و “المرسلة” ستمتزجان في فئة واحدة من المصالح التي هي مذكورة إمّا بالتصريح أو التلميح في نصوص الوحي، على شرط أن تحقّق “المقاصديّة” في نظام الشريعة.

الاستحسان مقاصديّاً:

كانت المذاهب التي تبنّت الاستحسان قد ادّعت أنّها تحاول ملء فراغٍ في القياس[175]، غير أنّني أعتقد أنّ الفراغ موجود لا في القياس الشكليّ، بل في التعريف الحرفيّ للعلّة، وهو تعريف كثيراً ما يضيّع المقصود من وراء الحكم. وهكذا فقد كان الاستحسان بالنسبة لتلك المذاهب يعني ببساطة التغاضي عن شكليّات “الدلالات” وتطبيق المقصد مباشرة. إليك أمثلة من حالات اقتبسناها من كتاب ابن الحسن الشيباني المبسوط. لاحظ تاريخيّة كثير من تلك الأمثلة، وأنّنا نوردها هنا لمجرّد التوضيح.

1- طبّق أبو حنيفة الاستحسان في الصفح عن المجرمين، مثل من يقترفون الغلول، لأنّه بعد مرور فترة من الزمن، يكون مقترف الغلول قد “ابتعد عن سلوكه، وأثبت أنّه تغيّر، وتاب”. حكم أبو حنيفة في هذه الحالة ألاّ توقع العقوبة، بالرّغم من وجود علّتها، لأنّ “القصد من العقوبة ردع النّاس عن الجريمة، وهذا لم يعد له دور في هذه الحالة”[176].

2- العقود التي يؤجّل فيها الدفع حتى تحدث أمور معيّنة (في الأوقات المحدّدة) هي عقود “لاغية” عند الحنفيّة. ولكنّ مصلحة الناس جعلت أبا الحسن الشيباني يطبّق الاستحسان لتحليل العقد على شرط أن يدفع المشتري المبلغ المستحقّ فوراً[177].

3- سمح أبو حنيفة بـ “اللَّبس” في العقود حين “لا يؤدّي اللبس إلى نـزاعات بحسب الأعراف المحلّيّة”، وذلك من مثل: “اللَّبس في عرض أو طول البناء”، فتطبيق الأحاديث تطبيقاً “لا يفسح مجالاً للبس في العقود” يخالف رأي أبـي حنيفة. غير أنّ أبا حنيفة يطبّق الاستحسان بأن يلاحظ أنّ “مقصد” الأحاديث هو “منع الخصام”[178].

4- وبطريقة مشابهة يسمح أبو حنيفة بعقود الإيجار التي كانت توقّت بتوقيت “غير دقيق”، ومنها مثلاً “وقت خروج قافلة الحجّاج مغادرة الكوفة نحو مكّة”، فالجوانب غير المعروفة في العقد يجعله لاغياً، بحسب القياس المباشر المعتمد على الحديث الشريف، ولكنّ الاستحسان يسمح بوجود اللبس في التوقيت بقصد التيسير[179].

5- طبّق أبو حنيفة الاستحسان حين سمح باستخدام الكلمات العربيّة الخاصّة بالخِطبة لتكون تعهّد زواج، “هذا إذا لم تكن الكلمات التي يستخدمها الناس في لهجة محدّدة فيها مراد حصول الزواج”[180]، وهنا أيضاً أعطي الاعتبار “للمقصد” أو “القصد” هنا.

6- إذا ركب من يفاوض على شراء الحيوان ذلك الحيوان، فإنّه يكون بذلك قد أعلن عن “قبوله”، وهذا هو الحكم عند الأحناف. غير أنّه إذا كان ركوبه الحيوان بـ “قصد” أخذه إلى حيث يفترض أن يحصل على الطعام أو الشراب، فإنّ هذا “لا يكون تصريحاً بالقبول”، وهذا اعتماداً على الاستحسان الذي يُدخِل في الاعتبار القصد من العمل[181].

7- إذا شربت القطّة من إناء، فإنّ سؤرها يجعل الإناء نجساً عند الحنفيّة “بناء على قياس يربط بين سؤر الحيوان ولحمه، ولحم الهرّ محرّم”، غير أنّه نظراً إلى “صعوبة تطبيق هذا الحكم على القطط الأهليّة”، حكم أبو حنيفة أنّ هذا الإناء “طاهر لكنّه مكروه”، وهكذا فإنّ قصد “التيسير” كان المعيار في الحكم في هذه المسألة[182].

8- طبّق أبو حنيفة الاستحسان حين سمح بدفع الزكاة على الإبل بما يجب من الغنم، كما يبيّن الحديث الشريف، أو بما يجب من الإبل، بعكس كلمات الحديث الحرفيّة، “لأنّ هذا سيكون أنفع لمالك القطيع”، وهكذا فإنّ قصد النفع هو المعيار في الحكم في هذه المسألة[183].

وهكذا فكما تظهر الأمثلة السابقة بوضوح فإنّ الاستحسان هو بالأساس شكل من إضافة “المقاصديّة” إلى التفكير الفقهيّ. غير أنّ المذاهب الفقهيّة التي لم تقبل بالاستحسان حاولت أيضاً أن تحقّق المقاصديّة بطرق أخرى.

“فتح الذرائع” من أجل تحقيق الغايات الطيّبة والمقاصد:

طرح بعض المالكيّة “فتح الذّرائع” بالإضافة إلى “سدّ الذّرائع”[184]، قسم القرافي الأحكام إلى “الوسائل” و”المقاصد”، ورأيه أن الوسائل التي تؤدّي إلى مقاصد محرّمة يجب سدّها، بينما الوسائل التي تؤدّي إلى مقاصد شرعيّة يجب فتحها[185]، وهكذا فإنّ القرافي ربط مكانة الوسائل بمكانة ما تؤدّي إليه من مقاصد، واقترح ثلاثة مستويات من المقاصد، وهي “الأقبح” و”الأفضل” و”والمتوسّطة”. وأمّا ابن فرحون (توفّي عام 769هـ/ 1367م) وهو مالكيّ أيضاً، فقد طبّق فكرة القرافي حول “فتح الذرائع” على عدد من الأحكام [186].

وهكذا فإنّ المالكيّة لا يحصرون أنفسهم في الجانب السلبـي من إصدار الأحكام “بحسب نتائجها”، وهو تعبير نستعيره من الفلسفة الأخلاقيّة، وإنّما يوسّعون من طريقتهم في التفكير لتشمل الجانب الإيجابـي من نتائج الأشياء، وهو ما عبّروا عنه بفتح الذرائع للوصول إلى مقاصد طيّبة، حتّى وإن لم تكن تلك المقاصد قد ذكرت في نصوص الوحي بشكل محدّد.

الأعراف ومقصد “العموم والعالميّة”:

اقترح الطاهر بن عاشور طريقة جديدة في بحث العرف، بناء على مقاصد الشريعة. كان قد كتب فصلاً في كتابه مقاصد الشريعة حول العُرف، أعطاه عنواناً مقاصديّاً حين سماه “عالميّة الشريعة الإسلاميّة”[187]، ففي الفصل المذكور لم يوجّه ابن عاشور اهتمامه إلى أثر العرف على تطبيق الأحاديث الشريفة، كما هو متّبع في الطريقة التقليديّة، وإنّما بحث في أثر الأعراف العربيّة على الأحاديث نفسها. نورد فيما يلي ملخّصاً من بحث ابن عاشور المذكور.

أوضح ابن عاشور أوّلاً أنّ من الضروريّ للشريعة الإسلاميّة أن تكون شريعة عالميّة، لأنّها تنادي بأنّها “شريعة لكلّ البشريّة في كلّ مكان وكلّ زمان،” وهو ما نصّت عليه عدد من الآيات والأحاديث النبويّة التي اقتبسها[188]، ثمّ توسّع ابن عاشور في الحكَم من وراء اختيار النبـي صلّى الله عليه وسلّم من بين العرب، مثل كون العرب منعزلين عن الحضارات، ممّا هيّأهم “ليختلطوا ويتفاعلوا بشكل منفتح مع الشعوب الأخرى لأنّه ليس بينها وبين تلك الشعوب عداوات، بعكس الفرس والروم والأقباط”، غير أنّه لا بدّ من أجل أن تكون الشريعة الإسلاميّة عامّة عالميّة، “أن تكون شرائعها وأوامرها قابلة للتطبيق بشكل متوازن على كلّ البشر، بقدر الإمكان”، وهو ما يؤكّد عليه ابن عاشور. من أجل هذا، كما يقول، “جعل الله تعالى الشريعة الإسلاميّة مبنيّة على الحكَم والأسباب التي هي قابلة للإدراك في العقول البشريّة، ولا تتغيّر بتغيّر الأمم والأعراف”، من هنا فقد أوضح ابن عاشور لماذا منع الرسول صلّى الله عليه وسلّم أصحابه من أن يكتبوا ما يقول، “حتّى لا تعتبر الحالات المفردة قواعد عامّة.” وبدأ ابن عاشور يطبّق افكاره على عدد من الأحاديث الشريفة، في محاولة لفرز الأعراف العربيّة عن القواعد التقليديّة المنتشرة. وكان ممّا كتب[189]:

لهذا فإنّ الشريعة الإسلاميّة لا توجّه اهتمامها إلى تحديد ما هو نوع الملبس أو المنـزل أو المركوب الذي على الناس أن يستخدموه … وبناء على هذا، فإنّه يمكننا أن نقرّر أنّ الأعراف والتقاليد لأمّة ما لا حقّ لها، من حيث هي، في أن تفرض على الأمم الأخرى لتكون تشريعاً لتلك الأمم، ولا حتّى الأمّة التي نشأ التشريع بين ظهرانيها … فهذه الطريقة من الفهم قد أزالت كثيراً من البلبلة التي واجهت العلماء في فهم أسباب تحريم الشريعة لسلوكيات محدّدة … مثل تحريم وصل الشعر للنساء، وتفليج الأسنان (تفريقها عن طريق سنّها) ووشم النساء أنفسهنّ… فالمعنى الصّحيح في مثل هذه الأمور، في نظري … أنّ هذه العادات المذكورة في الحديث الشريف كانت عند العرب مؤشّرات على نقص العفّة عند المرأة، لذلك فإنّ تحريم هذه الأمور كان يهدف في الواقع إلى مقارعة دوافع سيئة محدّدة… كذلك فحينما نقرأ: … (قُل وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ) (الأحزاب: 59) .. فهذا تشريع يأخذ بعين الاعتبار عادة عربيّة، ولهذا فإنّه لا يشترط أن ينطبق على النساء اللاتي لا يلبسن هذا النوع من الثياب…

وهكذا فبناء على مبدأ “عالميّة” الشريعة الإسلاميّة فقد طرح ابن عاشور طريقة في تأويل الأحاديث الشريفة من خلال فهم الخلفيّة الثقافيّة للعرب التي تكمن خلف تلك الأحاديث، وليس من خلال التعامل معها على أنّها ثوابت مطلقة وأحكام لا قيد عليها. من هنا فقد فهم الأحاديث التي أوردناها في ضوء مقاصدها الأخلاقيّة العليا، وليس من خلال التعامل معها على أنّها قواعد للسلوك بحدّ ذاتها. فهذه الطريقة من التعامل مع الأعراف تعزّز “المقاصديّة” في نظام الشريعة الإسلاميّة.

الاستصحاب:

مبدأ الاستصحاب هو “دليل عقليّ”، كما ينظر إليه الفقهاء. غير أنّ تطبيق هذا الدليل يمكن أن ينظر إليه على أنّه تطبيق مقاصد الشريعة. من ذلك مثلاً أنّ “استصحاب البراءة حتى تثبت الإدانة” يقصد به الحفاظ على مبدأ العدل[190]، واستصحاب الحلال حتّى يثبت التحريم يقصد بها الحفاظ على مبدأ الرّحمة وحرّيّة الاختيار[191]، واستصحاب صفات معيّنة مثل ضيق القدرة الماليّة[192]، ونيّة العبادة[193]، يقصد بها الحفاظ على مقصد التيسير.

يضاف إلى هذا أنّ الترابـي اقترح توسيعاً للاستصحاب التقليدي ليشمل “استصحاباً واسعاً” تكون فيه كلّ القيم، مثل العدالة والأسرة بل وحتّى العبادات، على حالها كما يعرفها ويمارسها الناس بناء على ميولهم المخلصة، بحيث يفترض أنّها مقبولة على ما هي، والاستثناء الوحيد من قاعدة الاستصحاب هذه هو ما ورد تصحيحه أو تعديله في الشريعة الموحاة[194]، وهكذا فإنّ مبدأ الاستصحاب، في شكله التاريخي وفي شكله الحداثي، هو نوع من تحقيق مبادئ الشريعة.

“المقاصديّة” بوصفها أرضية مشتركة للمذاهب:

نرى في أيامنا هذه انقسامات حادة توسم بأنها “علميّة” بين صفوف السنّة والشّيعة، والتي يحبّ الكثيرون، انطلاقاً من دوافع مختلفة، أن يروا فيها انقسامات “طائفيّة”، والحقيقة أنّ الخلافات الفقهيّة و”الحديثيّة” بين مختلف المذاهب السنّيّة والشيعيّة تعود في نهاية المطاف إلى مواقفهم السياسيّة، وليس إلى “عقيدتهم”، ولكن مهما يكن الأمر فإنّ انقساماً عميقاً بين السنّة والشيعة يشاهد اليوم في المحاكم والمساجد والتعامل الاجتماعيّ في أكثر البلاد، ممّا يفاقم تلك الانقسامات لتتحوّل أحياناً إلى نـزاع دامٍ في عدد من البلاد، لقد ساهمت هذه الانقسامات في ثقافة واسعة الانتشار من ضيق الصّدر في الحياة المدنيّة والفشل في التعايش مع “الآخر”.

لقد قمت بإجراء دراسة مسحيّة حول أحدث الدراسات حول المقاصد، والتي كتبها علماء سنّيّون وشيعة بارزون، وقد ظهر لي من خلال الدراسة تشابه ملفت للنظر في مقاربات الفريقين إلى المقاصد[195]، فكلا المقاربتين تتناول نفس المواضيع (الاجتهاد والقياس والحقوق والقيم والأخلاق، وما شابه ذلك)، وترجع إلى نفس الفقهاء ونفس الكتب (كتاب البرهان للجويني، وكتاب علل الشريعة لابن بابويه، وكتاب المستصفى للغزالي، وكتاب الموافقات للشاطبي، وكتاب المقاصد لابن عاشور)، ويستخدمون نفس التصنيفات النظريّة (مصالح، ضرورات، حاجيّات، تحسينات، مقاصد عامّة، مقاصد خاصّة، وهكذا)، وأكثر الفروق الفقهيّة بين المذاهب السنيّة والشيعيّة ترجع إلى أحاديث آحاد وتفصيلات الأحكام. بينما المقاربة المقاصديّة إلى الفقه فهي مقاربة شموليّة لا تقيّد نفسها بحديث واحد أو بحكم جزئيّ، وإنّما ترجع إلى مبادئ عامّة وقواسم مشتركة. فتطبيق المقاصد العليا، مثل مقاصد الوحدة والتوفيق بين المسلمين، يجب أن يكون لها أولويّة أعلى من تطبيق الدقائق الفقهيّة. لهذا فقد منع آية الله مهدي شمس الدّين العدوان عبر الخطّ السنّي الشيعي، بناء على “المقاصد العليا المتمثّلة في التوفيق، والوحدة، والعدالة”[196]، فالمقاربة المقاصديّة تركّز على قضايا المساحات الفلسفيّة العليا، وهي بهذا تتغلّب على الخلافات حول التاريخ السياسيّ للمسلمين، وتشجّع على ثقافة تشتدّ الحاجة إليها، ثقافة التوافق والتعايش السلميّ.

المقاصديّة كمعيار أساسيّ للاجتهاد:

بناء على التحليل الذي أوردناه للـ “المقاصديّة” التي نجدها في الأدلّة والمناهج اللغويّة والعقليّة المختلفة، فإنّ من الواضح أنّ تحقيق المقاصد ليست مختصّة في بضع مناهج أصوليّة، مثل القياس أو المصلحة، وهذه الأخيرة يركّز عليها كثير من التنظيرات التقليديّة والمعاصرة. وإنّما أريد أن أقول إنّ تحقيق مقاصد الشريعة الإسلاميّة هي الهدف العميق لكلّ مناهج الاجتهاد اللغويّة والعقليّة الأساسيّة، بصرف النظر عن اختلاف أسمائها ومقارباتها. نضيف إلى هذا أنّ تحقيق المقاصد بوجهة منظوماتيّة يظهر في الحفاظ على الانفتاح والتجديد والواقعيّة والمرونة في نظام الفقه الإسلاميّ.

لهذا فإنّ صواب أيّ نوع من الاجتهاد يجب أن يحدّده مستوى “مقاصديّته”، أي مستوى تحقيقه لمقاصد الشريعة. كذلك فإنّ صواب أيّ حكم يجب أن يحدّده مستوى تحقيقه للمقاصد. فالاختيار بين الأحكام، أو نتائج الاجتهاد، كانت تجري في السابق بناء على مراتب جامدة لمناهج أساسيّة تحكم الاجتهاد، مثل الإجماع، والقياس، ورأي الصحابيّ، وعمل أهل المدينة. كانت المذاهب الفقهيّة تختلف حول مراتب المناهج الأساسيّة. غير أنّه بناء على ما عرضناه من تحليل المقاصديّة في المناهج الأساسيّة، فإنّ الاختيار بين النتائج المختلفة للاجتهاد يجب أن يجري بناء على تحقيق المقاصد، بصرف النظر عن مذهب الفقيه أو ميوله. فنتيجة الاجتهاد التي علينا تبنّيها هي التي تحقّق المقصد. ومن هنا فإذا كانت دلالة أحد المقاصد تعارض دلالة مقصد آخر، فالمقصد الذي يظهر أنّه الأعلى، بناء على الترتيب الهرميّ الذي أوضحناه، هو الذي يجب أن يعطى الأولويّة. والخلاصة أنّ عملية الاجتهاد تصبح في واقعها تحقيقاً للمقاصديّة في الفقه الإسلاميّ.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  البحث منشور بمجلة المسلم المعاصر، العدد 151 (2014)، ص ص. 9- 107.

**  أستاذ بكلية الدراسات الإسلامية بمؤسسة قطر، حاصل على دكتوراه في فلسفة التشريع الإسلامي مقارنًا بالتشريعات الغربية من جامعة ويلز البريطانية، ودكتوراه في تحليل المنظومات والتصنيفات الذهنية من جامعة واترلو الكندية، وماجستير في أصول الفقه ومقاصد الشريعة من الجامعة الإسلامية الأمريكية بولاية متشيغان.  http://www.jasserauda.net/ar/

[1] ديفيد كي نوجل Naugle، رؤية العالم: تاريخ فكرة (جراند رابيدز: إيرمانس، 2002). ص. 2.

[2] ساير، جيمس دبليو، تسمية الفيل. داونرزجروفنإلينوي: مطبعة انترفارسيتي، 2004، ص. 19-20.

[3] أو بـي جينكينـز، ما هي صورة العالم؟ (1999 [جرى اقتباسه في كانون الثاني/يناير، 2006]؛ متوفر في موقع

http://orvillejenkins.com/worldview/worldvwhat.html

[4] ريتشارد ديويت، صور العالم: تعريف بتاريخ وفلسفة العلم (مالدين، ماساتشوستس: بلاكويل، 2004)، ص. 3.

[5] ساير نيمينج،صور العالم: استكشافات عبر-ثقافيّة في العقائد البشريّة، الطبعة الثالثة (برنتس هول، 1999)، ص. 19-20.

[6] نفس المصدر، ص. 4 من أرقام المقدمة.

[7] جينكينـز، ما هي صورة العالم؟

[8] ديويت، صور العالم: تعريف بتاريخ وفلسفة العلم، ص. 5.

[9] عبد الفتاح، سيف. “حول صورة العالم عند محمد عبده” ورقة قدمت أثناء الذكرى المئويّة للشيخ محمّد عبده (بيبليوثيكا أليكزاندرينا، الاسكندريّة، مصر، كانون الأول/ديسمبر، 2005)، ص. 7.

[10] ساير، إطلاق الأسماء، ص. نوجل، صورة العالم: تاريخ فكرة، ص. 29.

[11] انظر مثلاً: المجلّة، مجلّة الأحكام العدليّة ، عدد 43، 45. وانظر أيضاً: ابن عابدين، الحاشية، المجلد 4، ص. 556.

[12] سلطان، “الححيّة”، ص. 620.

[13] مسعود بن موسى فلوسي، مدرسة المتكلّمين (الرياض: مكتبة الرشد، 2004)، ص. 354.

[14] مثل “ولد” و “لحم” قد تعني “أولاد” و “لحم البقر” أو “لحم البقر والطيور” بهذا الترتيب، بحسب المنطقة التي ينتمي إليها المتكّلم وبحسب لهجته.

[15] ذكر الحديث أيضاً “الأقط”، وهو نوع من الطعام لم يعد معروفاً في المطبخ العربيّ. فبحسب الزبيدي (القرن السادس عشر الميلادي): الأقط هو حليب ماعز أو حليب نوق يطبخ ثم يترك حتى يجفّ من أجل استخدامه في الطبخ – محمد الزبيدي، تاج العروس في جواهر القاموس (بيروت: دار النشر، بدون تاريخ). يسمح كثير من العلماء “الحداثيين”، معتمدين عادة على المذهب الحنفي، بدفع قيمة مالية تعادل ثمن صدقة الفطر. غير أنّ التطبيق الظاهري لهذه الصدقة لا يزال هو السائد حالياً في بلاد مثل السعوديّة.

[16] ابن القيّم، أحكام أهل الذمّة، المجلد الثاني، ص. 728.

[17] سابق، فقه السنّة، المجلد الثالث، ص. 29.

[18] بيترز، ردولف، “القتل في خيبر: أفكار حول أصول طريقة أسامة في القانون الإسلامي”، القانون الإسلامي والمجتمع 9، رقم 2 (2002)، ص. 133.

[19] أحمد بن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، تحرير محمد حامد، الطبعة الثانية (القاهرة: مطبعة السنّة، 1369 هـ)، ص. 148-150.

[20] نفس المصدر، ص. 158، 59، 60، 37، بهذا الترتيب.

[21] هذا أيضاً رأي أكثريّة مذاهب الفقه. يمكن من أجل دراسة مقارنة، الرجوع إلى ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، المجلد 2، ص. 12.

[22] ابن القيّم، الطرق الحكميّة، المجلد 1، ص. 5.

[23] ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ص. 375.

[24] مثال ذلك الأردن، بحسب الخبرة الشخصيّة لبعض أصدقائي الأردنيين.

[25] هذا هو الحال في أكثر المساجد التي دخلتها في المملكة المتحدة، وأدهشني هذا الأمر.

[26] دي ويت، صور العالم: تعريف بتاريخ وفلسفة العلم، ص. 5.

[27] مثال ذلك دعوى الفلاسفة بخلود العالم (قدم العالم حسب تعبيرهم). وفي المساجلة المشهورة حول “التهافت” بين الغزالي وابن رشد، يؤكّد ابن رشد أنّ قولنا إنّ العالم قديم بمعنى أنّه أبدي، كما يعتقد الغزالي، لا يختلف عن قولنا إن العالم قديم بمعنى أنّه أزلي، أي قديم، وهو ما كان يقول به الفلاسفة اليونان وغيرهم من الفلاسفة.

[28] أحمد بن تيمية، درء تعارض العقل والنقل (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1997)، المجلد الثالث، ص. 218.

[29] السيوطي، الدر المنثور، المجلد الثالث، ص. 86، أبو عامر بن الصلاح، فتاوى ابن الصلاح، 2005.

[30] نفس المصدر.

[31] حسن بشير صالح، علاقة المنطق باللغة عند فلاسفة المسلمين (الاسكندريّة: الوفاء، 2003)، ص. 86.

[32] الديب، “إمام الحرمين،” ص. 39.

[33] عصام نصّار، الخطاب الفلسفي عند ابن رشد وآثاره في كتابات محمّد عبده وزكي نجيب محمود (القاهرة: دار الهداية، 2003)، ص. 16-21.

[34] وديع مصطفى، “ابن حزم ومواقفه من الفلسفة والمنطق والأخلاق” (أطروحة ماجستير، جامعة الاسكندريّة، نشر المجمع الثقافي، 2000).

[35] ابن تيميّة، درء تعارض العقل والنقل.

[36] مصطفى، “ابن حزم،” ص. 203.

[37] الغزالي، المستصفى في أصول الفقه.

[38] انظر: علي بن حزم، تقريب المنطق، تحرير إحسان عبّاس، الطبعة الأولى (بيروت: بدون تاريخ).

[39] انظر: جي اتش فون رايت Wright، “المنطق الأخلاقي Deontic Logic ،” مايند، السلسلة الجديدة 60، عدد 237 (1951).

[40] أنور الزعبي، ظاهريّة ابن حزم الأندلسي: نظريّة المعرفة ومناهج البحث (عمّان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996)، ص. 49.

[41] نفس المصدر، ص. 100-103.

[42] جون إفسواSowa ، تمثيل المعرفة: الأسس المنطقيّة والفلسفيّة والحسابيّة … Computational..  (باسيفيك جروف: بروكس، 2000)، ص. 359.

[43] و. حلاق، ابن تيمية وهجومه على المناطقة اليونان (اكسفورد: مطبعة كلارندون، 1993).

[44] نفس المصدر.

[45] اقتبسه: ابو يعرب المرزوقي، “إصلاح العقل في الفلسفة العربيّة” (اطروحة دكتوراه، نشرها مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1994)، ص. 176.

[46] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، المجلد الأول، ص. 203.

[47] المرزوقي، “إصلاح العقل في الفلسفة العربيّة”، ص. 177، العجم، المنطق عند الغزالي.

[48]ابن تيميّة، درء تعارض العقل والنقل، المجلد الثالث، ص. 218.

[49] أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة. ترجمة م. س. كمالي (الكونجرس الفلسفي الباكستاني، 1963 [جرى اقتباسه في 18 كانون الثاني/ يناير، 2005])؛ متوفر في موقع: http://www.muslimphilosophy.com

[50] الغزالي، المستصفى في أصول الفقه، ص. 3.

[51] روزالند وارد جوين، المنطق والبلاغة والتفكير القانوني في القرآن (لندن ونيويورك: روتلدج، 2003)، ص. 156. وانظر أيضاً العجم، المنطق عند الغزالي، ص. 163-165. إنّ الاستنتاجين المستخلصين هنا يمكن تفسيرهما شكليّاً كما يلي: مودس بوننس: إذا كان صحيحاً أنّ “إذا كان أ صحيحاً، فإن ب صحيح” فإذا كان أ صحيح، فإنّ ب سيكون صحيحاً. ومودس تولنـز: “إذا كان صحيحاً “إذا كان أ فإن ب صحيح،” فإذا كان ب غير صحيح، فإن أ ليس صحيحاً.

[52] القرآن الكريم، سورة الأنبياء، آية 21.

[53] أبو حامد الغزالي، القسطاس المستقيم (بيروت: كاثوليك بابليشنج هاوس، 1959)، ص. 62.

[54] العجم، المنطق عند الغزالي، ص. 65.

[55] نفس المصدر.

[56] القياس الاستدراكي: إمّا كذا أو كذا صحيح (أو ربّما كلاهما). لا يكون كلاهما باطلاً. فإذا عرفت أنّ أحد الطرفين باطل، فإنّه لا بدّ أن يكون الطرف الآخر صحيحاً. نعبّر عن هذا شكليّاً بالقول: إذا كان أ مقابل ب، وكان أ باطلاً، فـ ب صحيح.

[57] أبو حامد الغزالي، محكّ النظر (القاهرة: المطبعة الآدابيّة، بدون تاريخ)، ص. 43.

[58] القياس الفرضي: إذا كان لدينا عبارتان مشمولتان، حيث يكون الطرف الأول من الأولى نفس الطرف الثاني من الثانية، فيمكننا أن نحذف هذا الجزء المشترك ونصل الطرفين الباقيين معاً بعبارة أخرى. فمثلاً إذا كان أ  ب (أ يشتمـل على ب) وكان ب  ج، إذن أ  ج. استخدم الغزالي بدل ب “العلّة” في هذا المثال.

[59] العزالي، محكّ النظر، ص. 31.

[60] انظر مثلاً ابن تيمية وابن حزم، وانظر العجم، المنطق عند الغزالي.

[61] علي السبكي، الآراء الفقهيّة (لبنان: دار المعرفة)، المجلد الثاني، ص. 644.

[62] فون رايت Von Wright، “المنطق الأخلاقي.”

[63] نفس المصدر.

[64] إذا شئت بعض الأمثلة على تطبيق هذا الحكم فراجع: السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، المجلد الأول، ص. 118، الرازي، المحصول، المجلد الثاني، ص. 322، الغزالي، المستصفى في أصول الفقه، المجلد الأول، ص. 57، أحمد بن تيمية، المسوّدة في أصول الفقه، الطبعة الثانية (القاهرة: مكتبة المدني، بدون تاريخ)، ص. 58، الشاطبي، الموافقات، المجلد الأول، ص. 125.

[65]س. و. دي ماركو، “المنطق القانوني الأخلاقي،” ضمن: موسوعة فلسفة القانون، تحرير كريستوفر جراي (نيويورك ولندن: جارلند ناشرون، 1999).

[66] نفس المصدر.

[67] ريشر، المنطق العربي، المجلد الرابع، ص. 526.

[68] نفس المصدر، المجلد الرابع، ص. 527.

[69] ماجد فخري، تاريخ الفلسفة الإسلامية، الطبعة الثانية (لندن، نيويورك: لونجمان، مطبعة جامعة كولومبيا، 1983)، ص. 353.

[70] ابن رشد، فصل المقال.

[71] نفس المصدر.

[72] نصّار، الخطاب الفلسفي، الترابي، قضايا التجديد، ص. 193.

[73] عاطف العراقي، النـزعة العقليّة في فلسفة ابن رشد، الطبعة الخامسة (القاهرة: دار المعارف، 19993)ص. 369.

[74] جراي، محرراً، موسوعة فلسفة القانون، ص. 439.

[75] العراقي، النـزعة العقليّة في فلسفة ابن رشد، ص. 70.

[76] فلوسي، مدرسة المتكلّمين، ص. 332.

[77] علي، المنطق والفقه، ص. 150.

[78] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، المجلد الأوّل، ص. 14.

[79] نفس المصدر، المجلد الأول، ص. 15-23.

[80]عبد الله رابي، القطعيّة والظنّيّة في أصول الفقه الإسلامي (القاهرة: دار النهار، بدون تاريخ)، ص. 24-27.

[81] أبو حامد الغزالي، مقاصد الفلاسفة (القاهرة: دار المعارف، 1961)، ص. 3.

[82] علي جمعة، علم أصول الفقه وعلاقته بالفلسفة الإسلامية (القاهرة: المعهد العالي للفكر الإسلامي، 1996)، ص. 29.

[83] سليمان أبو دواود، السنن (دمشق: دار الفكر)، المجلد الثالث، ص. 257.

[84] الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1990)، المجلد الثاني، ص. 255.

[85] البخاري، الصحيح، المجلد الخامس، ص. 2216.

[86] النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، المجلد الأول، ص. 553.

[87] البخاري، الصحيح، المجلد الثاني، 532.

[88] ابن رشد، بداية المجتهد، المجلد الثاني، ص. 43.

[89] السيواسي، شرح فتح القدير، المجلد الثاني، ص. 192، ابن عبد البرّ، التمهيد، المجلد الرابع، ص. 216.

[90] ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، المجلد العاشر، ص. 375.

[91] انظر مثلاً: علي الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام (بيروت: دار الكتاب العربي، 1404 هـ)، المجلد السادس، ص. 124.

[92] ذكره ولم ياتِ بما يؤيّده: أبو بكر  البيهقي، السنن (المدينة: الدار، 1989)، المجلد السادس، ص. 124.

[93]ذكره ولم يأتِ بما يؤيّده: محمد الصنعاني، سبل السلام (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1379 هـ)، المجلد الثالث، ص. 227.

[94] بلتاجي، منهج عمر، ص. 190.

[95] نفس المصدر، ص. 190.

[96] جلال الدين السيوطي، تدريب الراوي (الرياض: مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ)، المجلد الثاني، ص. 180.

[97] انظر مثلاً، ابن الجزري (توفي عام 832 هـ/ 1429 م) في كتابه حول روايات القرآن الكريم، حيث عدّ 80 أسناداً متوازياً للقرآن وتوسّع في تنوّعها. انظر: ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ص. 117-280.

[98] ابن الصلاح، المقدّمة في علوم الحديث، ص. 28.

[99] ابن تيمية، المسودة في أصول الفقه، ص. 223.

[100] ابن تيمية، كتب ورسائل وفتاوى، ص. 78-83.

[101] الفضل، التحدث باسم الله، ص. 238.

[102] انظر مثلاً: السيوطي، الدرّ المنثور، المجلد الثالث، ص. 86.

[103] السبب عندهم هو “الظنّيّة” في تلك المناهج. انظر: سلطان، “حجّيّة”، الفصل الثالث.

[104] الغزالي، المستصفى، ص. 304.

[105] هذا بحسب مذهب الغزالي الأشعري، والذي يعتقدون بحسبه أنّ الله “لا يحتاج أن يكون لأفعاله أسباب أو مقاصد”، كما أوضحناه في مبحث 3-1.

[106]الغزالي، المستصفى في أصول الفقه، ص. 279، الشاطبي، الموافقات، المجلد الرابع، ص. 129، ابن تيمية، كتب ورسائل وفتاوى، المجلد 19، ص. 131.

[107] الغزالي، مقاصد الفلاسفة، ص. 62.

[108] ابن تيمية، كتب ورسائل وفتاوى، المجلد 19، ص. 131.

[109] عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1997)، المجلد الثالث، ص. 77.

[110] انظر مثلاً: عودة، فقه المقاصد، ص. 65-68.

[111] السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، المجلد الثالث، ص. 218.

[112]البخاري، الصحيح، ص. 69.

[113] نفس المصدر.

[114] عودة، فقه المقاصد، ص. 106.

[115] أبو بكر المالكي بن العربي، عارضة الأحوذي (القاهرة: دار الوحي المحمّدي، بدون تاريخ)، المجلد العاشر، ص. 264.

[116] انظر مثلاً: بدران بدران، أدلّة الترجيح المتعارضة ووجوب الترجيح بينها (الاسكندريّة: مؤسّسة شباب الجامعة، 1974).

[117] عودة، فقه المقاصد، ص. 64.

[118] السيوطي، الأشباه والنّظائر، المجلد الأول، ص. 192.

[119] آية الله محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، الطبعة الثانية (بيروت: دار الكتب اللبناني، 1986)، المجلد الثاني، ص. 222.

[120] انظر مثلاً: الرازي، التفسير الكبير، المجلد الثالث، ص. 204، الفضل بن الحسين الطبروسي، مجمع البيان في تفسير القرآن (بيروت: دار العلوم، 2005)، المجلد الأول، ص. 406، ندا، النسخ في القرآن، ص. 25.

[121] بدران، أدلّة الترجيح، الفصل الرابع.

[122] الحاج، التقرير، المجلد الثالث، ص. 4.

[123] عودة، فقه المقاصد، ص. 105-110.

[124] عبد المجيد السوسرة، منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث وأثره في الفقه الإسلاميّ، الطبعة الأولى (عمّان: دار النفائس، 1997)، ص. 395.

[125] ترجمة م. أسد.

[126] الآيات البقرة: 256، الأنعام: 13، المؤمنون: 96، الروم: 60، فصّلت: 46، الكافرون: 6، بهذا الترتيب.

[127] برهان زريق، الشاطبي: ميثاق الرسل، الطبعة الأولى (دمشق: دار النمير ودار معد، 1996)، ص. 353.

[128] نفس المصدر، ص. 216.

[129] بناء على نفس الدراسة المسحية لكتب الحديث التي قمت بها، كما ذكرنا ذلك سابقاً.

[130] العلواني، “مقاصد الشريعة،” ص. 89.

[131] وهو ما اقترحه عدد من الفقهاء. منهم مثلاً: الشافعي، الرسالة، ص. 272-275، محمد الزرقاني، شرح الزرقاني على موطّأ الإمام مالك، الطبعة الأولى (بيروت: دار الكتب العلميّة، بدون تاريخ)، المجلد الأوّل، ص. 229.

[132] السيواسي، شرح فتح القدير، المجلد الأول، ص. 311، السرخسي، أصول السرخسي، المجلد الأول، ص. 12، الكاساني، بدائع الصنائع، المجلد الأول، ص. 207.

[133] الشافعي، الرسالة، ص. 272-275.

[134] محمد بن عيسى الترمذي، الجامع الصحيح سنن الترمذي،  تحرير أحمد م. شاكر (بيروت: دار إحياء التراث العربي، بدون تاريخ)، المجلد الثاني، ص. 275.

[135] النووي، المجموع، المجلد الرابع، ص. 145.

[136] الغزالي، المستصفى، المجلد الأول، ص. 172-174.

[137] ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص. 236.

[138] ابن نجيم، البحر الرائق، المجلد الثالث، ص. 117، المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدئ، المجلد الأول، ص. 197.

[139] السيواسي، شرح فتح القدير، المجلد الثالث، ص. 258.

[140] ابن عابدين، حاشية ردّ المحتار، المجلد الثالث، ص. 55.

[141] محمد الغزالي، نظريات في القرآن (القاهرة: نهضة مصر، 2002)، ص. 194.

[142] النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، المجلد الثاني، ص. 255.

[143] ابن رشد، بداية المجتهد، المجلد الثاني، ص. 43.

[144] محمد بن إسماعيل الصنعاني، سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام، تحرير محمد عبد العزيز الخولي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1379 هـ)، المجلد الثالث، ص. 227.

[145] نفس المصدر.

[146] نفس المصدر.

[147] ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلاميّة، ص. 234.

[148] فون يرينجVon Jhering ، القانون بوصفه وسيلة لتحصيل غاية، ص. 22 من ترقيم المقدمة.

[149] نفس المصدر، ص. 52 من ترقيم المقدمة.

[150] جيني، MethodeD’interpretation Et Source En DroitPrivePositif، المجلد الثاني، ص. 142.

[151] فون يرينج، القانون بوصفه وسيلة إلى غاية، ص. 54 من ترقيم المقدمة، جيني، ميتوددينتربريتاسيون، المجلد الثاني، ص. 142.

[152] فون يرينج، القانون بوصفه وسيلة إلى غاية، ص. 7-9.

[153] جيني، ميتوددينتربريتاسيون، المجلد الثاني، ص. 190.

[154] فون يرينج، القانون بوصفه وسيلة إلى غاية، “التعريف”، ص. 22 من ترقيم المقدمة.

[155] انظر مثلاً عبد الله بن بيّه، أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات، الطبعة الأولى (جدة: دار المنهاج، 2007)، ص. 361، والترابي، قضايا التجديد، ص. 157.

[156] الشاطبي، الموافقات، المجلد الثاني، ص. 25.

[157] ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلاميّة، ص. 225.

[158] موجيسي، النسوية والأصوليّة الإسلاميّة: حدود التحليل ما بعد الحداثي، ص. 140.

[159] أركون، “إعادة التفكير بالإسلام اليوم،” ص. 221.

[160] المرزوقي، “إصلاح العقل في الفلسفة العربيّة،” ص. 12.

[161] موسى، “النقد Poetics .”

[162] أبو زهرة، أصول الفقه، ص. 139.

[163] الترابي، التفسير التوحيدي، ص. 20، جابر، المقاصد الكلّيّة، ص. 35.

[164] انظر مثلاً: العلواني، “مدخل إلى فقه الأقليّات”، ص. 36، الغزالي، السنّة النبويّة، ص. 19، 125، 61، الغزالي، نظرات في القرآن، ص. 36، النمر، الاجتهاد، ص. 147، الترابي، قضايا التجديد، ص. 157، ياسين داتونDutton ، أصول الفقه الإسلامي: القرآن، الموطّأ وعمل أهل المدينة (سري: كيرزون، 1999) ص. 1، جون مقدسي، “فحص الحقيقة للاستحسان كطريقة للتفكير الفقهي الإسلامي،” مجلة UCLA للقانون الإسلامي والشرق أوسطي، عدد 99 (الخريف/الشتاء) (2003)، أ. وموتوشو، “مشكلة الأمر في أصول الفقه” (أطروحة دكتوراه، جامعة أدنبره، 1984)، صافي، إعمال العقل، ص. 130، شمس الدين، الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، ص. 21.

[165] ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلاميّة، الفصل السادس.

[166]  رجعت هنا إلى ترجمة محمد الطاهر ميساوي لكتاب ابن عاشور في المقاصد: محمد الطاهر بن عاشور، بحث ابن عاشور في المقاصد الشرعية، ترجمة: محمد الطاهر الميساوي (لندن-واشنطن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2006).

[167] الآمدي، الإحكام، المجلد الخامس، ص. 42.

[168] ابن قدامة، المغني، المجلد الثالث، ص. 42.

[169] نفس المصدر.

[170] أرسطو، أعمال أرسطو.

[171] انظر مثلاً: الغزالي، المستصفى، الرازي، التفسير الكبير، المجلد الثالث، ص. 133، السيوطي، جلال الدين، تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، تحرير عبد الوهاب عبد اللطيف (الرياض: مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ)، المجلد الأول، ص. 277، الحاج، التقرير، المجلد الأول، ص. 86، الشافعي، الآمدي، ص. 149.

[172] حسان، نظريّة المصلحة في الفقه الإسلامي.

[173] جراي، محرراً، موسوعة فلسفة القانون، ص. 428.

[174] الجويني، الغياثي، ص. 253، الغزالي، المستصفى، المجلد الأول، ص. 172، الرازي، المحصول في علم الأصول، المجلد الخامس، ص. 222، الآمدي، الإحكام، المجلد الرابع، ص. 286، الطوفي، التعيين، ص. 239.

[175] ابن قدامة، المغني، المجلد الخامس، ص. 148.

[176] السرخسي، أصول السرخسي، المجلد التاسع، ص. 205.

[177] نفس المصدر، المجلد الخامس، ص. 117.

[178] نفس المصدر.

[179] نفس المصدر، المجلد 16، ص. 25.

[180] نفس المصدر، المجلد الخامس، ص. 62.

[181] نفس المصدر، المجلد الخامس، ص. 181.

[182] نفس المصدر، المجلد الأول، ص. 50.

[183] نفس المصدر، المجلد الثالث، ص. 53.

[184] القرافي، الذخيرة، المجلد الأول، ص. 153، القرافي، الفروق (مع حواشيه)، المجلد الثاني، ص. 60، برهان الدين بن فرحون، تبشيرات الحكّام في أصول القضيّة ومناهج الأحكام، تحرير جمال مرعشلي (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1995)، المجلد الثاني، ص. 270.

[185] القرافي، الذخيرة، المجلد الأول، ص. 153، القرافي، الفروق (مع حواشيه)، المجلد الثاني، ص. 60.

[186] ابن فرحون، تبشيرات الحكّام، المجلد الثاني، ص. 270 وما يليها.

[187] ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلاميّة، ص. 234.

[188] ذكر ابن عاشور مثلاً: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ) (سبأ: 28) (قل يا أيُّها الناسُ إنّي رسولُ الله إليكم جميعاً) (الأعراف: 158)، والحديث الشريف: “كان النبـي يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى الناس عامّة” (رواه مسلم).

[189] ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلاميّة، ص. 236.

[190] القرافي، الفروق (مع حواشيه)، المجلد الرابع، ص. 49، أبو زهرة، أصول الفقه، ص. 278.

[191] القرافي، الذخيرة، المجلد الأول، ص. 151، ابن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، المجلد الأول، ص. 23.

[192] ابن تيمية، كتب ورسائل وفتاوى، المجلد الثاني، ص. 214.

[193] نفس المصدر، المجلد الأول، ص. 56.

[194] الترابي، قضايا التجديد، ص. 167.

[195] انظر مثلاً: محمد مهدي شمس الدين، “مقاصد الشريعة،” محمد حسين فضل الله، “مقاصد الشريعة،” العلواني، “مقاصد الشريعة،” عبد الهادي الفضلي، “مقاصد الشريعة،” ضمن كتاب مقاصد الشريعة، تحرير عبد الجبار الرفاعي (دمشق: دار الفكر، 2001). وانظر أيضاً القرضاوي، المدخل.

[196] شمس الدين، “مقاصد الشريعة،” ص. 26.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.