العقلانية والتنوير: نظرة تقويمية

العقلانية والتنوير*

نظرة تقويمية

المستشار طارق البشري**

(1)

أجازف في كتابة هذا الموضوع بالشرود عن مألوف ما تجري به الكتابة في مثله. وأنا أكثر ميلًا إلى الجوانب التطبيقية، وأكثر ميلًا في التعامل مع المفاهيم النظرية إلى محاولة إدراك المؤدى أو المفاد الواقعي لها في الزمان والمكان المعنيين، وإدراك معناها في سياق مآلاتها في التطبيق. والمفاهيم النظرية بطبيعة الحال لا يُستغنى عنها في هداية البشر وفي تبيّن مناهج تعاملهم في شؤونهم، ولكنها تتباين في مفادها وفي آثارها الوظيفية بحسب الأنساق الفكرية العامة التي تندرج فيها، وبحسب سياق الزمان والمكان الذي تنشط فيه، وبحسب توظيف البشر لها في هذه الأطر.

ومن جهة أخرى، فإننا نستخلص المفاهيم النظرية من واقع الممارسة الفكرية الاجتماعية عند التعامل مع تفاصيل الواقع المعيشي ومع مشاكله ومع نوعيات المعارف التي نتلقاها، طبيعية هي أو اجتماعية، وأنا طبعًا لا أقلل من جدوى البحث وضرورته في المجال النظري باعتباره مجالًا متميزًا بذاته عن مجالات التطبيق النوعي المختلفة طبيعية واجتماعية، ولكني أحاول الإشارة إلى أن معارفنا عن المجال النظري في ذاته لا تكاد تكتمل، أو لا تصل إلى الغايات الإنسانية المنشودة، إلا إذا اقترنت بالبحث في المجالات النوعية التطبيقية التي يمكن أن تستخلص منها المفاهيم النظرية.

ومن هذا الفهم يرد اختياري للزاوية التي أستحسن النظر منها، لقد صرنا عندما نتكلم عن أية مسألة من مسائل الفكر في تاريخه وحركته، إنما نحصر أسماء كتّاب اشتهروا في هذا المجال النوعي، ونعيد الحديث عنهم ونستخرج الدلالات من أقوالهم ومجادلاتهم ونعيد فيهم التصنيف والتحليل، وتبقى المادة العلمية والفكرية محصورة في أقوال ذوي المؤلفات منهم.

نحن مثلًا عندما نبحث عن حركة التجديد في الفكر الإسلامي الحديث ننظر في كتابات من الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا إلى الطاهر بن عاشور، ولكننا لا نفطن إلى مناهج التدريس في الأزهر وغيره ونظم الدراسة في المعاهد الدينية ومدى تطورها أو بقائها على حالها. وكل ذلك جرى بأيدي الكتّاب المعروفين وبأيدي غيرهم أيضًا ممن كان لهم سهم كبير في تطوير هذه المؤسسات، وفي إنشاء معاهد جديدة للفكر الديني. كما أننا لا نفطن إلى التغيرات التي جرت على التشريعات ولا إلى المبادئ التي استقرت أو بدأت تظهر في أحكام المحاكم وعلى أقلام المفتين وغيرهم. وأنا مثلًا لم أجد أحدًا من المهتمين بأمر التجديد في الفكر الديني اعتنى بدراسة مجموعة أحكام المحاكم الشرعية وهي منشورة في مجموعات مطبوعة لعشرات من السنين، ولا أن أحدًا اعتنى بدراسة فتاوى دور الإفتاء عبر عشرات السنين وهي استمرت مددًا لم تُجمع ثم جُمع منها كثير وطُبع، ولكنها لم تنَلْ من جهود الدارسين بعد اهتمامًا، على الرغم من أن حياة الناس والتطور الفكري تأثرا بأحكام وفتاوى المفتين وتعديلات المشرعين بأكثر كثيرًا من الأثر المباشر الذي جرى من قراءة المفكرين سالفي الذكر، وعلى الرغم من أن أثر هؤلاء المفكرين سالفي الذكر إنما يُختبر مداه بما دلَّت عليه حركة المحاكم ودور الإفتاء ولجان التشريع وقاعات المحاضرات.

وبالمثل نحصر حركة الفكر الحديث في أعلام مفردين من لطفي السيد إلى طه حسين وشبلي شميل وفرح أنطون وأضرابهما في بلاد العرب، ونغفل عن مؤسسات وهيئات لها من الأثر الفكري في ظني أضعاف ما كان لهؤلاء؛ لأن هذه التكوينات عرفت الممارسة للفكر وليس الدعوة له فقط، كما أن أثرها كان أوسع انتشارًا بما لا يُقاس به جمهور محدود من القراء والمتخصصين الذين يقرؤون للطفي السيد مثلًا أو لشبلي شميل، وأقصد بالمؤسسات والهيئات كثيرًا من الأحزاب والهيئات النيابية والنقابات المهنية والعمالية ومجالات الدراسة لعلوم الطبيعة والمجتمع.

(2)

وتثور في هذا الشأن مقولات مثل أن الفكر العربي الإسلامي لم يهتد إلى مبدأ الشك المعرفي إلا من ديكارت عن طريق ما سجَّله طه حسين في كتابه في الشعر الجاهلي. ولديّ شكوك قوية حول صحة هذه المقولات، وأن يُنسب هذا الأمر عن الشك المعرفي إلى ما أذاعه طه حسين عن ديكارت؛ لأن الشرع والعقل يشكلان في الإسلام “ضفيرة” يصعب حلها. ومن تكلم عن النقل والعقل أو عن المنقول والمعقول، لم يكن يقصد الفصل بينهما حسبما يظهر، إنما كان ذلك من قبيل التمييز بين نشاطين وأدائين، لأن أدوات النظر في أي منهما تتميز عن أدوات النظر في الآخر من حيث الثبوت والدلالة، والنقل يحتاج إلى أدلة ثبوت، والعقل يحتاج إلى عمليات استنباط واستقراء.

ونلحظ مثلًا أن نجم الدين الطوفي وهو من الحنابلة الذين يعتبرون بالنص أكثر ما يعتبروا، يقول في المقدمة الثانية في كتابه (الانتصارات الإسلامية)[1]: «إن العقل نائب الشرع يقرر له القواعد من إثبات الصانع وتوحيده..». و«بثبوت الشرع، ينعزل العقل كما ينعزل بقدوم السلطان من سفره من استنابه موضعه في بلده» ثم يقول: «إن الشرع لم يأتِ بما ينافي العقل».

وإذا كان الدين يقوم على مسلّمات غيبية، وإذا كان الغيب مما لا يمكن معرفته، فإن حاكمية الدين للبشر ترِد بطريق العقل. وفي الإسلام فإن القرآن وهو النص المنزل من الغيب يثبت «نصه» بطريق التواتر، والتواتر طريق عقلي للإثبات، ثم يثبت الحديث الشريف بما عرفه «علم مصطلح الحديث» من وسائل التحقّق والثبوت من صحة الرواية وصواب النقل، وهي وسائل عقلية يقبلها العلم الحديث، بل هي أشد من وسائل التحقق التاريخية الحديثة للأحداث ومن وسائل التحقق القضائية الحديثة بالنسبة إلى الحقوق.

ثم ترد بعد ذلك أساليب الاستدلال التي تحددت بها مناهج التفسير واستخراج الأحكام من النصوص الثابتة لتطبيقها على الواقع المتغيّر وعلى الحالات الواقعية المتنوعة. وإن جهد الإمام الشافعي في هذا الشأن هو ما عبّر عنه الفخر الرازي بأن الشافعي هو أرسطو الفكر الإسلامي، وهذا ما أكده الشيخ مصطفى عبد الرازق في دراسته عن الشافعي[2]. ولذلك يقول الأستاذ عبد الحليم الجندي: «منهج الشافعي في أصول الفقه منهج للوحدة الفكرية تضبطها قوانين عامة استطرد العلماء بها إلى العلوم التطبيقية والكونية …»[3].

إن ثبوت القرآن بطريق التواتر، واستلزام قيام التواتر للمعرفة اليقينية به يفيدان أن الأمر هنا بدأ بالشك المعرفي؛ لأن القرآن احتاج إلى دليل يُثبت نصه، وأن قواعد منهج مصطلح الحديث لإثبات الأحاديث الشريفة وتحديد مراتب ثبوتها يقيناً وظنًّا وشكًا يُفيد أن الأمر هنا بدأ بالشك المعرفي أيضًا الذي احتاج إلى دليل ثبوت تحدد مدى اليقينية والظنية بشأنه. كما أن القاعدة القضائية الآتية من الأحاديث الشريفة تفيد أن «البيّنة على من ادعى»؛ أي إن أية دعوى تحتاج إلى دليل يثبتها، هذه القاعدة مبنية على البدء بالشكّ أيضًا، وأن أي راوٍ لحديث أو كاتب للتاريخ سَجَّل مصادر ما يدوِّن من رواة سابقين أو مراجع سابقة إنما قدم الدليل لأنّه يتوقع أن صيغة التعاقد والتفاهم بينه وبين قارئه تقوم على البدء بالشك والاحتياج إلى الدليل.

أنا لا أقصد أن ديكارت كان يقصد شيئًا من ذلك عندما تكلم عن البدء بالشك لإثبات الوجود، ونحن نعرف أنه كان يتعلق بمسألة فلسفية خاصة بالوجود، ولكن ما أقصده يتعلق بكتاب طه حسين؛ لأن طه حسين عندما تكلم في الشعر الجاهلي عن هذه المسألة إنما كان يتكلم عن الشك الذي يسبق ثبوت الأحداث التي جرت من قبل أو تجري الآن. ومَن يتكلمون عن أثر كتاب طه حسين إنما يشيرون بالضرورة إلى هذا الاستخدام لمنهج الشك في تحقيق الأحداث سواء كانت وردت بالقرآن أو بغيره، من بعد أو من قبل. والذي أحاول أن أوضحه بالعبارات السابقة أنه لا يصح في الأذهان القول: إننا نحن العرب والمسلمين لم نعرف مناهج التثبت العقلي للوقائع والأحداث والأقوال إلا بما نقله إلينا في (الشعر الجاهلي) في أواخر العقد الثالث من القرن العشرين، وإن أبا حامد الغزالي يقول في (ميزان العمل): «الشكوك هي الموصلة للحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال»[4]، والإمام الغزالي توفي في سنة ٥٠٥ هـ / ١١١١م.

والشيخ مصطفى المراغي في مقدمته لكتاب محمد حسين هيكل (حياة محمد) يقول عن علماء الكلام: «انظر كُتب الكلام ترهم يقررون أن أول واجب على المكلف معرفة الله، فيقول آخرون لا، إن أول واجب هو الشك. ثم إنه لا طريق للمعرفة إلا البرهان، وهو وإن كان نوعًا من أنواع القياس إلا أنه يجب أن تكون مقدماته قطعية حسية، أو منتهية إلى الحس، أو مدركة بالبداهة، أو معتمدة على التجربة الكاملة أو الاستقراء التام». ثم استشهد في ذلك بالإمام الغزالي عندما جرَّد نفسه من جميع الآراء وفكر وقدَّر ووازن ورتب وعرض الأدلة ثم اهتدى إلى الحق، وقال المراغي: «طريق التجريد طريق قديم وطريق التجربة والاستقراء طريق قديم والتجربة والاستقراء التام وليدا الملاحظة…»[5]

وما قصدت أن أوضحه بما سبق أن أجيب عن السؤال عما «إذا كانت فكرة العقلانية والتنوير أصيلة في نسيج الفكر العربي أم جاءت تردادًا عربيًا للفكر العقلاني والتنويري في أوروبا».

(3)

كما أن إقامة المسجد هي دعوة إلى الصلاة، فإن إقامة المصنع هي ممارسة لدراسة الواقع وللتجريب وللتقدير العقلي الحاسب للأفعال وردود أفعالها. وإن التشييد – أبنية وجسورًا وترعًا.. إلخ – يدخل في هذا المعنى. وهنا لا نجد مفارقة بين ممارسة التعبد في المسجد وفي غيره وبين ممارسة العمل المنتج القائم على التجريب وعلى التقدير العقلي الحاسب للعلل والمعلولات. لا نجد هذه المفارقة التي نلقاها في كتب الدعاة عندما تقودهم العبارات المطلقة والتعبيرات غير المحدودة إلى ما يقوم به لديهم التعارض بين المطلق والنسبي.

ونحن مثلًا نعرف الفروق بين العمل الزراعي التقليدي والعمل الصناعي، وأثر هذه الفروق في تشكل العقل البشري الذي يتعامل مع هذه الممارسات. وفي ظني أن ثمة فروقًا شبيهة تقوم بين مَن يعملون مع نظم الإدارة التقليدية القديمة ويتعاملون معها وبين الإدارة الحديثة. ولهذه المسألة أهميتها في تبيّن حصيلة العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر على مدى القرنين الماضيين. في نُظم الإدارة التقليدية، تندمج الأعمال العامة بالدولة أو بأية جماعة مالية أو تجارية أو مذهبية، ويندمج هذا العمل بالعمل الخاص الذي يخص القائم بالعمل في شؤون أسرته وماله، فلا تقوم فواصل موضوعية تُفرِق بين نوعي هذه الأعمال، وتندمج المالية العامة أو المالية المشتركة بالمالية الخاصة للقائم بالعمل، وتندمج علاقات العمل الوظيفي العام للشأن العام أو المشترك في الشأن الفردي الخاص لتابع ومتبوع. كما أنه لا يوجد تقسيم عمل يقوم على أسس موضوعية بالنسبة إلى الشؤون العامة، إنما يتولاها في جملتها شخص واحد وتجري وفق نوازعه وتشكلاته الذاتية. ومن هنا يظهر العمل العام في نظم الإدارة التقليدية القديمة عملًا غير قابل للتوقع والحساب، ويكون غير قادر أيضًا على أن يجمع المعارف والمعلومات عن الواقع المعيش ما يمكّنه من الحساب الموضوعي والفهم الأكثر رشدًا، فيكثر المجاهيل في اتخاذ القرارات، وتزاحِم العشوائية الرشد في العمل.

وإن الوضع ينحو إلى خلاف هذه الظواهر في نُظم الإدارة الحديثة؛ فهي تعتمد أول ما تعتمد على تقسيم العمل تقسيماً موضوعيًا لإتاحة الفرصة لذوي التخصصات العلمية والفنية المختلفة بأن يمارسوا خبراتهم ويراكموها، وهي تفصل بين الوظيفة والقائم عليها وتجعل قيامه عليها قيامًا مؤقتًا. وهي تفصل علاقات العمل العام عن الشؤون الخاصة للعاملين، وتقيم تخصصات وتقاليد وأعرافًا للعمل العام في كل نوعياته بحيث يكون ذا شخصية اعتبارية منفصلة عن القائمين به، وتُخضعهم لها إلى حد ما، وهي تفصل بين المالية العامة والخاصة، وترسم أهدافًا وأغراضًا، وترصد أموالًا دورية لتحقيق هذه الأهداف والأغراض في كل مرحلة دورية. ولكل ذلك أثره الفاعل في التحكم العقلي والتحكم التجريبي كذلك في أداء الأعمال ورسم السياسات النوعية وتحديد مسارات إنفاذها وتوقع النتائج. وإن القائمين على هذه الأمور والمتعاملين معها يكتسبون من ذلك ما يكسبونه من قدرات التقدير والتدبير العقليين. وتبدو لي أن هذه المكاسب أكبر كثيرًا مما يكسبه قارئ لداعية من دعاة العقلانية والتنوير.

ولأنه ظهر لي علاقة التكوين المؤسسي الحديث بالعقلانية والتنوير، بالمعنى الذي حاولت أن أبيّنه في صدر هذه الفقرة، فإنه يمكن تتبع هذا العنصر من بدايات القرن التاسع عشر، سواء من الإصلاحات المؤسسية لمحمد علي في مصر والشام، أو من إصلاحات الدولة العثمانية منذ محمود الثاني. بدأ الأمر بالجيش كما هو معروف في التدريبات الحديثة وتقسيم الجيوش إلى تقسیمات متخصصة بحسب نوعية السلاح، ودراسة فاعلية كل قسم ومدى فاعلية الأسلحة الحديثة التي تدَرب عليها، ورسم مخططات التنسيق بين هذه الفرق وأسلحتها ودراسة ما يحيط بالعمليات العسكرية من علوم وفنون وخبرات وتجارب. ثم عرج الأمر على أوضاع الاقتصاد لكفالة زيادة الإنتاج بما يسمح بتمويل هذه الأنشطة المستحدثة وما يقتضيه ذلك من أبنية جديدة وجسور وقناطر وحفر للترع وإنشاء للمصانع اللازمة لمد الجيش بما يلزمه من احتياجات حربية. ثم استوجب الأمر نُظمًا إدارية جديدة قادرة على الإشراف على هذه الأنشطة وعلى تكاثرها وتنوعها وما تقتضيه من تخصصات، فنشأت دواوين ونظارات ووزارات لشؤون رئاسة الدولة وللشؤون المالية من إيرادات ومصروفات ولشؤون المصانع، ودواوين للجهادية والبحرية وغير ذلك، ثم التقسيمات الإدارية الخاصة بالأقاليم[6].

وفي رحم هذه الهيئات والأنشطة تكوّنت مجموعات من القيادات كانت أعمالها ذات أثر نافذ ومستمر لا في بناء المؤسسات فقط، ولكن في البناء العقلي لأبناء هذه المؤسسات وما أشاعوا في المجتمع كله مِن بعد من أثر ثقافي، وأكثرهم لم يترك كتبًا ولكنه ترك أفعالًا باقية.

وليست العبرة بما خلَّف أي إنسان من كتابات ولكن العبرة بما خلَّف من أثر عملي في القلوب والعقول من بعده. وأبو الحسن الشاذلي مثلًا صاحب واحدة من أكبر الطرق الصوفية المستمرة عبر القرون إلى الآن، لم يترك كتابًا ولا مقالة إنما تناقل المتأثرون به آثاره بالأعمال والمشافهات.

من هذه المؤسسات ظهر في إسطنبول أمثال مصطفى رشيد باشا وأحمد جودت باشا وداود باشا وفؤاد باشا وأحمد مدحت باشا. كما ظهر من أمثالهم في القاهرة إبراهيم باشا ابن محمد علي وقائد جيوشه ومحمد مظهر باشا ومحرم بك في الجيش والبحرية، ومحمد شريف وعلي مبارك المهندس الذي اتسع نشاطه ليشمل من صيانة القناطر إلى إنشاء دار العلوم ودار الكتب إلى رئاسة وزارة المعارف العمومية وتأثيره في منهج الدراسة إلى تأليف الخطط التوفيقية بوصفه موسوعة في التاريخ المصري[7].

لا أريد أن أستطرد في هذه الأمور كثيرًا، وحسبي أن أشير إلى صلة هذه التنظيمات بالتشكل العقلي للأفراد والجماعات وأثره في التكوّن الثقافي بحيث يتعين عدم إغفاله. والظن عندي أن الأثر الثقافي للتكوينات المؤسسية التي شكلها وأدارها علي مبارك، ومنها إنشاء دار العلوم، يكاد يكون أعمق فعلًا وأبعد مدى وأشمل نطاقًا من الأثر الثقافي لكتابي (تلخيص الإبريز ومناهج الألباب) لرفاعة رافع الطهطاوي. يكفي أن ننظر في هذا إلى عدد خريجي دار العلوم وما درسوه فيها وتواليهم عبر السنين وأثرهم فيمن أخذ منهم مدرسين أو موجهين في المجالات المختلفة، وأنا هنا أتكلم في موضوعي وهو «نظرة تقويمية في حصيلة العقلانية والتنوير».

وبمثل ما قام من أجهزة الإدارة العامة، يمكن الإشارة إلى تكوينات أهلية بُنيت على الرشد وقامت على أسس أكثر عقلانية وموضوعية مما سبق، ولنا في ذلك أن نقارن بين طريقة إدارة الوقف قديمًا وطريقة إدارة الطريقة الصوفية قديمًا، نقارن ذلك بطرق إنشاء الجمعيات والمؤسسات المالية الحديثة، من حيث التنظيم والضبط والتمييز بين الغرض الباقي وبين القائم به من أشخاص متغيرة. كما أن لنا أن نقارن بين إدارة المشروعات الاقتصادية على أسس فردية من حيث إمكانات التمويل وحدود الخبرات الشخصية وما يفرضه كل ذلك من ضيق في حجم المشروعات وتفتت، نقارن ذلك بنظم الشركات وبخاصة الشركات المساهمة وما جمعت من رؤوس أموال، وما وضعت من خبرات فنية عالية وما أمكنها تحقيقه من سيطرة وتقديرات محسوبة.

ويُلاحظ في هذا الصدد مثلًا، كل ما يتعلق بالدراسات الاقتصادية والمالية وأثرها الثقافي في بناء العقل والإنسان، وكذلك بدء وضع الموازنات المالية التي تقوم على تقديرات رقمية لوجوه الأنشطة المختلفة، سواء بالنسبة إلى هيئات الدولة أو بالنسبة إلى هيئات الأقلية من شركات وجمعيات، كما نقدم على أساس توقعات مستقبلية مستندة إلى فهم الواقع الحاضر واستخلاص توجهاته. وقد بدأ نَظْم الإيرادات في مصر من عشرينيات القرن التاسع عشر وعلى وجه الخصوص من بداية أربعينيات ذلك القرن[8].

(4)

في النصف الأول من القرن التاسع عشر عرفت مصر حركة تصنيع حديث بالمعنى المتعارف عليه في هذا الزمان؛ أي المصانع التي تُدار بواسطة الآلة والقوة المحركة. لم تكن حركة واسعة على نطاق المجتمع وإنما كانت حركة خادمة لمطالب الجيش، ولم تستمر أكثر من عقود قليلة ولكنها قامت بخبرات هندسية وحرفية في تشكيل هذه الدفعات الأولى من النُخب التي تتعرف إلى هذه الوجوه من النشاط. وقد اسْتُدْعِيَ لها عدد من المهندسين والعمال المهرة من أوروبا، ولكنها قامت على أكتاف المواطنين مهندسين وعمالًا. ولما انتهت بهزيمة محمد علي في ١٨٤٠م، بقيت آثار لها ممتدة في هذه الأجيال. كان منها مصانع للغزل والنسيج وللطرابيش وسبك حروف الطباعة وضرب الأرز وصناعة حديد السفن وصناعة البارود[9] وما شابه ذلك. ومن جهة أخرى فإن النهضة العسكرية في كل من إسطنبول والقاهرة في هذه المرحلة قد أدت إلى إنشاء عدد من المدارس التي تُدرّس العلوم التجريبية، فعرفت إسطنبول مدارس لتعليم الضباط الفنون العسكرية الحديثة، ومدارس للمهندسين وللأطباء البشريين والأطباء البيطريين، ومدارس للإدارة والمعلمين وغير ذلك على مدى العقود من الثلاثينيات إلى السبعينيات من القرن التاسع عشر[10].

وفي مصر في الفترة ذاتها ظهرت المدارس العليا العسكرية ومدارس الطب والطب البيطري والهندسة والذخيرة والكيمياء التطبيقية والري والزراعة، وظهرت المدارس الابتدائية وهي على ثلاث سنوات ثم صارت أربع سنوات، والمدارس التجهيزية (الثانوية) وكانت أربع سنوات ثم زيدت سنة، وكانت تدرّس فضلًا عن علوم اللغة واللغات الشرقية والدين، علوم الحساب والجبر والهندسة وعلوم الفيزياء والكيمياء والجغرافيا، ومن الطبيعي أن الطلاب وهم يدرسون الجبر والهندسة ينتقل إليهم النظر العقلاني ويتربون عليه، وأنهم وهم يدرسون الفيزياء والكيمياء ينتقل إليهم النظر التجريبي ويتربون عليه أيضًا، ومن الطبيعي أنهم وهم يحصلون على مبادئ وأصول هذه العلوم في سن التنشئة العقلية إنما يكون تحصيلهم لها ومذاكرتهم ليست تعليمًا فقط ولكنها تربية أيضًا.

وفي الوقت ذاته الذي كانوا فيه يدرسون هذه العلوم في المدارس الحديثة، كانوا يدرسون علوم الدين، فكانوا يحفظون ربع القرآن في أول السنوات الابتدائية ثم يتدرج ذلك حتى يختمون القرآن كله في سنة تالية أو سنتين، ثم يدرسون شرح الكفراوي للقرآن وعلم الأخلاق. فكان يتجمع لدى الطلاب في المرحلتين الابتدائية والثانوية مبادئ من علوم الدين وعلوم الصنائع وفنونها التي تستند إلى علوم العقل والتجريب. وعلى سبيل المثال فنحن نعرف من دراسة الدكتور خالد فهمي لأحد الكتب التي ألّفها محمد الشباسي – الطبيب الذي كان قد درس الطب في مدرسة الطب في عهد محمد علي ثم صار يُعلِّم الطب فيها- نعرف أنه لا صحة لما ذكره مؤسس هذه المدرسة الفرنسي كلوت بك من اعتراض الدين على عمليات تشريح الجثث من أجل التعلم، وأنه كان لا يجد تعارضًا بين الدين والطب في ذلك، وأن تأخير دفن الميت بسبب التشريح هو ما كان يثير المشكلة، وأنه كتب يقول إن “لفتح الجثث” فوائد كثيرة منها معرفة وظائف الأعضاء والتغيرات التي تحدث لكل عضو بعد الوفاة وأسباب ذلك ووقته؛ فضلًا عن التأمل في عظيم صنع المولى (جل جلاله) مما يزيد الإيمان ويقويه[11].

ويضاف إلى ذلك البعثات التي بدأت أيام محمد علي منذ سنة ١٨٢٦م؛ بدأت بإيطاليا ثم تركزت في فرنسا، وعدد من سافروا في هذه البعثات أيام محمد علي يبلغ نحو ۲۹۰ مبعوثًا، كانوا جميعًا يدرسون العلوم المتعلقة بالجيش والبحرية وعلوم الصنائع وفنونها مثل الهندسة وصناعة الأسلحة والذخائر والمدافع والسيوف والميكانيكا والساعات والطب والطب البيطري وآلات الجراحة والنسيج والصباغة والشمع والمفروشات، ولم يكن منها في العلوم الإنسانية تقريبًا إلا قلة تدرس فنون الإدارة العسكرية والمدنية. واستمرت هذه البعثات بعد محمد علي بنسبة أقل ومع تعديل في التخصصات، ويضاف إلى ذلك حركة الترجمة وكان أغلبها في الطبيعيات مثل الحرارة والضوء والكيمياء والحديد والطب والطب البيطري والتعدين وما يلزم من علوم التشييد للجيش والري وإقامة القناطر، وفضلًا عن ذلك مجموعات من كتب تاريخ العالم والأمم وتاريخ أوروبا وأمريكا وآسيا والصين والهند وكذلك كتب الجغرافيا على نطاق العالم.

لا أريد أن أستطرد في تفاصيل تتعلق بهذه الأمور ولكن حسبي أن أشير إلى التوجه العام الذي أردت أن أبيّنه وأن أحاول رسم الخطوط العامة عن مجريات الأمر المطروح، وأن أوضح ما أظنه ذا دلالة في استخلاص علاقات الأسباب والنتائج في مجال حصيلة العقلانية والتنوير، لا من منظور كتابات كبار المثقفين في هذا العصر، ولكن من منظور الدور الذي تقوم به المؤسسات على النطاق الشعبي والاجتماعي العام.

ونحن نعرف مثلًا أن في أيام محمد علي في مصر أُنشئت ست وستون مدرسة ابتدائية في كل منها نحو مئة تلميذ بين الثامنة والثانية عشرة من أعمارهم، وأن عدد التلاميذ في المدارس الابتدائية والتجهيزية (الثانوية) نحو تسعة آلاف تلميذ[12]. وقد ضعفت النهضة التعليمية بعد ١٨٤٠م، كما هو معروف لأسباب تتعلق بالأوضاع السياسية الخارجية وانعكاسها على أوضاع الداخل بسبب هزيمة محمد علي وما فرض عليه من مؤتمر لندن ١٨٤٠م من قيود أنهت وجود جيشه فتهدمت مصانعه وأغلقت مدارسه. وأشير في ذلك إلى أن سبب التدهور إنما يرجع إلى أوضاع السياسة والحكم وليس للأوضاع الثقافية المتعلقة بالعقلانية والتنوير، وعلى كل حال فإن ما بقي من المدارس ما لبث بعد عقدين من السنين أن أخذ في النمو من جديد، فنجد في المدارس الابتدائية المتميزة في منتصف الستينيات من القرن التاسع عشر ما يربو على ٤٧٠٠ تلميذ، وبلغ عدد طلبة التجهيزي المئات في نهاية السبعينيات[13]. ويقول يعقوب أرتين: إن الاحتياج المصري للتلاميذ حتى يصيروا موظفين كافين للعمل الحكومي هو تسعة آلاف تلميذ في المدارس كلها من الابتدائي إلى الثانوي إلى العالي[14]. وهكذا انحصر التعليم في هذا الهدف لأسباب تتعلق بالسياسة الاستعمارية للاحتلال البريطاني في مصر.

على أننا يتعين أن نلاحظ أن مدارس محمد علي التي أدخلت المناهج الحديثة في الطبيعيات والرياضيات والتاريخ والجغرافيا، لم تقصّر في مناهج التعليم الخاصة بالدين واللغة العربية واللغات الشرقية الفارسية والتركية، وأن مدارس آخر القرن التاسع عشر أضعفت الأمرين معًا؛ مناهج الطبيعة والرياضيات وعلوم الصنائع، وكذا مناهج الدين واللغات الشرقية، فالأمر لم يكن أمر تضاد أو تناقض بين العلوم الدينية وبين العلوم العقلية والتجريبية، إنما كان أمر اختيارات سياسية. ويكشف ذلك أن الهدف من مدارس محمد علي كان بناء الجيش والأسطول وبناء الصناعات المساعدة لذلك وتنمية الإنتاج الصناعي والزراعي، وذلك على ما تظهره دراسة د. أحمد عزت عبد الكريم عن التعليم في عهد محمد على[15] ، بينما كان الهدف من مدارس آخر القرن التاسع عشر هو تخريج الموظفين الذين يعملون في الإدارة الحكومية تحت إشراف الاحتلال البريطاني حسبما يظهر من دراسة د. جرجس سلامة[16].

وأنا هنا لا أتابع تاريخ التعليم بصورة عامة، ولكنني أعرض لأثره في إطار الموضوع المطروح.

(5)

وإذا كانت المدارس الحديثة استدعت علوم الدين جنبًا إلى جنب مع علوم العقل والتجريب الحديثة، فإن العكس حدث أيضًا؛ لأن المدارس ذات الصلة بعلوم الدين التي ظهرت في التاريخ الحديث ذاته عملت على أن تستدعي علوم العقل والتجريب الحديثة لتُدرَس جنبًا إلى جنب مع علوم الدين، وأول ما نلحظه في ذلك في نشأة مدرسة دار العلوم في العام ۱۸۷۲م. وقد أنشأها علي مبارك لتخريج مدرسين بالمدارس يجمعون بين علوم الأزهر وما كانوا يسمونه العلوم الكونية من جغرافيا وكيمياء وطبيعة وفلك، ووزعت دراستها على خمس سنوات، وكان مجموع الدروس الأسبوعية في كل من سنواتها ثلاثة وثلاثين درسًا منها واحد وعشرون درسًا موزعًا على التاريخ والجغرافيا والحساب والهندسة والكيمياء والطبيعة، والباقي اثنا عشر درسًا موزعًا على تفسير القرآن الكريم والفقه الإسلامي والعلوم الأدبية والخط. وعُدل منهجها في ۱۸۹۰ و ١٨٩٥م وبعد ذلك، ولكن بقيت هذه المزاوجة مستمرة بنسب تزيد وتنقص. على أنه على مدى عقود القرن العشرين بدأت تقل العلوم الطبيعية لظهور الكليات التابعة للجامعات والمعاهد العليا الحديثة ونموها.

ومن هذه المدرسة تخرّج على مدى عشرات السنين أعداداً كبيرة جدًا ممن تولوا التدريس في المدارس في فروع شتى. ومنها تخّرج من تخصصوا بعد ذلك في الفقه الإسلامي وأسهموا في تجديده مثل الشيخ زيد الأبياني (عام ۱۸۹۱م) ومحمد الخضري (عام ١٨٩٥م) وأحمد إبراهيم (عام ۱۸۹۷م). كذلك أمثال طنطاوي جوهري (عام ۱۸۹۳م) الذي اتصفت مؤلفاته بالصلة بين الدين والعلوم الطبيعية وأثَّرت في أجيال العشرينيات والثلاثينيات من خريجي الأزهر وذوي الثقافة الدينية، ومنها تخرج د. إبراهيم بيومي مدكور (عام ۱۸۹۷م)، وكذلك الأستاذ حسن البنا (عام ۱۹۲۷م) والشيخ محمد أبو زهرة (عام ۱۹۲۷م) وكثيرون جدًا ممن قادوا الرأي العام في جوانب متعددة من بعد[17].

وبالمثل نشأت مدرسة القضاء الشرعي في عام ١٩٠٧م لتخريج قضاة شرعيين درسوا الفقه بطريقة أحدث من دراسة الأزهر. وتقتصر الإشارة هنا على الدور الفكري الذي قامت به مدرسة القضاء الشرعي التي كانت على قسمين: أولهما لتخريج كتبة المحاكم الشرعية، وثانيهما لتخريج القضاة الشرعيين، وتحدد منهج قسم القضاة متضمنًا فضلًا عن العلوم الشرعية التخصصية، علوم الرياضة والتاريخ وتقويم البلدان والخواص التي أودعها الله تعالى في الأجسام؛ ويقصدون بها علوم الفيزياء والكيمياء وكانت المدرسة تتغذى من طلبة شباب الأزهر، واختير لنظارتها عاطف بركات خريج دار العلوم الذي صوره لنا أحمد أمين في مذكراته (حياتي) بما تميز به من ضبط ورشد ووضوح فكر واستنارة. كما يصف أحمد أمين حياته في هذه المدرسة بما نعرف منه مدى أثرها البعيد في تشكله العلمي المستنير[18]. وكان من أساتذة الفقه فيها ومن سبق ذكرهم الشيوخ زيد الأبياني ومحمد الخضري وأحمد إبراهيم فضلًا عن أساتذة من الأزهر ومن القضاء العادي. وكان من خريجي هذه المدرسة الشيخ محمد أبو زهرة بعد تخرجه من دار العلوم، كما كان من خريجيها أمين الخولي (عام ۱۹۲۰م)، وعبد الحميد العبادي[19]. ومن خريجي هذه المدرسة من عاد تاريخه إلى كلية الحقوق بجامعة القاهرة وأسس أجيالًا من طلبة حقوق القانون الوضعي العارفين بالشريعة الإسلامية وفقهها، وكانوا من المجددين في الفقه وأرسوا أساليب دراسة الفقه المقارن بين فقه الشريعة الإسلامية وفقه القانون الوضعي، ومنهم الشيخ عبد الوهاب خلاف والشيخ علي الخفيف والشيخ أبو زهرة.

وبعد إنشاء مدرسة القضاء بنحو أربعة أعوام كان صدور أول قانون شامل لتنظيم الجامع الأزهر والمعاهد الدينية ولائحته الداخلية عام ۱۹۱١م في عهد الشيخ سليم البشري، وقد جاء شاملًا لنظم قبول الطلبة وفنيات الإدارة ونظم التدريس والميزانية والعلوم والمناهج المقررة وتوزيع الاختصاصات وتنظيم الأروقة والمساكن والمكتبة ونظم الامتحان والدرجات والشهادات، وإنشاء هيئة كبار العلماء وتنظيمات وفروع التخصصات بها وشروط العضوية لها. ومن بين العلوم التي تضمنها القانون ولائحته لتدرس في الأزهر العلوم الرياضية والحساب والهندسة والرسم والجبر والتاريخ وتقويم البلدان والأشياء وخواص الأجسام وقواعد الصحة والتاريخ الطبيعي والهيئة والميقات ونظم إدارة القضاء والأوقاف والتربية العلمية والعملية، وأجيز تأهيل البدء في بعضها ريثما تتم معدّاتها[20] ولكن المبدأ كان قد تقرر في الأزهر ذاته وبموجب قانونه ولائحته وفي عهد مشيخة ترعى الأصالة في سعيها لإصلاح أوضاع الأزهر.

(٦)

حاولت فيما سبق أن أسوق أمثلة لما أظنه مصادر قام عليها وسار بها التكوين العام للتيار الفكري الأساسي في بلادنا، من حيث ما قام عليه الفكر الموروث الشائع من عناصر تتضمن النهج العقلاني والقابلية للنظر التجريبي في التطبيق على الواقع العملي، وما ترتب على ذلك من قابلية للتعايش وللتفاعل وللاغتناء من عناصر العقلانية والتجريبية التي وفدت إلينا مع علوم الغرب وفنونه. وأنتج ذلك قدرًا لا بأس به من التعايش والتداخل، سواء في المدارس الحديثة التي قامت مخصصة لعلوم الصنائع وفنونها، أو للمدارس المحدّثة التي قامت في إطار الفكر الموروث، وكلاهما قبل تعايش المناهج والمقررات. ومن هنا أرسيت قوائم التيار الفكري الأساسي في بلادنا والذي يتمسك بمرجعياته الدينية الآتية من الغيب الإيماني، ويتقبل علوم الصنائع الحديثة وفنونها القائمة على النظر العقلاني والتجريب.

يُقال إن الفكر الموروث المأخوذ عن المرجعية الدينية كان يتصف بالجمود والتقليد عند احتكاكنا بالغرب مع خواتم القرن الثامن عشر وفواتح القرن التاسع عشر. وهذا صحيح يقرّ به رجال الفكر الديني الموروث مثلما يقول به الآخرون، لكن ما يبدو يحتاج إلى نظر وهو علاقة هذا الجمود بالحركة الاجتماعية الثقافية العامة، هل كان سببًا لها أم كان ناتجًا منها؟. ومن المفارقات هنا أن ذوي الفكر المستحدث الذين يؤكدون دائمًا أن الفكر نتاج الواقع الاجتماعي السياسي، وأن الفكر لا بد من أن ينظر إليه في السياق الواقعي لأوضاع المجتمع، هؤلاء هم من يؤكدون دائمًا أن الفكر الديني الموروث هو سبب جمود الواقع السياسي الاجتماعي وليس أثرًا له، أو بعبارة أدق أنهم في صدد تبادل التأثر والتأثير بين الفكر والواقع، يرجعون جمود الواقع إلى جمود الفكر ويؤكدون هذا الجانب من جوانب التعامل من دون الجانب الآخر.

والظن عندي على العكس من ذلك، أن مشكلتنا في الجمود الفكري كانت آتية في الأساس من جمود الواقع الاجتماعي السياسي على ما كان عليه الحال التاريخي في القرن الثامن عشر وبداية القرن الذي يليه، وأن النظر إلى الواقع التاريخي يُظهر ذلك واضحًا بغير خلاف. ثم وردت المشكلة بالتحدي الذي واجه هذه البلاد من مخاطر التوسع الغربي فيها، وأظهر ذلك تفوقًا للغرب في التفوق العسكري المستند إلى التقدم في علوم الصنائع وفنونها وإلى القوة الاقتصادية التي أتت من تراكم الثورات وكشف الأمريكتين والسيطرة على الشرق الأقصى وآسيا الوسطى.

كان لا بد من طفرة علمية واقتصادية وتنظيمية، وأتت المشكلة الثقافية لا من جانب ما يعوق ذلك من جمود فكري تقليدي؛ لأن الفكر الديني الموروث لم يشكل مانعًا ولا وقف عائقًا دون إدخال ما هو مطلوب من علوم وتنظيمات مستحدثة ومناهج تعليم جديدة… قد تكون المشكلة أن الذي حاول أن يعوق حركة الإصلاح والتجديد على أيدي محمود الثاني في إسطنبول ومحمد علي في القاهرة هي قوى النخب العسكرية والاجتماعية التقليدية، ولكن ذلك كان يشكل عائقًا اجتماعيًا وليس عائقًا ثقافيًا، وهو عائق استطاع الحكام المجددون أن يتخلصوا منه ويهزموه. وإن الإطار الديني الثقافي الموروث ما لبث أن تعايش ثم تداخل مع خطوات الإصلاح تلك؛ لأنه كان قادرًا في أسسه الفكرية أصلًا على تقبل ذلك، وكان ذا احتكاك بالواقع المعيش بحكم استمرار الاحتكام إليه في الحياة اليومية للشعب وبحكم أن الشريعة الحاكمة التي تنظم أحوال الناس ومعيشتهم تندرج تحته. وقد ظهر فيما سبق أن الأمر لم يكن فقط بناء جيش إنما إنشاء مدارس عليا وثانوية وابتدائية وترجمة كتب وبعث بعثات وتشكيل مؤسسات وإصدار تشريعات تنظم أوضاعًا جديدة وتمكن من إدارة جديدة للاقتصاد، وكل هذه الأنشطة لم يقاومها الفكر الديني الموروث إنما تعايش معها ثم تداخل فيها.

لم يكن المشكل الذي واجهنا في القرن التاسع عشر مشكلًا فكريًا في الأساس، إنما كان مشكلًا سياسيًا يتعلق بالقوة الغربية الاستعمارية وجبروتها وإحاطتها ببلادنا وتسربها إليها سياسيًا واقتصاديًا واقتحامها لها عسكريًا وسيطرتها على أداة الحكم في كل من أقطارنا على التوالي، وإن انكسار حركة الإصلاح المؤسسي التي جرت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، هذا الانكسار جرى بسبب اختلال موازين القوى بين مناعتنا السياسية والاقتصادية والعسكرية وبين قوة العدوان الغربي في هذه المجالات.

ومع منتصف القرن التاسع عشر لم نعُد نأخذ من فكر الغرب وعلومه ونظمه ما نحتاج إليه، ولكننا صرنا نُعطَى منه ما يريد هو إدخاله إلينا. أتت القوانين الغربية مع التجار الغربيين ومع الجاليات والمغامرين الغربيين، وأتت أساليب العيش الغربية مع هذه الجاليات، وأقاموا نظم مساكنهم ومأكلهم وغير ذلك، ولذلك اضطرب ميزان التقدير في أيدينا بين ما نأخذ وما ندَع من فكر الغرب وعلومه ونظمه، وتضاربت عناصر عديدة بين بعضها البعض في هذا الشأن: أول هذه العناصر هي متطلبات النهوض والتجديد والتحصن وكيف نشد مجتمعاتنا إلى النهوض الاجتماعي والمنعة السياسية، وثانيها ما تحتاج إليه من علوم الغرب وفنون صنائعه ونماذج نظمه، وثالثها ما يقتضيه هذا الأخذ من تعديل في أوضاعنا الاجتماعية، ورابعها ما فرضه الغرب الطامع فينا بموجب تفوقه وانتصاراته لإبقاء هيمنته وسيطرته، وخامسها ما التبس علينا ولا يزال يلتبس من خيارات لما يفيد ومن خيارات لما يتعيّن حفظه من أحوال وثوابت. إن الرافضين لأطماع الغرب اختلط على بعضٍ منهم عدوان الغرب مع علومه، والقابلين لعلوم الغرب اختلط على بعضٍ منهم الأمران معًا. واختلط صراع القديم والجديد بصراع الموروث والوافد. ومع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين صارت نظمنا إلى ثلاثة تقسيمات، فالمحاكم مثلًا صارت ثلاثة نظم: محاكم شرعية، ومحاكم مختلطة للأجانب، ومحاكم أهلية بين بين. والقوانين صارت ثلاثة نظم: قوانين شرعية، وقوانين مختلطة للأجانب ومن يتعامل معهم، وقوانين أهلية تتجاذبها الاتجاهات. والمدارس مدارس ومعاهد دينية ومدارس أجنبية ومدارس بين بين.

ومن هنا كان تركيزي في البداية على النصف الأول من القرن التاسع عشر، لأوضح كيف كان حال اللقاء بين المرجعية الدينية الموروثة وعلومها وبين العلوم التطبيقية الغربية الوافدة وفنونها، وأنه لم يكن ثمة تعارض مبدئي ولا تناف أساسي بين الجانبين، إنما جاء المشكل بعد ذلك متصلًا بمسألة الغزو والتحرر.

(۷)

أخلص مما سبق فيما حاولت الإشارة إليه إلى ما يأتي:

أولًا: إن الفكر الإسلامي الموروث في بلادنا لا يقوم منافيًا للعقلانية؛ لأنه اعتمد في أساسه على نص، فصار إثبات النص واستخراج الدلالات منه يعتمد على أدوات ومناهج عقلية، وصيغت هذه المناهج في علم مصطلح الحديث الذي يتضمن منهج تحقيق النصوص والروايات لإثبات قيامها، وفي علم أصول الفقه وهو ما سُمي علم “منطق المسلمين” وذلك لبيان أساليب استخراج الدلالات من العبارات المستخدمة. ويستحيل فصل الفكر الإسلامي عن هذين العلمين، وهما علمان يتضمنان مناهج عقلية أُرسيت في البداية على أيدي أمثال الإمام الشافعي ممن نعلم أنه لم تكن له صلة بالفكر اليوناني، ثم ساهم في إكمالها من بعد من كانوا على إلمام بهذا الفكر مثل الإمام الآمدي وغيره.

أما عن الصوفية وما أدت إليه فإنها في إطار الفكر الإسلامي قامت بما تقوم به الفنون والآداب في إطار الفكر الوضعي الأوروبي الحديث. إنها تقوم بأداء لا يتعلق بالجوانب العلمية ولكنها تقوم بدورها في تربية الوجدان الإنساني وفق أنساق معينة. وكما أننا لا نحاسب العقلانية والتجريبية الغربية بالأعمال الفنية التي تطلِق الخيال، كذلك يتعين أن نصنع مع الصوفية في إطار الحضارة الإسلامية وفكرها. ونحن عندما نتفهم أوضاع الفكر الإسلامي في مرحلة معينة، يتعيّن علينا أن نفرق بين المجالات العقلية والعلمية التجريبية وبين مجالات الأذواق والأشواق وتربية الوجدان الإنساني. وقديمًا فرقوا بين أهل الظاهر وأهل الباطن وكذلك فرقوا بين “أهل الشريعة” و”أهل الحقيقة”. وكما أننا نميز بين وضعية الفيلسوف برتراند راسل وبين عبثية الأديب صمويل بيكيت، كذلك يتعين أن نميز بين فقهيات العز بن عبد السلام ومناقب عبد الوهاب الشعراني.

ثانيًا: ومن جهة أخرى، فلأن الشريعة الإسلامية كانت مطبقة، فقد كانت بحكم الضرورة فكرًا متصلًا بالواقع. والشريعة معاملات، والمعاملات هي صياغة لحركة البشر في مجتمعاتهم، وهي من ثَم لا بد أن تتعامل مع ما يجدّ ويطرأ على علاقاتهم من مستجدات، فيبقى دائمًا ثمة تدافع بين قديم فيها وجديد يعكس كل منهما أوضاعًا سابقة وأوضاعًا ظهرت. ولا أقول بحتمية انتصار الجديد ولكنني أقول: إنه بالنسبة إلى فكر يتصل بالحياة اليومية للبشر في علاقاتهم الاجتماعية، لا بد من أن يعكس هذا الفكر بقديمه وجديده حركة هؤلاء البشر ومعاملاتهم.

أود أن أقول: إن هذه القابلية لابد من أن تكون قائمة وإن في التطبيق على الواقع وجه تجريبي يصعب إنكاره. وبهذا لا يظهر لي أن الفكر الإسلامي الموروث كان ممتنعًا عن الاستجابة للنزعات العقلانية والتجريبية التي أتت مع علوم الصنائع الغربية وفنونها، وكانت لازمة لحركات النهوض والمقاومة في مجتمعاتنا منذ القرن التاسع عشر.

ثالثًا: وإن ذلك هو ما أمكن به صياغة التيار الفكري الأساس في مجتمعاتنا. ونحن نلاحظ أن بعضًا من المؤسسات الفكرية التي نشأت في بداياتها الأولى لتكون حضنًا لتفريغ الفكر الغربي الوافد وحده ما لبث أن امتصها هذا التيار الفكري الأساس. ومثال ذلك مدرسة القضاء الشرعي التي نادى بها محمد عبده قبل وفاته وكان كرومر المعتمد البريطاني يحبذ إنشاءها لتكون بديلًا للأزهر وتابعة لوزارة الحقانية، والأزهر كان بعيدًا عن هيمنة كرومر[21]، ووزارة الحقانية كانت متصلة بنفوذه عن طريق مستشار الحقانية البريطاني، ومنصب المفتي كان تابعًا لهذه الوزارة ومعه المحاكم الشرعية، فأريد بها أن تكون مبدأ إنشاء القاضي وتعليمه تحت السيطرة ذاتها. ولكن المدرسة قامت بدور تجديدي، وضمها الأزهر إليه بتيارها الفكري واستوعبت في التيار الفكري العام.

وكذلك الجامعة الحديثة، نشأت في البداية نشأة أهلية في عام ۱۹۰۸م، ونشأت من حيث المناهج بوصفها كلية للآداب وكانت ذات منهج علمي استشراقي. فلما تكونت الجامعة المصرية الحكومية في عام ١٩٢٥م ضمت كليات الآداب والعلوم وطب الأسنان والصيدلة والحقوق ثم الهندسة[22]. وكانت ذات مناهج حديثة وافدة في الأساس، ولكن مع الوقت أخذ التيار الفكري الأساس يتبادل التأثير والتأثر معها في عمليات لا تزال ممتدة الأثر. ففي الحقوق ظهرت دراسات الفقه المقارن بين الفقه الوضعي وفقه الشريعة، وظهر دعاة الشريعة وفقهها ودارسون لها من داخل هذه المؤسسة. وفي كلية الآداب كان فيها الشيخ مصطفى عبد الرازق وطه حسين وأحمد أمين وأمين الخولي وغيرهم. فضلًا عن ذلك فإنه يمكن القول: إن قسمًا أساسيًا من الحركة الإسلامية الحديثة في مصر خرج من هذه الجامعة ومن الجامعات الحديثة منذ الأربعينيات[23]. أكاد أقول: إنهم خرجوا منها بأكثر مما خرجوا من الأزهر والمعاهد الدينية.

رابعًا: لم تكن مشكلتنا في بلوغ القدر المأمول من العقلانية والتجريب مع الفكر الديني الموروث، ولم تكن مشكلتنا في ذلك مشكلة فكرية ثقافية، إنما كانت دائمًا في ظني مشكلة سياسية، بسبب الإرباك الذي حدث لنا في علاقاتنا مع الغرب؛ لأنه أربك خياراتنا وضلّ السعي كثيرًا في الإجابة عن سؤال ما الذي نأخذ وما الذي ندع من فكره وحضارته. لم يرتبك أسلافنا أيام الدولة العباسية فيما كانوا يأخذون وما يدعون من فكر الغرب لأنه لم يكن يستعمرهم، ولا ارتبك الغرب في ما أخذ وما ترك من حضارة المسلمين لأنهم لم يكونوا مستعمرين له. فالمشكل كان مشكلًا سياسيًا.

والنقطة الثانية أن الاستعمار الغربي عندما سيطر على بلادنا عمل على إرباك خياراتنا بقصد. وقد أشرت فيما سبق إلى مثل ذلك من حيث الغاية من التعليم عندما حاولت أن أقارن بين نظام محمد علي في التعليم في بداية القرن التاسع عشر وبين النظام الذي شرحه يعقوب أرتين في نهاية القرن ذاته، ولا يتسع المجال للحديث عن تخصصات البعثات من بعد، كانت في بداية القرن صنائع وذخيرة وعلوم طبيعية، وصارت في نهاية القرن قانون وأدب وفلسفة، في بداية القرن لم يجر فصل بين علوم الدين وعلوم الدنيا، وفي نهاية ذلك القرن جرى الفصل وأثير التضارب.

خامسًا: مع ارتباك خياراتنا الفكرية والثقافية من الفكر الوافد، ارتبكت أيضًا خياراتنا بالنسبة إلى حركتي المحافظة والتجديد بالنسبة إلى الفكر الإسلامي الموروث؛ لأنه أريد أن يُصدّر إلينا الفكر الغربي الفلسفي المناقض للعقائد الجارية عندنا، فصار الفكر الإسلامي في موقف الدفاع عن أصوله وثوابته، والدفاع يقتضي المحافظة، فتعارضت حركة التجديد في الفكر الإسلامي مع حركة المحافظة فيه، كل منهما يقوم بدور نافع على المدى الطويل، ولكن كل منهما تعارض مع الآخر في تأكيد أهمية الدور الذي يقوم به وأولويته. كما تعارضت عندنا أيضًا حركة الإصلاح السياسي الداخلي مع حركة التحرير الوطني من الاحتلال الخارجي، وكما تعارضت في الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية، حركة التجديد الديني، مع حركة المحافظة التي وقفت تقاوم نشاط بعثات التبشير البروتستانتي والكاثوليكي.

وكان ذلك أشبه بقانون عام سببه أننا كنا في ظرف غزو أجنبي على المستويات كافة فقام هدفان: هدف الإصلاح الذاتي؛ إذ كان الضعف الذاتي سبب نجاح الغزو، وهدف مواجهة الغزو ذاته. وتضارب الهدفان من حيث الأولوية، وعلى مدى القرن العشرين تلحظهما يتّحدان في فترات ويفترقان في فترات ويتضاربان أحيانًا على تفاصيل ليس المجال مجالها. وكل ما قصدت أن أوضحه هنا أن ثمة عاملًا خارجيًا ضاغطًا، وهو عامل سياسي في جوهره هو ما أنتج هذا الإرباك على مدى القرنين الماضيين.

هذا ما حاولت بيانه حول تقويم حصيلة العقلانية والتنوير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* في الأصل ورقة قدمت إلى ندوة: حصيلة العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر، ۹ – ۱۰ كانون الأول / ديسمبر ۲۰۰٤م، بیروت، لبنان (مركز دراسات الوحدة العربية)، ونشر في كتاب: حصيلة العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية (بیروت: المركز، ٢٠٠٥م).

وهي منشورة:

طارق البشري، التجدد الحضاري: دراسات في تداخل المفاهيم المعاصرة مع المرجعيات الموروثة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2015). ص ص. 33 – 65.

** قاضٍ ومفكر مصري، شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة المصري ورئيسًا للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع عدة سنوات.

[1] نجم الدين البغدادي الطوفي، الانتصارات الإسلامية في علم مقارنة الأديان دراسة وتحقيق أحمد حجازي السقا (القاهرة: دار البيان العربي، ۱۹۸۳م).

[2] مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، ١٩٩٤م).

[3]عبد الحليم الجندي، القرآن والمنهج العلمي المعاصر (القاهرة: دار المعارف، ١٩٨٤م)، ص ١٠٥.

[4]المصدر نفسه.

[5]محمد حسين هيكل، حياة محمد، تقديم مصطفى المراغي (القاهرة: دار القلم، ١٩٦٠م).

[6]طارق البشرى، «مفهوم الدولة والعلاقات بين السلطات»، ورقة قدمت إلى المؤتمر الثالث عشر للبحوث السياسية، جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ٤ – ٦ كانون الأول / ديسمبر ۱۹۹۹م.

[7]جرجي زيدان، تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، ۲ج، ط3 (القاهرة: مطبعة الهلال، ۱۹۲۲م).

[8]حسین خلاف، تطور الإيرادات العامة في مصر الحديثة (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، ١٩٦٦م).

[9]هیلین آن ريفلين، الاقتصاد والإدارة في مصر في مستهل القرن التاسع عشر، ترجمة أحمد عبد الرحيم مصطفى ومصطفى الحسيني (القاهرة: دار المعارف، ١٩٦٨م).

[10]روبير مانتران، تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة بشير السباعي (القاهرة: [د. ن.]، (۱۹۹۳م)، ج ۲: فترة التنظيمات، ص ٦٣ – ١٦١.

[11]خالد فهمي، “الأزهر والطب” الكتب: وجهات نظر في الثقافة والسياسة والفكر، العدد ٣٦ (كانون الثاني / يناير ۲۰۰۲م).

[12]أ. ب. كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ترجمة محمد مسعود (القاهرة: [د. ن، د. ت.])، ج ۲، ص ٥١٧ – 518.

[13]أحمد عزت عبد الكريم، تاريخ التعليم في مصر من نهاية محمد علي إلى أوائل حكم توفيق، ١٨٤١ – ۱۸۸۲م، 3ج (القاهرة: مطبعة النصر، ١٩٤٥م).

[14]يعقوب أرتين، القول التام في التعليم العام، ترجمة علي بهجت (القاهرة: [د. ن.]، ١٩٦٦م).

[15]عبد الكريم المصدر نفسه.

[16]جرجس سلامة، أثر الاحتلال البريطاني في التعليم القومي في مصر، ۱۸۸۲ -۱۹۲۲م (القاهرة: [د. ن.]، ١٩٦٦م).

[17]محمد عبد الجواد، تقويم دار العلوم، العدد الماسي ١٨٧٢ – ١٩٤٧م وملحق ١٩٤٦ – ١٩٥٩م ([القاهرة: دار المعارف، ١٩٥٢م]).

[18]أحمد أمين، حياتي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، ١٩٥١م).

[19]عبد المنعم إبراهيم الدسوقي، مدرسة القضاء الشرعي دراسة تاريخية، ۱۹۰۷ – ۱۹۳۰م (القاهرة: [د. ن.]، ١٩٨٦م).

[20]قانون الجامع الأزهر والمعاهد الدينية سنة ١٩١١م، المادة ٢٥.

[21]الدسوقي، المصدر نفسه.

[22]عبد المنعم إبراهيم الدسوقي، الجامعة المصرية والمجتمع، ۱۹۰۸ -١٩٤٠م (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، ۱۹۸۳م).

[23]محمود عبد الحليم، الإخوان المسلمون، أحداث صنعت التاريخ: رؤية من الداخل، 3ج (الإسكندرية: دار الدعوة، ۱۹۷۹م)، ج ۱.

عن المستشار طارق البشري

شاهد أيضاً

ع. 188- 189 مجلة المسلم المعاصر

مركز خُطوة للتوثيق والدراسات

مجلة المسلم المعاصر

ورد حديثًا إلى قسم الدوريات بمكتبة مركز خُطوة للتوثيق والدراسات العدد 188- 189 من مجلة المسلم المعاصر.

مجلة الأستاذ

مركز خُطوة للتوثيق والدراسات

مجلة الأستاذ

من مقتنيات قسم الدورسات بمكتبة مركز خُطوة للتوثيق والدراسات، مجلة الأستاذ كاملة في مجلدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.