مشكلات التربية والتنشئة في عصر الفضاء الرقمي “المشروع الجديد للمركز”

* المشروع الثالث: مشكلات التربية والتنشئة في عصر الفضاء الرقمي

ويقوم على هذا المشروع:

أ. تقى محمد يوسف

د. فاطمة حافظ

أ. منال يحيى شيمي

أ. وليد محمد محمد القاضي

أ. يارا عبد الجواد

أ. يسرا عمر فاروق

تحت إشراف

أ. د. شريف عبد الرحمن سيف النصر

أ. مهجة مشهور

ونعرض فيما يلي ورقة العمل الخاصة بالمشروع

مشكلات التربية والتنشئة في عصر الفضاء الرقمي

أولاً: منطق اختيار العناصر وسياقها

تكمن أهمية العناصر المقترحة ضمن هذه الورقة في كونها تتعامل مع الإنسان ككائن مشتبك مع فضائه المكاني، والطبقي، والرقمي، والأسري، والعقدي. فالمنطق الرابط بينها هو أن “الطفل” يقع اليوم في مركز دائرة تتجاذبه فيها قوى متعددة: أسرة تعاني تشوهاً وظيفياً واغتراباً عاطفياً، وفضاء رقمي يمتد سيبرانياً ليعيد هيكلة جهازه العصبي وتصوراته عن الحرية والمتعة، ومدرسة تحولت من مصعد اجتماعي إلى مصفاة طبقية تكرس التفاوت، وبيئة عمرانية إسمنتية ضاغطة تستفز جهازه العصبي وتسلبه فضاءاته الفطرية. إن هذا التداخل المعقد يبرز أهمية الدراسة في تشخيص أزمة “إنتاج البوصلة الأخلاقية” في مجتمعاتنا المعاصرة.

ثانياً: التمايز المفهومي بين التربية والتنشئة

هذا وتميز هذه الدراسة، بين مفهومي “التربية” و”التنشئة” فالتربية هي الفعل القصدي، الواعي، والموجه الذي يمارسه المربون (الوالدان، المعلمون) بناءً على مرجعية قيمية أو عقدية محددة. إنها عملية صياغة منظمة تهدف إلى غرس المبادئ، وتنمية الملكات، وتوريث الهوية وثوابت الأخلاق. والتربية تفترض وجود “ذات باذلة” تملك الوعي والكفاية التفسيرية.

في الوقت الذي تشير فيه التنشئة الاجتماعية إلى الفضاء الأوسع، والعملية التفاعلية الممتدة والأكثر سيولة؛ إنها مجموع المؤثرات (المنظمة وغير المنظمة، المقصودة وغير المقصودة) التي يستبطن من خلالها الفرد قيم مجتمعه وثقافته المحيطة. في العصر الحالي، لم تعد التنشئة حكراً على الأسرة أو المدرسة؛ بل دخل “الشارع” و”الفضاء السيبراني” و”الشاشات الرقمية” كشركاء عضويين يمارسون تنشئة موازية، بل يصيغون من خلال الخوارزميات “ذواتاً هشة” تتلقى قيمها عبر الاستعراض والاعتراف الخارجي.

وعليه، فإن الأزمة المعاصرة تتبدى عندما تعجز “التربية” (كفعل واعي مقصود) عن إدارة وتوجيه “التنشئة” (كسياق معقد ومفتوح على قوى العولمة والرقمنة)

ثانياً: المقترح الهيكلي لترتيب العناصر (من الجذور إلى الفضاء العام)

لإجراء دراسة واسعة ذات بناء منطقي متماسك، يُقترح ترتيب العناصر الثمانية المطروحة وفق منهجية تصاعدية تبدأ من المحاضن الأولية والجذور المعرفية، وتمر عبر الوسائط والمؤسسات التربوية، وصولاً إلى الضغوط المادية والسياقات الكبرى.

فيما يلي الترتيب المقترح وعناوين الفصول الرئيسية للمشروع البحثي:

القسم الأول: المحاضن الأولية وأزمة الكفاية الوالدية (الداخل الأسري)

يبدأ المشروع بالداخل الأسري بوصفه النواة الأولى لبناء الإنسان، وتفكيك العجز الداخلي قبل الانتقال للمؤثرات الخارجية.

المحور الأول: أزمة الوالدية التربوية

  • مناقشة الجذور؛ غياب التأهيل واختزال الوالدية في بعدها البيولوجي والمادي، والجهل بمراحل النمو، مما يعطل دور الأسرة كوسيط قيمي ويفقد الوالدين وجاهتهما المرجعية.

المحور الثاني: أزمة التفكك والتشوه الوظيفي في الأسرة المعاصرة

  • رصد الأثر المباشر لغياب الكفاية التربوية والضغوط؛ حيث تتحول الأسرة إلى جزر معزولة (التنشئة الذرية، تآكل المعايير الجماعية، غياب الوقت النوعي، التناقض القيمي، الأبوة الوظيفية، والاحتراق النفسي للأم)

القسم الثاني: البناء المعرفي والروحي (تحدي تشكيل الهوية)

بعد تشخيص البيئة الأسرية، ينتقل المشروع لآليات بناء الوعي الداخلي والمنظومة القيمية والعقدية للطفل.

المحور الثالث: أزمة التنشئة العقدية

  • دراسة أزمة المرجعية العليا؛ إهمال الجانب العقدي، العجز عن ممارسة الوساطة المعرفية للمفاهيم المجردة، والوقوع في فخ “الأجوبة المعلبة” والزجرية التي تقود للاغتراب العقدي في عالم مفتوح.

المحور الرابع: أزمة إنتاج البوصلة الأخلاقية

ظل السيولة المعاصرة؛ يُختزل فعل التربية في الحصول على الامتثال السلوكي الظاهري، ويؤدي إلى العجز عن إدارة التعقيد الاجتماعي، والوقوع في “النسبية الأخلاقية” نتيجة غياب أدوات التصنيف المعرفي بين الثابت والمتغير.

القسم الثالث: المؤسسات والوسائط التربوية البديلة (تحدي الصراع والفرز)

هنا يخرج الطفل من النطاق القيمي الذاتي ليشتبك مع المؤسسات والوسائط التي تعيد صياغة وعيه وموقعه في المجتمع.

المحور الخامس: أزمة التحدي الرقمي (الذات الممتدة سيبرانياً)

  • دراسة “الشريك الرقمي” الذي حطم احتكار المعرفة وسيطر على تمثلات الطفل من خلال الاندماج العضوي مع الخوارزميات، مستغلاً تباين السرعات الإدراكية والأمية الرقمية للمؤسسات التقليدية.

المحور السادس: أزمة الدور الطبقي للمدرسة

  • تفكيك دور المدرسة الحديثة؛ فبدلاً من أن تكون مصعداً اجتماعياً، تكشف الدراسة عن دورها في تسليع التعليم، والتأهيل الطبقي للأدوار (التطويع مقابل القيادة)، وإعادة إنتاج التفاوت عبر الرأسمال الاجتماعي والثقافي (الهابيتوس)

القسم الرابع: الفضاءات الضاغطة والسياق الحضاري (الإطار الكلي)

يختتم البحث بوضع كل الأزمات السابقة داخل إطارها المادي والحضاري الأوسع الذي يغلف المشهد التربوي برمته.

المحور السابع: الأبعاد المكانية للأزمات التربوية

  • دراسة تجسد الأزمات في حيز مكاني مادي؛ كيف يؤدي التكدس البشري، وتجفيف الفضاءات العامة، والامتداد الإسمنتي الرمادي إلى الضغط العبيبي والاضطرار بين معضلتين: الاغتراب الرقمي أو الانحراف الشارعي.

المحور الثامن: أزمة السياق الحضاري

  • الإطار الكلي المهيمن؛ حيث الجاذبية الجمالية والاستهلاكية، وتخليق الحاجات ناعماً، وإعادة تعريف الحرية لتصبح خضوعاً مريحاً للخوارزميات، وموت العمق، وصياغة الهوية عبر الاعتراف الخارجي الكمي.

بهذا الترتيب المنطقي، ستسير الدراسة في خط بياني متصاعد: تبدأ من عجز الذات المربية (الوالدية)، مروراً بـ تشوه المحضن (الأسرة)، ثم اضطراب المنظومة (العقيدة والأخلاق)، تليها مواجهة البدائل والمؤسسات (الرقمية والمدرسة والطبقية)، وانتهاءً بـ قهر الجغرافيا (المكان) وهيمنة العولمة (السياق الحضاري). هذا البناء يضمن للباحث تقديم رؤية تفسيرية شاملة وعميقة، تتجاوز السرد الوصفي لتصل إلى عمق البنيوية التربوية في العالم العربي والإسلامي المعاصر.

القسم الأول: المحاضن الأولية وأزمة الكفاية الوالدية

أزمة الوالدية التربوية

في المجتمعات التقليدية، كانت التربية تمارس كعملية متوارثة، عبر المحاكاة، داخل الأسرة الممتدة. أما في المجتمع المعاصر، بتعقيداته وتدفقاته الرقمية والمعرفية، تحولت التربية إلى “علم تخصصي” يتطلب كفاية معرفية ونفسية عالية. غياب هذا التأهيل خلق فجوة حادة بين الأدوات المتاحة للوالدين ومتطلبات العصر.

يمكن تناول هذه الأمة من خلال العناصر التالية:

  1. الوالدية البيولوجية في مواجهة الوالدية التربوية
  • اختزال “الوالدية” في بعدها البيولوجي والمادي (الإنجاب والرعاية المادية) مع غياب التأهيل لـ “الوالدية التربوية” القائمة على أبعاد نفسية ومعرفية.
  • يمارس الوالدان دور “المربي” بمجرد إنجاب الأبناء دون أي إعداد أو تأهيل عملي أو معرفي سابق. غياب هذا التأهيل يجعل الممارسات التربوية اليومية مجرد “ردود أفعال عشوائية” أو “إعادة إنتاج انتقائية” لأساليب تربوية قديمة تلقاها الآباء في طفولتهم، قد تكون غير صالحة، أو حتى ضارة، في سياق العصر الحالي.
  1. الجهل بـ “مراحل النمو” وخصائصها واحتياجاتها المتغيرة.
  • عندما يجهل المربي خصائص مراحل النمو (مثل مشاكل الطفولة المبكرة، أو أزمة الهوية في المراهقة)، فإنه يسيء تفسير سلوك الابن الطبيعي. يترجم هذا الجهل عادة إلى “توقعات والدية غير متناسبة”؛ كأن يتم التعامل مع عناد الطفل كـ “انحراف” يستوجب القمع، أو التعامل مع رغبة المراهق في الاستقلال كـ “تمرد” يستوجب العقاب.
  1. تعطل دور الأسرة كـ “وسيط قيمي”
  • تشير هذه الأزمة إلى عجز القائمين على التربية عن أداء دور الوساطة بين البنى القيمية العليا للمجتمع (الدين، الأخلاق، الهوية) وبين الواقع المعاش للطفل.
  • التربية السوية لا تعني تلقين الطفل قيما جامدة، بل تعني القدرة على “ترجمة القيمة إلى ممارسة يومية ومفهومة.” ولكن عندما يفتقر الوالدان للإعداد المعرفي، ويعجزان عن الإجابة على أسئلة الطفل الأخلاقية، أو تمثل الأخلاق عمليا في سلوكياتهما، فإن هذا العجز يفصل القيم عن الواقع، فتصبح القيم في ذهن الطفل مجرد “شعارات” لا علاقة لها بالحياة.
  1. فقدان “الوجاهة المرجعية” للوالدين
  • تشير هذه الأزمة إلى سقوط الأسرة كجماعة مرجعية في نظر الطفل، وتحول ولاؤه المعرفي إلى جهات أخرى.
  • عندما يشعر الطفل أن والديه يفتقران إلى القدرة على فهم مشاكله المعاصرة (التنمر الإلكتروني، الهوية الرقمية، الضغوط المدرسية الحديثة)، فإنه يسحب “ثقته المرجعية” منهما. ويتوقف عن استشارتهم أو البوح لهم، ويتحول إلى “القرناء الافتراضيين” أو محركات البحث كبديل معرفي وأخلاقي، مما يعمق عزلة الأسرة ويفقدها السيطرة على مسار التنشئة.

أزمة التفكك والتشوه الوظيفي في الأسرة المعاصرة

تشهد الأسرة المعاصرة تحولات بنيوية متسارعة، تضع قيمها واستقرارها أمام اختبارات غير مسبوقة. فلم يعد التحدي مقتصرًا على مظاهر التفكك المادي الملموس كالطلاق والانفصال، بل برزت أزمة أكثر عمقًا وخفاءً تتمثل في “التشوه الوظيفي”. وهي حالة تفقد فيها الأسرة أدوارها التربوية والنفسية والاجتماعية الأساسية، لتتحول من محضن آمن لبناء الإنسان إلى مجرد وحدة استهلاكية مادية، يعيش أفرادها تحت سقف واحد لكن في جزر نفسية معزولة، يمكن رصد أبرز ملامح هذه الأزمة في العناصر التالية:

1. الانتقال من “التنشئة الجماعية” إلى “التنشئة الذرّية” (سيادة الأسرة النووية)

  • تشهد البنية الأسرية المعاصرة تحولات عميقة تتجاوز حدود التغيّر الشكلي لتطال عمق وظيفتها التربوية وهويتها الأخلاقية. يتجلى أول ملامح هذا التحول في الانتقال من نمط “التنشئة الممتدة” (حيث التربية مسؤولية شبكة اجتماعية تضامنية تشمل الأجداد والأقارب) إلى “التنشئة المنعزلة” الناجمة عن سيادة الأسرة النووية المنكفئة على ذاتها في فضاءات حضرية ضيقة ومعزولة.
  • أدت هذه الأزمة إلى فقدان الطفل لـ “روافد التنشئة المتعددة وشبكة الأمان العاطفي المتداخلة”. حيث يؤدي الانعزال داخل “الفضاءات الضيقة” إلى تقليص مصادر القدوة والتوجيه في شخصين فقط (على أفضل تقدير)، مما يخلق “عجزاً بنيوياً” في التنشئة، وبخاصة إذا اختفى أحد الوالدين (أو كلاهما)، أو تراجعت قدرته، أو استنزفت طاقته اللازمة لممارسة فعل التربية.

2. تآكل المعايير الجماعية لصالح “الفردانية الأنانية“

  1. يشير هذا الإشكال إلى تراجع قيم التضامن والتماسك العضوي لحساب السعي وراء الخلاص الفردي والترقي المادي.
  • فبدلاً من استيعاب الأبناء لقيم “التضامن والمسؤولية الاجتماعية”، يتعلمون عبر التنشئة الواقعية أن “رغباتهم الذاتية” هي محور الكون، مما يؤدي إلى تآكل مفهوم “الواجب الأخلاقي” تجاه الأسرة والمجتمع.

3. غياب الوقت النوعي

  • ليس المقصود بالوقت النوعي عدد الساعات التي يقضيها الأب أو الأم في المنزل، بل نوعية التفاعل خلال تلك الساعات. وتحديدا التفاعل الخالي من التوتر والمخصص للبناء العاطفي والمعرفي المشترك بين الآباء والأبناء.
  • يؤدي غياب “الوقت النوعي” (أي الوقت الذي يجلس فيه الآباء مع الأبناء للاستماع إلى أفكارهم ومخاوفهم وآمالهم) إلى حرمان الطفل من القدرة على تطوير مهارات التعبير عن الذات ومشاركة المخاوف. هذا الجفاف العاطفي يخلق اغتراباً أسرياً، يدفع الطفل للبحث عن بيئات بديلة (الفضاء الرقمي، جماعات الأقران في الشارع) لسد هذا الفراغ.

4. التناقض القيمي

  • يشير في أحد معانيه إلى غياب الاتساق المعياري سواء بين أقوال الوالدين (أو أحدهما) وأفعالهما، أو بين معايير الوالدين إزاء بعضهما البعض.
  • فعندما يرى الطفل تناقضا في أقوال وأفعال والديه أو تضاربا بين المنع والإباحة بينهما، يحدث له نوع من تفكك المعايير. حيث يفقد الوالدان مصداقيتهما كقدوة، ويتعلم الطفل مهارات “المناورة والانتهازية السلوكية” بدلاً من استبطان القيم الأخلاقية الثابتة.

5. “الأبوة الوظيفية”

  • في ظل حالة العزلة والركض المتواصل لتلبية الاحتياجات الحياتية، تنحدر أدوار الرعاية الوالدية نحو ما يُعرف بـ “الأبوة الوظيفية“؛ حيث تُختزل العلاقة الوالدية في تأمين الاحتياجات المادية وتوفير الخدمات المعيشية والتعليمية، بعبارة أخرى يختزل دور الأب من “سلطة ضبط قيمي وتوجيه فكري وحزم تربوي” إلى مجرد “مورد مالي”.
  • تراجع “الدور الأبوي” في عملية التنشئة يخلق حالة من السيولة، تتراجع معها مفاهيم الحزم وتتلاشى الحدود الأخلاقية لدى الطفل، ما يبعث برسالة ضمنية للأبناء مفادها أن العلاقات الإنسانية يمكن أن تُقاس فقط بقيمتها المادية.

6. الاحتراق النفسي للأم

  • يشير هذا المفهوم إلى العبء المزدوج الذي يقع على الأم التي تضطلع بأدوار متناقضة تتراوح بين المساهمة في الدعم الاقتصادي (خارج البيت) والقيام بالرعاية التربوية التقليدية (داخله). وذلك دون إعادة توزيع عادلة للأدوار، وفي ظل غياب الدعم المؤسسي أو الأسري الممتد.
  • عادة ما يؤدي ذلك إلى غياب الاستقرار النفسي في بيئة التنشئة؛ فالأم المستنزَفة نفسياً تفقد القدرة على تقديم “الاستجابات العاطفية المتزنة”، ويتحول تفاعلها مع الأبناء في كثير من الأحيان من تفاعل تربوي إلى تفاعل عصبي.

7. تصدير السمية الاجتماعية إلى الداخل

  • يلتهم الكفاح المستمر لتأمين الاحتياجات البيولوجية والمادية الأساسية (السكن، الغذاء، التعليم، العلاج) طاقة الوالدين النفسية والزمنية. وهنا تتحول الأسرة هنا إلى مؤسسة وظيفية تكافح للبقاء ماديًا، بينما تتسرب منها الوظيفة الروحية والأخلاقية.
  • في هذا السياق يستخدم العديد من الآباء ما يطلق عليه آلية إزاحة الغضب؛ فبسبب عجزهم عن مواجهة مصادر إحباطهم الخارجية، يتم تفريغ هذه الشحنات في “الحلقة الأضعف” داخل المنزل. هنا يتحول العقاب من أداة “للتقويم سلوكي” إلى أداة “للتنفيس انفعالي” للآباء، مما يشوه البناء النفسي للأبناء.

8. انتقال “العدوى النفسية” للقلق

  • إعادة إنتاج “الهشاشة والقلق” عبر الأجيال نتيجة عيش الوالدين في بيئة مهددة اقتصادياً وصحياً.
  • ينتقل الخوف من المستقبل والتوجس المستمر من الوالدين إلى الأبناء كـ “عدوى نفسية اجتماعية.” هذا المناخ المشبع بالخوف يقتل لدى الطفل روح المبادرة، والتجريب، والاستكشاف، ويُنتج شخصية سلبية تبحث عن السلامة اللحظية بدلاً من التميز والنمو.

9. الطلاق العاطفي والقانوني

  • يشير هذا المفهوم إلى المظاهر المختلفة للانفصال بين الوالدين سواء عبر الطلاق القانوني أو الطلاق العاطفي الصامت.
  • يحرم تفكك الأسرة الأبناء من “المساحة الأولية” لتعلم حل النزاعات وبناء العلاقات. وعلى العكس يتعلم الطفل “سيولة الروابط” ويتطبع مع حالة عدم الأمان، حيث يتحول المناخ المشحون بالصراع إلى بيئة تُنتج القلق والسلوك العدواني الدفاعي، وبخاصة إذا ما تم توظيف الطفل كأداة ضمن الصراع بدلاً من أن يكون موضوعاً للرعاية.

القسم الثاني: البناء المعرفي والروحي

أزمة التنشئة العقدية

لا يُنظر عادة إلى “التنشئة الدينية” كعملية بسيطة لتلقين النصوص الدينية أو تعليم الحركات التعبدية، وإنما كعملية بناء للنظام المرجعي الأساسي الذي يمنح الفرد معايير التمييز بين الحق والباطل، ويشكل إجابته عن الأسئلة الكبرى. ويمكن رصد بعض جوانب هذه الأزمة فيما يلي:

  1. إهمال الجانب العقدي، والديني في التربية
  • يعد تراجع الاهتمام بالبناء العقدي والديني في الطرح التربوي المعاصر أحد أبرز مظاهر التشوه الوظيفي للأسرة. إذ تحولت بوصلة الاهتمام الوالدي في كثير من الأحيان من “التزكية والقيم” إلى “الإنجاز المادي والدنيوي” المحض.
  • إن إغفال غرس الركائز الإيمانية والمعيارية في نفوس الأبناء يجرد الأسرة من أهم أدوارها بوصفها حائط الصد الأول لحماية الهوية، مما يترك الأبناء في حالة من السيولة القيمية والهشاشة النفسية أمام تيارات العولمة الفكرية.
  1. العجز عن ممارسة الوساطة المعرفية
  •  يشير إلى ضعف القدرة الوالدية على تحويل الغيبيات والمفاهيم الدينية المجردة إلى نماذج إدراكية تناسب “النمو المعرفي المتدرج للطفل”.
  • عندما تغيب الكفاية التفسيرية لدى الوالدين، يتم تصدير المفاهيم المجردة كالآخرة، والقيامة، والروح، والحساب كما هي دون تقريب أو تبسيط، هذا القصور التواصلي يجعل الطفل يستوعب هذه المفاهيم بشكل مشوه ومربك، لعدم امتلاكه الأدوات العقلية القادرة على هضم المجرد وتصوره.
  1. أزمة “الأجوبة المعلبة”
  • تشير هذه الأزمة إلى استخدام “قوالب تفسيرية تقليدية وجاهزة” نشأت في سياقات مجتمعية معينة، والعجز عن تكييفها لمواجهة “السياق المعاصر السائل والمفتوح رقمياً” الذي يعيشه الأبناء.
  • على سبيل المثال يواجه طفل اليوم عبر الشاشات أفكاراً مثل: الإلحاد، النسبية الأخلاقية، مشكلة الشر. وعندما يطرح الطفل سؤالاً متأثرا بهذه المؤثرات، ويأتيه الرد الوالدي تقليدياً وزجرياً، يحدث تراجع للمصداقية، على نحو يزرع لدى الطفل شكاً مبكراً في تماسك البناء العقدي نفسه، ويحرمه من الحصانة المعرفية التي يحتاجها لمواجهة العالم
  1. الاغتراب العقدي
  • يشير إلى عجز الوالدين عن الربط بين التوجيه الديني والخبرة الحياتية للطفل،
  • بحيث يصبح الدين بالنسبة للطفل “طقساً خارجياً” يمارسه رياءً أو امتثالا للسلطة الوالدية، بينما يظل عقله الداخلي ونظامه التفسيري مغترباً كلياً عن هذا التوجيه.

أزمة إنتاج البوصلة الأخلاقية

في المجتمعات المعاصرة التي تتسم بـ “السيولة” وتعدد المرجعيات، لم يعد كافياً أن يلقن الطفل “ماذا يفعل”، بل الأهم هو “لماذا يفعله”. إن غياب البوصلة الأخلاقية يحوّل الأسرة من إنتاج “ذوات فاعلة” إلى إنتاج “ذوات هشة” يسهل اختراقها فكرياً وقيمياً عند أول احتكاك بالواقع المعاصر ومكوناته، وتشتمل هذه الأزمة على المكونات الفرعية التالية.

  1. اختزال التنشئة في “الامتثال السلوكي”
  • تشير هذه الأزمة إلى غلبة النموذج السلوكي القائم على المراقبة والتحكم في السلوك الظاهري.
  • تتعامل بعض الأسر مع التربية كعملية شرطية (ثواب وعقاب) بسيطة. الهدف منها أن يكون الطفل “مطيعاً وهادئاً”. هذا الاختزال يُنتج شخصية مذعنة؛ تتعلم كيف تلتزم بالأوامر والنواهي خوفاً من العقاب أو رغبة في المكافأة، دون أن تستوعب المعنى الكامن خلفها. وعندما يغيب الرقيب (الأسرة) ويخرج الطفل إلى المجتمع، ينهار هذا الضبط الظاهري فوراً، لأنه لم يتحول إلى وازع داخلي أو بناء معرفي متماسك لدى الابن.
  1. العجز عن إدارة “التعقيد الاجتماعي”
  • تشير هذه الأزمة إلى عجز الوالدين عن تزويد الطفل بـ “أدوات التفكير المركب” للتعامل مع التعقد الاجتماعي المشتمل على مصادر التأثير المتعددة (المدرسة، الإعلام، الشاشات، الأقران إلخ).
  • يعيش طفل اليوم في سياق “معولم” تتصارع فيه القيم؛ حيث يرى في بيته قيم، وفي مدرسته قيم مغايرة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي قيم ثالثة تتناقض معهما. وعندما يفتقر الوالدان للكفاية التربوية، يقدمان للطفل عادة تفسيرات “ثنائية بسيطة” (تقسم الظواهر والأشياء والأشخاص وفق ثنائية أبيض وأسود/شرير وخير)، عادة ما تكون عاجزة عن تفسير هذا التعقيد. هذا العجز يحرم الطفل من “المرونة المعرفية” والقدرة على التكيف مع التحولات المتسارعة، فيصبح إما منغلقاً يرفض كل اختلاف، أو مشتتاً قابلا للذوبان في أي سياق خارجي.
  1. غياب “أدوات التصنيف المعرفي”
  • يشير إلى العجز عن التمييز بين “الثبات القيمي” (المبادئ الأخلاقية الحاكمة) و”التغير الاجتماعي” (الأنماط والتنظيمات الحياتية المتغيرة).
  • عندما لا تملك الأسرة أدوات الكفاية المعرفية، فإنها تعامل “العادات والتقاليد” بنفس قداسة “القيم الأخلاقية والدينية الثابتة”. هذا الخلط يشوش المنظومة الأخلاقية للابن؛ فعندما يكتشف الطفل -مع احتكاكه بالمجتمع- أن العادات الاجتماعية متغيرة ومتطورة، يميل تلقائيا إلى تصور القيم الأخلاقية ذاتية ومتغيرة، فيسقط في فخ “النسبية الأخلاقية” لعدم وجود فصل معرفي لديه بين ما هو “مطلق وثابت” وما هو “نسبي ومتغير.”
  • يؤدي الوقوع في فخ “النسبية الأخلاقية” بالطفل إلى العجز عن إدانة السلوكيات المنحرفة أو التمييز بين التنوع الثقافي الإيجابي وبين تفكك المنظومة الأخلاقية. فينمو الطفل وهو يرى الصح والخطأ كوجهات نظر شخصية خاضعة للمزاج الفردي، مما يجرده من الصلابة الأخلاقية ويجعله قابلاً للاستقطاب من قِبل الثقافات سائدة.
  1. تحول الأخلاق من “التزام مبدئي” إلى “خيارات عملية”.
  • تشير هذه الأزمة إلى تراجع المرجعية القيمية الملزمة، وإحلال الأخلاق النفعية مكانها بوصفها خيارات فردية مرنة.
  • عندما تفشل الأسرة في بناء أخلاق مرجعية، تترسخ لدى الناشئة فكرة أن الأخلاق ليست التزاماً مبدئياً، بل هي أداة وظيفية خاضعة للمنفعة والسياق. وهنا يتعلم الطفل -ضمنياً- أن الصدق جيد “إذا كان يخدم مصلحتي”، وأن الخداع مقبول “إذا كان يجنبني الخسارة”. هذه البراجماتية في معايير الحكم القيمي تؤدي إلى تآكل “رأس المال الاجتماعي” وتراجع الثقة المتبادلة بين الأفراد في المجتمع، ما ينتج جيلاً يعاني من “فقدان البوصلة الأخلاقية”.

القسم الثالث: المؤسسات والوسائط التربوية البديلة:

أزمة التحدي الرقمي

طالما كانت المدرسة حاضنة أساسية في تشكيل الوعي وبناء القيم، بالتعاون والشراكة مع الأسرة. إلّا أن المنظومة التربوية المعاصرة شهدت دخول شريك رقمي غيّر موازين هذه العلاقة التكامليّة وقواعدها بالكامل، مفرزاً جملة من التحديات المستجدة، من أبرزها:

1. تباين السرعات الإدراكية

  • يعيش الأبناء الآن في عالم رقمي مواز حيث المعرفة فورية، مجزأة، ومحفزة بصرياً. وفي المقابل، عندما يعبرون عتبة المدرسة، فإنهم يدخلون في إطار نظام خطي بطيء، يعتمد على الكتاب المطبوع والتلقين الشفوي.
  • هذا التباين يخلق لدى الطالب نوعاً من “الاغتراب المعرفي”. فآليات بناء المعنى في عقله قد أعيدت هيكلتها رقميا (حيث تعدد المهام، الفورية، التفاعلية)، لذا يرى في البطء المدرسي عجزاً وبيروقراطية مملة.
  • هذه المفارقة تخرج المدرسة من سياق “الحياة الطبيعية” للطالب لتصبح عبئا ثقيلاً يتعين عليه اجتيازه، بينما “علمه” وتصوراته عن العالم تتشكل في مكان آخر تماماً.

2. الأمية الرقمية

  • تسعى بعض المدارس إلى إدخال التقانة ضمن مقرراتها كمحاولة للتجاوب مع التحدي الرقمي. ولكن الأزمة ليست في “الوصول إلى التقنية” بل في امتلاك نوع من الوعي النقدي إزائها، فالمدرسة تدرب الطالب على كيفية “استخدام” الأدوات الرقمية، لكنها لا تعلمه الكيفية التي تعمل بها “خوارزميات التوجيه”، وكيف توجه المنصات مشاعره وسلوكه الاستهلاكي.
  • عندما تتجاهل المدرسة البنية المعرفية للفضاء الرقمي، فإنها تترك الطالب أعزل أمام التحدي الرقمي. فالخوارزميات الرقمية مصممة لتعزل مستخدميها داخل “فقاعات تصفية” تظهِر فقط ما يوافق هواهم وميولهم مسبقاً، مما يغذي الاستقطاب ويعطل التفكير النقدي. الطالب هنا يقع في حالة “اعتماد متزايد” على بيئات تصنع وعيه ومعاييره الأخلاقية والجمالية بشكل ناعم وغير مباشر، دون أن يمتلك القدرة النقدية لتفكيكها.

3. أزمة إنتاج المعرفة ونقلها

  • تاريخياً، كانت المدرسة هي “حارسة بوابات المعرفة”، فمن يملك سلطة صياغة المناهج الدراسية يملك الحقيقة. ولكن ما حدث عمليا أن الفضاء الرقمي حطّم هذا الاحتكار. فالمعرفة الآن متاحة في الفضاء الرقمي (وإن كانت أيضاً مشوشة ومخلوطة بكثير من المعلومات المضللة).
  • الأمر المشاهد اليوم أن “الطالب العادي” يثق في مقطع فيديو قصير يشرح مفهوماً معقداً بجاذبية بصرية، أكثر ربما من ثقته في محاضرة طويلة يلقيها معلم تقليدي. هذا يحول دور الطالب من متلق للمعرفة إلى “مستهلك” لها في سوق المعرفة الرقمية الخاطفة، والمدرسة بشكلها الحالي لا تمتلك الإمكانات التنافسية لإدارة هذا النمط من الطلاب ولا هذا النمط من المعرفة الساخنة. ولهذا يذهب البعض أن المدرسة اليوم تقف أمام أحد خيارين حتميين:
  1. إما أن تستمر في تلقين المناهج بأدوات قديمة، كمؤسسة تمنح “شهادات ورقية للتوظيف”، وتقبل بأن تتحول عملية التنشئة الحقيقية وصياغة العقول إلى الفضاء السيبراني.
  2. أو أن تعيد تعريف وظيفتها؛ من “تلقين المعلومة” إلى تمكين الطلاب على القيام بالنقد والتحليل، بحيث تصبح وظيفتها الأولى تسليح الطالب بالوعي النقدي الذي يجعله يتعامل مع المحتوى الرقمي وصناعه بعين ناقدة وفاحصة بدلاً من التبعية العمياء.

4. الاندماج العضوي مع الخوارزمية (الذات الممتدة سيبرانياً)

  •  منصات التواصل الاجتماعي لا تقدم لمستخدميها مجرد مقاطع ترفيهية؛ فهي محركات خوارزمية مصممة بعناية لدراسة السلوك العصبي للمستخدم، على نحو يكافئ العقل بجرعات سريعة من “الدوبامين” مقابل التمرير اللانهائي، على نحو يعيد صياغة تمثلات الفرد حول مفاهيم مثل المتعة والاستفادة وأهمية الوقت.
  • الملفت أن الطفل/المراهق (وحتى بعض الشباب) اليوم لا يتعاملون مع الخوارزمية كأداة خارجية، دخلت حياتهم؛ وإنما كفضاء وُلدوا هم بداخله.
  • بالنسبة لهذا الجيل، الخوارزمية ليست “طرفاً خارجيا يراقبه أو يوجهه”، بل هي امتداد لعقله وجهازه العصبي. الخوارزمية هي البيئة الحيوية التي يمارس العديد من الأبناء من خلالها وجودهم، وبدونها يشعرون بـ الموت الاجتماعي والعزلة التامة.
  • بناءً على ذلك، فإن فكرة “مقاومة الخضوع للخوارزميات الرقمية” تبدو له فكرة عبثية وغير مفهومة، تشبه تماماً أن تطلب من شخص أن “يرفض الخضوع لجاذبية الأرض”.

أزمة الدور الطبقي للمدرسة

طالما قُدِّمت المدرسة الحديثة في الخطابات السياسية والتربوية المعاصرة باعتبارها “المصعد الاجتماعي” الأبرز، والآلية الديمقراطية العادلة التي تضمن تكافؤ الفرص وتتيح للأفراد الارتقاء الطبقي بناءً على جهودهم ومواهبهم الذاتية.

غير أن هذا التصور المثالي يصطدم بواقع اجتماعي مأزوم؛ إذ تكشف الدراسات النقدية أن المدرسة، في كثير من الأحيان، لا تؤدي وظيفة التحرير والارتقاء الاجتماعي بقدر ما تمارس دوراً بنيوياً مقصودا في “إعادة إنتاج التفاوت الطبقي”.

إن المدرسة المعاصرة وبخاصة في عالمنا العربي تتحول —أو هي بالفعل قد تحولت — من قاطرة مفترضة للحراك الاجتماعي إلى “آلة فرز” ناعمة، تمنح التمايز الطبقي القائم مشروعية قانونية وأكاديمية تحظى بقبول الجميع، بمن فيهم الضحايا أنفسهم.

1. من الجدارة إلى التسليع

  • الأصل في المدارس أنها أداة لفرز المواهب استناداً إلى الجهد الذاتي للطلاب. لكن الواقع يكشف أن “تسليع التعليم” قد أعاد صياغة المعرفة كامتياز يُشترى، وأدى لشرعنة التفاوتات الطبقية.
  • إن خطورة الدور الطبقي للمدارس لا تكمن فقط في أن أبناء الفقراء يحصلون على تعليم متواضع، وأبناء الأغنياء يحصلون على تعليم أفضل، بل في أن المنظومة تمنح هذا التفاوت “خِتماً شرعياً”.
  • فالمؤسسة التعليمية تصر على أن كل شخص في مكانه المناسب بناءً على جدارته وعمله، بينما الحقيقة أن كل شخص يوُضع في مكانه بناءً على ما دفعته عائلته مسبقاً في سوق التعليم المسلّع.
  • المدرسة على هذا النحو تعمل كـ “مصفاة طبقية” تبرر اللامساواة وتجعل المحرومين يلومون أنفسهم بدلاً من أن يتوجهوا باللوم للنظام التعليمي الطبقي.

2. التأهيل للأدوار الطبقية

تتشابه أنظمة المدارس حاليا مع أنظمة الشركات (تعود هذه الفكرة لنظرية صاغها كل من صامويل بولز وهيربرت جينتيس في أطروحتهما الشهيرة “التعليم في أمريكا الرأسمالية.” افترضا بموجبها أن العملية التعليمية في المجتمع الرأسمالي هي عملية “تخصيص أدوار ثنائية الأبعاد، فثمة طرف يُطوّع ليكون ترساً تنفيذياً مطيعاً في الآلة الرأسمالية التي يتحرك على وفقها المجتمع. وطرف يُنمّى استقلاله ويُمكّن ليدير الآلة ويقود البشر.)

  • فهناك مدارس التطويع (لأبناء الكادحين): حيث يحاكي المناخ العام في هذه المدارس “بيئة المصنع” أو المكاتب الإدارية الصغيرة. حيث التراتبية الصارمة، والتركيز على الحضور، والانضباط الصارم، وغياب القدرة على المشاركة في تحديد المحتوى (المناهج جامدة مفروضة من أعلى)، والامتثال للأوامر. الطالب هنا يروض ليتقبل الاغتراب؛ فهو يدرس من أجل الحصول على المكافأة (الدرجة) تماماً كما يعمل العامل من أجل الحصول على مكافأة (الأجر)، دون أن يكون لأي منهما رأي في قيمة أو طبيعة ما ينتجه أو يدرسه.
  • في المقابل، تحاكي مدارس النخبة مجالس الإدارات والمراكز البحثية الكبرى. فالتراتبية بدلاً من أن تشير إلى وجود سلطة قمعية تتقلص لتصبح علاقة “توجيه” (Mentorship). هنا لا يتعلم الطالب الامتثال، بل يتعلم إدارة عدم اليقين والتعامل مع التعقيد، وهي الصفات اللازمة للقيادات الرأسمالية.

3. إدارة المعرفة مقابل تلقيها

  • في الطبقات الدنيا، يقدم المنهج ككتلة واحدة؛ حيث ثمة “إجابة واحدة صحيحة” عن كل سؤال. الأمر الذي يغرس في الطلاب عقلية امتثالية تبحث دائماً عن “نموذج الإجابة” أو توجيه السلطة (الوزارة، المدرس، الكتاب الخارجي) للتعامل مع المشكلة.
  • في الطبقات العليا، يقدم المنهج عبر نظام قائم على المشاريع. حيث يُمنح الطالب سلطة على المحتوى. فيختار المشكلة، ويحدد أدوات البحث، ويتفاوض على الحلول. وهنا فإن الخطأ ليس خطيئة تؤدي للعقاب، بل “مخاطرة فكرية محسوبة” وهي السمة النفسية الأساسية لرواد الأعمال والمخططين الاستراتيجيين.

4. الرأسمال الاجتماعي والثقافي

أهم ما تقدمه مدارس الطبقات العليا هو:

أ. شبكات المصالح (الرأسمال الاجتماعي):

  • الجلوس على مقعد الدراسة بجانب أبناء الوزراء ورجال الأعمال يخلق “روابط شللية” وعلاقات قرابة طبقية غير رسمية. هذه الروابط تعمل كشبكات أمان في المستقبل؛ فالوظائف الكبرى والصفقات الاستراتيجية لا يتم الإعلان عنها في الصحف، وإنما تُمرر عبر هذه القنوات المغلقة.
  • على الناحية المقابلة فإن الكفاءة العلمية لابن المدرسة العامة تقف عاجزة عن النفاذ إلى الدوائر المغلقة لأصحاب “الرأسمال الاجتماعي” المشترك من أبناء النخبة.

ب. الـ “هابيتوس” والتميز (الرأسمال الثقافي):

  • “الهابيتوس”(Habitus) هو نظام من الاستعدادات والميول المكتسبة التي تظهر في نبرة الصوت، طريقة المشي، واختيار الألفاظ، وطريقة التفاعل مع الآخرين.
  • أبناء النخبة يكتسبون من أنظمة التعليم الطبقي ثقة داخلية بأنهم “مؤهلون طبيعياً” للقيادة. هذا التميز يعمل كسلطة رمزية خفية؛ فعندما يتقدم ابن النخبة وابن الطبقة العامة لنفس المنصب، يميل المجتمع (والمؤسسات) لقبول ابن النخبة ليس بسبب شهادته، بل لأن سلوكه يعكس “سمات القيادة الطبيعية”، وهو في الحقيقة مجرد امتياز طبقي تم التدريب عليه وتلقينه بعناية منذ الطفولة.

القسم الرابع: الفضاءات الضاغطة والسياق الحضاري

الأبعاد المكانية للأزمات التربوية

لا تتشكل الأزمات التربوية المعاصرة في فراغ، بل تولد وتنمو داخل “حيّز مكاني” يمنحها أبعادها المادية والرمزية. فالمكان فاعل بنيوي يساهم في تشكيل الوعي أو تشويهه؛ إذ يعكس الجغرافيا الطبقية، والتفاوت التنموي، ومستوى العزلة أو الانفتاح الثقافي. إن مقاربة الأزمات التربوية من منظور “مكاني” تتيح لنا الانتقال من رصد الأعراض السطحية إلى فهم آليات التمييز الجغرافي، وكيف تتحول البنى المكانية (من تكدس، وشح للمساحات الخضراء، وعزل للهوامش الحضرية والريفية) إلى قيد يكرس التفاوت المعرفي ويقيد الحراك الاجتماعي؛ مما يجعل المكان أول المؤشرات الدالة على عمق الأزمة وبنيويتها.

1. التكدس البشري وتآكل الحدود النفسية للطفل

  • يشير التكدس البشري إلى انتقاص “الحيز المكاني الفردي” داخل المسكن (والفصل الدراسي)، وتحوله إلى بيئة تفتقر إلى الخصوصية البصرية والسمعية.
  • هذا التكدس يرفع من معدلات “الاحتكاك القسري المستمر”، مما يمنع الطفل من تطوير مفهوم “الاستقلال الذاتي” والخصوصية. كما أن الضيق المكاني يرفع منسوب التوتر العصبي المشترك داخل الأسرة (والمدرسة)، فتتحول استجابات الوالدين (والمعلمين) إلى استجابات عنيفة بسبب “الضغط البيئي”.

2. تجفيف “الفضاءات الوسيطة” وتراجع النمو الحركي الفطري

  • تشير هذه الأزمة إلى سحق المنافذ/الفضاءات العامة المجانية (الحدائق، الملاعب، الساحات) بفعل التخطيط العمراني المتوحش (النيوليبرالي) الذي يسلّع المساحات.
  • هذا التجفيف يمنع الطفل من ممارسة “مظاهر النمو الحركي والتفاعل الحر” مع أقرانه في بيئة آمنة وخاضعة لرقابة مجتمعية غير مباشرة. كما أن هذا التجفيف يحرم الطفل من تفريغ طاقته الطبيعية، مما يُترجم داخلياً إلى احتقان سلوكي ونفسي.

3. مطرقة الاغتراب الرقمي وسندان الانحراف الشارعي

  • جغرافيا التكدس تفرض على الأسرة معضلة إجبارية تتمثل في اختيار مؤسسة التنشئة البديلة:
  • فاضطرارياً، تختار الأسر أحد مسارين:
    • الانكفاء الداخلي (الحبس المنزلي): مما يضطر الأسرة لتسليم طفلها كلياً لأدوات التنشئة الرقمية (التربية عبر الشاشات)، فينشأ طفل معزولا، فاقدا للمهارات الاجتماعية الواقعية، ومدمنا افتراضياً.
    • القذف إلى الشارع العشوائي: حيث يتعرض الطفل لتنشئة برية غير منضبطة، تملأ فراغه بقيم مستقاة من بيئة يسودها العنف اللفظي، التحرش، والابتذال السلوكي، فيستبطن هذه المعايير كأدوات للبقاء.

4. الامتداد الإسمنتي واستفزاز الجهاز العصبي

  • تشير هذه الأزمة إلى سيادة “البيئة الإسمنتية الرمادية” واختفاء المحفزات الطبيعية الإيجابية (الخضرة، المدى البصري المفتوح) بالتوازي مع التلوث السمعي والبصري المستمر.
  • تعمل هذه البيئة كمحفز سلبي للجهاز العصبي للطفل. حيث يؤدي غياب الجمال البصري والمساحات المفتوحة إلى زيادة هرمونات القلق والكآبة، مما يجعل الطفل ينمو بشخصية “متحفزة وعدوانية” تلقائياً كآلية دفاع نفسية ضد “قسوة المحيط المادي.”

أزمة السياق الحضاري

القوة الحقيقية للعولمة اليوم أنها رفعت كلفة الإكراه المادي الخشن واستبدلته بـ “الجاذبية الجمالية والاستهلاكية”. فالطفل (المسلم) لا يرتدي ثياباً غربية أو يستمع لموسيقى معينة لأنه مجبر، بل لأن هذه الأنماط أصبحت مشحونة رمزياً بمعاني “التحرر الذاتي”، “المعاصرة”، و”الفردانية.” بعبارة أخرى ثقافة العولمة لا تلغي القيم المحلية قسراً، بل تقوم بـ إحلال وتعديل تدريجي؛ حيث تخاطب الحاجات النفسية والجمالية العميقة (الإبهار البصري، المتعة الفورية، الترفيه السريع). هذا الإشباع الفوري يصنع بنية نفسية وسلوكية تتصادم جذرياً مع القيم التقليدية القائمة على الصبر، والولاء للجماعة، وتأجيل المكافأة.

1. تخليق الحاجات الاستهلاكية ناعماً:

  • لغة الإعلانات المعاصرة لا تبيع سلعا فقط، بل تبيع “أسلوب حياة مرغوب فيه”. كما تُرسخ في عقل الفرد الباطن أن القيمة الوجودية للإنسان تكمن فيما “يستهلكه ويظهره”.
  • هذه الطريقة من الاستهلاك تجعل السلعة تفقد “وظيفتها الاستعمالية” لتكتسب قيما رمزية؛ فالمرء لا يشتري الهاتف الأحدث لإجراء المكالمات (الوظيفة)، بل ليحوز “ختم المعاصرة والطبقة النخبوية” (الرمز).

2. إعادة تعريف مفهوم الحرية

  • أحد أكبر النجاحات التي حققتها الرأسمالية (وخصوصا في نسختها الرقمية) أنها قد أعادت تعريف مفهوم “الحرية” في وعي الجيل الجديد:
  • المفهوم القديم للحرية (السيادة والاستقلال): كان يشير إلى القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، ومقاومة للضغوط الخارجية، والتحكم في المصير الفردي.
  • أما المفهوم الجديد للحرية: فأصبح يشير (في أحد أوجهه) إلى حرية التمرير دون توقف، وحرية الاختيار بين آلاف المقاطع المقترحة، وحرية التعبير الفوري بنقرة زر.
  • في هذا الإطار فإن الطفل/المراهق يشعر أنه “حر تماماً” وهو يتنقل عبر منصات التواصل الاجتماعي لأن هذه المنصات تلبي رغباته بدقة مذهلة. هو لا يرى “القيد الخوارزمي” المحيط به، لأنه قيد ناعم ومريح ومصمم على مقاس أهوائه الشخصية. بالتالي، يصبح من الصعب مطالبته بالتحرر من نظام هو يشعر بذروة حريته داخله.

3. معيارية الجدوى و”موت العمق”

  • في عالم السرعة والسيولة، تتراجع قيمة “المعنى العميق” لصالح “المنفعة والجدوى الفورية”. كما أن مفاهيم مثل “استقلال الإرادة” تصبح مفاهيم ثقيلة الظل، لكونها تتطلب تأملاً، وقراءة، ومساءلة للذات، واعتزالاً للضجيج.
  • في المقابل، تقدم البيئة الرقمية مكافآت فورية، لا يمكن مقاومتها.

4. صياغة الهوية عبر الاعتراف الخارجي

  • قديماً، كان استقلال الإرادة يتغذى على بناء “نواة داخلية صلبة” للقيم (ضمير أخلاقي، هوية ثقافية مستقرة).
  • اليوم، يتم تدوير الهوية لتصبح “هوية استعراضية كمية”. حيث يستمد الطفل/المراهق معناه وقيمته الوجودية من “مؤشرات الاعتراف الرقمي الخارجية” (عدد المتابعين، اللايكات، المشاهدات، التفاعل). هذه المؤشرات تتحكم فيها خوارزميات رقمية؛
  • فمن يريد الاعتراف الرقمي، عليك أن يخضع للمعايير الخوارزمية بأن ينتج ما تكافئ عليه الخوارزميات. هنا، يصبح “استقلال الإرادة” مرادفاً للانتحار الرقمي؛ فمن يستقل عن معايير المنصة، يصبح غير مرئي، وفي العصر الرقمي، أن تكون غير مرئي يعني أنك غير موجود.

عن مركز خُطوة للتوثيق والدراسات

شاهد أيضاً

التنشئة الاجتماعية للطفولة في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية

أ. د. محماد بن محمد رفيع

يروم هذا البحث تفصيل القول في المعالم المقاصدية والتشريعية المحددة لاستراتيجية شريعة الإسلام في معالجة موضوع التنشئة الاجتماعية الآمنة للطفولة، وتقديمها مرجعًا معياريًا لمراجعة وتقويم السياسات الاجتماعية المعتمدة في العالم العربي والإسلامي لرعاية الطفولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.